Page 1
تقديم
منذ طفولتي الباكرة وأنا اسمع كلمة تنمية، أكتبها في المدرسة مئات المرات، أسمعها في وسائل الإعلام الرسمية آلاف المرات، أحاول أن أجد لها تفسيراً مبسطاً يفهمه عقلي، ولكني لم أجده بسهولة.
إن التنمية كمفهوم وممارسة أصبحت من أكثر المشروعات الإنسانية التي يحتاجها الناس في حياتهم. وليس أدل على ذلك من تطور لفظة التنمية وتجاوزها للبعد التقليدي المعروف، والذي كان يرتبط بالتنمية الاقتصادية فقط، إلى مفهوم أوسع؛ يشمل التنمية الثقافية والسياسية، ويجعل سقفه الأعلى نماء الإنسان وسعادته.
لقد أصبحت التنمية ضرورة حضارية ملزمة على أي مجتمع؛ فالمسألة ليست اختياراً بمقدار ما هي واجب وفرض عين على من يدير ذاك المجتمع. وبالتالي فقد جاء اختياري للحرية والديمقراطية والثقافة كموضوع هذا الإصدار، لمحاولة تأصيلها كأهم الأوتاد التي يقوم عليها بناء أي تنمية. وهي فرضية نابعة من إيماني بأن الأركان الثلاثة هي أس بناء الدول وتقدم الشعوب.
فالحرية هي فكرة جوهرية ومركزية في عملية التنمية الإنسانية. فإذا ما اعتبرنا أن التنمية الإنسانية هي: "عملية توسيع خيارات الناس"، فإن للناس ولمجرد كونهم بشراً، حقّاً أصيلاً في العيش الكريم مادياً ومعنوياً، مما يترتب عليه شمول المفهوم على مبدأ المساواة وعدم التمييز بين البشر وفقاً لأي اعتبار اجتماعي أو اقتصادي أو ديني أو قومي أو لغوي أو جنسي.
إن أبرز ما يميز عالم اليوم هو اعتبار الحرية، واكتساب المعرفة، واحترام الكرامة الإنسانية، جوانب أساسية مهمة في حياة البشر، على خلاف كثير من الأنظمة التي تعتبرها من قبيل بذخ المجتمعات وكمالياتها المجمِّلة والبراقة.
لقد أكدت التجارب البشرية على أن التنمية لا تعني الوفرة المادية فحسب، ولكنها تتطلب بناءً معمقاً للقدرات البشرية التي تستهدف تحقيق الرًّفاهة، وتوظيف تلك القدرات بشكل عقلاني منظم في جميع مجالات النشاط الإنساني.
إن المفهوم الواسع للتنمية الإنسانية يذهب أبعد من ذلك عندما يضيف إلى الحريات المدنية والسياسية؛ الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ليصل إلى قاعدة عريضة تعتمد على مبادئ حقوق الإنسان، واستحقاق هذا الإنسان العيش بكرامة ومساواة، تعينه على عمارة الأرض، وبناء حضارته عليها.
أما الديمقراطية التي تحتاجها التنمية برأيي: فهي تلك الحزمة الشاملة من الحقوق الإنسانية التي ينبغي أن يتمتع بها الإنسان في أيِّ مجتمع؛ كحق انتخاب أعضاء السلطة التشريعية، وحق محاسبة ومراقبة السلطة التنفيذية، وحق وجود سلطة قضائية مستقلة لتطبيق حكم القانون، وحق تمتع جميع المواطنين بالمساواة السياسية، والقانونية، وخضوع كل موظفي الدولة لحكم القانون، واحترام حقوق الأفراد والجماعات، وتمتع وسائل الإعلام بالحرية، وتمكن الأقليات من ممارسة الشعائر والمعتقدات الخاصة بها دون خوف أو تمييز، والفصل الواضح للسلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وحق احترام الملكية الخاصة وحمايتها قانونياً، ووضوح عقوبة الفساد والحد من تفشيه بواسطة آليات فعالة للمراقبة والمحاسبة.
وكذا الأمر بالنسبة للثقافة والتنمية فهي ركن مهم في البناء التنموي. فبما أن التنمية وليدة خطط ومشروعات ذات طابع فكري عقلاني، يستند إلى تحليل الواقع واكتشاف علاقاته التركيبية المعقدة، طموحاً إلى تحريكه إلى الأفضل والأرقى والأنفع، فهي تلتقي بذلك مع الهدف الأسمى للثقافة.
إن هذا الجهد ما هو إلا سعي للإجابة على كثير من التساؤلات التي ظلت تلح عليَّ فترة ليست بالقصيرة، ودفعاً لكثير من المسلمات المشوِهَة التي ما فتئت تفسد علينا هواءَنا الذي نتنفسه، كانت هذه المحاولة، وهي ليست سوى محاولة مجتهد؛ تحتمل الخطأ أولاً ثم الصواب عاشراً.
Page 2
جناية الحرية على التنمية
الحُرّ في لسان العرب هو الصافي، الفاخر، الخالص، الأعتق والأفضل (1). ولهيجل مقولة مؤسِسة في هذا المقام، إذ يقول إنّ "تاريخ العالم ليس إلا تطوراً لوعي الإنسان لمفهوم الحرية". لذا ليس من المبالغة في شيء القول بأن الحرية كمفهوم وممارسة من أكثر الأفكار التي شغلت عقول مفكري البشرية، وخاصة فلاسفة العلوم الاجتماعية والإنسانية. فعلى الرغم من الجهد الكبير الذي بذلوه لتعريف وتحديد مفهوم الحرية؛ إلا أنها مازالت صعبة التعريف ومتغيرة المقاييس؛ مثيرة للجدل ومحفزة للبحث عن مكنونات لم تكتشف، أو لم تجربها الإنسانية بعد.فالحرية هي منطلق النهضة والتنمية والتقدم لدى الفرد والمجتمع، والإنسان الذي لا يملك الحرية لا يستطيع أن يصنع الحياة، كما أن الإنسان الذي يشعر بالاضطهاد وسحق الإرادة والشخصية، لا يتفاعل ولا يستجيب للتنمية، ولا لمشاريعها أو تطلعاتها، ولا يستطيع أن يوظف طاقاته للرقي بآماله أو النهوض بوطنه.
وليس خافياً على أحد أن أخطر أسباب تخلف أي أمة هو مصادرة إرادة الإنسان، وكبت حريته المشروعة؛ الحرية المسؤولة التي لا تنفك عن الالتزام والمسؤولية.
في مفهوم الحرية ومساره
كلمة الحرية هي من الكلمات التي أصبحت مألوفة أو شائعة عند الغالبية من الناس في عالمنا اليوم، ولكن مدلولها كما يساء استعماله كثيراً ما يساء فهمه. وبالرجوع إلى أصل المفهوم وتطوره يتبين للمرء أن هذا المفهوم قد جمع الكثير من الصيغ والنماذج، بعدد الممارسات والتطبيقات المتوالية، والتي كان لها الأثر البالغ في تاريخ الإنسانية فكراً وسلوكاً؛ منذ الإغريق، مروراً بعصر إسهام المسلمين في الحضارة الإنسانية ثم إسهامات عصر النهضة والتنوير الأوروبي، وبعدها الثورتين الأمريكية، والفرنسية واللتين خلدتا وبشكل واضح في إعلانهما مبادئ الديمقراطية والمناداة بالحرية والمساواة.
وما التطور الذي حدث لمفهوم الحرية إلا ترجمة لتلك المداولات والمحاورات الفكرية التي شغلت كثيراً من مفكري عصر النهضة بشكل خاص. ذاك التفاعل أصّل مفهوماً حديثاً للحرية مبتعداً عن المفهوم التقليدي السائد في العصور القديمة والوسيطة، والذي كان يُقابِل الحرية بالعبودية فقط.
Page 3
متى استعبدتم الناس؟
لم يخرج مفهوم الحرية في المصادر الإسلامية عن المعنى التقليدي المعروف؛ الحُرُّ ضد العبد: فالرجل الحر يمتلك كبرياءً وأخلاقاً تبعثه على طلب الأخلاق الحميدة، والعبد بخلاف ذلك. من هنا استمر فهم الحرية على أنها خاصية أخلاقية تتلاقى مع مضامين كلمة "حرّ" كما عُرفت قبل الإسلام (2).إلا أن ما يَلْفت النظر في هذا المقام حرص طلائع الإسلام الأولى والجيل المؤسس له؛ على تأكيد حرية الإرادة وحرية الاختيار للفرد. مما يدل على محورية الحرية في الإسلام: فالقرآن في نصوصه عزز من ذلك، حيث نجده يؤكد حق حرية الاعتقاد في: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (3) وفي: { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (4). فالاعتقاد الصحيح ناتج عن الاقتناع الكامل والتصديق الثابت، وأنه لا قيمة لعقيدة تأتي نتيجة القهر والتسلط.
وفي مناسبة تدل على حرية الرأي، والشجاعة في طرحه: قال أحد المسلمين مرة لعمر بن الخطاب: اتق الله، فلام بعض الحاضرين قائلها، فقال عمر: "لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها". إن قائداً مؤسساً كعمر يعي أنه لا خير في مجتمع لا يتقدم بآرائه ونصائحه لحاكمه. وعمرُ نفسه هو صاحب الكلمة المشهورة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؛ أي إن الحرية لازمة للإنسان منذ مولده. وهو ما أكّده مفكرو القرن الثامن عشر بعد هذه المقولة بألف عام تقريباً.
كما كانت حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم مثالاً على حرية التعبير عن الرأي. فنجده يقول لأصحابه في كثير من أمور الإدارة والحكم: "أشيروا عليَ أيها الناس"، وكان أمره شورى بينه وبين أصحابه كما وثّق القرآن ذلك: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } (5)، كما مُدح المؤمنون بسبب الشورى التي تميزهم عن المجتمعات الأخرى في: { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } (6)، حرية التعبير إذن هي حق أصيل مارسه المجتمع المسلم، بل ُصنفت على أنها أفضل الجهاد "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
لذا يعتقد كثير من الدارسين لخصائص المجتمع على امتداد التاريخ الإسلامي؛ أن الأفكار والنظريات اليونانية حول الحرية على المستوى الفلسفي والأخلاقي والسياسي والميتافيزيقي صارت جزءاً من النسيج العام للفكر الإسلامي، بل باستطاعتنا القول إنّها تماهت مع هدف الإسلام لبناء الشخصية على مستوى الفرد والمجتمع. فالحرية الأخلاقية عند المسلمين تعني رغبة الإنسان في أن يكون طيباً، كما أن ضبط ذاك الإنسان لنفسه هو شرط ضروري لسيطرته على غيره. إن الحرية تعطي الإنسان العاقل القدرة على تحرير نفسه من قيود بيئته الطبيعية وعاداته الرتيبة، وبذلك تجعل منه إنساناً حكيماً (7).
كما تجدر الإشارة هنا إلى أهمية عرض نظرة المتصوفة للحرية، لأنها ميزة ميّزت الإسلام عن غيره في التعاطي مع هذا المفهوم، حيث إن الحرية مربوطة بالخضوع.
إن رسالة القشيري أعطت عرضاً متكاملاً لموقف المتصوفة من مفهوم الحرية: "فالحرية هي ألَّا يكون العبد تحت رق المخلوقات، ولا يجري عليه سلطان المكونات، وعلامة صحته سقوط التمييز من قلبه بين الاشياء" (8).
كما يرى ابن عربي أن الإنسان الحُر هو" ذاك الذي لا يستعبده امتلاك أو رتبة، إنه يحكم الأشياء كلها ولا تحكمه، وبالنسبة له فإن الإنسان هو عبد لله فقط، لا لأحد أو شيء غيره أيّاً كان ومهما كان، وعلى هذا فالحرية الحقيقية تكمن في العبودية الحقيقية لله" (9).
وفي تعريفٍ يؤكد ما ذهب إليه مفكرو الإسلام بشأن الاعتناء بالحرية ليس على مستوى المفهوم فحسب، وإنما على مستوى المسلك الإنساني: يرى رشيد الدين بن خليفة أن "الحرية هي الحياة الخيِّرة"، ويعرِّف الحرية على أنها التحرر من الشر، ومن العوامل التي تعيق الإنسان عن بلوغ الهدف الحقيقي لإنسانيته. إن تجنب الشرور التي ترتكبها الكائنات البشرية عادة هي الحرية الحقيقية، "فعسير على الإنسان أن يكون حراً وهو يخضع للأفعال القبيحة الجارية مجرى العادة" (10).
Page 4
قيد الحرية القانون
أما المفهوم الحديث للحرية فقد تأسس على مبدأ "أن الأصل في الإنسان عدم الالتزام والتقييد إلا بما يحدده القانون". هذا القانون قائم على أن الإنسان هو صاحب الإرادة والاختيار والتصرف إلا في الأمور التي يتنازل فيها هو- أي الفرد- لسلطة يختارها وينتخبها من المجتمع الذي يعيش فيه.بكلمة واحدة لا إكراه للفرد في اختياراته ما لم يمنعه في ذلك القانون، وهذا ما أكّده إعلان حقوق الإنسان للثورة الفرنسية سنة 1789م، حيث" الحرية تكمن في أنها لا تتقيد إلا بالقوانين".
ولو ألقينا نظرة عابرة لتعريفات بعض مفكري أوروبا للحرية لعززت لنا هذه الاجتهادات ارتباط الحرية بالقانون، وهو ما يعطي دلالة واضحة على تلازمية الحرية بالمسؤولية وليس كما يحلو لكثير من الناس ربط الحرية بالانفلات واللامسؤولية.
فالفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1704م) يرى "أن الحرية هي، القدرة والطاقة اللتان يوظفهما الإنسان لأجل القيام بعمل، معيَّن أو تركه" كما يؤكد هذا المفكر الذي ترجمت أفكاره في صياغة الإعلان الأمريكي للاستقلال "أن الناس جميعاً أحرار، وهم سواء في الحقوق" (11). ثم جاء جان جاك روسو (1712-1778م) صاحب كتاب العقد الاجتماعي ليكون من أوائل من أشار على الحرية بمعناها الايجابي، لذا نراه يقول:
"لا تعتمد الحرية على أن يفعل الفرد ما يريد بإرادته الخاصة، بقدر ما تعتمد على ألا يخضع لإرادة شخص آخر، وهي تعتمد أكثر على عدم خضوع الآخرين لإرادتي الخاصة، ففي الحرية العامة ليس لأحد الحق في أن يفعل ما تحرمه عليه حرية الآخرين، إن الحرية الحقة لا تدمر نفسها أبداً، وهكذا نجد أن الحرية بدون العدالة هي تناقض حقيقي، فلا حرية بغير قوانين، ولا حرية عندما يكون أي شخص فوق القانون.. والشعب الحر بطبعه يطيع، لكنه لا يخدم، لديه قضاة لكن ليس فيه سادة، وهو لا يطيع شيئاً سوى القوانين، وبفضل قوة القوانين فإنه لا يطيع البشر" (12). أما (كانط)فقد صاغ فكرته عن المجتمع المثالي على أنه مجموعة من الأحرار يعد كل منهم غاية في ذاته. ويرى أن الحرية عبارة عن استقلال الإنسان عن أي شيء إلا عن القانون الأخلاقي. وهو يؤكد أن الحرية جزء من ماهية الإنسان لا يستطيع أن يتنازل عنها، إذا فقدها فقد معها إنسانيته (13). أمّاجون ستيوارت ميل (1806-1873م) فيقول: "إن الحرية عبارة عن قدرة الإنسان على السعي، وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره، شريطة أن لا تكون، مفضية إلى إضرار الآخرين" (14).
في المحصلة يمكننا القول إنّ الحرية مصطلح فلسفي سياسي، فمن الناحية الفلسفية: الحرية تعني (الاختيار)في مقابل( الجبر). أما من الناحية السياسية: "فالحرية تعني الحقوق الفردية الاجتماعية والسياسية في إطار القانون المدني المنظِّم للعلاقة بين السلطة والمجتمع" (15).
إن الحرية بكلمة واحدة: هي امتلاك الوعي بالخير المطلق، والجمال. هي أساسٌ للحياة (الحلم) التي ظل الإنسان يبحث عنها في رحلته مع الحضارة.
Page 5
التنمية.. حقٌ إنساني
في الجانب الآخر فإن التنمية لفظٌ صاحَبَهُ جدل عكس مدى الوعي الذي وصل إليه الإنسان وإدراكه لترابط معارفه وخبراته، وأثر تلك المؤثرات التي تحيط به عليه. المفهوم الضيق للتنمية والأكثر شيوعاً: يُقصد به التنمية الاقتصادية، وهو ما تُفضل أدبيات البنك الدولي استخدامه؛ ويعتمد هذا المفهوم على فكرة الإدارة الرشيدة بدلالة النمو الاقتصادي، وعلى أساسه صنفت دول العالم؛ دول متقدمة وأخرى نامية.بينما يستند المفهوم الواسع إلى فكرة التنمية الإنسانية ببعدها الشامل؛ حيث يرتفع إلى مستوى السياسة، فيعالج مسألة الحكم والعلاقة بين عامة الناس والإدارة الحاكمة، كما يراعي مسألة الشرعية والمشاركة والتمثيل والمساءلة، بحسب ما يذهب إليه تقرير التنمية الإنسانية العربية (16).
وتبرز الحرية هنا كفكرة جوهرية ومركزية في عملية التنمية الإنسانية، خصوصاً إذا اعتبرنا أن التنمية الإنسانية هي:"عملية توسيع خيارات الناس"، وبهذا المعنى، فإن للناس، ولمجرد كونهم بشراً، حقّاً أصيلاً في العيش الكريم مادياً ومعنوياً، جسداً وروحاً، مما يترتب على ذلك: شمول المفهوم على مبدأ المساواة، وعدم التمييز بين البشر وفقاً لأي اعتبار اجتماعي أو اقتصادي أو ديني أو قومي أو لغوي أو جنسي، أو غيره.
ومع اتساع مفهوم التنمية ليشمل الجوانب المعنوية، مثل الحرية واكتساب المعرفة واحترام الكرامة الإنسانية.تعززت هذه الجوانب كأساسيات مهمة في حياة البشر، وليست كما تحرص كثير من الأنظمة على إشاعتها على أنها من قبيل بذخ المجتمعات وكمالياتها المُجمِّلة والبراقة.
ولذلك فالتنمية اليوم لا تعني الوفرة المادية فحسب، ولكنها تتطلب بناء القدرات البشرية لتحقيق الرفاهة، والتوظيف العقلاني لتلك القدرات في جميع مجالات النشاط الإنساني (17).
هكذا إذاً فالتنمية لا تعني مجرد تنمية الموارد البشرية، ولا حتى تنمية بشرية فقط، أي تلبية الحاجات الأساسية، لكنها تنمية إنسانية شاملة للبشر والمؤسسات المجتمعية لتحقيق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
والمفهوم الواسع للتنمية الإنسانية يضيف إلى الحريات المدنية والسياسية (بمعنى التحرر من القهر ومن جميع أشكال الحطّ من الكرامة الإنسانية، مثل الجوع والمرض والفقر والخوف) الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ليصل إلى قاعدة عريضة تعتمد على مبادئ حقوق الإنسان واستحقاق هذا الإنسان للعيش والاستمتاع بالحياة.بكلمة واحدة الحرية هي الضامن وهي الهدف للتنمية الإنسانية وحقوق الإنسان (18).
Page 6
هل تحتاج التنمية للحرية؟
سؤال علينا اختباره بشكل معمق، لكي نشعر بأهمية ما نطالب به، ونعيش حقيقة ما نؤمن به. فما الذي يجعل الحرية مهمة للتنمية، وهل هذه الأخيرة بإمكانها المسير بدون حرية؟ أنا لا أظن ذلك، بل أعتقد أن أيَّ تنمية بحاجة إلى الحرية وبشكل أساسي، وبالذات حرية الفكر، والتي تتطلب أن ُيحرر العقل، ويفسح أمامه المجال واسعاً لينطلق، ليفكر ويبدع، ليمارس دوره الملتزم في مجال المعرفة وتشخيص المسار. فالإنسان المكبوت الحرية هو إنسان مشلول القدرة والإرادة، لا يستطيع أن يوظف طاقاته وإمكاناته. كما أن" الحرية هي بالضبط الطابع الأساسي للإرادة مثلها مثل الثقل للأجسام... فالكيان الحر هو الإرادة، والإرادة بدون حرية كلمة جوفاء بينما لا تكون الحرية واقعية إلا بوصفها إرادة" (19).فإذا ما تتبعنا مكانة الحرية في التنمية على مستوى الفرد والمجتمع، يتبين لنا أهمية كونها أساساً على المستويين، وبشكل متوازٍ، فالحرية الُمشَكِلة للفرد بالضرورة هي محفزة لبناء مجتمع واعٍ لحقوقه ومدرك لواجباته.
فالفرد الحر هو غاية أي تنمية حقيقية، والحرية التي يتميز بها هذا الفرد تؤهله وبشكل مستمر للمساهمة في بناء مجتمع قوي البنيان، متماسك الأجزاء، عصي على الذوبان عندما يتدافع ويتفاعل مع غيره من المجتمعات ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً. كما أن هذه الحرية هي العنصر المُشَكِل للاستقلالية التي تعتبر "جوهر المجتمع المتمدن" (20).
كما لا يمكن لأي ذات غير حرة أن تعطي لنفسها أولاً، ولمحيطها ثانياً، وللإنسانية ثالثاً أي قيمة مضافة لا على المستوى المادي الملموس ولا على المستوى المعنوي.
والحرية المقصودة في هذا المقام هي: الاختيار المسؤول والمدرك لكافة الجوانب المترتبة عليه- أي ذاك الخيار- لا الاختيار المطلق غير العابئ بالعواقب، غير الواعي لمصالح المجتمع وأفراده، وغير المقدر للأفكار والأشياء التي تتفاعل مع ذلك الخيار.
فكما أن الحرية حق فردي واجتماعي وسياسي، فهي في المقابل واجب ملزم على تلك المستويات جميعها. إذ ليس من الحرية أن يطلق الفرد لرغباته وأهوائه العنان لتفعل وتسلك أي مسلك يحلو لها دون اعتبار مقدر ومحترم لرغبات ومصالح وسلوكيات الآخرين. وإلا تحولت المجتمعات الإنسانية إلى غابات تتصارع في ما بينهما لتشبع رغبات بعيدة عن المهمة الرئيسية للبشر وهي البناء الحضاري الشامل.
فعندما تضع التنمية منتهى غاياتها بناء الإنسان، فإن أهم ما يحتاجه ذلك الإنسان هو إعلاء قيمة الحرية في ذاته أولاً، وبشكل يستطيع أن يعيشه ويحياه سلوكاً وممارسة، لا فكراً وتنظيراً فحسب، وذلك من خلال تعزيز المسؤولية الاجتماعية والسياسية التي تتطلبها تلك القيمة العالية منذ البدايات الأولى لتربية ذلك الإنسان وفي مراحل تعليمه الأساسية؛ في محيطه الأسري المباشر، وبمعية أقرانه وبيئته الاجتماعية الأوسع، وذلك من خلال وسائل وطرق عديدة أهمها: تأهيل سلوك الحوار وطرح الأسئلة، وحق التعبير عمّا يشعر ويفكر ويحس به هذا الفرد، والعناية بسلوكه عند ارتداد أفكاره ومناقشتها من قبل الآخرين.
ثم يأتي دور المؤسسات لترعى هذا الفرد وتحتضنه ليكمل دوره في التنمية. المؤسسات التي أعني هنا هي المؤسسات المدنية والرسمية؛ ترعاه بتمكين قدراته ومواهبه المتميزة ووضع الخطط والمسارات لها، ومن ثَم اختباره في تنفيذ وإدارة تلك الخطط. كما ترعاه بتدريبه وتأهيله لتطوير قدراته وملكاته الذهنية والجسدية. بدون هذا النوع من الرعاية لن تتمكن التنمية من بلوغ أهدافها بل ستفوت الزمن الذي يعتبر أحد أهم التحديات التي تجابهها.
Page 7
الحرية بين الفرد والمجتمع
الفرد الذي ُتعولُ عليه التنمية هو ذلك الذي يملك القدرة على الاختيار، القدرة على الابتكار والاكتشاف. والفرد الذي تراهن المجتمعات الحية عليه هو ذاك الحر الذي يدرك حقوقه وواجباته، يقدّر ويعتني بحقه في التفكير واكتشافه للأفكار الخلاقة. في مقابل عدم إجبار الآخرين على تبنّي أفكاره ورؤاه. الفرد الحر الذي تستهدفه التنمية لا يخاف من التعبير عن ذاته وأفكاره، فتلك الحرية تشعره بالثقة، كما تشعره في ذات الوقت بالأمان من الأوهام، لأنه يتمتع باستقرار داخلي، يعززه أمان خارجي في مجتمعه ومحيطه.
أما على مستوى ذاك المحيط والمجتمع فهو كذلك محتاج للحرية كما تحتاج الأرض للمياه حيث تروي الحرية عروق المجتمع فتؤازره وتقوي أركانه وأساساته.
فليس صحيحاً أن الحرية بإمكانها أن تعوق التنمية، أو أن تشيع الفوضى في المجتمعات، بل إن الفوضى، إن هي إلا نتاج المنع الذي يمارس على الحرية وليس العكس.
كما أن المجتمع الحر أكثر إنتاجاً من المجتمع غير الحر؛ وليس أدل على ذلك من الدول المتقدمة في شمال وغرب العالم؛ وذلك لأن الإنسان فيها أكبر وأعمق شعوراً بالواجب والمسؤولية مقارنة بأقرانه في باقي الدول. أما مجتمع الكبت والحرمان فهو الذي يولًد الشعور بالنقمة والرغبة في ممارسة العنف والإهمال واللامبالاة. والنماذج التي يزخر بها جنوب العالم وشرقه لا تحتاج إلى تحديد كما لا تتطلب كثيراً من الشرح والتفسير.
إن من نافلة القول تكرار أن المواطن الحر لا يمكنه العيش إلا بين مواطنين أحرار، وأن المواطن المبدع لا يولد إلا في مجتمع يسمح للإبداع أن ينمو ويتكاثر، مجتمع يقدِّر الاختلاف، ويحتفي بالتنوع. وعلى العكس من ذلك تماماً فإن قيم التخلف والجمود والاستبداد أينما تسود، فإنها لا تنتج إلا أفراداً عجزة، يعانون من أمراض مزمنة وعصية على الشفاء، من قبيل التصحر الفكري، والجفاف الذهني، والضمور العقلي، والشحوب المعرفي، والقصور في البصيرة.