eKtab
EN ع
الإمام الشافعي حياته وشعره
Read free sample

الإمام الشافعي حياته وشعره

by يوسف عطا الطريفي

Page 1
مقدمة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
يعتري المرء وهو يقرأ عن حياة الإمام الشافعي - رحمه الله - أو يبحث فيها، إحساس مفعم بزيادة المعرفة، لأنه يقف حائراً أمام تميز هذا الإمام الذي شغل حياته في خدمة الأدب والفقه، وحسبه ما تحدثت عنه الكتب ومؤلفات العلماء ورفوف المكتبات، فكان كما قال ابن خلكان: «كثير المناقب، جم المفاخر، منقطع القرين، اجتمع فيه من العلوم: العلم بكتاب الله عزوجل، وسنة الرسول ﷺ، وكلام الصحابة رضوان الله عليهم وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب، واللغة العربية، والشعر».
 
كان رحمه الله يقول الحكمة التي تصدر عن تجربة، فجاءت أشعاره عن خبرة وسارت بين الناس وكل من له نظرة صائبة مضربا للأمثال. بعد أن منّ الله عليه بالموهبة. فكان إماما في عصره وما بعده.
 
وفي هذا الكتاب اجتهدت قدر استطاعتي أن أبين مولده ونسبه وخصائصه وصفاته وروح عصره وبيانه وبلاغته، كما تعرضت إلى آثاره، واقتصر غرض الكتاب على جوانب حياته وشعره، مع علمنا بفقهه وضوابطه وحلقاته ورحلاته ومنازلاته ومناظراته، لكننا اكتفينا بشعره، لأن التأليف في فقهه له رجاله وقادته.
 
لقد حاول الشافعي في شعره أن يجسد تعاليم الإسلام، ويدعو إلى الحق والصدق والوفاء كما دعا إلى الزهد وفهم النفس البشرية. كما قدم نصيحة لذوي الألباب لتحقيق الغاية من وجودهم في هذه الحياة.
 
وعلى أي حال، فإنني لا أدعي أنني أكملت ما رغبت أن أكتب عنه رحمه الله، ولكنني اجتهدت وحاولت أن أضع بصمة جديدة لإمام عظيم، غزير العطاء، متميز في مكانته وحسبه أنه أحد الأئمة الأربعة، وإمام في الدين واللغة والحديث والأدب والشعر والنقد. راجياً أن أكون واحداً ممن أحيا الله بقلمه جانباً من سيرة هذا الإمام، آملاً أني وصلت إلى الغاية التي وضع من أجلها الكتاب، والله ولي التوفيق.
 
يوسف عطا الطريفي
Page 2
مولده ونسبه
 
هو محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدْرِكة ابن الياس بن مضر بن نزار بن مَعَد بن عدنان بن أُد بن أُدَد.
 
وقد أجمعت الروايات على أنه ولد سنة خمسين ومائة للهجرة، سبع وستين وسبعمائة للميلاد بمدينة غزة الفلسطينية، وقيل أنه ولد بعسقلان التي تبعد نحو ثلاثة فراسخ عن مدينة غزة، كما تبعد مرحلتين أو ثلاث مراحل عن مدينة بيت المقدس. وقيل أيضا أنه ولد في نفس اليوم الذي مات فيه الإمام أبي حنيفة النعمان، ليقال فيما بعد: مات إمام وولد إمام. وأوردت بعض الروايات بأن الإمام الشافعي ولد بغزة ونشأ في عسقلان التي كانت تسكنها بعض القبائل اليمانية، وهذا الخبر يتفق مع رواية ياقوت: «لا شك أنه ولد بغزة وانتقل إلى عسقلان إلى أن ترعرع».
 
والإمام الشافعي هو أحد الأئمة الأربعة، وإليه ينسب المذهب الشافعي، ويتصل نسبه - كما يدل اسمه - بالرسول ﷺ عند عبد مناف، وكان رحمه الله شديد الاعتزاز بهذه الصلة، بل وكان يعتبر نفسه من ذوي القربى. وبهذا فليس صحيحا ما زعمه بعض المتعصبين، من أن الشافعي لم يكن قرشياً بالنسب، وإنما كان بالولاء فقط. وقد أجمع المؤرخون، أن الإمام ولد من أب قرشي مطلبي ينتهي نسب جدّه «الشافعي» إلى أحد أولاد عبد مناف الأربعة وهم: المطلب وهاشم وعبد شمس ونوفل، وروي أن المطلب هذا هو الذي ربّى عبد المطلب، جد رسول الله ﷺ (1) .
 
وصحة هذا الرأي ورد في رواية جبير بن مطعم: «لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من جبير على بني هاشم وبني عبد المطلب، ومشيت أنا وعثمان بن عفان، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك من بني هاشم لا ينكر فضلهم، لأن الله جعلك منهم، إلاّ أنك أعطيت بني عبد المطلب وتركتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال ﷺ (إنهم لم يفارقونا في جاهلية وإسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)، ثم شبك رسول الله ﷺ إحدى يديه في الأخرى».
 
هذا وزعم بعض هؤلاء المتعصبين أيضا في مرحلة التعصب المذهبي، أن شافعا والد السائب الذي ينتسب إليه الشافعي وهو جدّه لم يكن قرشيا بالنسب، ولذلك لم يلحقه الخليفة عمر بن الخطاب  بموالي قريش، وإنما الذي ألحقه بهم الخليفة عثمان بن عفان  عندما أصبح خليفة للمسلمين. وهذا القول يخالف ما اشتهر من قول الشافعي عن نسبه الذي لم يخالفه فيه أحد من معاصريه، كما يخالف الروايات في عصره، وكذلك ما أورده الفخر الرازي في رده على زعم أولئك المتعصبين، والذي جاء في ثلاثة محاور وهي:
 
أولاً: لقد أوضح الرازي أن المخالفين للإمام في عصره إنما كانوا يجادلونه ويريدون أن ينالوا منه حسدا، ومع ذلك فلم يطعنوا في نسبه من قريش ولم يشتهر عنهم ذلك صراحة.
 
ثانياً: ما أوردته الروايات، أن الشافعي لم يتنكر لنسبه في أحلك ظروفه، وهم يقصدون في محنته أمام هارون الرشيد عندما أُدخل إليه مكبلاً، وقد اتهم مع التسعة الذين خرجوا على الخلافة. فلو كان من الموالي ما ادّعى أنه ابن عم الخليفة. أما مفاد هذه المحنة:
 
كان الشافعي قد نال من العلم قدراً عظيماً، لكنه كان فقيراً، وقد أحس في بداية شبابه برغبة في العمل ليكسب قوته حتى لا يكون عالة على أحد. وصادفت هذه الرغبة قدوم والي اليمن إلى الحجاز، فقدمه بعض القرشيين اليه، وطلبوا منه أن يوليه عملا، وإعجابا بعلم الشافعي وتقديرا له، وافق والي اليمن على مصاحبته، فرهن الشافعي دارا له وجهز نفسه للرحيل، وعندما وصل نجران تولى العمل فيها، وأظهر عدلا بين الناس، وحاول بعض القوم أن يخادعوه، لكنهم لم يفلحوا. وهذا واضح من قوله «وكان الوالي إذا أتاهم صانعوه فأرادوني على مثل ذلك فلم يجدوا عندي». وأثناء ذلك خرج تسعة من العلويين في اليمن على الخلافة، واتهم الشافعي بالخروج معهم، فأمر الخليفة هارون الرشيد أن يرسلوهم إليه، فلما بلغوه، أمر بضرب أعناقهم، ولما جاء دور الشافعي، قال: مهلاً يا أمير المؤمنين، فإنك الداعي وأنا المدعو، وأنت القادر على ما تريد مني ولست القادرعلى ما أريد منك، ثم قال: يا أمير المؤمنين ما تقول في رجلين، أحدهما يراني أخاه والآخر يراني عبده، أيهما أحب إليّ ؟ ! .
Page 3
قال الرشيد: الذي يراك أخاه.
 
قال الشافعي: فذاك أنت يا أمير المؤمنين.
 
قال الرشيد: كيف ذاك ؟
 
قال الشافعي: يا أمير المؤمنين، إنكم ولد العباس وهم ولد علي، ونحن بنو المطلب، فأنتم ولد العباس ترونا إخوتكم، وهم يرونا عبيدهم.
 
فلما سمع الرشيد الجواب، انشرح صدره وقال للشافعي: يا ابن إدريس، كيف علمك بالقرآن ؟
 
فأجاب الشافعي: عن أيّ علومه تسألني، عن حفظه؟ فقد حفظته ووعيته بين جنبي، وعرفت وقفه وابتداءه، وناسخه ومنسوخه، وليليه ونهاريه، ووحشيْه وأُنسيْه، وما خوطب به العام يُراد به الخاص، وما خُوطب به الخاص يُراد به العام.
 
فقال هارون الرشيد: فكيف علمك بالنجوم ؟
 
فأجاب الشافعي: إني لأعرف منها البري والبحري والسهلي والجبلي والفلق والمصبح، وما تحب معرفته....
 
فقال الرشيد: فكيف علمك بأنساب العرب ؟
 
فقال الشافعي: إني لأعرف أنساب اللئام وأنساب الكرام، ونسبي ونسب أمير المؤمنين.
 
فقال الرشيد: فهل من موعظة تعظ بها أمير المؤمنين؟
 
فوعظه بموعظة مؤثرة بكى منها الرشيد، ثم أمر له بمال كثير وهدايا قيمة.
 
وهكذا استطاع الشافعي أن ينجو من ضرب عنقه، بهذه البراعة في حسن التخلص، والحجة القوية. هذا إلى جانب شهادة محمد بن الحسن أحد جلساء أمير المؤمنين والمعجبين بأدب وفقه الإمام الشافعي، والذي شهد له في الحضرة بالعلم الغزير، مردفاً أمام الرشيد بالقول: بأن من رفع الخبر إلى امير المؤمنين ليس من شأن الشافعي(2).
 
ثالثاً: شهادة بعض العلماء الكبار الذين أرخوا عن نسب الشافعي، وكان منهم محمد بن إسماعيل البخاري، الذي أورد في التاريخ الكبير (محمد بن ادريس الشافعي القرشي) وأقوال مسلم بن حجاج، ورواية عبد الله بن السائب والي مكة وغيرهم من العلماء والرواة.
 
هذا وقد أورد صاحب وفيات الأعيان: «أن جد الإمام شافع لقي رسول الله ﷺ وهو مترعرع، وكان أبوه السائب صاحب راية بني هاشم يوم بدر فأُسِر، وفدى نفسه ثم أسلم، فقيل له: لِمَ لَمْ تسلم قبل أن تفدي نفسك ؟
 
فقال: ما كنت لأحرم المؤمنين مطمعاً لهم فيّ»(3).
 
هذا وقد عُرف أن أباه قد هاجر من مكة إلى غزة بحثاً عن الرزق، لكنه مات بعد ولادة ابنه محمد بمدة قصيرة. أما أمه، فلم تكن قرشية، إنما كانت يمانية من قبيلة الأسد، وكان اسمها فاطمة بنت عبد الله، وقيل أنها كانت تكنى بأم هنية الأزدية، وربما قصدوا الأسدية.
Page 4
نشأته
 
توفي والد الإمام الشافعي بعد ولادته بمدة قصيرة، فكفلته أمه، واتفقت الأخبار على انه عاش يتيماً وفقيراً، لكنه كان طموحاً، فلم ينل اليتم منه، ولا أثر الفقر في نسبه. فنشأ على خلق قويم، ومسلك كريم، وسار نحو المعالي حتى استقام عوده، مترفعاً عن الدنيا وسفاسف أمور الحياة.
 
أحست أمه بضيق العيش، وخشيت على نسب ولدها، فأرسلته إلى مكة وهو طفل ابن سنتين لتحفظ له نسبه الشريف، وقد جاء في معجم ياقوت عن الشافعي قوله: «ولدت بغزة سنة خمسين ومائة، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين». وفي رواية أخرى أن أمه قالت: «الحق بأهلك فتكون مثلهم، فإني أخاف أن تُغلب على نسبك، فجهزتني إلى مكة فقدمتها وأنا ابن عشر أو شبيه بذلك، فسرت إلى نسيب لي وجعلت أطلب العلم»(4).
 
ومهما تعددت الروايات، فإن الشافعي كان قرشياً نشأ في أسرة فقيرة، واحتضنته أمه الأسدية، فشب رقيق الحال فقيراً، يطلب العلم ويكتبه على قطع من الخزف - الفخار - الذي كان يجمعه، أو على قطع من الجلد أو سعف النخيل أو عظام الجمال. كما كان يلجأ إلى الدواوين يستوهب أوراقاً ليكتب عليها.
 
وورد عنه أنه جالس العلماء منذ صغره وفي بداية نشأته، يكتب ما يسمعه وما يراه مستفيداً ممن كانوا في مكة من الفقهاء والمحدثين. وطلب الشعر في أول أمره فكان له ما طلب. ويروى عن الحميدي قوله: قال الشافعي، خرجت أطلب النحو والأدب، فلقيني مسلم بن خالد الزنجي، فقال يا فتى: من أين أنت؟ قلت من أهل مكة، قال: أين منزلك ؟ قلت: بشعب الخيف. قال: من أيّ قبيلة أنت ؟ قلت من عبد مناف. فقال: بخ. . . بخ. لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة، ألا جعلت فهمك هذا في الفقه فكان أحسن بك.
Page 5
رحلته في طلب العلم
 
ظهر ذكاء الشافعي واستعداده لطلب العلم صغيراً، وكان ذلك واضحاً في سرعة حفظه واهتماماته، فقد حفظ القرآن الكريم بمكة صبيا، وحفظ حديث رسول الله ﷺ، وجلس يستمع إلى المحدثين فحفظ عنهم سماعاً، وكان يذهب إلى الديوان يستوعب الظهور(5) ليكتب عليها. ثم طلب الشعر واللغة واجتهد في ذلك، حتى قال إسماعيل بن يحيى: (سمعت الشافعي يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين).
 
وقد حرص - رحمه الله - على طلب العلم والمحافظة على اللغة في وقت بدأت تتفشّى العجمة بين الناس في المدائن والأمصار، بسبب اختلاط العرب بالأعاجم، فخرج إلى قبيلة هذيل الذين عرفوا بالفصاحة والبلاغة، حيث كانوا من أفصح العرب لساناً، فمكث بينهم فترة طويلة قدرها ابن كثير بنحو عشر سنين، وفي ذلك ورد عنه قوله: «إني خرجت عن مكة، فلازمت هذيل بالبادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب، فبقيت فيهم سبع عشرة سنة، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة أخذت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب»(6)
 
ومن خلال قوله نفهم أنه - رحمه الله - قد عمل خلال إقامته بجد واجتهاد في حفظ أشعارهم، وما كان يُروى عندهم من أشعار غيرهم، وأخذ محاسن لغتهم وعلمهم، واختار لنفسه من عاداتهم ما يتناسب مع ذوقه، وما كان يراه حسناً له ولغيره. وفي بني هذيل تعلم الرماية أيضاً وبرع فيها، فكان يرمي السهام لا يخطئ أبدا ويتضح ذلك من قوله: «وكانت همتي في شيئين، في الرمي والعلم، فصرت في الرمي أُصيب من عشرة عشرة». ولما عاد إلى مكة، أخذ ينشد أشعار هذيل، حتى أصبح مختصاً بها، وأصبحت له مكانة كبيرة في الشعر وروايته، فلما سكت عن العلم، قال له بعض من كانوا يجتمعون عنده ويسمعونه: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي. كما روى شعر الشنفرى، وتمثل بأشعار الطفيل الغنوي. هذا وقد اتصل الأصمعي بالشافعي ليأخذ عنه، حيث روي عنه قوله: صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس. وروي عن السيوطي أنه درس ديوان الشاعر الشنفرى، وشعر بني هذيل في مكة على الإمام محمد بن إدريس. وأورد المبرد أيضاً: كان الشافعي من أشعر الناس وآدب الناس. وقال ابن رشيق: أما محمد بن إدريس الشافعي، فكان من أحسن الناس افتتاناً بالشعر. أما محمد بن الحكم فقال: . . . وأصحاب الأدب يعرضون عليه الشعر، فيبين لهم معانيه، وكان يحفظ عشرة آلاف بيت لهذيل، إعرابها ومعانيها، وكان من أعرف الناس بالتواريخ. وهذه الأقوال وغيرها تدل على قدرة الشافعي ودقته ووفرة حفظه.
 
كان الشافعي يفيض فصاحة وبلاغة، فقد روي عن مصعب بن عبد الله بن الزبير، أنه لقيه في اليمن يطلب الأدب والنحو. كما نصحه ابن عمه الزبيري على دراسة الفقه وحثه عليه، فأخذ الشافعي بالنصيحة ولزم مسلم بن خالد الزنجي شيخ الحرم المكي وفقيهه آنذاك، وبقي يلازمه ويقرأ عليه حتى سمح له بالفتيا حين قال له: «إفت يا أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتي». كما أخذ عن غيره من المحدثين في مكة.
 
لم يحصر الشافعي طموحه على مكة وعلمائها، لأنه كان يعتقد أن طلب العلم ليس له حدودا أو قطراً معيناً، وواجبه طلب العلم من أي مكان يجده فيه، ومن أجل ذلك استعار (الموطأ) من رجل في مكة، وعكف على قراءته وحفظه، تمهيدا للخروج من مكة، وباعثا له للتعرف على الإمام مالك بن أنس. فلما استأنس ووثق من نفسه شد الرحال إلى المدينة المنورة، يحمل معه كتاب توصية من والي مكة إلى مالك. وقد حدثنا الشافعي عن رحلته هذه، وورد في معجم ياقوت، وفي كتاب مناقب الشافعي للرازي: «دخلت إلى والي مكة، فأخذت كتابه إلى والي المدينة، وإلى مالك بن أنس، فقدمت المدينة، فأبلغت الكتاب إلى الوالي، فلما رآه قال: يا فتى إن مشيي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيا راجلا، أهون علي من المشي إلى باب مالك بن أنس، فلست أرى الذل حتى أقف على بابه، فقلت: أصلح الله الأمير، إن رأى الأمير يوجه إليه ليحضر. فقال: هيهات. ليت أني إذا ركبت أنا ومن معي وأصابنا من تراب العقيق نلنا بعض حاجتنا، فواعدته العصر، وركبنا جميعا، فوالله لكان كما قلنا: لقد أصابنا من تراب العقيق، فتقدم رجل فقرع الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير: قولي لمولاك أني بالباب، فدخلت، فأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرئك السلام ويقول: إن كانت لديك مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب، وإن كان للحديث، فقد عرفت يوم المجلس فانصرِف، فقال لها: قولي له إن معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة، فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي، فوضعته، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار، وهو شيخ مسنون اللحية، فجلس وهو متطلس، فرفع إليه الوالي الكتاب، فبلغ إلى هذا: (إن هذا رجل من أمره وحاله، فتحدثه، فتفعل وتصنع)، فرمى بالكتاب من يده، ثم قال: سبحان الله، أَوَصار علم رسول الله ﷺ يؤخذ بالوسائل، فرأيت الوالي قد تهيبه أن يكلمه، فتقدمت إليه، وقلت: أصلحك الله إني رجل مطلبي ومن حالي وقصتي... فلما سمع كلامي نظر إلى ساعته، وكان لمالك فراسة فقال: ما اسمك؟ قلت: محمد، فقال لي: يا محمد اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن ».
Page 6
في هذه الرحلة بدأ اتجاه الشافعي إلى الفقه على يدي الإمام مالك، حيث قرأ الموطأ على مالك، وكان كلما أراد أن يقطع القراءة أمامه يطلب مالك منه أن يزيد حتى قرأ الموطأ كاملاً في أيام قليلة. ثم لزمه يتفقه عليه ويدارسه المسائل حتى توفي الإمام مالك، وكان الشافعي في قوة شبابه وشدة حماسه. وهكذا تمكن بجده واجتهاده وفي فترة قصيرة أن يجمع بين الفقه من مسلم والحديث من مالك.
 
وأثناء ذلك كان - رحمه الله - يزور أمه بين حين وآخر في مكة، يستنصح بنصائحها التي كانت تزوده بها، ويستفيد من علم الآخرين ويتعرف على أحوال الناس وأخبارهم حتى نال شطراً كبيراً من العلم والخبرة، والتزود بأصول الفقه عن شيخه. فلما مات الإمام مالك - رحمه الله -، اتجه الشافعي إلى العمل ليعيل نفسه ويكمل مشواره في طلب العلم، ويدفع الحاجة والفقر عن نفسه، وصادف ذلك قدوم والي اليمن إلى مكة، فارتحل معه إلى اليمن بعد أن لمعت مواهبه، وذاع صيته، فولي عملاً للقاضي مصعب بن عبد الله القرشي في نجران، فذاع ذكره، واشتهرت سيرته وعدله بين الناس بعيدا عن مصانعة الولاة وممالقتهم، وفي هذا الجانب يقول: «وُلِّيت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان وموالي ثقيف، وكان الوالي إذا أتاهم صانعوه، فأرادوني على نحو ذلك فلم يجدوا عندي».
 
وهناك في نجران، اتهم بالعلوية حين كاد له الوالي بسبب نقد الشافعي له وسلقه بلسانه، فحمل إلى الرشيد وكانت محنته، وكما سبق الحديث عن ذلك فقد استطاع النجاة من هذا الاختبار الصعب بقوة حجته، وشهادة محمد بن الحسن، وثبتت براءته، وأمر الرشيد بإطلاق سراحه ووصله بالهبات والعطايا، التي فرقها الشافعي قبل الخروج من قصر الخليفة، وذلك عام 184هـ والشافعي في الرابعة والثلاثين من عمره. وقد أورد القزويني في كتابه «آثار البلاد وأخبار العباد»(7) هذه الحادثة فقال: «وحكي أن عامل اليمن كتب إلى الرشيد: إن ههنا شاباً قرشياً يميل إلى العلوية ويتعصب، فكتب الرشيد إليه: ابعثه إلي تحت الاستظهار. فحمل إلى الرشيد. حدث الفضل بن الربيع وقال: أمرني الرشيد بإحضار الشافعي، وكان غضبان عليه فأحضرته فدخل عليه وهو يقرأ شيئاً. فلما رآه أكرمه وأمر له بعشرة آلاف درهم، فدخل خائفاً وخرج آمناً. فقلت: يا أبا عبد الله أخبرني بما كنت تقرأ عند دخولك؟ فقال: إنها كلمات حدثني بها أنس بن مالك عن نافع عن عبدا لله بن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قرأها يوم الأحزاب، فقلت: أذكرها لي. فقال: «اللهم إني أعوذ بنور قدسك وعظمة طهارتك وبركة جلالك من كل آفة وعاهة وطارق الجن والإنس إلا طارقاً يطرق بخير ! اللهم أنت عياذي فبك أعوذ، وأنت ملاذي فبك ألوذ ! يا من ذلت له رقاب الجبابرة وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بجلال وجهك وكرم جلالك من خزيك وكشف سترك، ونسيان ذكرك والإضراب عن شكرك ! إلهي أنا في كنفك في ليلي ونهاري ونومي وقراري وظعني وأسفاري، ذكرك شعاري وثناؤك دثاري ! لا إله إلا أنت تنزيهاً لأسمائك وتكريماً لسبحات وجهك الكريم! أجرنا يا ربنا من خزيك ومن شر عقابك، وأضرب علينا سرادقات فضلك وقناسيات عذابك، وأعنا بخير منك، وأدخلنا في حفظ عنايتك يا أرحم الراحمين!».
 
وقد جربت هذه الكلمات لا يقولها خائف إلا أمنه الله تعالى، وكان الرشيد يقربه ويكرمه لما عرف فضله وغزارة علمه.
 
وكان القاضي أبو يوسف ومحمد بن حسن رتبا عشرين مسألة وبعثاها على يد حدث من أصحابهما فقال الشافعي له: من حملك على هذا؟ فقال: من أراد حكمها. فقال: متعنّت أم متعلّم؟ فسكت الغلام، فقال الشافعي: هذا من تعنّت أبي يوسف ومحمد! ثم نظر فيها وحفظها وردّ الدرج إلى الحدث، فأخبر الخليفة بذلك فأحضر أبا يوسف ومحمداً وسألهما عن حال الدرج فاعترفا به، فأحضر الشافعي وقال: بيّن أحكامهما ولك الفضل. فقال: يا أمير المؤمنين قل لهما يسألان عن واحدة واحدة ويسمعان جوابها بتوفيق الله. فعجزا عن استحضارها، فقال الشافعي: أنا أكفيهما. سألاني عن رجل أبقى له عبد فقال: هو حرّ أن طعمت طعاماً حتى أجده، كيف الخلاص من ذلك؟ الجواب: يهبه لبعض أولاده ويطعم حتى لا يعتق.
 
وسألاني عن رجلين كان فوق سطح فوقع أحدهما من السطح ومات فحرمت على الآخر امرأته. الجواب: أن امرأة الحيّ كانت أمة للميت، وكان الزوج بعض ورثته، فصارت الأمة ملكاً للزوج بحقّ الإرث فحرمت عليه.
 
وسألاني عن رجلين خطبا امرأة في حالة واحدة وأنها لم تحلّ لأحدهما وحلّت للآخر. الجواب: لأحد الرجلين أربع وهي خامسة فلا تحلّله، والآخر ما كان كذلك فحلّت له.
 
وسألاني عن رجل ذبح شاة في منزله وخرج لحاجة ورجع، قال لأهله: كُلُوا فإنها حرمت علي، فقال له أهله: ونحن أيضاً قد حرمت علينا. الجواب: كان الرجل مجوسياً أو وثنيّاً، فذبح شاة وخرج لحاجة وأسلم وأهله أيضاً أسلموا، فقال لأهله: كلوا فإني أسلمت لا تحلّ لي ذبيحة المجوس ! فقال له أهله: نحن أيضاً قد أسلمنا وحرمت علينا أيضاً.
 
وسألاني عن امرأة تزوجت في شهر واحد ثلاثة أزواج، كل ذلك حلال غير حرام. الجواب: إن هذه المرأة طلقها زوجها وهي حامل فوضعت. انقضت عدتها بالوضع فتزوجّت، ثم أن هذا الزوج خالعها قبل الدخول فلا عدة عليها، فتزوج بها آخر وهكذا إن أردت رابعاً وخامساً وسادساً.
Page 7
وسألاني عن رجل حرمت عليه امرأته سنة من غير حنث أو طلاق أو عدة. الجواب: هذا الرجل وامرأته كانا محرمين فلم يدركا الحجّ، فلم تزل امرأته تحرم عليه إلى العام القابل، فإذا فرغت من الحجّ في العام المقبل حلّت لزوجها.
 
وسألا عن امرأتين لقيتا غلامين فقالتا: مرحباً بابنينا وابنيْ زوجينا وهما زوجانا ! الجواب: إن للمرأتين ابنين، وكل ّواحدة منهما مزوجة بابن صاحبتها، فكان الغلامان ابنيهما وابني زوجيهما وهما زوجاهما.
 
وسألا عن رجلين شربا الخمر فوجب الحدّ على أحدهما دون الآخر. الجواب: كان أحدهما غير موصوف بأوصاف وجوب الحدّ كالعقل والبلوغ.
 
وسألا عن مسلمين سجدا لغير الله وهما مطيعان في هذه السجدة. الجواب: هذه سجدة الملائكة لآدم .
 
وسألا عن امرأة ادّعت البكارة وزوجها يدّعي أنه أصابها فكيف السبيل إلى تحقيق هذا الأمر؟ الجواب: تؤمر القابلة بأن تحملها بيضة فإن غابت البيضة كذبت المرأة وإن لم تغب صدقت.
 
وسألا عن رجل سلّم إلى زوجته كيساً وقال لها: أنت طالق إن فتحته أو فتقته أو خرقته أو حرقته! وأنت طالق إن لم تفرغيه! الجواب: يكون في الكيس سكر أو ملح أو ما شابههما فيوضع في الماء الحارّ ليذوب ويفرغ الكيس.
 
وسألا عن امرأة قبّلت غلاماً وقالت: فديت من أمّه ولدت أمَّه وأنا امرأة أبيه. الجواب: إنّها أمّه.
 
وسألا عن خمسة نفر زنوا بامرأة: فعلى أحدهم القتل، وعلى الثاني الرجم، وعلى الثالث الحدّ، وعلى الرابع نصف الحدّ، وعلى الخامس لا يجب شيء. الجواب: الأول مشرك زنا بامرأة مسلمة يجب قتله، والثاني محصن فعليه الرجم، والثالث بكر فعليه الحدّ، والرابع مملوك عليه نصف الحدّ، والخامس مجنون لا شيء عليه.
 
وسألا عن امرأة قهرت مملوكاً على وطئها وهو كاره لوطئها، فما يجب عليهما؟ الجواب: إن كان المملوك يخشى أن تقتله أو تضربه أو تحبسه فلا شيء عليه، وإلاّ فعليه نصف الحدّ. وأمّا مولاته إن كانت محصنة فعليها الرجم وإلاّ فالحدّ ويباع المملوك عليها.
 
وسألا عن رجل يصلّي بقوم، فسلّم عن يمينه طلقت امرأته، وعن يساره بطلت صلاته، ونظر إلى السماء فوجب عليه ألف درهم. الجواب: لما سلّم عن يمينه رأى رجلاً كان زوج امرأته وكان غائباً، فثبت عند القاضي موته فتزوجه بامرأته هذا المصلي، فرآه وقد قدم من سفره فحرمت عليه زوجته. ثم سلّم عن شماله. فرأى على ثوبه دماً فلزم عليه إعادة الصلاة، ونظر إلى السماء فرأى الهلال، فحلّ عليه الدَّيْن المؤجل إلى رأس الشهر.
 
وسألا عن رجل ضرب رأس رجل بعصاً وادّعى المضروب ذهاب إحدى عينيه وتجفيف الخياشيم والخرس من تلك الضربة، فيومئ بذلك كلّه إيماء أو يكتب كتابه. الجواب: يقام في مقابل الشمس، فإن لم يطرق رأسه فهو صادق، ويشم الحراق، فإن لم ينفعل فهو صادق، ويغرز لسانه، فإن خرج منه دم فهو صادق.
 
وسألا عن إمام يصلّي بقوم وكان وراءه أربعة نفر، فدخل المسجد رجل فصلّى عن يمين الإمام، فلمّا سلّم الإمام عن يمينه رآه الرجل الداخل، فله قتل الإمام وأخذ امرأته وجلد الجماعة وهدم المسجد. الجواب: أن الداخل أمير تلك البقعة، وسافر وخلّف أخاً مقامه في البلد فقتله المصلّي، وشهد الجماعة أن زوجة الأمير في نكاح القاتل وأخذ دار الأمير غصباً جعلها مسجداً، فلمّا سلّم رآه الأمير فعرفه فله قتله وأخذ منكوحته منه، وجلد الذين شهدوا زوراً، وردّ المسجد داراّ كما كانت.
 
فقال الرشيد: لله درّك يا ابن إدريس ما أفطنك ! وأمر له بألف دينار وخلعة، فخرج الشافعي من مجلس الخليفة يفرّق الدنانير في الطريق قبضة قبضة، فلمّا انتهى إلى منزله لم يبقَ معه إلاّ قبضة واحدة أعطاها لغلامه.
 
وبعد هذه المحنة، عاد الشافعي إلى تدريس العلم والتذكير به، ويُخرج للناس أثراً خالداً ما زال الناس ينعمون به حتى زماننا، هذا ومستمراً إلى ما يشاء الله. ثم اجتمع إليه في بغداد فقه الحجاز وفقه العراق، وقد أخبرنا ابن حجر عن ذلك فقال: «... انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رئاسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملاً ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، واجتمع له علم أهل الرأي، وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصّل الأصول وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار».
 
بقي الشافعي مدة في العراق مكرماً، وقد احتل مكانة مرموقة في ضيافة محمد ابن الحسن الذي أكرم نزله، حتى أنه كان يفضل مجلسه على مجلس السلطان، وقد أخذ الشافعي عنه علماً كثيراً، كما اطلع على كتب فقهاء العراق، وكانت له مناظرات مع مضيفه، ومنها مناظرته المشهورة في مسألة الشاهد واليمين، ومفادها: أن الحنفية كانت ترى أن البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر، وعلى ذلك فلا يمين على المدّعي، فإن كان معه بينة مقبولة قضي بها، وإلا يُحلّف المدّعى عليه، فإن حلف قضي له قضاء ترك، وإن نكل قُضي للمدعي، ولا يمين على المدّعي في أيّة حال. أما المالكية والشافعية فيقولون أنه إذا لم يكن مع المدّعي إلا شاهد واحد قضي له إذا حلف، ويكون حلفه في مقام الشاهد الثاني، وذلك يجوز في الأموال فقط، وأما في غير الأموال فلا توجبه فيها اليمين للمدعي اقتصاراً على مورد النص(8).
Page 8
لقد كانت هذه المناظرة بين الشافعي ومضيفه مع أن الشافعي كان يعتبر نفسه من أصحاب مالك، وهي مثبتة في كتاب (الأم) الجزء السابع، وبإمكان الراغب في التعرف عليها، العودة إلى الكتاب لزيادة الفائدة، هذا وقد نقل عن الرواة، أن الشافعي أفلح في المناظرة على أستاذه ومضيفه.
 
عاد الشافعي بعد ذلك إلى مكة، وقد نقل معه حمل بعير من كتب العراقيين، وكانت مكة محج العلماء من سائر الأقطار، وبدأ يلقي فيها الدروس، واجتمع مع كبار العلماء الذين استمعوا له، وفي هذه الفترة، التقى به أحمد بن حنبل، وقد تبلورت شخصية الشافعي، ولمعت بفقه جديد مزج فيه بين فقه أهل المدينة وفقه أهل العراق، وأقام في مكة يعلم ويدرس الفقه نحو تسع سنوات، ويستنبط من أخبار الرواة، ويضع المقاييس لمعرفة الحق بضابط دقيق في استخراج قواعد الاستنباط، والتعرف على الأحكام: ناسخها ومنسوخها وخصائص كل منهما، وعلى مكان السنة من علم الشريعة ليعرف صحيحها من سقيمها، وطرق الاستدلال بها، ومقامها من القرآن الكريم، ويستخرج الأحكام إذا لم يكن في الكتاب والسنة، ويتعرف على ضوابط الاجتهاد وحدوده.
 
وفي سنة 195هـ عاد الإمام الشافعي إلى بغداد للمرة الثانية، وكان الأمين قد تولّى زمام الأُمور، ووصل الشافعي هذه المرة بغداد بطريقة فقهية غير مسبوقة، وقد أصّل الأصول، وضبط المسائل الجزئية، فوجدت بغداد فيه عالما كبيرا، فاجتمع عليه علماء وفقهاء، ووفد إليه المحدثون وأهل الرأي. وأثناء هذه الرحلة ألف لأول مرة كتاب (الرسالة)، ووضع فيه الأساس لعلم أُصول الفقه. وقد أورد ياقوت في معجمه عن الآبري قول اسحق بن راهويه عن علم الشافعي: «كنا عند سفيان بن عيينة، نكتب أحاديث عمرو بن دينار، فجاءني أحمد بن حنبل فقال لي: قم يا أبا يعقوب حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فقمت، فأتى بي فناء زمزم، فإذا هناك رجل عليه ثياب بيض تعلو وجهه السمرة، حسن السمت، حسن العقل، وأجلسني إلى جانبه، فقال له يا أبا عبدالله، هذا اسحق بن راهويه الحنظلي، فلما طال مجلسنا، قلت: يا أبا عبدالله، قم بنا إلى الرجل، قال هذا هو الرجل، فقلت: يا سبحان الله، أقُمْتُ من عند رجل يقول حدثنا الزهري، فما توهمت إلا أن تأتينا برجل مثل الزهري أو قريب منه، فأتيت بنا إلى هذا الشاب، فقال لي: يا أبا يعقوب، اقتبس من الرجل فإنه ما رأت عيني مثله ». وهذا الحديث يدل على غرازة علم الشافعي وثقة أحمد بن حنبل بحديثه وفقهه.
 
وروي أن عبد الرحمن بن مهدي، التمس من الشافعي أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن والسنة والاجماع والقياس وبيان الناسخ والمنسوخ، ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي له كتاب «الرسالة»، فلما وصل الكتاب إلى عبد الرحمن وقرأه قال: «ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل» ويقول الرازي: «واعلم أن الشافعي  قد صنف كتاب «الرسالة» وهو ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة وفي كل واحد منها علم كثير».
 
بعد ذلك عاد الشافعي إلى مكة، وقد ترك أثراً كبيراً بين علماء بغداد، حتى كانت سنة 198، ليعود مرة ثالثة إلى بغداد، ويقيم فيها أشهراً قليلة، انقطع خلالها عليه خلق كثير، وأذعن بفضله العلماء، فعلت مرتبته بين الخلائق والولاة وسار ذكره، فصنف فيها كتابه القديم «كتاب الحجة» الذي رواه عنه أحمد بن حنبل وأبو ثور والزعفرانيوالكرابيسي(9).
 
ثم ارتحل بعد ذلك إلى مصر، وكان سبب ارتحاله بهذه السرعة، أن المأمون قرب إلى مجلسه المعتزلة، وجعل منهم كتَّابه وحُجَابه وجلساءَه، وكان الشافعي ينفر من منهجهم الذي قامت على أثره كما ورد عند الرواة (محنة القرآن). وفي نفس الوقت، عرض المأمون على الشافعي تولي القضاء لكنه اعتذر، ثم عزم على الرحيل إلى مصر، وقد ورد في معجم ياقوت: أن العباس بن عبد الله بن العباس بن موسى قد دعاه إلى مصر وكان خليفة لعبد الله المأمون، فوجدها الشافعي فرصة ثمينة للخروج من العراق، وفعلاً رحل إلى مصر، ونزل بالفسطاط ضيفا على عبد الله بن الحكم، وكان من أصحاب مالك، وكانت طريقة مالك منتشرة بين المصريين. غير أن الشافعي قال بيتين من الشعر قبيل رحيله من العراق، أحس أنه لا بد من قولهما:
 
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر
 
ومن دونها قطع المهامة والقفر
 
فو الله ما أدري الفوز والغنى
 
أُساق إليها أم إلى القبر
 
كانت نفس الإمام تتوق لزيارة مصر، لكنه لم يكن يعلم أن قدره كان يسوقه إلى قبره، ومع ذلك، فقد صنف فيها كتاب (الأم)، في الأصول.
 
وفاز أيضا بنشر علمه وآرائه الفقهية، وتصانيفه وكتبه والتي منها (الرسالة) وهي في أصول الفقه، وكتاب القسامة، وكتاب الجزية، وكتاب قتال أهل البغي، وغيرها من الكتب والدرر النفيسة. وكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - قد قال عنه: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة واختلاف الناس والمعاني والفقه.
Page 9
شخصيته
 
ولد محمد بن إدريس الشافعي في مدينة غزة، وتوفي أبوه بعد مولده بمدة قصيرة، فانتقلت به أمه إلى مكة، وجالس العلماء والمحدثين صغيراً، فاكتسب علما وأدبا، وحفظ القرآن صبيا، ثم عكف على حفظ حديث رسول الله ﷺ ، والتحق بمجلس الإمام مالك بن أنس مبكراً، ودرس الفقه على علماء ومشايخ عصره الكبار، واستمر في طلب العلم حتى أصبحت له مكانة مرموقة بين علماء عصره الذين أجمعوا بأنه لا يجارى ولا يبارى، وشغل الناس بعلمه وذكائه. فصار حجة عصره وبين أهل زمانه.
 
أحبه الناس من العامة والخاصة لحسن حديثه ولباقته، وكسب ثقتهم، وتعرض له البعض، إلا أنه كان باسم الثغر، واسع الصدر حليما، مشرق الوجه، متواضعا، عزيز النفس، خاضعا للحق، مصفحا عمن يسيء إليه، مبتعدا عن التعصب، ملتمسا العذر لمن يخالفه، فصيح اللسان بليغ العبارة مؤثراً في نفس غيره.
 
أثنى عليه مالك ولم يكن قد تكامل نموه، فقال له: يا ابن أخي تفقه تعل. وقال له أيضا: يا محمد اتق الله فسيكون لك شأن. وقال عبد الرحمن بن المهدي عنه وهو يقرأ رسالته: هذا كلام شاب مفهم. وحدث محمد بن الحكم فقال: ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس - رحمه الله -، فقد كان صاحب سنة وأثر وفضل وخيرة مع لسان فصيح، وعقل رصين.
 
وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: أن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام رجلاً يقيم لهم أمر دينهم، فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المئة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المئة الأخرى.
 
واعلم أخي القارئ أن خصائص شخصية الشافعي كثيرة، والشهادات على ذلك وفيرة، وما سقت هذه الأمثلة إلا لأبين بعض صفات شخصيته من خلال أقوال علماء أجلاء ممن عاصروه وحضروا عصره.
 
تمتع الإمام بذاكرة قوية، وفتح الله عليه، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وقرأ الموطأ وهو ابن عشر، وروى الربيع بن سليمان: أن الشافعي كان يختم القرآن في رمضان ستين مرة، كل ذلك في صلاة. وطلب اللغة والشعر في بداية حياته. قال محمد بن الحكم: . . وكان أصحاب الأدب يعرضون عليه الشعر فيبين لهم معانيه، وورد أنه كان يحفظ عشرة آلاف بيت لهذيل وإعرابها ومعانيها، وكان من أعرف الناس بالتاريخ.
 
منحه الله هبات كثيرة، فكان سر فصاحته موهبة أعطاه الله إياها، وكان صاحب بديهة حاضرة وعقل منفتح، وحجة قوية مقنعة، وفكر نير عميق، يغوص في المعاني حتى يصل إلى الحقيقة، لا يكتفي بالجزئيات وإنما يبحث في الكليات بفكر ناقد وبصيرة ثاقبة، وكان واضح التعبير، قوي البيان، طويل النفس، في صوته نبرة مؤثرة أعجبت الإمام مالك حين قرأ الموطأ أمامه، ويروى أن ابن أبي الجارود كان يقول عنه: ما رأيت أحدا إلا وكتبه أكثر من مشاهدته إلا الشافعي، فإن لسانه أكثر من كتبه، وعُرف أيضا بشجو صوته، حتى روي عن معاصريه في بغداد قولهم: إذا أردنا أن نبكي قلنا قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة.
 
وكان - رحمه الله - نافذ البصيرة، قوي الفراسة، مما جعل الناس يلتفون حوله في مجلسه، يحدث سامعيه بمقدار ما يألفون وما يطيقون، وكان صافي النفس، صائب النظر، صادق التعبير عن المعاني مخلصا في آدائه، متفانيا في علمه، يطلب العلم لله أمينا وشجاعاً غير عابئ بالمتقولين، وهو المنشد:
 
إذا نحن فضلنا عليا فإننا
 
روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل
 
وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته
 
رميت بنصب عند ذكري للفضل
 
فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما
 
أُدين به حتى أُوسد في القبر
Page 10
ومعروف أن الشافعي كان مخلصا لأستاذه الإمام مالك، لكن إخلاصه لم يمنعه من مخالفته في بعض الأمور، كما أنه لم يمنعه حبه لمحمد بن الحسن أن يناظره، وكان حظه من المناظرات كما يقول: والله ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة. وقد وضح أحمد تمام في كتابه (الشافعي ملامح وآثار) عن كيفية ظهو رشخصيته ومنهجه في الفقه الذي جاء مزيجا من فقه الحجاز وفقه العراق، واستطاع أن يفعل ذلك وسط الجدل الذي كان بين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق، حين أخذ موقفا وسطيا بينهما بما تيسر له من الجمع بين المدرستين.
 
وكان - رحمه الله - من أكثر الناس سخاء بما يجد عنده. فقد قال محمد بن عبدالله المصري، كما ورد عن عمرو بن سواد السرجي قوله: ... كان الشافعي أسخى الناس عن الدنيا والدرهم والطعام. وورد عن صفاته أيضا أنه كان شديد الخجل، فإذا سأله أحد احمرّ وجهه خجلاً من السائل ثم بادر بإعطائه، وكان يوزع ما يُهدى إليه قبل أن يغادر باب من أهدى إليه. ومما ورد من أقواله:
 
. ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب لي.
 
. كل ما قلت لكم فلم تشهد عليه عقولكم وتقبله وتراه حقاً فلا تقبلوه فإن العقل مضطر إلى قبول الحق.
 
. ما أورد أحد الحق والحجة إلا هبته، واعتقدت مودته ولو كابرني على الحق أحد ودافع الحجة إلا سقط من عيني.
 
. أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يُرجى ويخاف.
 
. والله ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها، لأن الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عند العبادة.
 
هذا وقد كان للحياة في بادية هذيل أثرها الواضح في تكوين شخصيته من خلال لغته وبيانه وشعره الذي جاء خلاصة تجربته، والتي عبرت عن دقة ملاحظته وحسن تعبيره.
 
ومن صفاته الشخصية والنفسية أيضاً، أنه كان حسن الهيئة، طويل القامة والعنق، أسمر البشرة، حسن الصوت، شديد البكاء في قراءة القرآن، مقتصداً في ثيابه، يتختم بخاتم في إصبع يده اليسرى مكتوب عليه (كفى بالله ثقة لمحمد بن إدريس). وكان عنده معرفة بالطب، ماهراً في الرمي، حاضر البديهة عميق الفكرة، واسع العقل، موفور البيان، فصيح اللسان، وطيد الإيمان، بارعا في الخطابة، بعيدا عن الشهرة والإعجاب بالذات، وهو القائل: «ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب لي». وكان - رحمه الله - لا يتحرج عن الرجوع في رأي، ولا يتأثر بقرابة أو صداقة في قول الحق. وكان كثير العبادة والتهجد، وقد روى الذهبي في السير عن الربيع بن سلمان قوله: كان الشافعي قد جزأ الليل، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام.
 
هذا وقد أسلفنا في موضع سابق من سيرته أنه عاش فقيراً، لكنه ترفع عن سفاسف الدنيا، فلم ينل الفقر منه، ولا تطامن عن ضعة، سعى إلى العلم بهمة وجلد، رفض هدية الوزير، وفرق أعطية الخليفة قبل أن يغادر بابه، وهذا ليس غريبا أو عجيبا على من كانت هذه بعض صفات شخصيته، وما توافر عليه من عفة وعزة نفس، وما كان يُؤثر به غيره على نفسه.