eKtab
EN ع
الأمهات
Read free sample

الأمهات

by بافول رانكوف

Page 1
هالت! 
 
(قف بالألمانية)
 
ـ فلاندرا(1): همست الأم وأضافت: تحت سقف أمها!... ومع بلشفي.
ألصقت الآن عينها الثانية في ثقب قفل الباب، وكأنها تمنت بذلك رؤية صورة مقبولة أكثر في الغرفة المظلمة. لكنها لم تجد أمامها من جديد سوى خيالات أجساد عارية. عضت شفتيها بغضب، ثم نهضت ببطء. وقع نظرها على الزينة المعلقة على شجرة التنوب الموجودة فوق طاولة المطبخ. حيث بدا لها أن إحدى الكرات يمكن أن تسقط من نهاية الغصن. أزاحتها من مكانها ثم عبرت الغرقة المظلمة باتجاه المقعد ولكنها بقيت واقفة. ثبتت نظرها على باب الغرفة وكأنها تراقب الحدود. لم تعرف بالطبع ما إذا كانت ممنوعة من تخطي تلك الحدود الهامة، أم على العكس يتوجب عليها أن تعبرها.
عادت بعد لحظات بخطى ثابتة باتجاه الباب، ولكن ما أن لمست يدها المسكة حتى سحبتها ببطء ومسحتها بمريولها، وكأنها لمست شيئاً وسخاً. عبرت المطبخ من جديد، وجلست على المقعد الذي أطلق خشبه زقزقة قوية مسموعة. نظرت المرأة بتوتر إلى الباب، وحين وجدته لا يزال مغلقاً، لوحت بقبضتها مهددة، وقالت بقرف:
ـ الحيوانات في فترة الإخصاب. لا شيء يزعجكما.
وأدارت رأسها، وأطلقت زفيراً طويلاً.
ـ ولكن هذا بيتي ـ قالت ذلك الآن بصوت مرتفع ـ وهي ابنتي.
حين مررت الصبية وجهها فوق صدرالرجل، ودغدغ الشعر الخشن شفتيها، تنشقت رائحة رجولته الطاغية، ولكنها حين وصلت إلى تحت الإبط، تراجعت بسرعة:
ـ علينا أن نفكر بالطريقة التي يمكننا فيها تحميمك دون أن تنتبه أمي.
ـ شتو (ماذا)؟ سألها الرجل.
ـ سأحممك، أغسلك.
ـ تغسلينني؟ ضحك الرجل ـ سأغتسل بالثلج.
Page 2
ـ وأين نجد الثلج! سوف أحممك في الماء الساخن مثل طفل صغير.
ـ طفل صغير؟ كرر الرجل.
واستند على مرفقيه، ورفع رأسه كي يتمكن من رؤية وجه الصبية. تمعن في الوجه الذي توهج من ضوء القمر العابر من النافذة، وقال:
ـ بعد انتهاء الحرب سيكون لنا ولد.
انفجرت الصبية ضاحكة، وكبست يدها على فمها كي تخفف من صخب ضحكتها.
ـ اسم ولدي الأول سيكون "ألكسي ـ وهمس الرجل ـ تعودنا في عائلتنا أن يكون اسم الصبي الأول" ألكسي. ألكسي ألكسيفتش.
ـ ونحن تعودنا في عائلتنا أن تكون الطفلة الأولى على اسم أمها سوزانا. الكسي وسوزانا.   
استدارت الصبية على جنبها وألصقت جسدها بجسد، الرجل ثم وضعت ركبتها المطوية فوق بطنه، ثم سألت:
ـ متى ستنتهي الحرب؟
ـ حين سنتمكن من قتل جميع الألمان!
ـ جميعهم، لا، على ما أظن! بعضهم يعيش هنا معنا في أسفل المدينة، وهم أناس طيبون.
قَبَلها الرجل، ثم نهض فجأة وضغط وجهه على النافذة، وصرخ:
ـ الألمان!
فتح النافذة، وقفز عارياً إلى الخارج. رمت الصبية الساموبال خلفه.
فُتح الباب في أقل من جزء الثانية، ودخلت الأم مسرعة إلى الغرفة:
ـ أغلقي النافذة، غبية. وصل الألمان!
تسمرت الصبية في مكانها. شبكت أصابع يديها، وهمست من خلال شفتيها بالكلمات الأولى في الصلاة. دفعتها الأم، وقفزت باتجاه النافذة. أغلقتها، ثم جمعت بسرعة ما تبقى من البزة الروسية.
ـ قف! جاء الصوت من الخارج.
سُمع في الحال صوت إطلاق نار تبعته أوامر بالألمانية. وضعت الصبية وجهها على النافذة، لكن الأم شدتها من جديد:
Page 3
-غبية، ضعي قميصاً على جسمك، واستلقي! تصنعي النوم. لم تريه في حياتك. لا علاقة لنا بكل مايحدث، هل فهمت؟
لم يتوقف إطلاق النار.
ركعت الصبية العارية على السرير، ووضعت رأسها على ركبتيها وراحت تصلي.
ـ يا أم الرب، اصغي إلى كلامي وساعدي، اصغي وساعدي. يا أم الرب، اصغي إلى كلامي وساعدي كررت.
مررت والدتها يديها الممسكتين بثياب الجندي على ظهرها.
ـ اسمع المخطئة، وساعد البلشفي؟!
وقالت بحنق. ـ لحسن الحظ والدك لم يعد موجوداً.
التقت عيونهما. أدركتا في تلك اللحظة أن إطلاق النار قد توقف.
ـ قتلوه يا أمي: همست الصبية.
ـ البسي وتمددي في السرير. لا يمكنك الآن مساعدته، إما يكون قد هرب أو قبضوا عليه: أمرتها والدتها.
استلقت الصبية ببطء، مثل الطفل حين يدرك عجزه عن فعل أي شيء. جلست الأم على طرف السرير وغطت جسد ابنتها العاري بلحاف الريش السميك.
مررت طرف يدها على وجنتها وقالت:
ـ الألمان يمكن أن يحضروا في أي لحظة. سوف يحققون معنا. أنت لا تعرفين أي شيء! لقد أيقظك صوت إطلاق الرصاص. سوف أرمي ثيابه في فرن المطبخ. حان الوقت كي تلبسي ثيابك أيتها الرخيصة!
خرجت الوالدة مع شروق الشمس إلى فسحة البيت الأمامية. أحضرت الرفش من الحظيرة وبدأت بإزاحة الثلج. لقد سقط منه القليل في الليل، لكن آثار قدمي الجندي كانت لا تزال واضحة تحت نافذة ابنتها. ضربت بالرفش بضع ضربات إلى أن تكشفت الأرض.  
ألصقت وجهها بالزجاج. ابنتها كانت لا تزال راكعة، تصلي في سريرها.
سارت الوالدة بعد ذلك مقتفية أثر الأقدام فوق الثلج الذي كانت تارة تزيحه عن طريقها وحيناً تجمعه في كومات صغيرة. عبرت فناء البيت والحديقة حتى وصلت إلى السياج حيث وجدت أحد ألواح خشب السياج مرمياً على الأرض. رفعته المرأة بكل ما أوتيت من قوة ورمته فوق كومة كبيرة من خشب التدفئة الموجودة بالقرب من الحظيرة.
Page 4
 الثغرة في السياج موجودة منذ سنوات، هر أوفيسر (أيهاالسيدالضابط)، ولم أجد الوقت المناسب لإصلاحها. إنك بلا شك تعرف ما يحدث حين تكون المرأة وحيدة، ولا يوجد رجل يساعدها. حياة كلاب، يا حضرة الضابط: كانت تُحضر ما ستقوله للألمان.
حين رمت بضع رفشات من ثلج الحديقة فوق آثار القدمين الموجودة خلف السور، لفت نظرها شيئ شاحب على طرف التلة.
ـ يا إلهي! همست: أرجو أن يكون مجرد رؤيا.
برز من الثلج على بعد خطوات منها شيئ أزرق اللون.
انتصب البيت الريفي على طرف القرية. من الممكن ألا يكون أحد غيرها إضافة إلى الجنود الألمان، يعرف شيئاً عن وجود الجسد الميت فوق الثلج حتى ذلك الوقت، لأن رؤية سفح التلة غير ممكنة من البيوت الأخرى، كما أن الخروج لجلب الحطب من الغابة كان محظوراً في تلك الأيام. حدثت المرأة نفسها: إذا لم ينقله الألمان حتى ظهيرة اليوم، سأطلب العون من الكاهن. أمور الدفن إحدى مهماته.
لن تخبر ابنتها بشيء. منعتها من الخروج وأكدت على ذلك، كما قررت منع كل من يريد إلقاء نظرة على الميت من المرور أمام نافذتها. ستحمي ابنتها التي لا تزال صبية. ستنسى مع مرور الوقت. لقد نامت مع أحدهم، وهذا ما فعلته الأخريات. ستنتهي الحرب في أقرب وقت وستقع عيناها على وجه جديد. ستجد الإنسان الذي يسامحها. كل شيء سيبقى مدفوناً في السر تحت الثلج ويصبح في حكم الذكريات.
ألقت المرأة نظرة أخرى على طرف التلة، ولكن صوت هدير رعد بعيد شد انتباهها الآن. عاصفة في كانون الأول؟ بدا لها أمراً مستغرباً. وحين أرعدت من جديد، تذكرت فجأة ما قالته النسوة في اليوم السابق عن ذلك الصوت في الكنيسة أثناء القداس. إنها أصوات المدافع. اقتربت الجبهة. رسمت المرأة الصليب.
كانت الشمس لا تزال ضعيفة حتى إن المرأة لم تتمكن حتى الظهيرة من تجفيف الأرض التي داهمها المطر أثناء الليل. ركعت "سوزانا" ممسكة بيديها كتاباً مفتوحاً فوق العشب الرطب بالرغم من أنها تحفظ الصلاة على زوجها الميت عن ظهر قلب. ركزت نظرات عينيها المبقعتين باللون الأحمر بسبب الدموع السخية على كومة كبيرة من التراب الطري الذي كان يعلو قليلاً فوق الأرض.
Page 5
رفضت القيادة الألمانية السماح للكاهن بالرغم من توسله دفن النصير الروسي في حرم المقبرة المقدسة، مما جعل شباب القرية يجهزون حفرة في الأرض المتجمدة من سفح الجبل، وتحديداُ في المكان الذي أُطلق منه النار على النصير. لفوا الجسد الميت بغطاء السرير ودفنوه على عجل في تابوت تم تصنيعه من ألواح خشبية مستعملة، وبالرغم من ذلك قام الكاهن برسم الصليب على القبر: بولشفيك (شيوعي) أو قومي، جميعنا متساوون أمام
الرب، صرخ في وجه "الكارديستا"(2) الذي جاء لمراقبة عملية الدفن، وأبدى انزعاجه من تصرف الكاهن.
أول ما خطر ببال "سوزانا" حين تقدمت الجبهة كان تعمير القبر بشكل لائق. تعرفُ أن والدتها لن تدفع كوروناً واحداً، وهذا ما جعلها تقرر طرح الفكرة على الأعضاء الجدد في مجلس المدينة. الشيء الوحيد الذي كانت تخشاه هو قرار نقل "ألكسي" إلى المقبرة، أو ـ لا سمح الله ـ إرسال الجثة إلى الاتحاد السوفيتي. هنا على سفح الجبل سيكون قريباً منها، وبإمكانها زيارته كل يوم، وأحياناً ثلاث مرات في اليوم. كانت الأم بالطبع منزعجة وخائفة في ذات الوقت من كلام الناس، ولا سيما حين سيرون "سوزانا" تبكي علناً على حبيبها البولشفي.
لكن "سوزانا" بالرغم من ذلك لم تول الأمر أهمية تذكر. سيعرف الجميع بعد عدة أسابيع أنها تنتظر مولوداً. "ألكسي" الصغير. سيكون صبياً بالتأكيد. "ألكسي الكسيفيتش". كانت تفتش منذ وقت عن الكلمات التي ستقولها لوالدتها.
رسمت "سوزانا " الصليب أرادت إغلاق كتاب الصلوات، لكن نظرها وقع في تلك اللحظة على أسفل الطرف الثاني من الصفحة حيث دونت الصلوات على روح الوالدين. خطر ببالها أن تصلي على روح والدها نيابة عن طفلها القادم. وضعت إحدى يديها على بطنها وكأنها أرادت بذلك التواصل مع الطفل، وأمسكت بالثانية كتاب الصلوات بقوة، لأن الرياح القوية التي هبت في تلك الأثناء بدأت تقلب صفحاته:
ـ إلهي، يا من أمرتنا بتقديس الأب والأم، امنح غفرانك لروح والدي...
Page 6
لاحظت "سوزانا" وهي في طريق عودتها من سفح التلة إلى البيت خروج ثلاثة رجال من حديقة البيت باتجاهها. كان اثنان منهم جنديين سوفيتيين ببذاتهما التي يلمع اللون الأحمر من كتافياتها في شمس آذار البارد، والثالث مدني من عناصر الميلسشيا المحلية، علق شريطة حمراء على كم قميصه. كل شيء إلا نقل "ألكسي" من هنا، لاحت لها تلك الفكرة من جديد.
ـ أنت "سوزانا لاوكوفا"؟ سألها الميليشياوي حين التقوها في وسط المرج.
ـ نعم، وأنت تعرفني؟ ردت عليه "سوزانا".
ضم المليشاوي شفتيه بازدراء:
ـ عليك الإدلاء بشرح يتعلق بأشياء محددة، سترافقيننا.
لم يولها الجنديان السوفيتيان اهتماماً يذكر. تمشيا في المقدمة وراحا يتحدثان بحيوية عن شيء ما.
ـ هل يتعلق الأمر بدفن الكسي؟ سألت "سوزانا".
ـ لا أعرف ـ رد عليها الرجل صاحب الشريطة الحمراء. ـ سيخبرونك عن ذلك في الأسفل في "ليفوتشي". أحضري أوراقك الثبوتية، وإذا أردت شيئاً يحميك من المطر. يمكن أن يهطل.
سَرّعت "سوزانا" من خطواتها كي تلحق بالجنديين. أرادت أن تسمع وتلتقط منهما أكبر كم من اللغة الروسية الجميلة التي تذكرها بـ "الكسي".
حين وصلوا إلى البيت كانت الأم بانتظارهم في فناء البيت.
ـ ما الذي يحدث؟ سألت.
ـ لاشيء. ابتسم أحد الجنديين في وجهها ولوح لها بيده.
ـ حقاً ـ قالت لاشيء، "سوزانا" مهدئةً أمها. ـ هدئي من روعك يا أمي.
ـ عليها تفسير بعض الأشياء، سترافقنا، ـ كرر الميليشياوي كلامه السابق، ثم التفت إلى "سوزانا" وأمرها بأسلوب عدائي:
ـ هيا، تحركي إلى الداخل، وأحضري الأوراق. آين تسفاي! (واحد إثنان بالألمانية)
فتحت "سوزانا" الدولاب الموجود في المطبخ، وتناولت منه دفتر هويتها، ودسته في كتاب الصلوات.
Page 7
تريدين أخذ كتاب الصلوات معك؟ سألها الميلشياوي مستغرباً.
ـ إذا اضطررت للانتظار طويلاً، سأصلي على الأقل ـ شرحت "سوزانا".
رفع الرجل رمانتي كتفيه.
حين دخلت "سوزانا" إلى الغرفة لإحضار الشال الصوفي، بقي باب الغرفة موارباً مما جعلها تسمع السؤال الذي وجهته الأم للشاب: هل تعمل الآن مع الروس؟. أجابها: مثل كل إنسان شهد ما حدث في القرى المجاورة أثناء اندلاع القتال. كان الروس غاضبين، وكان على أحدهم أن يجد الشجاعة لإيقافهم. سألته الوالده بسخرية واضحة عما إذا كان قد أوقف الألمان في السابق. رد عليها الرجل قائلاً إنه يفضل لمصلحتها أن تخبئ لسانها.
خطر ببال "سوزانا" أنه سيكون من الأفضل لو أنها لم تتجول في "ليفوتشي" مثل عجوز مسنة وفي يدها كتاب الصلوات، لذا قررت ارتداء تنورة والدتها الزرقاء الرسمية المجهزة في داخلها من الأمام بجيب كبير حيث يمكنها وضع كتاب الصلوات هناك.
كانت سيارة روسية تقف بجانب البوابة الصغيرة. جلس الجنود في داخلها بانتظار صعود "سوزانا". عانقت الأم ابنتها بحرارة، وشدتها إلى جسمها وكأنها ترفض تركها، مما جعل المليشياوي ينزل من السيارة ليخلص الابنة عن أمها. بكت الأم وحاولت من جديد معانقة "سوزانا " لكن المليشياوي دفعها، وصرخ بها:
ـ اذهبي، سفولوتش(3)!
تبادل الجنود الروس فيما بينهم نظرات مسلية.
صعدت "سوزانا" وتحركت السيارة.
نادراً ما كانت "سوزانا" تغادر مسقط رأسها إلى "لفوتشي". لطالما سحرتها تلك المدينة بجمال أبنيتها القديمة البيضاء. تباينت حياتها البائسة في "زالسنا بروبا" مع تلك الأبنية الحجرية الجميلة التي تذكرها بالحياة الرغيدة التي عاشتها بورجوازية "لفوتشي" في العصور القديمة. كانت "سوزانا" تقول إنها ولدت في حقبة سيئة، وإن الأوقات الرائعة قد ولت إلى غير رجعة ولم تترك من بعدها سوى تلك الأبنية الجميلة التي لا يسكنها اليوم كما يتوقع المرء أناس شجعان ومحترمون.
Page 8
احتلت قيادة الكوميساريا الوطنية للشؤون الداخلية البناء المطل مباشرة على الساحة المستطيلة الواسعة وعلى دير المينوريتيين. وقفت "سوزانا" بجانب النافذة في الطابق الثاني وراحت تراقب الحركة النشطة في الساحة، حيث كان الجنود الروس يتحركون فيها بانتظام وسرعة، بينما كانت حركة السكان المحليين أبطأ وأكثر حذراً. بقي المعبر الموجود خلف ظهرها هادئاً وفارغاً، باستثناء البعض من كانوا ينتقلون من باب إلى آخر. انتظرت هنا نصف ساعة تقريباً دون أن ينتبه إليها أحد. ربما نسوا أنهم أرسلوا في طلبها، وربما اضطر الضابط الذي أراد التحدث إليها للخروج من أجل عمل أكثر أهمية، لذا عليها الانتظار ربما حتى المساء، وستعود بعد ذلك سيراً على قدميها في عتمة الليل وحيدة إلى "زالسنا بروبا".
أخيراً فُتح الباب في نهاية المعبر، وأطلت منه امرأة في لباس مدني، ونادتها بصرامة:
ـ سوزانا لايوكوفا، تعالي إلى هنا! بسرعة!
ـ اسمي لاوكوفا، سوزانا لاوكوفا: صححتْ للمرأة، حين دخلت الغرفة وكانت لا تزال واقفة بقربها.
وجدت "سوزانا" نفسها في غرفة واسعة، امتلأ القسم الأكبر منها بأثاث جُلب من مكان آخر، وتم ترتيبه بطريقة عشوائية تفتقد إلى الذوق، بينما استُخدم القسم القريب من الباب بوصفه مكتباً مؤقتاً، حيث وضعت فيه طاولة تتوسطها آلة كاتبة، تناثرت من حولها الأوراق، وَوُضِع في مقابلها كرسيان وفي طرفها مصباح، كما ثبتت بين الباب والطاولة مدفأة معدنية صغيرة، سُطر الخشب بقربها.
الغرفة مُدفأة بإفراط.
جلست الموظفة السوفيتية في أحد طرفي الطاولة، وأمرت "سوزانا" بالجلوس أمامها. نزعت "سوزانا" معطفها، ووضعته مع الشال الصوفي على ركبتيها.
سألت الموظفة "سوزانا" عما إذا كانت تعرف النصير السوفيتي "ألكسي ألكسيفيتش أورلوف".
انفرجت أسارير "سوزانا" لحظة:
ـ بالطبع، إنه... ـ ضغطت بحركة لا إرادية على أسفل بطنها ـ كان يتردد علينا كثيراً.
ـ كثيراً؟ رفعت الموظفة حاجبيها بفضول.
Page 9
ـ كثيراً. كان يحضر إلى القرية لشراء الطعام، ويتوقف دائماً في بيتنا. نحن نسكن تحت الجبل في آخر بيت من القرية. كنت دائماً أضيف إلى حقيبة كتفه كأس مربى أو بضع تفاحات. لم تكن هناك وفرة. إننا فقراء... كما أنني لم أرغب أن تنتبه والدتي لذلك.
سألتها الموظفة عن الناس الذين تحدثت إليهم عن زيارات "ألكسي". ردت "سوزانا" بأنها لم تخبر أحداً ولو بكلمة واحدة. غالبية السكان يعرفون أن "ألكسي" يزور القرية، وكانوا يزودونه بالطعام والمواد الغذائية، ولكن أحداً منهم لم يعرف عن زياراته لـ "سوزانا". أومأت الموظفة برأسها دلالة على تفهمها، ثم أدخلت بعد ذلك ورقة في الآلة الكاتبة، وبدأت الكتابة. كانت بين الفينة والأخرى تلقي نظرة على المستندات الموجودة على الطاولة. بدا الأمر وكأنها انتهت من طرح الأسئلة.
ـ سوف آخذ على عاتقي أمر تجهيز قبر "ألكسي" ـ قالت لها "سوزانا" أخيراً.
رفعت الموظفة نظرها لحظة عن الأوراق.
ـ سوف نعمر جدرانه، ونكتب الاسم... بالروسية والسلوفاكية. هذا واجب. سيصبح القبر ذكرى عن الحرب وضحاياها.
أومأت الموظفة برأسها:
ـ كراسيفايا إيديا. (فكرة رائعة).
أنزلت رأسها من جديد باتجاه الورقة وتابعت الكتابة، ثم نهضت من مكانها ومشت باتجاه النافذة. فتحتها وأحنت ظهرها إلى الأمام وصرخت:
ـ "غينا" أحضر القميص.
دخل بعد لحظات إلى الغرفة جندي يحمل على كتفه بندقية أوتوماتيكية، وبيده قميص قديم مدعوك من قماش "البوبلين" السميك الناعم. بقي واقفاً بالقرب من الباب بانتظار تعليمات أخرى.
قاست الموظفة "سوزانا" طويلاً، وسألتها بعد ذلك بصوت هادىء لا يخلو من الحزم عن سبب خيانتها "ألكسي". لم تفهم "سوزانا" عم تتحدث. كررت الموظفة سؤالها السابق بذات الطريقة الهادئة. حين فهمت "سوزانا" قصدها في نهاية الأمر، فنجرت عينيها، وفتحت فمها دون رغبة منها ثم أطلقت أنيناً خفيفاً، ولكنها في ذات الوقت حافظت على صمتها. وضعت بعد ذلك يدها على قلبها وكأنها تحضر نفسها للقسم، ولكنها بالرغم من ذلك لم تتمكن طويلاً من نطق كلمة واحدة.
Page 10
ـ هيا... أمرتها الموظفة.
ـ تقولين بأني... ـ استغربت "سوزانا، ـ خنت "ألكسي"؟ أنا؟
ـ أنت، حافظ صوت الموظفة على هدوئه.
ـ لا، أنا لم أخنه... أنا كنت أحب "ألكسي".
ـ أوي! أنزلت الموظفة يديها بطريقة مسرحية. ـ إنها تحب "ألكسي"....! الفاشية العاهرة..!
أشارت الموظفة إلى طاولتها، وقالت: تمكن الجيش الأحمر من الوصول إلى عدد من الوثائق الألمانية. كشرت، ورفعت إحدى الأوراق. مثلاً، لقد كتب الفاشيون أن "سوزانا لاوكوفا" زارتهم في شهر كانون الأول وأبلغتهم عن تحركات مسؤول تموين الأنصار الروس. مدت "سوزانا " يدها باتجاه الورقة وقالت:
ـ دعيني.
ـ لا ـ ضربت الموظفة قبضتها على الطاولة. ـ والآن، اخلعي قميصك.
ـ إنني لم أش بـ "ألكسي"، دعيني أر تلك الورقة!
ـ اخرسي، وانزعي قميصك.
ـ إنني لم أش بـ"ألكسي"، أرني تلك الورقة! صرخت "سوزانا" بصوت أعلى.
أحست كيف لكزها الجندي من كتفها. حين التفتت إليه، رأته يصوب عليها الساموبال.
ـ إنني لم أش بـ "ألكسي" ـ حاولت الآن أن تشرح للجندي. ـ هل تفهم؟ إنني أحببته.
ـ اخلعي قميصك! صرخ بها الجندي، وشد بذلته بأصابعه من الأمام لتصحيح هندامه.
فهمت "سوزانا" أخيراً أنهم يريدون منها أن تخلع بلوزتها. استدارت باتجاه الموظفة، وخلعتها ببطء، ثم وضعتها على الطاولة. وبالرغم من أنها كانت ترتدي قميصاً آخر تحتها إلا أنها غطت ثدييها بيديها كما لو كانت عارية.
ـ إلبسي. أمرتها الموظفة، وأشارت برأسها للجندي.
التفتت "سوزانا". ناولها الجندي القميص الذي أحضره معه. أخذته منه دون رغبة ولبسته ببطء. أحست أنه معبأ برائحة عرق ذكوري، ولم يُغسل منذ زمن طويل، ولكنها لم تعترض. هل يهم ما ستضعه على جسمها إذا كان أولئك الناس يظنون أنها وشت بـ "ألكسي" عند الألمان؟!. لقد انهارت بعد تلك التهمة غير المتوقعة، كما سيطر الضعف على تفكيرها وجسدها في آن واحد.
نادت الموظفة في تلك الأثناء على الجندي ليقترب منها، وقالت له شيئاً بصوت غير مسموع. بدا وكأنه لم يوافقها الرأي. حاولت "سوزانا" التقاط حديثهما. لعله أراد اقناع الموظفة ببراءتها، أو ربما تفهّم وضعها أكثر.
لم يكن الأمر كما توقعته. فهمت "سوزانا" أن الاثنين لم يتوصلا إلى تفاهم حول المكان الذي عليهما إرسالها إليه. أرادت الموظفة إرسالها إلى "سدريا"، لكن الجندي رفض لأن الغرف هناك ملأى بالرجال. الأفضل هو الاحتفاظ بها وحدها، وسجنها مباشرة في مبنى القيادة حيث لا يزال يوجد في القبو غرفتان فارغتان. وافقت الموظفة في النهاية على اقتراحه.
أمر الجندي "سوزانا" بالسير أمامه. اقتادها إلى غرفة مشرعة الأبواب، تقع في الطابق الأول حيث الفوضى أكثر بكثير من غرفة الموظفة. امتلأت الأرض بالمعاطف، والبزات، والكنزات الصوفية، والسراويل، والأحذية، والمظلات، والحقائب المفتوحة. توقعت "سوزانا" في الحال أن القميص الذي ترتديه الآن كان مرمياً قبل دقائق في مكان ما هنا على الأرض.
جلست امرأة بدينة ببزتها الرسمية على كرسي في وسط هذه الفوضى. حين دخل الجندي برفقة "سوزانا" إلى الغرفة نظرت إليهما بضجر.
ـ شرح الجندي: تفتيش شخصي.
نهضت المرأة من مكانها دون رغبة. أخذت شال الصوف من يد "سوزانا"، ووضعته على الكرسي. جستها بعد ذلك من تحت إبطيها، ونزلت بيديها الضخمتين ببطء إلى الأسفل. تفحصت اليدان الخصر لحظة. سحبت بعد ذلك كتاب الصلوات من جيب التنورة، ورمته على الأرض. فكت مطاط التنورة، ودست سبابتها القاسية من الأعلى ومن الأسفل. التفتت أخيراً نحو الجندي، وأخبرته بأن كل شيء على ما يرام. أمر الجندي "سوزانا" بأخذ شالها الصوفي من المقعد والخروج. حين انحنت لالتقاط كتاب الصلوات، صَوّب نحوها سلاحه من جديد. همهم بشيء بعد ذلك وأنزل فوهة الساموبال.