Page 1
يوميات شاب من فلسطين
في اليوم الثامن والعشرين من شهر شباط عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين ميلادية، رزقت أم أحمد بمولود ذكر بعد ابنتين، كانتا قد سبقتاه إلى الحياة، إلا إنه سبقهما بالتربع على كنية أمه به على عادة العرب، حيث يكنون أنفسهم بأسماء أبنائهم الذكور، إلا ما ندر وشذ عن هذه القاعدة،أما كنية الأب فكانت (أبو عبد الله) اسم ابنه الأكبر من زوجة سابقة.
كانت الحياة تسير رتيبة عادية هانئة، اعتادها الناس ورضوا باليسير من الطعام والكساء، ينتجون معظم طعامهم بأيديهم، تكفيهم وحيواناتهم على مدار أيام السنة، يزرعون القمح والشعير والذرة والسمسم، فيأكلون مما رزقهم الله منها، ويدخرون ما زاد عن حاجتهم من الحب في (خوابي) كبيرة، لها أشكال جميلة، مصنوعة من الطين، لها فتحات كبيرة من الأعلى لصب الحبوب بها، وفتحات ضيقة من الأسفل لتفريغ الحبوب وقت الحاجة إليها، حيث يطحنون بمقدار حاجتهم أولا بأول.
أما الخضروات فكانت تزرع في (مقاثي)، والمقثاة مساحة صغيرة من الأرض يزرع فيها الفلاحون الخضار مثل البندورة والبامية والكوسا والملوخية وغيرها، كان غالبيتهم لا يبيع ويشتري مثل هذه الحاجات من الخضروات، وإنما كان يتم تبادلها فيما بينهم بالمجان، ومن ليس عنده مقثاة يأخذ ما يحتاج إليه من أقرب مكان إليه، ويتم ذلك بدون مَنًًِ مِن أحد ولا حرج.
أما البساتين والجنائن فكان يزرع بها الأشجار المثمرة كالتين والخوخ والرمان والعنب وغيرها، أما (البيارات) وهي الجنائن ذات المساحات الواسعة فكان يزرع بها أشجار الحمضيات كالبرتقال والليمون وغيرها، وكان غالبا ما يملك هذه البيارات أصحاب رؤوس الأموال من العائلات الكبيرة المشهورة في فلسطين.
عاش أهلنا في فلسطين سنين طويلة هانئين مرتاحي البال لم ينغص حياتهم مدع، ولا يكدر عيشهم دخيل، حتى كان ذلك التآمر البغيض، والتواطؤ الدنيء بين قوى الشر الغاشمة، الحكومة البريطانية من جهة والعصابات الصهيونية من جهة أخرى وكانت حكومة الانتداب البريطاني مكلفة للإشراف على فلسطين حسب اتفاقية (سايكس – بيكو) بين الفرنسيين والبريطانيين بعد هزيمة الدولة العثمانية، لرعاية شؤونها وتنميتها وعمارتها، وليس لاستعمارها بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى بغيض في نفوس غالبية الناس، فقد خانت هذه الدولة الأمانة الموكلة بها، فجعلت من فلسطين لقمة سائغة للعصابات الصهيونية، فأثناء انتدابها على فلسطين سمحت لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وأمدتهم بالأسلحة ودربتهم في معسكراتها، وتوجت كل فضائحها هذه بإصدارها وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني عام 1917م، والذي خلاصته: "إن حكومة جلالة الملكة تنظر بعين العطف إلى الأماني الصهيونية بإقامة دولة لهم في فلسطين ...... مع الحفاظ على حقوق الطوائف الأخرى الذين يعيشون في فلسطين ".
Page 2
وخير ما قيل في هذا الوعد المشئوم، ما قاله الزعيم الراحل – المرحوم بإذنه تعالى – جمال عبد الناصر " لقد أعطى من لا يملك حقا لمن لا يستحق".
ولقد شعر أهل فلسطين بأطماع الصهاينة قبل صدور هذا الوعد، فقاوموا بكل ما استطاعوا من قوة، وأخذوا يعدون العدة، فكانت ثورة البراق عام 1929م، سقط فيها عدد من الشهداء الفلسطينيين وعدد من القتلى الإسرائيليين، وكانت الثورة والإضراب العام عام 1936، وانتشر الثوار في الجبال والكهوف في جميع أنحاء فلسطين، رغم محاولة القوات البريطانية من منع تسلحهم ومقاومتهم.
وهذا هو الشهيد الثائر الشاعر عبد الرحيم محمود، يستشهد في معركة الشجرة، دفاعا عن ثرى الأرض الطيبة، ولله دره وهو يقول:
سأحمل روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسـر الصديـق
وإما ممات يغيظ العــدى
وهذا هو البطل الشهيد المجاهد عبد القادر الحسيني يستشهد في معركة القسطل وهو يقود جحافل المسلمين ضد العصابات الصهيونية.
وهذا هو الشهيد البطل والمجاهد الكبير عز الدين القسََام، الذي جاء من سوريا يحمل روحه على راحته، ليروي بدمائه الطاهرة الزكية أرض فلسطين، ملبيا نداء ربه عز وجل في قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ 10 تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 11)(1).
وملبيا نداء حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام بما معناه: "إذا وطئ شبر من أرض المسلمين بات الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة "(2).
لم ولن يستسلم شعب فلسطين ما دام في عروق أبنائه دم ينبض بالحياة، حتى تحرير آخر شبر من فلسطين، ويطرد شذاذ الآفاق الصهاينة ويعودوا من حيث أتوا إلى غير رجعة.
ولن ننسى ما حدث بالأمس لشيخ المجاهدين، المناضل البطل، والأنموذج الفذ، الشهيد العابد المقعد، الذي استشهد وهو خارج من صلاة الفجر، فتطايرت أشلاؤه، وقطعت دراجته هنا وهناك، فرحمك الله يا شيخ أحمد ياسين رحمة واسعة ونسأل الله أن يجعلنا وإياك من رفقاء الحبيب المصطفى في جنات النعيم.
وهذا هو الطفل البريء محمد الدرة يستشهد وهو يحتضن والده خشية رصاص العدو، والوالد يرفع يده في وجه الجندي الصهيوني الغاشم ولسان حاله يقول: ما ذنب هذا الطفل البريء حتى تقتله أيها اللعين، والطفلة الرضيعة إيمان حجو والكثير الكثير من أبنائنا وأطفالنا، لم يرحموا شيخا مقعدا ولا طفلا رضيعا ولا امرأة.
ولقد شعر أهل فلسطين بأطماع الصهاينة قبل صدور هذا الوعد، فقاوموا بكل ما استطاعوا من قوة، وأخذوا يعدون العدة، فكانت ثورة البراق عام 1929م، سقط فيها عدد من الشهداء الفلسطينيين وعدد من القتلى الإسرائيليين، وكانت الثورة والإضراب العام عام 1936، وانتشر الثوار في الجبال والكهوف في جميع أنحاء فلسطين، رغم محاولة القوات البريطانية من منع تسلحهم ومقاومتهم.
وهذا هو الشهيد الثائر الشاعر عبد الرحيم محمود، يستشهد في معركة الشجرة، دفاعا عن ثرى الأرض الطيبة، ولله دره وهو يقول:
سأحمل روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسـر الصديـق
وإما ممات يغيظ العــدى
وهذا هو البطل الشهيد المجاهد عبد القادر الحسيني يستشهد في معركة القسطل وهو يقود جحافل المسلمين ضد العصابات الصهيونية.
وهذا هو الشهيد البطل والمجاهد الكبير عز الدين القسََام، الذي جاء من سوريا يحمل روحه على راحته، ليروي بدمائه الطاهرة الزكية أرض فلسطين، ملبيا نداء ربه عز وجل في قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ 10 تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 11)(1).
وملبيا نداء حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام بما معناه: "إذا وطئ شبر من أرض المسلمين بات الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة "(2).
لم ولن يستسلم شعب فلسطين ما دام في عروق أبنائه دم ينبض بالحياة، حتى تحرير آخر شبر من فلسطين، ويطرد شذاذ الآفاق الصهاينة ويعودوا من حيث أتوا إلى غير رجعة.
ولن ننسى ما حدث بالأمس لشيخ المجاهدين، المناضل البطل، والأنموذج الفذ، الشهيد العابد المقعد، الذي استشهد وهو خارج من صلاة الفجر، فتطايرت أشلاؤه، وقطعت دراجته هنا وهناك، فرحمك الله يا شيخ أحمد ياسين رحمة واسعة ونسأل الله أن يجعلنا وإياك من رفقاء الحبيب المصطفى في جنات النعيم.
وهذا هو الطفل البريء محمد الدرة يستشهد وهو يحتضن والده خشية رصاص العدو، والوالد يرفع يده في وجه الجندي الصهيوني الغاشم ولسان حاله يقول: ما ذنب هذا الطفل البريء حتى تقتله أيها اللعين، والطفلة الرضيعة إيمان حجو والكثير الكثير من أبنائنا وأطفالنا، لم يرحموا شيخا مقعدا ولا طفلا رضيعا ولا امرأة.
Page 3
ولا تزال قوافل الشهداء تترى، ولن تنتهي ما دام هناك صهيوني يدنس ثرى هذه الأرض الطاهرة التي بارك الله حولها، فالإنسان قد يدمر ولكن لا يهزم.
وللأسف نجد كثيرا من القيادات الأجنبية والعربية يهرولون في السعي لإطلاق سراح الجندي الأسير (شاليط) الذي يدافع عن باطل، وقد نسوا أو ربما تناسوا عشرات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين الذين يدافعون عن حقهم في استرداد فردوسهم السليب.
"ولقد حملت أقاصيص شعب فلسطين حقائق مشرفة عن أبطال خاضوا هذه التورة، وأسهموا في تلك المعارك بصلابة وإيمان فهذا هو الشيخ قاسم محمد الشايب من علماء الإسلام الذي استشهد يوم بلعا، لم يوجد بين ثيابه إلا مصحف كريم و12 مليما لا غير، كان هذا كل رأس ماله.
وتلك المرأة القروية تقف إلى جانب جثث الشهداء فتشير بيدها إلى إحدى الجثث "إنه يشبه ابني" ثم تترك الجثة لتدخل القرية وهي تزغرد فقد تبين لها أن الشهيد كان ابنها.
وحين تدهور القطار بين كفر جنس ومحطة اللد كان الفاعل الشهيد "حافظ صقر" واقفا أمام القطار المتدهور يشاهده، فأطلق عليه جندي النار فأصابه إصابة قاتلة، ولما جاء رجال الشرطة يسألونه عن الذين اشتركوا معه في انتزاع قضبان الخط أجاب:" لم يشترك معي أحد، بل أنا وحدي قمت بهذا الواجب الوطني أسقوني ماء........" ثم أسلم الروح.
وبينما كان العالم المسلم عبد الحفيظأبو الفيلات يقود فريقا من المجاهدين كمنت لهم مفرزة من الجند، واشتبك معها في معركة، فلما سدد بندقيته إليهم لم ينطلق رصاصها لفساده، فاستل خنجره وهجم يقاتل الجنود البريطانيين الذين عاجلوه برصاصة ذهب معها شهيدا.
وتلك العروس الشابة التي لاحظت حزن زوجها حين لم يجد بندقية يشارك الثوار بها أمجادهم، فباعت بيتها الموروث عن أبيها، واشترت بثمنه ذخيرة وسلاحا، وشجعت زوجها محمود شحادة النابلسي على اللحاق بالثورة وأسهم بشجاعة وبطولة، حتى استشهد بمعركة وادي الطواحين يوم يوليو (تموز) عام 1936م"(3).
وفي الخامس عشر من شهر أيار عام 1948 أنهت الحكومة البريطانية انتدابها على فلسطين، واعترفت فورا بقيام الدولة الصهيونية الوليدة، بعد أن مهدت كافة السبل لقيام هذا الكيان النشاز في قلب الأمة العربية والإسلامية، وذلك بتيسير سبل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتدريب وتسليح ميليشات العصابات الصهيونية، وتضييق الخناق على العرب الفلسطينيين، بفرض الضرائب عليهم ومنعهم من تسليح أنفسهم لمحاربة العصابات الصهيونية التي كانت تزداد قوة يوما بعد يوم في ظل حكومة الانتداب البريطاني.
Page 4
وبهذا الشكل تحولت الأمانة التي كانت مناطة بحكومة الانتداب البريطاني لعمارة فلسطين وتنميتها، إلى خيانة واضحة بتسليح العصابات الصهيونية، وتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، ومنع الفلسطينيين من حمل السلاح وتجريم كل من يوجد لديه قطعة سلاح، أو طلقة سلاح واحدة، واعتباره ثائرا على الحكومة البريطانية، وأدخل الكثير من الثوار إلى السجون وحوكموا محاكمات غير عادلة.
بقي الثوار الفلسطينيون مطاردين في الجبال والكهوف، ما بين كر وفر على الأعداء، في نفس الوقت الذي كانت فيه العصابات الصهيونية، تتسلح وتتلقى كافة أنواع التدريبات وعلى مختلف أنواع الأسلحة على مرأى ومسمع من حكومة الانتداب البريطاني، دون منع، بل تتدرب على أيدي الضباط البريطانيين، ولزيادة الطين بلة فإن الحكومة البريطانية عندما أنهت انتدابها على فلسطين تركت جميع ما بحوزتها من أسلحة ومعدات وتجهيزات، تحت أيدي العصابات الصهيونية، فكانت هذه الأسلحة نواة تسليح الجيش الصهيوني إثر قيام الدولة الزائفة، وهكذا سلمت بريطانيا فلسطين لقمة سائغة للصهاينة، وهنا انطبق المثل على بريطانيا: "حاميها حراميها" وانطبق علينا المثل الآخر "من مأمنه يُؤتى الحذر ".
كان العرب في ذلك الوقت في غفلة من الزمن، وبعد تفويت وقت غير يسير، شعروا بظلم إخوانهم الفلسطينيين، فأخذتهم النخوة العربية وهبوا لنجدتهم، ولكن دون تنسيق أو تنظيم فيما بينهم بسبب فقد الثقة بين قيادات هذه الجيوش، فقد كان الجنرال البريطاني (كلوب باشا) أحد قادة هذه الجيوش العربية، وهل يجوز الجمع بين متناقضين: بين من أصدر وعد بلفور واعترف بدولة إسرائيل فور قيامها وبين من يكون قائدا للجيوش العربية التي تحارب إسرائيل، وهل نستطيع أن نخفي نور الشمس بغربال.
ورجعت الجيوش العربية رغم التضحيات الكبيرة التي بذلتها، رجعت تجر أذيال الخيبة دون أن تحقق أهدافها فقد كانت دولة إسرائيل المزعومة دولة وليدة، وكانت بعض الجيوش العربية عريقة في التدريب والتنظيم!! ماذا جرى؟؟؟ نترك الإجابة على ذلك لمن هم أقدر وأحق منا في التحليل العسكري والسياسي ومعرفة أسباب الهزيمة النكراء!!
بذلت العصابات الصهيونية مثل (الهجانا) و (شتيرن) قصارى جهدها في تخويف وترويع سكان المدن والقرى الفلسطينية بمساعدة البريطانيين وأمام أعينهم، بهدف تهجيرهم من أراضيهم وذلك بعمل المذابح الجماعية في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها، فكانوا يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ الين يجدونهم، أما الرجال والشباب من أبناء هذه المدن والقرى فكانوا في صفوف المقاومة متبعين سياسة الكر والفر والمداهمة المفاجئة لقوات العدو وذلك لعدم تكافؤ نوعيات الأسلحة التي يملكها كل من الطرفين.
كان سكان المدن والقرى يهربون من بيوتهم خوفا من أن يحدث لهم ما حدث في دير ياسين وكفر قاسم من مذابح جماعية، وكانوا يتركون ما يملكون ظنا منهم أنهم سيعودون إلى قراهم بعد أيام قليلة، لم يكن بحسبانهم أن بعضهم ربما يموت في الاغتراب دون أن تكتحل عيناه برؤية مسقط رأسه مرة أخرى.
Page 5
ورغم كل ما حدث في السابق، يحدث الآن لنا أكثر مما حصل، وكل ذلك بسبب خلافاتنا، وعدم توحدنا كقيادات، ولكن اليأس لم يدخل قلوب الفلسطينيين على مدار السنين رغم مرارتها، فقد غرسوا في نفوس أبنائهم جيلا بعد جيل بأن لهم وطنا مغتصبا وحملوا أبناءهم أمانة الدفاع عن هذا الوطن حتى آخر قطرة من دمائهم مهما طال الزمن.
وكأننا على موعد قريب – إن شاء الله – في دحر الظالمين وطردهم شر طردة، فكما تحققت بشارة الحبيب المصطفى لسراقة بن مالك حين كان يطارده ليظفر بجائزة قريش إن عاد بمحمد حيا أو ميتا، وهو مهاجر إلى المدينة بصحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعندما رأى محمدا عليه السلام رأي العين، وكان على بعد قاب قوسين أو أدنى منه، دعا عليه الرسول عليه السلام فصاخت قدما فرسه في الرمال ولم يستطع أن يتقدم شبرا واحدا، عندها أدرك أن محمدا عليه السلام نبياً مرسلاً، أعلن إسلامه ونطق بالشهادتين، عندها بشََره عليه الصلاة والسلام بسواري كسرى وفارس. ولقد تحققت هذه البشارة فعلا زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث استدعى سراقة بن مالك وألبسه الخليفة الراشد سواري كسرى وتاجه، بعد أن هزموا الفرس في القادسية، ورفعوا راية الإسلام عالية خفاقة، وانتشرت كلمة التوحيد في كل مكان، نعم تحققت بشارة الرسول الأولى(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى3إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى4) (4).
أما البشارة الثانية والتي نحن بانتظار وقت تحقيقها - والله وحده أعلم بذلك – ولكننا لا نشك ابد في حدوثها، ونرجوا الله أن يكون ذلك قريبا فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة عن الرسول عليه السلام قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون،حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغردق فإنها من شجر اليهود "(5) فكما تحققت البشارة الأولى، ستتحقق البشارة الثانية، ونسال الله أن يكون ذلك قريبا، اللهم نسألك أن تهيئ لنا أسباب النصر في جمع شمل المسلمين وتوحيدهم على قلب رجل واحد، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير، لن يضيع حق وراءه مطالب، والأيام دول، يوم لك ويوم عليك، ومن سره زمن ساءته أزمان.
عود على بدء، درج ذلك الفتى الصغير أحمد في خضم هذه الأحداث الرهيبة التي مر بها وطنه، دون أن يعي منها شيئا، أو أن يدري ما يدور حوله، فهو لما يتجاوز الرابعة من عمره بعد حتى قرر أهله الرحيل من قريته (قزازة) من قضاء مدينة الرملة، تبعا للتقسيم الإداري في ذلك الزمن، قرروا الرحيل وهم لا يدرون أين يتجهون، لا يفكرون إلا في الهروب من وجه هذا الطغيان والجبروت الصهيوني الذي يرتكب المذابح الجماعية حيث حل، حتى استقر بهم المقام في مدينة الخليل أولى محطات الهجرة التي ظن غالبية الناس أنها لن تطول..
Page 6
إحصاءات وحقائق عن مسقط رأسي قرية قزازة بفلسطين(6):
تاريخ الاحتلال الصهيوني 9 تموز، 1948
البعد من مركز المحافظة 19 كم جنوب الرملة
متوسط الارتفاع 150 متر
العملية العسكرية التي نفذت ضد البلدة آن فار
الكتيبة المنفذة للعملية العسكرية الكتيبة الأولى لجفعاتي
سبب النزوح نتيجة لاحتلال او نزوح سكان بلدة مجاورة
مدى التدمير غير معروف بسبب تعسر الوصول للبلدة
التطهير العرقي لقد تم تطهير البلدة عرقياً بالكامل
ملكية الارض الخلفية العرقية ملكية الارض/دونم
مساجد كان في البلدة بحد أدنى مسجد واحد
الحالة التعليمية البلدة كان فيها مدرسة للذكور اُسست في عام 1922.
في عام 1945 إلتحق في المدرسة 127 طالب
الأماكن الأثرية اراضي قرى سجد وجليا وأم كلخة وشحمة والمخيزن.
خرائط ذات صلة خرائط تفصيلية للمحافظة
نظرة من القمر الصناعي للبلدة
ساعدونا بتخطيط البلدة في موقع التخطيط الحر - WikiMapia
القرية قبل الإغتصاب (إقتباس من كتاب كي لا ننسى للدكتور وليد الخالدي)
كانت القرية مبنية في منطقة كثيرة التلال على الطرف الشرقي للسهل الساحلي الأوسط. وكان طريقان فرعيتان تصلانها بالطريق العام الممتد بين غزة وطريق الرملة- القدس العام؛ وكانت إحدى هاتين الطريقين تصل إلى محطة سكة وادي الصرار (على خط سكة الحديد الممتد بين الرملة والقدس) التي تبعد 3 كلم على خط مستقيم إلى الشمال. وقد روى رحالة أوروبي أنه مرّ بقزازة، في الستينات من القرن الماضي، وهو طريقه لتفحص تل مجاور لها. كانت القرية، ذات الشكل المستطيل الممتد على محور شمالي جنوبي، تنقسم إلى قسم شمالي وقسم أوسط (وهو أقدم أقسام القرية) وقسم جنوبي. وكانت منازلها، المبنية بالأسمنت والحجارة والطين، متجمهرة بعضها قرب بعض. وكان لسكان قزازة- المسلمين في معظمهم- مسجد، ولبعضهم دكاكين. وقد أُنشئت في قزازة مدرسة ابتدائية في سنة 1922. ثم أنشأ سكان قزازة وسجد وجليا مدرسة مشتركة للقرى الثلاث، كان يؤمها 127 تلميذاً وقت تأسيسها في سنة 1945. وكان اقتصاد القرية يعتمد على الزراعة البعلية، وقوامها الحبوب والخضروات والفاكهة. في 1944/1945، كان ما مجموعه 11757 دونماً مخصصاً للحبوب، و131 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين.
Page 7
إحتلال القرية وتطهيرها عرقيا (إقتباس من كتاب كي لا ننسى للدكتور وليد الخالدي)
أول هجوم دُوّن خبره وقع في الصباح الباكر من يوم 20 كانون الأول/ديسمبر 1947، بحسب ما جاء في تقارير الصحف. فبُعيد منتصف الليل اقتربت مجموعة من المهاجمين الصهيونيين من مشارف القرية، وأطلقت النار عليها. واستمر إطلاق النار متقطعاً ثلاث ساعات، ثم عقبه وابل من القنابل اليدوية. وذكرت صحيفة «فلسطين» أن سكان القرية ردوا على إطلاق النار بالمثل. وقدرت الشرطة البريطانية أن قروياً قتل في أثناء تبادل إطلاق النار، وأن اثنين آخرين جرحا، بينهما امرأة؛ وقالت الهاغاناه أن خسائر العرب «أكثر من هذا كثيراً». وقد حاولت الشرطة تعقّب المهاجمين، وفق ما ذكرت «نيويورك تايمز» لكنها أخفقت.
في 9-10 تموز/يوليو 1948، اجتاحت وحدات من لواء غفعاتي القرية في هجوم شُنّ مع نهاية الهدنة الأولى. وكان من الأهداف المعلنة لعملية أن- فار طرد أكثر من 20000 نسمة من سكان منطقة تمتد على شكل الهلال جنوبي الرملة. ويشير «تاريخ حرب الاستقلال» إلى «عمليات تطهير في مؤخر اللواء، لإزالة التهديد والخطر الماثل في وجود تجمعات سكنية عربية في مؤخر الجبهة». لكن المؤرخ الإسرائيلي بِني موريس يزعم أن طرد المدنيين طرداً مباشراً لم يكن ضرورياً، لأنهم كانوا يفرّون من تلقاء أنفسهم مع اقتراب الطوابير الإسرائيلية من قراهم. وقد هُجّر سكان قزازة، كغيرهم من سكان المنطقة، صوب منطقة الخليل في أرجح الظن. القرية اليوم يقع الموقع داخل منطقة عسكرية مغلقة.
المغتصبات الصهيونية على اراضي القرية
تقع مستعمرة تيروش، التي أُسست في سنة 1955، قريبة من موقع القرية، لكنها مبنية على أرض تابعة لقرية عجور المهدمة والواقعة في قضاء الخليل، خارج حدود قضاء الرملة. والموقع نفسه قاعدة عسكرية مسيجة، ومحظور دخولها.
لم يتذكر أحمد ابن الأربع سنوات من معالم قريته قزازة غير بعض الصور التي علقت في ذهنه، ربما تكون هذه الصورة حقيقية المشاهدة، أو ربما من تكرار وصفها والحديث عنها من والدته والتي طالما تتغنى بها وتتمنى العودة إليها، أطال الله في عمرها، فهي من مواليد عام 1913م، يتجاوز عمرها الآن الثامنة والتسعين، وما زالت تحدثنا بشغف شديد عن الجمل الذي كان لديهم، وعن البقرات والعنزات التي كانوا يحلبونها يوميا، ويصنعون من ألبانها الزبدة والسمنة والجبنة، يأكلون منها ويرسلون ما يزيد عن حاجتهم إلى الأقارب والجيران، بدون ثمن حيث كان الناس يعيشون حياة ألفة ومودة، تسود بينهم روح التكافل الاجتماعي، فلا تباغض ولا حسد كأنهم أسرة واحدة.
يتذكر أحمد ملامح هذا البيت الواسع الكبير (البايكة) من مخيلته ومما يتكرر سماعه من أهله وهم يتغنون بأمجادهم السابقة، فالبايكة - البيت الأساسي- يتكون من طبقتين، الطبقة السفلى للحيوانات مثل البقر والغنم وتخزين أعلاف هذه الحيوانات على مدار السنة من تبن وشعير (وكرسنة) وغيرها
أما الطابق الثاني فيرتفع بعض عتبات تنتهي (بالمصطبة)، وهي غرفة المعيشة ينام فيها جميع أفراد العائلة، وتستعمل كذلك للأكل والشرب، وتحيط بجوانبها الخوابي (جمع خابية) وهي مستودعات من الطين لحفظ الحبوب، تضاهي بعملها صوامع الغلال في العصر الحاضر، لكنها منزلية الصنع، منزلية الاستعمال.
Page 8
كانت ساحة ا لبيت الخارجية كبيرة، في جانب منه مناخ للجمل، وفي جانب مكان (للطابون) وهو فرن لعمل الخبز، وفي الجانب الآخر توجد (الحوطة) وهي حسب ما سمعت وعلمت من الوالدة ومن كثير من الأقارب وأهل البلد كانت أشبه بالمضافة هذه الأيام، بناء يرتفع أربع أو خمس درجات، مساحته كبيرة ومسقوف بالخشب والبوص وفوقه طبقة من الطين، جدرانه شبه مكشوفة وتبقى مفروشة باستمرار في الليل والنهار، بفرشات الصوف الوثيرة، وتزين جوانب المجلس المخدات المطرزة بالحرير، ويتوسطها كانون النار وعليه دلال القهوة وأباريق الشاي، ويجتمع بهذا الديوان آل وادي وبعض من أهالي القرية، ويستقبلون بها ضيوف آل وادي كذلك.
أما بوابة الدار وهي المدخل الرئيسي للبيت، فكانت كبيرة وواسعة، يدخل منها الجمل بما حمل، وذلك يدل على اتساعها ورحابتها، وكان يغلقه ليلا باب خشبي كبير ذو متاريس قوية.
كان والد أحمد رحمه الله من وجهاء قرية قزازة، ومن الرجال كبار السن فيها، وكان ميسور الحال نسبيا في ذلك الزمن، حيث كان يقوم بزراعة الدخان ويتاجر به، وكان هذا الصنف من الزراعة يدر عليه سيولة نقدية، جعلته في بحبوحة من العيش، وشجعته على تعدد الزوجات، فكانت والدتي – أطال الله في عمرها – الزوجة رقم أربعة بين زوجاته،عندما عاد أبي إلى البيت في أحد الأيام لم يجدها، فقد ذهبت إلى بيت والدها بسبب خلاف مع أخي الكبير عبد الله، ذهب لإرجاعها وتدخل أحد أخوالي وحاول أن يوغر صدره على ابنه الذكر الوحيد حتى ذلك التاريخ، ولم يرجعونها معه تلك الليلة.
لم يعد والدي إلى بيته تلك الليلة، إلا بعد أن مرَ على أحد أقاربه وخطب ابنته البكر وعمره يقارب الستين سنه وتزوجها في اليوم التالي لغياب والدتي عن البيت وكانت هذه هي الزوجة رقم خمسة بين نسائه. ماتت زوجته الأولى، وماتت زوجته الثانية، وطلق زوجته الثالثة، وكانت والدتي الزوجة رقم أربعة تزوجها وهي ابنة ثلاث عشرة سنة، وكان عمر والدي في الخامسة والخمسين، وعندما غضب من أحد أخوالي، أتبعها بالخامسة.
عادت أم أحمد إلى بيتها بعد أيام قليلة من زواجه بالأخرى ‘ فقد خشيت على ضياع بيتها الكبير، وهي أم البنين والبنات، ويضرب بها المثل في الحركة والنشاط والقيام بالأعمال المنزلية، فقد كان الزوج في تلك الأيام لا يستطيع أن يستغني عن زوجاته، ليقمن بخدمته وخدمة المنزل، فهي التي تنقل الماء من البئر على رأسها – بواسطة الجرار- جمع جرة وهي أواني من الفخار تحمل على الرأس، وهي التي تطبخ الطعام، وتغسل الثياب، وتحلب البقر والغنم، وتعجن وتخبز في الطابون، وهو موقد مصنوع من الطين، توقد النار بداخله، وله فوهة صغيرة من أعلى تغلق لحفظ درجة حرارة الفرن عالية، وتوضع بداخل الطابون حجارة ملساء نظيفة متوسطة الحجم تسمى (الرظف)، يوضع رغيف الخبز وهو عجين فوق الرظف بعد أن يكون قد احمر من شدة الحرارة، ويعمل هذا الرظف في العجين أشكالا مختلفة باختلاف أشكال وحجم الرظف الموضوع داخل الطابون، ويخرج رغيف الخبز من الطابون أحمرا مقرمشا (محمصا مكحمشا ومطعجا) حسب أشكال الرظف، ما ألذ طعمه، وما أحسن شكله، تأكل منه من غير أدام حتى تشبع، فكيف إذا كان حولك إنتاج الأرض الطيبة من الزبدة والسمن والعسل وزيت الزيتون والزعتر، ويكون كل ذلك من الناتج المحلي المدخر لطيلة أيام السنة، دون أن تكلف نفسك عذاب الذهاب إلى أي محل تجاري، أحِنُُ إلى طابون أمي وخبزها المقرمش المحمر.