Page 1
1-كِيُوثاء
(بزوغ اللَّون)البريق الذي التمع على الأدراج المغسولة برذاذ الخريف، قَسَّمً خَتْمه نصفين بين آثار ميدو المبعثرة على رقعة معناها الحجريِّ· لسانٌ صغير تدلَّى من فم الغيم ــ لسانُ نورٍ بلَّلَ الأدراج التسع والتسعين، فالتمعت بالعافية ذات الأثداء المندلقة ملآى على أفواه الشجرات الزرقاء، المحيطة صفَّيْن بالأعمدة القديمة المكسورة، المتناثرة من نهاية الأدرج حتى ساحة الحنان المرصوفة بالحجر الرمليِّ الأصفر· الرجال السبعة، الذين عبروا الساحة، ممسكيْنَ بأرسان دوابهم، أبقوا أبصارَهم ــ أبصارَ الكمائن العريقة على الشجرات يَصِفُونها لأنفسهم بلسان العَجَب الصمت: هي زرقاء، أو تشرَّبَ لحاؤها وورُقها بنَفَس أزرق من رئة اللامعلوم النَّديم· أكثرُ ورقها مبعثر، بإشارق من جواذب الخريف لأرواح النَّبات، على المَعْبَر وحواليه، والقليل الباقي متشبثاً بالغصون يعرف أن الخفقة الأخيرة لجناح العافية ستبعثرهُ أبعدَ من مراقد شقيقاته، في اتجاه الساحة الدائرية حيث تنقذفُ الريحُ، أبداً، كأنما خيالُها مرصودٌ بالأرقام الصُّلبة لخيال الحجر·
سبع وثلاثون شجرة· ثماني عشرة تتقابل صفَّيْن، وواحدة مفردة تسدَّ الممرهَ في نهايته قرب الخان· شجر المُعْجَم ــ هذا لقبُها الذي استأنس به عقلُ المقيمين على مشارف أرض الآثار المطحونة، نقلوه عن لسان أرْدَهان حارثِ النَّقْشِ، ابن قاضي الطهاة راوْندْ لُوْرْ، دِهقان الدساكر الثماني والأربعين في سنجقَ فِيْشْ خابور· هي شجراتُه في بستانه الحجريِّ المترامي، من الساحة المرصوفة التي تقوم عليها دارتُهُ الفارهة، الدائرية، حتى آخر عمودِ مُنْتَصف من إرث ميدو، على التلال المتوسِّدةِ عانةَ السماء البليلة غرباً· جَمَع أَرْدَهان الشجرَ والحجرَ إلى خلافته في مِلْكِ أبيه المنصرف، في عزلة قلبه ويقينه، إلى تدوين فاكهةِ الرَّقْمِ ــ الأصواتِ ومراتِبِها، بعد اعتزاله القضاءَ الذي أمضى نصف قرنٍ في فرعٍ من الأَحكام لم يسبقه إليه أحد، ألا وهو فضُّ المنازعة بين الطُّهاة في إقليم شَهْزَزُْرْ·
شجر المعجم كذاكنَّي أردهان الفصيلَ النَّباتَ المتسامقَ في حوزةِ فراغه· لم يشرح، إلاّ باقتضابٍ لا يُغْْني، نازعَ خياله إلى تأكيد الكناية: انظروا المعجمَ: تكثرُ الملماتُ فيه فتختبل· وشجري هذا كَثُرَ عليه ذهولُ الحِفْظ الشجر ساهرٌ أبداً· مشرغٌ أبداً على ودائع المسكونات·امتحانٌ نباتٌ مبوَّبٌ على حروف الدَّهْر يقول الكهل، الذي انفتحت بوَّاباتُ قلبه عن مَهَبٍّ من النقوش على كل شيء: جدران دارته، وغُرفها، وأرضها، وساحتها، وأدراجها، والخان المُلحق بها، ومعادن آلاتها من الأسرجة والفواني حتى الأباريق وصِحاف الطعام· ويكاد أن يمسك الغيوم، في مرحٍ، ليعيدها إلى السماء مزينةً بصروف الأشكال وقضاءِ الخطوط· فهو المنحدر أصلاً من سلف تملَّكوا الإيالات في نواحي هكَّارْ بمراسيم من الخط الأيغوري، مدموغةٍ بأختام السلاطين الجنكيزية، عَمَدَ، في سخريةٍ استوفاها من أبيه، إلى دباغةٍ بلا ألم في جِلْد آدميٍّ حيٍّ: العلوم والنَّحو لا يكفيان لإبقاء الكرديِّ كردياً· جِلْدٌ تحوجه دباغةٌ، وكَشْطٌ بشفرة الرَّسم والخطِّ، لكنه بقي على ريبته المأثورة عن سلالة نَسْلِ الجنِّ من الشعر· الكردُ لا يحبون صنف الكلام هذا، الذي يقيِّدُ الهيبةَ في الموقف ويُطلق الخفَّةَ بحساب المبالغة والاعتراف اللذين لا يليقان بالأقوياء·
Page 2
الجنُّ، الذين أورثوا شِعابَ الجودي، مذ تزوجوا الآدميات هنا·، عِرْقاً ليس على مشارب النُّطَفِ في أصلاب الجنِّ، طووا صَفْحاً ــ بإلحاح عذبٍ من نسائهم ــ عن تلقين الأبناء مرادفاتِ المعنى في طنينه، عبر صوتٍ ذي معارجَ في أوزان لا تليق بالصوت كهبة حُرَّة من النُّطق القُدسيِّ· ليبقَ إرثُ الشعر في موطن الجنِّ الأول، على تخوم اليابسة العريفة، أما الصَّقْع الجديد الذي استوطنتْهُ قبائلهُ المرئية فما من حاجة بالقرائح إلى نَظْم الفكر فيه مبثوثاً في رحاب الصِّور، أو مغشياً عليه من أثقال البيان· هكذا وطَّد الدمُ المختلطُ من ماءٍ حيٍّ، وقرمزٍ مسكون، وفراغٍ متاهٍ، نشأةَ الطَّبْع في الكُرد على حيلة الظاهر وحده، بلا توريةٍ، فيتصبَّب الواحد منهم من مسامه الطيشَ، والتهوُّرَ، ومنازعةَ الأرض على كونها أرضاً والسماءِ على كونها سماءً· لكن أردها، المُنتدَبَ من جموح الطبائع في زلال خصيتيه على تسعة فرُوْجِ مكتنزةٍ بلا خصامٍ في عصْمَةِ ذكِرِه، التفَّ على حيلة الظاهر من جهةٍ يغشاها العابثون، مزمعاً أن يعيد إلى أجداده من الجنِّ العُصاة، مُمرِّقيْ قميصِ الطاعة على كتف سليمان النبيِّ العاشق، خمرةً يقينهم في الكلمات المحسوبة ضلالاً يُرشِد الخيال إلى كماله: سأحفر الشِّعْرَ على مناقير الطير ومناسِرها
هو لا يدري كيف هاجت به الإنعاطفةُ من ريبة عقله في الشِّعر إلى تزويق الجسوم الصلبة في معمورة مُلْكه ــ مُلْكِ أبيه المنعزل، قاضي الطهاة ــ بالشِّعر حتى فاضت الخطوطُ عن مساربها في الأبهاء إلى العتبات، وانسرحتْ أبعدِ إلى حجر الساحة فالأدراج فالأقبية، التي ينحدر إليها الممسوسون بجلال الوجود الأرقِ ليتأملوا صفوفَ الجرار الملآى برماد أمراء جزيرة بوتان· الأب راونْدْ لَوْر خلط الأرصدةَ بالتوابل = لكل رماد ما يعادل طباعَهُ من الطَّعْم· وتدبير ذلك، عن عِلْمٍ دقيقِ النَّظَرِ كالمتحصِّل للأب راوند لور، هو شرعةُ بقاء الحقيقة متأصِّلةً بجوهرها في بذرة الجماد الجوهر· الرماد والتوابل جوهران، أما الأرواح فهي أبخرةُ الطهو يتنشَّقُها الغيبُ الجائع ثم ينساها بعد الشبع· الأرواحُ عَرَضٌ من أعراض الضرورة·
راوند لور اكتفى في أعوامه الثمانين، بخاصيَّة اللِّمس وحدها· الذوق نَفْسَه غدا لَمْساً· إصبعه تنتقل من الطعام إلى فمه، ومن التراب إلى فمه، ومن السطور، التي لا يراها في كتابه المهترى، إلى فمه· يقرأ بلسانسه ــ لسانِ المعتزل في الدهليز ذوي النقوش الخضراء على الصفيح الفضَّة، تحت الأربعة الأعمدة في بهو البيت الفاره· وقد أصغى قليلاً إلى الجَلَبة التي تدحرجت خافتةً صوب مرقد يقينه ففتح فمه· هَمْهَمَ· عاد بعينيه النازحتين من تِيْهِ النور إلى الظلام الكليم يتتبَّع قلوعَ الطهاة في عبورهم الأرخبيلاتِ الأزليةَ·
Page 3
سريعاً التمَّ نفرٌ من المرحِّبيْنَ حول الرجال السبعة، الذين سلَّموا أرسانَ دوابهم إلى عناية القائمين بتدبير المباهج الصامتة للحيوان في زرائب الحجر، خلف الخان، حيث أعيد تصويب الغاية من الأعمدة المتحطمة في آثار ميدو، فرُفِعَتْ ثانيةً، وكُرِّمتْ بسقوف من جذوع الزَّان عَلاها الطينُ الأحمر المُغْتلم، والمداخنُ ذات القباب المثلَّثات ــ سليلةِ الشَّكل الساهر على حُلمِ الهندسة· وهناك، تحديداً، ضربت شفاعةُ النار والنوم مسكوكَها المعدنَ فانبثق من نَقْشِةِ المسكوك خانٌ هو الأكبر في الأقاليم المدحوَّة كرغيفٍ كونيٍّ من نواحي جبال طوروس حتى زاغروس، وأرارات، مع انفراجٍ في المشهد المسكون على الفراتَيْن وما يليهما شرقاً من أُمم المعمورات والمهجورات·
كانت أيدي الوافدين السبعة تُسلِّم الأرسان إلى الأدلاّء المبعوثين طلائعَ للخدمة، وعيونهم على الشجرات الزرقاء، قبل أن يخرج أردهانْ بنفسه إلى الساحة، من شَقّ الباب الفوسيِّ الضخم كختمٍ ضخم من الخشب المطعَّم بتسعة أرطال من الفضة جَرَتْ بها الحروفُ أقصوصةً عن لسان المُلاَّ سياه، مولانا السيد عبدالله الملقب بالشيخ الأسود، مدوَّنةً بالفارسية على نَسَقٍ من خطِّ الإمام العسيد في علوم الحبر والتدوير سعد الدين شمشاه الباهناني، الذي أُلقي به من قلعة الهناخْ بعد ضربها بالمنجنيق، في تاريخٍ عاثر الحظ· أُوَيْس أوْسِبْخَانْ بكْ الأعور كان إلى يمين أردهان· أمير النوم والنار، الموكل بتدبيرها نقيَّيْنِ، في الخان، أعطى إشاراتٍ من عينه اليسرى الوحيدة، المثلومةِ البياض بسيوف من العروق الحمراء المحتقنة، فهرع الخدمُ بالدواب إلى كمائن العلف والسقاية· وكاد يسبق مخدومة أردهان بن راوند لولا أن سحبه مخدومُه من كمِهِ عباءته يلجمُه من الأسراف في إعلان طباعه الراضعة من أثداء الهررة الكلدانية· فهو ــ أوي أوسبخان بك ــ مذ تسلَّم مقاليدَ إدارة الخان من سلفه أَنْداكيْ تاجْ، الذي مزَّقه سبعة غلمان من القاجار العابرين مع قافلةٍ بالخناجر، يستعرض على كل وافد مراقيَ من الإنشاء المتملِّق في لسانه، حتى لكأنه يستظهر سوراً من علم الأنساب والحمائل المتبوعة بسلاسل من الحجمد والمحامد·
تتراجع الأعور قليلاً· أهلاً بكم قال أردهان فاتحاِ ذراعية· احتضن السبعةَ واحداً واحداً يقبِّلهم من أعناقهم، فوق ذؤابات العمائم المعقودة باستدارتين هما علامتا المشرق والمغيب· تراجع قليلاً حين انتهى العناق· ساواهم بترحاب يديه وعينيه وقُبَلِهِ قبل أن يعرضوا عليه حدائقَ أسمائهم وممرَّاتِها· إنهم، تحديداً، أهل الغاية التي أسرجَ من أجلها الغيومَ ثماني مرات، يقودها رُسًلُه من منابت الريح في ميدو إلى فسطاط اللّه فوق ولايات الصفويين شرقاً، وولايات القاجار شمالاً، كي يذلِّل المطرُ، بشفاعة ما لا لونَ له، طباعَ المُمانعات وجفافَها: فَلْيَحضروا، بحقِّ الخواتمَ، قال أردهان للرُّسل خائفاً من أن يُخْذَل· وها هم حضروا ــ أولئك الذين عرضوا على برهة قلبه الممتلئة لبناً أسماءَ حقائقهم المتصلةَ بالأنساب ــ بعد أن قادهم رُسُل أردهان من الولايات فرادى إلى ملتقى القوافل في قلعة بوران، من أرض النكبات ــ الجلود الآدميةِ التي كتب عليها الشاعر تولون فيغيني مديحه العذبَ للجِمال في صحراء الهون· ولمَّا اجتمع السبعة وسط امتنان الرًّسل للهبوب الموائم من جهات الأقار، بُسِطَتِ الغيومُ الاستبرقٍ لقوائم الدواب والعربات من قلعة بوران حتى نَجْدِ ميدو، وفي البرهات التي أصغى فيها أردهان بخواصِّ الصلاح الأعظم في مَلَكات الإصفاء إلى رنين الأنساب، كانت الغيوم تلك تُطوى لفائفَ كوسائد الأمراء في حاضرة مُوْشْ، وتُطْلَقُ خفيفةً فوق أرائك الأبد ذات التطاريز البويهيَّة: عودي يا بنات الحِيْلة، تمتم أويس أرسبخان، محدِّقاً بعينه الواحدة إلى الغيوم، وانحدرَ بها ــ بعدئذ ــ يُحصي السبعةَ· أرعدتْ غمامةٌ مسَّها لسانُ كبده: أين الثامن؟ ساءلَ خيالَ الأرقام ذا النّظُم المهجورة·
Page 4
مَيْكَر بَابُوْ ليس بينهم، قال أردها· تشمَّم بأنفه الرَّقمَ السبعةَ ــ رقمَ الميزان ذي المكاييل المتدلية من حزام العَدٍم· هو ليس رقماً، في الأرجح، بل نفَسُ المشيئة بعد فراغها من تسطير الميثاق المُمْتَحِن· سبعة أيام بلاءٌ قرب عقل النشأة· الكلُّ بلا نقصان، من الروح حتى فُساء الذئب· سبعة لا تتوازن في كفتين: تلك هي المُعضلة· أردهان وزَّع حسابَ الكينونة على حَدَّيْن هما رباطُ المعقول· طلبَ ثمانيةَ فحضرَ سبعةٌ· كيف سيقتسمون زادَ اللون ومَتاع الشكل؟ هم أمراء في مهنة التشخيص رَسُماً· تحت أيديهم ممالك من صور الممسوسين بالكَرَم القُدسيِّ استعادوا بها خيالَ اللامعلوم ناطقاً· وها أردهان، ابن قاضي الطهاة في شهرزور، يستميلهم بهباته فيُحْضِرُهم إلى ميدو كي يُعِيْنوه على استيلاد شيخَيْنِ من الممسكيْنَ بتلابيب المُعْضِل استيلادَ البزرة من الممكنات؛ شيخين لا سميهما جسارةُ المحسوس بيَدِ اليقين، لكن ينبغي أن يتخيَّر لهما الرسمُ، بالحفظ الذي لا يقبل التسويةَ إلاَّ عَدْلاً تتعافى به مداركُ الظاهر قبل الباطن، بهاءَ الإقامة في حجابٍ مرئيٍّ، حاضريْنِ غائبينِ، مشرفيْنِ عن البرزخ على البصر في استحالة بصر الناظر إليهما قَلْباً، ووجداناً، وطَمْعاً من مذاق المشمومِ الخالد: ريحِ المجهول· لقد تطاول، في ماضٍ من علومِ اللون، مبشِّرون بمآدب الكشوف المرقونة، على تخطيط المشور من ظلِّ شخصهما، فأقاموا الصناعةَ مقامَ نداء الهيئة، وهو عِلمٌ يتحصَّل بالميران على مخاطبة اللون· وصلت الرسومُ إلى أسواق تبريز، وديرسيم، ونصيبين، وملاطية، من غير روح· والذين علَّقوها إلى جدران منازلهم بخيطان من قنَّب، أو ألياف من قصب الأهوارالسوداء، عادوا فاأنزلوها، بعدما سَرَى أن إماماً في أرض بوتان سمع استغاثة اللون في رسم الشيخين النقشبندي، والكيلاني، بَرَكةُ اللون من بركتهما، قال أردهان· سنعيد إلى اللون كرامةَ حضوره الأزلي تحت عرش اللّه، وهو يرمي بلسان الفقيه البسيط فيه إلى أَن الظلامَ ــ خرزة السواد الأولى في الموجودات الجوهرية القائمة بذاتها ــ موصوفٌ أوحدُ في إشارة الإلهيِّ إلى كمين إقامته، بحسب الشروح الكبرى والصغرى في علوم الأَيْنيَّات الشديدة المقاييس: كان العرش، منذ لا يتَّصف ببدءٍ، في عماءٍ كليٍّ ــ سوادٍ مُعَتَّقٍ في قارورة القِدَم· ومن السواد؛ من خَلِّةِ الحامض الأنيق، ارشمت ــ من ثمَّ ــ عَلَقَةُ البياض حتى غدت فراشةً تسرح فوق غمر الوجود المنبثق من أجاصة الطين·
يقيناً، لا يحاول أردهان أن يمضي إلى تأويل أبعد من اختصاص قلبه بالمحظورات الشفيفة، وبإرث العقل البسيط بلا خزائن تُذْهِل وتَصْرَعُ، حين يصف القائمً على إمارة خانِهِ وملحقِهِ الإسطبل الشاسع أويس أوسبخان بقرابة الأصل مع الكرامات وحقائقها: أن تكون مجذوباً ــ وأنت لستَ مجذوباً يا أويس، أو تكون لك عين واحدة ــ ولك عينٌ واحدة، فذلك تدبيرٌ لا يَخْفى معناه عليك· لقد أُعْطِيتَ حظاًّ في الأقدَميْن: الظلام والنور· الحقيقة فيك، يا أويس، أصلُها في عينك المُطفأة، الحُرّة بها، حدها، ترى من أنت يا أويس، النُّورُ غِيْرَةٌ· منذُ بَدَءَ النٌّوُ بدأتِ الغيرةُ· المرئيُّ ــ لا سواه ــ يغار من المرئيِّ هكذا تتأوَّلُ العلومُ شراراتِ الجمر في خزائنها: خُمِرَتْ طينةُ آدم أربعين صباحاً حتى نضَّجَ عجينُها الخالقُ صورةَ الحركة· الصباحاتُ ــ النُّورُ هي التي وهبت الرُّشيمً الذاهلَ، المستورَ في ذهولِهِ، خصِّيصة النُّقْلةِ إلى الوجود العاقل: وُلِدَ الشكلُ؛ وُلِدتِ الدائرةُ الناطقةُ بلسان الجَدَل؛ وُلِد الحِلْفُ الذهبيُّ للمعجزة في قفير الجسد الآدميِّ، حيثِ يدخل نحلُ الغيب غاضباً ويخرج غاضباً، مسعوراً من قيظ الفكرة ذاتها: أن يكون الوجودُ ميثاقَ الضجر من وجوده وجوداً·
Page 5
منذ بزغَ النّورُ، المُنضجُ للخمائر في قِدْره، بزغَ الإمتحان· أضيئتِ الخلائقُ المستولَدَةُ من كمال غيبوبتها في البرهة التي قدَّرَتِ المشيئةُ لها أن تكونَ امتحاناً· ما ينتظرُ الكائنَ، بعد عثور النور على تار يخٍ للنور، هو الامتحان، أي خضوع الماهية امتناناً لِما لمْ تستطع تلافيه، أو تنطحنَ بحثاص عمّاَ يُرضي أسبابَ مثولها ماهيةً بعدَ أن لم تكنْ·
ما قبل النور ليس ما بعد النور· في الظلام كان كلُّ شيٍ، كلُّ عقلٍ، وفراغ، وإرثٍ مكنونٍ، اختزاناً للأزل في تقدير اللّه للظلام أن يكون ذاتاً تتحدَّد بوجوده، هو، في مغاليق ثقَله·
الظلام هويةٌ تقومُ بها ضرورتُها؛ خلاصٌ لا يخصُّ أحداً؛ رسولُ الإلهيِّ إلى نَفَسْه في المُطْلَق المُعذَّب شوقاً إلى اللاَّمقدور، اللامكنون، اللامتَّصف، اللاّمُثْبَت، اللاوساطة، اللامنتقل، اللاموجبَ له أو عليه، اللاإحاطةَ، اللاخاصيَّة، اللا معمور واللا مهجور· لكن، حين قُدِّر للنور أن يُنشئَ خميرةَ الامتحان الأولى، انجرفت مصكوكاتُ الغيبوبة الكبرى إلى التعلُّق بالأسماء فاصرت علوماً ناقصةً في تقدير الآدميِّ القادم من مصنع النور محمولاً على خفَّةِ آلاته، التي ينكبُّ بها ترميماً على قَدَره كي يوسِّع لنَفْسه باباً إلى القبر·
مع النُّوْر جاءت الأسماء؛ جاء الصوغُ الأكثر قسوةً في تنظيم الإشراقات على هَدْيِ النقصان وتبعية التعيين· لم يعد لشيء منجى من الفتنة· عينك الفارغة ــ عينُ القِدَم شاهدةٌ على عينك الملآى ــ عين التبذير، يا أويس، فاحفظْ لنفسك هذه الخطوة، يقول أردهان· غير أن عيني أويس تخاصمتا وهما تحصيان الرجال الواقفين على ذراع من أنفاس ابن قاضي شهرزور: سبعة· يا للرقم المتدلِّي كخصية من حجاب الأرقام· أين الثامن؟·
إنها برهته الأولى التي يتعرَّف فهيا أردهان إلى ضيوفه ــ أمراء التشخيص بأقلام اللن وترياقاته: الظلامُ الأسودُ، وجراؤه البقيةُ من أحمرَ وأخضرَ ومهتوكٍ ومسوّرٍ· لا بأس· هم ندماء المُسْكِر من الخصائص المُسْكرة في اللاتعيين، يشرقون على العماء من مجاهل الشكل، ويستولدون الخفيَّ خدعةً في مضائق الخطوط· فتح أردهان ذراعيه كأنما يطوِّقهم بالهواء الذي هو امتداد جوارحه اللامنظورة· تفضلوا، وأشار إلى باب الدارة، ثم تلمَّس بأنامل يده اليسرى كتفه اليمنى، حيث تتدلَّى خرزتان صفراوان في خيط ذهبي·
تقدَّم السبعةُ المنبثون نقوشاً آدميةَ في لوح الفراغ الظاهر· أُزيحت الستائر البيض، المخرَّمة، المنسوجة بأنوال قرى سَهرابْ، عن النوافذ الدائرية الثلاث، بأنامل أنثوية، كي تستجلي العيونً خصائص الخطوات المُحْكمة لذكورٍ موصوفين باتقدارهم على ترتيب الوجود الصامت مشتعلاً من فتيل العدم الكتيم· فتح فرهاد الطاهي، ابن الفقيه مَرّدان زَنْكَنَهْ، البابَ الضخم، ذا الصرير المشموم كفراء شجر الزَّان· دخل السبعة يتبعون أويس· تبعهم أردهان، فالطاهي، فثمانية فضوليين من نزلاء الخان، فالفتيات الأربع اللواتي دَرَسْن، بتؤدة، نداَ الكيفة في الأيوان الأكبر، خلف الفُسقيات الستِّ المتقابلة بمياه نوافيرها، وهنَّ ــ بحركاتص من أيديهن المختومة بثمارِ الحناء، تلكَ التحفِ النازعة إلى التماثل مع حروف اليقين مصادفةَ ــ يتأكدن من ثبات قبعاتهنَّ المصنوعة من رقائق المصكوكات النقدية في ولاية أربيل· قبعاتُ ك الخوذ الرقيقة؛ فلوسٌ فضةٌ معقودة بسلاسل مجدولةٍ كسيقان خنفساءِ، فوق مناديل الرأس· ثلاث منهن كذلك، والرابعة بعمامة تتلاطم في دائرتها، من الجبين حتى القذال، ذوائبُ من وَدَع بحيرة وانْ·
Page 6
مرهَ الجمْع من حديقة الدار المسقوفة بقبة واسعة الأرجاء، عالية علىنسق المساجد في أرضروم، جُعلت لها كوىً بزجاج أزرق وأصفر، تُرى على حوافها أعشاش سنونو ــ ذلك الطير الذي تٍبْقَى له منافذ إلى الفسطاط الحجريِّ المُغْلق، كي تتكرَّم بعلوم نسله المزقزقِ حيواتُ السّكينة الكبرى· طيرٌ فكرةٌ· طواد في بياض· حجابٌ سوادٌ من الظاهر وبياضٌ من الباطن· مثلث صغير بُنيٌّ في الرقبة، أسفل المنقار، هو أثرٍ نبات الحنَّاء تعرَّف الرعاةُ به إلى كشفٍ من الخضاب، مذ رأوا الطائرَ يمسح برقبته على الغصون، فزَّينوا أوداجَ الخراف، وإلْياتها، ثم اتخذت النساءُ بعصارة ذلك النَّبْت، ونقيع اليابس من ورقه، حُجُباً من رسوم الغيب على أيديهن، وأقدامهن، وحلمات أثدائهن، وفوق العانات الحليقة، لتبقى حقيقةُ الجسد مستيقظة في كمالها الساحر، ألقاً بعد ألقٍ، كخلود الرَّجفة في العناق المُسْتَنْزِف ماءَ الذَّكر بشفرة الأنثى· طيرٌ فكرةٌ· يرقد بصدره على حواف المياه حين يشرب، ملتقطاً صورة ذاته الشفيفة رشفة رشفةً كي تتوزَّع في جوارحه بنداء الكثافة· هو يلد صورتَهُ وتلده صورتُهُ· ذرقُهُ يُصفَّي في الخلِّ الأبيض فتؤخَذُ غثاثتهُ الطافية على السطح فيكون لها مقامُ حبرٍ فضيٍّ· ربما الأمر؛ بحسب توصيف النظر إلى نشأة الأَحْمَاض، أن السنونو شَرّهٌ في التقاط يرقات الحلزون من مراقد الماء وحوافِ البرَك، فإذا انحلَّت أصدافُ اليرقات إلى عصارة في المعدة خرج السلحُ من المضي صمغاً أذبقاً، أو شاكلَ الزئبقَ بلا سُمِّيَّةٍ· وقد اتقنت الفتيات الأربع، الموكلات بمخاطبة الحصى في حديقة زانا خاتون ــ امرأةِ أردهان الأولى، نقيبة نسائه الأُخريات الثماني ــ استطلاعَ مساقط الذرق في عبور السنونو فوق الفُسقيات الستِّ إلى الأعشاش الخشنية، فيأخذن الحصى الملطَّخ إلى قوارير الخلِّ، ثم يُرجعْنَه إلى مواضعه: كل حصاة عروة في القميص الأرضيِّ الممتد الحواشي في القناء الشاسع تحت القبة الشاسعة· حصىً حملته بغال مُوْشْ، ذات الجباه الضيقة، من كهوف الصحراء الباردة شمال تبريز، رلى ميدو· الينابيع، التي تعبت من فكِّ لغز الظاهر، عادت غائرةً في اتجاه الباطن المُداهنِ ــ خزانةِ أرقام السِّحر الرثة ومتاعه المهترئ، تاركةً خلفها، في عمامة الزمن ما بعد القلق المصغي إلى الماهيات المحيِّرة، سائكها الكّرَيَّةَ، بألوان الأعين الضفادع الزرقاء العلجومية، والسمندر الطويل الذَّنب، ذي السموم التي تفجِّر أقواس قزح في ممرات الخيال المنحدر إلى الموت، إذا سُقيَ به المغلوبون والمخدوعون· حصىً هو لعبة الجماد في إنقلاب اللدائن على ننفسها، وانتقال المعادن الناطقة من برزخ الفلز المعتزل إلى الإجتماع المؤنس، في صورة الكتلة الملتحمة بانجذاب الذرَّات بعضها إلى كمائن بعضٍ· رخويات الهيئة الهيولى، والخلايا الآحيَّة في فتنة وجودها البسيط، تتصلَّبَ، بانسلاخها من دِيْنِ الماهية المُطْمئنَّة إلى ديْنِ الماهية المجرِّبة بلا احتراز، فتغدو حالاً من بشرى الحجر بميلاد السكون العاقل· لا خصائص أنقى من خصائص العَدَم المُسْتَحْدَث في كينونة الحصاة؛ لا جمال أكثر ثرثرةً من الذي لحص حديقة رانا خاتون، تحت أظلاف غزلانها التسعة، التي استعرضت ــ في هدوءٍ مفصَّل على مقاس النوافير التي تقرأ للفسقيات ضياءَ القبة العُلْوية ــ عبورَ الرجال المرسومَ على لوح الجَبْر· خُصِيَ غزالٌ فمات لوعةً على ذكورته المهتوكة· بقي شقة تحت غمامة قلب رنا· وصلت يدا الطاهي فرهاد إلى الغزال في حمَّ خياله المُنَقّب عن سطر اللّه الناقص في مصير أردهان: منيُّهُ لا يُنْجب· لا خيالَ لمنيِّهِ كي يستحدث، بآلة الصور في ظلام خصيتيه، مشكلاً زلالاً يَثْبتُ على لوح الأرحام· عنده تسع نساء، اختارهنَّ بجلود عليها نقشُ الولاية الأزلية للملائكة المسرعة بالصلصال المشوي إلى غمامة الصفات، حيث اتخذ اسمُ آدم من حروفها الشفيفة ثورياتِ القلق· الذَّرورُ الدقيق، الذي تناثر من الصلصلا، دحرجَهُ النفخُ الإلهيُّ إلى الظلِّ الأول ــ ظلُّ الأحنحة المرفرفة في الغيهب، هناك، تحت لسان اللامنطوق الذي سيغدو تأويلاً مؤرِّقاً في بزوغ حواء من عضلة المكيدة عَصَباً من لونٍ· شروقٌ مُعْشٍ تخلَّل عظام الذَّكر بأمشاطه ـ أمشاط التبرُّج فتباعدت ضلعاً ضلعاً لتخرج صورةُ المصكوك الثاني تأكيد الصورة المصكوك الأول مختوماً بختم اللحم الحيِّ· تقلَّبت الأنثى الوليدةُ على الظل فعلق بجلدها ذَرُرورُ الصلصلا، ذلك التدوين الأول للنقش الذي سيُسمَّى نَمَشاً· وقد امتحن أردهان بَرَكة النقش الموصوف بجلال الحقيقة، فاختار نساءَه ببشراتِ يترقرق تحتها مسيلُ الحليب أو ينبسط الشفقُ أحمرَ برتقالياً، بيضاواتٍ حُميراواتٍ، على خدودهن وأنوفهن ثرياتُ نمش تُقاسُ ــ خيالاً ــ بالتطابق بين فَلَك الأبراج وفلك النجوم· أما الدروب الخفية بلمجرات النمش، التي تفتح لنفسها في الأثير الدافئ للكثافة مساكبَ من أكتاف النساء حتى تررائبهنَّ، ومن السُّرر حتى قباب الفُروج، فتلك أقاليمُ تستطلعها أنفاسُ أردهان إذ تنتحل علومَ الرعاة، غاديةً رائحةً بالقطعانِ القُقبل في سهول الجسد الريح· لقد وطد الرجل ــ حرَّاثُ النقش ــ للحقيقة خصائصَ البناءكي تلد له ذريَّةً من الرحم الموصوف، باختبار النمش، يقيناً لا ينفذ إليه عبثُ المصادفة، فإذا بالعبث يلتهم أملَ الصور في أن ترتدي أمام مرآة المنيِّ ثوبَ الشكل· امرأة بعد أخرى هيَّج السديمُ العَدَمَ في خصيتيه· فحولتهُ المخضبة بالحناء كراحتي يديه فكَّت رباطَ رئتيه في كل استنزافٍ لقَدَرِ الماءِ فيه، حتى لتكاد نساؤه أن يوقِنَّ أن يدين خفيتين تتفقَّدان في أحشائِهن، من مضائق المهبل إلى المبيْض، علاماتِ المشيئة التي يهتدي بها تدوينُ الصور على لوح الخَلْق، لكنهما لا تعثران إلا على الهباء·