تعريف علم الاقتصاد
1-1: المعنى اللغوي للاقتصاد
الاقتصاد في اللغة مشتق من ((القصد)) وهوبين الإسراف والتقتير في الإنفاق. والقصد هوالعدل([1])، وكذلك يقال في اللغة قصد الطريق قصدا أي استقام، وقصده في الأمر: توسط، لم يفرِط ولم يفرِّط، وقصد في الحكم: عدل ولم يمل ناحيه([2]) وجاء معنى القصد في القرآن الكريم بهذا المعنى كما في قوله تعالى " وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ" (لقمان 19) أي توسط بين الإسراع والبطئ( [3] ). وكذلك قوله تعالى، " مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ" (المائدة 66) بمعنى مستقيمة غير غالية ولا مقصرة( [4] ) وقد ورد الاقتصاد بمعنى الاعتدال في الإنفاق والتوسط بين التقتير والإسراف في الحديث النبوي الشريف ((ما عال من اقتصد))( [5] )، أما الأصل اللغوي للاقتصاد في اللغة الإنكليزيةeconomics فينحدر من المصطلح اليوناني oikonomos الذي يتكون من كلمتينOikos وتعني البيت وNomos وتعني التدبير( [6] )، وبذلك يكون معنى اللفظ اليوناني، تدبير أمور البيت، إلا أن اليونانيين القدماء لم يقصدوا هذا المعنى الحرفي فقط بل تعدى ذلك إلى المعنى الاصطلاحي وهو تدبير أمور المدينة أو الدولة( [7] ).
1-2: المعنى الاصطلاحي للاقتصاد:
لا يكاد يجمع أهل علم على تعريف واحد لعلمهم الذي يدرسون، وهذا نابع من تعدد وجهات النظر حول أي الجوانب أكثر أهمية في الشيء المراد تعريفه، وأمر طبيعي أن كل تعريف فيه قدر من الصحة وعدمها ولتجنيب القارئ مشقة المقارنة بين التعريفات، سوف نختار أكثر التعاريف شيوعاً وقبولاً عند أهل الاختصاص وهوالتعريف القائل بأن علم الاقتصاد " هوذلك العلم الذي يدرس السلوك الإنساني كعلاقة بين أهداف ووسائل نادرة ذات استعمالات مختلفة([8])، يؤكد هذا التعريف على موضوع الندرة والاختيار، حيث إن الموارد أوالوسائل نادرة نسبياً مقارنة بالأهداف المطلوب تحقيقها. لذلك لا بد من عملية الاختيار التي تتضمن تخصيص الموارد النادرة لتحقيق بعض الأهداف على حساب بعضها الآخر. وبذلك تكون مهمة الاقتصاد هي البحث عن أفضل السبل لتحقيق أكبر إشباع ممكن للحاجات الإنسانية ضمن الموارد المتاحة. وبذلك يساهم في التقليل من حدة المشكلة الاقتصادية التي تعني باختصار ندرة الموارد الاقتصادية من جانب وتعدد وتنامي الحاجات الإنسانية من جانب آخر.
1-3: نشأة علم الاقتصاد وتطوره:
يعد علم الاقتصاد من العلوم الاجتماعية الحديثة نسبياً إذ اتخذ التفكير الاقتصادي منهجاً علمياً خاصاً به في دراسة الظواهر الاقتصادية على يد الاقتصادي الاسكتلندي آدم سمث عندما نشر كتابه الموسوم (ثروة الأمم) عام 1776م وهذا لا يعني أبداً عدم وجود أفكار اقتصادية قبل هذا التاريخ، بل أن الأفكار الاقتصادية كانت موجودة قبل هذا التاريخ بكثير، فقد ولدت الأفكار الاقتصادية مع ولادة الحضارات الإنسانية القديمة كالحضارة البابلية والمصرية واليونانية. وكما هوحال العلوم الأخرى فإن العلم يولد في رحم الأفكار غير المنظمة وغير المستقلة. وعندما يولد العلم الخاص بها يقوم بتنظيمها بشكل يميزها ويجعلها مستقلة وذات كيان فكري مستقل ومميز عن غيره.
إنَّ علم الاقتصاد من العلوم الاجتماعية التي تهتم بدراسة علاقة الإنسان بالموارد الاقتصادية التي عليه أن يسخرها لإشباع حاجاته المتعددة والمتنامية. لذلك ينقسم علم الاقتصاد على قسمين رئيسيين هما:
أ- الاقتصاد الجزئي: (Microeconomics) الذي يهتم بدراسة سلوك صانعي القرارات من مستهلكين ومنتجين ويؤكد على اختياراتهم بين البدائل ويهتم بدراسة العرض والطلب والأسعار في الأسواق المختلفة.
ب- الاقتصاد الكلي: (Macroeconomics) يهتم بدراسة الاقتصاد القومي من خلال دراسة المتغيرات الاقتصادية الكلية مثل الدخل القومي والاستثمار والادخار ومستوى الاستخدام والمستوى العام للأسعار والتنمية الاقتصادية.
يشبه الاقتصاد الجزئي والكلي ببستان، فدراسة الأشجار الموجودة فيه كل على انفراد حيث تمثل الأشجار الوحدات الاقتصادية التي هي جل اهتمام الاقتصاد الجزئي، أما دراسة البستان ككل وما يتعلق به من أمور فيشبه دراسة الاقتصاد الكلي.
إن كل مجتمع يسير اقتصاده على وفق ما يسمى بالنظام الاقتصادي الذي يتكون من القواعد والقوانين والتقاليد والمبادئ التي تحكم عمليات الاقتصاد القومي. ويتم من خلالها استخدام الموارد الاقتصادية لإشباع الحاجات الإنسانية. ويهدف كل نظام اقتصادي إلى الإجابة على الأسئلة الآتية:
أ- ماذا ننتج؟ والإجابة على ذلك تعني أي السلع والخدمات نقوم بإنتاجها ويتضمن ذلك عملية تخصيص الموارد لإنتاج هذه السلع والخدمات لا غيرها.
ب- كم ننتج؟ بعد أن حددنا أنواع السلع والخدمات المرغوب إنتاجها، نحدد الكميات التي نريد إنتاجها.
ج- كيف ننتج؟ أي نختار الأساليب التكنولوجية التي يتم على وفقها إنتاج الكمية المطلوبة من السلع والخدمات.
د- لمن ننتج؟ أي كيف يتم توزيع السلع والخدمات المنتجة على المساهمين في إنتاجها وغيرهم.
إن طريقة الإجابة على هذه الأسئلة تحدد هوية أو نوع النظام الاقتصادي. وأهم أمر تتمايز فيه الأنظمة الاقتصادية هو طبيعة ملكية الثروة في المجتمع. وعلى هذا الأساس يمكن أن نصنف أربعة أنواع من النظم الاقتصادية:
أ. النظام الاقتصادي الإسلامي: حيث تسوده الملكية الاستخلافية.
ب. نظام المشروع الحر: حيث تسوده الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وغيرها.
ج. نظام الاقتصاد المخطط: حيث تسود الملكية العامة لوسائل الإنتاج.
د. نظام الاقتصاد المختلط: حيث تتعايش الملكية العامة والملكية الخاصة في الاقتصاد وبنسب مختلفة.
إن علم الاقتصاد في دراسته للظواهر الاقتصادية ينقسم على قسمين حسب موقفه من القيم غير الاقتصادية وهي:
أ. الاقتصاد الموضوعي Positive Economics: يهتم بدراسة وتحليل ما هوكائن (what is) وما سوف يكون في الاقتصاد. ويكون هذا التحليل خالياً من الآراء الشخصية والاعتبارات القيمية غير الاقتصادية.
ب. الاقتصاد المعياري Normative Economics: يهتم بما يجب أن يكون عليه الاقتصاد (ought to be) معتمداً في ذلك القيم الأخلاقية التي يؤمن بها الاقتصادي أوالمجتمع.
1-4 أهمية علم الاقتصاد:
إن ميدان علم الاقتصاد هو دراسة علاقة الإنسان بالموارد الاقتصادية المتاحة. ويهدف من خلال هذه الدراسة إلى إشباع أكبر قدر ممكن من حاجات الإنسان (فرداً ومجتمعاً) الاقتصادية ويتم ذلك من خلال التخصيص والاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة. ويمكن أن نعبر عما مضى بالقول بأن علم الاقتصاد يهدف إلى بلوغ الأهداف المرسومة بأفضل السبل واقصرها. هذا فيما يخص إشباع الحاجات الاقتصادية البحتة. أما دور الاقتصادي في إشباع الحاجات الأخرى فواضح أيضاً. إذ تعد القدرة الاقتصادية وسيلة مهمة لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية وعسكرية وعلمية وتربوية.
أما على الصعيد العالمي فإن العامل الاقتصادي يعد من أهم العوامل التي تحرك السياسات الخارجية للدول وعليه تدور أغلب الصراعات الدولية. فمن يملك القوة الاقتصادية يملك معها في الغالب القوة العسكرية والسياسية والعلمية… وبالتالي يستطع أن يفرض إرادته ويحقق مصالحه بهذا القدر أوذلك وحسب قوته. وعند استعراضنا للتاريخ الاقتصادي القريب والبعيد نجد الكثير من الأمثلة على ذلك.
1-5: أهداف المجتمع الاقتصادية:
هناك أربعة أهداف رئيسة تسعى كل المجتمعات لتحقيقها هي([9]):
1-5-1 الكفاءة: وتعني الاستغلال الأمثل لعناصر الإنتاج. ويمكن التمييز بين نوعين من الكفاءة:
أ: الكفاءة الفنية: وتسمى أيضاً الكفاءة الإنتاجية، وتعني أن ننتج أكبر كمية من المنتجات باستخدام عناصر الإنتاج المتاحة للمجتمع. أوبتعبير آخر أن السلع والخدمات يتم إنتاجها بأقل كمية من الموارد الإنتاجية أوإنتاج أي كمية من السلع والخدمات بأقل تكلفة ممكنة.
ب: الكفاءة الاقتصادية: وتسمى أيضاً الكفاءة التوزيعية، وتعني إنتاج السلع والخدمات بالكميات التي يريدها المجتمع. وهذا يعني أن عناصر الإنتاج قد تم تخصيصها لإنتاج السلع والخدمات بالقدر والنسب التي يحتاجها المجتمع. وليس هناك فيض في إنتاج سلعة ونقص في إنتاج سلعة أخرى. وبذلك يمكن أن نقول بأن أي مجتمع مهما كان النظام الاقتصادي الذي يتبعه يهدف إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية والإنتاجية أي أنه يهدف إلى إنتاج السلع والخدمات التي يرغب فيها أفراد المجتمع وبأقل تكلفة ممكنة.
1-5-2: النموالاقتصادي:
يعني زيادة كمية السلع والخدمات التي يمكن إنتاجها في المجتمع مع مرور الزمن. وهذا يؤدي إلى الحفاظ على مستوى المعيشة نفسه إن تمت الزيادة بنفس نسبة زيادة السكان. أوتؤدي إلى رفع مستوى المعيشة إن تمت بنسبة أكبر من نسبة زيادة السكان. وتتم زيادة إنتاج السلع والخدمات نتيجة لزيادة الموارد الإنتاجية المتاحة للمجتمع، أونتيجة لاستخدام تقنية أفضل، أونتيجة لكلا الأمرين.
1-5-3: الاستقرار الاقتصادي:
يعني ذلك ثبات في الأسعار بحيث لا تكون هناك تقلبات في مستوى الأسعار مما يؤثر على دخول أفراد المجتمع بطريقة غير مرغوبة. فالتضخم أي ارتفاع مستوى الأسعار يعني تضاؤل القوة الشرائية للنقود مما ينجم عنه إعادة توزيع الدخل بين أفراد المجتمع بحيث يتضرر من ذلك ذووالدخول الثابتة والمنخفضة. كما أن التضخم يؤدي إلى انعدام الثقة بالعملة الوطنية مما ينجم عنه مشاكل مالية ونقدية وتجارية للاقتصاد القومي.
1-5-4: العدالة:
تعني توزيع الدخل القومي بين أفراد المجتمع بطريقة عادلة. ويجب التأكيد على أن العدالة لا تعني المساواة. وكذلك العدالة مفهوم فلسفي وشخصي. وهي تعتمد على القيم التي يؤمن بها الأفراد والعدالة ليست قيمة موضوعية لذلك يختلف مفهوم العدالة من مجتمع لآخر. فما يراه مجتمع عدلاً قد يراه مجتمع آخر لا يمت للعدالة بصلة، المهم أن كل مجتمع يهدف إلى توزيع الإنتاج أوالدخل الذي يتم تحقيقه بين أفراده بالطريقة التي يراها عادلة أي حسب مفهوم المجتمع للعدالة. ولا يخفى أن المجتمع المسلم يرى أن العدالة تجسدها فقط الأحكام الشرعية الإسلامية.
1-6: مواضيع علم الاقتصاد:
إن علم الاقتصاد يهتم كما مر معنا عند تعريفه بعلاقة الإنسان بالموارد الاقتصادية وكيفية تسخير هذه الموارد المحدودة بطبيعتها لإشباع أكبر قدر ممكن من حاجات الإنسان الاقتصادية. إنَّ تحقيق ذلك يتطلب أن تتنوع اهتمامات علم الاقتصاد إلى اهتمامات عديدة كل منها يعالج جانباً معيناً من جوانب الحياة الاقتصادية وعلى هذا الأساس فقد أصبح علم الاقتصاد يضم فروعاً كثيرة وتزداد تشعباً ودقة كلما تقدمت البشرية في سلم الحضارة.
وعلى المستوى التطبيقي هناك فروع كثيرة لعلم الاقتصاد مثل الاقتصاد الدولي والاقتصاد الصناعي والاقتصاد الزراعي واقتصاد التنمية، والنقود والمصارف.. والتخطيط الاقتصادي والتاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي. والاقتصاد الإداري والاقتصاد المعرفي والاقتصاد البيئي.
1-7: علاقة علم الاقتصاد بالعلوم الأخرى
يدخل الإنسان بأربعة أنواع من العلاقات هي:
أ. علاقة الإنسان بنفسه: وهي ميدان علم النفس.
ب. علاقة الإنسان بالكون: وهي ميدان العلوم الطبيعية.
ج. علاقة الإنسان بالغيب: وهي ميدان العلوم الدينية.
د. علاقاته بالآخرين: وهي ميدان العلوم الاجتماعية ومنها علم الاقتصاد.
إن الظواهر الاجتماعية مترابطة وذات أبعاد وامتدادات كثيرة. إذ لا يمكن أن تدرس ظاهرة اجتماعية معينة من جانب واحد وبشكل تجريدي إلا للأغراض التعليمية. مثال ذلك ما يستخدم في علم الاقتصاد وغيره من افتراض بقاء الأشياء الأخرى ثابتة ceteris paribus. حيث يستخدم هذا لغرض عزل أثر عامل معين وتبيان أثره على الظاهرة موضوع الدراسة. وهوفرض لا يصح في أرض الواقع والحياة العملية.
لذلك فإن دراسة أية ظاهرة تتطلب تداخل عدة علوم للوقوف على حقيقتها بشكل صحيح. من هنا نقول بأن لعلم الاقتصاد علاقات وثيقة وارتباطات قوية مع الكثير من العلوم الأخرى ومن أهمها:
1-7-1 علاقة الاقتصاد بالعقيدة: هنالك ارتباط وثيق بين العقيدة الدينية وعلم الاقتصاد. فالنظرة إلى الحياة والكون وغاية الإنسان في الوجود تلقي بظلالها بشكل كثيف على طبيعة التفكير والسلوك الاقتصادي من حيث طبيعته ومن حيث بعده الزمني.
1-7-2: العلوم الطبيعية: يعد الإنتاج المرحلة الأولى من العملية الاقتصادية ويتم من خلال استخدام عناصر الإنتاج الأولية ومنها الأرض. وهذا يجعل الإنتاج يخضع لقوانين طبيعية مثل قانون تناقص الغلة ودوال الإنتاج المحددة بعلاقات هندسية أوكيمياوية أوفيزياوية …
1-7-3 علم الاجتماع: إن الكثير من المشاكل الاقتصادية يكون لها أبعاد اجتماعية واضحة كالبطالة وانخفاض مستوى الدخل وسوء توزيعه وكذلك التضخم.
1-7-4 علم التاريخ: يقدم لنا علم التاريخ بيانات عن الظواهر والأحداث التاريخية وكذلك يفسر لنا حركة التاريخ بما تنطوي عليه من أحداث اقتصادية إن دراسة علم الاقتصاد تتطلب دراسة التاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي معاً، حيث يفيدنا ذلك في تجنب تكرار أخطاء الأوائل، في مجال الأفكار والسياسات الاقتصادية.
1-7-5 علم النفس: أن الكثير من الظواهر الاقتصادية الموضوعية يكون للعوامل النفسية دور كبير فيها مثال ذلك اثر العامل النفسي في الظواهر النقدية وظاهرة القيمة والتقلبات الوقتية في النشاط الاقتصادي … وكل سلوك اقتصادي صادر من الفرد يكون للعوامل النفسية اثر فيه بهذا القدر أوذاك.
1-7-6 علم الجغرافية: هناك الكثير من المواضيع تكون ذات اهتمام مشترك ومتبادل بين الاقتصاد والجغرافية مثل الطرق والمواصلات والثروات الاقتصادية حيث هناك ما يسمى بالجغرافية الاقتصادية التي تهتم بدراسة الثروات الاقتصادية والنشاطات الاقتصادية الصناعية والزراعية …
1-7-7 علم الرياضيات: تستخدم الرياضيات بشكل واسع في علم الاقتصاد. حيث يستفاد من العلاقات الرياضية في تفسير الظواهر الاقتصادية وهناك منهج متكامل في التحليل الاقتصادي يعتمد على الرياضيات ويسمى بالاقتصاد الرياضي.
1-7-8 علم الإحصاء: هناك علاقة وثيقة بين علم الاقتصاد والإحصاء حيث يستخدم الاقتصاديون الأساليب الإحصائية في جمع وتبويب وتحليل البيانات ومن ثم تفسيرها. وكذلك معرفة أثر كل عامل من العوامل المؤثرة في ظاهرة معينة على حده وهذا جزء من اهتمام الاقتصاد القياسي.
1-7-9 علم السياسة: حيث إن معظم المشاكل الاقتصادية ذات طبيعة سياسية وأن القرارات السياسية تحمل بين طياتها نتائج اقتصادية وأن علم الاقتصاد أول ما نشأ كان يسمى بالاقتصاد السياسي.
1-7-10 علاقة الاقتصاد بالفلسفة: إن كل فكرة اقتصادية تلازمها وتحمل في طياتها فلسفة اجتماعية وأيديولوجية. فلمعرفة مضمون الفكر الاقتصادي حق المعرفة يستلزم معرفة مصدره وأساسه الذي ارتكز عليه. إن نظرة استقرائية عميقة لمختلف النظريات الاقتصادية توضح وتكشف لنا بوضوح أن البعد الفلسفي - الأيديولوجي كان سيظل جوهرياً فيها. كما أنه مصدر الاختلافات بين المفكرين الاقتصاديين في كل مكان وزمان.
الاقتصاد الإسلامي تعريفه ومصادره وسماته
2-1: تعريف الاقتصاد الإسلامي
هناك تعاريف كثيرة وضعها كتاب اقتصاديون مسلمون ولكل تعريف خصائص تميزه عن غيره. وظاهرة تعدد التعاريف في مجال العلوم الاجتماعية أمر مألوف، ويعبر عن اختلاف وجهات نظر القائلين بها حول أي الجوانب أكثر أهمية من غيرها وأيها أكثر تعبيراً عن كنه الشيء المراد تعريفه. إن أفضل تعريف هوالذي يكون مختصراً من حيث الكلمات شاملا من حيث المعاني. وسوف نقدم التعريف الآتي لعلم الاقتصاد الإسلامي لعله يكون كذلك. علم الاقتصاد الإسلامي (هوالعلم الذي يدرس سلوك المسلم الاقتصادي كما يجب أن يكون). نرى هذا التعريف جامعاً للأسباب الآتية:
2-1-2: يؤكد على دراسة سلوك الإنسان المسلم وبذلك سوف يخرج من اهتمامه سلوك الإنسان غير المسلم.
1-2-1-2: إن تأكيده على سلوك الإنسان المسلم دون غيره يعني الاهتمام والتركيز على الجانب العقيدي والالتزام بالقيم وبالمبادئ الإسلامية التي جاءت بها شريعة الإسلام.
2-1-3: اهتمامه بالسلوك الاقتصادي يعني إخراج السلوك غير الاقتصادي من دائرة اهتماماته الأساسية فمثلاً الصلاة والصيام والحج لا تدخل ضمن اهتمامات الاقتصاد الإسلامي إلا بقدر تأثرها أوتأثيرها على السلوك الاقتصادي للفرد والمجتمع المسلم أما الزكاة والصدقات التطوعية والكفارات المادية واستغلال الأرض والمعادن وتنظيم التجارة والتنمية الاقتصادية … فإنها تكون من صلب اهتمام علم الاقتصاد الإسلامي.
2-1-4: إن التأكيد على سلوك المسلم الاقتصادي لا يعني المسلم كفرد فقط بل يشمل السلوك الاقتصادي للمنشأة والمجتمع أيضاً.
2-1-5: إن عبارة كما يجب أن يكون تعني التأكيد على الجانب المعياري. حيث إن الاقتصاد الإسلامي يهتم بالسلوك الاقتصادي الصحيح الذي يتفق مع أحكام ومبادئ شريعة الإسلام. ولا يهتم بدراسة ما هوكائن فعلاً إلا بقدر تشخيصه والعمل على تغييره بحيث يتلاءم في أدائه الاقتصادي مع مبادئ وقواعد شريعة الإسلام. مثال على ذلك تتعامل أغلب الوحدات الاقتصادية المعاصرة بالتمويل الربوي أي التعامل بالفائدة وبالطبع يكون لمعدل الفائدة اثر على الادخار والاستثمار والاستهلاك وتعد الفائدة أداة مهمة بيد السلطة النقدية في الدولة تستخدمها للتأثير على المتغيرات الاقتصادية الكلية. إن هذه المواضيع لا تدخل ضمن اهتمام علم الاقتصاد الإسلامي. بل يهتم بتبيان وتوضيح الآثار الاقتصادية والاجتماعية السلبية للتمويل الربوي ويهتم بإيجاد البديل الإسلامي لمشكلة التمويل وتجميع المدخرات ومحاربة الاكتناز وصيغ الاستثمار الاقتصادي التي تتفق ولا تتعارض مع أحكام الشرع الإسلامي.
2-2: مصادر الاقتصاد الإسلامي:
أن مصادر الاقتصاد الإسلامي هي:
2-2-1: المصادر الأساسية:
وتضم المصدرين الأساسين الآتيين:
2-2-1-1: القران الكريم:
القرآن الكريم هوالمصدر الأول للشريعة الإسلامية التي تنظم حياة الفرد والمجتمع المسلم في جميع جوانبها ومنها الجانب الاقتصادي. والقرآن الكريم هوالمصدر لكل فكر أوتطبيق لشأن من شؤون المسلمين. لقد تضمن القرآن الكريم آيات كثيرة ذات مضمون اقتصادي. منها ما ينظم نظرة الإنسان المسلم إلى المال والموارد الاقتصادية التي بين يديه. إذ تبين أن المالك الأصلي لهذه الموارد بل لكل ما في الوجود هوالله تعالى كما في قوله تعالى: " لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ" (المائدة 120). وقوله تعالى: " وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" (الزخرف 85). وأن الإنسان هومستخلف في هذه الموارد ومخول فقط بالتصرف فيه على وفق ضوابط معينة كما في قوله تعالى: " آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" (الحديد7). وقوله تعالى: " وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" (النور33). لقد تضمن القرآن الكريم أيضا آيات تناولت مواضيع اقتصادية إجمالية مثل تحريم الربا، ومشروعية التجارة " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" (البقرة 275). وكذلك تحريم أكل أموال الناس بالباطل، كما في قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" (النساء:29). وفي إبرام العقود وضرورة الالتزام بها قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ" (المائدة:1).
هذا وقد فصل القرآن الكريم بشيء من التفصيل في بعض المواضيع كما في موضوع الميراث إذ قال تعالى " يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا " (النساء:11). وكذلك هناك تفصيل مشابه في ما يسمى بآية الدَّين " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (البقرة:282).
من الآيات الكريمة السابقة نستدل على أن القرآن الكريم قد تضمن أحكاماً شرعية اقتصادية يجب على المسلم الأخذ بها اعتقاداً وعملاً. ولكن القرآن الكريم هوكتاب عقيدة بالدرجة الأولى لذلك نجده يفصل في هذا المجال أي تفصيل. ومن المؤكد أن القرآن الكريم ليس كتاب اجتماع أوسياسة أواقتصاد أوفلك ولكنه يشير إلى تلك المواضيع إشارة إجمالية ويرسم فقط خطوطها العريضة، ويترك المجال فسيحاً أمام مصادر التشريع الأخرى لتبيان التفاصيل أوتحديد التطبيق العملي لهذه الاحكام بما يتلاءم مع كل زمان ومكان ولكن ضمن الإطار العام الذي يحدده القرآن الكريم. فالقرآن الكريم يأمر المؤمنين بعدم أكل أموال الناس بالباطل. ولكنه لم يفصل جميع صور هذا الباطل لأنها قد تكون متجددة. وكذلك الحال عندما يأمر القرآن الأخذ بنظام الشورى لم يحدد صيغة بعينها يتم التشاور على وفقها. بل يبقي اختيار الصيغة حسب تطور المجتمع الثقافي وتطور طرق المواصلات وسبل الاتصالات وما شابه ذلك.
من كل ما سبق نستنتج بأن القرآن الكريم هوالمصدر الأول الذي ينهل منه علم الاقتصاد الإسلامي قوانينه ومبادئه وأحكامه وغاياته. ويجتهد الاقتصادي المسلم في وضع السياسات الاقتصادية الكفيلة بإحالة هذه القوانين والأحكام والمبادئ إلى واقع عملي يعيشه المسلمون في حياتهم الاقتصادية.
2-2-1-2: السنة النبوية
تعد السنة النبوية المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي وهي كذلك بالنسبة للأفكار والنظم والتطبيقات الاقتصادية الإسلامية. إن السنة النبوية تتضمن تفصيلاً وتوضيحاً لأحكام القرآن الكريم وكذلك تتضمن إنشاء أحكام جديدة لم يتطرق إليها القرآن الكريم. والرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) كان يحيل كتاب الله وشرعه إلى تطبيق عملي مشاهد في جميع نواحي الحياة ومنها الناحية الاقتصادية.
إن المسلمين مأمورون بنص القرآن الكريم بإتباع السنة النبوية، وإن حياة المسلم لا تستقيم بالاستغناء عنها. إذ يقول الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" (النساء: 59) وكذلك قوله تعالى " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾" (النجم:3-4).
لقد احتوت السنة النبوية أحاديث كثيرة عن تنظيم جوانب اقتصادية مهمة مثل تقنين علاقة الإنسان المسلم بالمال المستخلف فيه. وفي جميع مراحل العملية الاقتصادية من إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك. وسوف يأتي تفصيل ذلك في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى.
من الجدير بالذكر القول بأن السنة النبوية لا تمثل بمفردها برنامج عمل لجميع السلوك الاقتصادي للفرد والمجتمع وفي كل زمان ومكان. بل هي ترسم خطوطاً عريضة وأحكاماً عامة - أكثر تفصيلاً مما هو موجود في القرآن الكريم - يهتدي بها في استخلاص السلوك الاقتصادي الصحيح على صعيد التفاصيل الجزئية أو على صعيد ما يستجد من تطبيقات في حياة المجتمع الاقتصادية التي من شانها التجدد والتطور المستمرين.
2-2-3: المصادر التبعية:
لقد ترك القرآن الكريم والسنة النبوية المجال واسعاً أمام أجيال المسلمين لاستنباط الأحكام لما يستجد لهم من مشاكل وتساؤلات تنشأ بعد عصر النبوة. حيث إن الحياة متطورة بطبيعتها. وقد لا يجد المسلمون حلولاً جاهزة بتفاصيلها في القرآن الكرام أوفي السنة النبوية، فما عليهم والحالة هذه إلا أن يجتهدوا في ضوء الاحكام العامة التي أقرها القرآن الكريم والسنة النبوية، لاستخراج الحكم الشرعي لما يستجد من مسائل. وقد رتب علماء المسلمين مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم والسنة النبوية بالإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعرف …الخ. هذا فضلاً عن أن الكثير من أنواع السلوك الاقتصادي لا يمكن تقنينه مسبقاً بل أن تحديده يختلف من حالة إلى أخرى. مثل التأكيد على صناعة دون أخرى، أواختيار أسلوب تكنولوجي دون آخر … وما شابه ذلك.
2-2-4: المعرفة الاقتصادية:
لقد تطورت المعرفة الاقتصادية تطوراً كبيراً أفقياً بشمولها مجالات اقتصادية واسعة وعمودياً من خلال الدقة والعمق في التحليل بحيث لا يمكن للمهتم بالشؤون الاقتصادية الاستغناء عنها.
إن المعرفة الاقتصادية تضم الكثير من المفاهيم والقوانين والنظريات التي تفيد وتساعد الباحث في تفسير الظواهر الاقتصادية المشاهدة والتنبؤ بمستقبلها على وفق افتراضات معينة ومقبولة. كذلك تضم المعرفة الاقتصادية جهازاً مفاهيمياً موصفاً بدقة لا غنى لأي باحث اقتصادي عنه مهما كان مذهبه الاقتصادي.
إن الجزء الذي نتكلم عنه من المعرفة الاقتصادية يتصف بكونه محايداً وعملياً ولا يتصف بأية صفة قيمية أومذهبية. مثال ذلك قوانين العرض والطلب، وشروط التوازن في الأسواق المختلفة، وقانون تناقص الغلة ووفورات ولا وفورات الحجم، والوفورات واللاوفورات الخارجية، وأثر الضرائب والإعانات في الاقتصاد القومي. وكذلك أساليب التحليل الرياضية والإحصائية والبيانية … الخ.
إن هذا النوع من المعرفة الاقتصادية يمكن أن نشبهه بجدول الضرب أو العمليات الرياضية الأربع… التي تستخدم من قبل كل باحث مهما كان مذهبه. لذلك نقول إن أي دارس للاقتصاد الإسلامي يجب أن يكون ملماً إلماماً كافياً بالمعرفة الاقتصادية الحديثة. حيث يستخدمها لدعم آرائه الاقتصادية الإسلامية. وكذلك يوظفها لمساعدته في تحقيق أهدافه الاقتصادية من خلال رسم السياسات الاقتصادية التي تكون ناجحة إذا ما استندت على تحليل اقتصادي نظري علمي رصين.
2-3: خصائص الاقتصاد الإسلامي:
لكل اقتصاد خصائص تميزه عن غيره. والإسلام عقيدة ونظام حياة ينظم جميع جوانب حياة الفرد والمجتمع المسلم، ومنها الجانب الاقتصادي وفيما يأتي أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي:
2-3-1: الاقتصاد الإسلامي رباني المصدر:
ذلك لأنه يستمد مبادئه وقوانينه من القرآن الكريم والسنة النبوية. لذلك تكون قيمه مطلقة مبرأة من عيوب النسبية الزمانية والمكانية ومبرأة من عيوب الانحياز لطبقة اجتماعية معينة أوجنس دون آخر.
2-3-2: الاقتصاد الإسلامي قيمي:
إن الاقتصاد الإسلامي يلتزم بالقيم الإسلامية المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف. وهوبذلك يكون معياري أي يهدف إلى تحقيق ما هومرغوب شرعاً، أوما يجب أن يكون عليه الاقتصاد من وجهة نظر الشرع الإسلامي. إن القيم الإسلامية توجه السلوك الاقتصادي ويكون خاضعاً لها. إن الباحث في الاقتصاد الإسلامي يجد ترابطاً عضوياً بين القيم الاقتصادية والقيم الأخلاقية الإسلامية لا نظير له فيما سواه. فالأخلاق الإسلامية تمثل لحمة الحياة الإسلامية وسداها.
2-3-3: الاقتصاد الإسلامي يحقق العدالة الاجتماعية:
ويتم ذلك من خلال نظم توزيع الثروة والدخل. حيث هناك نظام لتوزيع الثروة في المجتمع. ونظام لتوزيع عوائد الإنتاج على أصحاب عناصر الإنتاج المشتركة في تكوينه. وهناك نظام لإعادة توزيع الدخل بحيث يحد من اتساع الفجوة بين الدخول المرتفعة والمنخفضة. ومن أبهى صور العدالة الاجتماعية ضمان الكفاية لكل المواطنين بغض النظر عن دورهم في العملية الإنتاجية أودينهم. وبعد هذا الحد يسمح بالتفاوت في الملكية وذلك ما تقتضيه اعتبارات فطرية واجتماعية واقتصادية موضوعية عادلة، منها ضرورة التفرقة بين المجدين والخاملين، وضمان حافز للعمل والإبداع.
2-3-4: الملكية الإستخلافية:
الملكية في الاقتصاد الإسلامي ذات طبيعة تختلف عما هي عليه في النظم الأخرى، حيث تكون ملكية استخلافية ومعنى ذلك أن المالك المطلق هوالله الخالق البارئ للموجودات والإنسان مستخلف على ما بين يديه من أموال. لذلك ملكية الإنسان ليست مطلقة بل ترد عليها قيود كثيرة تتضمن طرق اكتساب الملكية وكيفية التعامل معها أثناء حياة المسلم وبعد وفاته.
2-3-5: الحرية الاقتصادية المنضبطة:
يقر الاقتصاد الإسلامي بالحرية الاقتصادية كأسلوب لمزاولة النشاط الاقتصادي. ولكن ترد عليها ضوابط يجب الالتزام بها وهذه الضوابط من شأنها أن توجه النشاط الاقتصادي الوجهة الصحيحة وتجعله منسجماً متناسقاً بكل تفاصيله محققاً أعظم عائد اقتصادي واجتماعي. والالتزام بهذه الضوابط يأتي من مصدرين هما:
المصدر الأول: مصدر ذاتي نابع من الدافع الإيماني المتأصل في نفس المسلم الذي يملي عليه أن يلتزم بتعاليم الإسلام الاقتصادية وغيرها.
المصدر الثاني: مصدر موضوعي يتمثل بسلطة ولي الأمر أوالدولة حيث تتدخل في توجيه النشاط الاقتصادي الوجهة الصحيحة عندما يكون هناك أي نوع من أنواع الانحراف.
2-3-6: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد واقعي:
يمتاز الاقتصاد الإسلامي بنظرته الواقعية إلى الأمور الحياتية التي يعالجها. فهويراعي غرائز الفرد وما جبل عليه من فطرة. وقدرته على الالتزام بالتشريعات. وهوبذلك يبتعد عن النظرات الخيالية غير القابلة للتطبيق على ارض الواقع. وبنفس الوقت لا يترك غرائز وطبائع الإنسان على سجيتها الفجة بحيث لوتركت بدون ضوابط فإنها تؤدي إلى انحراف في سلوك الإنسان والمجتمع الاقتصادي وهذا يؤدي إلى خسائر اقتصادية واجتماعية تصيب المجتمع. لقد طبق الاقتصاد الإسلامي على ارض الواقع بنجاح منقطع النظير وبدون أية خسائر اجتماعية واقتصادية. بل حقق مكاسب وعوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة بكل المقاييس. وقد تجلى ذلك في عصر صدر الرسالة والعصور الإسلامية الزاهرة من بعده.
2-3-7: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد مرن:
يقوم الاقتصاد الإسلامي على نوعين من الأحكام والقواعد هي:
النوع الأول: أحكام وقواعد ثابتة بطبيعتها: وهي عبارة عن مجموعة الأحكام والأصول والقواعد ذات المدلول الاقتصادي التي جاء بها الإسلام والواردة في القران الكريم والسنة النبوية إذ يجب على المسلمين الالتزام بها في كل زمان ومكان. مثال ذلك فريضة الزكاة وتحريم التعامل بالسلع المحرمة وعدم الإضرار بالآخرين والإنفاق في سبيل الله وعدم التبذير والإسراف والتقتير وما شابه ذلك من الأحكام والقواعد.
النوع الثاني: قواعد متغيرة بطبيعتها: وهي عبارة عن الأساليب والخطط العلمية والسياسات والحلول الاقتصادية التي تباشرها الدولة والأفراد لإحالة أصول الإسلام ومبادئه الاقتصادية إلى واقع مادي ملموس يعيش المجتمع في كنفه مثال ذلك التحديد الدقيق لحد الكفاية. ومكافحة البطالة والتضخم وتحقيق النمووالتنمية الاقتصادية. واختيار وتحديد أوليات الاستثمار والأساليب التكنولوجية في الإنتاج.
إن تحديد هذه الأمور يتم بقرارات اقتصادية تتلاءم مع طبيعة الاقتصاد ومستوى تطوره وما متاح له من موارد. لذلك فإن هذه الإجراءات تختلف من زمان إلى آخر ومن مكان لآخر ولا يمكن أن تكون ثابتة جامدة. ولكنها مع ذلك تتغير وتتبدل ضمن الإطار العام الذي يحدده النوع الأول من القواعد والأحكام.
2-3-8: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد وسطي:
يتميز الاقتصاد الإسلامي بأنه اقتصاد ذومبادئ وقيم وأحكام وسطية فلا إفراط ولا تفريط. فهويوازن بين المواقف المتطرفة بأسلوب واقعي. ومن مظاهر وسطيته الموازنة بين السعي للدنيا والسعي للآخرة والموازنة بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية وبين الملكية الخاصة والملكية العامة. وكذلك وسطية في الإنفاق والاستهلاك وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.
2-3-9: الاقتصاد الإسلامي اقتصاد تنموي:
إن تطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي يؤدي إلى إحداث التنمية الاقتصادية وتحقيق معدلات عالية من النموالاقتصادي المستدام لأنه يدعوإلى بذل أقصى الجهود في مجال الإنتاج وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة ويضمن صيغ تمويل واستثمار ناجحة. وكذلك يضمن العدالة في توزيع ثمار النموعلى جميع أفراد المجتمع بشكل عادل وعلى وفق معايير عادلة. وكذلك يحتوي الاقتصاد الإسلامي على صيغ عادلة وسلسلة في مجال التبادل وتنظيم الأسواق. وكذلك يدعوإلى الاعتدال في الاتفاق الاستهلاكي بعيداً عن التبذير والإسراف. إضافة إلى دعوته إلى طلب العلم وتطبيقه في جميع ميادين الحياة.
الملكية في الاقتصاد الإسلامي
يعد موضوع ملكية الثروة في الاقتصاد من أهم ميادين التمايز بين النظم الاقتصادية المختلفة فنلاحظ أن النظام الرأسمالي يؤكد على الملكية الفردية وأن للفرد حرية تامة في التصرف بما يملك أثناء حياته وبعد مماته. أما في النظام الاشتراكي (المخطط مركزياً) فإنه يؤكد على ملكية الدولة لجميع وسائل الإنتاج والتصرف فيها يكون من اختصاص الدولة. أما الملكية في النظام الاقتصادي الإسلامي فهي ملكية استخلافية. تقوم على ما يسمى بمبدأ الاستخلاف والمستمد مضمونه من القرآن الكريم المصدر الأول للاقتصاد الإسلامي.
3-1: مبدأ الاستخلاف
إن مبدأ الاستخلاف من المبادئ الأساسية التي يؤمن بها المسلم إذ ينظم هذا المبدأ علاقة المسلم بما تحت يده من أموال. من خلال ضوابط وقيود تضمن حسن استخدام هذه الأموال وتحول دون إساءة استخدامها.
يبين القرآن الكريم أن الله تعالى هوخالق الكون " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ" (السجدة:4). وخالق الشيء وبادئه هو مالكه ملكية مطلقة " لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (المائدة:120)، " وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (الزخرف:85). هذه ملكية لا يشاركه فيها أحد " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ" (الإسراء: 111).
إن المسلم يؤمن بالضرورة بما تقرره هذه الآيات من أن الملك جميعه لله تعالى، وأن المالك المطلق وحده له حق التصرف المطلق بما يشاء من ملكه. وأنه سبحانه قد امتن على عباده بأن سخر لهم هذا الملك لينتفعوا به ويستعينوا به لأداء مهمتهم في العبادة. " أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ" (لقمان:20)، " وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الجاثـية:13).
لقد أتم الله نعمته على الإنسان بأنه استخلفه في بعض ملكه " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" (البقرة: 30)، وقال تعالى " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" (الأنعام:165). وقد قضت حكمة المستخلف سبحانه أن يبين للإنسان المَُستخلَف طريقة التصرف في المال المستخلف فيه، ولم يكله إلى نفسه بل أرسل له الرسل ليهديه إلى أسلوب التعامل الصحيح مع ما استخلف فيه. وقد رتب الله تعالى الثواب والعقاب على مدى الالتزام بهدي الله المبلغ للناس عن طريق الرسل " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴿١٢٣﴾وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ﴿١٢٤﴾" (طـه:124)، ومن الضروري التأكيد على أن نتائج الالتزام بهدي الله أوعدمه لا تظهر في الحياة الآخرة فقط بل تظهر في الحياة الدنيا أيضاً على شكل سعادة عيش أو ضنك.
إن كل نشاط اقتصادي يزاوله المسلم واقع ضمن التكليف. أي يثاب عليه إن أحسن ويعاقب عليه إن أساء. وهكذا تضفى على الملكية الاستخلافية صبغة عقدية وحكم شرعي يترتب عليه تبعات دنيوية وأخروية على المستخلفين([10]). وهذا يعني أنه في الإسلام وحده يملك الإنسان المسلم في أن واحد أن يعيش لدنياه وهويعمل لآخرته. وأن يعمل لله وهويعمل لمعاشه، وأن يحقق التزامه الديني من خلال مزاولة نشاطه اليومي في عمارة الأرض ومباشرة أمور الرزق. ولا يتطلب كل ذلك إلا إخلاص النية لله تعالى فيما يقوم به من أعمال. إذ أن النيات تقلب العادات إلى عبادات.
عندما نقرأ القرآن الكريم نجد فيه ثلاثة مواقف متناسقة تجاه المال والثروة تنظم هذه المواقف حقيقة ما يجب أن تكون عليه نظرة وعلاقة الإنسان بالمال المستخلف فيه. ولكل موقف أهداف يراد إبلاغها وترسيخها.
3-1-1: الموقف الأول:
نسبة المال إلى الله تعالى:
ورد هذا الموقف في آيات كثيرة منها قوله تعالى " وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" (النور: 33)، وقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ" (البقرة: 254) وقوله تعالى " آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" (الحديد: 7)، وكذلك في مواضع أخرى من القرآن الكريم تنسب الأموال إلى الله تعالى. وهذا الموقف ينسجم مع ملكية الله تعالى المطلقة لما خلق من سماوات وأرض وما فيهما. وغالباً ما يرد هذا الموقف عندما يراد التوجيه والإرشاد إلى البذل والإنفاق في سبيل الله تعالى.
ومن أهداف هذا الموقف أنه يذكِّر الناس بأن ما يملكون من أموال هي ملك مطلق لله تعالى وليست لهم. وأن سلطانهم عليها محدود لا يتجاوز الالتزام بمهام الخلافة لذلك عليهم أن يلتزموا بأوامر ونواهي المالك الأصلي، فيما يخص جمع الأموال واستغلالها وإنفاقها … وإلا فلا يكونون ملتزمين بشروط الاستخلاف الإلهي وسيكونون ناقضين لهذا العهد وسوف يحاسبون على ذلك([11]).
لقد أجمع الفقهاء على أن العباد لا يملكون الأعيان، وإنما مالك الأعيان خالقها سبحانه، وأن العباد لا يملكون سوى الانتفاع بها على الوجه المأذون فيه شرعاً فمن كان مالكاً لعموم الانتفاع فهوالمالك المطلق ومن كان مالكاً لنوع منه فملكه مقيد([12]).
إن في هذا التقرير ضمان للالتزام بحسن التعامل مع الأموال كسباً واستغلالاً وإنفاقا، يستمد من إيمان المسلم بالآيات الكريمة السابق ذكرها، وما تقرره من التزام بأوامر ونواهي الشارع الحكيم.
3-1-2: الموقف الثاني:
نسبة الأموال إلى عباد أفراداً وجماعات
ينسب القرآن الكريم ملكية الأموال إلى العباد أفراداً تارة كما في قوله تعالى " الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ" (الليل:18) وقوله تعالى " يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ" (الهمزة:3) وقوله تعالى " مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ" (الحاقة:28).
وينسب القرآن الكريم المال إلى الجماعة تارة أخرى في قوله تعالى " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا" (النساء:5)، وقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ" (النساء: 29)، وقوله تعالى " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ" (التوبة: 111). إن إضافة المال إلى العباد أفراداً وجماعات تدل على أنهم ملكوا حق الانتفاع به على الوجه الشرعي فقط. حيث إن القاعدة اللغوية تقضي بأن الإضافة يكفي فيها أدنى الأسباب. لذلك نجد أن القرآن الكريم أضاف مال السفهاء إلى أوليائهم لا لأنهم ملكوا المال ولكن لأنهم ملكوا حق التصرف فيه - لصالح السفهاء - بما لهم من حق الولاية( [13] ).
ليس هناك تناقض بين نسبة ملكية المال إلى الخالق سبحانه مرة وإلى العباد أفراداً وجماعات مرة أخرى. بل إن ذلك يحقق مقاصد شرعية منها:
أ. إن إضافة المال إلى الله تعالى فيها ضمان وجداني لتوجيه المال إلى نفع العباد. وعدم استخدام هذا المال بشكل يضر بالفرد والمجتمع.
ب. تحد من تعلق الإنسان بما تحت يده من أموال. وتهون عليه أمر الإنفاق والتخلي عن هذا المال عندما يتطلب الأمر ذلك.
ج. إن إضافة المال إلى العباد فيه إشباع لغريزة حب التملك التي جبل عليها الإنسان والمتأصلة في طبعه كما في قوله تعالى " وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا" (الفجر:20)، وقوله تعالى " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ" (العاديات:8).
د. إن إضافة المال إلى العباد فيه حافز لاستثارة همة الإنسان في سبيل الحفاظ على هذا المال والحرص على استثماره وتنميته في أفضل الفرص الاستثمارية، وكذلك عدم إنفاق الأموال بتبذير وإسراف أوتقتير.
هـ. ن الإسلام دين المسؤولية – وهذه المسؤولية يجب أن تحدد بدقة لكي يثاب المحسن ويعاقب المسيء – وهناك مستويان من المسؤولية:
المستوى الأول: مسؤولية الفرد عما تحت يده من أموال وكيفية تعامله معها " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)" (الزلزلة:7-8)، وقوله تعالى " كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" (المدثر:38). ويقول الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) (ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به)( [14] ).
المستوى الثاني: مسؤولية المجتمع التي وردت بصيغة خطاب للجماعة المسلمة كقوله تعالى " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا" (النساء: 5). إضافة إلى المسؤولية التي تقع على ولي الأمر حيث يقول الرسول(صلى الله عليه وسلم) ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته …))( [15] ).
1-3-1-3: الموقف الثالث:
بعد أن بين القرآن الكريم المواقف النظرية للموقف من الملكية نجده يحدد طبيعة الموقف العملي من الأموال والحقوق المترتبة عليها في آيات أخرى كقوله تعالى َ" آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" (الحديد: 7). وكذلك حق الجماعة في مال الفرد كقوله تعالى " وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" (الذريات:19) ومسؤولية ولي الأمر على سبيل المثال في جباية الزكاة " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " (التوبة:103) وفي توزيع حصيلتها " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (التوبة:60).
3-2: أشكال الملكية الاستخلافية
يمكن تقسيم الملكية الاستخلافية على أربعة أنواع هي:
3-2-1 الملكية الاستخلافية الفردية:
لقد أقر الإسلام ملكية الأفراد للأموال حيث قال تعالى " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " (التوبة:111)، وقال تعالى " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (التوبة:103). وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ((من قتل دون ماله فهوشهيد))( [16] ). إن في هذا الإقرار استجابة للفطرة الإنسانية المحبة للمال وتحفيزاً لبذل الجهد وتنمية الأموال وحسن استخدمها. كذلك ليكون كل فرد مسؤول عما تحت يده من أموال فلا يصح أن تكون مسؤولية العباد عن كل الأموال المسخرة لهم مسؤولية شائعة. لذلك أقر الإسلام الملكية الفردية ليسأل كل فرد عما استخلف فيه من أموال.
3-2-2 الملكية الاستخلافية الجماعية:
تتمثل في أن ينظم شخصان أوأكثر نشاطهم الاقتصادي بصورة استثمار مشترك مثال على ذلك الشركات الإسلامية الإنتاجية التي تكون بصيغ متعددة ومشروعه كشركة المضاربة والعنان.
3-2-3: الملكية الاستخلافية الاجتماعية:
وتشمل بعض الأموال التي تكون ملكيتها مشاعة بين الناس والأصل في ذلك قول الرسول(صلى الله عليه وسلم) (المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار)([17])، ولا يقتصر مدلول النص على هذه الموارد فقط بل أن قواعد الشريعة تقضي بأن ما كان ضرورياً مثلها لا يصح أن يترك تملكه للأفراد خصوصاً إذا نشأ عن ذلك حرج يصيب عامة الناس.
3-2-4 الملكية الاستخلافية لبيت المال:
تتضمن الأموال التي تكون بيد الدولة التي تتصرف فيها لتحقيق المصالح العامة المعتبرة شرعاً. ومن أمثلة هذه الأموال الزكاة التي لها أوجه إنفاق محددة شرعاً وخمس الغنائم والمعادن والركاز، واللقطات ومال من لا وارث له وأموال الجزية.
وبشكل عام يمكن أن نحدد ميدان الملكية للنوعين الآخرين بأنواع الأموال الآتية:
1. الأموال التي ترصد للمنافع العامة، ولا يمكن أن تستوفي كامل أغراضها وهي مملوكة للأفراد كالطرق والأنهار.
2. الموارد الإنتاجية التي تكون حية بطبيعتها. حيث يكون عائد الاستثمار فيها كبيراً بحيث لا يتناسب مع الكلفة المبذولة.
3. الأموال التي تؤول ملكيتها من الأفراد إلى الدولة. هذه الأموال لا يمكن أن تملك للأفراد ملكية تامة بل يمكن أن تقطع لهم إقطاع منفعة لا إقطاع رقبة كما هوالحال في أرض السواد (العراق).