eKtab
EN ع
الانتخابات ضمانات حريتها ونزاهتها
Read free sample

الانتخابات ضمانات حريتها ونزاهتها

by سعد مظلوم العبدلي

Page 1

أولا : أهمية الموضوع

ليس بخافٍ أن مطلب إجراء انتخابات حرة ونزيهة لم يعد مطلباً داخلياً فحسب، وإنما غدا مطلباً دولياً يصر المجتمع الدولي على الوفاء به لكي يتم الاعتراف بالدولة كدولة ديمقراطية يؤهلها نظامها السياسي للحصول على المساعدات الاقتصادية والأمنية والسياسية والتكنولوجية ، وهذا يلقي على عاتق كل دولة أن تضع من الضمانات ما يكفل أن تمارس هذه الانتخابات بحرية ونزاهة، وان تُحترم إرادة الناخبين وصولاً إلى نظام سياسي اقرب إلى المثالية قدر الإمكان ، وبما يضمن لهذا النظام الاستقرار والدوام([1]).

حيث لم تعد حكومة متمدنة على وجه الأرض تدعي أنها تستمد سلطتها في الحكم من غير الشعب الذي تحكمه، سواء كان ذلك في الدول الديمقراطية أو في الدول غير الديموقراطية ، ففي الدول الديمقراطية تصل الحكومات إلى سدة الحكم استناداً إلى إرادات شعبية، تظهر من خلال انتخابات نزيهة ، يتم فيها تداول السلطة بين الأحزاب السياسية بطريقة سلمية هادئة، دون ثورات أو انقلابات أو اغتيالات ، أما في الدول غير الديموقراطية، فإن الأمور تسير على نحو آخر يختلف فيه الظاهر عن الباطن ، فمن حيث الظاهر تجري الانتخابات، وتُنفق الأموال ، وتُبذل الجهود، وتُعلن النتائج ، لمجرد خلق سند شرعي وهمي يتكئ عليه الحاكم أو يتباهى به أمام الآخرين في داخل البلاد وخارجها، ومن حيث الباطن تُزّيف الحقائق سراً لصالح الحاكم ، وتُعد نتائج الانتخابات سلفاً على النحو الذي ترتضيه الحكومة([2]).

ورغم نص العديد من المواثيق الدولية على حق كل إنسان في أن يشارك في حكم بلده، والنص على إن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم([3]) ، واعتبار ذلك بيانا صريحا للمبادئ الديمقراطية، ورغم المشاركة الفعلية للأمم المتحدة والمنظمات الدولية في مراقبة الانتخابات وتقديم المساعدة الفنية ، إلا إنه ما زالت هناك حاجة ملحة لمعايير واضحة يمكن بمقتضاها الحكم على ما إذا كانت الانتخابات حرة ونزيهة أم لا، فلا فائدة تُرجى من نظام انتخابي سليم إذا لم تجر عملية الانتخابات ذاتها بنزاهة وحرية.

Page 2

ثانيا : إشكالية البحث

لم يواجه التطبيق العملي للفكر الديمقراطي تحديا أكبر من إشكالية ضمان حرية ونزاهة الانتخابات ، فمنذ أن عرف العالم الانتخاب كأساس لإسناد السـلطة السياسية ثارت قضية البحث عن الضمانات الواجب توفرها حتى تأتي نتائجه معبرة حقيقةً عن نبض الشارع السياسي، سواء تعلقت تلك الضمانات بالمراحل التمهيدية للعملية الانتخابية أو عاصرت إجرائها أو صاحبت نتائجها بغية إصلاح ما قد تتمخض عنه هذه النتائج من أخطاء ، بهدف إيجاد برلمان يمثل الشعب تمثيلاً حقيقيا([4]).

فالبشرية حينما وجدت ضالتها في الديمقراطية، ووسيلتها الانتخاب ، لا يعني ذلك أنها قد نجحت في تطبيق مبدأ الانتخاب على نحو مثالي من الوهلة الأولى، بل ان ذلك تطلب مرور فترة ليست قصيرة من الزمان إلى ان أصبح اليوم لا يوجد أي مجتمع ـ أياً كانت أيدلوجيته ـ يُنكر على إفراده الحق في إدارة شؤونهم العامة عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة.

كما ان واحدة من الإشكالات التي عادةً ما تنسى هي حداثة الكثير من الحقوق الانتخابية التي يؤخذ بها في الوقت الراهن على أنها أمر مسلمٌ به ، فالاقتراع العام لا يرجع في نشأته إلا إلى بدايات القرن العشرين([5]).

ونظراً لأهمية الانتخابات وما يترتب عليها من آثار، عمل المشرعون على إحاطتها بالعديد من الضمانات للحفاظ على سلامتها وانتظامها مما يكون له أثره النهائي على العملية الانتخابية ككل ، وتوفر هذه الضمانات حماية للناخبين والمرشحين وحتى للقائمين على سير العملية الانتخابية، غير انه يتعين القول ، أنه مهما كانت هناك ضمانات دستورية وقانونية لإنجاح عملية الانتخاب، فإن هذه الضمانات لن تحقق النجاح المبتغى والمنشود ، إلا إذا آمن الجميع ـ بمن فيهم السلطة التنفيذية ـ بالديمقراطية وسيادة الشعب وسيادة القانون، فهذا هو الضمان الأساسي والأكيد لنجاح الانتخابات([6]).

إلا انه وبالرغم من كل الجهود المبذولة سواء على مستوى الفكر والتنظير أو على مستوى التطبيق العملي فان ظاهرة الغش الانتخابي وتزييف إرادة الناخبين والتزوير بما يؤدي إلى نتائج لا تتطابق وحقيقة إرادة الشعب السياسي ، بقيت مستمرة، وبالتأكيد سوف لن نشهد لها نهاية قريبة ، حيث تتعدد مظاهر الغش في العملية الانتخابية على نحو يسمح بالقول بأنه قلما نجد عملية انتخابية تكتمل بدون غش، فلقد أغرت الامتيازات المتعددة التي يحصل عليها أعضاء المجالس النيابية ـ وخاصة في دول العالم الثالث ـ العديد من المرشحين على اللجوء لكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة من أجل الفوز بالانتخابات ، فهيئة الناخبين ـ في بعض البلدان ـ يمكن استغفالها والتلاعب على إرادتها([7]).

كما ان من الصحيح القول ان هناك أوجه ضعف وقصور في آلية الانتخاب كوسيلة لتحقيق الديمقراطية، منها عدم الاقتراع إذا لم يكن هناك إلزام رادع ، ومنها التزوير والتلاعب بالنتائج، والخطأ ، والاقتراع عن جهل وسوء تقدير، كذلك فإن قوة المال ، وسطوة العصابات، ونفوذ الرئاسات ، وتسلط الأجهزة، وعاطفية الجماعات الدينية والعنصرية والطبقية ، كلها أمور من شأنها أن تُفسد الاقتراع، ومع ذلك فانه ـ أي الانتخاب ـ لا يزال أفضل الوسائل الديمقراطية لتداول الحكم ، خاصة إذا ما أُحيط بالضمانات الكافية، كما أن سريته تتيح للمواطن ألا يخاطب شيئا سوى ضميره ، والصالح العام.

وعلى أية حال فان قيمة الاقتراع تُحدد من خلال حسن وفاء المواطنين بحقوقهم الانتخابية، وهو يعكس بصفة عامة ما يتمتع به المجتمع على إطلاقه من ذكاء وتقدير وحكم صائب على شئونه([8]).

Page 3

ثالثا : منهجية البحث

لقد اعتمدنا في بحثنا هذا لضمانات حرية ونزاهة الانتخابات على الدراسة المقارنة لثلاث من الدول ، هي فرنسا ومصر والعراق، مع التركيز على التجربة العراقية الوليدة في مضمار الانتخابات الحرة ، والتي تعتبر ـ وبحق ـ تجربة رائدة سواء على مستوى القاعدة القانونية أو على مستوى التطبيق العملي.

واعتمد البحث منهج تقسيم الضمانات الانتخابية على أساس الخط الزمني، إلى ضمانات سابقة وأخرى معاصرة ، وأخيرا ضمانات لاحقة للتصويت، محاولين المقارنة بين التجربة الانتخابية في الدول الثلاث من حيث القواعد القانونية المتعلقة بهذه الضمانات ومن حيث التطبيق العملي على ارض الواقع ، مع التطرق أحيانا إلى تجارب دول أخرى غير الدول موضوع الدراسة.

واقترحنا في خاتمة البحث النتائج التي توصلنا إليها، وبعض المقترحات التي تصلح ان تكون أساسا لبعض التعديلات سواء على مستوى القواعد القانونية أو على مستوى آليات تنفيذ التشريعات الانتخابية.

Page 4

رابعا : تقسيم البحث

ان جل ما سينصب عليه هدفنا في هذا البحث هو تبيان الضمانات الكفيلة بتحقيق انتخابات حرة ونزيهة ، منوهين إلى قلة المصادر المتعلقة بهذا الموضوع خصوصا بالنسبة للتجربة العراقية الحديثة، وإلى تعدد وتشعب الفعاليات الانتخابية وتفرق الإشارة إلى الضمانات الانتخابية بين العديد من النصوص والتشريعات وعلى مختلف المستويات.

وفي سبيل الوصول لهذه الغاية قمنا بتقسيم الدراسة إلى فصل تمهيدي، خُصص للتعريف بالعملية الانتخابية بشكل عام، وثلاث فصول خصص الأول منها للبحث في الضمانات السابقة على الاقتراع ، أما الفصل الثاني فخصص لعرض الضمانات المعاصرة للاقتراع، أما الضمانات اللاحقة للاقتراع فقد أُفرد لها الفصل الثالث والأخير، ومن ثم خاتمة ضمت ما تم التوصل إليه من اقتراحات واستنتاجات.

Page 5

الفصل التمهيدي: التعريف بالعملية الانتخابية

إن الصعوبات التي تعترض قيام انتخابات حرة ونزيهة، كثيرة ومتعددة ، منها عدم وجود تعريف واضح ومفصل للعناصر المكونة للانتخاب الحر والنزيه، ومنها اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية من بلد لآخر مما يؤدي إلى ان ما ينجح تطبيقه في بلد قد لا ينجح بالضرورة عند التطبيق في بلد آخر ، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من أنواع النظم الانتخابية ـ يفوق عدد دول العالم حتى.

لذلك خصصنا هذا الفصل التمهيدي للتعريف بالعملية الانتخابية مبتدئين بالتطرق إلى ماهية الانتخاب للإلمام بمقوماته الأساسية التي يقوم عليها عن طريق تبيان المعنى اللغوي والاصطلاحي له، بالإضافة إلى توضيح العلاقة بينه وبين مفهوم الشرعية ، كون السلطة لا تكون شرعية إلا إذا كان من يمارسها وطريقة ممارستها تتفق والرأي السائد في المجتمع.

كما ان اهتمام الفقه الدستوري بالتنظيم القانوني لحق التصويت أدى إلى ظهور العديد من النظريات في التكييف القانوني لهذا الحق، بالإضافة إلى تولي التنظيم الدولي والدستوري إقرار العديد من المعايير المتعلقة بالضمانات الضرورية لحرية ونزاهة العملية الانتخابية ، من خلال العديد من المواثيق الدولية، وما قررته دساتير الدول بهذا الخصوص.

وبما ان قانون الانتخاب هو التنظيم الوضعي لممارسة هيئة الناخبين حقهم في اختيار الحكام أو الممثلين عنهم ، لذا فان هذا القانون يضع القواعد التي تتم بمقتضاها جميع الفعاليات الانتخابية ومنها كيفية قيام الناخبين إعطاء أصواتهم عن طريق نظم التصويت المختلفة، أما تحديد المرشحين الفائزين بالمقاعد النيابية والعلاقات التي تربط بين الناخب والمرشح والدائرة الانتخابية فهو ما تعالجه النظم الانتخابية والتي تلعب دورا هاما من خلال تأثيرها بالحياة السياسية لما يتمتع به كل نظام من مزايا وعيوب.

لذلك قمنا بتقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث ، تناولنا في الأول منها تبيان ماهية الانتخاب من خلال التعريف بمعنى الانتخاب لغةً وإصطلاحاً، وتبيان العلاقة بين الشرعية والانتخابات.

أما المبحث الثاني فقد خصص لمناقشة الطبيعة القانونية لحق التصويت من خلال البحث في النظريات التي قيلت بشأن التكييف القانوني لهذا الحق وترجيح كفة واحدة من هذه النظريات ، بالإضافة إلى استعراض أهم المعايير الدولية والقانونية المتعلقة بضمانات حرية ونزاهة الانتخابات.

أما المبحث الثالث فقد خصص لمناقشة نظم التصويت ونظم الانتخاب بالإضافة إلى التعريف بالانتخابات المباشرة وغير المباشرة وتبيان المزايا والعيوب لكل نظام انتخابي ومدى انتشار تطبيقه في دول العالم.

Page 6

المبحث الأول : ماهية الانتخاب

من الضروري بمكان التعرف إلى ماهية موضوع البحث قبل الخوض في تفاصيله الأخرى، وذلك من خلال التعرف على معنى الانتخاب ، وتبيان العلاقة بين موضوع البحث واهم ما يشغل بال السلطات الحاكمة في كل دولة، إلا وهو شرعية وجود تلك السلطات ، ومن أين تستمد هذه الشرعية.

لذلك سنناقش في هذا المبحث معنى الانتخاب في مطلب أول، أما المطلب الثاني فقد خصص لمناقشة العلاقة بين الشرعية والانتخابات.

Page 7

المطلب الأول: معنى الانتخاب

سنتناول في هذا المطلب المعنى اللغوي للانتخاب وذلك في الفرع الأول ، فيما سيتناول الفرع الثاني المعنى الاصطلاحي للانتخاب.

الفرع الأول: المعنى اللغوي

يقال في اللغة نَخَبَ، أي انْتَخَبَ الشئَ : اختارَه ، وإنْتَخَبَ الشئَ : انتزعهُ أخذ نُخْبَتَهُ، والنُّخْبَةُ : ما اختاره منه ، ونُخْبةُ القَوم ونُخَبتُهم : خِيارُهم. قال الأصمعي : يقال هم نُخَبة القوم، ويقال جاء في نُخَبِ أَصحابه ، أَي في خيارهم، والانْتِخابُ : الاختيارُ والانتقاءُ ؛ ومنه النُّخَبةُ ، وهم الجماعة تُختارُ من الرجال، فتُنْتَزَعُ منهم. وفي حديث عليّ ، عليه السلام، وقيل عُمَر : وخَرَجْنا في النُّخْبةِ ، النُّخْبة، بالضم : المُنْتَخَبُون من الناس ، المُنْتَقَوْن، وفي حديث ابن الأَكوَع : انْتَخَبَ من القوم مائةَ رجل. ونُخْبةُ المَتاع : المختارُ يُنْتَزَعُ منه([9]).

أما المعاجم التي تنحى منحى التحديث كالمعجم الوسيط فقد ذكر في باب نَخَبَ ، نخْباً : أخذ نُخْبَةَ الشئ، وانْتَخَبَهُ : إختاره وانتقاه ، أي اختاره بإعطائه صوته في الانتخاب، والانْتِخَابُ : الاختيار ، إجراء قانوني يحدّد نظامه ووقته ومكانه في دستور أو لائحة ليختار على مقتضاه شخص أو أكثر لرياسة مجلس أو نقابة أو ندوة أو لعضويتها، أو نحو ذلك ، والمُنْتَخِبْ : من له حقُ التصويت في الانتخاب، والمُنْتَخَبُ : من أُعطي الصوت في الانتخاب ، من نال أكثر الأصوات فكان هو المختار([10]).

الفرع الثاني: المعنى الاصطلاحي

كون العملية الانتخابية تتصل بالعديد من الجوانب السياسية والاجتماعية والديموغرافية، لذلك اتخذ الكتاب مذاهب شتى في تبيان المعنى الاصطلاحي للانتخاب.

فقد ركّز البعض منهم على الناحية الإجرائية في الانتخاب ، فعرفوه على انه " مجموعة من الإجراءات والتصرفات القانونية متعددة الأطراف والمراحل يخضع بمقتضاها تحديد الهيئات الحاكمة العليا في الدولة لموافقة ورضاء المحكومين أصحاب السلطة الحقيقية في المجتمع "([11])، ويبدو ان السبب في التركيز على الناحية الإجرائية دون غيرها من الجوانب الانتخابية الأخرى ، كون هذه الناحية هي الأكثر وضوحا في العملية الانتخابية.

فيما ركز عدد آخر من الفقهاء على جانب الاختيار في العملية الانتخابية، بالقول ان الانتخاب هو " اختيار الناخبين لشخص أو أكثر من بين عدد من المرشحين لتمثيلهم في حكم البلاد "([12]).

فيما ذهب غالبية فقهاء القانون الدستوري إلى تعريف الانتخاب تعريفات تنصب كلها حول كونه أداة لتداول السلطة سلميا وتجسيداً لحق المشاركة في الحياة السياسية ، وذلك بالقول إن الانتخاب هو " الوسيلة الأساسية والوحيدة لإسناد السلطة في النظم الديمقراطية المعاصرة من ناحية ولتحقيق حق المشاركة في الحياة السياسية من جانب أفراد الشعب من ناحية أخرى "([13]).

فيما كان بعض الفقهاء أكثر تحديدا بهذا الخصوص حين ركزوا على إن الانتخاب هو وسيلة تداول السلطة في ـ الديمقراطية النيابية ـ تحديدا، والتي تختلف بذلك عن الديمقراطيات المباشرة وشبه المباشرة ، بالقول إن الانتخاب هو " وسيلة الديمقراطية النيابية، فعن طريقه يختار الشعب نوابه الذين يمثلونه ويعبرون عن إرادته ، وان الانتخاب هو جوهر النظام النيابي، وبدونه لا يكون النظام النيابي سوى مجرد مسألة صورية أو مجازية "([14]).

فيما يذهب الفقهاء الذي يقارنون بين الانتخاب وبعض التطبيقات الفقهية في الشريعة الإسلامية كالبيعة والشورى إلى تعريف الانتخاب بأنه " أمانة وشهادة وولاء وبراء "([15]) ، أما قوانين الانتخابات العربية فلم تورد تعريفا للانتخاب عدا القانونين السوداني واليمني([16]).

ومع ملاحظة التعريفات أعلاه، يتبين ان من الصعب الحصول على تعريف مانع جامع للانتخاب كون العملية الانتخابية على تماس وترابط مع العديد من جوانب الحياة في المجتمع كما ان النظرة إلى مفهوم الانتخاب تختلف باختلاف الأيدلوجيات والتطبيقات ، ومع ذلك فإننا نرى انه يمكن تعريف الانتخاب بأنه " الوسيلة الأساسية لإسناد وتداول السلطة في الديمقراطية النيابية بقيام الناخبين بممارسة حقهم في اختيار من يمثلهم في المؤسسات الحاكمة للدولة ".

Page 8

المطلب الثاني: العلاقة بين الشرعية والانتخاب

لم تظهر الأفكار الديمقراطية بصورة فجائية، وإنما كانت وليدة تجربة إنسانية عميقة قديمة قدم المجتمع البشري ذاته ، فقد ظهر مصطلح الديمقراطية ليعكس رغبة الشعوب في إيجاد آلية تتيح لأفرادها المشاركة الفعالة في إدارة شؤون المجتمع والدولة، فابتدأت بالديمقراطية المباشرة وانتهت أخيرا إلى الديمقراطية النيابية التي أيقنت من خلالها ان أفضل الطرق لاختيار الحكام إنما تتمثل في الانتخاب باعتباره الوسيلة الطبيعية والمشروعة لإسناد السلطة في الأنظمة الديمقراطية ، وفي ذلك تقول المحكمة الدستورية العليا المصرية " أن النظام الديمقراطي السليم يقوم في جوهره على مبدأ أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات... ذلك أن مبدأ السيادة الشعبية يقتضي أن يكون للشعب ـ ممثلا في نوابه أعضاء السلطة الشعبية ـ الكلمة الحرة فيما يعرض عليه من شؤون عامة... "([17]).

وبعبارة أخرى فان الانتخاب أصبح التنظيم القانوني لمبدأ مشروعية ممارسة السلطة باسم الشعب ، حيث يُسمح للناخب بان يؤيد أو يرفض سياسة ما، في الوقت نفسه الذي يتمخض عنه اختيار فريق من النواب مكلف بتطبيق سياسة معلومة تنبئ عنها برامج المرشحين ، وبذا فانه يمثل جوهر الديمقراطية، فعن طريق صناديق الانتخاب وعبر أصوات هيئة الناخبين ، تتحقق فكرة تداول السلطة([18])، وهذا ما دعا المفكر الفرنسي ( جان جاك روسو ) إلى وصف الحق في التصويت المعترف به لعضو هيئة الناخبين بأنه " الحق الذي لا يستطيع أي شيء أن ينتزعه من بين أيدي المواطنين "([19]).

وأصبح من المسلم به ان وجود انتخابات تنافسية منتظمة وحرة للفوز بالمناصب العامة هي أكثر الفوارق أهمية بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية([20]) ، والى ذلك يذهب المجلس الدستوري اللبناني في قراره رقم (1) لسنة 1997 بالقول " وبما أن قوام الديمقراطية يكون في مشاركة الشعب في الحياة العامة وفي إدارة الشؤون العامة وأيضاً في احترام الحقوق والحريات العامة وينسحب ذلك على المستوى المحلي كما هو على المستوى الوطني، وبما أن مبدأ الانتخاب هو التعبير الأمثل عن الديمقراطية وبه تتحقق ممارسة الشعب لسيادته من خلال ممثليه ، باعتباره مصدر السلطات جميعاً، ومنه تستمد مؤسسات الدولة شرعيتها الدستورية... "([21]).

لا بل ان بعض الكتاب ذهب إلى وجوب اعتبار سلطة الاقتراع سلطة رابعة إضافة إلى السلطات الثلاث التقليدية ، فذهب العميد (موريس هوريو)، إلى ان الجسم الانتخابي يجب ان يعتبر سلطة ثالثة (سلطة الاقتراع pouvair de suffrage ) إلى جانب السلطتين الأخريين ، (السلطة التنفيذية)، والسلطة التداولية أي ( البرلمان )([22]).

وبالرغم من كل ما سبق ذكره فان ذلك لا يعني أن البشرية قد نجحت في تطبيق مبدأ الانتخاب على نحو مثالي منذ أول وهلة ، بل ان ذلك تطلب مرور فترة ليست قصيرة من الزمان إلى أن أصبح اليوم لا يوجد أي مجتمع أياً كانت إيديولوجيته ينكر على أفراده الحق في إدارة شؤونه العامة عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة، فقد كان تقرير مبدأ الاقتراع العام هدفاً ديمقراطياً عزيزاً تسابقت معظم دول العالم إلى الأخذ به وتطبيقه من أجل إشراك أكبر عدد من المواطنين في عملية إسناد السلطة ، خصوصا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إذ أخذت به فرنسا عام 1848 ، وألمانيا عام 187، وأسبانيا عام 1890 ، وهولندا عام 1896، والنمسا عام 1907 ، وإيطاليا عام 1918، ويرجع الأخذ بالاقتراع العام في مصر إلى قانون الانتخاب الصادر في أول مايو عام 1883([23]).

أما العراق فقد شهد أول انتخابات في ظل قانون انتخاب المبعوثان العثماني سنة 1908 ، ثم توالت التشريعات الانتخابية المختلفة([24]).

وبالرغم من هذا التطور التاريخي لأهمية الانتخابات، وبالرغم من انه أصبح من المسلم به أنها هي الوسيلة الأساسية في إسناد وتداول السلطة في الأنظمة الديمقراطية ، إلا ان الأمر الذي يوازي إجراء الانتخابات في أهميته، هو نزاهة وصحة هذه الانتخابات لان سلامة إجراءات الانتخابات ، وحريتها، وصدق نتيجتها ، ليست هي أحد أركان الديمقراطية أو شروطها، بل هي أركان الديمقراطية أو تكاد ، فلأن الانتخابات هي السبيل الوحيد لإشراك الشعب في إدارة شئون بلده، وفي صياغة قوانينه ، ورقابة حكومته، لهذا وجب التأكيد على ضرورة نزاهتها([25]).

وإذا كانت الديمقراطية التعددية قد أصبحت منهج العصر في التنظيم السياسي في معظم دول العالم ، فإنها تشكل بالنسبة للعالم الثالث عموماً ولوطننا العربي خصوصاً قضية مصيرية تطرح نفسها بصورة ملحة، " فقد جاء حين من الدهر كانت بعض الشعوب تجد نفسها مُجبرة على الاختيار بين الخبز والحرية أو بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية ، وكثيراً ما برزت تجربة الحزب الواحد أو الزعيم الواحد على أنها من اجل الخير والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، وفي حالة الوطن العربي أُضيفت مبررات أخرى مثل إنجاز الوحدة العربية وتحرير فلسطين ، ولكن اتضح بعد فترة اختبار طويلة امتدت لمدة عقود ان هذه مقايضات وهمية أو مغلوطة "([26]).

أما فقهاء الشريعة الإسلامية فقد تباينت آراؤهم في هذا المجال تباينا كبيرا([27])، فمنهم من ذهب إلى رفض الانتخاب بل إلى رفض الديمقراطية أصلا ـ والتي يعتبر الانتخاب وسيلة تحقيقها ـ ، واعتبارها ـ أي الديموقراطية ـ كفراً وشركاً وإجراماً، وذلك بالقول "... فالذي نعتقده وندين للهِ به أن الانتخابات طاغوتية ، وأن الديموقراطية نظام كفري، وأن الذين وافقوا على الدخول في الانتخابات خالفوا رسول الله (ص) في قضية مواجهة الأعداء في كل وقت وحين، سواء علموا ذلك، أو ظنوا أنهم يحسنون صنعاً "([28]) ، فيما ذهب العلامة (النائيني) ـ بمناسبة أول انتخابات برلمانية للدولة العراقية ـ، إلى القول " نعم حكمنا بحرمة الانتخاب وحرمة الدخول فيه على كافة الأمة العراقية ، ومن دخل فيه أو ساعد في هذا الأمر أو ساعد عليه أدنى مساعدة فقد حاد الله ورسوله والأئمة الطاهرين "([29]).

بينما ذهب بعض الكتاب ان الأمر مختلف فيه ففي حين يرى البعض أن المشاركة في الانتخابات تحت مظلة التعددية السياسية وفي ظل النظم الديمقراطية تعتبر مصلحة شرعية ووسيلة معتبرة، ذهب البعض الآخر إلى أنها مصلحة ملغاة غير معتبرة كونها غير راجحة التحقيق وأن المفاسد التي تترتب على ذلك أعظم بكثير من المصالح المرجوة([30]).

بينما يذهب عدد من الفقهاء إلى ان أنسب الوسائل حاليا لاختيار أهل الشورى هو الانتخاب ، أما طريقته ونظمه وضوابطه فهي مسائل تفصيلية تترك لظروف كل دولة وكل شعب من الشعوب الإسلامية، بالقول ان حق المشاركة في الحياة السياسية للدولة الإسلامية يجد أساسه في أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي وهو مبدأ الشورى ، إستنادا إلى قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ( وأمرهم شورى بينهم )([31])، وقوله تعالى (وشاورهم في الأمر ) ([32]) ، وقوله سبحانه وتعالى ( ليستخلفنهم في الأرض) ([33])، حيث يتضح من كون الضمير بصيغة الجمع أن الاستخلاف لجميع القوم وليس لإفراد منهم ، وهذا يدل على أن الحكومة الإسلامية لا بد أن تسير بمشورة الجميع وأنها ليست حكومة فرد أو أسرة أو طبقة، ولكنها حكومة الأمة بأسرها وأنها تتكون بمشورة ومشاركة الأفراد جميعاً([34]).

وقد أقر بقبول الشورى للانتخاب كوسيلة لاختيار أهلها كثير من العلماء المحدثين ، فالإمام (أبو علي المودودي ) يقول "... فيجوز أن نستخدم اليوم على حسب أحوالنا وحاجاتنا كل طريق مباح يمكن به تبيّن من يحوز ثقة جمهور الأمة، ولا شك ان طرق الانتخاب في هذا الزمان هي أيضاً من الطرق المباحة التي يجوز استخدامها ، بشرط أن لا يُستعمل فيها ما يُستعمل من الحيل والوسائل المرذولة... "، وإلى ذلك يضيف الإمام ( حسن البنا ) بقوله "... ولقد رتب النظام النيابي الحديث طريق الوصول إلى أهل الحل والعقد بما وضع الفقهاء الدستوريون في نظم الانتخاب وطرائقه المختلفة ، والإسلام لا يأبى هذا التنظيم مادام يؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد... "([35]).

لا بل ان بعض الكتاب ذهب إلى ان إشاعة العلم بفقه الانتخاب يعتبر " من اوجب الواجبات التي يتعين الاعتناء بها في هذا المعترك , وان تدريس هذا الفقه اليوم من ضرورات العصر، حتى نتمكن من ان نستجيش مذخور الإيمان في أعماق الأمة , ونوظفه في نصرة الحق والتمكين لشريعة الله في هذه المواقع , فمتى يدرك الناس ان ذهابهم إلى أماكن التصويت من جنس ذهابهم إلى أماكن العبادة , وان ترجيحهم لمرشح على آخر عملية شرعية تتعلق بثلاثة أبواب في الفقه الإسلامي وهي الأمانة والشهادة والولاء والبراء , وإنها ان لم تتم على الوجه الذي يرضي الله كانت مدعاة لسخطه"([36]).

ورغم كل ذلك فان الانتخابات ما تزال ـ وحتى في وقتنا الحاضر ـ محط اختلاف في الرأي والاجتهاد بين الفقهاء والعلماء ـ وحتى بين أصحاب المذهب الواحد ـ ، ولنا ان نأخذ الانتخابات العراقية التي جرت عام 2005 مثالا على ذلك، ففي حين ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب المشاركة في الانتخابات([37])، لا بل حتى أنهم أفتوا بوجوب إدراج المواطنين لأسمائهم في السجلات الانتخابية([38])، ذهب البعض الآخر منهم إلى رأي مخالف مفاده عدم وجود أي دليل على وجوب المشاركة، ومن ثم الدعوة إلى عدم المشاركة إذا ما جرت في ظل ظروف معينة([39]).

ومن كل ما تقدم يتبين لنا انه قد أصبح من المسلم به ان الانتخابات يُنظر لها باعتبارها الوسيلة الأساسية لتداول السلطة وتحقيق تجسيد حقيقي لإرادة الناخبين في اختيار من يمثلهم في البرلمان ومؤسسات الدولة الحاكمة الأخرى، وان العلاقة بين الشرعية والديمقراطية والانتخاب أصبحت علاقة لا يستطيع أي نظام حكم نكرانها سواء آمن بصدق بالعملية الانتخابية أم كان ذلك مجرد واجهة يستطيع من خلالها إضفاء نوع من الشرعية على نظام حكمه، ان هذه المكانة التي يحتلها الانتخاب اليوم في الفكر والتطبيق الديمقراطي لم تكن بالأمر السهل والهين بل جاءت عبر تطور تاريخي للمفهوم الديمقراطي وعبر البحث في الوقت نفسه عن أفضل السبل لتجسيد هذا المفهوم عبر آليات واضحة وممكنة التطبيق يمكن اتخاذها كمعيار لتجسيد إرادة الشعوب.

Page 9

المبحث الثاني : الطبيعة القانونية للانتخاب ومعايير صحته

ثار الجدل طويلا في الفقه القانوني والسياسي حول طبيعة الانتخاب والتكييف القانوني له، كما ان التنظيم الدولي والدستوري قد بذل المزيد من الجهد في وضع المعايير اللازمة لضمان حرية ونزاهة الانتخابات.

لذلك سنتناول في هذا المبحث، التكييف القانوني للانتخاب في مطلب أول، أما المعايير الدولية والدستورية فقد خصص لها المطلب الثاني.

Page 10

المطلب الأول: التكييف القانوني للانتخاب

اختلف الفقهاء حول الطبيعة القانونية للانتخاب، فظهرت الاتجاهات المتعددة في تحديد هذه الطبيعة، فهناك من يرى أن الانتخاب هو حق من الحقوق الفردية، وهناك من يرى أن الانتخاب يعتبر وظيفة، وهناك من جمع بين الاتجاهين معاًَ وقرر بأن الانتخاب حق ووظيفة، وأخيراً ذهب اتجاه إلى اعتبار أن الانتخاب هو عبارة عن سلطة قانونية([40]).

وقبل الخوض في هذا الموضوع، ارتأينا التطرق ولو بشكل موجز إلى نظريتين كان لهما الأثر الكبير على طبيعة التكييف القانوني لحق التصويت وعلى بعض العناصر الانتخابية الأخرى مثل ( هيئة الناخبين، وضع النائب في البرلمان،... )، ألا وهما نظريتي سيادة الأمة، ونظرية سيادة الشعب، والنتائج المترتبة على كل منهما، وعلاقة ذلك بموضوع البحث.

أولا : نظرية سيادة الأمة :

تذهب هذه النظرية إلى أن السيادة ملك للأمة وحدها ـ كشخص معنوي متميز عن مجموع الأفراد الذين تتألف منهم ـ فالأمة ليست هي فقط مجموع المواطنين الذين يعيشون في زمن معين على أرض الدولة، بل أنها تشمل في الوقت نفسه الماضي والحاضر والمستقبل، وهي لا تتكون من الأحياء فقط بل ومن الأموات أيضاً([41])، فتكون الســيادة في هذا الوصف غير قابلة للتـجزئة، ولا يجوز للأمة التصرف في سيادتها بالتنازل عنها([42]).

النتائج المترتبة على هذه النظرية :

1 : الانتخاب :

يُعد الانتخاب ـ وفقا لهذه النظرية ـ وظيفة وليس حقا، باعتبار أن الناخب يقوم بالتصويت خدمة للأمة صاحبة السيادة، ويؤدي هذا المفهوم إلى الأخذ بمبدأ الاقتراع المقيد، على أساس ان الأمة حرة في تحديد شروط هذه الوظيفة.

2 : علاقة النائب بالناخبين :

وفقاً لمفهوم هذه النظرية، فان النائب يعتبر ممثلاً للأمة كلها، وليس ممثلا لناخبي دائرته فقط، فيتصرف وفقاً لمصلحة الأمة، لا لمصلحة دائرته([43]).

3 : هيئة الناخبين :

إن ممثلي الشعب المُنتخبين ليسوا وكلاء عمن انتخبهم، لأن من انتخبوهم ليسوا أصحاب السيادة أو مصدرها، لذلك فليس من المحتم النزول عند إرادة أغلبية الناخبين دائماً، لأن مثل هذه الإرادة قد لا تُمثل إلا نزعات أو نزوات عارضة، دون الأخذ بنظر الاعتبار مصالح الأجيال القادمة([44]).

ثانيا : نظرية سيادة الشعب :

تذهب هذه النظرية إلى أن السيادة ملك لمجموع الأفراد على أرض الدولة، وسيادة الشعب ما هي إلا مجموع الأجزاء من السيادة التي تخص كل فرد من أبناء هذا الشعب، وكل فرد يحصل على جزء من السيادة، فإذا كان مجموع أفراد الشعب (1000 ) نسمة، فإن لكل فرد ( 1/1000 ) من السيادة([45]).

النتائج المترتبة على هذه النظرية :

1 : الانتخاب :

وفقاً لمفهوم هذه النظرية يُعد الانتخاب حقاً لكل شخص طالما أنه يمتلك جزءاً من السيادة، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تقرير الاقتراع العام([46]).

2 : علاقة النائب بالناخبين :

يكون النائب ممثلاً لمجموع أجزاء من السيادة تخص المواطنين في دائرته الانتخابية فقط، أي ان النائب يمثل دائرته ولا يمثل الأمة كلها، ويترتب على ذلك بقاء النائب أسير دائرته الانتخابية([47]).

3 : هيئة الناخبين :

لا بد ـ وفقا لهذه النظرية ـ من الأخذ بما تراه الأغلبية من هيئة الناخبين، لأنه يتم النظر إلى التصرف في وقت معين، وبالنسبة لوضع الشعب في ذلك الوقت دون الدخول في اعتبارات الأجيال القادمة والظروف المستقبلية([48]).

ولدراسة النظريات التي قيلت في التكييف القانوني للانتخاب، قُسم هذا المطلب إلى أربعة فروع، خصص الفرع الأول لمناقشة الرأي القائل بان الانتخاب هو حق شخصي، أما الفرع الثاني فقد خصص لمناقشة الرأي القائل بان الانتخاب هو وظيفة اجتماعية، أما المزج بين الحق والوظيفة في تكييف الانتخاب فقد خصص له الفرع الثالث، أما الفرع الرابع والأخير فقد خصص للرأي الذي يذهب إلى القول بان الانتخاب هو سلطة قانونية.

الفرع الأول: الانتخاب حق شخصي

ذهب بعض الفقهاء في القرن الثامن عشر إلى القول بأن الانتخاب حق شخصي، ووجوب الاعتراف بهذا الحق للأفراد بوصفه حقا طبيعيا لصيقا بشخصيتهم وآدميتهم، ومن هؤلاء الفقهاء ( روسو وروبسبير وبثيون )، ويثبت حق الانتخاب على رأي هؤلاء لكل فرد على أرض الدولة له صفة المواطن على أساس المساواة بين المواطنين، ويُعد حقاً طبيعياً لا يمكن انتزاعه من أي فرد، ومادام كذلك فإنه يكون أسبق على وجود المشرع ولا ترقى إليه سلطة التشريع المنظمة للانتخاب([49]).

النتائج المترتبة على كون الانتخاب حقاً شخصياً :

1 : تقرير حق الاقتراع العام([50])، وعدم جواز تدخل المشرع لحرمان الأفراد من ممارسة حقهم في الانتخاب أو تقييـد هذا الحق على أسـاس طبقي أو مالي أو علمي، إلا بصورة استثنائية ومحدودة([51]).

2 : اعتماد مبدأ التصويت الاختياري، فما دام الانتخاب حقاً فلا يجوز عندها إجبار المواطنين على ممارسته، كما لا يجوز فرض عقوبة كجزاء للامتناع عن التصويت، ومعظم دول العالم تنحى هذا المنحى، كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والعراق([52]).

3 : يترتب على اعتبار الانتخاب حقاً شخصيا، أن تسري عليه جميع أعمال التصرف كالبيع والهبة والتنازل([53]).

الفرع الثاني: الانتخاب وظيفة اجتماعية

يرى أنصار هذا الاتجاه ان الانتخاب وظيفة اجتماعية، فبسبب تبنى زعماء الثورة الفرنسية لمبدأ سيادة الأمة([54])، والذي ـ وكما سبق عرضه ـ يعتبر السيادة للأمة كمجموع قانوني متميز عن الأفراد المكونين لها، ترتب على ذلك ان سلطة الانتخاب لا تمنح للأفراد لأنهم أصحاب سيادة، ولكن بصفتهم ملزمين باختيار ممثلين عن الأمة ليعبروا عن سيادتها([55])، وهم إذ يمارسون عملية الاختيار هذه، لا يمارسون حقاً شخصيا لهم، وإنما يمارسون وظيفة، وبالتالي لا تُعطى هذه الوظيفة إلا للأجدر والأكثر كفاءة، فينحصر ذلك في فئات قليلة من الناس، ولابد عندها من توافر شروط معينة في الناخبين لضمان حسن أداءهم لوظيفتهم([56]).

وقد لاقى هذا الرأي قبولاً كبيراً في بداية عهد الثورة الفرنسية حيث أيدته الجمعية التأسيسية في عام 1791 وتضمنه الدستور الصادر في العام نفسه([57])، وكذلك نظام الانتخاب الذي تم إقراره حين ذاك، لا بل ذهب بعض الكتاب إلى عد المشاركة في العملية السياسية واجباً وطنياً، شأنها شان الخدمة العسكرية، وما يقتضيه ذلك من تشديد عقوبة التخلف عن المشاركة في التصويت، كما هو الحال بالنسبة لعقوبة التخلف عن الاستدعاء للخدمة العسكرية([58]).

النتائج المترتبة على اعتبار الانتخاب وظيفة :

ترتب على الأخذ بهذا الرأي نتائج مغايرة للقول بأن الانتخاب حق شخصي، منها :

1 : تقرير مبدأ الاقتراع المقيد : فبما ان هيئة الناخبين تمارس وظيفة، فيتحتم أن تكون هناك شروط محددة لممارسة هذه الوظيفة. فيحق للمشرع تقييد حق الانتخاب بشروط تتعلق بالكفاءة العلمية أو النصاب المالي، ويقتصر الانتخاب فقط على من تتوافر فيه هذه الشروط .

2 : تقرير مبدأ الانتخاب الإجباري : بمعنى أن للأمة أن تُلزم الناخبين على الإدلاء بأصواتهم باعتبار ان من صفات الوظيفة وجوب إلزامية أدائها، ومن ثم فرض الجزاء على من يتخلف عن القيام بذلك، وقد أخذت بذلك العديد من الدول([59])، ومن الدساتير التي عملت بهذا الرأي الدستور الفرنسي الصادر عام 1791، وكذلك الدستور المصري الصادر عام 1930، كما اعتنق المشرع المصري ـ بعد الثورة ـ الفكرة القائلة بأن الانتخاب يدخل في عداد الواجبات الوطنية([60])، فترتب على ذلك الإجبار في الانتخاب([61]).

الفرع الثالث: الانتخاب حق ووظيفة

حاول البعض الأخذ بموقف وسط والجمع بين الفكرتين السابقتين على أساس أن الانتخاب ليس وظيفة اجتماعية خالصة وإنما فيه شيء من صفة الحق الفردي، فلو كان الانتخاب وظيفة اجتماعية خالصة لما أُعترض على المشرع عند تضييقه دائرة الناخبين أو اشتراطه نصاباً مالياً في الناخب، كما ان المنتخبين لا يعملون لحسابهم وإنما للمجموع وللصالح العام .

ويذهب جانب من أصحاب هذا الرأي إلى أن ذلك لا يعني الجمع بين هاتين الصفتين المتعارضتين في لحظة واحدة، وإنما يعني أن الانتخاب هو حق ووظيفة على التتابع، فذهب الفقيه ( كاريه دي مالبيرج ) إلى ان الانتخاب يعتبر حقا شخصيا تحميه الدعوى القضائية في البداية عندما يقوم الناخب بقيد اسمه في الجداول الانتخابية، غير أنه يتحول إلى وظيفة بعد ذلك أثناء ممارسة الناخب لعملية التصويت والمساهمة في تكوين الهيئات العامة في الدولة، أي أن هناك تتابعاً بالأخذ بالصفتين، فأولاهما كونه حقاً، وثانيتهما كونه وظيفة.

ويميل الدكتور ( داود الباز )([62]) إلى تأييد هذا الرأي بالقول " ان هذا التكييف يفصل بين مرحلتين ( القيد والتصويت ) ويجعل من كل منهما عملا منفصلا عن الآخر بالنسبة لاكتساب الوصف الخاص به، وعملا متكاملا بالنسبة لممارسة التصويت، التي تستلزم وجود الحق في التصويت،... "([63]).

بينما يرى العميد ( موريس هوريو ) ان الجمع بين النظريتين يقوم على أساس ان الانتخاب هو حق فردي وهو في الوقت نفسه وظيفة اجتماعية أو واجب مدني، مما يؤدي إلى جواز النص على جعل التصويت إجباريا([64]).

الفرع الرابع : الانتخاب سلطة قانونية

يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى تكييف الانتخاب باعتباره سلطة أو ( مكنة ) قانونية مقررة للناخب لا لمصلحته الشخصية، ولكن لمصلحة المجموع، وهذه السلطة يتحدد مضمونها وشروط استعمالها بالقانون، وبطريقة واحدة بالنسبة لجميع الناخبين، ويترتب على هذا المنطق أنه من حق المشرع التدخل بالتنظيم والتعديل في أي وقت يشاء، لأن الانتخاب ليس حقاً شخصياً مولداً لمركز ذاتي، ولكنه سلطة قانونية لا يُعترف بها لكل شخص، وإنما يعترف بها للإفراد الذين يحددهم القانون، وفقاً للشروط التي يقررها، وللمشرع أن يُعدل فيها لكونها تولد مراكز عامة مجردة، لا مراكز شخصية.

ومن أنصار هذا الرأي من الكتاب العرب، الدكتور ( ثروت بدوي ) والدكتور ( محمد انس جعفر) والباحث ( علي محمد الدباس )([65])، وآخرون.

والى نفس الرأي يذهب الفقيه الفرنسي ( بارتلمي )، بالقول ان المشاركة الانتخابية تستمد شرعيتها من قانون الانتخاب الذي يقررها ويحدد كيفية ممارستها، ومن ثم فهي لا تعتبر حقا شخصيا طبيعيا ينبغي ان يتمتع به جميع الأفراد، وإنما هي سلطة قانونية مستمدة من مركز موضوعي ينشئه القانون من اجل تمكين المواطنين من المشاركة في اختيار السلطات العامة في الدولة([66]).

وأخيرا يرى جانب من الفقه الدستوري ان الانتخاب هو حق سياسي يستمده المواطن من الدستور أو القانون، وينتهي هذا الرأي إلى نفس النتائج المترتبة على اعتبار الانتخاب سلطة قانونية([67]).

الرأي الأرجح :

نرى ان الرأي الأرجح في تكييف الانتخاب وما يترتب على ذلك من نتائج، انه حق خاص، لم يأتي من مكنة أو سلطة قانونية، وبالتأكيد هو ليس وظيفة، وذلك للأسباب الآتية :

1 : هذا الرأي هو الأكثر انسجاما مع الروح الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كونه ينبع أساسا من المفهوم الديمقراطي لحق المشاركة السياسية وآليات تطبيق هذا المفهوم، مع ميل الديمقراطيات الحديثة إلى الأخذ بهذا التكييف وبما ينسجم مع المعايير الدولية والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ( وكما سيتبين ذلك في المطلب القادم ).

2 : ان الأخذ بهذا التكييف لحق الانتخاب لا ينال من حق الدولة في القيام بتنظيمه بمقتضى ما لها من صلاحية في إصدار القواعد القانونية، مع الإشارة إلى ان اعتبار الانتخاب حقا، له فائدته في التأكيد على ان القوانين التي تسنها الدولة في هذا الشأن يجب ان تستمد شرعيتها من مبادئ قانونية كبرى تتعلق أحكامها بالمجتمع البشري قاطبة خصوصا تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

3 : ان النقد الذي يوجه لهذا التكييف في انه يسمح بإجراء مختلف التصرفات على هذا الحق هو انتقاد يمكن الرد عليه بان هناك العديد من الحقوق ذات طبيعة خاصة تجعلها غير قابلة للتصرف فيها أو التنازل عنها من قبل أصحابها، وفي مقدمتها الحقوق السياسية كحق المشاركة الانتخابية([68]).

4 : من الصعب القبول بالنتائج التي تترتب على كون الانتخاب وظيفة، من حيث:

أ : لم يثبت نجاح الأخذ بالتصويت الإجباري ـ كأحد نتائج نظرية تكييف الانتخاب كوظيفة ـ في الدول التي أخذت بذلك، لتحقيق نسب مشاركة عالية([69]).

ب : ان اشتراط الكفاءة العلمية يخالف المبدأ الديمقراطي القائم على توسيع المشاركة الشعبية، والوعي السياسي قد يعوض عن الوعي الأكاديمي، والعلاج هو محو الأمية، لا الحرمان من التصويت.

ج : ان سبب قلة إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع ليس مرده كون الاقتراع اختياريا وليس إجباريا، بل ان الأمر قد يعود لأسباب أخرى منها عدم اكتراث الناخب بالعملية السياسية في بلاده، أو لاعتقاد الناخب ان صوته غير مؤثر، أو لكثرة عمليات التزوير التي تشوب الانتخاب، والإجراء الصحيح هو قيام الدولة بمعالجة هذه الأسباب، لا جعل الانتخاب إجباريا([70]).