Page 1
المقدمة
إن العصر الإسلامي في صدر الإسلام الذي دام نحو ثلاثة قرون، هو عصر الأمة الوسط، رغم كل ما يقال عن الصراعات السياسية والفتن، التي حدثت بعد عصر الشيخين، وعلى الرغم من أن هذه الصراعات حقيقة واقعة -مع إسقاط المبالغات المتعمدة التي دست بسبب الصراع الطائفي وغيره- فان الاقتصار عليها في عرض التاريخ، يعطي صورة غير حقيقية لذلك التاريخ .. صورة مشوهة تحاول أن تستعيض عن صور التاريخ المشرقة العديدة بصورة واحدة قاتمة ومتعسفة أحيانا، وهذا ما حاول خصوم الإسلام أن يوهموا به المسلمين، ليبنوا لهم منهجاً خاصاً في كتابة التاريخ، مستبعدين -عن قصد- بقية مجالات الحياة الإسلامية: العقدية والفكرية والحضارية والعلمية والاجتماعية وغيرها. ورغم كل ذلك فان العصر الإسلامي الأول قد تميز بميزات أساسية، ينبغي الوقوف عندها، أهمها وحدة العقيدة والتصور الإسلامي، لمسلمي ذلك العصر، ووحدة التراث، ووحدة المرجعيات والأئمة والمجتهدين الأوائل، فضلا عن عظمة دولة الإسلام التي امتدت من الصين شرقاً حتى المحيط الأطلسي غرباً، والتطور الحضاري والرخاء الاقتصادي الذي صحب ذلك، فكان المسلمون قادة العالم وسادته لقرون عديدة..
تلك هي أهم المميزات التي اصطبغ بها هذا العصر المبارك، رغم ذلك التنافس السياسي إذ أن الخلاف حول الحكم وأسلوبه لم يكن ليؤثر على معتقد من انتمى إلى هذه الفرقة أو تلك، فكان رموز ذلك العصر ورجاله وأبرزهم الصحابة وأهل البيت وأبناؤهم ومشاهير علماء التابعين وأئمة المذاهب، هم مراجع مشتركة للتيارات السياسية التي نشأت فيما بعد، ولم يشذ عن ذلك إلا فرق الغلو والتطرف والطائفية، كغلاة الروافض والخوارج وتيارات السبئية والمزدكية والباطنية وأمثالها. أما المدارس والتيارات التي شكلت فيما بعد المذاهب السنية والإمامية والزيدية، فكانت تنتمي بشكل أو بآخر إلى ابرز رجالات ذلك العصر وتتبعهم، وان اختلفوا في بعض التفسيرات والروايات الواردة عنهم. لذا فيمكننا أن نقول من دون مجازفة إن تلك المرحلة هي بحق امتداد لعصر النور والقرآن، عصر النبوة الزاهر، وكان تراث تلك الحقبة هو التراث الإسلامي المبارك الذي حفظه الصحابة وأهل البيت وتابعوهم وجمعوه ودونوه بأمانة ودقة، كما حفظ القرآن الكريم في عصر الصحابة ودون بدقة وتواتر ليس له مثيل.. فجمع واستقر في عصر عثمان . وبحفظ الكتاب والسنة،
Page 2
يتحقق وعد الله سبحانه بقوله:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}( ). وقد فسر بعض العلماء الذكر في الآية، بأنه ليس القرآن وحده، وإنما معه السنة الشريفة، إذ يتم بها فهمه وشرحه وتفسيره وحفظه. إذن يمكننا الاطمئنان إلى تراث الإسلام الصحيح الذي دوّن وجُمع في ذلك العصر المنير، أما العصور التي تلت ذلك العصر، وبعد أن بدأت الفرقة والخصومة والتناحر وعقائد الغلو تدب بين المسلمين، فان الأخذ من تراث تلك العصور ومن مروياتها من دون تحفظ فيه نظر، وينبغي إن تعرض تلك المرويات للنقد والتمحيص سواء المرويات الدينية أم التاريخية، لاسيما بعد أن أصبح لتيارات الغلو والشعوبية شأن في حياة المسلمين وأصبحوا هم أصحاب الأمر والنهي، بعد انتشار أفكار المعتزلة والباطنيين وتشويه التاريخ ورجاله في العصر العباسي الثاني وما تلاه.
ولقد تميز ذلك العصر أيضا، بقوة الأواصر الطيبة والوشائج التي كانت تتسم بها حياة المسلمين وعلى رأسهم أهل البيت والصحابة والتابعون لهم، فكانت أواصر النسب والمصاهرة لإفراد ذلك العصر وقبائلهم وشعوبهم متداخلة، فضلاً عن الأخوة ووحدة العقيدة والجهاد المشترك الذي كان من ثماره إن فتح العالم أبوابه لنور الإسلام.. إن تلك الصورة المشرقة تؤكد التلاحم بين القبائل والأسر والأفراد الذين قادوا دولة الإسلام ونشروا رسالته ومن بينهم العباسيون والعلويون والأمويون وغيرهم، وكانت صلة الرحم والتردد على الخلفاء، سواء للنصح أو المواصلة، مما يميز العلاقة بين رجال ذلك العصر رغم وجود نوع من الصراع والتنافس على الحكم أحيانا( ).
في الحقيقة إن العودة إلى ذلك العصر المشترك وتراثه يمكن أن يكون مدخلاً مناسباً لإزالة الفرقة والطائفية بين المسلمين، وصولاً إلى الوحدة الحقة بين فرق المسلمين سواء المعتدلة منها أو المغالية بعد أن تترك غلوها وتعصبها وتبحث في تراثها عن المنهج الأصيل الذي يعود إلى ذلك العصر ورجاله العظام. ولذلك فلابد من التعرف على خصائص امة القرآن في عصر الرسالة قبل استعراض دور الأمة الوسط في حياة المسلمين. إن مجتمع الصحابة في عصر الرسالة لم يكن مجتمعاً ملائكياً خالياً من المشاكل والأخطاء والاختلاف.. لكنه تميز عن غيره في كيفية مواجهة تلك الأخطاء أو الفتن، بعمق إيمانه برسالته، فكانت آيات القرآن حين تنزل على قلب النبي تكون واقعاً يحيا بظلها المجتمع
Page 3
كله، وكال الهدي النبوي مكملاً لتعاليم القرآن في غرس العقيدة القرآنية في النفوس المؤمنة التي أحاطت بقائدها ونبيها . وكان مجتمع الصحابة امة تحيى بنور القران فيبصرهم هذا النور بعيوبهم وبما ينبغي القيام به لتلافي الاختلاف والأخطاء والمشاكل التي واجهتهم في بناء دولة الإسلام الأولى بقيادة النبي . وفي السيرة العديد من الصور والأحداث التي ألهمت الأمة الكثير من الدروس والعبر، كما حدث في قضية أسرى بدر، وفي معركة احد وقد عرض القرآن الكريم تفاصيل المعركة وأسباب الهزيمة في سورة آل عمران لتلافيها وتعليم المسلمين من خلال الأخطاء التي وقعت، وكذلك قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، ومحنة آلافك وأثرها الاجتماعي الخطير، وقد فضح القران عصبة النفاق وأثرهم الإعلامي السلبي في المجتمع الإسلامي( )، وقصة تقسيم الغنائم بعد حنين، وغيرها من الأحداث التي شهدت اختلافاً في وجهات النظر أو الاعتراض على موقف معين. وقد كانت تعاليم القرآن ومبادئه هي المرجع والفيصل في الحكم فيما يحدث بين المسلمين، امتثالا لقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما}( ) وقد استمر هذا المنهج القرآني في استلهام تعاليم القران والهدي النبوي بعد عصر الصحابة حتى العصر العباسي، في مواجهة أي اختلاف أو صراع أو فتنة، سواء في اختيار الخلفاء في العصر الراشد أو حروب الفتح الإسلامي وغيرها من الأحداث الكبيرة التي واجهها المجتمع الإسلامي، فكان ملاذهم دائماً هدي القرآن والسنة.
ولقد امتازت امة القران في عصر الرسالة بخصائص عديدة وفريدة بين بقية الأمم، جعلتها أهلا للخيرية.. قال تعالى: {كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}( ) فقيد سبحانه الخيرية لأمة القرآن في أي زمان ومكان بشرط القيام بأعباء الرسالة الخاتمة التي بلغها الرسول الخاتم ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، انه تشريف وتكليف، تشريف بالخيرية وتكليف بالرسالة وتحمل الأمانة الكبرى، تلك هي خلافة الأرض وإرشاد البشر إلى الهدى ودين الحق، وحين تفقد هذه الأمة رسالتها أو تتركها، تفقد -حينئذ- خيريتها أيضاً. ومن مميزاتها أيضا إن تكون
Page 4
شاهدة على أمم العالم هادية لهم نحو الحق والنور، قال تعالى: {وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}( ). فهذه الأمة حين تعي رسالتها ودورها بين الأمم تكون شاهدة عليهم أمام الله سبحانه، ويكون الرسول شهيداً عليها وعلى مدى تحملها للأمانة ومدى صحة العقيدة الربانية التي تحملها، وتلك هي من المعالم الرئيسة للأمة الوسط.
ومن الخصائص البارزة الأخرى لأمة الـقرآن الـتي نلمـس أثارهـا في الكتاب والسنة وسيرة المصطفى وحياة الصحابة هي:الربانية..الإتباع..الوسطية..الايجابية..العزة الإيمانية..
وتشتمل الربانية على: التوحيد والإخلاص والعلم والإحسان والتجرد والزهد وبقية الصفات التي تنضوي تحت مفهوم الربانية. قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}( ).
والإتباع: أن يكون القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، وان يفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات. قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا}( ) وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين}( ). ومقتضى الإتباع أيضا: العبودية والتسليم والطاعة .
أما الوسطية فتقتضي: حمل الرسالة والأمانة، وخلافة الأرض، والشهادة على الناس والدعوة إلى السلام والمحبة والخير والبعد عن الغلو والتطرف والخصومة والتعصب .. قال تعالى: {وكذلك جعلناكم امة وسطا ..} وقال تعالى: {ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}( ). ومنهج الإسلام بطبيعته منهج وسط بين العدل والرحمة، بين الإفراط والتفريط، بين الروح والجسد وبين العقل والغيب .. والوسطية ضد الغلو الذي جنح إليه الإنسان في تاريخه الطويل حين كان بعيداً عن هدى الله ونوره فغلب على تفكيره ومعتقده الزيغ والانحراف، بدافع الهوى والتعصب والتقليد الأعمى، فالإنسان حين يكون بعيداً عن الله يكون ضحية التعصب والغلو والإعراض عن المنهج الصحيح وعن إدراك علة وجوده ودوره في خلافة الأرض وتقتضي الوسطية أيضا: التوازن والشمول والواقعية والتكامل ..( ).
Page 5
أما الايجابية التي اتصف بها المجتمع الإسلامي في عصر الرسالة وما بعده، فمن مظاهرها: الجدية والحركية، ومن أبرز صورها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقتضى الايجابية في حياة الأمة أيضا: الدعوة إلى الخير والحق، والعمل المتواصل، والجهاد والتضحية والثبات والأخوة وغيرها من الصفات المأثورة في حياة المسلمين.
أما العزة التي هي سمة المؤمن وشعاره فقد وصف الله سبحانه جيل الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل الإيمان بالعلو والعزة، فقال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}( ).. وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون}( ) . ويؤكد القرآن الكريم أن العزة للمؤمنين مهما تجبر الباطل وأحكمت قوى الطاغوت سيطرتها على الأرض، فالمسلمون أعزة على الكافرين أذلة فيما بينهم، ودينهم وشرعتهم ومنهجهم هو المنهج الرباني الأصيل المهيمن على بقية المناهج والشرائع والأديان والكتب، ولهذه الأمة العزة بين الأمم لأنها أيضا امة الرسالة الخاتمة، وهي خير امة أخرجت للناس مادامت تؤدي رسالتها -هذه- بين الأمم.. وتاريخ امة القران ليس تاريخها السياسي حسب، كما انه ليس تاريخ الدولة الأموية أو العباسية أو دولة المماليك أو الدولة العثمانية أو الصفوية.. إنما هو -دائماً- تاريخ (الأمة الإسلامية) ومعياره الدائم: مدى قيام هذه الأمة برسالتها، هل كانت مؤدية لواجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترسيخ قواعد الإيمان بالله ؟.. أم إنها متقاعسة عنها، ناكلة عن مقتضياتها ..( ). لقد كانت امة القرآن في عصر الرسالة وما بعده، قائمة بواجبها مؤدية لرسالتها أحسن قيام حتى استطاع الأعداء إضعافها وإبعادها عن رسالتها شيئاً فشيئاً، فظهر الغلو وانتشرت البدع والمستحدثات والأفكار الدخيلة، وتآمر الأعداء على تمزيقها وإسقاطها والتخطيط لإفساد عقيدتها الأصيلة. فكانت المجوسية واليهودية والرومية قد انبتت ما انبتت في جسم الأمة ما يبث السم الزعاف ويولد الفتن والاضطراب، وقد تفاقم هذا الخطر بعد العصر البويهي (في القرن الرابع الهجري وما بعده).
ومن خلال استلهام مميزات وخصائص امة القرآن يأتي دور الأمة الوسط في الوقوف بوجه الغلو والتعصب، وعلاج الطائفية التي تعصف بالمسلمين اليوم، وهنا يأتي دور التصور المعتدل المستمد من تعاليم القران الكريم والسنة المطهرة والتراث الصادق لرجال ذلك العصر من أهل البيت والصحابة وأبنائهم والتابعين لهم بإحسان..
Page 6
ولكي نحيط بمواصفات وخصائص عصر صدر الإسلام، لابد من فرز الإمراض الاجتماعية والآثار الجانبية التي وجدت في المجتمع الإسلامي منذ عصر الرسالة حتى العهود المتأخرة من تاريخ الإسلام، وسنحاول الإشارة إلى تلك الآفات والعلل قبل الكلام عن آلية المنهج الوسط وسبل التقريب بين المسلمين، من خلال استلهام مبادئ القرآن وإتباع عقيدة العصر المشترك التي فهمها السلف الصالح مستمدة من القرآن والسنة بعيداً عن البدع والمستحدثات. وسنحاول استعراض مدارس التقريب والجهود التي بذلت قديماً وحديثاً لعلاج الطائفية والخصومة، والتي استحكمت بين المسلمين، والتي سببت الحروب والمآسي والأحقاد، مما أورثنا تلك الخصومة حتى أصبح الابن يرث أباه ويرضع الحقد والكره بسبب آلية الغلو والتطرف التي يتلقاها منذ نعومة أظفاره في المنهج التربوي التقليدي الذي ورثه الآباء عن الأجداد، حتى أصبح سب كبار الصحابة ولعنهم عبادة في نظر البعض، وإهمال تراث أهل البيت شيئاً مألوفاً عند البعض أيضا، مما ولّد شيئاً من الحيرة والأسى لدى دعاة المنهج الوسط لدى الطرفين، ولم يكن لديهم حل سوى نبذ تلك المكفرات والمستحدثات الدخيلة على التراث والعودة إلى النبع الصافي ممثلاً بالوحي والتراث الإسلامي المشترك الذي كتب ودون في صدر الإسلام وقرونه الأولى. ولهذا سنستهل هذا البحث بنبذة تاريخية عن الأحداث المهمة خلال تلك القرون ومحاولة استقرائها وتحليلها للوقوف على أسباب الفرقة بين المسلمين وتبلور الطائفية مرضاً مزمناً في المجتمع الإسلامي، إذ انه لابد من استعراض أهم الأحداث التاريخية والسياسية في صدر الإسلام، وتسليط الضوء على الخروج السياسي والتنافس على الحكم في العصر الأموي والعباسي لتحليل الأسباب الكامنة وراء الطائفية، وعلاقة ذلك بتيارات الغلو والتآمر على الإسلام. وقد اشرنا إلى أهم الأحداث التي شهدتها دولة الخلافة الإسلامية، منذ عصر الخلافة الراشدة حتى العصر العباسي الثاني وبإيجاز لاستحضار تلك الإحداث في فهم التاريخ الإسلامي وأسباب الفرقة والاختلاف، ومن ثم تسليط الضوء على أهم الجهود المبذولة لعلاج الطائفية وسبل التقريب، وأخيرا الدعوة إلى آلية المنهج الرباني الذي يدعو إليه القرآن الكريم، آلية الوسطية والاعتدال والتصحيح والتقريب للوصول بالمسلمين إلى طريق الوحدة والتعايش البناء، قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}..
والله الهادي إلى سواء السبيل .
Page 7
نبذة تاريخية عن الأحداث السياسية في العصر المشترك
يمكن أن نقسم العصور التي مر بها المسلمون، من ناحية علاقتها بنشوء وتطور الطائفية إلى أربعة عصور، ويؤيد العديد من المؤرخين والكتاب هذا التوجه أو قريباً منه، أمثال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية) والدكتور علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) وغيرهم، فرغم نشوء الخلاف والفتنة بعد مقتل عثمان وظهور التشيع بنوعيه العلوي والأموي وظهور الخوارج في أواخر عهد الخلافة الراشدة إلا إن هذا التحزب والتصارع كان في أغلبه سياسي الطابع ولا يتعدى مسألة الخلافة، وأحقية هذا الخليفة أو ذاك. وكذلك نشوء الغلو والتيارات الباطنية والسبئية والشعوبية، ورَدَّ فعل لذلك ظهور الدعوات العرقية والقبلية، فقد تكونت بشكلها البسيط في خلافة علي، ثم تطورت بشكل تدريجي يؤججها التنافس السياسي على الحكم سواء بين بيوت قريش العربية أو بيوت العجم ودعاة المجد الشعوبي الدفين. كما ظهرت مدرسة الاعتزال في أواخر العهد الأموي، ولكن الافتراق والتطور العقدي الهائل قد تبلور بعد نهاية العصر العباسي الأول، وظهور مصطلح أهل السنة والجماعة في عصر المتوكل العباسي في مقابل أهل البدع والرفض والاعتزال، وقد ظل أئمة أهل البيت وأبناء الصحابة في عصر التابعين وتابعيهم من ابرز من حارب البدع والغلو والخصومة بين المسلمين، وكان جميع الأئمة والمجتهدين والمحدثين وإتباعهم -حتى ذلك العهد- يمثلون تياراً واحداً بضمنهم من تشيع لأهل البيت سواء العلوي أم العباسي أم من تشيع لبني أمية. فكانت الوحدة الفكرية ووحدة العقيدة من أهم مميزات العصر المشترك، ويمكن تحديد هذه العصور الأربعة بما يأتي:-
1- العصر الإسلامي المشترك ويمتد من عصر الرسالة حتى نهاية العصر العباسي الأول.
2 - عصر الافتراق ويمتد منذ مطلع العصر العباسي الثاني حتى سقوط بغداد سنة 656 هـ.
3- عصر الطائفية ويمتد من سقوط بغداد إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.
4- عصر الصحوة الإسلامية والتقريب، ويمتد بعد سقوط الخلافة العثمانية حتى اليوم.
Page 8
ولابد من تقديم نبذة تاريخية مختصرة واستعراض لأهم الأحداث السياسية في العصر الإسلامي المشترك وما بعده، ليتضح موقف أعلام أهل البيت والصحابة وأبنائهم من تلك الفتن والصراعات السياسية، وتسليط الضوء أيضا على من يقف وراءها من التيارات الخفية المعادية للإسلام والتي كانت تمثل في تلك الفترة مثلث (المجوس- اليهود- الروم). وكان من ابرز آثارها على الساحة الإسلامية في صدر الإسلام، مقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين غيلةً. وظهور أفكار الغلو والتطرف والشعوبية سواء باتجاه تقديس بعض رجال أهل البيت أو سب الصحابة، ونشر العقائد والأفكار المستحدثة والدخيلة على عقيدة أهل البيت والصحابة والسلف الصالح. ومن خلال استقراء تلك الأحداث التي شهدها التاريخ الإسلامي خلال القرون الثلاثة الأولى، يظهر للقارئ الكثير من الحقائق التي حاول الغلاة طمسها وإبعادها وإبدالها بالكثير من الروايات والأحداث التي دست بقصد الإساءة وتشويه أفضل حقبة عاشها المسلمون وعاشتها البشرية في تاريخها الطويل، وأنى لهم ذلك وقد تكفل الله سبحانه حفظ هذا الدين وعقيدته: {يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}( ).
وقد اعتمد في تحرير أحداث هذه النبذة على المصادر التاريخية المعتمدة والأصيلة، وفي مقدمتها تاريخ الرسل والملوك/ للإمام محمد بن جرير الطبري، والبداية والنهاية/ للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، إضافة إلى مصادر متفرقة أخرى، وتم تبويب واستعراض الأحداث حسب السنة الهجرية وما جرى فيها من حوادث مهمة تدور حول الخروج على الخلفاء والمقاتل وولادة الرموز والمشاهير والحكام ووفاتهم والأحداث الأخرى الهامة، فيما يخص موضوعنا( )، وقد حاولنا الاختصار وتسليط الضوء على الجانب السياسي بشكل خاص -كما هو مبين أدناه- ليظهر جلياً أمام القارئ: إن التاريخ فيه الكثير من المآسي والعبر، وإن الحكيم هو من يعتبر والأحمق هو الذي يجتر التاريخ ومآسيه وفتنه..:-
Page 9
1- العصر الإسلامي المشترك:
سنة 53 ق.هـ
- ولادة النبي : 12 ربيع الأول (عام الفيل).
أ- عصر الخلافة الراشدة
سنة 11 هـ
- وفاة النبي : 12 ربيع الأول في السنة الحادية عشرة من الهجرة النبوية المباركة.
- حروب الردة: كان مسيلمة في اليمامة والأسود العنسي في اليمن ومن معهما قد ارتدوا في حياة الرسول ، وقد ارتد الكثير من عرب الجزيرة بعد وفاة النبي ، وثبت أهل مكة والمدينة والطائف، وهي المدن الرئيسة الثلاث التي أسس فيها النبي قاعدته الصلبة وكان منها معظم الصحابة، وقد حارب الخليفة الأول أبو بكر الصديق هؤلاء المرتدين، وانتصر عليهم انتصاراً حاسماً، وقتل الصحابة رؤوس الردة وأبرزهم مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي، بعد حروب عنيفة وتضحيات كبيرة استشهد فيها الكثير من الصحابة ولاسيما في معركة اليمامة التي حدثت سنة 12هـ بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة وزيد بن الخطاب، وقد قتل في هذه المعركة مسيلمة وأتباعه وبالقضاء عليه تم القضاء على اكبر معاقل الردة.
سنة 13 هـ
- وفاة الخليفة أبي بكر الصديق: 21 جمادى الآخرة.
Page 10
- وقعة اليرموك: كانت بين المسلمين والروم، وقعت أواخر خلافة أبي بكر الصديق سنة 13 هـ، وقد جعل الخليفة أبو بكر خالد بن الوليد قائداً على جيش الشام بدل أبي عبيدة بن الجراح لما رأى من قدرته العسكرية الفذة في حرب المرتدين، فجاء خالد من العراق إلى الشام عابراً الصحراء، وعند وصوله تسلم أمرة الجيش والتحم مع الروم واستطاع أن يهزمهم في اليرموك جنوب الأردن، وكان تعداد جيش المسلمين 46 ألف مقاتل، وجيش الروم 200 ألف مقاتل، وقد شارك في هذه المعركة حوالي ألف من أصحاب رسول الله ، منهم مئة من أهل بدر وعلى رأسهم أبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام وهاشم بن عتبه بن أبي وقاص وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن مسعود ويزيد بن أبي سفيان وأبوه (أبو سفيان) وعكرمة بن أبي جهل وابنه عمرو وضرار بن الأزور وخالد بن سعيد بن العاص ومعاذ بن جبل والقعقاع بن عمرو التميمي وأبو هريرة وعبادة بن الصامت وعمرو بن العاص والحارث بن هشام وغيرهم. أما جيش الروم فكان يقوده شقيق هرقل قائد الروم الذي كان في حمص يتابع أحداث المعركة، وقد قتل شقيق هرقل هذا في المعركة، ومن قادة الروم أيضاً الفيقار، ومقدم عسكر الروم جرجة الذي دعاه خالد للإسلام فاسلم بعدما رأى النصر الإلهي رغم عدم تكافؤ الجيشين ورأى إيمان وبطولة الصحابة والجيش الإسلامي فآمن( )، وبعد المعركة جاء خبر نعي الخليفة أبي بكر وتأمير عمر.
- وقعة أجنادين: حدثت بعد معركة اليرموك وفي خلافة عمر بن الخطاب سنة 13 هـ، وقد أمر الخليفة عمر بإعادة تأمير أبي عبيدة على الجيش، بدلاً من خالد. وكان الخليفة يريد أن يبين للمسلمين أن النصر من عند الله وليس من أحد غيره، وسلم خالد القيادة من جديد لأميره أبي عبيدة دون أي حرج واخذ مكانه كأحد جنود المسلمين.
وكان أبو عبيدة قد كلف عمرو بن العاص بقيادة الجيش يساعده شرحبيل بن حسنة وعبد الله بن عمرو وجنادة بن تميم وعكرمة بن أبي جهل، وتم في هذه المعركة فتح أجنادين وبعدها استطاع المسلمون طرد الروم نهائياً من بلاد الشام وفتح بيت المقدس، إذ جاء الخليفة عمر بنفسه لاستلام مفاتيح المدينة فاتحاً لها، فأمن لأهلها حياتهم ودينهم وأموالهم، ففرحت بلاد الشام ومدينة القدس بزيارة هذا الفاتح العظيم واستقبل أهل الشام الدين الجديد ونور الإسلام بغبطة وسرور، وقد قتل في هذه المعركة عدد من المسلمين منهم عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وطليب بن عمير (أمه أروى بنت عبد المطلب)( ).