eKtab
EN ع
الانتماء الحضاري والهوية الثقافية في ضوء عروبة القرآن الإسلام العربي
Read free sample

الانتماء الحضاري والهوية الثقافية في ضوء عروبة القرآن الإسلام العربي

by علاء الدين المدرس

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
وكذلك أنزلناه قرآنياً عربياً
 
وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون
 
الاهــداء
 
الى شباب الأمة وفتيانها الذين ألهبت قلوبهم حماسة الشباب والغيرة على هويتهم وثقافتهم التي عصفت بها رياح التغيير في عصر العولمة وثقافاتها وتداعياتها.
 
والى القائمين على مناهج التربية والتعليم والاعلام في بلادنا العزيزة، لعل الله يقذف في قلوبهم الأمل والعمل في ظل وحدة المنهج والرؤى والآليات، لاشاعة التناغم بين الفكر والسلوك الثقافي، والاسهام في تدعيم أركان ثقافتنا المخترقة.
 
والى حواضر العرب ومدنهم العريقة النابضة بالحياة والأصالة والحضارة.
 
الى القاهرة أم الثقافة العربية الحية وعاصمة العرب المعاصرة، والى دمشق التاريخ أول عاصمة للحضارة العربية الاسلامية، والى بغداد الحضارة والتراث الخالد، التي تعرّضت لما تعرّضت له من مآسي وأهوال خلال السنين العجاف، مما بات يهدد هويتها وتاريخها العريق، من قبل حسّادها والطامعين فيها.
 
الى غرناطة وقرطبة عاصمتا الأندلس، فردوس العرب المفقود. غرناطة (كرينادا) التي كانت آخر معاقل العرب سقوطاً في أوربا العصر الوسيط، بعد طليطلة وأشبيليا وقرطبة.. وهي التي شغلت الدنيا بعلومها وتقدّمها، وكانت السبب الرئيس للتقدم والتطور الذي نعمت به أوربا بعد عصر النهضة.
 
والى كل انسان حر يسعى الى تحقيق حضارة العلم والايمان وتجسيد الوحدة والمحبة والسلام في أعماق النفس الانسانية، قبل أن تتجلى واقعاً على الأرض.
 
نهدي هذا الكتاب الذي يعبّر عن رؤية معاصرة وقراءة جديدة، للعلاقة الجدلية بين العروبة والاسلام، في ضوء القرآن والعلم، عسى أن تكون حافزاً لنا لاستعادة الوعي بالذات، ودافعاً قوياً للوحدة والنهوض واستلهام الدور المنتظر لأمة القرآن، لكي تهبّ كالبنيان المرصوص للذود عن وجودها الحضاري، الذي بات مهدداً في عصر العولمة وزمن (الربيع العربي). ذلك الاسم الذي أُطلقه الاعلام الحالي على الواقع العربي في عصر التغيير والتجديد.
Page 2
المـقـدمـة
 
يعد موضوع الهوية والانتماء اليوم من أخطر التحديات التي تواجه الشباب وثقافتهم المعاصرة، وتوجههم الفكري والسلوكي، في عصر العولمة والانفتاح الحضاري الهائل على ثقافات الأمم الأخرى. إننا نكاد نتحسس اليوم وجود مشاكل عديدة تواجه شباب الأمة وتضغط عليهم، باتجاه موضوعة الانتماء الحضاري والقومي وتغيير الهوية، ممثلةً باللغة والدين والثقافة عموماً. وان أهم صور تلك التحديات المضادة، التي غزتنا في عقر دارنا بسبب الثقافة الوافدة هي، تحدي ثقافة التغريب، والتحدي الشعوبي الذي يقوم على أساس عقيدة كره العرب واحتقارهم وإلصاق المثالب في تراثهم العريق، ونشر الفساد والفجور والإلحاد بينهم، فيما سمي قديماً، بالمجون والزندقة وثقافة الكره والأحقاد، بدل منهج الاستقامة والإيمان وثقافة المحبة والأخوة التي يدعو لها الإسلام الحنيف.
 
والجدير بالذكر أن الشعوبية المعاصرة لا تقتصر فقط على فرق الغلو والباطنية، التي ترعرعت في العصر العباسي، بسبب الاحتكاك والتنافس الحضاري والديني بين الحضارة الإسلامية والحضارة المجوسية المندحرة في حينها، وإنما امتد ذلك النفس الشعوبي اليوم المعادي للعروبة والاسلام، ليشمل الغرب الاستعماري الصليبي الصهيوني، بجناحيه الفكري المرتكز على الثقافة التوراتية والثقافة الرومانية، وما تبعه من نظرة متعالية ومنحازة تعتمد مفاهيم الاستعلاء والغطرسة الغربية التي أصبحت جزءاً مهما من الثقافة الغربية المعاصرة، وما يبشر به بعض منظري الغرب، في محاولة لاعادة الأمجاد الرومية القديمة، لاحكام السيطرة على العالم والهيمنة على مقدراته، وتصدير مفاهيمه الثقافية المعاصرة، تحت شعار الحداثة والديمقراطية والعلمنة والعولمة وغيرها، مما يفتخر به الغرب اليوم، بروح متعالية ومتكبرة، تزدري وتهمّش باقي الثقافات والحضارات التي ساهمت في بناء حضارة الإنسان منذ القدم. إن الشعوبية المعاصرة ذات رؤوس ثلاثة متحالفة ومتعاونة فيما بينها، هي (الامبريالية الغربية واليهودية العالمية والمجوسية الباطنية)، وهي تلتقي تحت مظلة المصالح والقواسم المشتركة والكذب الإعلامي الرخيص. إذ تلتقي في أهداف موحدة كبرى، لاقتسام الإرث الحضاري والمادي لأمم الأرض الأخرى، من خلال نشر المبادئ الشعوبية القديمة، ممثلةً بالإلحاد والفساد وثقافة الكره والتهميش، لكل من يحاول منافستها والدخول في المنتدى الأممي الحضاري، للإسهام في بناء الحضارة والتقدم الدولي الحديث، وفي مقدمة تلك الأمم، أمة العرب والإسلام، صاحبة الرسالة الخاتمة، التي أناطها الله سبحانه بها، لكي تعيد مسيرة الحضارة إلى الصراط المستقيم، لعبادة الله رب العالمين، ونشر العدل والسلام في ربوع الأرض، كما كانت متلألئة في عصور حضارة القرآن التليدة. فالعربي اليوم محارب في انتمائه القومي والديني وتقاليده الاجتماعية والأخلاقية، ويواجه تحدياً داخلياً وخارجياً على السواء، باعتبار أن القومية العربية قد وضعت منذ مطلع القرن الماضي على التضاد، وفي المواجهة المباشرة، مع القومية التركية والفارسية والكردية وباقي القوميات في العالم الإسلامي، وذلك بسبب زرع الثقافة العنصرية بين أبناء الأمة، مما أدى في نهاية المطاف إلى تفتت العالم الاسلامي وبداية التمزق والتشرذم، الذي عانى منه العرب والمسلمون في القرون الأخيرة، ولا زال يعاني منه حتى الآن. وهذا هو التحدي المحلي والإقليمي للأمة، لما يحيط بالعرب من أقوام وأعراق وشعوب مسلمة، كانت منذ وقت قريب منصهرة في بوتقة واحدة ومنهج واحد، ومتحدة في أمة واحدة هي أمة القرآن، وكانت هذه الشعوب جزءاً أساسياً ومكوناً جوهرياً لها. وقد تعاونت فيما بينها، لتفعيل دور حضارة القرآن على الأرض.
 
أما التحدي الخارجي الذي يواجه العرب اليوم، ويحاربهم بكل ما أوتي من قوة، لتغيير هويتهم، فهو التحدي الثقافي الغربي المعاصر، والذي تقوم ثقافته، المبنية فكرياً وتراثياً على الإغريقية والتوراتية، وحداثياً على ثقافة العلمنة والعولمة، للتبشير بحضارة الغرب المادية. أما دينياً ورسالياً فإننا نواجه اليوم تحدياً كبيراً، من قبل دعاة التهويد والتوراتية من جهة، ودعاة التنصير والصليبية من جهة ثانية، ودعاة التمجيس والباطنية من جهة ثالثة، مصداقاً لحديث التداعي المعروف (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها...) وحديث مولود الفطرة ( كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ...) وكل ذلك من أجل أن نتخلى عن هويتنا القومية والدينية، لصالح دعاة الترضية والشعوبية والباطنية بكل صنوفها القديمة والحديثة.
Page 3
إن الحرب الإعلامية اليوم موجهة بشكل مكثف، بكل أدواتها الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة، لتشكيك الشباب العربي بعقيدتهم وتاريخهم وتراثهم الأصيل، واحتقاره ونشر مثالب تاريخنا وتراثنا، وتسليط الضوء على الغث والسيء منه، وتضخيم الأحداث التاريخية عن قصد، والتلاعب في النسبة والتناسب في مكوناته، لخدمة الأهداف الشريرة. وفي مقدمة ذلك بطبيعة الحال، تلك الجهود المحمومة لنشر ثقافة الفساد والمجون والإلحاد والزندقة والانحراف والشذوذ والأنانية، وكل ما يتصل بمفاهيم الإثم العدوان بين شباب الأمة، بغية تفجير الجنس وتهديم الأسرة العفيفة ونشر ثقافة الحيونة، ومسخ شخصية الفرد العربي وانتمائه وهويته المرتبطة بتعاليم القرآن، وكذلك لمحاولة فرض العجمة والأمركة والفرنكة، واعوجاج اللسان المبين وشل وابطال السليقة والفصاحة في لغة العرب المضيئة، لغة القرآن، لابعاد شبابنا وحرفهم عن الفطرة السليمة والحنيفية السمحة، ومنعهم عن الفهم الأمثل لكتاب الله ورسالته الخالدة، فهماً ربانياً أصيلاً بلسان عربي مبين.
 
لقد نجح المخطط الغربي المعد لإفناء الأمة حضارياً ومسخ هويتها – ولو نسبياً - عن طريق الغزو الثقافي والاقتصادي والسياسي والعسكري، حتى وجدنا اليوم شباباً بيننا، هم أبناؤنا وإخواننا، وقد تزاحمت في ألسنتهم كلمات، الفرنكو عرب والانكلو عرب، حتى أصبحت العجمة والألفاظ الأجنبية تفوح رائحتها من كلامهم، وطغت على لسانهم العربي المبين. وقد وصلت نسبة العجمة في كلام بعض شبابنا إلى الثلثين أو أكثر، فكان لسانهم الأعجمي غير المبين، مقدمة لاستبدال الهوية وتحويل الانتماء في الفكر والعقيدة والسلوك.
 
لاشك أن الحرب الكبرى المقبلة -لو حدثت- ستكون حربٌ إعلامية. حرب ثقافية في الانترنت والفضائيات والاتصالات ومراكز البحوث والدراسات، وستؤدي الى صدام الحضارات، كما يسميها الغرب اليوم، وهو سيد العولمة بلا منازع، المتربع على عرشها، التي تكاملت في أواخر القرن الماضي. إنها ستكون حرب هوية وانتماء، للأمم والشعوب والحضارات والأديان والمذاهب، وسيكون مسرحها وميدان فعالياتها وأحداثها – على الأرجح - شاشة التلفاز والمذياع والهاتف الخلوي وشاشة الحاسب الآلي. إنها ستكون حرب الكترونية رقمية ملتهبة، تقذف بحممها وبراكينها الحارقة المميتة، من الأفكار والثقافات والنظريات التي تصطرع في هذا العالم المترامي الأطراف، والذي لم يعد يمثل قرية صغيرة - كما قيل - إنما صار شقة صغيرة فحسب.
 
ولعل التاريخ والحضارة ستشكل أكبر ميادين الصراع اشتعالاً وتراشقاً، في هذه الحرب الفريدة المقبلة...إنها ستكون - بكل بساطة - حرب لسانية إعلامية بين الكفر والإيمان، بين الشيطان والرحمن، بين الهوية الأصيلة المضيئة وبين الزيف والدجل والظلام، وإنها ستترجم الصراع الأبدي القديم بين الحق والباطل. فكيف ستكون مشاركتنا فيها، وكيف سيكون استعدادنا في الدفاع عن هويتنا وانتمائنا وفكرنا وثقافتنا وديننا وتاريخنا في هذه الحرب الكبرى؟..
 
لعلنا نلمس اليوم ظلالاً واضحة للحكمة التي تقول: لقد استلب منا التاريخ والهوية قبل أن تستلب منا الأرض والأوطان. فكيف ومتى تم ذلك؟.. ونحن أمة الأمم وقادتها ومنقذوها من براثن الشيطان ومنهجه. ونحن أصحاب الرسالة الخاتمة، وصوت الإيمان الأبدي، والمؤتمنون على رسالة رب العالمين، المتمثلة بكتابه الخالد (القرآن الكريم)، تلك النسخة الربانية الأصيلة من وحي السماء. الرسالة المرسلة خصيصاً إلى كل فرد منا، لكي يستنير وينير من حوله، ويستخلف الأرض ويصلحها، بدل ذلك الركام الأسود من الفساد والصراع والظلم والظلمات، الذي نشره الشيطان بفعل ثقافته الشوهاء. إنها رسالة إلهية خاصة مسجّلة مرسلة لكل واحد منها، شريطة أن نفهمها كما أنزلت، بعد أن نقرأها ونتأمل آياتها، نفهمها فهماً أمثلَ، كما يريد الله سبحانه بلسان عربي مبين، دون تزييف أو تحريف أو غلو أو تطرف، ودون تمييع ولا إفراط ولا تفريط.. كيف السبيل إلى ذلك وقد أمتلأت الأرض عبر شبكات التلفزة والانترنت والصحف والكتب والنشرات المتنوعة، بالكثير من الصور الناشزة والباطلة البعيدة عن الحق والصواب؟.
Page 4
لعل في إعادة فهم ودراسة التاريخ واللغة والعقيدة في ضوء معطيات القرآن والهدي النبوي الصادق المنير، ما يضئ لنا الطريق، ونستطيع في النهاية أن ننتصر في تلك المعركة الكبرى، ونعيد الحياة إلى حضارة القرآن ورسالة الله الخالدة إلى العالمين، بعد أن تم إبعادها ومحاولة إطفاء نورها منذ بضعة قرون. فسادَ في الأرض اليوم الظلم والظلمات والشرور، بدلاً من العدل السلام والمحبة. سادت لغة الخصومة والحقد والكره بدلاً من لغة الود والمحبة والإخوة، وذلك بفعل دعاة الشر والإثم والعدوان وأصحاب التعاليم العنصرية والأسطورية، وبفعل النزعة الاستعمارية الامبريالية للغرب المادي التي أظلتنا ضمن موجات من الحروب والاستلاب والاغتصاب منذ قرنين من الزمن. الزمن الذي باتت مفاتحه وعقاربه بين يدي الغرب اليوم.
 
إن التاريخ الانساني والحضاري عبارة عن عقيدة مؤطرة بأطر علمية وضوابط موضوعية، ولا يمكن أن يكون التاريخ محايداً تماماً أو نزيهاً وخالياً من العواطف والضغوط البشرية، كما يدعي البعض تحت شعار العلمية والموضوعية. وهكذا تم تفسير التاريخ – فيما مضى - بما يخدم أهداف اليهود في توراتهم المزعومة. وقد استطاعوا تشكيل الرأي العام العالمي وفق مسطرة التوراة، وسخروا العلوم والآثار والتاريخ والجغرافية والفلسفة وعلم النفس والاجتماع، بل حتى العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة، لخدمة أغراضهم وتعاليمهم المنحازة، لكي يثيروا الفتن والحروب والصراعات بشتى ألوانها، وينشروا الأمراض والعلل والعاهات بين أمم الأرض، بدل العيش في سلام ووئام وتعايش في ظل حضارة الإيمان.
 
وهكذا نجد أن اليهود يحاولون – اليوم - أن يفرضوا على الناس منظورهم التوراتي واعتبار لغة التوراة، اللغة العبرية - بزعمهم- اللغة الأولى في العالم، ويجعلونها أم اللغات وأصلها الثابت، منذ أن خُلق الإنسان على الأرض. وكذلك فعل النصارى وافترضوا أن اللغة الآرامية (أو السريانية)، هي أم اللغات وأصلها الثابت، باعتبارها لغة الإنجيل- بزعمهم-، ثم انحاز الغرب إلى ثقافة الإغريق واللغة اللاتينية، باعتبارها لغة الأجداد واللسان المعبر عن تاريخ أوربا القديمة . كما فسر اليهود أحداث التاريخ وقصص الأنبياء، منذ عصر آدم حتى عصر المسيح، بل منذ أن خلق الله السماوات والأرض، وفق منطوق التوراة وأساطيرها، ووفق مسطرة التوراة المنحازة لشعب الله المختار وأرض الميعاد، ووفق حكمة حكمائهم في السيطرة على العالم، وتسخير القوى العظمى في الغرب، للهيمنة على الشرق والمشرق العربي خاصة، في محاولة دؤوبة للإفساد والظلم والطغيان، لتغيير الهوية والثقافة، وإقصاء الإسلام، ذلك المارد النائم – كما يسمونه - صاحب الرسالة الحقة والكتاب الحق، الذي أُنزل لإنقاذ العالم من مخططات الشيطان ومناهجه، وهدي البشر للتي هي أقوم.
 
فعلام الاستغراب والاعتراض إذن؟!.. إذا ما أردنا الدفاع عن أنفسنا وهويتنا ومنهجنا بانتمائنا إلى العروبة والإسلام، والتفكّر والتدبّر والتخطيط لبناء جيل قوي سليم، يقوم على أساس الفهم الأمثل للقرآن باللسان المبين؟.. ماذا يضير كلام الآخرين - لا سيما الخصوم - والله يقول في قرآنه، إن هذا القرآن عربي، ونزل بلسان عربي، وان حكمه هو حكم عربي ، وان العروبة بالمفهوم القرآني لا تعني العرق والقومية- كما اصطلح عليها حديثاَ- وإنما هي الربانية والوحدة والأصالة والصفاء وأصل العلوم والمعارف والألسنة، كما سنراه واضحاً جلياً من خلال قراءة فصول الكتاب باذن الله.
 
ماذا يجري لو افترضنا - وفي فرضيتنا كل الحق والصواب - إن لغة القرآن واللسان العربي، هو أصل جميع الألسن، وهو لسان الأنبياء الأوائل الكرام، آدم ونوح وإبراهيم وجميع الأنبياء والمرسلين. وان جميع الأنبياء عاشوا وانطلقوا من جزيرة العرب – وليس كما تدعي التوراة اليهودية في جغرافيتها المحرفة - وإنهم جميعاً اتجهوا نحو مكة قبلتهم، وحجّوا البيت، كما جاء في الأحاديث الشريفة والأدبيات الاسلامية؟..
Page 5
وحينذاك يمكننا أن ندعوا الناس إلى كلمة سواء بيننا، للعودة إلى الوحدة والتوحيد، والعودة إلى النبع الصافي، إلى عروبة الإنسان وعبادته لربه، كما أراده الله سبحانه في كتابه العزيز، ثم ليكن بعد ذلك، (منتدى حضارات عالمي) يجمع القوميات واللغات والألوان والأديان، على الأخوة الإنسانية والمحبة والتعايش السلمي، يدعو إلى السلام العالمي كما يحبه الله سبحانه، فتلك التعدديات من مظاهر التجلي الالهي لآية من آيات الله سبحانه، وحكمة من حكم الخلق والابداع، لكي نتعارف ونتعايش في محبة وسلام ونشجب الظلم العدوان، ونعادي مناهج الشيطان وسبله، الموصلة للشر والضلال..قال تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.. .
 
إن هذا الكتاب كُتب لهذه الغاية الكريمة، من أجل دعوة الناس الى مفاهيم الوحدة والحوار الحضاري والتعايش السلمي. الحوار البناء - في ظل مفهوم شرعية الآخر - بين الحضارات والأديان والمذاهب والشعوب والأمم، لكي يسود العدل والسلام في ضمير الانسان وروحه وعقله، قبل أن يسود في ربوع الأرض واقعاً ملموساً، بعد أن تعذّر ذلك الهدف السامي بسبب هيمنة الثقافات الشريرة ودفعها الانسان نحو الظلم والعدوان بشتى السبل والأعذار. وكذلك يحاول الكتاب - من خلال تأصيله لمفهوم وحدة الحضارة في تاريخ الانسان، ممثلة بوحدة الأصل واللغة والعقيدة، بكونها ربانية الأصل والانشاء - تسليط الضوء على ثقافة القرآن الربانية الأصيلة، المنزهة عن التحريف والتغيير، الذي طرأ على غيرها من الكتب والرسالات، وعلى دلالة كلمة عرب وعروبة في القرآن، والترداف التام بينها وبين المفاهيم الربانية المنشأ، في طرح جديد ورؤية أصيلة مستمدة من نصوص الكتاب والسنة، علها تلقى التأييد والاستحسان من القاريء الكريم، لاسيما العلماء والمربون والشباب الواعي الغيور. والكتاب - ابتداءاً - رسالة ونداء مخلص إلى شباب الأمة وأبنائها، للتمسك بهويته وانتمائه العروبي الإسلامي، مهما حاول خصوم الأمة التشكيك في البديهيات والحقائق القرآنية والتاريخية والعلمية، وذلك باعتبار الهوية العربية هي عنوان ثقافتنا وحضارتنا ورسالتنا، للتقدم والتحضّر والتغيير الرسالي، الذي يريده الله منا، كي نعبده حق عبادته، ونسعى لانقاذ الناس من براثن الشيطان وايحاءاته، ومن ثقافة المادة وتداعياتها والدوران حول المصالح الذاتية والغرائز الهابطة، التي يبشر بها أتباع الشيطان عبر القنوات والثقافات المختلفة، منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها...
 
ولعل الله يفتح له قلوب قومٍ مؤمنين.
 
علاء الدين شمس الدين
 
غرة محرم الحرام 1433هـ
Page 6
المفهوم الربّاني والمفهوم القومي للعرب والعروبة
 
نستهل هذا البحث المتواضع بتوضيح مدلول كلمة العرب والعروبة، في ضوء الدلالات اللغوية والقرآنية. وقد استقر عنوان الكتاب –أخيراً- على اسم (الانتماء الحضاري والهوية الثقافية.. أو الاسلام العربي) بعد أخذ ورد مع الأخوة الكرام الذين قاموا بجهد مراجعته وتدقيقه، في مرحلة الطباعة والنشر، وقد توقف البعض عند تسمية (الاسلام العربي) وما لها من ظل اقصائي للقوميات الأخرى غير العربية. واقترح البعض تسميته (الاسلام العربي العالمي) أو (القرآن العربي) أو (مدلول عروبة القرآن) وغيرها من الأسماء القريبة من موضوع الكتاب. لكني آثرت أن أبقي العنوان يدور حول محور الاسلام العربي، واكتفيت بتأخير هذه اللافته وجعلها الخيار الثاني لاسم الكتاب، لما لهذا الاسم من صلة وثيقة بمادة الكتاب، وضرورة التمييز بين مدلول لفظ العروبة في المفهوم الرباني والمفهوم القومي، وصلة ذلك بالهوية والانتماء الحضاري لعموم المسلمين في العالم، مع تقرير الكتاب لمفهوم عالمية الاسلام، في مواجهته الفكرية والثقافية للعولمة الغربية في ثوبها الأمريكي الحالي.
 
يدور الكتاب حول مفهوم العرب والعروبة في القرآن، محاولاُ أن يرسم ملامح الطريق الواضح لتدبر القرآن وفهمه الفهم الأمثل، باستعراض دلالات ومعاني لفظة (عرب وعروبة) في القرآن، للوقوف على صلتها بمفهوم الربانية وكل أمر منشأه الهي ورباني، والله أعلم.
 
إن دلالة لفظة عرب في القرآن لها خصوصية وتميز واضح، يمكن ملاحظته من خلال استعراض الآيات التي وردت فيها كلمة (عرب) في الكتاب العزيز.
 
إن المتأمل لنص القرآن والمتدبر له بلسان مبين، وبتفكر فطري أصيل، بعيد عن العجمة واللحن والإبهام، يجد المعاني اللطيفة والكريمة تنير له الطريق لفهم مرام القرآن ومقصده الأصيل والمضيء. رغم محاولات الغرب وثقافته الوافدة على العالم الإسلامي منذ أكثر من قرنين، فرض المفهوم القومي والعرقي العنصري على الشعوب الإسلامية وفي مقدمتهم العرب، مما شجّع النعرة العرقية والطائفية بينهم، وقطّع الأمة المسلمة إلى أجناس متنافرة ومتقاطعة وغير متحدة الهموم والأهداف، وجزّأهم إلى عرب وترك وفرس وكرد وهنود وأفارقة وغيرهم ، حتى دب الصراع بين تلك القوميات في شتى المجالات والميادين. وبذلك تم التمهيد للتقسيم العرقي وتجزئة العالم الإسلامي إلى أكثر من خمسين دولة وشعب، وبدء حقبة الاستعمار الغربي بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية على إثرها.. ثم اغتصاب فلسطين وظهور دولة إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية، وما تلا تلك الأحداث الجسام من المآسي والكوارث التي مرّت بها الأمة خلال القرن العشرين وحتى اليوم.
 
لقد استطاع الفكر الوافد أن ينقل لوثة العرقية والقومية التي أصيبت بها أوربا في القرون الخالية، إلى عالمنا الإسلامي في عصر التبعية والتخلف الحضاري، فأصبح العالم العربي محدداً ببقعة معينة ويوصف - وفق التعريف الغربي لمفهوم القومية - بأنه من المحيط إلى الخليج، وكذا الهند وإيران وتركيا وغيرها من شعوب الأمة الواحدة، وأصبح التقسيم القومي أمراً واقعاً، كما أصبح التقسيم الغربي للدول العربية بعد الحرب العالمية الأولى أمراً واقعاً أيضاً، وفق اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية المشئومة، التي أعقبت الحرب الأولى واحتلال بلاد العرب والإسلام.
 
لاشك أن وجود الشعوب والأمم والقوميات من الحقائق التي يعترف بها الإسلام، والتي ينبغي أن تقوم على أساس التعارف والتعايش والتنوع الحضاري والديني واللغوي، وليس على أساس الصراع والتنافر القومي والعرقي الذي شهدته أوربا وغذّته بنزعتها العنصرية والامبريالية التي جلبت الويلات والكوارث إلى العالم من خلال حروب دامية، كان آخرها الحربين العالميتين والتي راح ضحيتها ملايين البشر خلال القرنين الماضيين.
 
قال تعالى: يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم وشعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
Page 7
ومع ذلك فان للفظة (عرب) في القرآن خصوصية أخرى، تميزها عن غيرها، ينبغي الوقوف على دلالتها، من خلال تسليط الضوء على النصوص التي وردت فيها والمعاني والدلالات التي أشارت إليها معاجم اللغة، لتحديد ملامح دلالة كلمة عرب وعروبة وفق المفهوم القرآني والهدي النبوي الشريف. ولعل من نافلة القول أن نبدأ إبحارنا في موضوع دلالة لفظة (عرب) بالحديث الشريف، الذي يفتح الآفاق أمام عقولنا للتأمل، فيما يرمي إليه التوجيه النبوي لمفهوم العرب والعربية، بعيداً عن الفكر الغربي العلماني، الذي وصل به المطاف الآن، إلى جدر العولمة المادية، التي يحاول فرضها على الشعوب والأمم، بآلته العسكرية، فضلاً عن أدواته التقليدية المعروفة والمتمثلة بالسياسة والاقتصاد والإعلام.
 
يقول النبي الكريم : ليست العربية بأمٍّ لأحدكم ولا بأبٍ، إنما العربية اللسان. إنما العربية اللسان. إنما العربية اللسان .
 
ويقول في رواية أخرى: أيها الناس: إن الرب واحد والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أم وأب، إنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي.
 
أما آي القرآن التي تتحدث عن وصف القرآن واللسان والحكم بأنه عربي، وتضع لفظ (أعجمي) في مقابل (عربي) للدلالة على الإبهام وعدم الأصالة والوضوح فهي كثيرة، نختار منها، قوله تعالى: نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين. وانه لفي زبر الأولين .
 
وقوله: وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها .
 
وقوله: إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون .
 
وقوله: قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون .
 
وقوله: كتابٌ فصلت آياته قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون .
 
وكذلك قوله تعالى: وكذلك أنزلناه حكماً عربياً .
 
وقوله: وهذا كتابٌ مصدقٌ لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين .
 
فما دلالة الكلمات (قرآن، لسان، حكم) التي وصفها الله سبحانه بالعربية، وأضاف إليها كلمة (عربي) يا ترى؟..
 
وفي التاريخ الإسلامي نلمح مدلول لفظ (العرب) و (العربية)، وأنه يشير إلى الإسلام والى كل أمر أصله الهي ورباني، فالعربي كان يشير إلى المسلم، والعربية هي الإسلام ورسالة التوحيد. وقد استمر هذا المدلول الأصيل خلال العصور الإسلامية الأولى وحتى أواخر العصر العباسي .
 
ففي أحداث الفتح الإسلامي في المشرق، في مطلع القرن الثاني الهجري، حين طلب والي خراسان الأشرس بن عبد الله المسلمي، من قائد الجيش الذي فتح ما وراء النهر ووصل إلى تخوم الهند والصين، أن يجمع الخراج من رعاياه غير المسلمين في العصر الأموي، ومن المدن والمقاطعات التي تم فتحها، شرق خراسان وفي سمرقند ونهر السند، فأجابه: كيف لي أن أجمع الخراج من الناس، وقد أصبحوا كلهم عرباً.
 
وكان يقصد – بطبيعة الحال - أنهم أصبحوا مسلمين، ولا يجوز أن يأخذ منهم الخراج، الذي يفرض على البلاد المفتوحة إن هم بقوا على دينهم.
 
إن هذا التداخل في دلالة كلمة (عرب) مع معنى (مسلمين) لم يأتي سهواً واعتباطاً أو اجتهاداً، يعود إلى التساهل في مدلول الكلمة والتقارب بين اللفظتين، وان كان ذلك من أسبابه كذلك. وإنما يعود في أصله إلى معانٍ ودلالاتٍ أوحتها لهم ظلال النصوص الكريمة والعديدة، التي جاءت في القرآن والسنة، كما يعود إلى السليقة العربية، في اللسان العربي المبين، التي امتاز بها العرب والمسلمون، في ذلك العصر الزاهر. فالقرآن قد أشار إلى دلالة (عرب) بعدة أشكال كما أشرنا في الآيات أعلاه، في عبارة (قرآناَ عربياَ)، و(حكماً عربياً) و(لساناً عربياً).
Page 8
لقد شاع بين الناس – أيضاً - منذ القدم، مصطلحات عديدة متصلة أو مضافة إلى لفظة (عربي)، كالحصان العربي والطب العربي والصمغ العربي والشعر العربي، وقد أضاف القرآن إليها، الحكم العربي واللسان العربي والقرآن العربي.. فما هو المقصود من إضافة تلك المعاني والمفاهيم والذوات والمخلوقات إلى لفظ (العربي) للتعريف بها؟.. وهي صيغة تعريفية لتلك الكلمات واضحة التكريم والتفخيم والنقاء والأصالة، حتى بدون العودة إلى المعاجم والمراجع اللغوية، التي أشارت إلى تلك المعاني في ثنايا صفحاتها؟..
 
وغني عن التعريف، إنما أريد بالحصان العربي، أنه الحصان الأصيل الذي يتميز عن غيره بكل الصفات الفريدة والجميلة والأصيلة، بينما يراد باللسان العربي هو، اللسان الفصيح المبين الدقيق المعنى، المبرّأ من العوج والعجمة واللكنة. أما الشعر العربي فهو الشعر العمودي الموزون والمقفّى، الساحر في بيانه وفي استعراضه لمعاني الكلام، والمتصف بالحكمة في مختلف الأغراض والمباني والمعاني التي تزخر بها العربية. أما الصمغ العربي الموجود في أواسط أفريقيا وليس في أرض العرب، فهو الصمغ الطبيعي الأصيل وليس صناعياً.
 
وقد اشتهر بين الناس الطب العربي هو الطب الطبيعي والعشبي المجرّب الحكيم، الخالي من المواد الكيماوية التي يصنعها الإنسان والمنزّه عن أثارها الجانبية والمسرطنة، وهو خلاصة الحكمة الطبية البديلة، عما ابتدعه الإنسان، والتي ورثها ابن آدم، من تعاليم الوحي التي نزلت على الأنبياء. ويدخل في مفهوم الطب العربي كل أنواع الطب الطبيعي والعشبي والبديل، سواءاً أكان طباً صينياً أم هندياً أم غربياً أم شرقياً، ولا يقتصر فقط على طب العرب في المنطقة العربية - كما قد يتصور البعض - ولعل الطب النبوي، الذي شاع بين المسلمين، هو جوهر الطب العربي وأساسه، إذا ما توفرت فيه شروط الصحة والنسبة إلى النبي الكريم ، وكذلك كل طب الأنبياء الكرام إذا ما توفر شرط صحة نسبتها إليهم، فهو طب مصدره رباني، لا يخضع لعبث الإنسان واجتهاده الوضعي، بل يقوم أساساً على قواعد الربانية والعودة للطبيعة والاستعانة بمبادئ العلم والتسخير والإباحة، والتوائم البيئي والطبيعي، وليس الصراع والتغيير والتلاعب في أصول الخلق والتعسّف في استغلال منافذ الهندسة الوراثية والجينية التي يمارسها العقل المادي المعاصر. كما أن الطب العربي يشمل كافة النواحي الجسمية والنفسية والروحية والبيئية، وليست الجسمية فحسب، كما في الطب التقليدي الشائع بيننا الآن.
 
إن أصول هذا الطب الرباني تعود - شأن كل أمر عربي رباني - إلى مرجعيات ثلاث، هي الفطرة والطبيعة والقرآن. ولعل العلم المادي الحديث، يمكن أن يسخّر لترصين الطب العربي وتحقيق أهدافه الصحية وتحقيق غاياته وآماله كما يريدها رب العالمين، من خلال البحوث والدراسات والتجارب العلمية ومنهجيات الفحص التجريبي المختبري، وهذا ما حصل بالفعل في العديد من البلدان مؤخراً.
 
ولا تكلّف في الاستدلال والاستنتاج، بأن معنى (قراناً عربياً)، هو أنه (قرانٌ ربانيٌّ) نزل به الروح الأمين، على قلب النبي الكريم  ليكون رحمة وهدى للعالمين. كما أن (حكماً عربياً) لا يمكن فهمها إلا على أساس، إن القرآن هو حكم الله، وهو حكمٌ ربانيٌّ تنزّل، ليحكم حياة الناس بما يحويه من شريعة وحكمة وتعاليم وقصص وعبر وأحداث من لدن رب العالمين.
 
ولعل الوقوف على لفظة (عرب) وتأمل حروفها المضيئة، فيه دلالة عميقة لتلك الصلة الوثيقة بين لفظة (عرب) ولفظة (رب).. وكأن الله سبحانه يريد أن ينبّه الإنسان، من خلال دلالة الكلمة ودلالة الحروف القرآنية المقدسة، أن يتّكل على الرب الخالق العظيم، وهو يسير في هذه الأرض، منذ عهد آدم أبي البشر والى اليوم، لكي يكون الخليفة الحق، تماما كما أراد الله في علمه المحيط وقدره الأكيد، رغم اعتراض إبليس على تلك المشيئة الربانية، وذلك الدور المشرّف لبني آدم، وخلافتهم للأرض واستعمارها، وفق المنهج الرباني، الذي أنزله وحياً على أنبيائه، عبر المسيرة المباركة، فكانت حضارة الإيمان الرشيدة وجهاً لوجه وعلى الضد من حضارة الشيطان المادية المتغطرسة والظالمة، الحضارة الطاغوتية بقيادة إبليس وجنوده ،تحارب منهج الله رب العالمين، وتعاليمه الحنيفية السمحة بقيادة الأنبياء والمرسلين، عبر القرون والأحقاب والسنين. وكانت عروبة الحضارة وعربية اللسان والهوية والعقيدة والثقافة، التي أشار إليها الحديث الشريف، وكان الحكم العربي الذي نزل به القرآن العربي، والذي مثّل النسخة الربانية الصافية، والوحي الصادق الخالي من التحريف والتزييف، ليمثّل حكم ألأنبياء والمرسلين، كما أنزله الله رب العالمين، إلى البشرية منذ فجر التاريخ وحتى الرسالة الخاتمة. انه الحكم الرباني العربي المبين، أي إن كل ما جاء فيه مأخوذ من الرب سبحانه وتعالى، وكل متّبع له سيكون حتماً، عبداً لله معتمداً على رب العالمين، في كل صغيرة وكبيرة في حياته الفانية، متخذاً منها منهجاً هادياً وجسراً رحباً إلى الحياة الباقية، ليكون في روحه وقلبه وعقله، عربي الهوية والانتماء، منسجماً مع الكون المنظور فيما حوله من عوالم وثقافات وشعوب وقوميات وأمم سواء في عالم الجماد أم الحيوان أم النبات، ومع الكون المقروء والكتاب المسطور، القرآن العربي الرباني الصافي الأصيل، ليعيش في سلام وطمأنينة وتفاعل ونشاط ايجابي. وهو يستشعر دوره الحق ببركة ربه وخالقه، وبمرجعية كتابه وهدي نبيه، وليكن بعدها ما يكون، من ناحية الجنس والعرق والقومية والمذهب واللون والمكان والزمان، ما دام انتمائه وهويته الحقيقية تقرّ بأنه تبعاً لثقافة الإيمان قلباً وقالباً. يعيش في ظل منهج الرحمن، يتأمل الكون المخلوق المتناسق الجميل، ويعبد الله ربه بعربية القرآن، متخذاً من ثقافة الشيطان، ومن في حزبه من الأعوان والأتباع، عدواً لدوداً، وانحرافاً شائناً، ينبغي البعد عنه، والنأي عن طريقه بكل جوارحه، لكل ذي عقل وصاحب جنان، وهكذا يتم التمايز بين كتيبة الرحمن في كل عصر وزمان وبين حزب الشيطان. قال تعالى: إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً .
 
وهكذا يصبح المعنى واضحاً، لمدلول كلمة (عرب) في مفهوم القرآن، يمكننا العيش في ظلاله وفي رحاب مراميه، كما يتجلى أيضاً المفهوم العكسي لمدلول كلمة (عجم) تماماً بتمام. فهل للعجمة في حقيقتها معنىً، إلا الغموض والإبهام والجهل والوضع والخرافة، وهل لمدلول (جم) معنىً غير الإحالة إلى الكثرة والجمع من الناس، وكل من يتّكل على المخلوق.
 
فالقرآن عربيٌ وليس أعجمياً، كما تصرح نصوصه الكريمة، وليس لذلك المعنى المتقابل صلة بجنس أو عرق أو قومية، سوى ثقافة الجهل والغموض والإبهام والانحراف التي يصنعها الإنسان. وصنعها بأشكالها العديدة بإرشاد وتوجيه من الشيطان. الذي علم الإنسان الشر والظلم والطغيان، وترك البشر عبر الدهور في ظلمات يعمهون.
 
ولتأكيد المعنى الدلالي للفظة (عرب) و (عروبة) يمكن أن نستأنس ببعض ما جاء في معاجم اللغة حول الموضوع، كما سنرى في الصفحات التالية، لكي نحيط به من جميع جوانبه، ففي الأثر عن النبي  أنه قال: إن الله لا يتم هذا الأمر إلا إذا أحيط به من جميع جوانبه .
Page 9
عصر الإيلاف المكي ودور قريش سادنة الكعبة
 
هناك سور عديدة في القرآن تذكر مكة وشعائر الحج والعمرة التي يؤديها المسلمون وهم يشدون الرحال إلى بيت الله الحرام في مواسم الحج والعمرة، ومن بين تلك السور التي يدور موضوعها حول مكة وتاريخها وأحداثها المهمة، سورتان من السور القصار، ينبغي التوقف عندهما ومحاولة التعرف على أسرارهما ومعرفة ما فيهما من الآيات والدلائل التي يتصف بها بيت الله جل جلاله. والسورتان تشيران إلى العصر الذي كانت فيه قريش تتقلد الزعامة والسدانة في مكة بين سائر قبائل العرب الأخرى، منذ زمن قصي بن كلاب جد النبي  الرابع وحتى عهد ظهور الإسلام، والسورتان هما سورة الفيل وسورة قريش. قال تعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول . وقال تعالى:لإيلاف قريش. إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف .
 
إن سورة الفيل سورة مكية تتحدث عن واقعة الفيل، حين أراد ملك الحبشة واليمن أبرهة الحبشي أن يغزو مكة، ويهدم الكعبة بهدف توجيه الأنظار إلى مملكته، والشروع ببناء كعبة بديلة في اليمن ليحج الناس إليها بدل الحج إلى مكة، غير أنه باء بالفشل في قصة الفيل المشهورة. وكان ذلك في عهد عبد المطلب بن هاشم جد النبي . وتشير السورة الى التدخل الإلهي في هذه المعركة غير المتكافئة بين الأحباش وأهل مكة، والى إرسال طير الأبابيل التي كانت تحمل حجارة من سجيل، ورمت بها جيش أبرهة حتى أهلكته عن بكرة أبيه، وارتد أبرهة بما بقي من جنده خائباً من حيث أتى.
 
إن هذه الحادثة المهمة في تاريخ مكة، والتي تزامنت مع مولد النبي  في عام الفيل ذات دلالات عديدة أهمها، إن مكة مكان مختار ومقدّس، وقد اختصها الله تعالى بالتقديس والتفرّد والعناية والحفظ والأمن دون غيرها من الأماكن والمدن، وكل ذلك بإرادة الله ومشيئته، مهما تجبّر الإنسان واغترّ بقوته، ليعلم الطغاة والمتجبرون، أمثال أبرهة على مر العصور، أن الله الواحد القهار هو بالمرصاد، لمن يفكر بالعدوان على بيته الحرام، مهما تقدم بنو آدم في العلم وتقنية القوة، ومهما تطورت ووصلت التكنلوجيا والأسلحة الفتاكة والمدمرة وغيرها مما يصنع الانسان. ولنا أن نتصور أن سرباً من الطيور، التي أرسلها الله سبحانه، أمام جيش مدجج بالأسلحة والمعدات مع عدد من الفيلة، فماذا كانت نتيجة تلك المحاولة؟.. كانت النتيجة أن هزمت الطير الأبابيل، التي هي من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو، ذلك الجيش العظيم، جيش أبرهة وأصحاب الفيل، تماماً كما هزم المسلمون أصحاب الفيل في معركة القادسية في حروب فتح العراق، ولعل الطغاة والغزاة من أمثال أصحاب الفيل في كل زمان، سيلاقون المصير نفسه. إن هذه المعجزة وما تلاها، تؤكد سنّة التدخل الإلهي في المعارك غير المتكافئة في التاريخ، لتعطي الأمل للفئة المؤمنة القليلة أمام جبروت الباطل مهما تجبّر.
 
ان سورة الفيل تبشر الناس وتؤكد بأن المعجزة الإلهية تتحقق حين يعجز الناس ولا تتوازن القوى بين الظالم والمظلوم، وقد أكد عبد المطلب أمير مكة في زمن الواقعة لأبرهة على هذا المفهوم المستند إلى الإيمان واليقين الثابت والثقة بالله الذي لابد أن يدافع عن بيته وعن المؤمنين، فحين أرسل أبرهة في طلبه قبل اتخاذ القرار بهدم الكعبة، وسأله ماذا يطلب منه قبل أن يقوم بهدم الكعبة. أجابه عبد المطلب أن أعد إلي ابلي، فاستغرب أبرهة من طلب عبد المطلب، وكيف انه لم يذكر الكعبة ولم يطلب فك الحصار عنها ويسأله عدم هدمها، فأجابه عبد المطلب: يا أبرهة أنا رب الإبل..وان للبيت رباً يحميه، فضحك أبرهة وسخر من كلامه، فردّ له الإبل، وقال له يا لك من شيخ خرف، تسألني عن الإبل ولا تسأل عن مكة ومصيرها!!!.
 
ثم وقعت المعجزة وتم تدمير جيش أبرهة وإنقاذ مكة من براثن الأحباش وطغيان حاكمهم المشرك المغرور،، فحين يعجز الناس تنزل سفينة نوح على مرّ الأزمان.
Page 10
لقد ارتبط اسم أصحاب الفيل في التاريخ الإسلامي بثلاث حروب غير متكافئة ومصيرية بين الإسلام وبين الكفر والطغيان، مرة في عام الفيل وهزيمة جيش أبرهة – كما مرّ- وهو الحدث الذي حدث في عام الفيل، وفي معركة القادسية في العراق وهزيمة جيش كسرى ورستم والهرمزان، وكانت النتيجة – ولو بعد حين - دخول أقوام هؤلاء الطغاة في الإسلام، سواء في الحبشة واليمن أم في إيران والعراق وخراسان والهند، وهي بشارات قرآنية تؤكدها هذه السورة العظيمة، ومن ظلالها اللطيفة والكريمة، فهل سيكون الأمر نفسه مع أصحاب الفيل الجدد، وهل سيكون فشلهم وخسارتهم وذهاب ريحهم وريح أعوانهم سبباً في دخول هذه الشعوب والأقوام في الإسلام استناداً إلى نفس البشارة القرآنية؟!..
 
أما سورة قريش، فهي سورة مكية أيضاً. وتتحدث عن نعم الله على قريش أشرف قبائل مكة والجزيرة، بإسناد سدانة الكعبة إليها، وتبوّء الرئاسة والزعامة على سائر العرب.
 
وتتحدث هذه السورة العظيمة عن موضوع خطير ومهم يخص الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي، وصلته بمكة وموقعها وضرورة تأمين طرق التجارة والسفر والسياحة الدينية منها واليها عبر الاتجاهات الأربعة المعروفة، ولذلك تؤكد السورة على أهمية العبادة والخضوع لرب البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، سواء في عصر نزول السورة أو العصور التي تلت والى الآن. لقد كانت قريش – قبيلة النبي  وأفضل قبائل العرب - وما زالت توفر الأمن والطعام والإقامة لأهل مكة والجزيرة عموماً في مواسم الحج والعمرة، بفضل البيت الحرام، وإجلال الناس له ولأهل مكة القرشيين، فقداسة البيت وارتباط قلوب الناس به منذ عصر إبراهيم، جعل لقريش مكانه خاصة في قلوب العرب وغيرهم، وجعل لها مهابة ومنزلة خاصة، جعلتهم يعيشون في رغد العيش، وفي أمن قل نظيره بين القبائل والشعوب.
 
إن العرب عامة وقريشاً خاصة شرّفها الله تعالى بحمل الرسالة الخاتمة للعالمين، واصطفاها كأمة وكقبيلة على باقي الأمم والشعوب والقبائل. وحباها الله كبيت وعشيرة بشخص النبي  ، وميّزها على باقي البيوت والأمم. ويشير المصطفى  إلى ذلك المجد والشرف العلوي لأمة الإسلام في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم فيقول: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم .
 
وفي هذه السورة يشير القرآن إلى مسألة اعتقادية هامة، وهي أن عبادة رب البيت وهو الله سبحانه الواحد الأحد -وليس الأصنام والأوثان- وإخلاص العبادة له والسير على منهجه، هي الرد الطبيعي لإظهار الشكر والمنّة على نعمتي الإطعام والأمن والسلام التي وهبها الله المنعم لعباده المؤمنين، ولذلك قال: فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. فليس هناك أخطر -على الأمم والشعوب- من تسلّط الجوع والخوف على المجتمع، بسبب الشرك والصراعات والحروب والفتن، التي تؤدي إلى الفقر والمرض والتخلف والجوع وإراقة الدماء، كما هو حال الشعوب المعاصرة، وما تعانيه من فقدان الأمن الغذائي والقومي، بسبب البعد عن الله سبحانه وتعاليمه الحكيمة العادلة. وهذه السنة الإلهية التي تربط بين الأمن والعبادة، هي دعوة قرآنية لكل الأمم والشعوب، أن يعبدوا رب البيت الذي يطعمهم من جوع ويهب لهم الأمن من بعد الخوف والتفرق والصدام، الذي يعيشه الإنسان في ظل حضارة البعد عن الله والايمان برسالة السماء في كل زمان.