Page 1
تقديم
السودان قطر شاسع تبلغ مساحته مليون ميل مربع تقريباً، ويمتلك أرضاً خصبة ومياهاً متدفقة، وثروات معدنية وحيوانية هائلة، وعقولاً وأياديَ عاملة قادرة على التفاعل المنتج مع معطيات التقدم العلمي والتكنولوجي، رغم النكبة التعليمية التي منيت بها البلاد مؤخرا· ولقد وفر تدفق النفط الخام، في مطلع الألفية الجديدة، مصدر تراكم حقيقي للثروة القومية، وشكل شرطاً ضرورياً لعملية التنمية الاقتصادية· لكن رغم ذلك ظل السودان يعاني من فجوة تخلف تنموي تتسع تدريجياً، وانخفاض حاد في مستويات المعيشة، وانتشار الفقر، وتخلف علمي وتكنولوجي، وتحول من بلد يمتلك فوائض مالية في الأعوام الأولى بعد استقلاله إلى بلد مثقل بالديون الخارجية ويتطلع إلى الدول المانحة للمساعدة في إعماره وإطعام الكثيرين من مواطنيه·
ماذا حدث إذن؟ إن الدراسة المعمقة لمسيرة التنمية الاقتصادية في السودان، تبين أن هذا البلد الذي استباحته الأنظمة الشمولية لأكثر من أربعين عاماً، منذ استقلاله عام 1956، عانى من اختلالات إنتاجية عميقة أثرت سلباً على هياكله الأساسية خلال الأربعة العقود الماضية، كان سببها ضعف النظام الاقتصادي، بكل أبعاده السياسية والاجتماعية والإدارية، وتأثير العوامل الخارجية، وتعاقب أنماط تنموية مختلفة كانت نتائجها محبطة للآمال، فقد تدهورت إنتاجية القطاعات السلعية الأساسية، واشتدت حدة التدخلات الأجنبية، وتفاقمت مشكلة الديون الخارجية ومعها الوضع المالي للدولة مما أدى إلى اضطراب الوضع الاقتصادي بأكمله·
المقالات المضمنة في هذا الكتاب، والتي كتبت خلال الأعوام 2005-2010، هي محاولة لتحليل أسباب المشاكل الاقتصادية الأساسية التي تواجه الاقتصاد السوداني الآن، وتحديد أبعادها وسبل مواجهتها، في إطار عرض تحليلي ووفق منظور منهجي بحت· أما الأفكار والمعالجات التي تطرح فهي اجتهادية تستند إلى خبرة الكاتب الأكاديمية والعملية محلياً وإقليمياً ودولياً، والتي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، ورؤيته لماضي السودان وحاضره واتجاهات تطوره الاقتصادي المستقبلي· وكل الأمل أن يجد فيها القارئ السوداني والعربي ما يفيد، وأن تحظى بالقبول والحوار الجاد من قبل الاقتصاديين وأصحاب القرار الاقتصادي، والحمد لله أبلغ حمد وأزكاه·
Page 2
أداء النمو والسياسات
حقق الاقتصاد السوداني، خلال العقدين الماضيين، متوسط نمو حقيقي دوري إيجابي مقدر تجاوزت معدلاته 5% (الجدول أدناه)، مع العلم بأن معدلات النمو السنوي بلغت أعلى مستوياتها في العامين 2006 (11%)، و2007 (10%) مما ساعــــــد على تحقيق الطفرة العالية في متوسط معدل النمو السنوي خلال الأعوام 2002-2007· من الطبيعـي أن تصاحب معدلات النمو المحقق، والتي تكاد تعادل ضعف معدل النمو السكاني، تحسناً كبيراً في نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي للفرد، الذي تضاعف أثناء تلك الأعوام· في المقابل نجد أن مؤشرات النمو الاقتصادي بدأت في التراجع منذ عام 2008 لأسباب عديدة، أهمها الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وعدم التكيف مع تلك الأزمة في جانب الإنفاق الحكومي، مما أدى إلى الارتفاع الحاد لمعدلات التضخم على حساب معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي·
أنواع السياسات الاقتصادية التي انتهجت خلال العشرين عاماً الماضية لتحقيق النمو الاقتصادي، يمكن تصنيفها كالآتي: سياسات مالية توسعية، أي التمويل بالمكشوف، من دون مقابل من الموارد الحقيقية (1991-1996)؛ سياسات اقتصادية إصلاحية (1997-7002)؛ وسياسات إدارية تراجعية تمثل ردة عن مواصلة الإصلاح الاقتصادي (2008-2010)· الواضح من الوقائع الإحصائية أن سياسات التمويل بالعجز المالي كانت كارثية على المواطن والاقتصاد القومي، رغم معدلات النمو المميزة التي تم تحقيقها· فخلال فترة هذه السياسات التوسعية، بلغ متوسط معدل التضخم الدوري 97% وهو أعلى مستوى له في تاريخ السودان الحديث، كنتاج مباشر للتفاقم التاريخي للنسب السنوية (16%) لنمو العجز المالي للدولة في إجمالي الناتج المحلي، التي ساعدت بدورها في مضاعفة متوسط نمو الكتلة النقدية إلى 75%· كما أن آثار الطلب الفائض في القطاع العام امتدت أيضاً لتشمل الحساب الجاري لميزان المدفوعات، الذي ارتفع متوسط نسبته الدورية في إجمالي الناتج المحلي إلى 31% (1991-1996) من 11% (1985-1990)·
على صعيد الإصلاح الاقتصادي (1997-2007)، نجحت السياسات التي تم تنفيذها في تقليص النفقات العامة، وبالتالي متوسط حجم عجز الموازنة العامة في إجمالي الناتج المحلي، الذي انخفض إلى أكثر من النصف ليصل إلى 7% في الفترة 1997-2001، ثم إلى أقل من 1% خلال الأعوام 2002-2007، هذا بدوره انعكس إيجاباً على فجوة الحساب الجاري في ميزان المدفوعات، التي تراجع أيضاً متوسط نسبتها الدورية في إجمالي الناتج المحلي إلى 14% أثناء الفترة الأولى، ثم إلى 10% خلال الفترة الثانية·
Page 3
لكن النجاح الأكبر لسياسات الإصلاح الاقتصادي تمثل في تحجيم المد التضخمي الذي شهد متوسط معدلاته السنوية هبوطاً حاداً إلى 23% و 8% خلال فترتي الإصلاح، حسب الترتيب، متماشياً بذلك مع التراجع الحاد في متوسط نمو معدلات الكتلة النقدية نتيجة لضبط الإنفاق العام·
الإصلاح الاقتصادي ساعد أيضاً في تحسين المناخ الاستثماري، خاصة في قطاع النفط، حيث بلغ متوسط المعدل السنوي للاستثمار الكلي، في إجمالي الناتج المحلي، أعلى مستوياته ليصل إلى 31% خلال الفترة 1997-2001 من 12% في الفترة 1991-1996· لكن نتيجة للظروف الاستثنائية التي كان السودان يمر بها، والناجمة عن السياسات الاقتصادية التوسعية التي أغرقت البلاد بآثارها التضخمية وأدت إلى تراجع الادخار القومي، فقد لعبت الاستثمارات الأجنبية المباشرة دوراً مهماً في رفع معدلات الاستثمار وتمويل العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات· فقد بلغ حجم تلك الاستثمارات أربعة عشر مليار دولار بين الأعوام 2000-2008، حيث استحوذت الصين وحدها على 6 مليارات دولار من تلك الاستثمارات، تلتها ماليزيا والهند بمبلغ 4.5 و 1.2 مليار دولار حسب الترتيب· أما الاستثمارات العربية، فتربعت دولة الكويت على رأس قائمتها، بحجم 1.5 مليار دولار، ثم جاءت الإمارات العربية المتحدة في المركز الثاني بمبلغ 400 مليون دولار، تلتها المملكة العربية السعودية في المركز الثالث بحوالي 200 مليون دولار·
للأسف رغم كل ما تحقق من مؤشرات اقتصادية إيجابية على طريق الإصلاح الاقتصادي، فهناك بوادر ردة، أي تراجع واضح عن مواصلة عملية الإصلاح، حيث إنه من المقدر أن يبلغ متوسط معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي 4% فقط لعامي 2009-2010، مقابل 7% عام 2008، رغم أن معدل النمو الأخير يمثل، في حد ذاته، تراجعاً مقارنة مع متوسط النمو الدوري في الأعوام 2002-2007 (الجدول)· لكن من الطبيعي أن تكون معدلات النمو منخفضة بهذا الشكل لأسباب عديدة، أهمها أن عام 2009 كان عام الأزمة المالية والاقتصادية العالمية بامتياز على المستوى الدولي والإقليمي، وكان التراجع في نمو الاقتصاد الوطني واضحاً منذ الربع الأخير من عام 2008، إلا أن عدم ضبط الإنفاق الحكومي سرع من حدته، كما تشير الوقائع المالية والنقدية· إلا أن أكثر ما يقلق في شأن الوضع الاقتصادي الراهن هو عودة غول غلاء الأسعار ممثلاً في معدلات التضخم التي عادت إلى مربع الرقمين مرة أخرى، مما يعني جملة من الآثار السيئة التي تضر بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن إجمالها كالآتي: ضعف المدخرات القومية؛ تدهور سعر صرف العملة الوطنية، ما يعني إضعاف ثقة المواطن بعملته المحلية وتفضيل العملات الأجنبية؛ مفاقمة عجز ميزان المدفوعات بتعويق الصادرات وزيادة الاستيراد، تفشي ظاهرة البطالة؛ وعرقلة الاستقرار النقدي وعمليات تخطيط تكاليف المشروعات التنموية المستقبلية وتنفيذها·
Page 4
سمات سياسات الإصلاح الاقتصادي وآثارها
سلسلة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بالاتفاق مع موظفي صندوق النقد والبنك الدوليين لتصحيح مسار الاقتصاد السوداني، كان أبرزها: زيادة الضرائب غير المباشرة، الشيء الذي أدى إلى المزيد من ارتفاع تكلفة معظم السلع الضرورية؛ خفض الصرف الحكومي على الخدمات؛ رفع الدعم عن الإنتاج المحلي وعن الصادرات القومية؛ تحرير التجارة الداخلية والخارجية، مما ساعد على انسياب السلع والبضائع الأجنبية؛ تخلي الدولة عن المساهمة المباشرة بموارد قومية في إنجاز مشاريع تنموية اقتصادية؛ تقديم التسهيلات للاستثمارات الأجنبية، بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لتلك الاستثمارات؛ إلغاء الدعم الحكومي عن معظم السلع الأساسية، وكذلك عن مختلف الخدمات العامة كالتعليم والصحة؛ وأخيراً خصخصة مؤسسات القطاع العام من دون دراسة متأنية، في إطار استراتيجية تخاصية شاملة الأهداف والأبعاد للجدوى الاقتصادية والاجتماعية لتلك المؤسسات·
تركت هذه السياسات آثاراً اقتصادية واجتماعية قاسية على الأوضاع المعيشية للغالبية العظمى من شرائح المجتمع السوداني، وبشكل خاص فئة الطبقة الوسطى، وذوي الدخل المحدود، الذين عانوا وما زالوا يعانون شر الأمرين أمام انهيار القيمة الحقيقية للأجور والعملة الوطنية، في ظل الإصلاح ومرحلة الغلاء الطاحن التي سبقته· لهذا ليس غريباً أن ترتفع معدلات الفقر، أي عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر، حسب الإحصائيات الرسمية بصورة مذهلة، إلى أكثر من 45% في السنوات الأخيرة، مقارنة مع 6% عند نهاية عقد الثمانينيات· هذا يشير بوضوح إلى أن معدلات النمو التي تحققت حتى الآن ابتعدت، في ركائزها، عن مفهوم التنمية الأكثر شمولية من استفادة قطاع ما من النمو، مما يعني أن كل ما تحقق على الصعيد الاقتصادي كان نمواً لا تنمية، وهو الهدف الذي من المفترض أن يتطلع إلى تحقيقه راسمو السياسة العامة للدولة· لذلك فالنمو المتحقق كان يفتقد البعد الاجتماعي؛ لأن تأثيره على معيشة المواطن العادي بقي من دون فائدة تذكر· وهذا ما يعاب على السياسات التي نفذت لافتقادها بوصلة تحقيق هدف منشود بعينه·
إن استقطاب الاستثمارات الأجنبية، على سبيل المثال، ليس هدفاً بعينه وإنما وسيلة لدعم جهود الدولة لمحاربة الفقر والبطالة، فإذا لم تقم تلك الاستثمارات بالدور المنشود في تدريب وتشغيل الباحثين عن العمل؛ فإن الموضوع يحتاج إلى الدراسة والتمحيص لما يراد حقاً من الاستثمارات الأجنبية· فمن غير الممكن الاعتماد على الإستثمار الأجنبي المباشر في تمويل عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات؛ لأنه مصدر تمويل غير مستقر، وبنوده غير متكررة، مما يؤكد ضرورة التقشف الحكومي؛ لأن العوامل وراء اتساع عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري هي نفسها ممثلة في ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الضرورية الأخرى، مع الاستمرار في مستويات الاستهلاك المرتفعة، خاصة في القطاع العام وما أفرزه من طفيليات مترفة· فلا عجب إذن من معاناة الاقتصاد السوداني اليوم من تشوهات هيكلية، بسبب نمو قطاعات غير إنتاجية؛ مثل التجارة والخدمات والإنشاءات على حساب القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، والاعتماد المتزايد على الخارج، رغم الحصار الاقتصادي في تأمين احتياجات البلاد الأساسية والمواد الغذائية، الأمر الذي يعمق من التشوهات الهيكلية، ليس في البنية الاقتصادية فحسب، بل في البنية الاجتماعية، مما أضعف دور القطاعات المنتجة وأدى إلى هيمنة القطاعات الخدمية على الاقتصاد الوطني·
Page 5
عدم ممارسة سياسات مالية واقتصادية لتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية، في ظل ما تحقق من معدلات نمو عالية أدى إلى سوء توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي، الذي تسبب بدوره في خلق مشكلات اقتصادية واجتماعية، ونشوء فجوة ظلت تتسع بين دخل الفئات الضعيفة والمنتجة، ودخل الفئات الغنية الجديدة والقديمة، وأقطاب النظام الحاكم· وصحب ذلك تدهور مستمر في مستويات حياة ومعيشة غالبية السودانيين، وارتفاع حجم البطالة وحالات البؤس إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ الاستقلال من الاستعمار البريطاني، مما دفع بنسبة عالية من الكفاءات العلمية والفنية والمهنية إلى الرحيل من السودان، وربما إلى الأبد· لكن المؤسف أن السياسات الاقتصادية كانت وما زالت تقر بمعزل عن دراسة واقع واحتياجات المواطن؛ فولدت وماتت من دون أن يترحم عليها أحد· فغياب الرؤية التنموية واضحة المعالم والأهداف أدى لانتقاد الشارع العام من أن النمو المحقق نخبوي الهوى والهدف، وبحاجة لعلاج ناجع وسريع·
التحديات والحلول
تتلخص أهم التحديات الاقتصادية التي تواجه السودان حالياً في:
* ارتفاع عجز الموازنة العامة وسلبيات الإدارة المالية·
* تراجع معدلات النمو، والحاجة إلى رفع معدلات الادخار القومي·
* تفاقم المديونية الخارجية·
* عودة ارتفاع معدلات التضخم·
* تدهور هائل في البنية التحتية، خاصة في مجالي التعليم والصحة، مما أدى إلى إضعاف قدرات الكوادر البشرية وتوسيع الخيارات أمامها·
* تراجع كبير في المستوى المعيشي للسودانيين، نتيجة للتضخم وعدم مراعاة العدالة في توزيع الدخل القومي لصالح فئات المجتمع الضعيفة·
* انتشار واسع للبطالة، خاصة بين الشباب·
* ضعف التشابكات القطاعية، خاصة القطاع الزراعي مع بقية القطاعات الاقتصادية·
* تسييس دور القطاع الخاص وتهميش دوره، مما تسبب في سيطرة طفيلية التمكين على القطاع·
* إستشراء ظاهرة الفساد المالي والاقتصادي والإداري على المستويات السياسية والإدارية كافة·
* خصخصة مشاريع ومؤسسات القطاع العام، من دون استراتيجية اقتصادية واضحة الطريق·
مواجهة هذه التحديات والخروج من النفق الذي دخل فيه الاقتصاد السوداني، يتطلب سياسة تنموية شاملة وعملية إصلاح جذري واسعة تمتد إلى مجالات عديدة اقتصادية وغير اقتصادية، تستند إلى جملة من الإجراءات والضوابط بذلنا كثيراً من الجهد المتواضع في تحديد الكثير منها في بقية المقالات المضمنة في هذا الكتاب· فالمطلوب الآن إنقاذ الاقتصاد السوداني من أزمته التي لن يقوى على حلها أحد سوى السودانيين أنفسهم· فإذا لم تكن هناك مواجهة للآثار المترتبة على السياسات الاقتصادية الرسمية فإن الوضع سيزداد سوءً على المستويات كلها·
Page 6
1· مقدمة
واجه السودان في عام 2010 تحديات مالية واقتصادية كبيرة، فرضتها تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية من جهة وعدم التعامل الحكومي بجدية مع تلك التداعيات من جهة أخرى· وفي وسط الاستمرار في موازنات غير تقشفية، كما هو حال موازنة 2010، تواجه الحكومة تحدي المواءمة بين متطلبات التنمية الهائلة، خاصة في جنوب البلاد وغربها، وكبح جماح الدين العام والعجز المالي معاً· أما تشريح وكيفية مواجهة ذلك التحدي فهو ما سنتعرض له فيما يلي·
Page 7
2. الأداء الاقتصادي في عام 2009
تعرض الاقتصاد السوداني في عام 2009 لهزات عنيفة، أهم أسبابها الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى انخفاض تدريجي للنمو الاقتصادي، شمل معظم القطاعات خلال العام؛ ليصل معدل النمو السنوي إلى ما مقداره 4% (مقارنة مع 6% كما هو مقدر في موازنة 2009)، وهو الأقل منذ مطلع القرن الحالي (جدول 1)· والسبب الرئيسي وراء الأداء الضعيف للإقتصاد الكلي يكمن في التراجع الحاد لنمو القطاعات غير البترولية، خاصة الزراعة والصناعة، من 8.5% في عام 2008، إلى حوالي 4% في العام ،2009 مما يمثل ضربة موجعة لأسواق العمل والصادرات التقليدية والشرائح الاجتماعية الضعيفة· أما قطاع النفط، فمن المتوقع أنه شهد تحسناً ملحوظاً في أدائه الحقيقي وبالتالي قد يكون نموه المتحقق في عام 2009 حوالي 3% مقارنة مع 4.4% في عام 2008، رغم الانخفاض الحاد في أسعار النفط عالمياً، الشيء الذي سيكون له الفضل في تحقيق النمو المتوقع للاقتصاد الكلي· أما مؤشر أسعار المستهلك (التضخم)، فيبدو أنه حافظ على مستوياته العالية، رغم هبوطه المتوقع إلى 11% في عام 2009 - وليس 8% كما توقعت موازنة 2009 - من 14% في العام السابق، نتيجة للطلب الفائض في القطاع العام، من جراء عدم ضبط الإنفاق الحكومي ليتماشى مع المتاح من الإيرادات، بالإضافة إلى التضخم المستورد عبر الارتباط باليورو، الذي شهد سعره ارتفاعاً كبيراً في عام 2009، مما أثر بدوره سلباً على أداء الصادرات غير النفطية·
رغم تداعيات الأزمة المالية العالمية على إيرادات الدولة، خاصة البترولية، لم تتكيف السياسات الاقتصادية الكلية مع المعطيات الإيرادية، حيث انخفض الإنفاق العام بواحد مليار جنيه فقط في عام 2009 مقارنة مع عام 2008، بينما تراجعت الإيرادات والمنح بحوالي سبعة مليارات جنيه في العام نفسه· انعكاساً لذلك، إرتفع معدل عجز الموازنة من إجمالي الناتج المحلي بأكثر من الضعف، رغم تراجع مُعدل الإنفاق الكلي، مما يشير إلى أن خفض الإنفاق كان ضئيلاً جداً مقارنة مع الهبوط الحاد في إجمالي الإيرادات (جدول2)· عدم المواءمة بين الإنفاق والإيرادات ساعد بدوره في زيادة الكتلة النقدية· ونتيجة للعلاقة المباشرة بين أداء الموازنة العامة وميزان المدفوعات، فلقد ساعد عجز الموازنة، بالإضافة إلى التراجع الحاد في صادرات السلع والخدمات، في رفع عجز الحساب الجاري لأعلى مستوىً له منذ عام 2005· هذا التدهور وعدم المرونة الكافية لسعر صرف الجنيه السوداني، من المتوقع أن يؤديا بدورهما إلى خفض صافي احتياطي النقد الأجنبي بنسبة 75% بنهاية عام 2009· ضعف الوضع المالي الداخلي والخارجي انعكس بدوره في استمرار زيادة عبء مديونية السودان الخارجية، المتوقع أن يكون قد بلغ معدله 68% من إجمالي الناتج المحلي لعام 2009، رغم التراجع الذي شهده الأخير في العام نفسه·
صحيح أن عام 2009 انتهى، لكن التحدي الأكبر سيكون في عام 2010 عند مواجهة تداعيات الإفرازات السلبية للتباطؤ المالي والاقتصادي في سنة 2009· والسؤال هو كيف سيقوى الاقتصاد على مواجهة العام الجديد إذا بقي الحال على ما هو عليه من دون تحرك فاعل؟
Page 8
3· الأداء التقديري لموازنة 2009
حسب المعلومات المتوفرة للأداء الفعلي التقديري لموازنة 2009، بلغ أداء إجمالي الإيرادات والمنح الخارجية أكثر من 97% (جدول 2) من ما هو مقدر في قانون الموازنة، نتيجة للتحسن الذي طرأ على أسعار الصادرات النفطية في النصف الثاني من العام مما أدى إلى إرتفاع الإيرادات البترولية المقدرة بحوالي 7.9 مليار جنيه سوداني بنسبة 15%، أي ما يعادل 1.2 مليار جنيه· أما أداء الإيرادات غير البترولية فقد ظل في حدود تقديرات الموازنة (8.2 مليار جنيه) دون فجوة تذكر بين الأرقام المقدرة والمحصلة، كما يشير بيان موازنة 2010، بالرغم من تراجع أرباح مؤسسات القطاع العام والتلكؤ في اتخاذ بعض الإجراءات المالية، كخفض الدعم للمشتقات النفطية· أما في جانب الإنفاق الكلي، فقد كان الأداء ضعيفاً، حيث بلغ 88% نسبة للتراجع المذهل في أداء الإنفاق التنموي، الذي بلغ 57% فقط، في حين استنفد الإنفاق الجاري كالعادة كامل بنوده المقدرة· عدم التوازن بين الإنفاق الجاري والاستثماري أدى بدوره إلى انخفاض العجز الكلي المقدر، رغم انعكاسه السلبي على معدل النمو بنسبة 31%، أو ما يعادل 2.7 مليار جنيه· بالتالي هبط معدل العجز الكلي في إجمالي الناتج المحلي إلى 4.4% من حوالي 6% حسب تقديرات الموازنة، مما قلص كثيراً من الحاجة للاقتراض لمواجهة العجز، رغم أن التركيز على الاقتراض من الداخل أثر سلباً على حجم السيولة اللازمة لتمويل القطاع الخاص، وبالتالي على معدل النمو الكلي·
Page 9
4· موازنة 2010 وفرضياتها
موازنة 2010 في وضع صعب ناتج عن سوء التقدير في إعدادها وترتيب أولوياتها، وضعف إدراك حقيقة الوضع الاقتصادي المحلي والإقليمي، وتداعيات الأزمة المالية العالمية التي لم يعترف المسؤولون بآثارها السلبية على السودان إلا مؤخراً، وعلى مضض· لهذا استندت موازنة 2010 إلى جملة من الفرضيات التي تتطلع الحكومة إلى تنفيذها، لكن للأسف دون تحديد هدف الموازنة؛ وهو الوصول بالوضع المالي إلى عجز آمن، ودون تقييم للسياسة الاقتصادية التي جرى اتباعها في العام السابق أو سابق الأعوام الأخرى· بالإضافة إلى ذلك، تثير تلك الفرضيات جملة من التساؤلات حول مدى تطابقها مع معطيات الاقتصاد السوداني على أرض الواقع· ففي جانب الإيرادات، بنيت الموازنة على فرضيات رئيسية يصب جمها في زيادة الضرائب على النشاط الاقتصادي والمواطنين، حيث يتوقع ارتفاع إيرادات الدولة الضريبية بنسبة 12% لتصل إلى 9.7 مليار جنيه، رغم أن هناك هبوطاً واضحاً في حركة النمو الاقتصادي، مما سيؤثر سلباً على أسعار المواد الغذائية، خاصة بالنسبة للشرائح الاجتماعية الضعيفة، ناهيك عن تداعيات ذلك على أرباح الشركات والمؤسسات وأسواق العمالة· لكن جدير بالإشادة، في هذا الإطار، إدراك صناع القرار لهذا الوضع الخطير ومحاولة التخفيف من حدته، بخفض سعر صرف الدولار الجمركي من 2.5 إلى 2.3 جنيه للدولار، وذلك بعد شهر واحد من بدء العمل بالموازنة الجديدة، رغم أن القرار لم يشرح كيفية معالجة تراجع الإيرادات المتوقع نتيجة لهذه الخطوة السليمة· إن الإفراط في زيادة الضرائب، خاصة على الواردات كما يوضح جدول 3، يعمل على تقليل النشاط والحراك الاقتصادي، مما يقلل بدوره من الإيرادات الضريبية، وبالتالي زيادة الضغط على عجز الموازنة، وهذا ما يستدعي إعادة النظر في تقديرات العبء الضريبي في غياب ترشيد الإنفاق·
وعلى عكس التقديرات الضريبية المتفائلة، الملاحظ أن الفرضيات الخاصة بالإيرادات البترولية المقدرة بحوالي 10.5 مليار جنيه، أي ما يعادل نسبة 44% من إجمالي الإيرادات والمنح (23.7 مليار جنيه) الموصودة في بيان الموازنة، تعتبر غاية في التحفظ، في ضوء التحسن المتواصل في أسعار النفط العالمية، والمتوقع أن يصل متوسطها إلى 76 دولاراً للبرميل في عام 2010، بينما افترضت الموازنة 60 دولاراً لبرميل النيل و50 دولاراً لبرميل خليط الدار· في ضوء ذلك نتوقع أن ترتفع الإيرادات البترولية بمقدار 1.8 بليون جنيه، على أقل تقدير، لترتفع الإيرادات الكلية إلى 25.5 مليار جنيه (جدول 3)· أما في مجال المنح والقروض الخارجية، فافتراض أن تبلغ حوالي 8.0 مليار جنيه أو ما يعادل 5.3% من إجمالي الناتج المحلي يمثل نوعاً من التفاؤل المفرط؛ إذ إن أداءها الفعلي لم يتعد 0.9% من إجمالي الناتج المحلي، خلال الأعوام 2005-2009·
Page 10
في جانب النفقات، لم تفترض الموازنة أي إجراءات ملموسة لضبطها، ولاسيما الصرف التشغيلي، الذي تتوقع الموازنة أن يرتفع من 19.6 مليار جنيه في عام 2009 إلى 25.1 مليار جنيه في 2010، بزيادة مقدارها 28%؛ لترتفع حصته إلى 61% من إجمالي الإنفاق الكلي، المقدر بحوالي 32 مليار جنيه (جدول 4)· رغم ذلك فمن الملاحظ أن الإنفاق الجاري أغفل وضع تقديرات لمواجهة بعض أوجه الصرف، كمتأخرات الحكومة للقطاع الخاص، البالغ قدرها حوالي 1.5 مليار جنيه، ما يعني أن الإنفاق الكلي، في نهاية العام، قد يفوق كثيراً توقعات الموازنة، وهذا بدوره قد يؤثر سلباً على حجم الإنفاق التنموي المقدر، من أجل المحافظة على مستوى العجز المتوقع كما عودنا دائماً صناع القرار المالي· ما يثير الانتباه أيضاً، أن المواهي والأجور (7.5 مليار جنيه)، والتحويلات الولائية (12.1 مليار جنيه)، تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع (78%) النفقات الجارية، مع العلم أن الموازنة لا تفترض زيادة في الأجور، رغم توقعها ارتفاع معدل التضخم بنسبة 9%، وهو أسوأ الفروض، ما يعني الاستمرار في تآكل الطاقة الشرائية للمداخيل، وبالتالي تواصل مسلسل المعاناة بالنسبة للمواطن العادي· وإذا أضفنا تقديرات الصرف على السلع والخدمات (2.2 مليار جنيه)، وخدمة الديون (2.0 مليار جنيه)، إلى بندي الإنفاق السابقين، نجد أن هذه البنود الأربعة وحدها تمثل نسبة 95% من إجمالي الإنفاق المقدر، مما يطرح سؤالاً مهماً عن الكيفية التي ستواجه بها الحكومة النفقات الأخرى؛ كالدعم والمتأخرات الحكومية التي لم تذكر في قانون الموازنة أو حتى الطوارئ، التي قد تنشب في خلال العام، مما يدل على أن تقديرات الإنفاق الجاري ستواجه تحدياً حقيقياً، سيدفع بالحكومة إلى اتخاذ جملة من الإجراءات لتخفيض العجز المحتمل في جانب هذه النفقات، من أبرزها تقليص الإنفاق الاستثماري، كما جرت العادة؛ أو زيادة النفقات الجارية على حساب تمدد العجز الكلي غير المستدام أصلاً· أما بخصوص العجز الجاري، أي الفجوة بين الإيرادات الكلية والإنفاق التشغيلي، فيعكس الخلل الذي ظلت تعاني منه موازنات الحكومة كلها في السنوات السابقة، وهو ضعف الادخار الحكومي المطلوب للمساهمة في الإنفاق التنموي؛ لأن الإنفاق الجاري المترهل يستنزف إيرادات الدولة كلها، بما في ذلك المنح الخارجية· لهذا ليس غريباً أن تفترض موازنة 2010 تمويل النفقات الرأسمالية، المقدرة بحوالي 7.0 مليار جنيه بواسطة الاقتراض الخارجي والداخلي، ما يعكس ضعف التركيب الهيكلي للموازنة، والاقتقار إلى أبسط قواعد بناء الموازنات بأسلوب علمي وعملي متبع في معظم بلدان العالم، وفي دول أقل من السودان نمواً وتطوراً·