eKtab
EN ع
الإنقلاب الشعبي في الوطن العربي
Read free sample

الإنقلاب الشعبي في الوطن العربي

by د. سمير التنير

Page 1

مقدمة

عن الاستبداد العربي

تطوعت الأنظمة السياسية في العالم العربي سواء في الممالك أو الجمهوريات أو الإمارات بتقديم العديد من المبررات لدعم استمراريتها وتأبيد سياساتها المعادية للديموقراطية والتنافس السلمي الديموقراطي، الذي وحده يضمن المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين. من هذه المبررات أن المجتمعات العربية غير جاهزة للممارسة الديموقراطية، وأن التعدد والمنافسة السياسية لم يتطورا بعد ليكونا أساس الاختلاف السياسي. وعادة ما يتم تصوير التنافس السياسي على أنه تعزيز للاختلاف مثل الصراع الطائفي والإثني والمناطقي. وتقدم الأنظمة العربية نفسها على أنها صاحبة القواسم المشتركة التي تدفع جانباً بالتنافس غير الإيجابي. ومن جانب آخر تقدم نفسها للعالم على أنها الأفضل بين البدائل المتاحة، ولكن ليس بالضرورة من وجهة نظر شعوبها.

ويختلف بعض المثقفين العرب المستقلين عن مثقفي السلطة من ناحية تشخيص الظاهرة والتعامل معها. ففي الوقت الذي يرى المثقفون المستقلون أن الأسباب التي تقدمها الأنظمة ضد التنافس السياسي غير شرعية، يرى منظرو الأنظمة أن هذه الأسباب تشكل عوامل تشتيت وتفرقة للوحدة الوطنية. يبقى الرأي العام العربي مغيباً في مثل هذه الحالة لعدة أسباب: أولها عدم وجود بيانات علمية موثوقة تدل على اتجاهات الرأي العام العربي نحو هذه الظواهر الاجتماعية ـ السياسية، وثانيها أن الرأي العام العربي غير مؤثر في عملية صنع القرار السياسي بحكم عدم وجود ديموقراطية سياسية يمكن أن يؤثر (أي الرأي العام) في مجراها.

تقدم الأنظمة العربية عروضاً لأميركا وأوروبا لخدمة مصالحها الأمنية في المنطقة خاصة مع بروز تحديات أمنية إقليمية جديدة منها: اتضاح انهيار المشروع الأميركي في العراق، وفوز الإسلاميين في انتخابات بعض الدول العربية، وصعود إيران كقوة إقليمية. ولكن هذه العروض لم تنطوِ عملياً على المساهمة الجادة في وضع حد نهائي لأي نزاع. فالاستراتيجية المشتركة للنظم العربية كانت دائماً الحرص على إبقاء النزاعات الإقليمية ساخنة، بحيث تحافظ على استمرار هاجس الأمن القومي متقداً دائماً، وقابلاً للتوظيف مع الشعوب ونخبها السياسية والثقافية، لإبقاء اهتمامها مركّزاً على العدو الخارجي، وبالتالي الدعم غير المباشر لمشروعية استمرارها دون تغيير، ولكن دون السماح لهذه النزاعات بالتفاقم إلى درجة تتهدد فيها مصالح هذه النظم.

وتصور تلك الأنظمة الإسلاميين كفزاعة لتثبيط حماسة الدعوة إلى الديموقراطية سواء لدى المجتمع الدولي، أو لدى النخب السياسية المحلية الليبرالية واليسارية والعلمانية والقومية، وتواصل ممارسة كل أنواع القمع البوليسي والإداري والتشريعي والإعلامي، بما في ذلك تكثيف حملات الاغتيال المعنوي عبر وسائل الإعلام للرموز السياسية الجديدة الصاعدة. كما تستغل، أي النظم الحاكمة، التناقضات والاختلافات بين النخب المعارضة، وضرب بعضها ببعضها الآخر، وخلق فجوة ثقة دائمة بينها، كي يستحيل بعد ذلك تحقيق توافقات ذات طابع استراتيجي قادرة على الصمود، مقابل القدرة الدائمة على إقامة تحالفات تكتيكية قصيرة الأمد بين النخبة الحاكمة وأقسام من النخب غير الحاكمة في مواجهة الأقسام الأخرى.

ونظراً للتشرذم الحاصل بين النخب المعارضة، لم يتوافر لها حد أدنى من قوة الدفع نحو الداخل لفرض تطبيق الديموقراطية، بل كانت مجرد أشواق تتطلع إلى الديموقراطية بصوت عال وأشكال صاخبة من دون أن تكون على استعداد لدفع ثمن الحصول عليها. ولا بدَّ إذن، من وجوب تقديم النخب غير الحاكمة تنازلات متبادلة، بما يمكنها من تشكيل قطب أو رقم حقيقي في المعادلات السياسية، قادر على القيام باختراق، ولو محدود، أو فتح ثغرة في جدار احتكار النخب الحاكمة للسلطة والثروة.

وإذا نظرنا إلى الانتخابات في البلدان العربية لرأينا ممارسات عجيبة غريبة لا تتفق أبداً مع الممارسات الديموقراطية الصحيحة. ففي الدول الديموقراطية ينتخب المواطنون أعضاء المجلس النيابي ليخدموا مصالحهم ويعملوا من أجل الخير العام. لكن أنظمة الاقتراع وهيكلية المجلس النيابي تختلفان من نواح عدة في العالم العربي. كذلك نجد، في حالات كثيرة، أن أعضاء المجلس النيابي لا يخضعون لتصويت المواطنين بل تعينهم سلطات تنفيذية أعلى. وفي بلدان عربية أخرى تحظى السلطة التنفيذية الرئيسة ـ أي الرئيس أو الملك ـ بسلطات أكبر من المجالس التشريعية أو النيابية التي تقتصر مسؤولياتها الأساسية على المصادقة على القوانين أو إصدار البيانات.

يستخدم مصطلح «الانتقال إلى الديموقراطية» على العكس من مصطلح «الانفتاح السياسي» للتعبير عن مرحلة أكثر تقدماً وأهمية وأشد جذرية في التغيير. فإذا كان الانفتاح السياسي يمثل إعادة ترتيب البيت القديم الذي انطفأت ألوانه وتآكلت جدرانه، فإن التحول إلى الديموقراطية يعني هدم البيت القديم وإقامة منزل جديد على أنقاضه، بتصميم مختلف ومواد بناء مختلفة. ولذلك يعرف الانتقال إلى الديموقراطية بأنه عملية «تفتيت النظام الاستبدادي القائم وإعادة بنائه وفقاً للأسس الديموقراطية». وتنطوي عملية الانتقال إلى الديموقراطية على توسيع المشاركة السياسية بطريقة تمكن المواطنين بشكل مباشر وجماعي من السيطرة الفعلية على صنع السياسة العامة.

يفتقد النظام الاستبدادي للشرعية الداخلية. وهو ما يمكن أن يحدث لأسباب كثيرة أهمها على الإطلاق في العالم العربي التراجع الاقتصادي الفجائي. أما بالنسبة للفشل العسكري، فلا يبدو في ظل التجارب التاريخية أنه ذو أهمية في بقاء النظام أو زواله، إلا إذا كان الفشل العسكري في مواجهة القوى الساعية إلى تغيير النظام. ويفتقد النظام الاستبدادي أيضاً للشرعية الدولية، وتتعدد الأسباب التي يمكن أن تجعله غير شرعي في نظر المجتمع الدولي. لكن أهم تلك الأسباب هو وصول المجتمع الدولي إلى قناعة بأن النظام الاستبدادي لا يلتزم بالأعراف الدولية؛ ويؤدي فقدان النظام للقبول الدولي إلى ضمان أن المجتمع الدولي لن يعارض عملية تغييره.

إنَّ توسيع قاعدة المنادين بالديموقراطية يتطلّب بروز قيادة ديموقراطية تقدر المسؤولية وترتقي إلى مستواها، وتتحلى بعنصر العمل الجماعي، والمشاركة مع الآخرين والتخلي عن عقلية الإقصاء، والاعتماد على العقل بدلاً من العاطفة في وضع برامج العمل والتصدي للتحديات.

إن على القادة الديموقراطيين والقوى السياسية إدراك خطر ثقافة الاستبداد والتخلف وسط الجماهير والعمل على مواجهة أبعادها الثقافية (ثقافة الخوف، وثقافة الإفلات من القانون ومن العقاب، وتقنين الفساد بين طبقات المجتمع وفئاته) وذلك باستخدام كل الوسائل الممكنة من وسائل إعلام وتربية وصحافة ونشر ولقاءات مباشرة، وكذلك إنشاء مراكز لتعميم ثقافة المواطنة والديموقراطية.

Page 2

القسم الأول: في السياسة العربية والدولية

في مصر.. الشعب أراد (1)

في مديح الاستعمار والاستسلام

في مناسبة الذكرى الأربعين للهزيمة العربية في العام 1967، بدأ سيل من الكلام يتدفق في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، ولم يبقَ أحد من حملة الأقلام إلا وأدلى بدلوه في تلك الذكرى الأليمة. ولم يتفق المحللون العرب على رأي واحد لتوصيف تلك الهزيمة النكراء، مع أننا نرى أن كلمة «النكسة» هي الأصح في وصف ما حدث يوم 5 حزيران 1967 والأيام القليلة التي تبعته.

والحروب التي تدور في العالم نتيجتها في المحصلة الأخيرة سياسية. ولا بدَّ لنا من تسجيل انتصار لعبدالناصر في عام 1956 برغم أن البعض من الحاقدين يرى غير ذلك. كما كان إنشاء السد العالي في أسوان خطوة عملاقة لتوفير الكهرباء لكل أراضي مصر، ولبدء عهد التصنيع الذي تكامل قبيل تلك الحرب العدوانية الحاقدة، بإنشاء أكثر من 500 منشأة صناعية، بما فيها المصانع الكبرى للحديد والصلب في حلوان. ولو استمرت تلك الثورة الصناعية على وتيرتها، لحولت مصر إلى قاعدة الوطن العربي الصناعية. أما ما حدث بعد ذلك، فكان كله بعكس المسار الذي أرساه عبد الناصر. فقد توقف التصنيع في عهد السادات، وتقوم الحكومة المصرية ببيع تلك المصانع للقطاع الخاص. ونستطيع القول إن عهدي السادات ومبارك لم يقدما أي إنجازات اقتصادية يمكن الحديث عنها.

ولنعد الآن إلى الحديث عن نكسة عام 1967، وردّ الأمة العربية عليها. كان الرد الأولي، هو القيام بتظاهرات عارمة في كل البلاد العربية تدعو القائد للبقاء، لأن الشعوب العربية شعرت في أعماقها أن إسرائيل حققت نصراً رخيصاً لا تستحقه، وأن الخطوة الأولى كانت الصمود والإعداد الجدي والصارم لغسل عار تلك الهزيمة. الرد كان صائباً تمثل في حرب عام 1973. إذاً، فالرد كان حاسماً، فلماذا ينهال علينا الآن سيل جارف لا نهاية له من مقالات اليأس القاتل. ولنأخذ مثالاً واحداً هو مقال الأستاذ خليل العناني المعنون «.. عن نكسة 1967 وما تلاها من نكسات» المنشور في جريدة «الحياة» 3 حزيران 2007، إذ يقول:

«واقع الأمر أن الهزيمة من إسرائيل أقل بكثير في تداعياتها السيكولوجية والمعرفية، إذا ما قورنت بهزيمتنا أمام الذات، وفي مواجهة الآخر. وإذا كانت أجيال ما بعد النكسة، لم تعش لحظات المرارة والانكسار التي عانى منها «جيل النكسة» لعقود لاحقة، إلا أنها الآن تعيش حالاً أكثر هزيمة وانكساراً، فهي تبدو كما لو كانت مهزومة بالفطرة سياسياً ومعنوياً ومعرفياً وحضارياً. مهزومة سياسياً أمام حال القمع والاستبداد والفساد التي تتعرض لها مجتمعاتها. ومهزومة معنوياً، أمام ثقافة الانتحار بشقيه الديني والاجتماعي. ويكفيها أن تجد في تنظيمات التشدد والعنف ملاذاً آمناً للخروج من هزيمتها. ومهزومة معرفياً أمام خصم تاريخي بات يتحكم بخيوط اللعبة ويفرض شروطه على الجميع. ومهزومة حضارياً أمام آخر يطاردها في عقر دارها، ويسعى لتفكيك مرجعيتها الحضارية والثقافية».

واضح أن الوصف السالف الذكر لا يمت إلى الحقيقة والواقع بأي شيء. فلماذا يريدون من الشعوب العربية رفع الراية البيضاء علامة على استسلامها؟ في حين أن الواقع شيء آخر تماماً. ولماذا يبرئون المعتدين. كأن حروبهم العدوانية هي لصالحنا. أمر عجيب وغريب!

يضاف إلى ذلك ما كتبه الأستاذ عدنان مكية تحت عنوان «إلى متى سيبقى سوء الفهم بيننا وبين الغرب، وبيننا وبين أنفسنا» (جريدة الحياة 10 حزيران 2007). ونحن نعلق: إذا كان سوء الفهم هذا أدى إلى احتلال بلد عربي وقتل أكثر من 750 ألفاً من سكانه، فماذا سيحدث في حالة العداء والمجابهة لا سمح الله؟ لنقرأ ماذا كتب:

«لا بدَّ أن نستذكر بعيداً من الأيديولوجيا الراسخة عندنا أن الاستعمار القديم على مساوئه وجرائمه كان أكثر أخلاقية من النخب السياسية العربية التي جاءت لاحقاً. فهو جلب معه الحداثة وساعد في بناء أسس الدولة الحديثة، وأرسى مفهوم الدولة. بينما بعد خروجه ساعدت النخب التي أتت لاحقاً بسياساتها القصيرة النظر والمحدودة بالمصالح الضيقة والآنية، ومن أجل الحرب الباردة على سيطرة أنظمة استبدادية قمعية ابتلعت الدولة ثم تحولت إلى أنظمة مافياوية ، همها الأول نهب بلادها وتحويلها إلى مزرعة خاصة تدمرها بعقلية المجرم. وها نحن نرى مثلاً حياً ومؤلماً أمامنا في العراق.. فما إن انكشف غطاء النظام الشمولي المافياوي حتى تكشف العفن الذي كان يخفيه بآلته الأمنية والعسكرية».

نعتقد أنه كانت هناك نظريتان بعد الغزو الأميركي وتقدُمه على الأرض، فإما المقاومة الضارية التي ينتج عنها انهيار كامل واحتلال للأرض وفقدان لإرادة القتال كما حدث في ألمانيا واليابان، أو الانسحاب لتبدأ معه المقاومة المعتمدة على تكتيك حرب العصابات. وقد تغلب الافتراض الثاني. إذ بدأت المقاومة بعد أسبوعين أو ثلاثة بعيد احتلال بغداد. ونظن أن الخطط لمقاومة المحتلين وضعت حتى قبل أن يبدأ الغزو.

لقد أحدثت المقاومة العراقية انقلاباً في الاستراتيجيا العسكرية في العالم. فبعد أن كان يظن أن حرب العصابات لا تحدث إلا في الطبيعة وبين الغابات الكثيفة والأراضي الوعرة في الجبال، انتقلت إلى الأرض المنبسطة في المدن الكثيفة السكان، وإلى الصحراء المترامية الأطراف. وإذا بجنود الاحتلال يفقدون تفوقهم التكنولوجي، ويصبحون أهدافاً سهلة، ليلاً ونهاراً وفي كل مكان. وها هو الاحتلال يعلن بدء انسحابه في الشتاء المقبل (جريدة «السفير» 23 حزيران 2007).

إن السقوط الأميركي في العراق يعني في ما يعنيه سقوط التجلي الأكثر عدوانية والأكثر شراسة، والأكثر تعلقاً بأوهام أيديولوجية وأساطير دينية، بدأ بها بوش ومحافظوه الجدد بعد أحداث أيلول 2001، غزوهم للعالم العربي والإسلامي، لجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً. أما السنوات التي تلت الغزو فقد شهدت تراجع المشروع الامبراطوري الأميركي وسقوطه. وهي حقيقة علمية وموضوعية، على الواهمين من خلالها التراجع عن تقديراتهم ورهاناتهم، وقد ملأوا بها أجواءنا السياسية والإعلامية. إن علينا أن نواجه موجات الخيبة ودعوات الإحباط وحملات التيئيس التي تحاصرنا من كل حدب وصوب (والكلام السابق للأستاذ عدنان مكية مثال ساطع لها). إن دور المقاومة والممانعة في أمتنا على امتداد ساحات المواجهة مع الاحتلال والعدوان والهيمنة كان دوراً حاسماً في إفشال المشروع الامبراطوري، على الرغم من روح الاستكانة التي طغت على الأنظمة العربية. إن المقاومة العربية والإسلامية لم تسهم في تحرير إرادة الأمة من الخنوع والخضوع والإذعان فحسب، بل بإرباكها القوة الأعظم في العالم، إنما تساهم في تحرير العالم بأسره منها. وسقوط المشروع الأميركي يزيح عقبة رئيسية من أمام نهضة أمتنا وتقدمها.

وأخيراً... هل وضعتم يا أيها الحكام خبزكم على جبنة أولمرت وبوش.. وهل أصبح أولمرت عمكم العزيز وبوش ابن عمكم الحبيب. وهل شبكتم أيديكم مع المستعمرين والغاصبين وأصبحتم أنتم وهم في صف واحد. «الإرهاب الإسلامي» عدوكم الوحيد.. أفيدونا.. أفادكم الله!

Page 3

في مصر.. الشعب أراد (2)

الثورة المغدورة

«يا أخي بلاش عبد الناصر.. بلاش كلام فارغ.. الشعب عايز ياكل والريس السادات جابلنا السلام والعيش. والريس مبارك قام بالضربة الجوية الأولى ضد الجيش الإسرائيلي عام 1973. ولكنه كان عارف إنو العرب مش بتوع حرب فاختار لنا السلام. والحمد لله مصر بخير».

كان هذا جواب سائق سيارة التاكسي البيضاء بين المطار والفندق (ذكره الزميل سامي كليب في صفحته الأسبوعية، ناصريو مصر، شعب يبحث عن قيادة، السفير 5 تموز 2007) ولكن مهلاً... هل حقاً أن مصر بخير؟ لنلقِ نظرة على بعض الأرقام:

ـ44 بالمئة من الشعب تحت خط الفقر أي أقل من دولار واحد باليوم.

ـالأموال المهربة إلى الخارج يصل حجمها إلى ما يقارب 300 مليار دولار.

ـ10 بالمئة من السكان تقريباً يعانون من مرض السكري.

ـحوالى 8 ملايين عاطل عن العمل من قوة العمل.

ـ45 بالمئة من الشعب يسكنون الأحياء العشوائية. 35 منطقة عشوائية بالقاهرة فقط.

ـ4 ملايين مهاجر منهم 820 ألفاً من الكفاءات و2500 عالم في تخصصات دقيقة.

ـ26 بالمئة من الشعب يعيش الأمية الأبجدية.

ـ6 مليارات دولار سنوياً في تجارة المخدرات.

ـحالة طوارئ مفروضة منذ 26 عاماً.

كيف وصلت مصر إلى هذه الحال، وقد غادر القائد جمال عبد الناصر هذه الدنيا منذ 37 عاماً؟ يقولون إن الحروب التي خاضها الرئيس الراحل، والأخطاء التي ارتكبها أمنياً وسياسياً واقتصادياً أدّت إلى تدهور أحوال المصريين وصرف أموالهم في قضايا كانوا بغنى عنها. نستطيع القول إن هذه المقولة خاطئة كلياً. فالحروب التي جرت بعد نكبة فلسطين عام 1948، كانت كلها في أرض مصر. العدوان الثلاثي عام 1956 وكارثة عام 1967 وحرب 1973 كانت كلها حروباً دفاعية. وعندما كانت مصر تدافع عن نفسها، كانت في الوقت نفسه تدافع عن أمتها العربية. ولم يخرج الجيش المصري عن حدود مصر، إلا في حالة استثنائية واحدة، هي في اليمن. ولكن كيف عادت مصر، إلى ما كانت عليه قبيل ثورة تموز (يوليو) 1952 على الرغم من توقيعها على معاهدة كامب دايفيد عام 1979، والتي انسحبت بموجبها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ومن أية مسؤولية عربية، كائنة ما كانت. وكيف رجعت الأمور إلى ما كانت عليه، على الرغم من تلقيها مبلغ 60 مليار دولار من المساعدات الأميركية طيلة 30 عاماً، مع أسلحة أميركية متطورة أغنتها عن شراء الأسلحة؟ هذا ما سنستعرضه هنا بكل تفاصيله.

كان أنور السادات من ضمن تنظيم الضباط الأحرار الذي نفذ الانقلاب في ليلة 23 تموز. ولكنه لم يكن يعلم بساعة الصفر. كان يحضر فيلماً سينمائياً مع زوجته. ولكنهم أيقظوه في الصباح لكي يذيع بلاغ الانقلاب الأول. وقد فعل ذلك بعد أن نجح الانقلاب وزال الخطر.

وفي عام 1971، بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية، وخليفة لعبد الناصر، كان الشيء الأول الذي فعله هو الانقلاب كلياً على الثورة الناصرية، بوضع رموز الحقبة الناصرية كلهم في السجن بانقلاب مايو (أيار) الشهير، بحجة أنهم كانوا يستعجلون معركة الثأر مع إسرائيل. وقد أسماهم «بمراكز القوى»، وقد قضى الساعات الطوال للتشهير بهم وذمهم. وقد أمضى أكثرهم 10 سنوات في السجن ولم يفرج عنهم إلا بعد رحيل السادات.

أما خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فقد كانت إدارته للحرب سيئة جداً وانتهت إلى كارثة حصار الجيش الثالث. وذلك لإجباره القادة العسكريين على تنفيذ أوامره الخاطئة بعدم التصدي للثغرة في وقت مبكر، كما يقضي العلم العسكري بذلك. إن السياسيين يجب أن يتركوا أمر إدارة الحرب بعد نشوبها إلى العسكريين. فهم الأدرى بها. وكان يجب عليه أن لا يتدخل في أمور لا تخصه ولا يفهم بها بعد أن كان قد ترك الجيش منذ 22 عاماً قبل ذلك.

Page 4

رافق الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس هيئة أركان الجيش المصري حرب أكتوبر منذ بدايتها وحتى النهاية التي قدم بعدها استقالته كي لا يكون شاهد زور على الهول الذي رآه والتقصير الذي قضى على الانتصار، الذي كان قاب قوسين أو أدنى. إذ على الرغم من حدوث الثغرة، فإن الجيش المصري كان له التفوق في أعداد الدبابات والآليات، والذي كان عنصراً مرجحاً في كسب الحرب في معارك الدبابات الطاحنة التي جرت في ذلك الوقت. أما مكان الثغرة فقد حددتها لإسرائيل الأقمار الاصطناعية الأميركية لا عبقرية شارون. لقد كانت الأعداد الصغيرة التي اجتازت القناة بالقوارب أولاً، وأخذت تسير على غير هدى في الضفة من الضعف بحيث كان يمكن إبادتها بسرعة. ولكن الوقت أخذ يمر من دون أن يتصدى لها أحد. واستطاعت إسرائيل استغلال ذلك الخطأ القاتل فبنت جسوراً إسمنتية مرت عليها أعداد هائلة من الدبابات التي استطاعت أن تحاصر الجيش الثالث، ولم يكن باستطاعة السادات إلا أن يرسل صيحات الاستغاثة إلى كيسنجر الذي أنجده بعد وقت، كان كل شيء فيه قد انتهى، لتبدأ معه سلسلة التنازلات التي لم يبق منها شيء بعد معاهدة كامب دايفيد. ومن أجل ذلك صدرت اتهامات من قِبل بعض أركان ثورة يوليو من أمثال حسين الشافعي تتهم السادات بالتخابر مع دولة عدوة. وهو اتهام لم يبت فيه حتى الآن.

قدم الفريق سعد الدين الشاذلي استقالته وذهب سفيراً في اسبانيا. ولكن عندما نشر كتابه عن حرب أكتوبر، وفيه الحقائق الدامغة والخرائط الواضحة التي تظهر التقصير الرهيب من رئيس دولة، لا يملك العلم ولا المعرفة لكي يملي على قادة الجيش أوامره الشبيهة بأوامر الانتحار والنحر، ولم يقدم الإعلام في ذلك الوقت إلا أخباراً ملفقة وكاذبة. ومد بعض المتزلفين من سياسيين وعسكريين حبل النجاة للسادات، لأسباب معروفة.

من ناحية ثانية، تثار الآن في مصر مشكلة الديموقراطية وتوريث الحكم وحرية الصحافة والأحزاب والعمل السياسي، وذلك منذ أن أدخل مبارك بعض التعديلات على مواد من الدستور تخص كيفية انتخاب رئيس الجمهورية في عام 2005، وذلك من ضمن خطوات لتسريع التغيير الديموقراطي في منطقة تتصف «بالتخلف السياسي» (مجلة الأيكونوميست 10 أيلول 2005). وقد حدث ذلك ليس بسبب تلبية مطالب شعبية، بل تجاوباً مع تمنيات لجورج بوش ظهرت في بعض أحاديثه وخطبه. ما شكل هذه الديموقراطية العجيبة الغريبة؟ لندع بعض أبرز مفكري مصر يروي قصتها، كما أوردتها جريدة واشنطن بوست (أنطوني شادير، تصور حالة مغايرة في مصر، جريدة واشنطن بوست 18 آذار 2007)، وفيها يروي عبد الحليم قنديل، أحد كبار صحفيي مصر، كيف خطف في قلب القاهرة، وكيف عصبت عيناه، ثم اعتدى عليه بعض الزعران في الصحراء كي يكف عن انتقاده الشخصيات الكبيرة. أما أسامة الغزالي حرب، أحد كبار الأكاديميين المصريين الذي قدم استقالته من الحزب الوطني الحاكم احتجاجاً على القمع، فهو يردد بغضب: «كل شيء قد انهار.. كل شيء. لم يقدم النظام أي إنجاز خلال العقدين أو الثلاثة الماضية. جمود كامل في كل مناحي الحياة».

في عام 2004 تبلور غضب قنديل وحرب وآلاف الكُتاب والمثقفين في كلمة بسيطة واحدة: كفاية! كفاية كلمة كانت تسمع في التكسيات وفي الشوارع وفي كل مكان مترافقة مع أغنية أم كلثوم «أعطني حريتي.. أطلق يدي». كلمة ترددت ملايين المرات قبيل ترشيح مبارك لنفسه لولاية خامسة تمتد ست سنوات جديدة. أصدرت «كفاية» بيانها الأول في 12 كانون الأول 2004، وفيه نقد للنظام وللولايات المتحدة وإسرائيل، ولكل مظاهر القمع التي تلف الحياة السياسية المصرية. وقد جمعت التظاهرة الأولى لكفاية 500 من الرجال والنساء وقفوا أمام بناية المحكمة العليا المصرية. وكانت انطلاقة «كفاية» تعني فقدان النظام لأي تأييد شعبي، وخسارته شرعية النظام السابق المعتمدة على القومية العربية، واعتماده على الصنم الفرعوني للرئيس الذي متى انهار، انهارت الدولة وكل شيء.

لا يثور أدنى شك في تاريخية إنجازات عبد الناصر، فما هي إنجازاتكم؟ تأتي ذكرى الثورة الـ 55، فلا تنطقون إلا بجمل إنشائية سخيفة لا تعني شيئاً، ولا تدل على شيء!

لقد عادت مصر إلى ما كانت عليه قبل ثورة عبد الناصر. وأصبحت الأجواء ملائمة لحدوث التغيير، الذي نرجو أن يكون سلمياً.

وأخيراً.. لا أملك إلا أن أردد مع شباب مصر: «قوم يا مصري.. غير الحرية مش محتاج!».

Page 5

في مصر.. الشعب أراد (3)

مصر في سجن كامب دايفيد

انحدرت وتضاءلت مكانة مصر الخارجية في الآونة الأخيرة. كما أن قدرتها في التأثير على الأحداث انكمشت بصورة ملحوظة. فإضافة إلى العجز عن وقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني أو تغيير مسار الأحداث هناك وصولاً إلى انتزاع الحقوق التاريخية لهذا الشعب، لم تتمكن مصر من لعب دور جوهري في التفاعلات العالمية حول الحرب الأميركية على العراق. ومنذ أن وقع احتلال العراق تبدو السياسة المصرية وكأن ليس لديها ما تفعله لتأكيد الحضور، أو مجرد الدفاع عن المكانة المصرية لدى هذا الشعب العربي المهم؛ وحتى في السودان وهو الجار الأكثر أهمية لمصر من نواح عدة، يعجب الناس لغياب دور مصري جوهري في العملية السياسية التي جرت فيه. فالمفاوضات حول السلام وتسوية الحرب الأهلية أخذت بمبادرة الاتحاد الأفريقي. ولم تتمكن مصر من التحرك بفاعلية للدفاع عن وجهة نظرها أو تأكيد حضورها على المستوى السياسي في ذلك البلد الذي تربطه بمصر علاقات ووشائج أخوة هي الأقوى في تاريخها القديم والحديث على السواء. ولم تحقق السياسة الخارجية منذ سنوات أي إنجاز يحسب لها على الصعيدين السياسي والاقتصادي العالمي والإقليمي.

يمكننا أن نعزو تراجع السياسة الخارجية المصرية إلى عوامل عديدة. فبكل بساطة دخلت السياسة العالمية والإقليمية إلى مرحلة تتطلب عوامل واعتبارات لا تملك مصر الكثير للتأثير عليها في الوقت الحاضر.

يمكن القول إن السياسة الخارجية لأية دولة هي انعكاس لسياستها في الداخل. وإذا نظرنا إلى داخل مصر اليوم لرأينا أنها دولة أمنية ونظام تسلطي لا تبيح لشعبها ممارسة ديموقراطية فاعلة ومؤثرة في الأحداث. كما أن نظامها الاقتصادي يمكن وصفه بأنه «رأسمالية المحسوبية». ولا يمكن للمجتمع المدني في وضع كهذا أن يستند إلى مصادر داخلية للدعم فيما يصعب على وسائل الإعلام المستقلة تعبئة الموارد اللازمة لمواجهة الإعلام الحكومي.

لقد تسلمت مصر في عهدي السادات ومبارك مساعدات كبيرة من الولايات المتحدة وأوروبا مقابل اعترافها بإسرائيل ومحاربتها للأصوليين الإسلاميين. وكان من المفترض أن تؤدي المساعدات إلى ترسيخ الاستقرار وإدامة العهدين الصديقين للغرب. لقد دعمت الطموحات الإقليمية للحاكمين ومكنتهم من إخماد أصوات المنافسين المحليين. كما أنها لم تؤدِ إلا إلى تقوية «رأسمالية المحسوبية» السائدة في مصر.

إن آليات السيطرة والقمع التي ساهمت كل هذه العوامل في ترسيخها وإدامتها، كان يمكن أن تتأثر بالانقسامات الداخلية. فالدولة المصرية مثل كل الكتل الكبرى تتكون من أجزاء كثيرة تتمثل بالدوائر الرسمية والتحالفات بين القطاع الخاص والقطاع العام، وشبكات النفوذ. ويتمتع كل من هذه الأجزاء باستقلالة النسبي ويسعى لكسب الحظوة لدى المراجع العليا.

ولا يزال جهاز الدولة منقسماً إلى الآن، من ذلك ما نراه في ما يخص الرقابة، حيث تتناقش أطراف عدة تمتد من وزارة الثقافة إلى وزارة الشؤون الدينية إلى وزارة الإعلام إلى الأزهر، على حظر أو دعم هذا الرأي أو ذاك. والمثال الآخر هو الحزب الوطني الحاكم الذي فشلت قياداته في أحيان كثيرة في فرض مرشيحها على منافسين من داخل الحزب. ومع ذلك استطاع النظام احتواء الخلافات والطموحات. إن هناك حالات كثيرة من التواطؤ بين هيئات ومسؤولين في الدولة وعناصر خارجها، بل حتى السيطرة من قبل العناصر الخارجية على الداخلية. لكن تأثير هذه الهشاشة في الحدود بين الداخلي والخارجي يبقى محصوراً في تطلب النفع المادي، أو الالتفاف على هذا القانون أو ذاك.

إن قدرة النظام في السيطرة على أجزائه المختلفة وعلى المجتمع تعتمد إلى حد كبير على موارده. فهناك الحاجة إلى الموارد البشرية والمادية التي تشرعن الوضع من خلال الإعلام الرسمي ولإدارة تقنيات الرصد، وإدامة المكافآت التي تعطى للضباط مثل بيعهم شققاً على البحر المتوسط أو البحر الأحمر بأسعار زهيدة.

يتلقّى النظام المصري مثل أنظمة أخرى في العالم الثالث مساعدات خارجية تمكِّنه من إدامة تفوقه البنيوي في الداخل. ويعطي هذا الدول المانحة نظرياً على الأقل، وفي حدود ما تعتبره مصلحتها إمكان الضغط على النظام. من ذلك أن في إمكان الاتحاد الأوروبي المسيطر على سوق كبرى للمنتجات المصرية، الاستعاضة عن الشروط السياسية الغامضة في إعلان برشلونة، واستبدالها بشروط جديدة تشجع على التغيير السياسي.

إن الولايات المتحدة هي الداعم الرئيس لمصر على الصعيد الدولي، وتتمتع تبعاً لذلك بقدرة أكبر على الضغط، إذ يمكن للإدارة الأميركية والكونغرس خفض المساعدات العسكرية البالغة 1.3 مليار دولار، وكذلك المساعدات المدنية بقيمة 600 مليون دولار (المساعدات الأخيرة في طريقها إلى الإلغاء). كما أن للولايات المتحدة بفضل نفوذها على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حقّ وقف أو تأجيل قروض لتمويل مشاريع التنمية. وقد نجح مبارك في إفشال مبادرات كهذه وذلك من خلال التأكيد على التزامه السلام مع إسرائيل ومحاربته الأصولية الإسلامية.

لقد تغيرت الأوضاع بعد أحداث أيلول عام 2001 عندما عمل الداعون إلى عولمة الديموقراطية على الربط بين الإرهاب والتسلط. وتركز هذا الربط غالباً على السعودية موطن غالبية الخاطفين الانتحاريين. ولكن مشاركة عدد من المصريين مثل أيمن الظواهري ومحمد عطا وغيرهم سلط الضوء على النظام المصري.

هذا شيء والتمسك الكبير بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل (معاهدة كمب دايفيد) والتبرير المبالغ فيه لأخطاء ترتكبها الحكومة المصرية، شيء آخر تماماً. ويمكن التساؤل: إذا كانت تلك المعاهدة تجلب هذا الكم الكبير من الموبقات فلماذا تتمسك مصر بها؟ يجيب المسؤولون إنّ مصر لا تطيق تبعات إنهاء المعاهدة، لأنها تعني فتح باب المواجهة من جديد. ثم دخول واشنطن بحكم مذكرات التفاهم الموقعة بينها وبين تل أبيب لكي تنفذ التزاماتها في ضبط السلوك المصري.

تبدو معاهدة كمب دايفيد معاهدة أبدية، إن لم يكن بحكم نصوصها، فإنها أبدية بحكم خوف مصر المتزايد من المساس بها، ولكونها أصبحت شماعة تبرر بها الحكومة المصرية كل تصرفاتها الضارة بمصالح الشعب. ولذلك تتبرع الحكومة المصرية بتفسير للمعاهدة لا تحلم إسرائيل به. ولا يخلو أي دفاع إعلامي عن تصرفات الحكومة من اللوذ بالمعاهدة. ويكتفي وزير الخارجية بالتأكيد على أن سلوك الدولة هو من أسرارها العليا التي تمنعها اعتبارات الأمن القومي من البوح بها.

وفي هذا المجال يمكن سرد قصة تصدير الغاز إلى إسرائيل بأسعار مخفضة، بما يمثله ذلك من اغتصاب لسلطة مجلس الشعب وللقضاء المصري. أما «الجدار الفولاذي» فيمثل قمة المأساة في التبرير المصري المضلل حول حصار غزة وربطه بالتزامات معاهدة كمب ديفيد. لقد وضع النظام المصري المعاهدة فوق التزاماته بموجب عضويته في الجامعة العربية والأمم المتحدة والقانون الدولي، بما يوحي بأن مصر طرف في تحالف استراتيجي مع إسرائيل والولايات المتحدة يبقى سراً ولا يجوز البوح به.

Page 6

في مصر.. الشعب أراد (4)

مصر وأميركا: ارتباط استراتيجي

في نطاق المساعدات الاقتصادية والعسكرية، وكذلك في نطاق المنح التي لا ترد فإن الدول لا تقدمها من باب التفضل أو الإحسان، ولكنها تقدمها بحسابات بالغة الدقة تندرج دائماً تحت مظلة الاستراتيجية الكونية والإقليمية، خاصة إذا كانت تلك الدولة تقع في مصاف الدول الكبرى، فما بالنا إذا كانت تحتل مركز القطب الأوحد، المهيمن على شؤون العالم، كما هو حال الولايات المتحدة ووضعها، بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي.

تستخدم الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية، كسلاح ضغط لفرض النكهة والطعم الأميركي على سياسات الدول الداخلية والخارجية. ويوضح ذلك، السجل الحافل لقرارات الكونغرس الصادرة بربط المساعدات لمصر بالعديد من المسائل، منها ربطها بمسألة حقوق الإنسان والمسيحيين ومسألة ما يسمونه بالاضطهاد الديني في مصر، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. كما تربط المساعدات الاقتصادية أيضاً بوجوب محاربة «الإرهاب الإسلامي» و«الفاشية الإسلامية»كما تعرفها مراكز الأبحاث المعادية للعرب وللمسلمين. وفي ظل الوقائع الثابتة فإن المساعدات الاقتصادية ومنذ عام 1992 لا يدخل تحتها بند شراء القمح وغيره من البقوليات، بل تشتري مصر القمح مباشرة بفتح اعتمادات استيرادية بالنقد الأجنبي، بعد أن توافرت تلك المبالغ من صادراتها إلى بلدان العالم. ونتيجة لذلك تخلصت مصر من أبشع صور الاستغلال وأشكالها التي تعرضت لها، على امتداد سنوات سابقة بشرائها القمح عن طريق القروض الميسرة من فائض الإنتاج الزراعي الأميركي، والذي ألزمها بأن تشتري القمح بأغلى من أسعار فرنسا واستراليا وغيرها، وألزمها، أيضاً، بأن تتحمل شروط النقل على السفن الأميركية مرتفعة التكلفة، وبأن تسمح وتقبل بدخول قمح غير مطابق للمواصفات، مع تراكم مديونية خارجية بفوائدها تلتزم مصر بسدادها حتى عام 2030.

لقد انتهت على امتداد السنة الماضية مبررات الاحتياج المباشر وغير المباشر للمساعدات الاقتصادية الأميركية لمصر. ومع تخفيض قيمتها وإعادة ترتيب أولوياتها وفقاً للرؤية الأميركية المتعالية تجاه كل العالم الخارجي وليس لمصر فقط. لقد طرأ تحوّل على طبيعة المساعدات الاقتصادية؛ ففي البداية كانت مرتبطة ببرنامج المشروعات الإنمائية والذي ساهم في الفترة الأولى، في تمويل مشروعات حيوية للبنية الأساسية في الصرف الصحي والمياه والكهرباء. أما الآن فقد تحولت إلى مشروعات للخدمات وتمويل برامج، بمعنى أنه يستخدم في أعمال استشارية وتمويل خبراء ملحقين بمكاتب الوزراء، في إنفاق لا جدوى منه ولا طائل.

إن المساعدات الاقتصادية الأميركية هي مثل الوجبات الجاهزة التي يتفق الجميع على أن مضارها تفوق كثيراً فائدتها. وهو ما ينطبق تحديداً على حساب «التكاليف والعائد» على عمر المساعدات لمصر البالغ أكثر من ثلاثين عاماً والبالغة قيمتها 26.2 مليار دولار. إن المحقق على أرض الواقع الفعلي لا يتناسب على الإطلاق مع قيمتها الإجمالية. ومهما تحدثنا عن مشروع هنا وهناك، فإن مشروعاً مثل السد العالي يفوقها قيمة وأهمية وتأثيراً بحساب الماضي والحاضر والمستقبل.

تركز المساعدات الأميركية الاقتصادية على أن تعود قيمتها بشكل مباشر إلى جيوب الشركات الأميركية، وأن تدخل مباشرة إلى جيوب الخبراء الأميركيين، وأن يذهب الجانب الأكبر منها إلى مشروعات تحقق أولاً وأخيراً فائدة الطرف الأميركي، حتى وإن كانت لا تحقق أي فائدة للطرف المتلقي. وعودة بالذاكرة إلى عشرات الآلاف من فرص التدريب والتعليم الوهمية في السبعينيات والثمانينيات للمصريين في أميركا كفيلة بشرح وتفسير صورية هذه المساعدات وتحديد المستفيد الحقيقي منها.

ونعود إلى جانب أخطر من المساعدات الأميركية هو التحالف العسكري بين الدولتين والتي تحرص الفئة الحاكمة في مصر على إبقائه سراً. وعلى العكس من ذلك يوجه الانتباه إلى التحالف العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة. ذلك التحالف الذي يثير ارتياح دول الاعتدال العربية، والتي لا ترى فيه الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي.

يتمثل أهم نشاط للتحالف المصري ـ الأميركي في المناورات التدريبية المشتركة التي تجري بصفة دورية على أرض مصر وفي قواعدها الجوية ومياهها الإقليمية. ولعل اسم «النجم الساطع» قد اكتسب قدراً محدوداً من الشهرة لا يتناسب مع حجمه الكبير.

وقد جرت مناورات «النجم الساطع» لأول مرة في عام 1981، نتيجة اتفاق مصري ـ أميركي، أعقب مباشرة توقيع مصر على اتفاقيات «كامب ديفيد». وتبرهن تلك المناورات (كما يقول الخبراء الأميركيون) على أن «مصر أصبحت جاهزة لتعاون عسكري واضح مع الولايات المتحدة لدعم التعاون الاستراتيجي بينهما في صيانة أمن المنطقة».

اتسعت مناورات «النجم الساطع» لتشمل عدداً من الدول الأخرى الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة وفي أوروبا. وتطورت لتصبح أضخم مناورات تدريبية تجري في أي مكان من العالم. وبعد أن كان هدفها «تقوية الروابط بين العسكريين المصريين والأميركيين، وتعزيز قدرة الأميركيين على دعم حلفائهم في الشرق الأوسط في حالة نشوب حرب» إلا أنها شهدت بعد ذلك انضمام إحدى عشرة دولة وسبعين ألف عنصر إلى هذه المناورات، وقد بلغ عدد القوات الأميركية التي شاركت في مناورات «النجم الساطع» عام 2001 حوالى 23 ألف جندي، وأصبح الهدف تقوية الروابط العسكرية مع الدول العربية وليس مع مصر وحدها. أما في عام 2009 فقد ضمت قوات من أنحاء العالم تشكل جبهة مشتركة في مناورات متعددة المهمات. وقد جرت يوم 16 تشرين الأول عام 2009 بالقرب من مدينة الإسكندرية.

يقول نبيل فهمي سفير مصر في واشنطن في حديث لجريدة الأهرام (29 حزيران 2006): «إن العلاقات بين الدول تستند إلى المصالح المشتركة وليس إلى مجرد المشاعر أو العواطف. وإن هذه العلاقات لا تقام على أساس زمني قصير أو على أساس مواقف هذه الدول تجاه قضية أو قضايا بعينها. وإنما تُقام على أساس يتسم بالشمولية والطابع الاستراتيجي. وهذا ينطبق بالفعل بين دولة عظمى كالولايات المتحدة ودولة إقليمية مهمة مثل مصر»، وإن «هناك مصلحة مصرية ـ أميركية مشتركة في تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ومكافحة الإرهاب العالمي والحفاظ على وحدة السودان ومواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط». (لم يتحقق شيء من هذه الأهداف). لقد استغلت المساعدات الأميركية لتحويل مصر إلى سوق استهلاكية كبرى وإلى نموذج من الاقتصاد الحر الذي يستطيع الاندماج في النظام الرأسمالي الذي تقوده أميركا، ويدور في فلك تبعيته. ولذلك استخدمت أميركا هذه المعونة لمساعدة فئات رأسمالية صاعدة في المجتمع المصري، ولتشجيع الدولة على سياسة الخصخصة وبيع القطاع العام وممتلكات الدولة وأصولها باسم إعادة الهيكلة، الأمر الذي نتج عنه زيادة الفقر وتركز الثروة والسلطة في أيدي قلة قليلة من الأفراد والشرائح وجماعات المصالح المرتبطة فكرياً وأيديولوجياً ومالياً بأميركا.

Page 7

في مصر.. الشعب أراد (5)

مصر وإسرائيل: سلام ساخن

مضى أكثر من ثلاثين عاماً على توقيع معاهدة كمب دايفيد، والتي لم يحتفل بها، بل إن ذكراها لم تجد إلا بضعة مقالات في الصحافة المصرية والإسرائيلية. إن ذكرى حادثة اغتيال السادات في عرض عسكري يوم 6 تشرين أول عام 1981، لاتزال حاضرة في الأذهان. ولاتزال تسترجع كفصل مفصلي في تاريخ الشرق الأوسط الدموي. لقد غيّرت تلك المعاهدة تاريخ مصر وجغرافيتها.

لا يتذكر شباب مصر وشباب إسرائيل تاريخ الحروب بينهما. لقد ورث حسني مبارك السادات، واستطاع أن يقيم استقراراً سياسياً، كانت ضمانته هو شخصه بالذات. وعلى الرغم من ذلك واجهت مصر توترات سياسية بعد انفجار الانتفاضة الثانية في فلسطين والتي واجهتها الحكومة المصرية بسياسة ذات وجهين: تأييد لفظي وإعلامي للانتفاضة، وإبقاء العلاقات عادية مع إسرائيل. وقد وصف شالوم كوهين سفير إسرائيل في مصر في ذلك الوقت العلاقة بأنها «مجمدة في الواقع». لكن المؤرخ الإسرائيلي مايكل أورن يعارضه الرأي ويصف تلك العلاقات بأنها «أفضل من أي يوم مضى» على الرغم من حرب تموز في لبنان عام 2006 والحرب التدميرية على غزة في شتاء 2009.

لقد تابع مبارك جهوده في تحسين العلاقات مع إسرائيل منذ عام 2005 على الرغم من الضغوط الأميركية لإدخال الديموقراطية إلى الحياة السياسية في مصر. وكان ذلك التعاون سياسياً واقتصادياً وديبلوماسياً ومخابراتياً، استطاع تجاوز الأزمات الفلسطينية الواحدة تلو الأخرى. هذا على صعيد الحكم، أما حركات المعارضة وعلى رأسها حركة «كفاية» فقد نظمت في عام 2005 حملة لإلغاء معاهدة كمب ديفيد وجمعت مئة ألف توقيع، وكانت تتوقع أن ترتفع أعداد الموقعين إلى أكثر من مليون. لكن الحملة توقفت فجأة ولم تتابع.

في تقييم حديث لإنجازات معاهدة كمب دايفيد يعتبر السيناتور الديموقراطي جيري اكرمان أن تلك المعاهدة هي صمام أمان للاستقرار وتحقيق التنمية الاقتصادية للطرفين المباشرين ونقطة تحول إيجابية للمنطقة ككل، معدداً إيجابيات هذا الإنجاز الأميركي في منع نشوب حروب نظامية بين الدول العربية وإسرائيل؛ فقد أحدثت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تحولات في توجهات دول المنطقة بشكل عام، بمعنى أن الاتفاقية مثلت نقطة جذب للدول العربية الأخرى بحيث حلّ منهج اتفاقيات السلام مع إسرائيل محل منهج استمرار الحرب والمقاومة. وبالنسبة للولايات المتحدة فإن كمب دايفيد أرست قواعد الدور الأميركي الشريك في أي اتفاقية سلام عربية-إسرائيلية بعد ذلك. ويؤكد السيناتور اكرمان أيضاً أن مصالح الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل تحتاج إلى ضمان استمرار واستقرار هذه الاتفاقية. فهذه العلاقة هي مفتاح سلام المنطقة كلها وأن مسؤولية الولايات المتحدة هي ضمان هذا السلام المصري ـ الإسرائيلي.

أما دايفيد كورتزر السفير الأميركي في القاهرة فيرى أن هناك ثقة ما بين الجانبين المصري والإسرائيلي على المستوى العسكري، بالرغم من وجود بعض المشاحنات بين الجانبين لترسيم الحدود السياسية. إلا أن المعاهدة لم تكن محل تراجع أحد الطرفين طيلة هذه الفترة، مما جعل حماية الحدود لا تحتاج لتواجد عدد كبير من القوات متعددة الجنسيات والمراقبين. وهو ما ضمن حداً أدنى لتطبيق واستقرار الاتفاقية على المدى البعيد، ومن ناحية أخرى أصبحت كامب دايفيد نموذجاً في إبرام أي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل. كما أن مبادرة السلام العربية في عام 2002 شكلت تحولاً في إدارة عملية السلام عربياً.

ويقول دايفيد ماكوفيسكي (رئيس برنامج عمليات السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى): إنه بعد 30 عاماً من إبرام الاتفاقية وانتفاء ظاهرة الحروب النظامية من الصراع العربي ـ الإسرائيلي فإن العلاقة المصرية الإسرائيلية لاتزال تعاني من حالة «سلام بارد» في إشارة إلى عدم تحلي مصر بما أطلق عليه «روح التطبيع».

يقول الخبراء الأميركيون: إن غياب الإدارة الديبلوماسية، أدى إلى تجاهل مصر وإسرائيل والولايات المتحدة لقضايا ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية تواجه استقرار المعاهدة، لذا يحتاج الفريقان إلى مساعدة أميركية لتطوير القدرة الثنائية لمصر وإسرائيل على مواجهة هذه القضايا والتعاطي معها مما يجعل مساحة الاتفاق أكبر. فعلى المستوى السياسي توجد رؤية مشتركة للطرفين تجاه الدعم الإيراني لحماس وحزب الله في لبنان ومعارضتهما لبرنامجها النووي. إلا أن الطرفين لم يكوّنا حتى الآن رؤية مشتركة للتعامل مع هذه المخاوف. وهو ما يعني افتقادهما لآلية الحوار الاستراتيجي بين الطرفين، ومثال على ذلك قلة عدد الزيارات بين كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين.

وعلى المستوى الاقتصادي تعاني العلاقات المصرية الإسرائيلية من انخفاض عدد المشاريع المشتركة. فبالرغم من وجود بعضها، إلا أنه من المفترض أن يعمل الطرفان على تعميق التعاون الاقتصادي بشكل أكبر ومن خلال دعم أميركي. فعلى سبيل المثال قام الكونغرس بدور كبير في إبرام اتفاقية الكويز، والتي أصبح لها تأثير كبير في تعزيز هذه الروابط.

وعلى المستوى الأمني يثير ماكوفيسكي (المشار إليه سابقاً) قضية أنفاق تهريب الأسلحة من سيناء المصرية إلى داخل غزة لمصلحة حركة حماس، وهو يلقي على الجانب المصري المسؤولية في التصدي لهذا التهريب. وقد ازداد الأمر تعقيداً بعد صعود حماس إلى سدة الحكم في غزة (حسم هذا الأمر بإقامة مصر الجدار الفولاذي تلبية لرغبة أميركا وإسرائيل).

منذ العام الماضي والأجواء في مصر تذكر بالمناخ الذي كان سائداً منذ عقود عندما وقع الرئيس أنور السادات معاهدة كمب دايفيد مع إسرائيل في 26 آذار 1979. وعلى الرغم من الجدل الذي أثارته والتحولات الإقليمية الخطيرة التي أثارتها، لم تكن أشباح معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية حاضرة طوال العقود الثلاثة الماضية مثلما هي حاضرة اليوم. وقد أحدثت المعاهدة تحولاً جوهرياً في نظرية الأمن الوطني المصري. وبناءً على هذا المفهوم للمصلحة الوطنية حرصت مصر تحت حكم مبارك على بناء علاقة تعاون استراتيجي مع أميركا وإسرائيل. وقد شهدت العلاقات المصرية الإسرائيلية تحسناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة جسده قرار الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وتوقيع اتفاقية الكويز وإبرام صفقة الغاز. إن الخطاب المصري الرسمي لا يتمسك بالمعاهدة فحسب، بل يضعها بالتزامه التام بها، وكذلك عشرات الاتفاقات التي تلتها، في مقام العقيدة السياسية التي لا تمس.

إن سيناء حالياً منطقة سياحية يدخلها الإسرائيليون من دون تأشيرة لمدة 15 يوماً. وهي لم تُعمر ولم تتحول إلى منطقة سكنية، لذا يمكن لإسرائيل إعادة احتلالها في مدة 48 ساعة فقط.

إن حالة السلام الحالي مناسبة تماماً لإسرائيل فهي لا ترغب في استقبال السياح المصريين أو العمال المصريين، أو شراء رجال الأعمال المصريين لشركات كبرى فيها. كما أن البرودة (الزائفة) مناسبة لمصر كي تظهر نفسها كطرف محايد في الشرق الأوسط. وقد تمنى الكاتب الإسرائيلي تسفي بارئيل (جريدة هآرتس 24 آذار 2009) أن تدوم المعاهدة مدة ثلاثين سنة مقبلة.

Page 8

في مصر.. الشعب أراد (6)

عن الطائفية في مصر

تعرضت وتتعرض مصر في الوقت الراهن لأعمال عنف طائفية ضد الأقباط. وتتخذ قوات الأمن تدابير للتدخل في محاولة للحد منها. وتشهد الساحة الثقافية المصرية جدلاً واسعاً حول طبيعة هذه الظاهرة التي يتعرض لها المجتمع المصري. ويجهد الكُتّاب والمثقفون المصريون في توصيف الظاهرة وكيفية التغلب عليها للحفاظ على وحدة مصر الوطنية، التي لم تكن معرضة للقضاء عليها، كما هي معرضة اليوم.

يظهر مصطلح «الفتنة الطائفية» في التعبير عن الاعتداءات المتكررة التي يقوم بها بعض المتعصبين المسلمين ضد الأقباط. إلا أن هذا المصطلح لم يلق قبولاً لدى العديد من الكُتّاب والمثقفين المصريين مؤكدين على عدم صلاحية هذا المصطلح، لأن القاعدة العريضة لاتزال بعيدة عن هذه الحوادث، بل وترفضها. وقد تصدرت الاجتهادات في هذا الصدد، حيث رأى بعض الكُتّاب أن ما تتعرض له مصر، هو عبارة عن أعمال عنف تقوم بها فئة من الشباب الصِّغار السن ويفتقد للوعي الديني الصحيح.

وأياً كان الأمر فإن ما تشهده مصر لا يخلو من ملامح فتنة طائفية، حيث أن عنف هذه الجماعات موجه أساساً ضد الأقباط. ويمكن القول إن ما تشهده مصر من حوادث طائفية في الوقت الراهن تعود جذورها إلى مطلع السبعينيات من القرن العشرين عندما تولى أنور السادات مقاليد السلطة خلفاً للزعيم الراحل جمال عبد الناصر؛ حيث وجد السادات أن الجماعات والحركات اليسارية والناصرية تتمتع بشعبية واسعة، لاسيما في الجامعات المصرية. ووصل السادات إلى فكرة مؤداها ضرورة إيجاد حركة منظمة تتمكن (من خلال توفير الدعم والرعاية من السلطة) من مواجهة قوى اليسار والقوى الناصرية، فوجد ضالته في الجماعات الأصولية الإسلامية. فكان السماح بالوجود، وكان الدعم المالي والإمداد بالسلاح. ومن هنا بدأت الجامعات المصرية تشهد الوجود المكثف للجماعة الإسلامية، كما شهد المجتمع المصري قيام جماعات أصولية سرية بأعمال عنف ضد كنائس الأقباط وممتلكاتهم.

لقد شهدت سنوات السبعينيات من القرن العشرين تراجعاً عن تثبيت دعائم الدولة المدنية وأيضاً عن تكريس مفهوم الوطن والمواطنة. وقد شهدت تلك الفترة أيضاً الانتكاسة الكبرى للديموقراطية بسبب اتجاهات السلطة السياسية الرامية إلى تصعيد نمو القوى الإسلامية، الأمر الذي ساهم في صبغ المناخ الفكري والسياسي العام بصبغة دينية، كما أن عملية التحول التي قادها النظام السياسي في السبعينيات من القرن الماضي للتحول من التنظيم السياسي الواحد إلى التعددية الحزبية قد لعبت دوراً هاماً في المجتمع على حساب باقي القوى السياسية. كما أصبح الإسلام السياسي إحدى الركائز الأساسية في استراتيجية النظام لتدعيم مركزه، في عملية الصراع على السلطة التي سادت في ذلك الوقت. ولذلك بدأت عملية التحول الديموقراطي التي قادها نظام السبعينيات بإعطاء مساحة أكبر للاتجاه الديني في الحياة السياسية، ولكن دون السماح للقوى السياسية المعبرة عنه بالتحول إلى حزب سياسي معارض للنظام حتى لا تؤثر على الشرعية التي ارتكز عليها. (لا تزال جماعة الإخوان المسلمين تعمل دون ترخيص رسمي كحزب سياسي). من هنا بدأت عناصر الصراع بين الجانبين تتشكل حول شرعية التحدث باسم «الإسلام». وانعكس ذلك على سياسات الدولة كافةً، وفي مختلف المجالات، خاصة الإعلامية منها، والتي تلعب الدور الأول في تشكيل الوعي الجماهيري.

وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى ثلاثة عوامل ساهمت مساهمة قوية في زيادة عوامل التنشئة الدينية في المجتمع وهي: أولاً، الموقف الغامض للدولة تجاه الدولة الدينية والدولة المدنية، والذي أبرزه الدستور بحيث لجأ إلى صيغة توافقية بين الاثنين مما عمق التناقض والارتباك على مستوى السياسات؛ وثانياً، غياب الإجماع في صفوف النخبة حول القِيم الأساسية التي تحكم التجربة السياسية والتي تنعكس بشكل حاد في المواجهة المستمرة بين القِيم المدنية والقِيم الدينية؛ وثالثاً، الممارسة الحزبية، حيث اتسمت الأحزاب السياسية المصرية بالعجز الداخلي ومحدودية القدرة على خلق قواعد جماهيرية أو تقديم أفكار ورؤى جديدة مما يجعلها تعتمد في وجودها واستمرارها إما على السلطة أو المناورة بعقد تحالفات مع التيار الديني وهو ما صبغ الممارسة الحزبية في النهاية بصبغة دينية واضحة، لم تنعكس في تحالفات هذه الأحزاب فقط وإنما أيضاً في برامجها وخطابها السياسي.

وإذا أخذنا نموذجاً للاضطرابات الطائفية في مصر وهي محافظة المنيا التي جرت في عام 2007 لرأينا أن التعصب الديني ليس هو السبب الوحيد في استعار الفتنة الطائفية، إذ يدخل في الأسباب تغير التركيبة السكانية والظروف الاقتصادية. فقرية «دير جبل الطير» التي وقعت فيها الأحداث، كانت قرية قبطية بالكامل، وكانت كل منازل القرية تعلوها الصلبان، وبالقرب منها تقع قرية أخرى يقطنها مسلمون تسمى «نزلة العابد»، وشرارة الفتنة كانت بين المسلمين والأقباط على خلفية النزاع على قطعة أرض عند سفح الجبل تبلغ مساحتها 5 أفدنة. وبالرغم من أنها لا تصلح لبناء منازل إلا أن أهالي قرية «نزلة العابد» المسلمين كانوا يستغلونها لتخزين الحبوب، وكانوا يأملون في بناء منازل لهم تطل على نهر النيل. وهو ما لم يُرضِ الأقباط بسبب اقتراب هذه الأرض من مدافنهم.

وتعود أسباب العنف في محافظة المنيا في السنوات العشر الأخيرة تحديداً لمجموعة أسباب سياسية في مقدمتها معدل الأمية الذي وصل إلى 48 بالمئة بين الإناث و38 بالمئة بين الذكور، وهي نسبة عالية جداً، بالإضافة إلى معدل البطالة الذي وصل إلى 10 بالمئة. والمنيا فيها ما يقرب من 200 ألف عاطل عن العمل. أما السبب الثالث فكان الفقر والذي بلغ 24 بالمئة وهو أعلى من المعدل العام في مصر. هذا إلى جانب وجود 600 ألف مواطن يعيشون تحت خط الفقر. بالإضافة إلى ذلك استمرت الموروثات الثقافية والتقليدية والتي ساهمت في انخفاض الوعي، مما زاد في معدل الجرائم تحقيقاً لعادة الثأر.

وقد وقعت أخيراً حادثة عنف طائفي بشعة في ليلة عيد الميلاد (وفق التقويم الشرقي) في مدينة نجع حمادي في صعيد مصر. ووقع بنتيجتها 6 من المواطنين الأقباط ضحية لقتل على الهوية. وتشير تلك الحادثة إلى ارتفاع العنف الطائفي إلى مستويات جديدة لم يسبق لها مثيل، وذلك نتيجة الشحن الطائفي الذي تقوم به فضائيات خاصة تروج للإقصاء الديني، مما يدل على وجود متعصبين على كلا الجانبين.

تتحمل الحكومة المصرية جانباً كبيراً من المسؤولية عن تصاعد العنف الطائفي بسبب قوانينها الدستورية أولاً، وتأخر قوى الأمن في منع حوادث العنف الطائفي، وإيقاف الممارسات التمييزية بحق الأقباط ثانياً، وإعلاء فكرة المواطنة والتصرف وفقاً لذلك في جميع الظروف والأحوال.

Page 9

في مصر.. الشعب أراد (7)

الأحزاب السياسية في مصر:الكبير يأكل الصغير

بعد أكثر من 55 سنة لايزال السؤال مطروحاً عن هدف ثورة 23 يوليو السادس: «إقامة حياة ديموقراطية سليمة»، ولماذا تأخر تحقيق هذا الهدف؟ لماذا لم تستكمل مصر تجربة ديموقراطية بدأتها في أواخر القرن التاسع عشر؟ لماذا ظلّت الأحزاب ضعيفة هشة، بينها وبين المصريين مساحة كبيرة، بل أن بعض المصريين لا يسمعون عنها ولا يعرفونها؟ قامت ثورة 23 يوليو في لحظة مضطربة من تاريخ مصر السياسي، حكومات تتبدل بين شمس وضحاها، أحزاب أقلية تصل إلى الحكم، وحزب أغلبية يتأرجح بين عداء الملك وترقب الإنكليز وتأييد الشعب.

يمكن القول إن التجربة الحزبية الجديدة في مصر تعيش أزمة منذ إنشائها، لأن ظهورها جاء بقرارات من السلطة. وقد حرمها ذلك من العمق الجماهيري الذي يجب أن ترتكز عليه لتؤدي دورها في العمل السياسي. فبدلاً من أن يكون منهج الأحزاب السياسية الجديدة التعبير عن آراء المواطنين، اتخذت تلك الأحزاب منطلقها الأول الصراع مع النظام القائم من خلال الصحف لإحراجه، أو تجريحه أمام الرأي العام، مستغلة في ذلك الأثر النفسي الذي نما بين الناس بأن الديموقراطية الحزبية هي المخرج الأساسي لمصر من أزماتها السياسية والاقتصادية، ولأن تعدد الآراء سيكشف الأخطاء ويحفز كل طرف على تصحيح نفسه، والعمل من أجل الصالح العام. وقد تمّت ملاحظة هذا الصراع بوضوح تحت قبة مجلس الشعب.

ومن المؤكد أن المناخ الذي تنشأ فيه الأحزاب له تأثير على طبيعة تكوينها. فبينما نشأت الأحزاب تاريخياً في أوروبا داخل البرلمان من خلال نواب الشعب الذين يجيئون بإرادة الناخبين. وهذا هو سر قوة هذه الأحزاب وسط الجماهير والتي تستمد منها شرعيتها. بينما نجد الأحزاب في مصر تجيء بقرار من السلطة التي تمثلها لجنة الأحزاب أو السلطة القضائية. وهي التي تحدد مدى صلاحية إنشاء حزب من عدمه، ومدى مطابقة هذا البرنامج مع السياسة العامة والنظام القائم. وكأن النظام يريد أحزاباً على مقاسه، بحيث لا تكون ضيقة فتؤلمه أو فضفاضة فتزعجه.

وإذا كان المقوم الأساسي للحزب السياسي هو السعي للوصول إلى السلطة لوضع برامجه وأفكاره موضع التطبيق، لأنها نتيجة للديموقراطية وليست سبباً لها، فإن وظيفة الأحزاب السياسية هي إعداد الكوادر السياسية للقيادة، والوظائف الحكومية والحزبية، وتحقيق التنشئة والمشاركة السياسية والتفاعل الوطني، لتحقيق أولويات القضايا العامة، ووضع السياسة في مجلات الاقتصاد والاجتماع والشؤون الخارجية. وعند النزول بهذه الأسس على أرض الواقع مع الأحزاب المصرية القائمة حالياً، نجد أن هناك صراعاً بين نمطين من التفكير والسلوك والممارسات أحدهما «سلطوي» والآخر «ديموقراطي»، وأنه نتيجة لازدياد حركة الأحزاب السياسية وممارساتها لدورها السياسي في المجتمع وفي مجلس الشعب، سعت الأغلبية الحاكمة إلى تضييق قنوات المشاركة السياسية، عن طريق إصدار قوانين تضيق على نشاط المعارضة، أو الأخذ بنظم انتخابية تارة تحت اسم القائمة المطلقة أو القائمة النسبية أو المختلطة أو الفردية. وكل ذلك بهدف محاصرة نشاط الأحزاب المعارضة أو الحد من نوابها في البرلمان أو وجودها في الشارع.

إن المتأمل في التجربة الديموقراطية في هذه المرحلة يلحظ أنها تجربة تتنازعها بشدة قوتان هما: قوة السلطة ورغبتها في السيطرة والتسلط وقيادة زمام الجماهير نحو المساندة والتأييد في ظل العمل بفكر التنظيم السياسي الواحد الذي تشكل فيه الوجدان السياسي للكوادر العاملة في هذا الميدان؛ ولايزال هذا الفكر سائداً حتى الآن، برغم التحول نحو نظام الاقتصاد الحر. أما القوة الأخرى، فهي تتمثل في الرغبة العارمة لدى الشعب في حياة ديموقراطية كاملة بكل الأبعاد. تتم فيها ممارسة العمل السياسي بشفافية كاملة والحرص على المشاركة في صنع القرار ووضع خطط الدولة في المجالات كافة.

أصاب الاستبداد السياسي الأحزاب الجديدة بالإحباط فتوارى كثير منها من على الساحة السياسية، ولم يبقَ منها إلا أسماؤها فقط. ولاتزال البقية الباقية تقاوم الغرق والاضمحلال والفناء، من أجل البقاء على قيد الحياة، وليس من أجل توسيع قاعدتها في وسط الجماهير. وبذلك تنعدم المنافسة الحزبية، وبمرور الوقت يترهل الحزب الحاكم، وتصيب أمراض الشيخوخة عقل كوادره العتيقة التي تتربع في مواقعها منذ سنوات طوال، بالرغم من أن حركة الحياة الاقتصادية والاجتماعية قد تجاوزتهم.

ومن الملاحظ على التجربة الديموقراطية الحديثة في مصر، أن السلطة تستخدم النظم الانتخابية لكبح ما تعتبره انفلاتاً ديموقراطياً من جانب الأحزاب. والمقياس هنا، من خلال أداء المعارضة تحت قبة البرلمان وليس من خلال الشارع. لأن السلطة في هذا الجانب الأخير نجحت في كبح جماح الأحزاب عن طريق الإجراءات الإدارية والأمنية التي جعلت منها قيوداً صارمة على حركة الأحزاب وسط الجماهير. ولم تجد هذه الأحزاب متنفسها الحقيقي إلا من خلال البرلمان على اعتبار أن ممثليها تحت القبة يتمتعون بالحصانة البرلمانية التي تحميهم من أي بطش سياسي سريع.

من المتعارف عليه أن جهاز الدولة المصري من أقدم أجهزة الدولة في العالم، مما شكل له مصالح معقدة ونفسيات مركبة، وهيكلية تراتبية تنتظر التعليمات الصادرة من أعلى دائماً. ويتصف هذا الجهاز بالتعقيد الروتيني والهروب من المسؤولية وتبعاتها، خشية من الوقوع في التجربة والخطأ؛ ويسود هذا الجهاز مناخ الفساد والنفاق. ولعل ذلك سبباً قوياً في إعاقة مسيرة التطور الديموقراطي في مصر، حيث يمارس الحزب الحاكم دوماً التطابق، مما يعطيه السرعة في التواصل مع الجماهير الشعبية، ويعطيه أيضاً الحق في استغلال إمكانيات الدولة لصالح وجوده في الحكم. ويكشف عن ذلك اختيار رئيس الدولة المصرية أن يظل في الوقت نفسه رئيساً للحزب الحاكم. وتأتي خطورة تطابق الحزب الحاكم مع جهاز الدولة، من عدم وجود إمكانية لأن يصبح هذا الحزب في يوم من الأيام حزباً خارج أجهزة الدولة بطريقة ديموقراطية. بالإضافة إلى وقوع ظلم فادح على أحزاب المعارضة حيث لا تمتلك أدوات القوة (الأموال، الصحافة، السلطة) التي يسيطر عليها الحزب الحاكم.

سيكون للانتخابات البرلمانية المقبلة أهمية استثنائية، إذ ستكون حاسمة في تحديد المرشحين لانتخابات الرئاسة. وتقول قوى المعارضة «إن الانتخابات في مصر تزوَّر» ولذا تطالب برقابة وإشراف دوليين على الانتخابات المقبلة، لما لها من أهمية قصوى. وهو ما يرفضه الحزب الحاكم بشدة؛ وقال أمين السياسات في الحزب الحاكم جمال مبارك في المؤتمر الذي عقد في خريف عام 2009: «إن هذا الأمر يحكمه القانون والدستور الذي أتاح لمنظمات المجتمع المدني الرقابة على الانتخابات». أما أمين التثقيف محمد كمال فقال: «إن الحزب يرحب برقابةالمنظمات الوطنية. لكنه يرفض الرقابة الدولية، معتبراً أن إلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات لا يمس نزاهتها». ولعل تلك الأقوال تزيد الشكوك في إمكانية تزوير الانتخابات، ولا تبددها!

Page 10

في مصر.. الشعب أراد (8)

الاقتصاد المصري: «رأسمالية المحسوبية»

مر الاقتصاد المصري بثلاث مراحل في تطوره. وقد بدأت المرحلة الأولى عام 1991 وهدفت أساساً إلى إرساء الاستقرار في الاقتصاد، وتوليد نمو مستدام. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف اعتمدت الحكومة المصرية على برامج إصلاح ترتكز على خفض دور الدولة في الاقتصاد (تحرير العملة والخصخصة) واعتماد مبادئ اقتصادية مرتكزة على آليات السوق، وزيادة دمج الاقتصاد المصري على الصعيد الدولي عبر فتحه على المنافسة الخارجية وتشجيع التصدير، وزيادة الاتكال على العائدات الداخلية، التي تشكل الضرائب غير المباشرة أهم مصدر لها.

امتدت المرحلة الأولى من عام 1991 إلى عام 1998، وتمّ فيها تحرير الفائدة على الجنيه المصري، وفي شهر شباط 1991 قررت الحكومة المصرية تحرير سوق الصرف الأجنبية، وإنشاء سوق أولية وأخرى ثانوية، وفي شهر تشرين الأول دمجت السوقين في سوق واحدة. وفي عام 1991 لم يعد صرف العملة الأجنبية يقتصر على البنوك التجارية. وفي العام نفسه وقعت الحكومة المصرية على برنامج استقرار الاقتصاد مع صندوق النقد الدولي وعلى برنامج تكييف هيكلي مع البنك الدولي. وقد شهدت تلك الفترة جهوداً جادة للخصخصة أدت إلى انتقال نحو الثلث من مجمل الشركات الحكومية إلى القطاع الخاص.

انضمت مصر إلى منظمة التجارة العالمية في عام 1995. وفي عام 1997 وقعت على اتفاق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وفي عام 1998 أنهت البلاد تطبيق برنامج صندوق النقد الثالث محققة أرقاماً قياسية في الخصخصة. وقد امتد الجيل الثاني من الإصلاحات من عام 1998 إلى عام 2004 وركز على التجارة وإصلاح المؤسسات. إلا أن الظروف الدولية كانت قد ساءت في فترة 1997ـ1998 بسبب الأزمة المالية في بلدان جنوبي شرقي آسيا. كما أدّت بعض الفضائح إلى تقويض الثقة بالاقتصاد المصري. وقد طاولت فضيحة «نواب القروض» خمسة أعضاء سابقين من مجلس الشعب اتهموا باستغلال مناصبهم السياسية للحصول على قروض بقيمة 5.1 مليارات جنيه مصري من موظفين فاسدين في بعض مصارف الحكومة. وكانت لتلك الفضيحة تأثيرات سيئة جداً سواء في الداخل أو في الخارج.

تمّ تحرير سعر الصرف في عام 2003 فيما انخفضت قيمة العملة. وقد أصدر رئيس الوزراء وقتذاك المرسوم رقم 506 لعام 2003 حيث يلزم المصدرين على بيع 75 بالمئة من العملة الأجنبية التي يقبضونها إلى المصارف المصرية. لكن سرعان ما ألغي هذا القرار بحلول نهاية 2004 باعتباره مناهضاً للدستور، ومنذ ذلك الحين انخفضت قيمة العملة المصرية، ولاتزال تتابع مسارها الانحداري.

خلال تلك الفترة وقَّعت مصر على عدد من المعاهدات التجارية، بما فيها إطار التجارة مع الولايات المتحدة في عام 1999، واتفاقات تجارة حرة مع أسواق مشتركة أخرى في شرقي وجنوبي أفريقيا عام 2000. ودخل اتفاق الشراكة الأوروبية حيّز التنفيذ في عام 2004. وفي عام 2007 وقعت مصر على اتفاق المنطقة الصناعية المؤهلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كذلك تم تسريع عمليات الخصخصة خلال تلك الفترة بين منتصف عام 2004 ومنتصف عام 2006، إذ تمت فيها خصخصة عدد من شركات القطاع العام بمبلغ 16 مليار جنيه مصري. ومنحت مصر رخصتها الثالثة للهاتف الخلوي إلى مجموعة مصرية ـ إماراتية مشتركة في مقابل 9.2 مليارات دولار.

تمخّضت عمليات الإصلاح التي بدأت عام 1991 عن تغيرات عميقة في طبيعة الاقتصاد المصري وطبيعة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. لقد جدد الدستور المصري (المعتمد عام 1971 والمعدل عام 1980) طبيعة العقد الاجتماعي القديم، إذ ورد فيه بوضوح أن النظام الاقتصادي المصري عبارة عن ديموقراطية اشتراكية، تركز أكثر ما تركز على المبادئ الاشتراكية والتخطيط المركزي (مادة 4). ويعتبر الدستور أن العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة (مادة 13)؛ كما تكون التربية مجانية (مادة 20)؛ كما تضمن الدولة الخدمات الصحية والاجتماعية (مادة 16). كذلك أعطى الدستور للدولة الحق في إدارة الموارد وتوزيعها عبر منح القطاع العام الدور الرائد في الاقتصاد والتركيز على التخطيط المركزي لتحقيق التنمية في البلاد.

ساهمت مختلف الأنشطة الاقتصادية منذ عام 1991 في إدخال تغيرات على العقد الاجتماعي وتم التأكيد على هذه التغيرات خطياً عندما عدل الاقتصاد المصري في شهر آذار عام 2007. وشمل التعديل المادة 4 التي تتناول طبيعة الاقتصاد المصري والعدالة الاجتماعية، والمادة 24 التي تتناول دور الدولة في الاقتصاد. وتعطي هاتان المادتان المعدلتان دوراً بارزاً لقوى السوق. لذلك يلاحظ تباين بارز، بين الدستورين، القديم والجديد.

نجم عن عمليات الإصلاح الاقتصادي تغيرات عميقة في العقد الاجتماعي. ولكن هل ساعدت تلك الإصلاحات مصر على مواجهة أبرز مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وعلى تحسين عيش المصريين؟ من الملاحظ أن عمليات الخصخصة لم تكن منسقة مع السياسات القطاعية التي تستهدف حلّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بما فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم. إن البلاد لاتزال تواجه التحديات الاقتصادية والاجتماعية البارزة بما فيها الفقر والبطالة المنتشران، ونسب التضخم العالية ونسبة الدين الخارجي العالية، والاتكال على أموال المغتربين. أضف إلى ذلك أنه لم يحقق أي تقدم في مكافحة الفساد. وتعود الفورة الاقتصادية في الاقتصاد المصري إلى عناصر خارجية.