eKtab
EN ع
الأندلس في ظل الإسلام - تكامل البناء الحضاري
Read free sample

الأندلس في ظل الإسلام - تكامل البناء الحضاري

by د. عيسى محمود الحسن

Page 1
مقدمة
 
ترى كم من المسلمين سمع عن موقعة وادي بَربَاط؟ تلك الموقعة التي تُعدّ من أهمّ المواقع في التاريخ الإسلامي، فالموقعة التي فُتحت فيها الأندلس يتم تشبيهها في التاريخ بموقعتي اليرموك والقادسية، ومع ذلك فإن الكثير من المسلمين لم يسمع بالأساس عن وادي برباط.
 
وترى، هل قصة حرق السفن التي يُقال إنها حدثت في عهد طارق بن زياد، حقيقة أم هي من نسج الخيال؟ كثير من الناس لا يعلم حقيقة وتفاصيل هذه القصة، وكيف حدثت؟ إن كانت قد حدثت، وإذا لم تكن حدثت في الأصل فلماذا انتشرت بين الناس؟!
 
ثم، من هو عبد الرحمن الداخل؟ وكم من الناس يعرف تاريخه؟ ذلك الرجل الذي قال عنه المؤرخون: لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام بالكلية من بلاد الأندلس.
 
ومن هو عبد الرحمن الناصر؟ أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى على الإطلاق. ماذا نعرف عن حياته؟ كيف وصل إلى هذه الدرجة العالية؟ وكيف أصبح أكبر قوة في العالم في عصره؟
 
يوسف بن تاشفين القائد الرباني، صاحب موقعة الزَلاقَة، كيف نشأ؟ كيف ربّى الناس على حياة الجهاد؟ كيف تمكن من الأمور؟ بل كيف ساد دولة ما وصل المسلمون إلى أبعادها في كثير من الفترات؟
 
من يسمع عن أبي يوسف يعقوب المنصور، صاحب موقعة الأَرك الخالدة، تلك التي دُكت فيها حصون النصارى وانتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقا؟
 
من سمع عن دولة المرابطين المجاهدة؟ ومن سمع عن دولة الموحّدين وكيف قامت؟
 
من يسمع عن مسجد قرطبة؟ ذلك المسجد الذي كان يُعدّ أوسع مساجد العالم، ثم كيف حُوّل إلى كنيسة ما زالت قائمة إلى اليوم؟
 
من يسمع عن مسجد اشبيلية؟ من يسمع عن جامعة قرطبة والمكتبة الأموية؟ من يسمع عن قصر الزهراء ومدينة الزهراء؟ من يسمع عن قصر الحمراء؟ وغيرها من الأماكن الخالدة التي أمست رسوما وأطلالا، وهي اليوم في عداد أفضل المناطق السياحية في إسبانيا وتزار من عموم الناس سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
 
ثم من سمع عن موقعة العِقَاب؟ تلك التي مُني فيها المسلمون بهزيمة ساحقة، رغم تفوقهم على عدوهم في العدد والعدة، وكأن حُنَيْن عادت من غابر التاريخ لتروى أحداثها في موقعة العقاب، تلك الموقعة التي قال عنها المؤرخون: بعد موقعة العقاب لم يُر في الأندلس شابٌ صالحٌ للقتال.
 
من يعلم أن عدد المسلمين الذين هلكوا في هذه الموقعة الضخمة قد تجاوز ثمانين ألف مسلم؟
 
كيف سقطت الأندلس؟ وما هي عوامل السقوط التي إن تكررت في أمّة من المسلمين سقطت لا محالة بفعل سنن الله الثابتة.
 
ثم كيف وأين سطعت شمس الإسلام بعد سقوط الأندلس؟ كيف جاء غروب شمس الإسلام في الأندلس في غرب أوروبا متزامنا مع إشراقها وسطوعها في القسطنطينية شرق أوروبا؟
 
ما هي مأساة بَلَنْسِيَّة؟ وكيف قُتل ستون ألف مسلم في يوم واحد؟ وما هي مأساة أو بذّة؟ وكيف قُتل ستون ألف مسلم آخرين في يوم واحد؟
 
ما هي مأساة بَرْبُشْتُر، وكيف قُتل أربعون ألف مسلم في يومٍ واحدٍ، وسُبيت سبعة آلاف فتاة بكر من فتيات بَرْبُشْتُر؟
 
ماذا كان ردّ فعل المسلمين، وكيف تصرفوا، وكيف قاموا من هذه المآسي المفزعة؟ أسئلة كثيرة وكثيرة، لو استطعنا الإجابة عنها لعرفنا كيف ننهض الآن ونقوم.
 
في هذا الكتاب محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة وعن غيرها مما يلفه الغموض من تاريخ الأندلس في ظل الحضارة الإسلامية التي أشرقت بنورها على هذه المنطقة من العالم لأكثر من ثمانمائة عام.
 
 
Page 2
الأندلس.. نظرة عامة
 
يُعدّ تاريخ الأندلس بصفحاته الطويلة ثروةً حقيقية، وثروة ضخمة جدًّا من العلم والخبرة والعِبرة، ومن المستحيل أن تلمّ دراسة واحدة بكل أحداثه وتفصيلاته، بل لا بدّ وأن تغفل منه بعض الجوانب، ليس تقليلا من شأنها وإنما اختصارًا للمساحة.
 
ومن الواجب على الجميع أن يبحث في هذا التاريخ، تاريخ الأندلس، تاريخ ثمانمائة سنة؛ إذ هو يحتاج أكثر وأكثر مما قد يفرد له أي كتاب أو دراسة، فلا بدّ من القراءة والاستزادة من المصادر التاريخية وغيرها.
 
وتاريخ الأندلس هذا يُعدّ جزءًا ضئيلا جدًا من تاريخ الدولة الإسلامية ذات الألف وأربعمائة عام من الزمن، وذات الأبعاد الجغرافية الهائلة من المساحة.
 
قبل الخوض في تاريخ الأندلس من حيث ترتيب الأحداث منذ الفتح وحتى السقوط، أي منذ عام 92 هـ (711 م) حتى عام 897 هـ (1492 م).. قبل الخوض في تفصيلات هذه الأحداث، هناك بعض الأسئلة التي قد تدور في أذهان البعض نحاول الإجابة عليها، ومن أهمّها: لماذا حمل المسلمون سيوفهم وخرجوا بجيوشهم متوجهين إلى الأندلس لفتحها؟
 
فالأندلس دولة مستقلّة ذات سيادة ويحكمها القوط النصارى في ذلك الزمن، والمسلمون دولة كبيرة جدًا وهم جيرانهم، فلماذا يحمل المسلمون سيوفهم ويتوجهون إلى فتح هذه البلاد ليعرضوا عليها ثلاثتهم المعهودة: الإسلام أو الجزية أو الحرب؟
 
فهذا العمل يُعَدّ الآن في مصطلح الشرعية الدولية بمثابة تعدٍ على حدود دولة مجاورة ذات سيادة. فلماذا إذن حمل المسلمون السيف وانتقلوا إلى البلاد المجاورة؟ ومن هذا السؤال بالذات يتولد عند كثير من الناس استنتاج واستنباط هو في غير محله على الإطلاق ومجافٍ للحقيقة تمامًا، إنه قولهم: إن الإسلام انتشر بحدّ السيف. فهذه مشكلة كبيرة تعترض كثيرا من الدعاة، خاصة من قِبل أصحاب المناهج العلمانية.
 
ولكن كيف؟ وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:256] .
 
ويبقى السؤال: كيف نوفق بين حمل المسلمين سيوفهم وخروجهم إلى هذه البلاد، وبين قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂﰃ ﴾.
 
ولتوضيح هذا الأمر يجب أن نعرف أن الجهاد في الإسلام نوعان، نوع يسمى جهاد الدفع، وآخر يسمى جهاد الطلب، وجهاد الدفع هو: ذلك الجهاد الذي يتبادر إلى الذهن من أول وهلة، ويعني الدفاع عن الأرض، وهو أمر مقبول ومفطور على فهمه عوام الناس سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين.
Page 3
أما النوع الآخر والذي لا يستوعبه كثير من الناس فهو ما يُسمّى بجهاد الطلب أو جهاد نشر الدعوة، أو جهاد تعليم الآخرين هذا الدين، فالإسلام هو الدين الخاتم، وهو كلمة الله الأخيرة إلى الناس، وقد كلف الله هذه الأمة - أمة الإسلام - أمر نشر هذا الدين في ربوع العالم، وتعليم الناس - كل الناس - مراد ربهم عزّ وجلّ الذي أنزله على نبيه محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ.
 
ومن سنن الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك أقوام ممن يَحكمون شعوبًا غير إسلامية يحولون دون وصول هذه الدعوة إلى شعوبهم، ويقفون بكل ما أوتوا من قوة للحدّ من انتشارها، وفي هذه الحالة شُرع للمسلمين أن يتوجهوا بجيوشهم وسيوفهم؛ لحماية الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لنشر هذا الدين وتعليمه للآخرين، فمَنْ لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن المسيح هو الله؟ ومَنْ لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يعلمونهم أن البقرة هي الإله؟ ومَنْ لهؤلاء الذين يولدون في بلاد يتعلمون أنهم خُلقوا من عدم، وأن ليس للكون إله، وأن الطبيعة هي رب الكون؟
 
مَنْ لهؤلاء؟ وَمَنْ يعلمهم إذا لم يعلمهم المسلمون أصحاب الرسالة الخاتمة؟ وقد جعل الله محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، ولن يكون هناك نبي أو رسول يبعثه الله عز وجل من بعده ﷺ ، فمَن لهؤلاء إذن غير هذه الأمة الشاهدة؟ وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون ﴾ [البقرة:143] .
 
إنها مهمّة أمة الإسلام، أمّة الشهادة، ستشهد على الأمم عند الله سبحانه وتعالى وتقول: يا رب، ذهبت إليهم وعلمتهم وشرحت لهم، وجاهدت في سبيلك، لكنهم أنكروا، أو اتبعوا. فهذه الأمة شاهدة بهذا الجهاد وبتوصيل دعوتها الربانية إلى هذه الأمم.
 
والطبيعي أن يكون هناك من يمنعك ويصدّك، ويقف بكل ما أوتي من قوة حائلا بينك وبين مَن تريد توصيل الدعوة إليهم؛ وذلك لأنهم- وهم الحكام- مستفيدون من عبادة هؤلاء الناس لغير الله سبحانه وتعالى، فإذا حُكِّمَ شرعُ الله انتقلت الحاكمية من هؤلاء الناس- الحكام - إلى الله سبحانه وتعالى وهم لا يريدون ذلك، ومن هنا سيقفون أمامك بجيوشهم وسيوفهم، ولن تجد من سبيل إلا أن تقف أنت أيضًا أمامهم بجيشك وسيفك حتى تحمي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
 
والمسلمون كما تربوا لا يقاتلون الشعوب، هذا عمر بن الخطاب  يخاطب الجيوش الفاتحة فيقول: اتقوا الله في الفلاحين، اتقوا الله في عموم الناس. وهم المغلوبون على أمرهم، الذين لا يهمهم مصلحة الحاكم هذا أو ذاك، إنما يريدون أن يتعلموا أين الخير فيتبعوه، اتقوا الله في هؤلاء، يقول: ولا تقتلوا إلا من قاتلكم.
 
فكان المسلمون يتجنبون تماما إيذاء أيّ أحدٍ لم يقاتلهم، ولو أذى يسيرًا، فتجنبوا الأطفال والنساء والعُبّاد في الصوامع والضعفاء والكهول الذين لا يستطيعون قتالا، بل إنهم تجنبوا الأقوياء الذين لم يعاونوا، أو يشتركوا في قتال المسلمين، وكان المسلمون يقاتلون الجيوش فقط، يقاتلون الحكام الذين عَبّدوا الناس غير الله سبحانه وتعالى.
Page 4
وهنا قد يسأل سائل: إذا سمح لك هؤلاء الحكام بالدعوة إلى الله في بلادهم، كأن تقوم مجموعة من الدعاة المسلمين بالذهاب إلى هذا البلد أو غيره، والدعوة إلى الله فيه دون جيش أو قتال أو جزية، ويختار الناس ما يشاءون، إذا سُمح بذلك فهل يقبل المسلمون هذا ويتخلون عن الجيش والسيف؟ وما هو موقفهم؟ ولماذا لم يبعث المسلمون أناسا يدعون إلى الله بدون جيش؟ لماذا لم يبعثوا من يدعو إلى الله في الأندلس وفي الروم دون أن يخرج خلفهم جيش؟ أليس الإسلام قد انتشر في إندونيسيا والفلبين وماليزيا، وغيرها من الدول بالتجارة ودون سيف؟
 
وفي حقيقة الأمر فإن في هذا الكلام افتراض غير واقعي وغير عملي، ففكرة أن الدعاة إلى الله يخرجون إلى مثل هذه البلاد بدون جيش أمر يُعدّ مخالفا لسنن الله سبحانه وتعالى في أرضه وفي خلقه، بل إنه مخالف للتاريخ والواقع؛ ففي التاريخ نجد أن دولا ضخمة جدًا دخلت في الإسلام عن طريق الفتوحات الإسلامية، أما القلة الاستثنائية فهي التي دخلت الإسلام عن طريق التجارة، وللأسف فإن هناك كثيرا من الناس خاصة مِن المسلمين مَنْ يصوّر الأمر بغير ذلك - عن وعي منهم أو عن غير وعي - استحياء من فتح المسلمين للبلاد الأخرى.
 
لكن الدين الإسلامي وهو دين الله الكامل الشامل ليس فيه ثغرات وليس فيه ما نستحي منه أو نخفيه عن الآخرين، فهذه دولة فارس والتي كانت تشمل: العراق وإيران وباكستان وأفغانستان وكل دول الاتحاد السوفيتي الجنوبية والتي تمثل أكثر من خمسة عشر إلى ستة عشر بالمائة من جملة الاتحاد السوفيتي السابق، كل هذه البلدان مع هذه الدولة الفارسية أسلمت ودخلها المسلمون عن طريق الفتح الإسلامي العسكري، بالجيوش والجهاد والاستشهاد والحروب المريرة لسنواتٍ طويلة، ومثلها أيضا دولة الروم، وكذلك بلاد الشام التي تشمل فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وأجزاء من جنوب تركيا، بالإضافة أيضا إلى بلاد آسيا الصغرى، كل ذلك تم فتحه بالجهاد في سبيل الله. دولة الروم فتحت فتحا عسكريًا، وليس فتح القسطنطينية خافيا عن العيون، وكذلك أيضا كل بلدان شرق أوروبا، وكان منها على سبيل المثال: بلغاريا واليونان ورومانيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وأجزاء من النمسا ويوغوسلافيا بكاملها وقبرص ومالطا، كل هذه البلدان فُتحت بالجهاد في سبيل الله في زمن الخلافة العثمانية، وعاش فيها الإسلام ردحا من الزمن، ثم ما لبث أن اختفى منها.
 
وأيضا دول شمال إفريقيا كلها فُتحت بالجهاد في سبيل الله، ابتداءً بمصر ومرورًا بليبيا ثم تونس ثم الجزائر ثم المغرب، ومثلها أيضًا دول وسط وغرب إفريقيا فقد فتحت أيضًا بالجهاد في سبيل الله.
 
ثم على سبيل الاستثناء دخل الإسلام ماليزيا وإندونيسيا عن طريق التجارة، فهل بعد ذلك يُغلـَّب هذا الأمر الذي حدث على سبيل الاستثناء على سنة الله سبحانه وتعالى في نشر دينه عن طريق الجهاد في سبيل الله؟! فهذا أمر لا يُعقل، ولا يمكن أن يُقرّه أحد.
 
إذن بقيت القاعدة التي تقول: إن هؤلاء الحكام الذين يحكمون الشعوب المجاورة للدولة الإسلامية لن يتركوا المسلمين أبدًا يدعون إلى الله سبحانه وتعالى دون حراسة جيش من الجيوش، ومن هنا شرع الله سبحانه وتعالى الجهاد فأصبح سنـّة ماضية إلى يوم القيامة.
Page 5
وقد يكون هناك اعتراض آخر من قائل يقول: لندع الناس يعبدون ما يشاءون، لماذا نشغل أنفسنا بتعليمهم أن الله سبحانه وتعالى واحد؟ لماذا نجيّش الجيوش حتى نعلمهم هذا المفهوم؟ لماذا لا ندعهم أحرارًا يعبدون ما يعبدون من دون الله سبحانه وتعالى؟
 
والجواب: أن الله سبحانه وتعالى جعل للمسلم رسالة عليه أن يؤديها، وهذه الرسالة لَخّصها رِبعِي بن عامر في حواره مع قائد عسكر الفرس في موقعة القادسية حين قال  : لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جوْر الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة.
 
فهذا هو مراد المسلم وهذه هي رسالته في الدنيا، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران:110]. قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلامِ.
 
أي إذا كان الناس يأبون الدخول في الإسلام تأتي بهم ولو في السلاسل حتى يدخلوا فيه، فتنقذهم من أن يخلدوا في نار خالدة، وتنقذهم من العيش في جور الأديان، ومن ظلم الحكام إلى العيش في عدل الإسلام، والعيش في سَعة الدنيا والآخرة، تمامًا كمن يريد أن يلقي بنفسه من مكان مرتفع جدًا فأسرعت أنت وجذبته من يده وأنقذته، هل يأتي من يلوم عليك إيلام يده، أو أنك جذبت يده بقوة؟ وإذا كنت قد أنقذته من هاوية الموت المحقق الذي لن يلومك عليه أحد، فبالأحرى أن تنقذه من هاوية أبدية إنها هاوية الجحيم، وبالأحرى إذن أن تنقذه من أن يخلد في نار جهنم، وتهديه إلى هذا الدين وتعلمه إياه، وبالأحرى أن تأتي له بالجيش الذي يؤثر فيه حتى يسمع كلام الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله ليزرع بالسلطان ما لا يزرع بالقرآن، وكثير من الناس لا يسمع إلا إذا كان الداعي محاطًا بقوة وبجيش كبيرين، وهنا يبدأ يسمع ويفكر فيجد أن ما كان يرفضه هو النجاة، وما كان يريد اتباعه هو الهلاك المحقق الذي لا فكاك منه، والكثير من الأمم التي دخلت في دين الله أفواجا حين دخل الفاتحون دخلوا غير مكرَهين ولا مضطرين. وقد يقول قائل: إن هذا الفتح ودخول هذا الجيش يتعارض مع قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:256]. والحقيقة أن هذا الفتح وهذا الدخول للجيش لا يتعارض مطلقًا مع هذه الآية الكريمة، فالمسلمون حين يدخلون هذه البلاد يعرّفونهم أولا دينَ الله سبحانه وتعالى، ثم يُخيّرونهم جميعا بين أن يظلّوا على إيمانهم بمعتقداتهم أو يعبدوا الله سبحانه وتعالى، فمن أراد أن يبقى في ظلم الشرك وفي ظلم الجاهلية بقي فيه، ومن أراد أن يدخل في نور الإسلام دخل فيه وكانت له سعادة الدنيا والآخرة.
Page 6
التعريف ببلاد الأندلس
 
بلاد الأندلس هي اليوم دولتا إسبانيا والبرتغال، أو ما يُسمّى شبه الجزيرة الأيبيرية، ومساحتها (مجموع الدولتين) ستمائة ألف كيلو متر، أي أقل من ثلثي مساحة مصر.
 
ويفصل شبه الجزيرة عن المغرب مضيق أصبح يُعرف منذ الفتح الإسلامي بمضيق جبل طارق (ويسميه الكتاب والمؤرخون العرب باسم درب الزقاق) وهو بعرض 12.8 كم بين سبتة وجبل طارق.
 
وعن سبب تسميتها بالأندلس فقد كانت هناك بعض القبائل الهمجية التي جاءت من شمال إسكندناف من بلاد السويد والدنمرك والنرويج وغيرها، وهجمت على منطقة الأندلس وعاشت فيها فترة من الزمن، ويقال إن هذه القبائل جاءت من ألمانيا، وما يهمنا هو أن هذه القبائل كانت تسمى قبائل الفندال أو الوندال باللغة العربية؛ فسميت هذه البلاد بفانداليسيا على اسم القبائل التي كانت تعيش فيها، ومع الأيام حُرّف إلى أندوليسيا فأندلس.
 
وقد كانت هذه القبائل تتسم بالوحشية والهمجية وفي الإنجليزية إلى الآن همجية ووحشية وتخريب تعني (Vandalism) وتعني أيضا أسلوبا بدائيا أو غير حضاري، وهو المعنى والاعتقاد الذي رسخته قبائل الفندال، وقد خرجت هذه القبائل من الأندلس وحكمتها طوائف أخرى من النصارى عُرفت في التاريخ باسم قبائل القوط (GOTHS) أو القوط الغربيين، وظلوا يحكمون الأندلس حتى قدوم المسلمين إليها.
Page 7
لماذا توجه المسلمون إلى الأندلس دون غيرها.
 
لماذا اتجه المسلمون في فتوحاتهم إلى بلاد الأندلس خاصّة من بلاد العالم، وأيضًا لِمَ هذا التوقيت بعينه أي سنة 92 هـ (711 م)؟
 
كان المسلمون في هذا الوقت قد فتحوا الشمال الإفريقي كله، ففتحوا مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، ووصلوا إلى حدود المغرب الأقصى والمحيط الأطلسي، ومن ثَمّ لم يكن أمامهم في سير فتوحاتهم إلا أحد سبيلين، إما أن يتجهوا شمالا، ويعبروا مضيق جبل طارق ويدخلوا بلاد إسبانيا والبرتغال وهي بلاد الأندلس آنذاك، وإما أن يتجهوا جنوبا صوب الصحراء الكبرى ذات المساحات الشاسعة والأعداد القليلة من السكان.
 
ولما كان هدف المسلمين هو البحث عن التجمعات البشرية حتى يعلموها دين الله سبحانه وتعالى، ولم يكن من أهدافهم البحث عن الأراضي الواسعة أو جمع الممتلكات، ولأن المسلمين قد وصلوا إلى الحدود القريبة من الأندلس مباشرة، واستتبّ لهم الأمر في أواخر الثمانينيات من الهجرة فيما دون ذلك من البلاد التي فتحوها، فالأندلس إذن هي البلاد التي تلي بلاد المسلمين مباشرة والله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة:123].
 
على هذا النهج سار المسلمون في كل فتوحاتهم، ويجسد هذا المنهج ذلك الحوار الذي دار بين معاذ بن جبل  وبين ملك من ملوك الروم قبل موقعة اليرموك وكان رسولا إليه، سأل ملك الروم رسولَ رسولِ الله ﷺ معاذ بن جبل: ما الذي دعاكم إلى الولوغ في بلادِنا وبلادُ الحبشة أسهل عليكم؟ وقد كانت الروم آنذاك تقتسم العالم مع فارس، فيسأل ملكُ الروم متعجبا كيف تَطرقون أبواب القوة العظمى وتتركون الحبشة وهي الأسهل والأيسر؟! فأجابه معاذ بن جبل قائلا: قال لنا ربنا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:123]. أنتم البلاد التي تلينا، ثم بعد الانتهاء من بلاد الروم سنجَوِّزها إلى الحبشة وغيرها من البلاد. أي أننا لم ننس الحبشة ولكن أنتم المجاورون لنا، وهكذا كان الحال بالنسبة إلى الأندلس؛ حيث كانت هي التي تلي بلاد المسلمين.
Page 8
زمن فتح الأندلس
 
في أي زمان تم فتح الأندلس؟ سؤال مهم جدا ونقصد به: مع أي العصور الإسلامية يتوافق تاريخ فتح الأندلس وهو اثنتان وتسعون من الهجرة؟ والجواب أن هذه الفترة كانت من فترات الدولة الأموية، وتحديدا في خلافة الوليد بن عبد الملك، الخليفة الأموي الذي حكم من سنة 86 هـ (705 م) إلى 96 هـ (715 م) وهذا يعني أن فتح الأندلس كان في منتصف خلافة الوليد الأموي.
 
وهذا التاريخ يجرّنا إلى الحديث عن الدولة الأموية في التاريخ الإسلامي، تلك الدولة التي أُشيع عنها الكثير والكثير من الافتراءات والأكاذيب والأحداث المغلوطة التي تشوه صورتها، وبالتالي صورة التاريخ الإسلامي كله، وذلك حتى يتسنى للمتربصين القول بأن التاريخ الإسلامي لم يكن إلا في عهد أبي بكر وعمر، حتى وصل الأمر إلى الطعن في تاريخ أبي بكر وعمر نفسِهما مع علم الجميع بفضلهما.
 
ولا يخفى على الجميع المراد من ذلك وهو أن يترسّخ في الأذهان عدم الاعتقاد بقيام أمة إسلامية أو دولة إسلامية من جديد، فإذا كان هذا شأن السابقين القريبين من عهد رسول الله ﷺ ؛ إذا كان هذا شأن دولة بني أمية وبني العباس وغيرهما من الدول التي لم تستطع أن تقيم حكمًا إسلاميًا صالحًا - في زعمهم - فكيف بالمتأخرين؟ وهي رسالة يريدون أن يصلوا بها إلى كل المسلمين، وليس لهم من غرض وراء ذلك إلا أنهم ﴿يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم ويأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون﴾ [التوبة:32].
Page 9
بنو أمية في الأندلس
 
(40-132 هـ /660-750 م)
 
الدولة الأموية كغيرها من الدول الإسلامية لها الأيادي البيضاء والفضل الكبير على المسلمين في شتى بقاع الأرض، ونظرة واحدة على عدد المسلمين الذين دخلوا الإسلام في زمن حكمها تكفي للرد على الافتراءات والمزاعم التي حِيكت في حقها، فهذا إقليم شمال إفريقيا بكامله دخل الإسلام في عهد بني أمية، ابتداء من ليبيا وحتى المغرب، وإذا كانت الفتوح الإسلامية لهذه البلاد قد بدأت في عهد عثمان بن عفان  فإن هذه البلاد قد ارتدّت على عقبها ثم فُتحت من جديد في عهد بني أمية، ومع إقليم شمال إفريقيا كانت أفغانستان وأيضا جمهوريات جنوب روسيا، كل هذه البلدان وغيرها وصلتها رسالة الإسلام ودخل أهلها فيه في زمن بني أمية، فقد كان الجهاد في أيامهم أمرًا طبيعيًا جدًا، وهو في كل أيام العام صيفًا وشتاءً، يخرج إليه الناس وكأنهم ذاهبون إلى أعمالهم، وإضافة إلى ذلك أيضًا فقد دُوّنت السنة النبوية في مدتهم، وحُكِّم شرع الله وطُبّق في دولتهم.
 
ومع كل هذا فإنا لا نقرّ بتبرئتهم من كل خطأ أو عيب؛ فالنقص والخطأ شيمة البشر، ومن المؤكد أن هناك أخطاء كثيرة في تاريخ بني أمية، لكن - بلا شك - كل هذه الأخطاء تذوب في بحر حسناتهم، وبحر أفضالهم على المسلمين، فقد امتدّ حكم بني أمية اثنين وتسعين عامًا، من سنة 40 هـ (660 م) إلى سنة 132 هـ (750 م) وكان أول خلفاء بني أمية الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان  ورضي الله عن أبيه أبي سفيان صاحب رسول الله ﷺ ، ذلك الخليفة الذي لم يسلم من ألسنة كثير من الناس، فطعنوا في تاريخه وفي خلافته  ، ولقد كذبوا، فليتنا نصل إلى معشار ما فعله معاوية بن أبي سفيان للإسلام والمسلمين.
 
وإن كان هذا ليس هو مجال الحديث عن بني أمية إلا أن هذه المقدمة البسيطة قد تفيد في الحديث عن الأندلس، فبعد معاوية بن أبي سفيان  تتابع الحكامُ الأُميون وكان أشهرهم عبد الملك بن مروان رحمه الله، ومن تبعه من أولاده، وكان منهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام، وقد تخللهم الخليفة الراشد المشهور عمر بن عبد العزيز  وأرضاه، وهو خليفة أموي من أبناء الدولة التي يطعنون فيها وهو الذي ملأ الأرض عدلا ورحمةً وأمنا ورخاءً.
 
أما الجانب السيئ من تاريخ دولة بني أمية فإنه يكمن في السنين السبع الأخيرة فقط من تاريخهم، تلك التي كان فيها كثير من المآسي، وكثير من الاختلاف على المنهج الإسلامي، وكانت سنـّة الله تعالى، فحين فسد الأمر في بني أمية قامت دولة أخرى وهي دولة بني العباس، أما الأندلس وفتح الأندلس فيبقى حسنة من حسنات بني أمية.
Page 10
أوروبا قبيل الفتح الإسلامي للأندلس
 
من المفيد جدًا أن نتعرف على حالة أوروبا والوضع الذي كانت عليه - خاصة بلاد الأندلس - عند الفتح الإسلامي وكيف كان؟ وكيف تغيرّ هذا الوضع وهذا الحال بعد دخول أهل هذه البلاد في الإسلام؟
 
الواقع أن أوروبا في ذلك الوقت كانت تعيش فترة من فترات الجهل الفاضح والتخلف البالغ، فكان الظلم هو القانون السائد، فالحكام يمتلكون الأموال وخيرات البلاد، والشعوب تعيش في بؤسٍ كبير، والحكام بنوا القصور والقلاع والحصون، بينما عامة الشعب لا يجد المأوى ولا السكن، وإنما هم في فقر شديد، بل إنهم يباعون ويشترون مع الأرض، وبالنسبة للفرد نفسه، فالأخلاق متدنية والحرمات منتهكة، وهناك بُعدٌ حتى عن مقومات الحياة الطبيعية، فالنظافة الشخصية - على سبيل المثال - مختفية بالمرة، حتى إنهم كانوا يتركون شعورهم تنسدل على وجوههم ولا يهذبونها، وكانوا - كما يذكر الرحّالة المسلمون الذين جابوا تلك البلاد في ذلك الوقت - لا يستحمّون في العام إلا مرة أو مرتين، بل يظنون أن هذه الأوساخ التي تتراكم على أجسادهم هي صحة لهذا الجسد، وهي خير وبركة له!!
 
وكان بعض أهل هذه البلاد يتفاهمون بالإشارة، فليست لهم لغة منطوقة أصلا فضلا عن أن تكون مكتوبة، وكانوا يعتقدون بعض اعتقادات الهنود والمجوس من إحراق المتوفى عند موته وحرق زوجته معه وهي حية، أو حرق جاريته معه، أو من كان يحبه من الناس، والناس يعلمون ذلك ويشاهدون هذا الأمر، فكانت أوربا بصفة عامّة قبل الفتح الإسلامي يسودها التخلف والظلم والفقر الشديد، والبعد التام عن أي وجه من أوجه الحضارة أو المَدَنية.
 
وقبل الفتح الإسلامي لأسبانيا بسنة أو يزيد قام أحد رجال الجيش واسمه لذريق بالاستيلاء على السلطة وعزل الملك غَيْطَشَة، وغداة الفتح الإسلامي كان لذريق هو حاكم البلاد، لكن أتباع الملك السابق ومؤيديه لم يرضوا عن هذا الحكم الجديد، وكانوا يتحينون الفرصة لاستعادة ملكهم، ووجدوها في الفتح الإسلامي، وتوهموا أن المسلمين طلاب غنائم فلن يستقرّوا في إسبانيا، لكنهم لم يجدوا لهذا الوهم إشارة، فالمسلمون حَمَلَة عقيدة يعملون على نشرها وإعلائها.
 
كانت أسبانيا - إذن - قبل الفتح الإسلامي تشكو الاضطراب والفساد الاجتماعي، والتأخر الاقتصادي وعدم الاستقرار، نتيجة السياسة ونظام المجتمع السائد.
 
لكن هذا لا يعني أن هذه السلطة لم تكن قادرة على الدفاع، كما لا يعني انعدام قوتها السياسية والعسكرية، بل كان بإمكانها أن تصد جيشا مهاجما وتحاربه وتقف في وجهه. فلقد أقام القوط في أسبانيا دولة اعتبرت أقوى الممالك الجرمانية حتى أوائل القرن السادس الجرماني، وبقيت بعد ذلك تتمتع بقوة عسكرية مدربة وقوية، تقارع الأحداث وتقف للمواجهات.