eKtab
EN ع
الإمبراطور الصغير
Read free sample

الإمبراطور الصغير

by محمد عبد الملك

Page 1
(1)
 
انظروا في أي ورطة وضع الإمبراطور الناس في هذه الجزر· وأي جريرة راحت ترتكب في وضح النهار وفي كل مكان بعد ذلك. لكن من أين نبدأ؟
 
عندما رغبت الشركات الأمريكية بالكشف عن الذهب في هذه الجزر اتصلت بإدارة المستعمرات أولاً لتأخذ موافقتها، رفضت الإدارة طلب الشركات الأمريكية فتوجهت هذه الشركات إلى حكومتها· الحكومة الأمريكية خاطبت إدارة المستعمرات فوافقت على حفر منجم في بلاد الأرخبيل، كانوا يتفاوضون على حفر المناجم في أراضيهم! أهل بلاد الأرخبيل لم يعرفوا بهذا قط، ولم يؤخذ رأيهم·
 
كانت القوانين والأنظمة واللوائح في البلاد توقع باسم الإمبراطور الصغير، كما وصفه الأهالي، وذلك لهيامه بالإمبراطور نابليون وتقليده· كان ختم الدولة تحت اسمه ويظهر الختم صغيراً مشوشاً وغامضاً وخائباً·
 
مَنْ قال: أنا الدولة؟
 
حدث ذلك في فرنسا· الإمبراطور الصغير كان لا يقول ذلك بل يفعل ويتصّرف من وحي هذا الشعور· فهو الدولة، وهو الشعب!
 
هو الإمبراطور بونابرت في جزر الأرخبيل·
 
هو سيّدها الحاكم، وعبدها المأمور·
 
ولا يستطيع الأهالي مخالفة حكم الإمبراطور·
 
كان الزعيم يفتح آفاقهم بالكلام، يتأمل المشهد ويحاول تفسيره· جاء الإمبراطور إلى هذه الجنة بمحض إرادته تدفعه رغبات إدارة المستعمرات في التوسع والسيطرة على طرق الهند والعالم، وتصريف القطن·
 
كان الزعيم ورهطه يتملكهم الشعور الجديد بالولادة· ولا يعرفون سر هذه الحسرات·
 
ظلوا ينتظرون زائراً لا يعرفون اسمه·
 
كان هناك العداء للإمبراطور الصغير البائس، الذي يرى ويسمع ويشعر بدبيب الكراهية في كل مكان، عن قرب وعن بعد، لكنه يتجاهلها كل الوقت ليتحاشى قلقه·
 
إن قبلها مات ·· إن تجاهلها عاش·
 
ليتعودوا التغيير ·· قبل ذلك لا بد من التمهل والإعداد وهم يواجهون أكبر إمبراطورية وجدت في هذا العالم المليء بالحروب والسيطرة والكوارث· كان عمال المناجم في كل هذه المناسبات الوطنية، عشرات المناسبات يتظاهرون فيها يطالبون برحيل الإمبراطور·
 
لماذا يخشى الإمبراطور الصغير من عمال المناجم؟
 
كان يفكر في حل للمشكلة؟ وأخيراً اهتدى إلى أن أفضل شيء يمكن أن يقوم به الآن هو إبعاد الزعيم ونفيه·
 
ذهب الإمبراطور إلى مسافة أبعد· أعلن عن نفي الزعيم وأصدر قرارات جديدة لعمال المناجم· كان هذا القرار مساندًا للقرار الأول الذي يحرم الإجازة السنوية مع حرمانهم الراحة في يوم الجمعة·
 
أحكم الإمبراطور قبضته على المناجم· سمع عمّال المناجم ما ينويه الإمبراطور، فعادوا للاعتصام، وتوقفوا عن العمل·
Page 2
لكن هذا لا يكفي!
 
كانــت مناجــم الذهــب تحــت الأرض، فــي أعماقهـــا، ويشتغل الأهالــي فــي ظــروف خطــرة لاستخــراج الذهب وصقله وتصفيته· المناجم لا تنضب ولا تتحدد بمكان أو أشخاص فالذهب وفيــر·
 
احتج عمّال المناجم على نفي الزعيم؛ فما كان من الإمبراطور إلا أن يمارس طقوسه المعتادة فألقى العمّال في السجن الصحراوي للسيطرة على الوضع المتأزم·
 
العمّال رأوا أن الإمبراطور الصغير قصير القامة، مثل نابليون بونابرت يمارس الإذلال، والقمع، والتحكم في البلاد· ومن جديد فهذا الانتشار السرطاني الذي أحدثه الإمبراطور في كل الدوائر يشعر الأهالي بالمرض والوهن والخيبة· حطّم العمال أدوات المناجم، قطعوا أسلاك الكهرباء، وخرجوا في احتجاجات يومية، وانضم الأهالي إليهم·
 
تردد اسم الزعيم في الفضاء الواسع، وحتى البحر·
 
- أعيدوا الزعيم إلى بلاده وأهله·
 
- أبعدوا الإمبراطور المريض·
 
قال الإمبراطور الصغير للأهالي: (قررت إدارة المستعمرات وقف التعليم طوال وجودها في جزر الأرخبيل، ومنع انتشاره بقدر الإمكان)·
 
لكنه رغم ذلك كان ينتشر!
 
الإمبراطور لم يستجب لمطالب عمّال المناجم في عودة الزعيم والعمّال المنفيين· أُخذ الزعيم في باخرة تابعة لإدارة المستعمرات· فوجئ الإمبراطور بقوارب صغيرة تحاصر الباخرة من كل جانب وترتفع منها هتافات ورايات· حاصرت قوارب الأهالي الصغيرة الباخرة التي يحتجز فيها الزعيم· من كل الجهات اندفعت الهتافات في فضاء البحر(يحيا الزعيم)· (اطردوا الإمبراطور)، (الموت لإدارة المستعمرات)· ملأت الجلبة قلب الباخرة، وهرع الجنود في كل اتجاه ليمنعوا الأهالي من صعودها من خلال قوارب النجاة· الأهالي اجتمعوا في مقدمتها غير مكترثين من العواقب· كان كل هدفهم هو الاحتفاء بالزعيم وتوديعه· الزعيم حُمل على الأكتاف في الباخرة· استلموه مقيّد اليدين· وواصلوا حمله· لكن جنود الإمبراطور استطاعوا حمله في سفينة صغيرة تحمل علم البلاد وانطلقوا يهتفون، فيما انشغل الزعيم بمراقبة النوارس البيضاء التي تكثر في هذه الجزر· تلك لفتة وفاء للزعيم الذي حرّك الماء الراكد في هذه الجزر·
Page 3
(2)
 
قال الإمبراطور الصغير للمندوب السامي:
 
- لم تنتج المدارس أفراداً مطيعين كما أردنا!
 
لكن لم يخشوا التعليم وهم قوّة عظيمة؟ هذا ما سيتضح فيما بعد·
 
وفي مراسلات الإمبراطور الرسمية التي يتبادلها بين بلاد الأرخبيل، وإدارة المستعمرات كثيراً ما أوضح عن خطورة التعليم، فقد كانوا يبدون تخوفهم مما يحدث هذه الأيام من أمور جاءت مع التعليم· لكن لا بدّ من تراب مع الذهب·
 
كانوا يتحدثون عن المجلس التشريعي، وفي المناجم خاصةً·
 
فكر الإمبراطور في الطريقة التي تقضي على الزعيم، المحرّك للعمّال والطلبة (والموظفين وصغار التجّار)·
 
كانت أحداث سياسية إصلاحية تحدث في دول الجوار·
 
ماذا يريد كل هؤلاء؟ إصلاحاً اقتصادياً· إصلاحاً عاماً· وأن يرفع الإمبراطور يده· كانت البلدان التي تحيط ببلاد الأرخبيل تعلن احتجاجها في وقت واحد· وهذا ما حيّر الإمبراطور وإدارة المستعمرات· وما يحدث هناك يحدث هنا، والمشاكل واحدة ومتشابهة إلى حد كبير فردة الفعل تتشابه، وتأتي على هيئة واحدة في الضغوط، والمقاومة، والتصدّي· الأحداث تزامنت معاً·
 
الصحف القادمة من بلاد الجوار تطل كل صباح بكتابات تلقي بظلالها على ما يجري· تفضح الاحتلال، وتدخله السافر المباشر في شئون البلاد· تلك إرهاصات عن بحث الأهالي لوسائل تعبير حرموا منها في الداخل· فضح الأهالي الإمبراطور وكشفوا أوراقه في العالم، هو البحث عن مخرج للغضب والرغبة في الإنصاف·
 
لم تكن هذه الكتابات من وحي الخيال· كانت تصدر من الأهالي أنفسهم، وهم من الطلائع الجديدة التي أفرزها التعليم، وعجنها الإمبراطور، واستوت ونضجت على نيرانهم·
 
كان الأهالي يعملون في السر، وتوزع منشوراتهم المعارضة، وترسل إلى الصحف والمجلات إلى كل مدن العالم، أحياناً يرسلونها مصوغة جاهزة للنشر، وأحياناً على هيئة بيانات تعبيراً عن رغبة قديمة دفينة، تذكيراً لهذا العالم أن المحنة تزداد ضراوة وأناسها يزدادون بؤساً·
 
هلع الإمبراطور من قصاصات الأوراق الصغيرة التي ترسل بالبريد أو في يد أشخاص إلى هذه الصحف بانتظام· الكتابات تصل إلى الرأي العام بلغات مختلفة· سارع الإمبراطور بالبحث عن مصدر هذه الأوراق· هل هم عمال مظاهرات القوارب؟ الأهالي المتعلمون؟ التجار الغاضبون؟ أم الجمعيات السياسية السرية التي توزع منشورات في كل المدن والقرى في آن واحد، بين فترة وأخرى؟ أم عمال الذهب؟ البحث الأول لم يسفر عن نتائج· لم يعرف الإمبراطور مَنْ وراء هذه الهجمة الخارجية، ومَنْ وراء المنشورات السرية الداخلية، والبلبلة التي تنتشر وتتصاعد كل يوم؟ هناك أشخاص يهاجمون الإمبراطور في المجالس المفتوحة، ويعرضون مطالبات مشابهة لما ينشر في الجرائد العربية، وما يذكر في المنشورات· يقفون وراءها إذن! أو أنهم من الدائرة نفسها؟ تتبعوا هذه الأسماء· حققوا معها· طاردوها· وضعوها بعيدًا عن إطار التعليم· وفصلوا مدرسين آخرين من الأهالي لإبعاد الكيروسين عن النار!
 
- وماذا بعد؟
 
(رحّلوا الإمبراطور!) كتبت المنشورات السرية التي توزع في الليل·
 
الوجه القبيح· الوثن المتحرك في كل شبر في البلاد، في كل دائرة حكومية، في كل مظاهرة أو احتجاج، أو عندما يأمر بإطلاق الرصاص أثناء تجمع الأهالي واعتصاماتهم، وهو يختفي وراء أي قرار سياسي، أو صحي، أو بوليسي·
 
كان الإمبراطور الصغير هو رمز الإمبراطورية وتجسيمها الهائل، وهيئتها المنفرة· مَنْ جالسوه قالوا إن رائحة كريهة تصدر من جسده·
 
عندما أرسل الزعيم وعمّال المناجم إلى المنفى حدث ذلك على يد الإمبراطور· .والإمبراطور هو الذي رفض مطالبات الأهالي بإعادتهم، وهو الذي ألغى مجلس الأهالي وطارد مظاهرات البر والبحر· وهو الذي قتل عمّال المناجم في هبّتهم الشهيرة·
 
ظل الناس يتذكرون الإمبراطور الصغير وهو يسير ·· الإمبراطور الصغير وفي يده عصا، وفي خصره مسدس، ومن خلفه شرطة مسلحون· يتصرف مثل سيد مع عبيده· يأمر مَنْ لا يقف أثناء مروره وهو يراقب الدوائر والوزارات، ويعتقل ويطلق الرصاص· ويقود الشرطة في الشوارع والأسواق، وبين عمّال الذهب·
Page 4
الإمبراطور يغيّر مناهج التعليم، ويضع مفتشاً عاماً، يراقب الدوائر والهيئات والمجالس ممثلا عنه· وهو يمثل الإمبراطورية، وهو الذي يصنع القرارات وينفذها في آن واحد·
 
عادت المطالبات باسم أحرار الوطن، وتبعتها ملصقات على الجدران تعبيراً عن استعدادهم للمقاومة·
 
كان الإمبراطور يقرأ هذه الملصقات مكتوبة على جدران المدارس، وفي المنشورات السرية، وكتابات من صحف الشرق التي تُهّرب ويقرأها الأهالي في الخفاء، وهي نفسها التي ترسل إلى العالم· اطلع العالم على ما يحدث في هذا الأرخبيل، وتشكلت لجنة للدفاع عن الأهالي·
 
- هناك شيء جديد ينمو!
 
قال الإمبراطور للمندوب السامي·
 
كان الإمبراطور يدافع عن الإمبراطورية وعن بقائه في جزر الأرخبيل في وظيفة عالية ونفوذه غير المحدود وامتيازاته المالية الكبيرة وإرضاء الذات·
 
يجتهد الإمبراطور الصغير لأسباب إضافيه الآن· وهو يحاول القضاء على أصحاب الفتنة· لكن قبل ذلك عليه أن يعرف مَنْ يؤثث هذه الفتنه، ومَنْ ينسج هذه الثياب، بعد ذلك عليه أن يثبت، أن هؤلاء الناس هم بالفعل من لوثوا الجدران باسمه، ووصفوه بأسوأ العبارات، وأسموه بالإمبراطور الصغير استخفافا به·
 
ومَنْ يرفض مهنة الحاكم؟
 
أبلى الإمبراطور بلاءً حسناً في جهاز المخابرات· كان يأخذ دوره في تعذيب الوطنيين، وقتلهم عندما كان في القارة الإفريقية· أظهر كل وفاء للإمبراطورية· .كان نقله إلى ممثل للإمبراطورية مكافأة له على بطشه وسيطرته على الثوار في كل مكان· كان يلعب بالمسدسات ويديرها بإصبعه دون أن تقع ويطلق بيدين في وقت واحد· كان يفعل ذلك أمام الناس متباهياً· في الأسواق كان يفعل ذلك سخرية بالأهالي المذعورين، وفي أسواق الطيور كان يوجه مسدساته على أقفاص الدجاج· وأثبت أنه أكثر شراسة من ذئب· وهو يؤمن بقوّة زرع الخوف·
 
لكن ما رأي المندوب السامي في أدائه؟ لسوء حظ الإمبراطور كان المندوب السامي لا يسير معه في خط موازٍ من التفكير: مراقبة عمال المناجم، مراقبة التعليم كما تشير تعليمات إدارة المستعمرات· كان يرأس المندوب السامي الإمبراطور بحسب الترتيب الإداري·
 
على إطفاء النار اشتغل الإمبراطور· وكان يقودهم المندوب السامي فوق العادة في الإقليم، وهو يرأس جزر الأرخبيل، ودول الجوار·
 
الصحف العربية ضاعفت حملاتها وهي تحرّض الرأي العام الخارجي·
 
ثم ماذا بعد ذلك؟
 
وجدت الصحف والمجلات في بيوت الناس ومكاتبهم· كتابات مقروءة في الداخل والخارج· عسسهم حصلوا على بعض الأعداد، مئات من الأعداد التي يتداولها الأهالي في السر·
 
في السر يحدث التحوّل·
 
ينمو الجنين في الرحم، ويخرج فجأة في لحظة، وهو مكتمل·
 
من الظلام المطلق إلى النور المطلق!
 
المفاجأة مباغتهَ ويصعب تطويقها كما يصعب تفسيرها· ويصعب السيطرة عليها·
 
أيّ نوع من المفاجآت يهيئها سكان هذه الجزر الذين يبنون أوهامهم في الخفاء، وأهدافهم التي لا يمكن التكهن بها·
 
يجلس الأمل مع الغموض في غرفة واحدة· ويناوران معاً لخلق المتاعب، وزرع القلاقل، وإثارة الفتن·
Page 5
يواجه الإمبراطور المجهول ويبحث عنه لكي يصبح معلوماً وواضحاً فيسهل القضاء عليه· يعرف مواطنو بلاد الأرخبيل هذه المعادلة، ويرسمون أحلامهم ويبنون قلاعهم· يرسل الإمبراطور الصغير مخبريه إلى كل المدن؛ ليأتوا إليه بقصاصات الصحف العربية والأوراق التي تحتوي مطالبهم· في النهاية لا يصل إلى شيء· في الصباح يتصفح في مكتبه أوراق (أحرار الوطن)· يتململ جسده وهو يستمع إلى الترجمان، ويزداد وجهه احمراراً، ويصعد في رأسه دخان إثر نار لاسعة·
 
يرفع الترجمان رأسه إلى الأعلى وينظر إليه؛ ليرى رد فعله· تظهر الانفعالات الوحشية في وجهه وينتابه خوف·
 
- هل أواصل سيدي؟·
 
يهز الإمبراطور رأسه· يقرأ المترجم نداءً مكتوباً في جريدة الرابطة موقع باسم (عربي)· النداء موجّه لأهالي الجزر· وكاتب النداء منهم· فماذا يقول النداء؟ أيها الناس طالبوا بحقوقكم
 
يتوقف الترجمان وينظر إلى الإمبراطور الذي يعرف لغة الأهالي شفاها· ويقرأ شيئاً واضحاً في وجهه·
 
يقول الإمبراطور:
 
- مَنْ كتب هذا الكلام؟
 
- أحرار الوطن··
 
- عليهم اللعنة·
 
يقولها بلكنة أهل الجزر منحرفة· يشعل سيجارة وينظر إلى الصحيفة· يتناولها· يضعها على مكتبه دون أن يرفع رأسه عنها·
 
ينظر إليها من جديد ·
 
يسأل الإمبراطور الصغير الترجمان: هل تحدثوا كالعادة عن قامتي القصيرة؟ يرفع سمّاعة التلفون ويطلب قومندان الشرطة، يفكّر ملياً ويقول:
 
- ماذا يجري في هذه الجزر؟ كانوا هادئين عقوداً؟
 
لا يريد إجابة· هو الآن يعرف كل شيء!
 
لكن المتغيّرات لا تحدث في مكان واحد فقط· وهي مثل أحجار ساقطة من مرتفع·
 
يردد الإمبراطور بصوت مرفوع ·· لا يسمعه أحد:
 
- يبدو أن هذه الكارثة لن تنتهي·
 
يناجي نفسه· يخاطب أناه· ويحفز قواه الخارقة، ويتأهب لمعركة جديدة قادمة فيها امتحان لقدراته كرجل عسكري، وحاكم مطلق، ستمتحنه الإمبراطورية وتراقبه إدارة المستعمرات· وهناك المندوب السامي الذي يراقبه عن قرب· يتذكر الإعلانات المتكررة التي تلصق على الجدران، وفي الصحف، وفي محطات الإذاعات العربية··
 
فهل هو الإمبراطور الصغير؟
 
وهل هو عصا الإمبراطورية؟
Page 6
وهل هو مريض بجنون العظمة؟ في هذه اللحظة يرتفع عن المقعد، ويذهب إلى المرآة الكبيرة التي كانت مصدر غرابة للجميع كان يحب أن يقف أمامها كل ساعة ببذلته العسكرية.
 
ما رأيّ الأهالي في كل هذا؟
 
يذهب عقله إلى مصر والعراق· الانتفاضات هناك لا تنتهي· الكلام عن مجلس تشريعي؟ ماذا يفعل هو إذن؟ هل يحكم الرعاع والجهلة هذه البلاد وتصادر الحضارة من الأرض؟ ما الذي يحدث بالفعل؟
 
وراح يتذكر العرائض التي تقدم له· وأفواج من الزعماء وكبار القوم يفدون إلى قصره في الأسبوع الواحد، يحملون أوراقاً مكتوبة وكلاماً· الأوراق نفسها تصله هو بدوره في أحيان أخرى: (نسخة لسعادة الإمبراطور)· لكن المطالب واحدة مع فروقات قليلة·
 
كان يفكّر الآن، وهو في مكتبه في عزل الطوائف بعد أن راحوا يلملمون أطرافهم بعد فرقة طويلة· التواصل الجديد يحدث بين كل الطوائف للاتفاق على المطالب، وتوحيد الصفوف، وهو ما يقض مضجعه، وهو يحدث لأوّل مرة بعد تناحرات متتالية عبر قرن· كان الإمبراطور يتفرج على هذا الاقتراب الطائفي ويضحك·
 
يستحق الأمر سيجارة جديدة، أشعلها في الحال وأرسلت دخانها· قرأ أفكاره بلذة وهدوء وسلام· بعض بوادر اليأس تنتابه، لكنه لا يقاومه· القوّة تبعث الاطمئنان في نفسه· لكن المندوب السامي ليس في صفه· وتحت إمرته الشرطة، وجيش الإمبراطورية، فهل يحتاج إلى قوّة الطيران في قاعدة الحيف؟ يبتسم ويتذكّر جريدة الشعله، والكلام الذي دار فيها·
 
المجلس التشريعي؟ هل أتلقى أوامر من هؤلاء الأميين؟
 
لكن هذا ليس كل شيء، فاللؤلؤ إلى كساد، وقد أخذت إخفاقات اللؤلؤ تترى وتتأكد هزيمته، وهو سيد الاقتصاد، والبلاد تعيش من موارده·
 
سوق اللؤلؤ ينحدر·
 
واللؤلؤ الصناعي الياباني يغزو الأسواق العالمية· لا طلب على لؤلؤ بلاد الأرخبيل· لم يعد هذا اللؤلؤ ملكاً متوجاً في العالم· واستغنت عنه غانيات القصور وجميلات المواسم والموائد· سفن الغوص تتناقص ·· الغوّاصون يهجرون البحر بعد أن منحوه حياتهم ··· يذهبون إلى المدينة بحثاً عن عمل· يجوع البحارة ويحزن النواخذة والطواويش ويفرغ البحر·
 
دمّر اليابانيون حيوات بأكملها في الجزر، وتركوا البحارة يزحفون من الماء إلى البر باحثين عن مأوى ولقمة· وماذا عن الذهب؟ ما زال اكتشافه صعبا وربما لا يجد عمال الذهب سوى التراب·
 
يقول الإمبراطور وهو متجه إلى المرآة:
 
الآن مهمتنا ستكون أصعب·
 
يعرف الإمبراطور إن الاقتصاد هو عصب الحياة· تستطيع أن تحكم شعباً مرفهاً بسهولة، فيما ·· من الصعب أن تحكم شعباً جائعاً قال:
 
- يجب أن نفعل شيئاً لبقائنا فإدارة المستعمرات غاضبة، وتصفنا بالضعف·
 
مشاكل أقل وبقاء أطول· يؤرقهم انحدار اللؤلؤ· الناس سيزدادون ضراوة من الفقر والمجاعة، والفاقة القادمة· وبينهم ينتشر الخوف·
 
وسفن الغوص تتوقف عند الشواطئ· وتباع اللآلئ بأسعار منخفضة· والبحارة الحفاة مبعثرون في الأسواق يبحثون عن عمل· بعضهم توجه إلى المزارع، لكن الفلاحين هناك ·· ؟ فائضون على الأرض، والحمّالون يملأون الموانئ، والأسواق· ولا توجد أعمال للآلاف من الناس·
 
ذهب الإمبراطور الصغير إلى مكتب المندوب السامي الذي أشار إليه بالجلوس قائلاً فيما الإمبراطور يأخذ مقعده:
 
- ما أخبار عمّال مناجم الذهب؟·
 
- تمت السيطرة عليهم وفصل زعماؤهم·
Page 7
- كثرت مطالب الناس وعرائضهم هذه الأيام لكن الطوائف متفرقة·
 
- فرصة من ذهب·
 
- لا نريد اضطرابات أكثر·
 
- تقدّم الناس بمطالب تتصل بتحسين أحوالهم المعيشية· قالوا أين تذهب أموال البلد؟
 
- امنحوهم ما يطلبون ما لم تمس المطالب الجوهر·
 
- المجلس التشريعي؟
 
- نعم· الاتجاه الآن لأهداف كبيرة؛ فلنحقق أهدافاً صغيرة؛ نتجنب هذا الهدف·
 
- ومن أجل إبعاد الطوائف بعضها عن بعض أكثر؟
 
كان الإمبراطور يعرف أن الأهداف المشتركة بين الطوائف كثيرة ورئيسية، وهي كفيلة بجمعهم، وفي هذه الفترة مع وجود عمال الطوائف بالآلاف في مناجم الذهب، نشأت بينهم إلفة العيش في مكان واحد، نشأت لديهم أهداف مشتركة تحت ظروف واحدة، ظروف قاسية لا تحتمل، وفكرة المجلس التشريعي التي بدأت تظهر على السطح لا تعرف الطوائف· وهناك طلاب المدارس المختلطون· الطوائف تندمج، وأنجزت الحياة أفضل الأهداف، وخلق التطور أجمل الغايات· الطوائف يختلطون بشكل لم تشهده هذه الجزر منذ مئات السنين في مؤسسات حديثة، ويفكرون معاً لحل مشاكلهم، ويجدون تقارباً جديداً، وتداخلاً بينهم إنها هدايا الذهب! لكن الإمبراطور يريد إبقاء الطوائف منفصلة كما كانت؛ لتخدم أوضاعها القديمة أهدافهم الجديدة·
 
لم تنقطع مراسلات الوجهاء والأعيان، مدفوعين من أهالي الجزر للتفاوض مع الإمبراطور· دخلوا في مفاوضات كثيرة، وتحركوا في كل اتجاه·
 
الأبواب لم تفتح· والمطالب لم تلبَ والصوت لم يصل، فظهرت بوادر جديدة لاحتجاجات يحث بعضها بعضا للتمرّد· وقرأ الناس في الصباح الباكر ملصقات تقول: (يا أهالي الجزر اقتربت الساعة، وعمّ القضاء، ودولة العدل قادمة· نحن نعمل في السر، ونهيئ للثورة ونتدرب على السلاح لكي نواجه الإمبراطورية، ونقضي على الإمبراطور الصغير· انظروا إلينا، الاتحاد قوّة، والنهاية قادمة· انتظروا ساعة الصفر· سمعتم من زعماء الأهالي والخطباء في التجمعات ما وضح لكم عن زوال الظلم· كونوا على أهبة الاستعداد حتى يأتيكم أمر ثانٍ)·
 
طارد الإمبراطور تلك الملصقات في كل مكان، ونزعها عن جدران المحاكم والمدارس، والمباني، والمكاتب الرسمية· لكنها عادت للظهور فمزّقها جنود الإمبراطور من جديد· ولكن ملصقات جديدة ظهرت·
 
تقول: (جهزوا أنفسكم لهبّة قريبة)·
 
الجماهير الغاضبة ألصقت بياناتها تقول:
 
- نحن على أهبّة الاستعداد·
Page 8
(3)
 
جاءوا إلى الجزر بحثاً عن الذهب؛ لجني الأرباح الطائلة بعد أن اكتشفوا إمكانية عثورهم عليه في قاع الصحاري· بعد زمن، وحين انتهوا من حفر عشرات المناجم ووصلوا حد الإجهاد جاءهم الذهب على هيئات جميلة عميقة اللون من المناجم· غطّى الذهب أقدامهم، واستبشرت وجوه العمّال المحليين المحيطين بالمناجم· كانت عيونهم المشرقة مفرطة السعادة، وظلوا بعد ذلك يضحكون كل النهار· وعندما جاء الليل احتفى الإمبراطور وأصدقاؤه على طريقتهم الخاصة: الرقص، والنساء، والنبيذ· الجميع كانوا سعداء، فالذهب الملهم يظهر فجأة وبوفرة· في تلك الليلة قالوا كلاماً كثيراً، وتنبئوا بمستقبل زاهر لهذه الجزر· كان لا بدّ من تجميع عدد هائل من العمّال المحليين للعمل في حفر المناجم بحثاً عن ذهب آخر، وتصديره إلى العالم·
 
من أجل ذلك حفروا أكبر مناجم الذهب في العالم آنذاك· جاء الذهب في الساعة التي زفت لهم خبر انحسار تجارة اللؤلؤ، فأحبوه وقالوا: هذه رحمة الله، وغنّوا لأجله·
 
تحدث الأهالي عن الذهب·
 
قال الناس: إن الذهب وفوائده ستذهب إلى مخازن الإمبراطور، وإدارة المستعمرات·
 
كان هناك توجس أن يذهب الذهب إلى الإمبراطور وجماعته· وهذا ما حصل·
 
كان هناك التحريض، والقسوة، والقلق عند الأهالي·
 
فالخيرات ستذهب إلى خَراج الإمبراطورية·
 
كانت هناك قوّة الإشاعة الموازية للتحريض· لا يستطيع الإمبراطور أن يملك وسيلة إعلام ماضية، وواسعة، وسريعة الانتشار كالتحريض الشفوي حيث تنتقل الحكاية، وتصبح أكثر اتساعاً، أشد بشاعة، أمضى سلاحاً·
 
تغدو الإشاعة أخطر·
 
يسمع الإمبراطور الصغير الروايات الكثيرة، ويقرأ الترجمان عليه منشورات أحرار الوطن· يعرف عن توجس الأهالي· الأهالي فسّروا ما يريدون:
 
على الإمبراطور أن يصلح نفسه!
 
تتسع المنشورات المكتوبة باللون الأبيض، والأحمر·
 
التحريض يتسع·
 
الجرح نازف طوال الوقت·
 
الكلام سيتحوّل إلى فعل·
 
لا صحف لدى الإمبراطور للتصدّي لهذا التحريض الشعبي الذي تضاف إليه نكهات التفاؤل· الإشاعة أسقطت دولاً·
 
ما ينشر في المنشورات يصبح كلاماً على كل فم، ثم يكون كلام الناس أسلحة لا يمكن منعها، أو معرفتها·
 
أسلحة تتحرك في كل مكان دون أن يراها أحد في أي مكان·
 
إنها التعويذة الخاصة للأهالي· شكوك الإمبراطور تذهب إلى الزعيم·
Page 9
تذهب الطوائف مجتهدة، مجهدة إلى طريق واحد· كتفًا بكتف، ويداً بيد، وبعد ذلك دماً بدم· سيهرق الإمبراطور دماء أخرى· دماء عمّال المناجم في مواجهات قسرية، يشاهد الزعيم بمعية العمّال بعد عودته من المنفى·
 
ماذا يريد العمّال ؟ وما لديهم من مطالب؟
 
ليس سوى حماية حياتهم من الخطر، وتأسيس مجلس تشريعي، وتحسين ظروف العمل، ومساواتهم في الأجور مع الأجانب، وأن يُمنحوا رواتب أفضل، وبدل مواصلات، ووقود إضاءة، وإجازة مدتها ثلاثون يوماً، وأن تبنى مساجد في مكان العمل·
 
كانت الطبقة العاملة في المناجم، تشعر بأهمية تشكيل لجنة تهتم بشكاوى العمّال ومطالبهم·
 
الطلاب في الشوارع يبدأون هجومهم المضاد الأوسع في موازاة مع مطالب العمّال المرفوعة· المنشورات السرية، والملصقات السياسية، والبيانات والكتابات على الجدران تملأ البلاد: أين يذهب الذهب؟
 
لا يثق الأهالي بهؤلاء اللصوص·
 
يتصاعد التحريض، واللغط الشفوي في المقاهي، والأندية، والبيوت أيضاً، وهو تحريض أمضى من المنشورات السرية، والملصقات، والبيانات؛ لأنه مستمر كل لحظة وكل دقيقة، ويشترك فيه النساء، والصبية، والشيوخ·
 
كانت مناجم الذهب تصدر الغضب والاحتجاج، وبين أعماقه المخيفة والخطرة كان العمّال المحليون يتحدثون عن قضاياهم الخاصة في همهمة تتوارى وسط ضجيج الآلات والحفر ·
 
بطش الإمبراطور هو وليمة الكلام آخر الليل، وإفطار الصباح·
 
العمّال يصدرون النشرات السرية والملصقات على الجدران، والبيانات النارية، وهم أنفسهم يقودون التحريض خارج المناجم·
 
اجتمع الهم الوطني بالهم المهني·
 
التقى عمّال المناجم على أهداف واحدة· وجدوا أنفسهم في قارب واحد سيغرق بعد قليل، وعليهم أن ينزفوا الماء الذي يهدد حياتهم، وأن يجدفوا بالقارب في اتجاه معين· ازدادت الألفة بينهم·
 
وحّدتهم الآلام والآمال·
 
صهرهم الوجع والخوف·
 
ما يحدث لم يحدث من قبل· في العقود السابقة كانت تحركات الأهالي لنيل مطالبهم فئوية تخص طائفة دون أخرى· كانوا ممزقين كالورق·
 
فوجئ الإمبراطور بتظاهرات كبيرة غطت العاصمة مطالبة بتوزيع أموال الذهب بينهم أسوة بالإمبراطور·
 
الإمبراطور معتاد على هضم الحقوق مثل: تمديد ساعات العمل، والأجور الهابطة، ولا إجازات سنوية وأسبوعية، ونقابات· الإمبراطور يستغل جهل الأهالي، وظروف الفقر، والفاقة، فيمنحهم أجورًا قليلة وإجازة سنوية ·· خمسة أيام فقط! ولا مقابل مادياً عن إجازة يوم الجمعة· لا نقابة· لا ظروف عمل آمنة· وفي الصيف لا يتوافر لهم ماء بارد كما يوفره للأجانب، وفيما كان الأجانب يسكنون في بيوت من حجر، كان الأهالي يسكنون في بيوت من سعف النخيل·
 
الإمبراطور يستحوذ على الذهب· يستخرج العمّال الكثير من الذهب والإمبراطور يقول للأهالي إن الذهب قليل، وبالكاد يغطي مصاريفه!
 
لكن كل هذا البلاء يبدو صغيراً أمام الجوع، والضياع الذي خلقته إخفاقات صناعة اللؤلؤ·
Page 10
ماذا يحدث؟
 
وماذا حدث قبل ذلك؟
 
كان هناك الوعي الذي بدأ مع انتشار التعليم، وانتشار الصحف القادمة من الشرق، واتساع نشاط الأندية· يترأس الزعيم اتحادات الأندية· ويجلس على ربوة المسرح· يذهب العمّال إلى حتفهم بيدهم، هاربين من حتف البؤس، معوّلين على حياة جديدة أقل غبناً·
 
وُعدوا بالجنة وإذ بهم في الجحيم·
 
نشطت البيوت، والمجالس، والمشارب تقول: يرسل الذهب إلى مدن الإمبراطورية في بواخر منتصف الليل· جاء الخبر من عمّال الميناء المحليين، والإمبراطور يقول للأهالي هناك ازدهار سيعم ··· الخير قادم سيلاً من المال· سنملأ جيوب الفقراء قبل الأغنياء· قدرت لنا رعاية الله أن يكون هذا البلد في شبع دائم، وحياة رغيدة، كلما نفدت ثروة منحنا الله غيرها! صلى الناس في المساجد، ورفعوا أيديهم شاكرين·
 
الأهالي بطبيعتهم الطيبة لم يلقوا الأمل، وأن يحصلوا على ما هو أكثر من فتات وعظام· قالوا: الذهب وفير، وقيمته عالية، ولا بدّ لنا من نصيب·
 
كان الله يهيئ لهم منزلاً آمناً، وبدائل جميلة هدية لطيبتهم· لكن الإمبراطور كان يهيئ لهم مفاجأه أخرى·
 
الأنباء وصلت إلى إدارة المستعمرات·
 
ظهرت هنا روح جديدة بين الأهالي، وأكثروا من الصلاة والسجود· في اليوم التالي توجه الإمبراطور الصغير بنفسه لمشاهدة الذهب وهو يلمع في الضوء· لم كره الإمبراطور نشوته فضحك من أعماقه، وربت على أكتاف العمّال· ولأول مرة شوهد الإمبراطور يضحك، كان سعيدا كالفراشة· سارت آلاف الأقدام في مسيرات جماعية عبر متاهات الطرق الطويلة متوجهة إلى المناجم بغبارهم وعدّتهم· من كل القرى والمدن· ذهبوا حفاة· قطعوا أميالاً طويلة سيراً على الأقدام· ركبوا ظهور الحمير، والجمال؛ لينضموا إلى الركب الجديد الذي يحفر بعمق في الأرض، وفي الصخر، وفي الأراضي الشاسعة· اجتمع آلاف العمّال ووجدوا أنفسهم في عصر جديد، وعذاب جديد·