eKtab
EN ع
الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ _ الجزء السابع
Read free sample

الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ _ الجزء السابع

by د. عبد العزيز المفتي

Page 1

أقول مأثورة عن الكرد

* من أقوال الزعيم الهندي (جواهر لال نهرو) قال:

[أستغرب كيف أن الأتراك الذين ناضلوا من أجل حريتهم يقمعون بهذه الوحشية؟ الشعب الكردي الذي يناضل من أجل الهدف نفسه ـ أي الحرية ... كما هو غريب أن تتحول قومية أعلنت احترامها لحقوق الإنسان إلى قومية عدوانية بهذا الشكل ... وأن يتحول نضالها من أجل الحرية إلى محاولة لاستبعاد الآخرين .... ونسمع عن المآسي التي يتعرض لها الشعب الكردي الذي استقر في عدة دول، ولم تتيح له الظروف التاريخية أو السياسية تشكيل دولة تضم قوميته (الكردية)]

جواهر لال نهرو

* [وهكذا فالأتراك الذين لم يمض إلا وقت قصير على كفاحهم من أجل حريتهم عمدو إلى سحق الكرد الذين سعوا بدورهم إلى نيل حريتهم. ومن الغريب كيف نتقلب القومية المدافعة إلى قومية معتدية، ويتغلب الكفاح من أجل الحرية إلى كفاح من أجل التحكم بالآخرين. ففي عام 1929 نشبت ثورة أخرى عند الكرد. إلا أنها سحقت من جديد، مؤقتاً على الأقل. ولكن كيف يسمح أحداً أن يسحق شعباً يصر على نيل حريته وعلى استعداده لدفع ثمنها ...]

جواهر لال نهرو

* وصف الكاتب التركي س. أوستونغل:

[نشاهد القرويين عائدين من مراكز الشرطة والجندرمة وهم على قيد الحياة رغم أن الكثير منهم كانوا مثخنين بالجراح، أما بالقسوة تجاه الشعب الكردي فقد فاق الكماليون السلاطين العثمانيين. المخضبة أيديهم بالدم الكردي. إنهم يثقفون بالقسوة التي ينتهجونها إزاء الأكراد والأقليات الأخرى. التي يحاولون تتريكها بالقوة. لقد أرحلوا القبائل الكردية عن أوطانهم وهم يجهزون على الكرد بالجملة، مثلما فعلوا بالأرمن تماماً..... ].

وصف الكاتب التركي س. أوستونغل

* نلسون مانديلا:

[سأل أحد الصحفيين السيد نلسون مانديلا عن سبب رفضه لجائزة أتاتورك ... قال مانديلا: (حاول أن تكون كردياً ساعة واحدة ثم أخبرني عن شعورك وستعلم لماذا رفضت جائزة أتاتورك) ]

نلسون مانديلا

Page 2

* من أقوال الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق الأسبق (1):

1- (إن القضية الكردية هي مشكلة العراق الأساسية المرتبطة بوجودهُ، ولن يتأتى له الاستقرار إلا إذا حلها حلاً عادلاً ينصف الأطراف المعنية كلها، فتتحقق نتيجة ذلك وحدة الشعب الكردي).

من كتابه (العراق من الاحتلال إلى الاستقلال)

2- (القضية الكردية ليست وليدة فترة زمنية متأخرة أو حصيلة وضع سياسي معين، أو نتيجة تحريض شخص أو بضع أشخاص، كما يتوهم بعض العراقيين اليوم، وإن تأكيد هذا الأمر أصبح في الوقت الحاضر ضرورياً لأن بعض المسؤولين لم يدركوا بعد حقيقة هذه المشكلة الكردية في العراق، ولم يتح لهم أن يسبروا عمق أغوارها).

من كتابه (العراق من الاحتلال إلى الاستقلال)

3- (الشعب الكردي لا يريد الانفصال ولا يريد إلا الحفاظ على وجوده، ونحن مستعدون أن نعترف بالوجود الكردي وأن نعترف بالذاتية الكردية كقومية متميزة لها لغتها وتراثها وأمجادها، ومن حقهم الحفاظ عليها).

في 15/6/1966م (ندوة تلفزيونية)

*صدام حسين:

[كردستان جنة الله على الأرض].

صدام حسين

* نزار بابان (كاتب ومناضل كردي):

[كردستان جنة الله وجحيم أمة]. نزار بابان

Page 3

الإهـداء

إلى المرحوم والدي العزيز عبد الرحمن المفتي الذي كان يثقفنا على حب العراق وكان يقول دائماً

(عز العراق باتحاد أبناءه العرب والأكراد).

إلى كل عائلة أدملت ولو بقطرة دم بسبب الاقتتال بين الأخوة في كردستان العراق

إلى كل أخوتي وأبنائي الشباب من الشعب العراقي (بعربه وكرده) ليتعرفوا على حقائق كانت غائبة عن بعضهم عن أبناء وطنهم

أقدم مجهودي إلى وطني الحبيب العراق – عراق (العرب والكرد)

ومن الله التوفيق

الباحث

الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان 2012

Page 4

كلمة الباحث

1. كنت أسأل في الكثير من الأحيان وأمام الأصدقاء في المجالس الاجتماعية والسياسية عن القضية الكردية والوضع في شمالي العراق (كردستان العراق) ... فكانت إجاباتي سطحية لعدم الإلمام بجوانب القضية الكردية وجذور المشكلة .... وكنت ألاحظ في نفس الوقت أكثرية إخواني العرب عندما يسألون ليس لديهم أية فكرة عـن إخوانهـم الكرد (أصلهم، تاريخهم، عاداتهـم، معتقداهـم، إماراتهم، دولهم، مناطقهم، حركاتهـم وانتفاضاتهم، عوائلهم أو العشائر الكردية ... الخ).

2. وفي الأيام القريبة الماضية استفسر مني صديق وفيّ عزيز عليّ: ما هي الأوضاع حاليا في الشمال (كردستان العراق) وبعدما أجبته بما أعرفه بصدق عن الوضع هناك قال إذاً كيف لا نستطيع إيجاد الحلول المناسبة لكل تلك الخلافات والمشكلات، وإلى نقاط التقاطع والخلاف ... وأثناء الحديث عن وجهة النظر في موضوع الأكراد وكردستـان ... قال صديقـي العزيـز إن شاء الله نلتقـي بشكل مستمر لنتباحـث عن هـذا الموضوع الذي أشغل العراق فترات طويلة حيث نبدأ من نقاط الالتقاء نحو نقاط الافتراق، للحيلولة دون قتال الأخوة فيما بينهم. وقال أحاول بكل جهدي أن أوصل الحقائق إلى المراجع والقيادة، عسى أن نصل إلى ما يرضي الطرفين من أجل وطننا العزيز العراق.

3. وعند عودتي فكرت أن أكتب شيء عن الموضوع ولكن كيف أبدأ بهذا الموضوع الشائك الذي كتب عنه الكثير وفي نفس الوقت اللقاءات المستمرة بين الحكومة وعدد من قيادات الأكراد سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فقلت مع نفسي سوف أتوكل على الله إذ بدأت بقراءة كثير من المصادر التي كتبت عن الأكراد والحركة الكردية ثم مناقشة الكثير من المثقفين العراقيين (عرب وأكراد) حول المشكلة الكردية فتوصلت إلى هذا البحث البسيط متمنياً أن أكون قد وفقت من أجل إيجاد حلول جذرية للمشكلة الكردية في عراقنا الحبيب وترسيخ أخوة العرب والأكراد.

ومن الله التوفيق

الباحث الدكتور

عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان تشرين أول 2012

وخلال تواجدي في الأردن لهذه السنوات كنت أسأل دائماً من قبل العراقيين المتواجدين هنا وهم من جميع الفئات الاجتماعية والاتجاهات المختلفة وكذلك من إخواني الأردنيين عن الأكراد من هم وماذا يريدون (مطالبهم) ... الخ من الأسئلة.. (مما جعلني أن أعود إلى الذاكرة وما كتبته في حينها بالنص الكامل مع بعض الإضافات حسب تطور الموقف خلال هذه الأعوام ... لإمكان إيصال شيء بسيط عن قوميتي الكردية إلى إخواني العرب، فالقليل منهم كانت له معلومات جيدة ومتعاطف مع هذا الشعب المضطهد خلال هذه الفترة الطويلة من الزمن حيث لم ينصفه القريبين أو البعيدين من هذا العالم بغربه وعربه ... وعليه أقدم هذا الجهد المتواضع لكل أولئك الذين يبحثون عن الحقائق والذين يريدون الخير للعراقيين جميعاً ...

ومن الله التوفيق

الباحث الدكتور

عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان تشرين أول 2012

Page 5

التقديم

في عام 1997 زارني صديقي وزميلي في سلاح الدروع العميد الركن عبد العزيز المفتي مؤلف هذا الكتاب ليأخذ رأيي حول فكرة طرحها عليه أحد زملائنا المعروف بعلميته وواقعيته (اللواء الركن كمال مصطفى) وهو من أقرباء الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، على أن تعرض هذه الفكرة كمشروع بحث علمي وواقعي عن القضية الكردية، إذ يتوقع أن يكون تأثيره مناسبا ومفيدا للقيادة العراقية العليا في أعادة النظر في موضوع القضية الكردية الشائكة، خاصة عندما يعرض هذا البحث من قبل رجل عراقي كردي عسكري وطني مستقل سياسيا عرف بشجاعته الميدانية خلال حربنا الطويلة مع إيران، وكرجل عرف أيضا بمصداقيته وبصراحته، وقد وجدتها مبادرة قيمة ومفيدة لخدمة الأمن الوطني العراقي من رجل أحترمه وأثق به كثيرا، إذ عملنا عن قرب في قوات الحرس الجمهوري لمدة طويلة، وعليه وجدت من المناسب جدا تشجيع صاحبي لتنفيذ هذه الفكرة وإخراجها وفق سياق البحث العلمي الرصين، ونتيجة للظروف الصعبة التي مررنا بها والمسؤوليات القتالية للدفاع عن وطننا آنذاك، لم ألتقي صاحبي ألا بعد احتلال العراق بأربعة أعوام ونحن لاجئان في المملكة الأردنية الهاشمية لكل منا سبب مختلف عن الآخر لكنه متطابق بالنتائج، ومن خلال مراجعة الحوادث فيما بيننا سألته عن ذلك المشروع الذي كلف به آنذاك، فأخبرني أنه قد أعده وسلمه آنذاك للجهة التي طلبته، ثم وعدني بإطلاعي على نسخة منه، وعندي تصفحي لذلك البحث وجدت فيه كل ما ظننت به خيرا، وقد أستقر رأي الباحث بعد وفرة الوقت لديه من تطوير بحثه وتوسيعه ،حتى أتى أكله ولو بعد حين، ككتاب موسع جدا حول حقيقة الأكراد ووقائعهم التاريخية منذ بداية التاريخ الإنساني وليومنا هذا تقريبا، واليوم وقد تغيرت الظروف والسياسات وبات العراقيون الأكراد الجزء الحاكم والمسيطر في النظام السياسي الجديد وفقا للدستور الحالي الذي خدمهم كثيرا.

وحين عرض علي مؤلف كتابنا هذا، موضوع (تقديمه)، تقبلته دون تردد لأسباب أخلاقية ووطنية عديدة، منها إذ أرى نفسي تلميذا مجتهدا في التاريخ بشكل عام، وكباحث في التاريخ العسكري الوطني بشكل خاص، وكذلك لأهمية عرض الحقائق والوقائع بمصداقية لجزء أساسي من مكونات التاريخ الاجتماعي والسياسي والأمني العراقي عبر التاريخ الحديث والمعاصر الذي مثلته القومية الكردية فيه وقد غيب جزء مهم من تاريخها في مراحل من تاريخنا الحديث، وكذلك للمساهمة في تحقيق غاية شريفة تخدم وحدة مجتمعنا ووطننا العزيز العراق في ظروف سياسية محلية وإقليمية ودولية معقدة جدا قد تتسبب في تقسيمه ومن ثم إنهاء وجوده الحي لا سمح الله، وأخيرا احتراماً لرغبة أخ ورفيق سلاح عزيز كريم أفتخر به كثيرا، والذي أستشهد ولداه الوحيدان محمود ومحمد وخسر كذلك وظيفته نتيجة مبدأيته وقيمه الأخلاقية والوطنية السامية.

لاشك أن من يتصدى لمثل هذه الغاية آنذاك لم يكن عملا هينا أو آمنا في ظل ظروف سياسية صعبة ومعقدة وفقا لطبيعة النظام السياسي الذي كان يتصف بالتطرف والشدة في تعميم أفكاره وأيديولوجيته من وجهة نظر قومية عربية أحادية، ومهما حاولت وجهة النظر تلك من تسويغ أطاريحها للقوميات غير العربية التي تمثل مكونات أساسية من الشعب العراقي لغرض احتوائها، ألا أنها فشلت في ذلك إذ شكلت لها اضطهاداً معنوياً غير مبرر، ناهيك عن نتائج حرب الخليج الثانية (أم المعارك) وحجم الأضرار التي لحقت بالعراق وشعبه نتيجة سلسلة من الانتفاضات السياسية إضافة لنتائج الحصار الاقتصادي والسياسي، وكذلك اليوم أيضا لم يكن من السهل تحقيق غاية هذا الكتاب والجزء المتحكم في سياسات النظام السياسي العراقي الحالي هي تلك القيادات الكردية التي قادت سلسلة طويلة من الممانعة المعنوية والإدارية والميدانية وهي تفرض حقائق وسياسات تبررها طبيعة أحزابها وطموحاتها القومية والمتطرفة أحيانا، ناهيك عن مقومات صراعها المستمر مع نهج الأحزاب الدينية المتطرفة في بغداد منذ بضع سنين، وهي مدعومة بالفكر والسلوك القومي السائد في الأوساط الشابة الكردية من مجتمعنا العراقي الذين ترعرعوا في كنف الانعزال عن الوطن الأم منذ عام 1991 وفق آراء ومفاهيم بالغت جدا في (ظلم العرب لقوميتهم الكردية) - الممثلين بالنظم السياسية العراقية المختلفة -، كردة فعل لعشرات من سنين الإهمال والتشكيك والاضطهاد الفكري والاجتماعي للأكراد في غياب الحكمة السياسية لمعظم تلك النظم السياسية السابقة والحالية، حتى نجد اليوم أن قلة من أولئك الشباب الكرد الذين يجيدون التكلم باللغة العربية، ومنهم من بالغ في كرهه للعرب حتى بدا لهم أن الإسلام ليس دينهم لأنه جاء بلغة العرب ومن الأفضل العودة للديانات القديمة كزرادشتية على سبيل المثال ؟مما شاع بينهم بسهولة قناعة جوهرها يشكل مشروع انفصال عن العراق وطننا ومجتمعا، وقد لعبت المصالح القومية الإسرائيلية والإيرانية والأميركية دورا أساسيا في خلق ظروف لبيئة واسعة أنتجت الكثير من الصراع المسلح بين الجانب الحكومات العراقية (تجسدت في العراقيين العرب) والقوى الكردية الثائرة من عشائرية وقومية (تجسدت في العراقيين الكرد) وعلى خلفية الوضع المعقد التي تركته السياسة البريطانية حال انتهاء الحرب العالمية الأولى حين لم تنفذ معظم وعودها للقوميات المختلفة التي كانت خاضعة لنظام الإمبراطورية العثمانية، وما تمخضت عنه اتفاقيتي (سيفر عام 1920 ولوزان عام 1923).

Page 6

أن جانبا آخرا من معضلة معد هذا الكتاب هو موضوع التخلص من نزعة التحيز وهي صفة إنسانية يصعب الفكاك منها، كعراقي كردي ينحاز لقوميته مهما حاول أن يكون منصفا، ذات الوقت الذي أتهمه الكثير من أبناء قوميته بأنه كردي بغدادي موالي للنظام السابق وقد تنكر لقوميته؟، ومثلبته الأخرى إذ كان مستمرا بالخدمة العسكرية لحين احتلال العراق وبرتبة لواء ركن، وأنه لم يعاني ما عاناه أبناء جلدته القاطنين في المناطق الكردية؟ مع العلم كان الكثير من أقرانه يعلم بحقيقة عدم انتمائه لحزب البعث العربي الاشتراكي، وقد نظر أليه البعض من أصدقائه العرب آنذاك منحازا لقوميته على حساب المتطلبات الوطنية للمحافظة على وحدة العراق ،في حين قاوم هذا الرجل الكثير من إغراءات الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي بشكل صريح جدا، وفي مواقف محرجة حين عرض عليه ذلك الرئيس صدام حسين نفسه، ذات يوم حين كان يستمع له مع بعض الضباط عن أسباب خسارتنا لأحدى المعارك خلال حربنا الطويلة مع إيران.

إضافة إلى جانب آخر من مشكلة المؤلف (المعقدة) هو كيفية الاطمئنان إلى مصداقية المصادر؟ والتي قد يكون قسما كبيرا منها يتصف بالتطرف وفقا لغايات من أعدها؟، كبريطانيون أو روسيون أو أكرادا أو عربا وغيرهم، وحتى في موضوع التسميات التي تطلق على المنطقة والعراق، فالمصادر التي تعتمد تسميات الإغريق تسمي العراق (بلاد ما بين النهرين) وهي منطقة غير محددة جيدا، مما يظن البعض منا بالمقارنة أن أسم (العراق ذو دلالة حديثة)، وزعم من زعم بأن البريطانيين قد صنعوا وطننا يدعى (العراق) عام 1920 ؟، في حين أن قسما كبيرا من المصادر الأخرى تشير إلى العراق كجغرافية وتاريخ إنساني منذ العهد السومري، ولهم حججهم ،وما أنعكس ذلك قديما في تسمية أحد أركان الكعبة المشرفة (الركن العراقي) وذلك قبل آلاف من السنين، ومنهم ما يثبت بأن العراق كان عراقان أحدهما عربي والآخر أعجمي أو كردي؟ وعليه تتطلب من مؤلف كتابنا هذا الكثير من الدقة والمراجعة كل حين.

إن معظم ما دارت عليه حوادث هذا الكتاب ترجع إلى منطقة أعالي ما بين النهرين (كردستان الشمالية) حتى شمالي العراق (كردستان الجنوبية) كما ذكرتها معظم مصادر كتابنا هذا، وهي تقع ما بين بحيرة (وان) في تركيا، وبحيرة (أورمية) في أذربيجان الإيرانية، والمناطق العراقية الشمالية المحاذية لجبال (حكاري) والتي كانت تتبع العراق سكانيا وتاريخيا حتى الحرب العالمية الأولى، إذ ضمت إلى تركيا فيما بعد وفق اتفاقية (لوزان)، هذا المثلث عرف تاريخيا في المصادر العربية والسريانية بـ (إقليم الجزيرة)، ويمتد غربا حتى نهر الفرات في سوريا، وضم جنوبا المدن العراقية المعروفة مثل ( أربع إلو- الألهة الأربعة ) أي (اربيل) و(نوهدرا) أي (دهوك) و(الموصل) و(كركوك) و(تكريت)، وبعد الاحتلال العثماني لمنطقة أعالي ما بين النهرين نظمت هذه المناطق أداريا باسم (ولاية الموصل)، وحسنا فعل المؤلف من تخصيص فصلا كاملا عن (ولاية الموصل). وقد شكل الكلد وآشوريون (السريان) و(اليزيديون) و(الأرمن ) و(الكرد ) و(العرب) المكونات الاجتماعية لولاية الموصل هذه، ثم أضيف إلى أقوام الجزيرة (التركمان) الذين استقروا في كركوك وشكلوا أغلبية في مركزها منذ أكثر من ثلاثة قرون، إضافة إلى بعض المناطق في أربيل وأطراف الموصل، ثم ازدادت نسبة الأكراد في المنطقة هذه حين نزحت قبائل كردية عديدة من كردستان بلاد فارس، والتي قدمت إلى المنطقة بتشجيع ودعوة من العثمانيين بعد وقوف الأكراد إلى جانبهم ضد الفرس في معركة (جالدإيران الشهيرة سنة 1514)، كمـــــا جــــــاء في عدد من المصادر ضمنها كان كتاب بعنوان (عند منابع دجلــــــة) لمؤلفه الروسي (سي . ف . فيغن)، مما يثير العديد من النقاشات الحادة في موضوع كتابنا هذا ألا وهو النسيج الاجتماعي المتعدد المصادر في بيئة جغرافية معقدة جدا، كونها مناطق جبلية منعزلة حضاريا لافتقارها إلى الأدنى من طرق المواصلات ومصادر الاتصالات، وقد اختلفت الادعاءات حول أحقية أي الأقوام فيها حتى يومنا هذا؟، فمنها ما يرجع تلك الأحقية إلى الأقوام الكلد وآشوريين ومنها إلى الأقوام الكردية.

في حين أن تطور المشكلة الكردية وقد زاد من تعقيداتها تلك الحقائق والخصائص التاريخية والجغرافية والاجتماعية العراقية التي تكاد تكون حالة نادرة في طبيعة تكوين الوطن العراقي ضمن إقليمه، وإذا ما أضفنا لذلك، الكم الكبير من ترسبات الثقافات والمعتقدات والمفاهيم العديدة والمختلفة في مجتمعنا عبر التاريخ الطويل جدا للعراق والتي أنتجت ثقافة اجتماعية عراقية جانبها المظلم قد يكون أوسع بكثير من جانبها المضيء، وكنتائج أيضا لجملة من احتلالات متبادلة للعراق لقوى إقليمية شرقية وشمالية ودولية مما جعل النتائج السياسية والاجتماعية في عراق اليوم أكثر تعقيدا، علاوة على ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يقدر للعراق قيادات وطنية قادمة من المستقبل تستوعب إفرازات الماضي وحقائق الواقع وترصين مقومات للنجاح نحو مستقبل زاهر يشمل العراقيين في عراق يكفي العراقيين جميعا لغياب الحكمة خلال المائة عام المنصرمة، مما يجعل اليوم من عملية فرز الحقائق وتعقيب الحوادث بدراسات علمية معمقة بعيدا عن العواطف القومية والدينية الساذجة أمرا صعبا، بل تدخل العاملين عليها في دهاليز الشكوك الظالمة والأحكام المطلقة والمسبقة .

وبالتأكيد أن حركة الزمن وما تعصف به من مفاهيم وأيديولوجيات تكون متباينة حسب التطور الحضاري للأمم والشعوب، بالوقت الذي انتهت المراحل الدينية والقومية منذ زمن بعيد في الشعوب الأوربية بعدما خلفت ورائها الكثير من الحروب والكوارث، وقد اتجهت بعدها إلى المستقبل في تعاون اقتصادي دولي ضمن دول ذات صبغة وطنية تجمع كل التنوعات الدينية والعرقية، في حين بدأت في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية منذ بداية القرن العشرين، موجات عنيفة من الروح القومية حتى انتهت بفواجع ومآسي عديدة للعرب إبتداءا من عام 1967 وانتهاءً باحتلال العراق عام 2003 فانهارت هذه الأيديولوجية وخارت قدراتها الفكرية والأقناعية وبطل سحرها وتلاشت تدريجيا من الذاكرة حتى صور قيادات منها صورتي جمال عبد الناصر وصدام حسين، ورافق ذلك انهيار أيديولوجيات أممية كالماركسية الشيوعية ،لكن من الملفت للانتباه انبثاق أيديولوجيات قومية قوية في صفوف المجتمع الكردي، وقد يرى البعض منهم اليوم القائد الكردي مسعود البرزاني يمثل جمال عبد الناصر الأكراد قاطبة؟ وقد رافق ذلك بروز أيضا أيديولوجيات دينية في صفوف المجتمع العربي شيعية متأثرة بالفكر الثوري الإيراني وسنية متأثرة بفكر الأخوان المسلمين وما أطلق عليها جزافا (الربيع العربي) تشبها بالربيع الأوربي لعام 1848، مما أنعكس ذلك على سياق هذا الكتاب الذي ركز كثيرا على النزعة القومية الكردية ،ولقد حاول المؤلف الوصول إلى قناعات تفضي إلى أعادة تشكيل (كردستان الجنوبية – شمالي العراق) لتكون أساسا لتشكيل (كردستان الكبرى )لتشمل جميع الأكراد ومناطقهم الحالية في إقليم الشرق الأوسط، وقد وجد المؤلف مؤتمر القاهرة لعام 1921 برئاسة السياسي البريطاني الشهير (ونستن تشرتشل) منعطفا أساسيا في ضياع فرصة تشكيل (دولة كردستان) مما أفرد له فصلا كاملا فيه الكثير من التفصيل.

سواء اتفقنا أم لم نتفق مع مؤلف كتابنا هذا، ألا أن هذا الكتاب يمثل موسوعة كبيرة (خزين مصادر مهمة) لحقيقة الأكراد وتاريخ حوادثهم، وقد بذل مؤلفه جهودا كبيرة جدا في أعداده، إضافة للكلف المادية العالية نسبيا من شراء المصادر ومتطلبات التوثيق والطباعة وما رافقها من مشكلات في التصحيح والترتيب، مما يجعل هذا الكتاب جديرا بالقراءة والاستفادة منه ليس للأكراد فحسب بل لكل العراقيين والمتابعين والدارسين للقضية الكردية ولتاريخ العراق الحديث، مع أمنياتي الخالصة لمؤلفه بالتوفيق لتحقيق غاية هذا الجهد العظيم.

الفريق الركن (المتقاعد)

رعد الحمداني

1/12/2012

Page 7

المقدمة

1- لسنا هنا بصدد الخوض في موضوع شائك مثل البحث عن أصل الأكراد بشكل موسع كالذي اختلف فيه الباحثون, وجرى نعت الأصل بالفرع, وصاغوا أحواله نظريات وروايات تشبه بعضها الأساطير(2), غير أننا نؤكد هنا بأن أكراد كردستان العراق هم سكان هذه الأرض الطاهرة منذ آلاف السنين, وهذا شرح مبسط عن الكرد وبشكل فصول من تاريخ وأصل وجذور الشعب الكردي, وجغرافية ودين واللغة الكردية وعدد السكان في كردستان, الإمارات والممالك والحكومات الكردية, والمعاهدات والاتفاقيات والمؤتمرات العالمية والأطماع الاستعمارية بكردستان والولاية الحميدية ومؤتمر القاهرة وولاية الموصل والجمعيات الأحزاب السياسية الكردية ومشاهير الكرد والقضية الكردية وحركتها ومشكلة الحكم في العراق وتأثير دول الجوار وهوية كركوك الكردية والتعريب للمناطق الكردية في كردستان والمناطق المتنازع عليها ومحاولة تعريبها وعمليات الأنفال والتهجير القسري والإبادة الجماعية في منطقة كردستان وبيان الحادي عشر في آذار عام 1970م وحق تقرير المصير والمادة (140) إن الدستور العراقي.

2- يعيش الأكراد على الأرض في جميع أصقاع سلاسل جبال أرمينيا وتنتهي حدودهم الشمالية في تركيا بمحاذاة أرضروم. وفي الجنوب يسكن الأكراد على مناطق واسعة إلى نهاية سهول ما بين النهرين وفي الغرب حدودهم نهر الفرات أو بصورة أدق نهر قرة سو.

وأنهم لم يقفوا عند هذا الحد بل إن وجودهم هو في أعماق آسيا الصغرى وإنهم لا يشغلون المناطق الجنوبية – الشرقية فمن سيواس فقط بل هناك جماعات متفرقة منهم حتى حوالي مدينة في كليكلية. وبهذه الصورة يصلون إلى البحر الأبيض المتوسط, يسكن الأكراد في روسيا في مقاطعة أريفان في الأقسام التي تصل بـ آرارات ومناطق أخرى من نواحي أردها وقاقزمان في منطقة فارس وكذلك في مقاطعة اليزابث بول.

3- يسكن الأكراد في الأقسام العليا في نهر الفرات ومناطق وآن (أرمينيا القديمة) (ف.ف. مينورسكي – الأكراد)(3) هي مهبط الأرض القديم التي ظهر فيها الأكراد. وان الأقسام الجنوبية من طوروس وسواحل دجلة اليسرى (بوتان – خربوط – الزاب الأعلى) هي الوطن الأم للشعب الكردي في الأزمنة التاريخية القديمة. وعلى ذلك فإن وطن الأكراد في فجر التاريخ هي الأقسام الشرقية الجنوبية للمناطق الثلاثة (السلاسل الجبلية العليا في أرمينيا كردستان تركيا – وجبال فارس الغربية) هو موطن الأكراد.

سلاسل جبال زاغروس وطوروس (جبال زاغروس وجنوب غرب إيران, تمتد من فارس وشيراز جنوباً وحتى كرمنشاه وهمدان شمالاً, وجبال طوروس جنوب تركيا, تمتد من قيصرية ونهري سيحان وجيحان شرقاً وجبال انطالية غرباً وبين زاغروس شرقا وطوروس غرباً تقع سلسلة جبال كردستان شمال غرب إيران وكردستان العراق (الباحث) ويعد مثل هذا الوصف المختصر لأرض كردستان ما يقربنا وكأنها عظام الظهر لهذا الوطن الذي يمتد على مرتفعات كبيرة فوق البلاد المحيطة به. لذلك تشمخ بعض قمم الجبال فوق المناطق المجاورة مثل جبل (آرارات) الكبير الذي ترتاح عليه سفينة نوح (عليه السلام) وهو يصل إلى ارتفاع 16.200 قدم (وجبل الجودي) له نفس المنزلة وارتفاعه يصل إلى 16.500 قدم (وجبل نمرود داغ) يرتفع إلى 10.400 قدم وجبل (سيبان) الذي يتغنى به الجميع يرتفع تقريبا إلى 11.330 قدم وكل هذه الجبال تغطيها الثلوج أكثر فصول السنة.

وهكذا نرى أن الأكراد يعيشون في الوقت الحاضر على ارض واسعة ضمن حدود تركيا وفارس (إيران ) والعراق من مدينة مندلي في العراق وحتى جبل آرارات حيث تتعدى أرضهم حدود روسيا فتدخل قفقاسنا وكما يلي:

أ‌- في بلاد فارس: يسكن الأكراد في جميع أقسام مقاطعات كرمنشاه وكردستان (سنندج) ومنطقة كاروس وقسم من أذربيجان في جميع مناطق ساوجبلاغ (مهاباد) حاليا من جنوب بحيرة اورمية وغرب نهر تاتاو إلى حدود تركيا وهم من السكان القدماء في الأقسام الجنوبية.

أما في الأقسام الشرقي من بلاد فارس فقد كانت تسمى اسم سلماس تشكل مقاطعة مستقلة وكان الأرمن يطلقون عليها اسم (كورتجيا) بمعنى (كردستان).

وهناك مناطق كردية أخرى مستقلة وهي متناثرة في خرسان (شاويلي) وفي قزوين (أمبرلو) وحوالي شيراز (كالون عبدو) حيث هجرهم الملك الفارسي نادر شاه من مدنهم وقراهم قسرا بين عامي (1736- 1778) م.

ب‌- في بلاد تركيا: يسكن الأكراد وبصورة أساسية في ولاية الموصل (العراق الحالي) وهي منطقة كردية خالصة عدا مدينة الموصل العربية, وإما في ولاية وآن وتبليس في ( تركيا الحالي ) فان للكرد أكثرية 60% وهذا يتعلق بالأراضي الواسعة حولي بحيرة وآن التي تتوفر فيها المياه.

إن سنجق حكاري الذي يمتد إلى الحدود الفارسية وكذلك أقسام كثيرة أخرى فالأكثرية الساحقة فيها هم من الأكراد. والأكراد أكثر عدداً في ولايتي ديار بكر وخربوط من جميع الأقوام الأخرى وأن مدينة الجزيرة تقع في ولاية ديار بكر وعلى نهر دجلة في منطقة بوتان وهي تعتبر مهداً للأمة الكردية. ومنها توزعوا وفيها ظهرت الحركة القومية الكردية. وأن سكان منطقة درسيم التي تقع بين النهرين الذين يشكلان الفرات فالأكراد فيها الأكثرية بثماني مرات بالنسبة إلى سكان غير الأكراد(4). وفي أودية أرضروم والأقسام الجنوبية الشرقية يشكل الأكراد الأكثرية الساحقة.

ج‌- في بلاد سوريا: يسكـن الأكراد في حلب أيضاً وهنـاك مستعمرات كردية متفرقة في سوريا حوالـي جبال دمشق وفيها محلات كرديـة ويشكلون نسبة 10-12% من سكان سوريا (5).

عرف الجغرافيين الإغريق في أوائل القرون الميلادية بصورة جيدة مناطق (الكوردوئين) وهي لا تزال قائمة على نهر دجلة ويسمونها (فينيك) وعليه يمكننا المقارنة بين كلمة (كوردوئين) وكلمة (كورجيا) بلاد الأكراد المذكورة من قبل الأرمن (الأزشاكيين) وكانت الأقسام الجنوبية الشرقية من كردستان المركزية كانت واقعة تحت حكم أسرة (هايكان) الأرمنية وكانت مستقلة ولا تدخل ضمن دولة (الأخمينين)، ثم خضعت للاسكندر الكبير والأرمن الازشاكيين وللاسكندر بن مارك انطوني وكليوباترا وللبارثيين وللرومان وللساسانيين (أردشير وشابور) والأباطرة والرومان من جالبيري إلى جوليات وللساسانيين مرة أخرى. وللإمبراطورية البيزنطية فيودوس وللعرب الذين غزوا الإمارات الأرمنية وأخيراً للأسرة الكردية الأولى المروانية المستقلة التي حكمت بين (990 – 1096م).

إذاً نلاحظ عدم استقرار المنطقة الكردية حيث حدثت فيها غزوات كثيرة، ففي القرن الحادي عشر استولى السلجوقيين على المنطقة ثم اضطر الأكراد أن يناضلوا ضد المغوليين، وفي القرن الثالث عشر ظهر غزاة آخرون من الغرب (الأتراك العثمانيون)، وفي سنة 1514م بعد معركة جالديران كان مصير الأكراد وكردستان مرتبطاً بالعثمانيين. وأناط السلطان العثماني سليم الأول إدارة كردستان بعد احتلالها إلى القريب منه المؤرخ الحكيم إدريس وهو من أبناء تبليس.

وفي الشرفنامة(6) (شرف خان البدليسي - الشرفنامة) كانت الضفة اليسرى من نهر الفرات الغربية وجميع مناطق الضفة الشرقية من (مرادسو) تقريباً تحت حكم الإمارات الكردية وكانت (إمارة تبليس) أكبر الإمارات الكردية وأميرها هو مؤلف كتاب (الشرفنامة).

نلاحظ عدم تمكن السلاطين العثمانيين في السيطرة على الإمارات الكردية، ولكن هذه الحالة انتهت في القرن التاسع عشر عندما رفض المصلح التركي الكبير السلطان (محمود الثاني) قرار السلطان (سليم الأول) حول الأكراد أي أراد احتلال كردستان وقد تم ذلك سنة 1834م حيث قاد الحملة (محمد رشيد باشا) وأصبح الأكراد فيها من بعدها مواطني الدولة العثمانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعليه قام الأكراد بحركة قومية سنة 1843 – 1846م بقيادة بدر خان باشا على أثره أسر بدر خان ونفي إلى (جزيرة كريت) وفي أيام (حرب القرم) ضد روسيا قام (يزدان شير) من أقارب (ابن عم) بدر خان بالحرب في حكاري وبوتان سنة 1855م واحتل تبليس والموصل وانحدر جنوباً حيث استولى على جميع الأراضي التي تقع بين (وآن وبغداد) وبالخدعة العثمانية المعروفة تم أسرهُ من قبل العثمانيين.

4- وفي كتابي هذا وبأجزائه سأحاول أن ألقي الضوء على الحركة الكردية بتجرد عن المشاعر الشخصية، معتمداً على الحقائق والأحداث التاريخية التي عاش تفاصيلها اليومية جيلنا المعاصر، حيث بذلتُ قُصارى جهدي لإعطاء صورة واضحة وصحيحة لأبعاد الحركة الكردية والتي أصبحت مشكلة مزمنة في تاريخ العراق الحديث بالرغم من الصعوبات التي واجهتها في بحثي وهو كثرة المصادر التي كتبت عن المشكلة الكردية منذ بدايتها وحتى مطلع عام 1909م، وصعوبة استخلاص وفرز الحقائق منها وقلة المصادر بعد حرب الخليج الثانية (أم المعارك) وندرة المعلومات الدقيقة عن المشكلة الكردية وسيرتها. (وتضمن البحث على شكل فصول كما نوهنا عنه).

5- للوصول إلى حقيقة الثورة الكردية وغاياتها كثيراً ما اعترتها الشكوك والأشواك. ولعل ما كتب عن الكرد بشكل متناثر في سنوات الشقاء, قد أخذها رموز وكتّاب بأثر سياسي منقوص, أو هم أقرب لرموز السلطة لنعت الثورة الكردية بنعوت (التمرد) على القانون. وأن مصدر قوّة حمّلة السلاح هي الجبال التي يتحصنون فيها, وكان على العقل البشري الذي ميّزه الله على سائر المخلوقات أن يدرك قوله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم, وقوله (إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله اتقاكم) ولم يكّن الله ليعطي أفضلية للقومية التركية والإيرانية والعربية على قومية الكرد, وهم قبائل مسلمة, إلا تلك النزعة الدونية للحكام لاستغلال الكرد سياسياً لضرب خصومهم تحت مسمّيات الأخوة الكردية, والوطن السعيد، والجهاد ضد الأجنبي. وعندما يقال لهم أن الكرد أمة كما هي باقي الأمم على وجه الأرض, قالوا أن هؤلاء يريدون تقسيم التراب الوطني. وأن الله أوكلهم لان يحافظوا على ما ترك لهم الأولون, وأن المجد القومي لا يبنى إذا ما فرط الحاكم بأي رقعة جغرافية حتى وأهلها لا يجتمعون على قاسم مشترك مع القوميات الأخرى إلا بالدين، وقد سيّس الدين عند الحكام لضمان البقاء على هرم السلطة، ويجب أن لا يسّيسه الكرد وهم يعيشون في جبال ليس لهم فيها صدى.

وإذا كان ما ذَكَرتهُ كتب التاريخ عن أصول للترك والفرس والعرب, ولغة يتفاهمون بها, وممالك حكموها. فذلك موجود لدى أبناء الأمة الكردية وقد حان الوقت لان يكتب المثقفون الكرد عن شعبهم, ولكن ليس بالصيغة المتناثرة التي تذكر جذور الكرد وحياتهم دون الثورات الشعبية التي قاموا بها لحكم أنفسهم، ذلك هو ما دفعني أن أعد هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) في ستة وأربعين فصلاً وهناك بعض التكرار لغرض تنسيق مواضيع الفصول وعدم تسلسل الفصول بسبب إخراج الأجزاء بشكل متجانس مع بعضها البعض. أتناول فصل الأصول وتاريخ وجذور الكرد فهم (كوتي أو جودي) خلال حكم الدولة السومرية. وجوتي أو كارتي أو كاردو أو كارداك عند الدولة السومرية والآرامية. أما عند أهل اليونان والرومان فهم كاردوسوي أو كاردوخي. قبل أن يطلق عليهم الفرس القدماء شعب جبال زاغروس وإجبارهم على اعتناق الديانة الزرادشتية ولأجل تجاوز الجغرافية السياسية لإقليم الشرق الأوسط التي رسمتها اتفاقية (سايكس بيكو) وبعيدا عن الدوافع السياسية, فإن ما ذهبت إليه في فصل جغرافية كردستان من هذا الكتاب لأوضح جغرافية المناطق التي عاشت فيها الأمة الكردية عبر الحدود المصطنعة وخاصة ما بين إيران وتركيا والعراق.

على الآخرين العودة إلى التاريخ, وفيه أن معركة جالديران عام 1514 م التي كسبها العثمانيون ضد الفرس, وكانت بقيادة السلطان العثماني (سليم الأول) قد شكلت البداية لعزل العوائل الكردية عن بعضها البعض تحت مسوّغ, أنتم فرس, أنتم أتراك.

وبموجب معاهده قصر شيرين/ زهاب عام 1639م صار الكردي يعيش تحت سلطتين واحدة فارسية وأخرى عثمانية, قبل أن يعطيها المستعمر البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى صفة الحدود الرسمية, وأصبحت أمة الكرد موزعة على تراب أربع دول هي (تركيا, إيران, العراق, سورية) وهي ذات بعد سياسي واقتصادي أساسه ولاء الحاكم لبريطانيا, واستثمار محددة للكرد طالما الحكام مصنوعين لخدمة بريطانيا كما هو حال العرب العراقيين في عربستان الذين ألحقوا إلى إيران الشاه. وتساءل الكاتب عن مغزى طوي صفحات تاريخ الإمارات والممالك والحكومات الكردية في نهاية القرن السابع الميلادي مثل حكومة (زازا) في درسيم (داخل حدود تركيا) وحكومة الكرد اليزيديين في سنجار (داخل حدود العراق). ولأجل أن يفهم الآخرون ما فاتهم في سنوات القهر والحرمان, أن رؤساء الكرد كانوا يديرون شؤونهم باستقلال عن سلطة الفرس والعثمانيين والعرب, وان نقطة الالتقاء بهم تنحصر في دفع الضرائب, والتعهد بتقديم قوات كردية مسلحة في حالة الحرب .... وكان ذلك هو الأقرب إلى أسلوب الحكم الفيدرالي، وإن لم يكن مكتوباً على الورق. ذلك هو ما تحدثت به في فصول وأجزاء هذا الكتاب. ولم أهمل نفوس الكرد بالقياس إلى نفوس الفرس والكرد والعرب في فصل آخر, ونبّه في فصل آخر إلى أن الأساطير الشعبية الكردية والديانات إنما هي مستوحاة ومتأثرة بما كان سائداً, قبل أن يصلهم دين الإسلام في القرن السابع الميلادي. ويقرؤون قرآن الإسلام باللغة العربية وان اختلفت لهجات اللغة الكردية. وهي حالة طبيعية بين الفرس والأتراك وحتى العرب في ديار المغرب والمشرق.

والأساس لما رغبت فيه, أن اللغة الكردية ليست اللغة الفارسية، التي أرادها الحاكم الفارسي لأغراض سياسية لاحقاً وقد نوهّت إليها في فصل آخر. أن الشعب الكردي يعيش على أرضه وموصول بالتاريخ دون جغرافية. والجغرافية تعني وجود لمقومات الدولة (الحدود والحكومة والجيش, وفرض القانون). والمعاهدات السابقة بين الفرس والعثمانيين مثل معاهدة قصر شيرين/زهاب عام 1639م، وأرضروم الثانية 1847م, وسيفر عام 1920م لم يحققوا الذات الكردية وقد كتبت من خلف ظهورهم أي (الأكراد) طمعاً بهم. كما دونتها في فصل آخر من أجزاء هذا الكتاب. ولم يكن ما ذهبت إليه في فصل آخر منه فيه مبالغة، عندما أشار إلى أطماع الفرس والأتراك والانكليز بأهل ومنطقة كردستان وبهدف استثمارهم سياسياً (كورقة ضغط) على الحكومات أو استثمارهم للقتال بالنيابة, وقد باتت أكثر أهمية (كردستان) من النفط الشحيح على ارض كردستان وربما التفسير أن استثمار الكرد (سياسياً وعسكرياً) يقود إلى إذعان الحاكم, ومتى توسل الحاكم تحت غطاء أن الكرد لهم مطالب, تتحقق المصالح للآخرين, وليس للكرد. ذلك هو ما ذهبت إليه في فصل مستقل آخر, وآخر سلاطين الدولة العثمانية (عبد الحميد الثاني) يشكل ألوية عسكرية عمادها الكرد تحت اسم (الألوية الحميدية) لقهر الخصوم دون وعود لإصدار (فرمان) لحدود جغرافية لكردستان, وجمعية الاتحاد والترقي التركية تغازل رموز عسكرية ومدنية كردية لإزاحة السلطان العثماني من السلطة, وكثير من جمعية الاتحاد والترقي التركية وهم من يهود (الدونمة).

وعندما نقترب من اهتمام الساسة البريطانيين في ولايات الدولة العثمانية, واثر الضباط العراقيون – (خريجي المدارس العسكرية العثمانية) على أبناء العشائر الكردية والعربية للثورة ضد المحتل الأجنبي , نجد أن وزير المستعمرات البريطاني (ونستون تشرشل) والوفد المرافق له, قد عزموا السفر إلى القاهرة للالتقاء بوفد آخر قادم من العراق برئاسة المندوب السامي البريطاني في العراق (برسي كوكس, وسكرتيرته مس بيل)، ومعهم الفريق جعفر العسكري (وزير الدفاع) وساسون حسقيل (وزير المالية) في آذار عام 1921م. وفهم المطلوب من (مؤتمر القاهرة) إنشاء جيش عراقي يكون واجبه محدد لأغراض الأمن الداخلي, وحراسة خطوط مواصلات القوات البريطانية, بغية تقليل النفقات المالية, وبقدر ما كان الكرد على موعد لمناقشة قضيتهم في (مؤتمر القاهرة)، سمع الحاضرون تصفيق داخل أروقة فندق (سميراميس) مكان عقد مؤتمر القاهرة وكان مشفوعاً, عندما ذكر ونستن تشرشل وزير المستعمرات أن الأمير فيصل بن الشريف حسين هو الأنسب لحكم العراق ولم يقل أن الكرد أمة بحاجة إلى حكومة كما هو شأن العرب. ذلك هو ما ذهبت إليه في فصل مستقل بذلك. وعلاقته المباشرة لما جاء في الفصل لاحق مستقل الذي تحدثت فيه عن (ولاية الموصل والمسألة الكردية) ويعتقد الكرد, والاعتقاد بيقين, أن سكان (ولاية الفصل) المكونة من محافظات (السليمانية – اربيل – كركوك – ودهوك لاحقاً) هم من الكرد. وفَرَحْ الأكراد لا يوصف, خصوصاً والجنرال البريطاني (مود) قد نبّه أهل بغداد عام 1917م انه أتى (محرراً للشعوب وليس محتلاً). كما روج الرئيس الأمريكي (ويلسون) لمبادئه الأربعة عشر الداعية لحرية الشعوب وحق تقرير مصيرها قبل وصول الدول المنتصرة بالحرب إلى مدينة فرساي الفرنسية عام 1919م لمناقشة حاجات الشعوب ومنهم الكرد.

لقد باعت لندن حليفها في الحرب الأمير فيصل بن الشريف حسين بثمن نفط ولاية الموصل مقابل إطلاق يدّ حليفتها فرنسا على سورية, وباعت كفاح الشعب الكردي لثلاث قرون في الزمن، وضيعت ذاتهم على جغرافية لا تحتاج إلى علامات هي (كردستان الجنوبي) لان رغبة لندن في الاستحواذ على نفط ولاية الموصل أهم من حرية الشعوب وخاصة الشعب الكردي, وهم في كل ذلك يقولون أن الشيخ محمود الحفيد الذي يقود ثورة كردية ويألب العشائر الكردية ضد المحتل البريطاني انه (متمرد) ولا يؤمن بالديمقراطية التي تؤمن بها بريطانيا.

وبات الكرد يسألون وماذا يقصد الحكام السياسيون البريطانيون بالديمقراطية بعد معاهدة (سيفر عام 1920م) قيل, أن المطلوب هو تأسيس أحزاب وجمعيات سياسية كردية ينتخبها الشعب لحكم الشعب. ودانت الرقاب لحرية الرأي, والرأي الآخر, وبعض الأحزاب الكردية كانت موجودة قبل وبعضها بعد الحرب العالمية الأولى وأخرى تيقنت لأن تكون ممثلة في البرلمان العراقي بعد الحرب العالمية الثانية, ذلك ما شملهُ فصل مستقل حول ذلك.

إن إشكاليات القضية الكردية في ظل الاحتلال البريطاني للعراق قد أخذت البعد التضليلي تارة والغموض تارة أخرى، لهدف أن لا يرى الكرد نوراً على طريق الحكم الذاتي رغم أن مشاهير الكرد من الأدباء والكتاب ورجال الدين وقادة الجيش قد برهنوا على لياقتهم في الإدارة وكان ذلك مجزيا لان يقولوا أن قضية الكرد هي قضيتهم وهم أدرى بمتطلبات شعبهم بعد كفاح مرير مع السلطات التركية والإيرانية والعربية, كما جاء في فصل مستقل آخر، أما في الفصول الأخرى نلاحظ قد برهنت بريطانيا الاستعمارية على تهميش القضية الكردية، واتجهت لبناء جدار أمني ضد الشيوعية في (معاهد سعد آباد عام 1937م) وحلف آخر هو (حلف بغداد عام 1955م)، فهم منه وروّجت له الشيوعية (المدعومة من السوفيت) باتت على أبواب العراق أن بريطانيا وتركيا وإيران والباكستان. وعليهم حراسة المصالح الأميركية والبريطانية في منطقة الشرق الأوسط, وخاصة نفط الخليج بعد الحرب العالمية الأولى.

وابتهج الكرد بظهور الزعيم عبد الكريم قاسم على قمة السلطة في العراق عام 1958م, في إدراك أن دستور العراق لعام 1958م يعترف بوضوح بالقومية الكردية باعتبارها القومية الثانية بد العرب في العراق. وهو ما يعني المشاركة في القرار قبل أن يذهب عبد الكريم قاسم في سياسته (القاسمية) لمكونات المجتمع العراقي. وعودة الكرد إلى حمل السلاح دفاعاً عن صدق نيّة الزعيم الكردي الخالد (الملا مصطفى البارزاني) للدفاع عن الجمهورية الفتية. وفي ذروة تحكم الضباط العسكريون القوميين بالسياسة عام 1963م، ومنهم الرئيس القومي المشير عبد السلام عارف, انه تداول القضية الكردية مع القائد والزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر, وأحرار الأخير عراباً للقضية الكردية, قبل أن يجتمع الوفدان الكردي والحكومي (العراقي) في العاشر من شباط عام 1964م وفيه انحدرت القيادات الكردية من محطة الكفاح للقضية الكردية إلى محطة الرغبة في الزعامة, افترق على أثرها الزعيم الكردي الخالد الملا مصطفى البارزاني عن السيد إبراهيم احمد ونسيبهُ جلال الطالباني, وعندما اختار الاتفاق إيران ملجأ لهما, بات الحديث الذي روجته لندن وطهران, أن القومية الكردية تأخذها العربية في رحابها الواسعة. وان وجود جمال عبد الناصر على خط القضية الكردية قد يدفعه إلى إنشاء دولة كردية تكون حاجزة بين الجمهورية العربية المتحدة والاتحاد السوفيتي. وإذا ما حدث ذلك فإن من حق إيران وتركيا تقسيم كردستان بينهما والقول لا زال لساسة لندن, وهي في تشاور مستمر مع طهران وأنقرة عام 1956م. وربما وجدت بريطانيا أن خسارة تأثيرها على الساسة العراقيين بعد ثورة 14 تموز 1958م سيعطيها الحق لإثارة المجتهدين في النجف على حكومة بغداد, وفرض اكبر تأثير إيراني على إعطاء الحزب الديمقراطي الكردستاني لكي لا يصنعوا سلاماً مع بغداد.

فهي أزمة حكم، ولدت مع ولادة الدولة العراقية عام 1921م ولم تنتهي فصولها لا بثورة الفرات الأوسط، ولا بالثورات الكردية ولا المفاوضات المباشرة، ولا باستخدام السلاح. وإذا ما أخذنا اتفاق الحادي عشر من آذار عام 1970 كخطوة متقدمة على طريق إعطاء الحقوق القومية للكرد, إلا أن سوء التقدير, وضعف البصيرة والقرارات الفردية من قيادة حكومة وحزب البعث قد ضيعت على الكرد فرحة لحقن الدماء , كان بالإمكان استغلال واحدة من خواص الرئيس صدام حسين (وقوله الفصّل) لتطوير مؤسسات الحكم الذاتي كلما سنحت الظروف بذلك. وباع شاه إيران محمد رضا بهلوي القضية الكردية في اتفاقية الجزائر في السادس من آذار عام 1975م , كما باعها الساسة الانكليز بنفط ولاية الموصل عام 1922م.

لم يبطن القول جلال الطالباني، وهو يوظف قرارات الحزب البارتي (الديمقراطي الكردستاني), التي قادت إلى الانهيار. كما لم يبطن النيّة وهو في طريقه إلى دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد لأن يكون الزعيم الديمقراطي, صاحب الرؤية والمرونة السياسية التي توظف الأحداث السياسية لصالح القضية الكردية. فيما وضع الرئيس صدام حسين حدّ سيفه بالقول أن كل من تخلف عن الدفاع عن تراب الوطن وقت الحرب مع إيران لا يستحق المجّد. ولكنه وبقراراته الفردية ضيع المجد القومي العربي عندما غزا الكويت في آب 1991م، وكان قاب قوسين لأن يجعل من العراق دولة إقليمية كبرى في منطقة عرب المشرق. ولم تتمكن أي حكومة عراقية التوليف بين مكونات المجتمع العراقي, وكل ينشد المغانم وكراسي الحكم حتى وإن أُريقت دماء العراقيين على صخور كردستان الداكنة. أو في صحراء الكويت الغابرة عام 1991م.

لم يعد الكرد في خشية من إعلان الحكم الذاتي, وإدارة مباشرة من قبل الحزبين الكرديين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) عام 1991م. كما لم تعد سورية (حافظ الأسد) خصم صدام حسين, وإيران (الخميني) التي خاضت حرب الثمان سنوات على تردد في الحديث عن إسقاط صدام حسين، وتشكيل حكومة تقترب في علاقاتها مع إيران ودمشق. ذلك هو ما تحدث عنه بفصل مستقل آخر من كتابنا (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) رغم أن الملك الهاشمي فيصل الأول (ملك العراق) قد حذر في عواقب نهج الطائفية في فصل لاحق. والعمل على كشف عمليات التطهير العرقي للكرد في كردستان وخاصة في محافظة كركوك لتغيير هويتها القومية الكردية في فصل مستقل, والمناطق المتنازع عليها في الأقضية والنواحي الكردية مثل (خانقين وتلعفر وسنجار ... الخ)، وعلى أطراف مدينة الموصل في فصول أخرى ولأجل بلوغ الهدف في كتابنا هذا (الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ), فقد ركزت على عمليات الإبادة الجماعية للكرد فيما يسمى بعمليات (الأنفال) وبيان الحادي عشر من آذار عام 1970م, وحق تقرير المصير, والمادة (140) من الدستور العراقي الخاصة بمدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها.

كما أفردت فصولاً أخرى, عبرت عن استجابة لما طرحهُ الشاب الكردي, الذي عبرته الأحداث السياسية, والعسكرية وتطوراتها اللاحقة. فكان له ما أراد في فصل لاحق (الخلط بين القومية والطائفية والدين)، والمواقف الأخرى من المسالة الكردية في فصل لاحق أيضاً لهُ. والكرد مع الواقع العراقي المتقلب بين أعوام 1963 – 1972م. كما أفرد الكاتب مجمل حركات الشيخ محمود الحفيد (ابن مدينة السليمانية) وحركات الشيخ عبد السلام البارزاني والملا مصطفى البارزاني والبارزانيين انطلاقاً من منطقة بارزان (على الحدود المشتركة بين العراق وإيران).

ولعل ما أتركه، هو أن يقوم الآخرون بتكملة ما حصل من أحداث وتطورات بد الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003م وهو غزو عسكري وليس تحرير كما خاطب الجنرال (مود) أهالي بغداد عام 1917م ولم يشفع التاريخ للرئيس الأمريكي (بوش الابن) و(توني بلير) رئيس وزراء بريطاني دونيتهم وانحطاط سلوكهم في العراق والقادة الأمريكان يقولونها للملأ (نعم إنها عملية غزو واحتلال) دون وازع أخلاقي.

ثم اختتمت كتابي هذا (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) باستنتاجات وتوصيات آمل أن أكون قد وفقت في التوصل من خلالها إلى حل قابل للتطبيق لإنهاء هذه المشكلة (المسألة الكردية في العراق) التي أدمت قلوب العراقيين (من جميع القوميات) ولسنين طويلة.

ومن الله التوفيق

الباحث

الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان تشرين الأول، 2012

Page 8

الفصل الثامن عشر
المعاهدات والإتفاقيات الدولية للأكراد
كرد العراق في المؤتمرات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والإقليمية
إن تحديد مصير الشعوب والبلدان الخاضعة للإمبراطورية العثمانية من أهم المشكلات التي واجهت الحلفاء بعد انتصارهم على ألمانيا وتركيا العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م)، ولقد بحث مؤتمرات الحلفاء المنعقدة بعد الحرب عن حلول توفق بين رغبة هذهالشعوب لنيل استقلالها، وبين مطامع الحلفاء الاستعمارية في بلدان هذه الشعوب الغنية بالموارد الطبيعية ذات الموقع الاستراتيجي الهام (7).
في الوقت نفسه أعلن الرئيس الأمريكي ولسون مبادئه الأربعة عشرة المشهورة المتعلقة بمبدأ تحقيق المصير، وخاصة البند الثاني منها (تتأكد للقوميات التي يحكمها الأتراك حياة آمنة، وفرصة كاملة للتطور في إطار الاستقلال الذاتي). وخلال الحرب وبعدها انعقدت مؤتمرات واتفاقيات تناولت المشكلة الكردية وكردستان. وسوف يتم استعراض هذه المؤتمرات لبيان الموقف الدولي من هذه المشكلة (8).
وقبل تناول هذه المعاهدات كــــــان من الضروري التأكيد على صعوبة الفصل بين وضعية كرد العراق وبقية العناصر الكرديــــــة في المنطقة.
 

Page 9

اتفاقية سايكس – بيكو Sykers – Picot Agreement

أثناء الحرب العالمية الأولى، أجرت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية مباحثات حول (الترتيبات المقبلة) للشرق الأوسط، بعد أن أصبحت هزيمة ألمانيا والدولة العثمانية في الحرب وشيكة (9). وقد انتهت هذه المباحثات التي شارك فيها كل من مارك سايكس وزير خارجية بريطانيا، وجورج بيكو وزير خارجية فرنسا، وسيرجي سازانوف وزير خارجية روسيا، عن عقد اتفاق سري في العاصمة الروسية (بتروجراد) في 19 شباط (فبراير) 1916م، فيما عرف باتفاقية (سايكس – بيكو).

وتضمنت هذه الاتفاقية اقتسام مناطق النفوذ في الأقطار العربية الآسيوية، العراق، وسوريا ولبنان وفلسطين، ونصت على ما يلي:

1- تضم إلى روسيا المناطق التالية:

• ولايتا أرضروم وبتليس والمناطق التابعة لهما.

• الأراضي الكائنة جنوبي كردستان، وتمتد بخط من ولاية موش إلى سعرد، ومن هناك تنحدر إلى جزيرة ابن عمر، ثم تتبع خطاً مستقيماً إلى العمادية ومنها إلى الحدود الفارسية (10).

يتضح من ذلك أن روسيا القيصرية كانت ستضع يدها على أرمينيا، وعلى كامل كردستان الشمالية، وعلى أجزاء من كردستان الجنوبية بينما تخضع كردستان الشرقية لفارس حليفة بريطانيا، وما يبقى من كردستان الجنوبية يضم فيما بعد إلى العراق، الذي شرعت بريطانيا باحتلاله أولاً بأول منذ عام 1915 (11).

2- تضم إلى فرنسا المناطق التالية:

• منطقة ولاية الموصل في شمال العراق، الغنية بآبار النفط.

• كليكا وتشتمل على ولاية أضنة (12).

3- تضم إلى بريطانيا المناطق التالية:

• وادي الرافدين من جنوب ولاية الموصل إلى الخليج العربي.

ولكن ما لبثت روسيا أن انسحبت من هذا الاتفاق بعد ثورة أكتوبر 1917م، وفضح الحكم الجديد فيها لبنود هذه الاتفاقية، وإذاعتها على العالم عن طريق نشرها في جريدة (البرافدا) الناطقة باسم الثورة.

وهكذا تغير الوضع الدولي تماما في الشرق الأوسط في نهاية الحرب بالمقارنة مع عام 1916 عند إبرام هذه الاتفاقية، وأعطى قيام الثورة في روسيا لبريطانيا الذريعة للتخلص من البنود التي لم تكن في مصلحتها في هذه الاتفاقية.

ومن أكثر الأمور التي لم تجد قبولاً لدى بريطانيا في هذه الاتفاقية، الاتفاق الذي يقضي بوضع ولاية الموصل ضمن مجال النفوذ الفرنسي، ولقد أكدت بعض المصادر أن الموصل كانت ضرورية لبريطانيا لاعتبارات اقتصادية وسياسية – عسكرية هامة.

وبعد هزيمة ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية، سيطرت على بريطانيا أحلام واسعة بالسيطرة على خط بترول ولاية الموصل، هذا الحلم الذي لن يتحقق إلا بحصول بريطانيا على حق الإشراف الدولي على العراق كله، مع تأمين حدوده الشمالية بصفة خاصة. ولتحقيق ذلك كان إقامة النظام الملكي في العراق، وتطبيق إستراتيجية خاصة بالسياسة النفطية. وأشار البعض إلى انه إذا لم تشمل الحماية البريطانية في ميزوبوتاميا منطقة راوندوز الجبلية في الشمال، فإن الوجود البريطاني في العراق يفقد أهميته(13).

كما نظر البعض إلى هذه المنطقة على أساس أنها عبارة عن حلقة رئيسية للاتصال البري بين مصر والهند، حتى لو لم يكن النفط موجوداً في هذه المنطقة، لكانت هذه المنطقة تمتلك الأهمية السياسية لبريطانيا (14).

ومن هذا المنطلق يرى البعض أن ميزوبوتاميا سوف تفقد أهميتها الإقليمية – السياسية بعد حرمانها من الموصل. وفي الوقت ذاته وجدته بريطانيا في ولاية الموصل حلاً لمسعاها في الخروج إلى المتوسط، وكذلك عبر الموصل أيضا تمر أكثر طرق الاتصال الملائمة مع بلاد فارس واقتطاع ولاية الموصل طبقا لاتفاقية سايكس بيكو يحبط سياسة الاتصال البري مع الهند.

وبدأت بريطانيا تقلل من أهمية اتفاقية سايكس بيكو في نهاية الحرب، ووصف لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا هذه الاتفاقية (بأنها أغبى وثيقة) كما استخدم (كيرزون) وزير خارجية بريطانيا عبارات مماثلة عن هذه الاتفاقية (15). وبناء على ذلك كان على الدبلوماسية البريطانية أن تبذل نشاطاً مكثفاً من أجل إلغاء هذه الاتفاقية. وقد شرعت في ذلك بعد فترة ليست بعيدة.

Page 10


معاهدة سايكس - بيكو، أيار 1916
معاهدة سايكس - بيكو "الجزء الخاص بإنجلترا وفرنسا"
ابريل / مايو سنة 1916
الأمير فيصل بن الحسين يفضح اتفاقية سايكس ـ بيكو
لم يسمع العرب والكرد بنود اتفاقية سايكس ـ بيكو التي حملت أثناء عشرة مادة، لولا نجاح الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، وكشف محتوياتها وهي:
- المادة الأولى:
أن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا أي دولة عربية مستقلة أو حلف دول عربية تحت رئاسة رئيس عربي في المنطقتين (أ) - (داخلية سوريا)، (ب) (داخلية العراق) المبينتين بالخريطة الملحقة. ويكون لفرنسا في منطقة (أ) ولانجلترا في منطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في منطقة (أ) وانجلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية.
- المادة الثانية:
يباح لفرنسا في المنطقة الزرقاء (شقة سوريا الساحلية) ولانجلترا في المنطقة الحمراء (شقة العراق الساحلية من بغداد حتى خليج فارس) إنشاء ما ترغبان فيه من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو بالمراقبة بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية.
- المادة الثالثة:
تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين) يعين شكلها بعد استشارة روسيا بالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة.
- المادة الرابعة:
تنال انجلترا ما يأتي:
1- ميناء حيفا وعكا.
2- يضمن مقدار محدود من ماء دجلة والفرات في المنطفة (أ) للمنطقة (ب) وتتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بأن لا تدخل في مفاوضات ما مع دولة أخرى للتنازل عن قبرص الا بعد موافقة الحكومة الفرنسية مقدما.
- المادة الخامسة:
يكون لواء الاسكندرونة ميناء حرا لتجارة الإمبراطورية البريطانية ولا تنشأ معاملات مختلفة في رسوم الميناء، ولا ترفض تسهيلات خاصة للملاحة والبضائع البريطانية وتباح حرية النقل للبضائع الانجليزية عن طريق سكة حديد اسكندرونة وسكة الحديد في المنطقة الزرقاء سواء كانت واردة إلى المنطقة الحمراء أو المنطقتين (أ) و (ب) أو صادرة منها. ولا تنشأ معاملات مختلفة - مباشرة أو غير مباشرة - على أي سكة من سكك الحديد أو في أي ميناء من موانئ المناطق المذكورة تمس البضائع والبواخر البريطانية.
وتكون حيفا ميناء حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها ولا يقع اختلاف في المعاملات ولا يرفض إعطاء تسهيلات للملاحة والبضائع الفرنسية ويكون نقل البضائع الفرنسية حرا بطريق حيفا وعلى سكة الحديد الانجليزية في المنطقة السمراء. ذلك سواء كانت البضائع صادرة من المنطقة الزرقاء أو الحمراء أو المنطقة (أ) أو المنطقة (ب) أو واردة إليها ولا يجرى أدنى اختلاف في المعاملة بالمثل ما يمس البواخر الفرنسية أو في استخدام أي سكة من السكك الحديد ولا في ميناء من الموانىء في المناطق المذكورة.
المادة السادسة:
لا تمد سكة حديد بغداد في المنطقة (أ) إلى ما بعد الموصل جنوبا ولا في المنطقة (ب) إلى ما بعد سامراء شمالا إلى أن يتم إنشاء خط حديدي يصل بغداد حلب ماراً بوادي الفرات ويكون ذلك بمساعدة الحكومتين.