Page 1
هدية عنصرية
أنا زوج حذاء رجالي، مقاس 42، ومشكلتي بدأت في مساء الأحد الموافق الأول من ابريل 97 أي قبل ثلاثة أعوام، فقد كنت قبل هذا التاريخ، ممتلئ الوجنات، ولين البطن والظهر، وتمشط شعري سيور جميلة، وأقطن فترينة هادئة، في شارع الجمهورية، لا يعكر صفوي سوى ضوء كاشف قوي مسلط نحو وجهي، وورقة سميكة كُتب عليها أنني حديث الوصول إلى هذه الفترينة، إلى هذه الزنزانة، وبخط أسود عريض السعر 210 ألف جنية، وإن كان لا يرضي غروري، ولكنه لا يسمح لأصحاب الأرجل الخشنة المتسخة من شرائي، وامتطائي في أعمالهم الشاقة ومشاويرهم الطويلة، واستغراقهم أثناء سيرهم في مشاكلهم اليومية الوافرة مما يعرضني للانغمار حتى سيوري في البرك، والاصطدام بالحصى والبعر وعلب الصلصة، وذلك لأن هذه الأرجل الكريهة الرائحة لا تقطن إلا هذه الأحياء ذات الأزقة الضيقة المتسخة بالوحل والطلاق والمشاجرات، والتي تخلو من التعبيد والتخطيط، والتي لا محال ستنتهك حقي الطبيعي في الأمن والسلامة·
هذا ناهيك عن الرطوبة التي ستتغلغل في عظامي بفضل عرق أرجلهم المشققة، والتي تحشر بداخلي بلا رحمة أو جوارب، مما يعرضني للترهل والشيخوخة المبكرة، ولن تفلح معها كل محاولات أطباء التجميل، من ماسحي الأحذية في صبغ تجاعيدي، وإبراز مواطن فتنتي، وتزييني لمواعيد غرامية، مع أرجل تمتطي زوج أحذية نسائية، طويلة وضامرة الذيل، له وقع خاص على الإسفلت يثيرني، كما يثير الأرجل التي تمتطيني·
وقبل أن أسمعكم أنين آلامي المبرح، أحب أن أرجع بكم إلى قهقهة طفولتي السعيدة، أي قبل أن تنغرس في بطني الأسود القوي أي شوكة حادة أو مسمار، وقبل أن تحشر بداخلي رجل بني آدم وتحطم أسطورة أيماني العميق بذاتي، وبأني مجرد شمعة تحرق رأسها الغالي حتى يعد بني آدم على ضوئها المحتضر طعامه، ويتصفح جريدته، ويتأمل وجه زوجته المتعب، ويتحسس موقع نعاله الحزين، وهي عاجزة تتفرج على جسدها الفاني، كما تتفرج الشجرة على أغصانها الأليفة وهي تتهاوى صرعى بفأس بني آدم، وليس في أغصانها الخضراء غصة الثأر، وإلا لاحتوته كما تحتوي أذرع الأخطبوط أضحيتها، فتعصره كالليمون بأحشائها، فيغدو كتلة عجين من لحم وعظم ودم، بلا يد تحمل الفأس، أو أرجل دميمة الأصابع والرائحة تحشر بداخلي، كما تحشر إبرة حقنة البنسلين في صلب الطفل·
Page 2
وللحق حين تمت ولادتي فيالمصنع الحديث للمنتجات الجلدية لم أكن أعرف مصيري والغاية من خلقي، وإن كانت نفسي تنطوي على حلم غريب، وبأني شيء نفيس وكيان مطلق، حر ومستقل، ولم أر أرجل بني آدم حينها مطلقاً، فتم خلقي من جلد الماعز والضأن والبلاستيك، وقد خلق بطني من بلاستيك سميك، ولم أكن حينها على علم بما يضمره خالقي من سماكة بطني، ثم زخرف بطني حتى تكون خشنة ثم طبع عليها طولي ووطن ميلادي، ثم لفت حوافي بجلد ناعم ورقيق، ثم مشط شعري بسيور جميلة، وكنت سعيداً بشعري الطويل الحر، حتى جاءت شاحنة ضخمة، فوضعنا في كراتين على ظهرها، ومعي كمية كبيرة من شنط وحقائب وأحزمة وكتاين ساعات إلى معرض المنتجات الجلدية بشارع الجمهورية· وحين وقع الاختيار عليّ لوضعي كنموذج لإخواني في زجاج الفترينة، كنت أبحلق بذهول في بني آدم، وهم يتجولون حولي، ويقفون كثيراً، وكان زجاج الفترينة يحرمني من سماع كلامهم، ولم أتخيل ما يدور بخلدهم، ولكني لم أر بين المتجولين من يضع على رأسه حذاء أو يحمله كالحقيبة في يده أو يلفه حول معصمه مثل كتينة الساعة، وحينها أدركت المأساة، ورثيت لإخواني المساجين في الكراتين وهم لا يعلمون مصيرهم البائس، ولا يحق لنا المطالبة أو حتى مجرد الحلم بأن نكون على الرأس مثل الكاب، أو حول خصور النساء كالأحزمة، أو في الأيدي مثل كتاين الساعات والأسورة، وبأننا لم نخلق إلا للوطء والدوس· وحقاً لماذا لا يولد بني آدم وأحذيتهم بأطراف أرجلهم مثل حوافر الحمير، وأظلاف الماعز، ونُكفى شرهم، وكأنهم طردوا من جنة الرحم قبل نضوج حوافرهم، فأخفوا عاهتهم بانتعال الحذاء، طوبى للأحذية في بطون الحوامل، فهي عذراء وملساء من أرجل الأجنة وبطش المسامير، فلم أسمع كشكشة صندوق الإسكافي تتسلل من بطن الحامل، فالطبيب يذهب حيث يكون المرضى، وكفى الله أرجل الجنين شر الترحال في سبيل القوت، أم ضرب على بني آدم السعي في فجاج الأرض لجهلهم بمواقع خزائن الله وأسراره، فالموتى ينعمون بحياة رغيدة في جوف القبر، بلا حذاء أو ماء أو نور أو سلطان· ما أشد فقر بني آدم، فذاته لا تكفيه، وكأنه ولد ناقصاً، لم لا يكون مثل شجرة النيم، في قوتها وصبرها وموتها، فهي لم تخط في حياتها خطوة واحدة من مسقط رأسها وحتى حتفها، ولم تجر بدمها الأخضر غريزة الترحال، ومع هذا، عاشت طويلاً، فنبتت برعماً طرياً، ثم أورقت وأزهرت وأثمرت، وتمتعت جذورها بمص طين الأرض الطيب، وحين تموت، تموت واقفة، وكأنها تسخر من الفناءانتصب حتى تسقط بصورة أفضل، أما بني آدم يحتاج للسكين والحذاء والبطانية والكتب والنبوءات والنور حتى يقضي وطره السرمدي·
Page 3
وكما قلت، بدأت مشكلتي مساء ذلك اليوم المشؤوم، فقد كنت أمني نفسي، وسعري الباهظ الذي يتصدر الفترينة يشجع على ذلك، بأن تمتطيني أرجل ناعمة، سعيدة، وبأن أرتاح خلال الأسبوع، أكثر من مرة، وأنام في الدولاب مع قبيلة من إخوتي، نشكو رق الأرجل، ونبكي ونغني معاً، فقد كنت أتخيل، موقعي في رف الدولاب، وفي معيتي سفنجة الحمام، وصندل المطبخ، وحذاء كرة القدم، وآخر للتزحلق، والركض، وجزم أخرى متعددة الوظائف، والمهمات، أي عالم يؤنسني ونتسلى بقصص حكاياتنا المختلفة، والمشاوير التي سلكناها، ولكن تبخرت هذه الأحلام الوردية، وحقاً من كتبت عليه خطى مشاها، ففي ذلك اليوم، اقتربت من فترينتي رجل ناعمة، ورأيت بأم عيني، شكل ونوع الحذاء الذي سوف أشاركه العمل والسير، فقد فوجئت بأنه حذاء أنثوي، فيا خيبة المسعى، هل رأت الأنوثة في وجهي· يقال بأن الإذعان يفرز هرمونات الأنوثة، إنه حبس الفترينة، أم أنها امرأة مسترجلة ؟ لقد ذهبت أحلامي أدراج الرياح، ولكن هل للحذاء أن يحلم بأن يكون كالتاج فوق الرؤوس ؟، وما الكرامة إن كان فوق ظهرك مهندس أو حطاب أو مومس، وهاهو القدر يمد لسانه أمامي هذراً، تموت الأسود في الغابات جوعاً، وحذاء العمدة تمتطيه الحسان، كي أحمل على ظهري خصراً نحيلاً وصدراً مائعاً، وأتلوى كالثعبان في حلقات الرقص·
فتم وضعي في تابوت من الكرتون ولفي بكفن من ورق فضي اللون· انتابني شعور خفي بالحزن، فقد ظللت لمدة ثلاثة أيام وأنا محبوس بمؤخرة السيارة، والحذاء كالريح إذا سكن مات، وفي اليوم الرابع، سارت السيارة في طريقها المعهود المعبد ولمدة طويلة، ثم انحرفت لطريق آخر، ودخلنا في طريق ملتوٍ، ثم توقفت السيارة، وأخذتني برفق، ثم سارت وهي تتموج غنجاً، ثم ألصقت على ظهر ضريحي الكرتوني ورقة، وكتبت عليهاحبيبي، أتمنى لك ألف شمعة، وحتى نسير معاً إلى غروب الحياة، أهديك هذا الحذاء القوي، ثم أهدتني لشاب طويل، فنظرت للأسفل، ورأيت بأم عيني، شكل ونوع الحذاء الذي سوف أشاركه العمل والسير، فقد كان بني اللون، وسليم الحواف، وأملس الوجه، وهذا ما يؤكد بأن صاحبه رجل مستقيم ومتزن الخطوات، كما أن وجه الحذاء الأملس يدل بأن صاحبه ليس من هواة نظرية الاحتمالات، وبئس النظرية، والتي تقوم على ضرب الحصى بقوة بجبهة الحذاءآاخ وتصويبها لهدف معين، وتكون إصابة الهدف معناها توفيق الرجل في مشوارها، والفشل يعني مزيداً من ركل الحصى على صفحات وجهي، هكذا صرت أنا عربون هيام بشري، ولكن ما الضير في ذلك، فسيعاملني برفق، فأنا من مناسك المحبوب· وبالفعل، عشت فترة ذهبية، كنت قليل التجوال، وفي معية حذاء أنثوي ساحر الطرف والذيل، كنا نمشي كثيرا، وكثيرا ما واجهته برأسي، وخاصة على ضفاف النهر، وفي الغابات المظلمة، ولقد لاحظت خفة وزن بني آدم حين يسير مع المحبوب، إنه يكاد يكون بلا وزن، وكأن روحه الثملة قد أفنت ثقل جسده، فيغدو واهناً، وكأنه يسير على القمر، مثل رواد الفضاء· كان يعاملني وكأنني جارحة من جوارح المحبوب، كنت أثير فيه جوى عميقاً، ففي رؤيتي تنبعث ظلال المحبوب، فقد كنت حذاء المحبة والتيتم، ولا أخفي سراً عليكم بأنه كان في خلواته كثيراً ما يقبلني، ويضمني برفق إلى صدره، حتى شككت في أمري، هل تشابه البقر عليه ؟ اللهم أرني الأشياء كما يراها المحبون !!
Page 4
كنت أشك في عقل بني آدم، هل يرى في جلدي المدبوغ أي أثر من حبيبته؟، كما أني نلت من التقديس والاهتمام ما أثار غيرة كل الأحذية بالدار، فأنا الوحيد الذي كنت أستمتع بنعمة وسحر السير مع حذاء ضامر الذيل، حلو الخطو، إيقاعه يفعل بي وبسيدي الأفاعيل· إن بني آدم ينظرون لحبيبتي بصورة حقيرة، وعادية، إنهم آثمون، فهم لا يرون ما أرى، ولا يحسون بما أحس، وبما يجري في جلدي الحزين، وحقاًالمكان أشد الظلمة يقع تحت المصباح، تحت الأرجل·
وهكذا تدفق نهر الحياة، عيشا رغيدا، ومن شدة حرصه عليّ جلبني لغرفة نومه، صرت عضواً من جسد الغرفة الجميلة، فقد كان يحس بمقتنياته وكأنها قطط أليفة، وسريعا ما ألفت الغرفة، وتعرفت على سكانها من الكتب والتلفزيون والدولاب والمجلات الملونة، ومذياع صغير، دائما ما يبث موسيقى كلاسيكية، وتماثيل لأبقار وحمير وسلحفاة، ولوحات كلاسيكية وصور حزينة لنساء طاعنات في السن، وكتابمذكرات حذاء سقراط وحكم من شعوب قديمة كتبت بخط الثلث، لفت نظري منهاإن امتطيت حذاء من الحديد، ثم طلبت الحقيقة، فإنك ستغدو حافياً قبل أن تبلغ حماها فرثيت للحذاء الجلدي الذي ستمتطيه الأرجل التي تسعى في طلب الحقيقة· ياترى في أي أفق بعيد تقع، في الأرض !!، أم بعد غروب شمس الحياة !!، أم في موقع غامض يحسه الإنسان بداخله !!، وحقاً اللهم أرني الأشياء كما يراها آدم وبنوه !!· وقد حفز سكني في غرفة النوم، أخواتي من الأحذية في استدراجي للحديث عما يدور فيها، ولكني لم أبح بكلمة، مثل السفنجة، والتي لم تترك له جنباً ينام عليه بما حكته لنا بما يدور في الحمام، حتى الشامة والتي تقع في موضع حساس، يكاد لا يراها لولا المرآة، لم تسلم بإخبارنا بها، وقد كدنا أن نقع على قفانا من الضحك حين قلدته وهو في خلوة الحمام· كم هو سجين بني آدم من قبل إخوته، فالحمام خلوة لحريته الفريدة، من الملابس وفضول الناس، وقد صدقت ما قالته السفنجة لأنه كان يرفع صوت الموسيقى عاليا ثم يدخل الحمام· قد تكون هناك صداقة بين التعري والرقص، ولكني، وحتى أعزيهم عن مصيرنا الباكي، حكيت ما قرأتهمذكرات حذاء سقراط، وقد ذكر جدي، حذاء سقراط، بأنه دفن مع سقراط، لأنه لازمه حتى تجرع السم، حين تنكر له الخلان، وبأن رجل سقراط كانت دافئة وحميمة، وحين تحشر بداخله يشعر وكأنها جنين لطيف بداخله· كان جدي يحس وكأنه فستان يلتف حول جسم فتاه فاتك القوام، وكأن الرجل قضيب يلج احشاءه المتعبة بالسير· كان حلو الخطو، متزن المشي، لا يؤذي أطراف حذائه، ويحدد للرجل قبل الخطو موضعها، وكان حسن المعشر، فلم يتعرض جدي في حياته الطويلة لشوكة حادة أو روث كريه·
Page 5
الأحد الحزين
إلى أن جاء يوم الأحد الحزين، فقد تسلل حرامي إلى الدار، ودخل الغرفة للسطو على شيء ثمين· ولأني كنت أنام بالقرب منه، وفي داخل صندوق جميل، مزين بإهداء حبيبته، فقد ظن الحرامي بأني شيء ثمين، فأخذني ثم قفز من خلف السور، ثم ركض مسافة طويلة، رثيت لحذاء الحرامي، فقد كان أنينه يبلغ أذني من سوء المواضع التي يطأها، ثم ركب بصاً كبيراً، ممتلئاً بأحذية لم أر مثلها من قبل، وكأنها كانت تسير على الحصى والشوك من عصر عاد، أحذية كئيبة مترهلة، ملوثة بالاصباغ والاتربة والشوك، فقدت الرغبة في السير والحياة، حدقت للأعلى لأرى وجوه هؤلاء القتلى، الذين يبدو أنهم لا يبالون، بما جرى لنا، بل ولغيرنا، (الموردة تهزم الهلال، ما أروع غناء الكاشف، بكرة معرض الفنانة رحاب عثمان) فقد رأيت بطن أحد الأحذية مليئة بالشوك ومحروقة بأعقاب السجائر وبين جوانحها الحصى، ورائحة أدوية وروث، وطباشير، وحشائش· هل هذه جهنم، تحسست رأسي، هل دنا العذاب ووضعت الموازين لأحذية كتبت عليها الأرجل خطى فمشتها مكرهة·
فجأة سمعت صفارة فتوقف البص ومر بالقرب مني حذاء نسائي ضامر الذيل، اختلست نظرة أنستني ما أنا فيه· يا ترى أين سيكون مصيري، ليت لي الحاسة السادسة لأقرأ ما يدور في خلد هذا الحرامي· اللهم أسألك رجلاً مباركة، رجل مهندس أو موظف، وفي أسوأ الظروف، رجل ترزي، وأعني حينها على تحمل دوار الرأس· وقد كان طريق البص أكثر قسوة، فقد صرت أتنقل، مع كل حفرة يخطوها البص، ذو الأحذية المكورة، من اليمين إلى اليسار، والأعلى والأسفل، إنه طريق قذر شائك، رحم الله الأحذية التي قدر لها أن تسير فيه، وبالأخص حذاء الحرامي غير الحاذق، والذي يركض وخلفه قبيل من القساة، بسرعة وقوة احتكاك تسبب آلام مفاصل وحرارة لا قدرة لنا عليها· وفجأة سمعت صراخاً حاداً لمجموعة أحذية، فنظرت من ثقب صغير بمؤخرة البص لأرى لوحة مكتوباً عليها بخط بدائي كبيرمحلات سالم للحام، وفعلا هذا المدى من الصراخ لا يكون إلا بفعل شريرات الحديد المتوهجة حين تقع على جلد النمر أو الأصلة أو الماعز الذي صنع منه جسم الحذاء· وأنا في هذا الوضع المؤسف في مؤخرة البص كنت أمني نفسي بالعودة إلى قلب المدينة حيث الطرق المعبدة، والجلسة المريحة الهادئة، فإذا بالبص يتوقف، ويتم أخذي إلى دكان صغير في زقاق ضيق مليء بالحفر والبرك، والشوك، والمسامير، وكل ما يكدر صفوي· وكل ما سمعته في ذلك اليوم المشؤوم، أن صاحبي شكر مكانيكي العجلات على إتقانه وتصليحه لعطب الدراجة، ثم دس صندوقي في سرج العجلة الخلفي للميكانيكي·
Page 6
ومنذ ذلك اليوم، وأنا في أسوأ وضع يمكن أن يتخيله حذاء، فقد كان بدال العجلة بدون بلاستيك، بل مجرد حديد عارٍ، وحين يضغطني عليها يكاد ظهري أن ينقصم· ومع مرور الشهور، بدأت فقرات ظهري تتشقق، خاصة في منطقة الوسط والتي أوشكت على الانكسار، وخاصة الفقرة التي تضغط عليها ماسورة البدال، وصرت أشبه بفصين، ولم تنجح كل محاولات أطباء العظام من النقلتيه في رأب الصدع، فقد غرقت حتى أذني بالزيوت وقطع اللحام والسيور والمسامير، واحترق جلدي بشرر اللحام، ولم تسمع صرخاتي من ضجيج ماكينة اللحام، ولم يخفف ألمي، سوى ما رأيت من بلاء غيري، والأحذية على أشكالها تلبس، وذلك في يوم من الأيام حيث توقفت عن الدوران حول البدال، ونزلت الرجل التي تمتطيني واقتربت من زوج حذاء مترهل، ضامر، التصق بطنه بظهره، وكادت أن تختفي ملامح وجهه، ولولا صوته لما عرفته، فقد كان جاري في الفترينة المقابلة، فقلت مواسياً له ما الذي جرى ؟، فأشار إلى الأعلى، وحين نظرت لم أجد سوى كرش ضخمة ممتدة،، فلقت له: عجبي، هل اقتنتك أنثى ؟ وأنت حذاء رجالي أصيل، فقال لا، فقلت له ولكن كيف عرفت ذلك وهذه الكرش الضخمة تحجب عنك كل شيء، فقال، إنه لا يحترم خصوصيتي، ويستعملني في كل حوائجه، ولأني أقوم بوظيفة السفنجة، ففي الحمام رأيت كل شيء، بل إنه لا يتوانى عن إرساليأرض جو إلى ابنته التي تأخرت في ملء الإبريق، أو نحو وجه كلب أراد أن يلعق صحناً خاوياً في زاوية الدار، بل إنه يتركني طوال ليلي عند مدخل الحمام، لتستعملني كل الأرجل، وبكل الطرق· ولكن أشد ما يؤذيني، هو رجل متهورة، توقظني في منتصف الليل، وتدخل قدمها اليسرى في يميني، مما يمط ويشقق مقدمتي، ثم يسير مترنحاً نحو السرير، وأنام بشكل غريب، حين يكون وجهي باتجاه السماء، حتى تأتي ابنته في الصباح، وتنزلني من هذا الوضع المذل إلى ظل السرير· وقبل أن أبث له شكواي، تباعدت الأرجل، ولكن أوجاعه خففت آلامي المزمنة، وفعلاً الأحذية على أشكالها تلبس وتداس· وقد كنت أشكو من الوحدة، فلا يوجد في الدار غيري، وقد ترجلت بي عدد من الأرجل، الأسرة والضيوف، حتى الأطفال، فهناك أرجل من صغرها لم تكن تقوى على رفعي مثقال ملمتر عن الأرض، فظللت أحبو كالثعبان من ثقلي عليها، وهناك أرجل مستعجلة، لا تحترم آداب الامتطاء، فهي لعجلتها تضغط على مؤخرتي وتحط نسلي من عائلة الجزم إلى عائلة الشباشب·
Page 7
ولذا كنت أشكو من الوحدة ومن الأنيس، وكنت أنتهز يوم الجمعة، في حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف وحتى الواحدة، حيث تتراكم وتزدحم مجموعة من الأحذية أمام دار كبيرة، وهناك نضحك وندردش، ولكن سرعان ما تخرج الأرجل في طوفان، يسحق ما يسحق من سيئي الحظ، ممن كانوا عند عتبة الباب· وقد سمعت هناك عن قصص أحذية سعيدة، تطير على ارتفاع مئات الأقدام فوق السماء، وهناك أحذية تذهب إلى البحر، وهناك أحذية لا تعمل إلا يوماً واحداً في الأسبوع، وفي نجيلة خضراء، لا يتجاوز زمن عملها سوى تسعين دقيقة، وإن كانت تشكو من حذاء مكور، يصفعها بقوة في وجهها· وهناك أحذية خمسة نجوم، لا تسير إلا في الشوارع المعبدة، وقد ركبت بها عجلات صغيرة، فصار بطنها آمناً من الشوك وعلب الصلصلة، ووحل مياه الحمام، إلا أنها تشكو من السرعة الفائقة التي تجري بها، مما يصيبها بالدوار، وهي التي خلقت لتكون سرعتها نصف ساعة للكيلو· ولكن ساءني، ما سمعته عن حذاء منعم، لم تخدشه حفرة، أو عظم، ولم تنغرز فيه شوكة سدر أو مسمار، وهو يتندر من الأحذية الفقيرة المعدمة والوحيدة، وآخرها ذلك الحذاء الذي لم تكد حرارته تبرد وهو على عتبة الباب بعد مشوار طويل لصلاة العشاء، حتى امتطاه ابنه البكر وهو يبطىء الخطو نحو زقاق يشتهر بالمتع والسكر ولم يكن هذا الحذاء ذو المصير المؤسف المتناقض سواي، ولكني، لأني لست صغيراً في مبادئي، فلن أتفوه بكلمة، من أنه كان جاري عند عتبة المسجد، وعند عتبة الزقاق، كما أن حوافه المتآكلة بعض الشيء، تبرهن بلا أدنى شك، بأن صاحبه كثير الترنح، وغير متوازن في كل مشاويره التي تجري بعد التاسعة مساء· ولكن وبعد هذه اللقاءات الجماعية الأسبوعية، قررنا أن ندعو لاجتماع عام، ندعو فيه كل أحذية المدينة، لمناقشة هذا الوضع المسيء، وتم اختيار يوم الثلاثاء المقبل موعداً لهذا المؤتمر العام، وذلك لأن هذا الموعد يتزامن مع المباراة النهائية لكرة القدم، مما يعني وجود مائة ألف متفرج، وهذا يعني وجود أكثر من مائتي ألف فردة حذاء، وإن كانت الأغلبية من الرجال، ولكن سنعقد اجتماعاً لاحقاً يكون للأحذية النسائية فيه نصيب وافر· وبدأنا في الاستعداد لهذا الاجتماع، وتوصلنا لكتابة شعارات رئيسية، تملا أركان الملعب، ومن ضمنهاالوفاء بالوعد فضيلة، لأن هناك أرجلاً رجالية تواعد أرجلاً نسائية، مما يجعل الحذاء يمكث أطول فترة ممكنة في الانتظار، وفي حرارة الشمس· والحذاء كما قلتكالرياح، إذا توقف مات، كما نرفع شعار التركيز، لأن هناك عقولاً ذاهلة وشاردة وتكون عواقبها على بطون الأحذية من الاصطدام بالحصى والشوك والحفر، كما نطالب بالتقشفوحسب ابن آدم لقيمات، حتى تكون الأجساد ذات حجم ووزن إنسانيين مقبولين، لا تسحق بثقلها بطون الأحذية، كما طالبنا بالمساواة والاختلاط، فلوقع الحذاء النسائي، ذي المؤخرة الطويلة الضامرة، نشوة خاصة وخدر لذيذ، وهناك أيضاً الكثير من الشعارات المطروحة، وقررنا··في حال عدم تطبيق هذه الشعارات العادلة أن نلجأ لأساليب غير كريمة وحادة، وذلك بتهديد وفضح الأرجل، كل الأرجل· فنحن، وبحكم عملنا، نكاد ننافس ظل بني آدم في ملازمته، في حركاته وسكناته، في السر والعلن، ولذا نعرف الكثير من أسرارهم وفضائحهم، فنحن على اطلاع بما يدور في الحمامات، والأزقة، والحانات، وغرف النوم، والخلاء والمواعيد الغرامية، والخيانات، والمواقف المخزية مثل الجري بسرعة فائقة من كلب أو بسبب سرقة، أو الانزلاق على الأرض، أو القفز من سور عالٍ، أو سرقة حذاء عند الخروج من صلاة الجمعة، وما شابه ذلك من سلوك الأرجل البشرية· كما رفعنا شعار المساواة، فالحذاء الذي يضغط على فرامل السيارة، مثله تماما مثل الذي يضغط على بدال العجلة، والذي يضغط على دوار ماكينة الخياطة، لا يقل مكانة عن حذاء يحلق في ارتفاع مائة ألف قدم فوق سطح الأرض، ومثله مثل الأحذية الضخمة النظيفة لأرجل الشرطة والبوليس والضباط، فالعدو واحد، فالشوك والحصى، لا تفرق بين حذاء الغفير وحذاء الوزير، بل تؤذيهم جميعاً بالقسط والميزان، فالأرجل لا تنظر لوطن الحذاء إن كان صينياً أو ايطاليا أو يدوياً، فنحن كاللحوم، على أشكالها تشوى، وعلى أشكالنا نداس، وحقاً إن أي رجل بشرية لا تحس بأن الحذاء مثل الورد والقطة الأليفة وانحناءة الغصن، لن تحسن السير في الأرض، ولن ترى شيئاً ذا قيمة فيها، وستمضي إلى غروب الحياة، مثل ذبابة ظلت تطن في مسرح عتيق يعرض مخلوقات شكسبير الغريبة، ولم يعتمل في قلبها سوى طعم اللعاب السائل من أفواه أطفال نائمين على أكتاف أمهاتهم في كراسي المسرح العتيق· كما سنطرح شعار القناعة، حتى يقلل بنو آدم من حلهم وترحالهم بسبب الرزق، فلو جريت جري الوحوش، فسيهترئ حذاؤك، وغير رزقك ما بتحوش· وقال حذاء قديم، عرك السير والوطء، بأن حربنا مع بني آدم لن تضع أوزارها، ونسكن الفردوس المفقود، حتى يصفو بنو آدم من الكدر والجهل، فلو صح توكلهم على الله، لرأوا الحبل السري الذي يغذيهم بلا حول ولا سير ولا قوة، وحينها، فإنهم سوف يسيرون حفاة عراة، ولن تؤذيهم شمس السماء ولا شوك الأرض، ولا شبح الهلاك والانقراض، ويعيشون مثل الأجنة في الأرحام، ومثل الملائكة في السماء والشخوص في الأحلام، بلا قوت أو أحذية أو سفنجات وجزم· ولكن كل شعاراتكم هذه يا أبنائي، هي مسكن موضعي، وليست حلاً نهائياًبل احمدوا الله بأن لم تمتطيكم رجل ابن بطوطة، أو دون كيشوت، فأرجلهم قلقة ومغامرة، مثل بندول الساعة، ولجبتم غفار وجبال البرية، ولرأيتم سوء أوضاع أحذية الهند وجبال التبت واليونان وكريت، فهي تصنع من القش الرخو، ودون ذلك، يتوارى الظل أسيراً للضوء، وعلى أهلها جنت براقش، ولا يغرنكم بنو آدم، فهناك أشياء تمتطيهم كالحذاءفنعم التشبية مثل الجوع والخوف والمغامرة، وآخرها الموت، والذي سوف يذهب بهم في طريق بكر، لم يسلكوه من قبل·
Page 8
مشوار دامٍ
لا أخفي عليكم سراً، كم من المرات كنت أرثي لهذا الكائن ذي الرجلين، الذي يبدو كتلة من هم، بلا هدف، حيران، يتسكع كقارب بلا حبل، في بحر حياه متلاطم، الأرزاق·· المجهول·· الخوف·· كينونة الوجود·· الجوع والبرد، تركبه مثلي ملايين الأرجل، يتصبب عرقه في جسمي، فأشعر بملوحة وحموضه أحشائه، محروق بسجن الغرائز، سجن لا فكاك منه سوى الدخول بباب الموت إلى عالم آخر، لا يهمني ذلك العالم، لا شكله، ولا ماهيته، ولكن هل يا ترى فيه شوك، وحصى، وهل مازال بنو آدم يمتطون الأحذية، أم تظل الأرجل عذراء ولدنة، كأرجل الأجنة في الأرحام، ولم يخرج من ذلك الباب أحد، حتى أرى هل برجليه حذاء معفر!!
في الصبح، وقبل أن تهجر الطيور أعشاشها، وتمضي بلا أحذية في طلب قوتها المقدور، حشرت بداخلي الرجل· قدر لا فكاك منه· ثم ضرب ببطني وجه الأرض ثلاث مرات، حتى تنزلق الأتربة التي علقت على جلدي طوال الليل، وكان هذا هو الجرس لبدء حصة طويلة وثقيلة، ثم خرجت من الباب، توقفت عند العتبة، ثم سرنا نحو اليمين، رأيت بركة أمامي، سألت الله أن أتجنبها، فمررت بأطرافها، فعلقت على بطني سحابة من طين رطب، وكأنني أتيمم لصلاة جنازتي، ثم سرت بإيقاع أعرفه لشدة ما ألفته، طق طاق طق طاق، إنه إيقاع قلبه المريض بالترحال، ثم دخلنا قهوة تعج بالآدميين مثله، فدخلت صنوتي الشمال أولاً، ثم لحقت بنصفي الثاني وأنا أصرخ من حافة الباب وهي تدوس على مفاصلي المتورمة· سرى الألم في جسدي سريان البرق في الآفاق، ثم جلس على كرسي بهدوء، ثم ودعت فردتي الشمال، لترفعني رجله لأعلى وهو جالس على الكرسي، لأول مرة ترى بطني وجه الحياة· أشكالهم غريبة، مثل الأحلام المزعجة، ثم مسح على رجلي برفق، وكأنه يعتذر لي عما لحق بي من أذى عند حافة الباب، فرأيت الاشمئزاز من كتينة الساعة الجلدية من رائحتي، كلنا من جلد !! أنزلتني رجله لأختي برفق، بدأنا في الاهتزاز والضرب برفق على الأرض، مع إيقاع الموسيقى التي تتسلل من مذياع كبير، لأول مرة نتحرك دون أن نقطع مسافة أو تحبس أنفاسنا بثقله· أصابنا طرب ونحن نرقص برجليه الجذلتين، كانت كل الأحذية في المقهى تضرب على طبل البلاط جذلى فرحة، بينما تحملت الكراسي أدوارنا البائسة، ثم خرجنا من القهوة بعد نصف ساعة إلى طريق مسفلت، وقد شعرنا بزيادة ثقله بما يماثل كوب ماء وكوب شاي وثلاثة فناجين قهوة وقطعة كيك، وحين وصلنا إلى رصيف الشارع وقفنا حوالي ربع ساعة، رفع رجلي الشمال على الرصيف وتركني تحته، فسمعت أنين أحذية مسرعة، فسألت أختي عنها، فقالت لي بأنها أحذية بلاستيكية مكورة تمر بسرعة فائقة، مكتوب عليها بريدجستون ويوكوهاما، وهي تحمل على رأسها صناديق من الحديد وعليها البشر·
Page 9
وحين سكنت حركة الأحذية المكورة اجتزنا الشارع، قتلت برعم شجرة صغير، قد يملأ عبيره الشارع غداً ويصبح شجرة ضخمة، وتصبح مأوى للعجزة والشحاذين، وقد تلهم شاعراً لخلق قصيدة حالمة، تهدهد نفوس قارئيها· بدت فردتي الشمال تئن، فقد انغرس في بطنها حجر حاد، ثم فجأة شات بوجهي صندوق علبة كبريت ملقى في الشارع، كانت اللطمة خفيفة ولكن فجاءة الركلة هي التي أصابتني بالفزع، ثم عفصت علبة سجائر ملقاة في الشارع· وللحق فقد صرت أخاف من وجود أي صندوق أو علبة في قارعة الطريق، فهو يدوسها وبشكل شبه دائري على الأرض وكأنني حجر طاحونة، فترتفع درجة حرارتي وأنا أطحن الصندوق مع الأرض والحصى، وكأنه يكره كل شيء بارز في الأرض سواه، فهو يسوي كل بارز بظهر الأرض بأديمها، ثم مضينا إلى شارع مدرسة متوسطة، فقد كانت الأحذية تسير في طوفان، فشممت رائحة مئات من فتات السندوتشات والحلوى والطعمية، وقد طحنت ببطني مئات من الحشرات والنمل وهن يلتهمن بقايا السندوتشات، ثم سرنا في خط مستقيم لينحرف فجأة فيدوس صرصوراً هائماً، كان سعيدا وهو متجه لجحره، وهو يحمل على رأسه قوت أسبوع لعياله، ثم عرجنا على عمارة كبيرة، فطلعنا الدرج، ثم سرت على أرض ناعمة، وكأنها حشائش صناعية· التصق ببطني روث النمل والصرصور والطين والحصى· اختنقت من هذه الملاءة النتنة، وعند الساعة العاشرة وقف في أحد أركان المطاعم الشعبية، فانغرز في بطني مسمار حاد، وعفصت نملة لم تكمل وجبتها الدسمة، وكان حينها يشرب زجاجة بيبسي كولا باردة، غير آبه لتضرعي، ولا لأنين النملة المسكينة وهي تحتضر، في حين كانت عذوبة زجاجة البيبسي تنزل برداً وسلاماً في جوفه المظلم، بينما تتابع عيناه أفواج الفتيات وهن يعبرن الشارع إلى محطة أبوجنزير، متهكما، وطرباً وراغباً، حقاًتئن الأرض، والسماء تلوذ بالصمت ولا حياة لمن تنادي، يالها من قسوة، إنها اللامبالاة تسير على رجلين· كل يوم يتجذر فيّ نقص بني آدم، فهم لا يعون بحواسهم المحدودة سوى رأس المخلب لأسد يملأ آفاق الوجود· ثم خطا نحو موقف ابوجنزير، فاختلط جثمان النملة في بطني بقطعة ثلج ملقاة، فانتعشت روحها المظلومة في أول درج البرزخ، فقد دفنت بين شقوق بطني، فسرت بها، كما تسير الأرض ببني آدم وهم لا يعلمون، ثم عرجنا على مكتب هندسي، ثم سمعناه يسأل عن فاطمة، فقيل له بأنها ذهبت قبل قليل، ولا ندري إلا وهو يرفع فردتي الشمال ثم يضرب بها الأرض، وهو يصيح يالله يا الله، ونحن لا ندري العلاقة بين ذهاب فاطمة وضرب فردتي الشمال بهذا الطريقة الخطرة، وماهو ذنبنا إن لم تتطابق إرادته مع إرادة الكون، هذا الوجود الغامض، ولو كان الأمر هكذا لخسفنا بك الأرض أيتها الأرجل الماكرة القاسية، إنه يسقط علينا احتجاجاته، ثم أسرع، تغير إيقاع خطواته، فارتفعت حرارة الرجل بداخلي، وصرنا نسمع تدفق الدم وكأنها جداول تحمل روث البهائم·
لا أنكر أن عرق رجل العاشق، ونبض قلبه ودمه الذي أحسه وهو يحشر قدمه بداخلي، وكأنها خمر تزلزل أركاني وتشحذ حواسي، فأرى ذرات التراب الحقيرة وكأنها لؤلؤٌ من ضوء، وأسمع صوت الخطوات كأنه صوت حبيب غائب عن دار حبه سنوات، وقد حج إلى داره· أحياناً أتمنى أن تمتطيني الأرجل التي شاركت في الثورة الفرنسية، وثورة أكتوبر، وأسفار المسيح، فعرق أرجلهم أطهر من رحيق العطر وماء زمزم، وأن أكون حذاء ذلك الفيلسوف الذي قال :إن العمل الذي يجب أن ينجزه، هو نقد علمي صارم، لنظام دولي واجتماعي فيه الإنسان مخلوق مستذل، ومستعبد، ومهجور، ومحتقر، وأنه يسعى لتغيير العالم لا لفهمه فقط، كما يفعل الفلاسفة المثاليون مثلي تماماً، صورة طبق الأصل، هذا الكائن الإنساني المهجور المحتقر من قبل إخوته الأقوياء·
Page 10
استرقاق هدية
وهي تدعك جسدها الطري، ومض لها خاطر، خرج الخاطر من خلوة الحمام، (سوف أشتري حذاء جميلاً وقوياً لحبيبي) وكأن شيئاً لم يكن، وكأنها لم تقرر إعدام كائن حي، مرهف، بل استمرت وهي مستمتعة، وببطء تدعك وتدلك جسدها العاري سوى من لذة الماء وهو يكسي جسدها الساحر بفستان شفاف من رغوته وطربه ودغدغته، تحس بكينونتها وهي تدعكه برفق، حتى يبرق بفتنة للرجل الموعود· وفجأة خطرت لها فكرة شراء حذاء (بني، مقاس 24 من محلات عباسكو بشارع الجمهورية)، من هذا الخاطر السريع الفجائي، بذرت مأساتي، تشكلت في الخيال، وآن لها أن تولد في أرض الواقع· وحين يخطر لها المشوار المقبلة عليه، لشرائي، يرتعش جسدها المبلول بصابون لوكس، تحتفي بخلوتها، ثم تخرج، تملأ الشنطة بأدوات التجميل، ستحتاج لها عقب نزولها من السيارة· الغبار والحرارة يفسدان كل شيء، لا تكترث للأغنية الهادئة المنبعثة من راديو السيارة، مشغولة بهدفها، باسترقاقي، أي لون أفضل، أحمر، أم أخضر؟ إنه يفضل البني· مرت على زهرتين، كما يمر الدخان بسحربفردتي الشمال، بلا رهبة أو رغبة، لم تشم وترى تويجاتها، إنها إهانة لذات الطبيعة، أما أوجه الشحاذين، الأوجه التي تعرض في فترينتها القلوب الميتة في فترينة الجسد، المنسية، والطفلة التي شوهتها أيدي الوقت، لم تكن تعني لها سوى أن تدس في يدها خمسة جنيهات، فقد كانت في مهمة عظيمة، وسارة، وسرية للغاية، هي شراء حذاء جديد، لحبيبها، شراء كبش فداء، لم تقم الحياة على الصراع، على قهر كائن لكائن؟ عبد جديد سيتم استرقاقه، وكأن الروح لا تجري إلا في عروق بني آدم وحدها، هذا الوجود هو كائن حي، يحس، ويتناسل، ويعشق، كفى تبلداً أيتها الأرجل المفترسة·
كانت تنظر لي بشغف وآنا في الفترينة، مثل أسد يلاعب فريسته قبل أن يبتلعها، وفي لمح البصر وجدت نفسي في زنزانة من كرتون، ملفوفة بصورة جميلة، إنه كفن، حتى ولو كان من حرير·· أو قصدير مزركش··