eKtab
EN ع
الإنطلاق من الصفر
Read free sample

الإنطلاق من الصفر

by د. توراو توكودا

Page 1
 المقدمة
 
يتناول هذا الكتاب قصة رجل ولد فقيرًا في جزيرة توكونوشيما أصغر جزر اليابان الجنوبية وأكثرها تحديًا وكفاح، عمل وناضل وتحدى ورهن حياته ليحقق حلمه في بناء اكبر مجموعة طبية في العالم مبتدأ من الصفر، لقد صمم وهو في سنته العاشرة أن يكون طبيبًا عندما واجه حادث وفاة أخيه الصغير ذو الثلاث سنوات بسبب عدم قدرة عائلته على إنقاذ حياته لمرضه في إحدى الليالي ورفض الأطباء علاجه لانتهاء وقت عملهم أو طلب أجور مرتفعة. وهب حياته ورهنها من أجل الحصول على قرض لبناء مشفاه الأول والذي حقق حلمه ونجاحه الباهر ليتوسع إلى 270 مستشفى في عموم اليابان وواحدة في بلغاريا من ألف سرير ضمن مجموعة فاعلة ونشطة أسسها وهي مجموعة توكوشوكاي الطبية اليابانية الخاصة. إن سر نجاحه هو بفلسفته التي مفادها "لقد خلق جميع البشر متساوون" ويحق لهم الحصول على العلاج في كل الأوقات وأينما كانوا وبنفس المستوى من العناية الطبية الفائقة. ووفق ذلك فإن مستشفيات مجموعة توكوشوكاي تعمل أربعة وعشرون ساعة يوميًا وطيلة أيام السنة، وترعى الفقراء والأقل دخلاً وبأحدث التقنيات الطبية الحديثة. في هذا الكتاب يتحدث الدكتور توراو توكودا عن تجربته الغنية بالعبر والتي يستفيد منها كل الشباب المتطلع نحو مستقبل زاهر وخدمة شعوبهم ودولهم والإنسانية جمعاء.
Page 2
أخيرًا تحقق الحلم.. مستشفى في مسقط رأسي :
 
سؤال : يا دكتور «توكودا» ظللت تحلم طويلاً برعاية علاجية مثالية يتم الحصول عليها على أعلى مستوى في أي وقت وفى أي مكان، ولأي شخص مهما كان، وقد استطعت حتى الآن أن تنشئ أحدى عشرة مستشفى، وهنا يأتي السؤال المهم وهو: ما السبب الذي جعلك لا تنشئ مستشفيات مماثلة في مناطق نائية ؟  لماذا لم تنشئ مستشفى في مسقط رأسك وهي جزيرة «توكونوشيما»، على الرغم من أن هذا الخاطر كان يراودك منذ فترة طويلة، فهل حقًا ما سمعناه بأن المراحل الأولى لإنشاء مستشفى في جزيرة «توكونوشيما» قد بدأت بالفعل ؟
 
الإجابة : نعم أخيرًا أصبحت هناك إمكانية لإنشاء مستشفى في مسقط رأسي وهي جزيرة «توكونوشيما». إن ذلك الانتقاد الذي ذاع وانتشر من أن  «توراه توكودا» ـ أنا ـ هدفه الوحيد هو التكسب وجمع الأموال لأنه يبني مستشفياته في المدن الكبرى فقط، لم يكن هو الانتقاد الوحيد، بل كانت هناك انتقادات من نوع آخر. لكن مستشفى مجموعة «توكوشوكاي» الذي سيتم إنشاؤه في جزيرتي ومسقط رأسي «توكونوشيما» سيكون الخطوة الأولى الموضوعية الملموسة في سبيل تحقيق الهدف المثالي الذي أسعى إليه، فهذا المستشفى معناه أكبر من أن يكون مجرد مستشفى من المستشفيات. 
 
سؤال : ماذا تقصد بذلك ؟ 
 
إجابة : ستكون مستشفى  «توكونوشيما» هذه نقطة الانطلاق لكي أجعل من مجموعة جزر «أمامي» بجنوب غرب اليابان أكثر المناطق مثالية في العالم كله على الرغم مما يقال عنها من أنها مجموعة من الجزر المنعزلة من جميع النواحي التاريخية والعلاجية والاقتصادية، إنني أريد أن أصنع نموذجًا لمنظومة الرعاية الطبية المثالية من أجل مستقبل العالم، وسأجعل الناس في العالم كله يحلمون بالذهاب إلى هناك. 
 
على الرغم من أنني ولدت وترعرعت هناك في جزيرة «توكونوشيما» إلا أنني لم أفعل شيئًا كي أردّ ذلك الجميل، في الفترة الأخيرة بقيت طوال الليل والنهار أشاهد حلم إنشاء مستشفى في جزيرتي الصغيرة، إن ما أقوله الآن هو بمثابة إقرار أقدمه لجزيرتي وأبناء جزيرتي، لقد تضخم هذا الحلم كي لا يقتصر فقط على جزيرة «توكونوشيما»، بل شمل مجموعة جزر «أمامي» كي يصبح أملاً كبيرًا في سبيل جعل تلك المنطقة نموذجًا مشرفًا للرعاية الطبية المتكاملة يحتذي به العالم كله، ذلك لأنني لو نجحت في مسقط رأسي فسوف أستطيع أن أحقق النجاح في اليابان ولكل البشرية في العالم أيضًا، لكن هذا لم يكن يتعدى أن يكون حلمًا، وحتى شهر ديسمبر (كانون الأول) 1984 لم أكن أتصور ولا حتى في الحلم أن أبدأ وضع الأساسات هكذا في شهر مايو (أيار) من هذا العام ( 1987)، وسوف يصبح هذا الحلم خلال شهر أو شهرين واقعًا حيًّا على الأرض بمعنى الكلمة. 
 
على سبيل المثال إذا قام شخصٌ بتربية كتاكيت إلى أن تصبح دجاجًا كبيرًا، وظل ينتظر أن تضع تلك الدجاجات البيض، فقد يحدث ألاّ تضع تلك الدجاجات بيضًا أبدًا !. ولكن إذا شغل المرء نفسه بأمور كثيرة قريبة منه، ونسى أمر دجاجاته فقد يحدث أن يجد أنها قد وضعت بيضًا دون أن يشعر، وبحساب الفترة الزمنية فسوف يدرك المرء أن وضع البيض في ذلك التوقيت سيكون أمرًا طبيعيًا، بل إنه يشعر كما لو كانت الأفراخ قد وضعت البيض في فترة سريعة قياسية، بعد ثلاث سنوات من الآن سيصبح من الممكن عمل منطقة نموذجية بجزر «أمامي» حيث يقوم بها مستشفى شامل يغطي احتياجات تلك الجزر، إن العجلة إذا دارت بكل طاقتها فسوف يتحقق المراد في غمضة عين.
 
وحتى الأمس القريب كان الناس يقولون : «إن ذلك الرجل يهذى، إن توكودا يغالي في القول ويتشدق بما لا يستطيع أن يفعله، فتراه لا ينوي أبدًا أن يبني مستشفى في جزيرة  توكونوشيما  ولا في غيرها». 
 
إنني أيضًا « بعد أن انتهيت من إنشاء مستشفيات شاملة في كل منطقة جزيرة «كيوشو» بما فيها محافظة «كاجوشيما» كنت أشك في قدرتي علي إنشاء مستشفى بجزيرة «توكونوشيما»، ولكن ها أنا أقوم بوضع الأساسات لذلك المستشفى المنشود في شهر «مايو»  (أيار) عام 1985، وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1984 انقشعت السحابة التي كانت تحجب الرؤية عن عينيّ واستطعت أن أنظر إلى العالم كله من جزيرة «توكونوشيما». 
 
سؤال : ما الذي حوّل دفة الأمور فجأةً هكذا في طريق النجاح؟ 
Page 3
الإجابة : إن السبب في قدرتي إنجاز هذا العمل فجأة هو أن ظروف منظومة الرعاية الطبية داخل المجتمع الياباني كله منذ نهاية عام 1985 تغيرت لتكون في مصلحة جمعية «توكوشوكاي» بشكل واضح وسريع، على سبيل المثال فمن بين الإحدى عشرة مستشفى لنفس الجمعية والموجودة في أنحاء كثيرة من اليابان، فإنه باستثناء اثنتين من المستشفيات الحديثة الإنشاء والتشغيل فإن التسع مستشفيات الباقية كانت تحقق أرباحًا بالإضافة إلى أن الأطباء في جميع أنحاء اليابان قد بدءوا يظهرون تفهمًا نحو ما تقوم به جمعيتنا على عكس ما كنت أتوقع، وفي الواقع فإنني أعتقد أن هذا كان أكبر تغيير.  
 
والتغيير هو إنشاء منظومة رعاية طبية من خلالها يستطيع أي مواطن في أي وقت وفي أي مكان خلال الأربع والعشرين ساعة لليوم الواحد أن يتلقى كشفًا طبيًا، أي أن الطبيب يجب أن يأخذ قرارًا بينه وبين نفسه أن يكون مستعدًا في أي وقت للكشف على أي حالة طارئة تعرض عليه حتى ولو كان ذلك المريض لا يملك قيمة الكشف الطبي، لقد أصبح عدد كبير من الأطباء المرموقين والمجتهدين المخلصين، من ذوي بعد البصيرة أن يتفهموا فلسفتي، وعليه أصبح هناك كثيرون منهم ممن دخلوا في جمعيتي الطبية ويعملون معي في مستشفياتي، وكان هذا أكثر شيء أسعدني. 
 
وبالنسبة للجامعات فمنها ما لديها كليات عريقة للطب قامت بالتعاون معي في مشروعي، ومنها جامعة «هوكايدو» وجامعة «توهوكو» في الشرق، وفي منطقة «كانساي» بغرب اليابان جامعات «كيوتو»، وجامعة «مدينة أوساكا»، وجامعة «نارا» للطب، وجامعة «كووبيه». بالإضافة إلى هذا كان فهناك أساتذة من المشاهير يعملون بنشاط في جامعات شرق اليابان وغربها وجزيرة «كيووشوه»  بكليات الطب ممن أظهروا تفهمًا لأهداف جمعية «توكوشوكاي» وقدموا مساعداتهم لها، ولقد أصبح كثير من هؤلاء الأساتذة العظماء الذين أكن لهم كل احترام يقولون لي «يا توكودا.. إننا سوف نساعدك»! كما أن عدد الأطباء من أبناء جزر «أمامي» من الذين تفهموا أهداف مجموعتي وشاركوا بالعمل معي يأخذون في التزايد يومًا بعد يوم. 
 
إن الميزة التي تتميز بها مجموعة جزر «أمامي» إنه بالرغم من قلة عدد السكان بها إلا أنها أفرزت عددًا كبيرًا من الأطباء والمحامين، وبفضل هذا العامل الإيجابي فقد زال قلقي على توفير أطباء يقبلون العمل في مجال الرعاية الطبية في الجزر النائية حيث إن هذا العامل هو مربط الفرس، لقد استطعت أن أحل مشكلة عدد الأطباء بهذا. 
 
حسنًا.. لقد عزمت وتوكلت في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي فقد كنت قد دبرت مكانًا لبناء المستشفى منذ ثماني سنوات في منطقة «كاميه تسو» بحي توكونوشيما بنفس جزيرة «توكونوشيما» حيث يتجمع أكبر عدد من السكان والمحال التجارية. 
 
المساحة التي حددتها لبناء المستشفى هي حوالي خمسة عشر ألف مترمربع، وقد وضعت تصورًا أن يكون مبنى المستشفى من ستة طوابق وطابق تحت الأرض، وعدد الأسرَّة 450 سريرًا ونفقات الإنشاء وحدها ألفا مليون ين والتكلفة الإجمالية بالتجهيزات حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة مليون ين، إن مسألة حسبة النفقات هذه ليست بالأمر السهل، ولكني أعتقد أنه بالأسلوب الذي تتبعه مجموعة «توكوشوكاي» وبالأطباء الذين يعملون فيها فسوف ننجح في النهاية، وبفضل زيادة عدد الأطباء المشاركين فقد أصبح الحلم حقيقةً في نهاية الأمر. 
 
إنني أشعر أننا أقوياء حيث إننا إذا نجحنا في استكمال المستشفى فسوف نطبق هدفنا السامي الذي يتلخص في بذل أقصى ما نستطيع من الرعاية الطبية في أي وقت وفى أي مكان ولأي فرد يطلب نجدتنا.  
 
لقد استطعنا في النهاية تجهيز البنية التحتية من أجل إنشاء مستشفيات شاملة بشكل أو بآخر في أي وقت وأي مكان وتحت أي ظروف، ومعنى هذا أن أفكاري المثالية باتت قيد خطوات قصيرة من التنفيذ الفعلي على الأرض.
Page 4
الرعاية الطبية السريعة باستخدام الطائرات المروحية الخفيفة:
 
إنني من منطلق من مشروع مستشفى جزيرة «توكونوشيما» وأخطط لبناء ست مستشفيات شاملة في ستة من جزر «أمامي». وهذه الجزر هي «أمامي أووشيما» و«كيكاي چيما» و« كاكيه روما چيما» و«أوكي نو إيرابو چيما» و«يورون طوه»، وسوف أقوم بشراء طائرتين مروحيتين تربضان دائمًا استعدادًا للانطلاق في جزيرتي «أوكيناوا» و«أمامي أووشيما».
 
حتى لو أقمت مستشفيات شاملة في الجزر الصغيرة تلك، فمن وقت لآخر سأحتاج ولا شك إلى أطباء متخصصين، ففي حالة الاحتياج إلى خمسة أطباء لعمل خمس جراحات في نفس الوقت فأعتقد أنه من المفروض جمع هؤلاء الأطباء في مكان واحد، إن حمل المرضى والمصابين بالطائرات، ومع صدمة واهتزاز هبوط الطائرة قد يصاب المريض أو الجريح المحمول بنزيف حاد، ولهذا السبب سوف أعمل على حمل الأطباء من جزيرة كبيرة إلى المرضى وليس العكس، إن هذه كلها أحلام كنت أراها لنموذج مثالي للرعاية الطبية في الجزر الصغيرة المنعزلة، عندما كنت طالبًا وكنت أتحدث بمثل هذه الأشياء كنت مثار السخرية والتهكم ممن حولي، ولأن من حولي كانوا يستخفون بي فقد جعلني هذا أكثر عزمًا على تحيق ما أحلم به.
 
وكان هناك سبب أساسي جعلني أتجاوز هذه الصعاب وأحقق ما أريد، وهو أنني كنت أريد أن أرد الجميل لوطني الأم «جزيرة توكونوشيما» عن طريق خلق منظومة مثالية من الرعاية على أرضها، وفوق هذا أريد أن أجعل من مسقط رأسي هذا نموذجًا يحتذي به في مجال الرعاية الطبية على مستوى العالم كله لكي يصبح العالم كله يتطلع إلى منطقة جزر «أمامي» بصفتها منطقة مثالية للرعاية الطبية كي يقلدها ويفعل مثلها، أريدها منطقة متقدمة فيها طرق وتقنيات الرعاية الطبية، أريد أن أجعل جزر «أمامي» جزيرة للمعمرين وللأصحاء وأكثر  جزيرة تحصل على أعلى مستوى من الرعاية الطبية. 
 
إنني أعتقد أن هذا النموذج المنشود يمكن تحقيقه هنا في اليابان لوجود مميزات متعددة، وأعتقد أنه من الواجب تنفيذ هذا النموذج، والسؤال هو «من الذي يجب عليه أن يقوم بذلك ؟» ولكن لأن أحدًا لا يقوم بفعل هذا فقد تحركت جمعية  «توكوشوكاي». ثم هأنذا أقوم بتنفيذ خطة تحسين منظومة الرعاية الطبية على مستوى العالم كله، سوف أنطلق إلى إنشاء المستشفيات في جميع أرجاء الكرة الأرضية. 
 
على وجه الخصوص فإنني أود أن أنطلق قدمًا في إنشاء المستشفيات في مناطق نائية مثل مسقط رأسي جزيرة «توكونوشيما»، وإن الأسماء لا تعنيني.. فلنسمى أحدى المستشفيات «مستشفى ريجان التذكاري» ولنسمى الأخرى «مستشفى تاناكا كاكوإيه التذكاري». إنني لا أحتاج إلى وضع اسمي أو اسم مجموعة «توكوشوكاي» على هذه المستشفيات. على أي حال المهم هو  إنشاء كثير من المستشفيات التي تقدم أعلى خدمة في الرعاية الطبية في جميع أرجاء الدنيا، فلقد أقيمت الكنائس والمعابد البوذية في أرجاء الدنيا من أجل أن ينقذ المسيح أو بوذا البشرية، أما أنا فمن أجل إنقاذ الأجساد والقلوب أيضًا فإنني أطمح إلى بناء عدد من المستشفيات في جميع أرجاء الدنيا يفوق عدد المعابد والكنائس. 
 
إن صلاتي وأمنيتي أن أبني عددًا من المستشفيات يفوق عدد الكنائس والمعابد، وأن تحقيق هذا الحلم هو نوع من ممارسة الشعائر والعبادات، أريد أولاً أن أنقذ الأبدان ثم بعد ذلك أنقذ القلوب والنفوس، لكن الوسيلة إلى إنقاذ القلوب والنفوس هي جد صعبة.  
Page 5
ومن أجل تحقيق ذلك فهناك ضرورة لتعاون وحكمة  الكثير من الناس، فإنني في أشد الاحتياج إلى الكثيرين من أصحاب القلوب الرحيمة، إنني أريد منهم  أن يمدوا لي يد العون والمساعدة بمعانٍ كثيرة، كما إنني أريد من أصحاب العقول المستنيرة والحكمة النافذة أن يفيدوني من ذكائهم وخبراتهم وحكمتهم بطرق عديدة، إنني أيضًا أؤمن بأهمية الاستعانة حتى بالساسة من أجل تحقيق النموذج المثالي الذي أنشده.
 
وعلى سبيل المثال فكنوع من المساعدة للدول النامية فإن أهم شيء ـ في اعتقادي ـ من أجل هذه الدول أن نقيم لهم مستشفيات، إن أكثر المشاكل التي يعاني منها الإنسان هي ما يتعلق بالحياة والصحة، إن الحديث عن تنمية اقتصاد تلك الدول مهم، ولكن حتى لو استطاعنا تقديم مساعدات اقتصادية تساهم بشكل فعال في حل مشكلاتهم الاقتصادية، فلن ننال منهم في النهاية سوى التهكم والسخرية، فلن يكون هناك من يشعر بالكراهية والضغينة تجاه من يقدم لهم خدمة طبية جيدة وأطباء جيدون، أضف إلى هذا أننا إذا وضعنا هدف تحقيق الرعاية الطبية فسوف تنشأ من هنا طفرة كبيرة حتى على المستوى الثقافي لتلك الدول، سوف تتولد صلة ارتباط بين اليابانيين وأبناء تلك الدول بسبب أن حياة الإنسان غالية، ومن هنا.. ومن خلال الحوار المتبادل والمجهودات المشتركة فسوف يتولد التعاون الدولي الحقيقي والعولمة بمعناها الصحيح.
 
إنني أريد من اليابان أن تقدم معونتها إلى دول العالم الثالث من خلال الرعاية الطبية، وفى تلك الحالة قد أستطيع أنا أيضًا المشاركة في مثل هذا النشاط، لكني في نفس الوقت أريد تحقيق هذه الفكرة من خلال كيان الدولة، الحقيقة أن عملي هو أن أضع ميزانية تبلغ أربعين مليار ين إذا كنت أنوي إقامة عشر مستشفيات جديدة عام 1987، وهذا المبلغ يساوي ميزانية عام واحد من الخطة الأخيرة المعروفة باسم «خطة سانشاين»، وإذا تمت الموافقة على هذه الميزانية فلا يعلم أحد إلا الله إلى أي مدى سوف يتوسع ذلك المشروع العلاجي المنشود، بالطبع إنني أريد تنمية هذا المشروع إلى أقصى مدى ممكن، ولذلك يجب أن تتضافر كل الجهود و استغلال أية إمكانات متاحة لإنجاح مثل هذا المشروع الخيري. 
 
ألا ترون أن على اليابان القيام بقيادة حملة للرعاية الطبية على مستوى العالم؟ إن اليابانيين قادرون على تنفيذ هذه المهمة، وعليهم أن يقوموا بها، ألا تتكاتفون معي يا أبناء اليابان من أجل الحفاظ على حياة البشرية في العالم كله؟  إنني أريد أن أدفع أبناء العالم إلى الحضور إلى جزر «أمامي» لكي يشاهدوا بعيونهم منظومة الرعاية الطبية التي أخطط لها هناك لكي يقتنعوا بأهمية تطبيق نفس التجربة في مجال الرعاية الطبية في بلادهم. 
 
سؤال : بالنسبة للمستشفى المقترح في «توكونوشيما».. أي تصور لديك لذلك المستشفى؟
 
الإجابة : بالنسبة لعدد الأسرَّة فأود أن أضع المعيار على أساس العجز في عدد الأسرّة حاليًا، وبالنسبة للمنطقة التي يشرف عليها مكتب التأمين الصحي لجزيرة توكونوشيما ـ مضافًا إليها الجزر الصغيرة المحيطة بها أيضًا ـ فهو يغطي عددًا يبلغ حوالي سبعة وخمسون ألف مواطن، إن عدد الأسرّة المتاحة في المنطقة التي ذكرتها لا يتعدى واحد وأربعون سريرًا، ولهذا فهناك عجزًا يبلغ361 سريرًا، ومن هنا فقد وضعت تقريرًا لعدد الأسرّة بمستشفى توكونوشيما ليكون 415 سريرًا. 
Page 6
وبالنسبة لعدد الأسرّة المتاحة أو العجز فهذا ما تحدده  وزارة الصحة اليابانية، لكن الواقع  يختلف كثيرًا من منطقة إلى أخرى عما تقوله الوزارة، ففي جزر «أمامي» يوجد عدد من الأطفال المصابين بشلل فى المخ، ويصل عدد هؤلاء في هذه المنطقة إلى مائة وبضعة عشر طفلاً، وإذا سألنا عن السبب في وجود هذا العدد من المصابين بتلك العاهة فسوف نجده في قلة المعرفة والخبرة الطبية للقائمين على عمليات الولادة حيث تحدث متاعب كثيرة أثناء الولادة بالإضافة إلى إصابة بعض الأمهات أثناء الحمل بالحصبة والنتيجة حدوث أضرار لعدد كبير من مواليد هذه المنطقة، ويحدث في معظم حالات هؤلاء أن يقوم الآباء والأمهات باصطحابهم بمعدل مرة تقريبًا كل ثلاثة أشهر لعمل جلسات للعلاج الطبيعي في مستشفيات بمحافظة «كاجموشيما» أو محافظة «أوساكا».
 
هذه الرحلات تكلف كثيرًا من مصاريف السفر إلى المبيت بالفنادق مما تشكل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على هذه الأسر، وإنني أريد توفير الإمكانيات لعمل العلاج الطبيعي هذا في مستشفى توكونوشيما الذي وضعنا أساسه، أضف إلى هذا أن جزيرة توكونوشيما بها أكبر معدل للمعمرين من أمثال السيدة «إيزومي شيجيه تشيو» صاحبة أطول عمر على مستوى العالم كله، وهذه الجزيرة أنسب مكان من الناحية البيئية لكبار السن الذين يعانون من مضاعفات جلطات المخ، وإنني أعتقد أن مواطني المناطق الباردة في العالم والمصابون بتلك الأعراض إذا سافروا إلى جزيرة توكونوشيما لعمل العلاج الطبيعي والنقاهة سوف يحظون بنتائج إيجابية. 
 
ولا تنسى أن هذه المنطقة تنعم بدفء قلوب أهلها وطيبتهم.
 
إن أهالي جزيرة توكونوشيما يعلقون آمالاً كبيرة على مستشفى مجموعة توكوشوكاي والتي هي الآن تحت الإنشاء، ولأنه حاليًا ليس هناك سوى مستشفى صغير به واحد وأربعون سرير  فقط فبالنسبة لأهالي الجزيرة فإن إنشاء ذلك المستشفى الشامل هو بمثابة الحلم الذي طالما حلموا به. 
 
لقد سمعت أن جمعية المرأة بجزيرة توكونوشيما حين سمعت بفكرة مشروع المستشفى الشامل هذا قامت بجمع تواقيع لثمانين بالمائة من مواطني الجزيرة لدفع هذا المشروع نحو التنفيذ وتم جمع تواقيع لثمانين بالمائة من مواطني الجزيرة حتى الآن، أعتقد أن العدد قد يصل إلى تسعين بالمائة من أهالي الجزيرة. 
 
حتى الآن كان هناك مستشفى شامل وحيد فقط في جزر «أمامي»  هو مستشفى «أمامي» التابع للمحافظة، ولكن عن طريق إنشاء مستشفيين كبيرين آخرين فلنا أن نتخيل مدى التحسن الذي سوف يحدث في منظومة الرعاية الطبية هناك. 
 
لك أن تتخيل مدى المعاناة والقلق لدى كبار السن الذين يصابون بنوبات مفاجئة ومدى معاناة ذويهم حين لا يستطيعون العثور على مستشفى للجوء إليه أو حتى إذا عثروا عليه فإنهم لا يستطيعون الحصول على الرعاية الطبية الكافية، إن عدم إمكانية الحصول على الرعاية الطبية المثالية المطلوبة وقد تتعرض حياة المريض للخطر هي أكثر الأمور التي تسبب الحزن لأهالي هؤلاء المرضى. 
 
على أي حال فإنني أنوي القيام بإنشاء مستشفيات تستطيع أن تفي بمتطلبات أهالي جزيرة توكونوشيما والمناطق المحيطة بها والذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية، إنني أنوي في المرحلة الأولى افتتاح مستشفى في شهر يونيو (حزيران) عام 1987 يتسع لخمسمائة سرير وبه أكثر من عشرة أطباء، وبعدها بثلاث سنوات أنوي مضاعفة عدد الأطباء بذلك المستشفى ليصبح ثلاثين أو أربعين طبيبًا، وبهذا أعتقد أن مواطني جزيرة توكونوشيما سيتمكنون من الحصول على أفضل مستوى من الرعاية الطبية. 
 
أعتقد أن هذا سيكون أكبر مبنى في جزيرة توكونوشيما على الإطلاق، سوف يشاهد الأطفال ذلك المستشفى ويذهلون من ضخامته فتكبر الآمال لديهم حيث إنني أود أن يعطيهم ذلك المستشفى القدرة على مشاهدة حلم كبير. 
 
وسوف يتميز ذلك المستشفى الذي تحت الإنشاء بتوفير العلاج الإسعافي السريع للمصابين بلدغات الثعابين السامة، ففي هذه الجزيرة توجد أعلى نسبة في العالم للمصابين بذلك النوع من اللدغات، والعلاج عادةً يكون عن طريق امتصاص الدم في الجزء الملدوغ وحوله، ولكن حتى الوصول إلى مكان المستشفى فإن المصاب يعدو ويلهث وقد تحدث حالات وفاة لعدم الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب، وحتى لو أنقذ صاحب اللدغة من الموت فقد يصاب بالشلل التام ويعيش معه حتى الموت، ويكثر حدوث هذه الحالات في الفترة من شهر إبريل (نيسان) وحتى يونيو (حزيران) من كل عام، ففي جزيرة توكونوشيما وحدها حدثت ستة عشر واقعة لدغ من ثعابين سامة عام 1985، إنني أشعر بحتمية بذل الجهود من ناحية البحوث العلمية والعلاج الطبي للقضاء على هذه الظاهرة. 
Page 7
توكونوشيما قبل أربعين عامًا من الآن :
 
سؤال : بالمناسبة.. إن جزيرة توكونوشيما التي كانت نقطة البداية بالنسبة لك يا د. توكودا.. أو بمعنى آخر نقطة الانطلاق من الصفر بالنسبة لك، سمعت أنها كانت الحافز الأساسي الذي ولدّ لديك الفكرة المثالية لرعاية طبية على مدى الأربع والعشرين ساعة في اليوم الواحد، أي الفكرة الأساسية لجمعية توكوشوكاي، فكيف كانت أوضاع الجزيرة حين كنت طفلاً صغيرًا؟
 
الإجابة : إن جزيرة «توكونوشيما» يمكن الوصول إليها خلال ساعة بالطائرة النفاثة وذلك من مدينة  «كاجوشيما» ـ أقصى الطرف الجنوبي لجزيرة «كيووشوو» ـ ولهذا فهي من الناحية الجغرافية قد نستطيع أن نصفها بأنها جزيرة معزولة في الجنوب في أعالي البحار  حتى بالنسبة للمسافة فهي أبعد من المسافة التي تفصل العاصمة «طوكيو» عن «أوساكا»، وعندما كنت في الصف الثاني الثانوي ذهبت إلى «أووساكا» ، ووقتها استغرقت المسافة من «كاجوشيما» حتى «أوساكا»  20 ساعة بالقطار، وفي وسط الطريق كنت أغير القطار بمواصلات أخرى، ولذلك فالوقت الإجمالي الذي استغرقته للوصول إلى «أوساكا» كان حوالي أربعين ساعة.
 
لقد تغيرت اليابان، ولذلك فعندما كنت طفلاً صغيرًا أذهب إلى المدرسة الابتدائية كان العالم بالنسبة لي هو جزيرة «توكونوشيما»  فقط، وبلهجة الجزيرة نطلق على سكان الجزيرة الأصليين كلمة «شيمانتشوو» ، أما أهل المدن الكبرى في جزر اليابان الكبيرة فنطلق عليهم كلمة «ياماتونتشوو»، لقد كانت جزيرتنا بعيدة عن جزر اليابان الأخرى لدرجة أن اليابانيين من أهالي المدن الكبرى والجزر الأم الكبيرة بالنسبة لنا نحن أطفال الجزيرة وقتها كانوا أناسًا من عالم بعيد مثل مخلوقات الفضاء بالإدراك الحالي، وعندما كان يعود أحد من أهالي الجزيرة من  إحدى المدن الكبرى اليابانية بعد الإقامة بها لفترة ما، كان أطفال الجزيرة يشعرون نحو ذلك الشخص بعقدة الدونية، وإذا كان ذلك الشخص يعود ومعه تلك المطواة الصغيرة التي يمكن طيها إلى الداخل وتُستعمل كمبراة الأقلام الرصاص كان الأطفال في الجزيرة يندهشون ويتصورون أنهم سيصبحون هدفًا للتهديد والمضايقة، فإذا كان الطرف الآخر معه تلك المطواة فإن الأطفال هنا يقعون في حيرة من أمرهم ويأخذون وضع التحفز تحسبًا لرد هجوم الطرف الآخر.
 
في عام 1945 وبعد انتهاء الحرب مباشرةً كنت وقتها في السنة الثانية الابتدائية، ومع هزيمة اليابان تم فصل جزيرة توكونوشيما عن اليابان ووضعها تحت إدارة الاحتلال الأمريكي لفترة طويلة، وفى تلك الفترة كانت  «توكونوشيما» بلدًا أجنبيًا بالنسبة لليابان حيث إنها لم تكن تتبعها، وفي فترة معينة ساد الإحساس العام بأن هذه الجزيرة ستصبح إلى الأبد تابعة لأمريكا ولن يتم إعادتها إلى اليابان الأم، ولهذا فقد قام أبناء الجزيرة كلهم برفع رايات الحداد على بوابات بيوتهم، إنني أعتقد أن أهل الجزر اليابانية الكبيرة لا يعرفون أبدًا مشاعر أهالي الجزيرة وقتها ولا يتصورون مدى إحساس انتمائهم لدولتهم اليابان!
Page 8
وبما أننا كنا نتبع أمريكا فلم يكن من السهل التردد على جزر اليابان الأم في حرية لأن اليابان وقتها كانت «دولة أجنبية»، فمن كان يستطيع الخروج من الجزيرة وإليها هو في أغلب الظن من ذوي الشأن والحظوة، كان تعداد الجزيرة وقتها خمسة وأربعون ألف نسمة، أما الآن فقد انخفض التعداد ليصبح خمسة وثلاثون ألف نسمة، ولأن تعداد الجزيرة ضئيل بهذا الشكل فإن تلك الجزيرة ليس لها وزن يذكر، وجزيرة توكونوشيما محصولها الأساسي هو قصب السكر، وهي مشهورة بغزل القطن وبوجود الثعبان الصغير السام المسمى «هابو»، لدرجة أن أعضاء نقابة الأطباء يطلقون عليّ أحيانًا لقب «ثعبان جزر أمامي»!
 
إن الزراعة في الجزيرة لا تقتصر فقط على قصب السكر، فهناك يُزرع أيضًا الأرز والبطاطا، وهما زراعتان ثانويتان بعد قصب السكر، أما الأسماك فيمكن اصطيادها بسهولة وكثرة لوجود الكثير من الشعاب المرجانية حول الجزيرة، إلا أن الغريب في الأمر أن الذين يقومون بحرفة الصيد قليلون من أهل الجزيرة، وقتها كان هناك من يبحرون سرًا باتجاه جزر اليابان الأم، وكنت كلما علمت بهروب واحد من زملائي في الدراسة إلى هناك، كان يغلبني شعور حزين قوي بأنني قد تُركت وحدي وأنني أريد أنا الآخر الذهاب واللحاق بالآخرين.
 
إن رفاق الدراسة عندما كانوا يعودون من هناك مرة أخرى إلى الجزيرة كانوا يظهرون أمام عينيّ مبهرين وكأنهم مثل رواد الفضاء الذين عادوا إلى الأرض لتوهم من رحلة في الفضاء البعيد.
 
إن قريتي التي ولدت وتربيت بها هي قرية صغيرة اسمها «كاميه توكو» لها مرفأ صغير على البحر، وكان تعداد سكانها آنذاك سبعمائة أو ثمانمائة فرد فقط، وكان يمتد هناك لسان من الخشب إلى داخل البوغاز، وكانت السفن حين تصل إلى هناك كان أهالي القرية كلهم يتجمعون لرؤيتها، حتى من كانوا يعملون ساعة وصول السفينة في حقولهم فقد كانوا يتوقفون عن العمل لمشاهدة السفينة، فقد كانت تلك السفن هي نقطة الوصل الوحيدة بين جزيرتنا وبين العالم الخارجي، وقتها لم يكن أهالي الجزيرة يملكون أجهزة المذياع في بيوتهم، وما أذكره الآن أنني عندما كنت في سنواتي الأولى في المرحلة الابتدائية لم تكن الكهرباء قد دخلت بيت أسرتي بعد، كنا نعيش على لمبة الكيروسين، لم تكن السفن كشاشات عرض الإرسال التلفزيوني الموجودة فى الشوارع الآن ولكنها كانت أهم وسيلة من وسائل الاستمتاع بالنسبة لنا.
 
ولأن السفن كانت مزودة بأجهزة المذياع وبمكبرات الصوت أيضًا، فقد كان صوت الراديو يتردد صداه عاليًا من ناحية السفن وهي ترسو عند المرفأ، ولأن ذلك الزمن كان بعد انتهاء الحرب مباشرةً فقد كانت تنساب تلك الألحان اليابانية التي انتشرت شعبيتها وقتها مثل : «لا تبك أيتها الحمامة الصغيرة» و «أغنية التفاحة» وغيرها من الألحان، وكان أهالي القرية يتجمعون عند المرفأ ويرددون تلك الأغاني معًا، ولأن المكان الذي كنا نسكن به كان بعيدًا عن المدن الكبيرة ومظاهر المدنية والتحضر فقد كنا نعيش ونحن نعاني الانعزال عن ذلك العالم، ولهذا فعندما كنا نستمع إلى تلك الموسيقى والأغاني تنساب من الراديو على حين فجأة كنا نشعر بشعور لا يمكن وصفه من الانتشاء، كانت أقدام جميع أهالي الجزيرة تقودهم إلى المرفأ دون شعور وبشكل تلقائي، وعندما كان يأتي زائر ما على سفينة من السفن وينزل على الجزيرة، كانت تفاصيل ومعلومات تلك الزيارة وهوية ذلك الشخص كلها تنتشر بين أهالي الجزيرة جميعهم في اليوم التالي، وعندما كانت سفينة من السفن تهم بمغادرة المرفأ كان ينساب لحن الوداع «ضوء الحشرة الفسفورية» من مكبر صوت السفينة، فكنت في تلك اللحظات أيضًا أعود لأعاني الشعور بالوحشة وبأنني تُركت وحيدًا.
Page 9
الإصابة بالمرض كانت أكثر الأمور رعبًا :
 
ولأن أوضاع الجزيرة كانت كما شرحت الآن فقد كانت الأمور التي تبعث القلق لدى أهالي الجزيرة هي خشية الإصابة بالمرض، حتى في حالات الولادة فكانت تحدث الكثير من حالات الوفاة بين الأمهات، وكذلك بين المواليد الصغار، بالطبع لم تكن هناك مستشفيات تفي بالغرض في تلك المنطقة النائية، لكن ما أذكره أنه كان هناك رجل يقوم بمباشرة أعمال الطب والعلاج بالجزيرة حيث كان جنديًا بالفرقة الطبية بالجيش الياباني أثناء حرب المحيط الهادي، يساعد الأطباء العسكريين، وقد عاد إلى جزيرة توكونوشيما مسقط رأسه بعد انتهاء الحرب، كذلك هناك طبيبان عسكريان عادا من جبهة القتال بعد الحرب وافتتح كل منهما عيادة صغيرة بالجزيرة.
 
حتى تلك العيادات التي لا يمكن وصفها بالمعنى المعروف بهذه الكلمة فقد كان أهالي الجزيرة يصعب عليهم الذهاب إليها، وحتى كنت بالصف الخامس بالمرحلة الابتدائية لم يكن أحد يذهب إلى الطبيب حتى لو أصيب بمرض،  وحتى إن حدث، فقد كان العكس هو الصحيح أي أن الطبيب كان يقوم بزيارته في المنزل، وهذه الحالات هي الحالات المتأخرة حيث يكون المريض قاب قوسين أو أدنى من الموت، حيث يضطر أهل المريض إلى عرضه على الطبيب.
 
وعندما كنت في المرحلة الابتدائية، أصابتني نزلة برد وارتفعت حرارتي ورقدت في الفراش كان أقصى ما يفعله أهلي هو إعطائي بيضةً لأكلها، كان هذا هو الدواء الأوحد، ولأنني في الأوقات العادية لم أكن أحلم أبدًا بأن أضع البيض في فمي أو أذق طعمه، فقد كانت تسليتي الكبيرة أثناء المرض هي الحصول على تلك البيضة، حتى لو استدعى أهل الجزيرة الطبيب فلم يكن لديهم المال الكافي لدفع قيمة الكشف المنزلي، وقتها كان الإنتاج الأوحد لجزيرة توكونوشيما هو قصب السكر، ولكن لأن الجيش الأمريكي كان يشرف على زراعته، فحتى بعد صناعة السكر الأسمر لم يكن أهل الجزيرة يجدون سبيلاً لتسويقه وبيعه، وفي نفس تلك الحقبة الزمنية كانت جزر اليابان الأم تعاني نقصًا في السكر، فكان يستعاض هناك بالسكرين والچيلاتين من المواد المصنعة بديلاً عن السكر الطبيعي، فلو كان أهالي الجزيرة يستطيعون الذهاب وقتها إلى جزر اليابان الأم لربحوا كثيرًا من تجارة السكر.
 
كان أبي في فترة الشباب قد خرج من الجزيرة إلى منطقة «كنساي» الصناعية التجارية بغرب اليابان الأم فكان عليمًا بالأحوال هناك، فكان يقوم في الخفاء بتجارة السكر في السوق السوداء، حيث كان يقوم بصناعة السكر وكذلك الحصول على البعض الآخر منه من المنازل الأخرى ثم يقوم بتجميع ذلك السكر، ثم بتأجير قارب بخاري ليبحر في ظلام الليل متجهًا نحو ميناء «كاجوشيما» ليبيع السكر هناك، كان السكر يُصادر منه إذا تم القبض عليه، أما إذا استطاع الإفلات بحمولته  فكان مكسبه ثلاثة أضعاف ما تكلفه في صناعة وجمع ونقل السكر، وكان أحيانًا ينجح في الإفلات من مناطق وأمكنة التفتيش وأحيانًا أخرى كان يقع في الأسر، حين كان ينجح كان يبيع السكر في محافظة  «كاجوشيما» ثم يشتري لنا الخنازير، ولذلك كانت الحديقة تعج بالخنازير بمعنى الكلمة.
 
وأحيانًا كان يحدث أثناء عودته بالقارب البخاري وهو يحمل الخنازير معه أن يقوم خفر السواحل بمطاردته، فكان يضطر إلى إلقاء الخنازير في البحر، أما الخنازير المسكينة التي كانت تلقى إلى البحر فكانت تصارع الأمواج لبعض الوقت ثم تستسلم للغرق بعد أن تخور قواها، ولكن أحيانًا كان البعض منها  يستطيع الوصول إلى الشاطيء سالمًا بعد سباحة طويلة  فكنت أحيانًا أسمع حكايات عن دهشة أهالي الجزيرة حين يعلمون بأن خنزيرًا قد وصل إلى الشاطئ سباحةً من ناحية البحر.
Page 10
صدمة بسبب وفاة الأخ الأصغر :
 
حدث أن قام أهالي الجزيرة بالإبلاغ سرًّا عن نشاط أبي وسفرياته في الظلام لتهريب السكر، ولذلك فقد تم القبض عليه عدة مرات، وفي مرة من المرات حدث أن تلقى أبي عقوبة بالحبس في جزيرة من جزر «أمامي».
 
أبي كان اسمه «توكوتشيو»، وبالرغم من أنه كان فقيرًا إلا أنه كان من طبائعه حب مساعدة من هم أكثر منه فقرًا، وحتى مع قيامه بأعمال التجارة في السوق السوداء فلم يكن يتحدث عن تجارب فشله وإنما كان يتحدث فقط عن نجاحاته، ولذلك فأحيانًا كان يحقد عليه الآخرين.
 
ولم تكن هناك جرائم في جزيرة «توكونوشيما»، ولهذا فعادةً لم يكن هناك من يُعاقب بدخول السجن، وحتى العقوبة لم تكن بالمعنى المتعارف عليه في المجتمعات المدنية العادية. ولأن أبي كان يقوم بتسويق قصب السكر الذي يعجز أهالي الجزيرة عن التصرف فيه فلم يكن أحد من أهالي الجزيرة يتحدث عنه  بالسوء، بل إن أهالي الجزيرة كانوا ـ على العكس ـ يشعرون بالتعاطف معه، لقد عوقب أبي بالحبس ثمانية أشهر مع الأشغال الشاقة، ومع أن فترة العقوبة كانت قصيرة، ولكن مع اختفاء رب البيت الذي يُعتمد عليه في أعمال الحقل فإن الأمر يكون مأساويًا، ولأنني كنت وقتها في المرحلة الابتدائية فقد كنت بمعنى من المعاني «رجلاً» وطاقةً عاملة، كان ذلك في السنة الثانية بعد انتهاء الحرب، أي في عام  1947. وكنا نرى في بيتنا بقرة كانت تقوم بالمساعدة في أعمال الفلاحة بالحقل وفي عصر القصب، وكان لزامًا عليَّ أن أقوم برعاية تلك البقرة، وكانت أمي وقتها قد حملت وكبرت بطنها ولم تكن تستطع الحركة، وكان بداخل بطنها أخي الثالث الأصغر الذي لا زال على قيد الحياة وقتها كان لي أخ أصغر يبلغ من العمر ثلاث سنوات، لكنه أصيب بالمرض، وفي الساعة الثالثة تقريبًا من منتصف الليل أخذ يتقيأ وأصيب بالإسهال، أي تلك الأعراض التي يطلقون عليها حاليًا «الجفاف».
 
طلبت أمي مني أن أنطلق إلى عيادة الطبيب كي أطلب منه الحضور إلى بيتنا لتوقيع الكشف على أخي، كانت تلك المهمة بالنسبة لي مبعثًا للرعب والضيق، فقد كنت لا أزال طفلاً في الصف الثالث الابتدائي لكنني كنت مجبرًا على الخروج في منتصف الليل، لقد نظرت إلى وجه أخي الصغير، كنت أنوي عدم الذهاب إذا لمحت عليه علامات الشفاء ولو بقدر ضئيل، لكنه كان قد فقد الوعي وجحظت عيناه واصفر وجهه.
 
قد يكون ما دفعني إلى القفز خارج باب المنزل هو انزعاجي من منظر وجهه، لكنني حين خرجت وجدت الظلام حالكًا تمامًا، ولأن المنطقة ريفية فلم يكن هناك بصيص نور واحد، وعلى الرغم من أنني اعتدت يوميًا على سلوك ذلك الطريق الممدود أمام البيت إلا أنني لحظتها وكأنما هناك شيء ما مثل شبح أسود يقف فجأةً أمامي معترضًا طريقي، وهنا أحسست بأن شعر رأسي قد وقف من الخوف والرعب، وشعرت أيضًا أن فرائصي قد ارتعدت وأن قدميّ لا تستطيعان حملي، ولكن لم يكن من المعقول أن أتراجع هاربًا إلى داخل البيت، كان يدور برأسي أيضًا منظر ثعابين الـ «هابو»  السامة التي تختبئ بالحقول على جانبي الطريق،  لم أجد أمامي سوى أن أطلق ساقيّ للريح فأعدو وأعدو كالمجنون دون وعي لتظهر أشجار النخيل الصغيرة أحيانًا في شكل تلك الأشباح التي أتخيلها، وأحيانًا أخرى تظهر بعض السيارات التي كانت تمر واحدة منها كل بضع دقائق وكأنها تلك الأشباح، وهكذا قطعت ذلك الطريق الذي لا يزيد طوله عن كيلومترين أركض بكل طاقتي.