Page 1
مقدمة
شغلت الولايات المتحدة، العالم بوضعه بين كفتي: حقوق الإنسان و«الإرهاب».واختارت الكفة الأولى، بحجة الحرص على مصالح الشعوب وخير البشرية جمعاء.فجندت الجيوش، وسيرت الأساطيل، وحاملات الطائرات، باسم مكافحة «المارقين الأشرار» الذين يقتلون الأبرياء ويعتدون على الحقوق التي نصت عليها شرعة الأمم. باسم هذه الأهداف النبيلة، احتلت قواتها أفغانستان.
وباسمها بررت احتلال بلاد الرافدين، دون انتظار من يحاسبها، أو يُدين أعمالها، مع كل ما بلغته من نتائج مأسوية بحق ملايين المتضررين: قتلاً وأسراً وتهجيراً وتشريداً وإعاقة.
ما هو جليٌّ، بعيداً عن خزعبلات الدعاية الإعلامية الأميركية الباحثة عن مبررٍ لارتكاب كل ما فعلته بحق الشعوب، فإن خط الغزو الأميركي يتناسب، انسجاماً، مع منابع النفط وآبار الغاز، وأماكن مرور الأنابيب الكفيلة بإيصالها، في ظروف آمنة بعيداً عن تأثير ومنافسة القوى الصاعدة عالمياً.
وإذا كان شعار «إمبراطورية الشر» قد انتهى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتمركز الجيوش الأميركية لحراسة واستنـزاف خيرات بحر قزوين ودوله المحيطة به، فإن «محور الشر» الذي أعقبه تحدّده الأهداف الحقيقية في منطقة الخليج العربي/ الفارسي، بمنابع النفط والغاز على شواطئه: شرقاً وغرباً وما يتصل به من مستلزمات الدعم اللازم للكيان الصهيوني في إطار الصراع العربي الصهيوني، من جهة، وضرب الدور الإيراني الصاعد الرافض لأطماع الإمبراطورية الأميركية من جهة أخرى، ما يستدعي تثوير أنظمة الخليج الأخرى عليه، وتخويفهم من امتداد أثره التغييري إلى الداخل في الممالك والإمارات والمشيخات، ودفعهم للاستنجاد بواشنطن، وشراء الأسلحة منها، والقبول بقواتها، بحجة الدفاع عن النفس.
على أن ما يُثير الريبة، هو التغاضي المزمن - عدا بعض الظروف - عن فضح الدور الأميركي وتأثيره في مصائر الشعوب، وعدم البحث الجذري في دوافع ومكونات المجتمع الأميركي، ومؤسساته، الذي لم يحد، على امتداد وجوده،عن طريق واحد عنوانه: إستغلال ثروات الأمم قدر المستطاع، وبشتى السبل، وبلا رادع تحت بيرق «العمل الرسالي المقدّر» مسبقاً لتأدية «رسالة سماوية» مدّعاة أنيطت ببلاد العم سام، ولا تقبل مشاركة بها، لغير الكيان الصهيوني: فكرةً ووجوداً.
علماً، بأن ما قامت به الولايات المتحدة على امتداد تاريخها، ومازالت، لا ينطبق على القوانين الناظمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها، ونبذ العدوان، وإدانته.
وحتى يزول اللبس في تحديـد العدوان وماهيته، أصــدرت الجمعية العامة للأمم المتحـدة، قراراً، بتعريفه وأوجهه:
استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد دولة أخرى، أو ضد سلامتها الإقليمية، أو ضد استقلالها السياسي... كذلك الأعمال التي تشكل عدواناً: الاجتياح، والاحتلال الحربي، وقصف الأقاليم وحصار المرافئ والسواحل، وكل ما يمس حق الحرية والاستقلال وتقرير المصير الذي تتمتع به الشعوب، وما يُمكن أن يجحف بحقها في أن تُكافح من أجل هذا الهدف. كما أن العدوان لا يمكن أن يُبرر بأي اعتبار، سواء أكان سياسياً أم اقتصادياً أم عسكرياً لأن حرب العدوان جريمة ضد السلام العالمي، تترتب عليها مسؤولية دولية، وكل المكاسب والمزايا الناتجة من العدوان، لا يمكن أن تعتبر مشروعة ولا يمكن الاعتراف بآثارها.
أيّ استقراء لما تقدم من معاني العدوان تظهر الولايات المتحدة مرتكبة لكل أنواعه وربما في بعض الظروف والأماكن، تجاوزت ذلك إلى «إبداعات عدوانية أخرى» لم يطلْها القانون، ولاسيما إذا احتسبنا ما يُسمى بلغة العصر «العدوان الناعم» المتجسد بكل انواع الإعلام الأميركية المسلّطة على أدمغة الشعوب بغية تدجينها وتكييفها وصياغتها حسب الهدف الأميركي المرسوم للسيطرة على مقدرات الأمم...
فالولايات المتحدة، تُلصق تهمة «الإرهاب» حيث تريد، دون تحديد ماهية الإرهاب، أو اعتماد مفهوم علمي متفق عليه، وكل همها «شيطنة» الطرف المقصود لتبرير العدوان عليه.
وما أصبح متداولاً أن «الإرهاب» مفهوم جرى تسويقه وتعميمه، بحيث صار، بحدّ ذاته، جزءاً من الصراع، يرمي كل طرف خصمه بهذه التهمة، الأمر الذي أثار الخلط واللبس، مما ساعد في تعدد التعريفات وتداخلها والتخبط في الوصول إلى مفهوم متفق عليه، حتى أحصى أحد الباحثين 108 تعريفات لهذا المفهوم تنطلق من انحيازات قيمية وإيديولوجية وسياسية...
علاوة على هذه الحيثيات يمكن لفت النظر إلى الأمور التالية:
انسحاب الولايات المتحدة الأميركية، المنفرد من اتفاقية الصورايخ المضادة، والذي أثار مخاوف حلفاء أميركا. فهذه الاتفاقية كانت تعتبر أساس التوازن الاستراتيجي في العالم.
عدم تصديق الإدارة الأميركية على برتوكول كيوتو حول التغييرات المناخية في العالم.
مقاطعة مؤتمر التصديق على معاهدة حظر التجارب النووية، ومؤتمر المراجعة الذي عقد حول الأسلحة البيولوجية.
رفضها التصديق في الكونغرس على معاهدة روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية.
تبني سياسة انحياز كامل وبعيد المدى في سياستها الشرق أوسطية لصالح «إسرائيل».
وإذا ما أضيف إلى هذا، إجازة الإدارة الأميركية لنفسها - بالضربات الوقائية والاستباقية- وهي عقاب احترازي حول محاسبة الآخرين على نواياهم، ولو لم يفعلوا بها، يُبين مدى ما وصلت إليه الغطرسة الأميركية، ويؤكد أن أحداث 11 أيلول/ سبتمبر لم تُحدث تحولاً في السياسية الأميركية، بل كانت حجة وتبريراً لنهج سبقها، وتلاها...
على أن المؤكد في مفهوم العقلية الأميركية، حسب السياق التاريخي، هو العدواة المستمرة لتطلعات الشعوب عامة والمسلمين خاصة، والعرب على الأخص، لما لنعمة موقعهم الجغراسي، وخيرات بلادهم النفطية، التي انقلبت «نقمة عليهم» بحكم المصالح الصهيو-أميركية في منطقة الشرق الأوسط، وأهميتها القصوى، حيث عمل هذا الحلف المعادي لمصالح الأمة العربية، عقوداً من الزمن لتثبيت أنظمة تابعة لحلف الناتو، وقامعة لشعوبها...
غير أن الزلزال الشعبي الذي ضرب الوطن العربي، من أقصاه إلى أقصاه بدءاً من تونس، أثار الرعب والهلع في الدوائر الغربية، والأميركية على وجه الخصوص، فكان لابد من عملٍ ما، يُعيد الأمور إلى نصابها.
بناء على ما تقدم، يسعى هذا الكتاب، قدر الاستطاعة، إلى استشراف حركة العلاقات الشرق أوسطية، بين الغرب، والولايات المتحدة خصوصاً، والعرب: شعوباً وأنظمة.
كما يبحث في تأثير خلفيات نشوء المجتمع الأميركي على أرض العالم الجديد وأثر ذلك في تبرير حقه في إبادة من يريد، وكيفما يريد، وأنىّ يريد ومتى يريد، دون انتظار محاسبة أو محاكمة أو إدانة. انسجاماً مع قناعات بنيوية راسخة في تراثية تكوينه، تُبيح له المحظورات بحق شعوب الأرض قاطبة...
كما يظهر، في ثنايا الكتاب تلازم الشعار الأميركي التضليلي حول حقوق الإنسان وحريته في بلد ما، بتواجد خيرات قابلة للنهب فيه، فيصبح الشعار مدخلاً للسيطرة عليه وعلى خيراته. حتى ليمكن القول: إعرف خير أرضك بمقياس شعار واشنطن في بحثها عما تسميه «حقوق الإنسان وحريته» فيها، وهو ما على المواطن العربي، أينما وجد، من المحيط إلى الخليج أن يستقصيه ويُدقق فيه، وما يبينه رد الفعل الأميركي، تجاه الانتفاضات العربية دليل لا يرقى إليه الشك، مثلما يلي...
Page 2
الفصل الأول
عكس الريح
... ودمدمت الريح بين الفجاج وفوق الجبال وتحت الشجر... وأشعلها «البو عزيزي» ناراً في هشيم نظام تيبّس من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، فإذا تونس الخضراء تزهر ربيعاً لا يوائم فصول الطبيعة، ارتفعت فيه قبضات تمزق شباك الذل معلنة استجابة القدر، فعجت بقلب الشعب دماء الشباب، ورفرف روح «الشابي» من جامع وجامعة الزيتونة يعلن أن لعنة «الشَّين» لحقت بـ «الزَّين» وزبانيته، ففر هارباً يجر أذيال الهزيمة، يتلطى في عباءات عابقة بروائح النفط، علّها تقيه هاجرة قلوب الأيامى والثكالى واليتامى وكل المظلومين الذين اكتووا بنار ظلمه على كل جنب كيّ.وهبّت رياح الغرب من شواطئ تونس حاملة بذور الثورة، فاهتزت أرض الكنانة، وتلاطمت أرجاء الاهرام في حضرة «أبي الهول»، وما لبث «النهر الخالد» أن دق النفير، فإذا الملايين في «ميدان التحرير» تهز عرش الطاغية واعوانه النخاسين، قاذفة بهم في «مهملات» التاريخ، علّ من ظن منهم أن مصر «عاقر» يخسأ في سوء ظنه، ويرى بعد فوات الاوان أن بلاد أحمد عرابي وسعد زغلول وعبد الناصر ما زالت ولّادة، وستبقى. بل وانتقلت جذوتها إلى اليمن السعيد بثورة ملايينه الذين ما زالوا مرابطين وسيبقون حتى يلحق «علي عبد الله» الطالح بغيره من الطوالح، ممّن قذفت بهم حوافر خيول الثورة وداستهم سنابكها، أمثال «القذافي» الذي استسلم لأوامر «العم سام»، وسلّم كل أسرار الحركات الثورية العربية وغير العربية التي ائتمنته عليها، فخانها كما خان مبادئ الثورة التي ادعى «افتتاحها» وضحّى بآلام الليبيين وعذاباتهم التي نذر عمر المختار لها حياته، واستشهد دونها بيد المتغطرسين الطليان ولم يشفع للقذافي عندهم، ذلك، فقُتل، أو سُهِّل قتله شر قتلة من قبلهم. وفي البحرين كربلاء الخليج حيث تشهد عاشوراء القرن الحادي والعشرين أسطع تجليات «مجلس التعاون» على الإثم والعدوان، تستمطر العيون لآلئها على «دوار اللؤلؤة» وتحكي حكايات أين منها «ليالي الشتاء في خليج البوسفور» العثماني...
لقد آلم «الربيعُ العربيّ» غرباناً اعتادت النعيب على قبور المستضعفين والمعذبين العرب والمسلمين وكل الكادحين في العالم، فهبّوا جميعاً، بأمر من واشنطن وكورسها الغربي و«العرباني» لإقامة حفل جنائزي لقبر تلك الثورات قبل أن يشتد ّ عودها وتقلب عروشاً ولغت من دماء المقهورين وبَنَت ركائزها من عظامهم وجماجمهم.
هكذا، وقفت مخلفات النظام البائد في تونس أمام المد، للحد من وصوله إلى نهاياته المنطقية، وتسلّم المجلس العسكري في مصر «أمانة الرئيس المخلوع» ليطمئن على «زحافته» أثناء المحاكمة الصورية، ويستمر نزيف الشباب الثائر، في مختلف ميادين «أم الدنيا». وفي اليمن، بقيت كل بطانة الرئيس المحفوظ بأجفان حكام الخليج وأحضان الأميركان، الذين لم يبخلوا على الشعب الليبي بقصفه وتدمير منشآته - بحجة دعمه - ريثما تتهشم وحدته فيترك أشلاء تتصارع، كما يحدث الآن، لتسهل سرقة نفطه وخيراته...
أما البحرين، حيث ترابط قيادة الأسطول الخامس الأميركي، فلا مجال لعبير الحرية أن يفوح، مع كل غالٍ ونفيس تبذله الحرائر ويدفع ثمنه الأحرار، في ظل صمت تآمري موصوف لو قُيّض للألسنة المبلوعة أن تنطلق لعجِزَ عن وصفهِ ألف «نَوّاب ونَوّاب» (1)!.
أما دمشق، قلب العروبة النابض، التي تمسّك شعبها بأمانة عدنان وقحطان، والتي استقبلت ملايين العراقيين أثناء نكبتهم بحصار «التآمر العالمي» ثم العدوان الاستعماري الاحتلالي بكذبة «اسلحة الدمار الشامل»، ومئات آلاف اللبنانيين أثناء العدوان الصهيوني الغاشم عام 2006، ومنظمات المقاومة الفلسطينية العاملة لتحرير فلسطين، فقد تم التصدي لربيعها بأيدي الإمبريالية العالمية والصهيونية وأنظمة «العربان»، بذريعة إسقاط النظام القائم فيها، الذي اعترف رأسه علانية بالعديد من الأخطاء والخطايا وتعهد بالإصلاح، طالباً معونة المعارضة على أمل البناء من جديد.
غير أن من عطّلوا اندفاعة انتفاضات وثورات الشعب العربي في مختلف الأقطار العربية، أعرضوا عن ادعاءاتهم «بالإصلاح والديموقراطية» مصرّين على الإطاحة بالنظام بهدف التخلص منه ومن «ممانعته» ودعمه للمقاومة الإسلامية الباسلة في لبنان، وفلسطين، وكسره كحلقة في سلسلة المد المقاوم من طهران إلى العراق فلبنان حتى فلسطين المحتلة... وهنا مربط الخيل.
إنها فلسطين المحتلة، السليب بيد الكيان الصهيوني الغاصب، التي تُعتبر إحدى ركيزتي اهتمام واشنطن وحلفائها وأتباعها مع البترول.
فلسطين هي المبتدأ والخبر، في نهجين متصارعين على قاعدة التناحر حتى امّحاء أحدهما، وهو ما عبّر عنه الإمام المغيّب السيد موسى الصدر: صراع وجود لا صراع حدود.
ولا يحتاج ذو البصيرة إلى فراسةٍ ليدرك بالوقائع والمعطيات، أن ما حصل، ويحصل، ويعمل عليه جهده حلف الطغاة في غرة أهدافه: حفظ الكيان الصهيوني وتمكينه من السيطرة على الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وتطويق إيران لإضعافها وإطفاء أنوار ثورتها داخلاً وخارجاً، كي ينام المارد الذري الإسرائيلي هانئاَ تحت رمل «ديمونا» في النقب، ريثما تأتي ساعة «هرمجدّون» المزعومة!!.
هذا الهدف التدميري استراتيجياً، هو ما أدركته، بوضوح، المقاومة الإسلامية الباسلة في لبنان ومعها المقاومة الفلسطينية المقدامة السائرة في نهج الكفاح المسلح، واستلهمت عظم المسؤولية الاستثنائية الملقاة على عاتقها، ريثما ترفدها - وهو أمل مرغوب فيه - طلائع في أقطار أخرى تخفف عن كاهلها ثقل المهمة.
غير أن الإنتظاريين العرب، ومن يتلفّعون -مزايدةً- بحس المسؤولية، ما زالوا يقفون على قارعة الطريق يصفقون أو ينتقدون، أو يجرّحون أو ينكفئون على أنفسهم، ريثما يقدم لهم التاريخ «عجينته» كما يرغبون ليصنعوا بها تماثيل أوهامهم، علماً، بأن ذلك أضغاث أحلام، لأن التاريخ لا يسلّم أمره للقاعدين فهو حصان حرون لا يمسك زمامه إلا فارسٌ معادلته: أمة في رجل، أو رجال لا يحيد صراطهم عن النصر، أو القبر...
وعلى من آمن بقدسية أرضه وعرضه ومعتقده، من ملايين العرب أن يحذو في خط المقاومة حذو الامام علي حينما سئل عن أحب أولاده إليه: فأجاب: غائبهم حتى يعود وفلسطينننا غائبة، ومريضهم حتى يشفى وفلسطيننا مريضة مطعونة في قلبها بخنجر الكيان الصهيوني وقبضات اعوانه، وصغيرهم حتى يكبر وفلسطيننا صغيرة مقطعة الأوصال، علينا -كي نسير على درب تحريرها- أن نضعها في قلوبنا، وعلى جدراننا لنرى معاناتها صباح مساء، كي لا تفتر الهمة وتضيع بوصلة المهمة...
والدرب طويل، ولكن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة وقد بدأها الابطال المقاومون البواسل، وعلينا لذلك، أن نعيَ قبل كل شيء، من نجابه نحن، ومن هم فراعنة هذا العصر، حتى نعد العدة، فالدرب للأعمى مجهول، وللأعشى مشوّش، وللبصير واضح وهو ما يدفعنا إلى مراجعة توجهات الإمبريالية العالمية وأدواتها وأساليب عملها، لأن معرفة الخصم، أو العدو، دليل على جدية العمل للانتصار عليه، ولاسيما أن الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص، والكيان الصهيوني تحصيل حاصل، ومن يسير على منوالهم، لا يتوانون، في وسائل إعلامهم عن ضخ الترّهات والتهم اليومية للعرب والمسلمين، وأحرار العالم، بالإرهاب و«المرُوق» وهم، أساس ذلك الإرهاب كدول متسلطة مستعمرة مارقة، بعيدة الصدقية في كل ما تدّعيه من حرص على الإنسانية، وحفاظ على رفاهية الشعوب، وديموقراطيتها.
ولعل ما يلي، يعطي انطباعاً قدر الإمكان عن تاريخية اهدافهم وراهنية توجهاتهم...
Page 3
أ- العربي المسلم بالمعيار الأوروبي
إذا كان علم الاجتماع السياسي قد استلّ من نسبية آينشتاين، في الرياضيات، مسلكاً اعتبارياً يقول بأن الخبرة هي أيضاً نسبية، وما نعرفه يتوقف على موضوع المكان الذي ننظر منه، وزمانه، فإن النظرة «الدونية» ضد العرب، منشؤها أوروبي، ومن ثم أصبحت ركيزة اعتبارية من ركائز العقلية الأميركية.فعلى امتداد الحقب الزمنية المتواصلة، منذ ما سمي «حروباً صليبية» حتى الآن، يبدو دون لبس، أن أوروبا الاستعمارية لا تكنّ للعرب، أي تقدير معنوي، انطلاقاً من إيمانها بمبدأ القوة المخالف لقوة الحق، يعزز تلك المقولة اشارات عدة:
لقد اعتذر الفاتيكان لليهود عن الآلام التي اصابتهم جراء موقف الكنيسة الكاثوليكية أثناء اضطهادهم من جانب النازيين، واعتذر لليونانيين الأرثوذكس عما اصابهم من ضرر أثناء تقدم الجيوش الصليبية (الكاثوليكية). إلا أنه امتنع عن تقديم اعتذار للمسلمين عن المآسي التي حاقت بهم بسبب الحروب الصليبية وجراء محاكم التفتيش.
واعتذرت اسبانيا عن طردها لليهود - عقب استرداد الأندلس - قبل أكثر من خمسة قرون، لكنها رفضت الاعتذار للعرب والمسلمين، رغم أن الذين طردوا منهم، اضعاف اضعاف اليهود المطرودين، والذين بقوا منهم خيّروا بين التنصير أو الموت.
اعتذرت بلجيكا لشعب الكونغو عن الماضي الاستعماري، واعدامها الرئيس الكونغولي الأسبق: باتريس لومومبا.
حتى في الشرق، اعتذرت اليابان للكوريين عن ماضيها الاستعماري[2].
وما زالت المانيا - حتى الآن - تدفع ضريبة «تكفيرية» اعتذارية عما اصاب اليهود أيام «محارق النازية» التي طالتهم، مثلما طالت غيرهم من البولونيين وشعوب أخرى.
على أن العرب - المساكين بأنظمتهم - لم ينلهم شيء من هذه «الحفلة الاعتذارية» مع انهم كانوا وقود الحروب الاستعمارية التي دارت على ارضهم، لاحتلالها، والانتداب عليها، وتقسيمها وزرع الكيان الاستيطاني فيها.
أكثر من ذلك، فإن فرنسا التي أصدرت قانوناًعام 1964 ينص على «أن الجرائم ضد الإنسانية لا ينطبق عليها مبدأ التقادم» ووضعت إبادة الخلافة العثمانية - أيام السلطنة - للأرمن، تحت هذا البند، عادت وأعلنت قناعتها بـ«الدور الإيجابي للاستعمار» في شباط/ فبراير عام 2005.
ومع أنها اضطرت تحت الضغط لسحب بند «تمجيد الاستعمار» هذا، إلا أن رئيسها السابق نيكولا ساركوزي، في معرض تهربه من تبعات الماضي الاستعماري لفرنسا، أصّر في لقاءاته وتصريحاته الصحافية على القول: انسوا التاريخ والثورة والجرائم، وتعالوا نتحدث في الأمور التي تهم بلدينا فرنسا والجزائر في الوقت الحاضر، كأمور النفط والغاز والبزنس»[3].
هكذا، وبعدما يزيد على مئة وثلاثين عاماً من الاستعمار الفرنسي للجزائر، وخطط «شال» والارض المحروقة ومحاولات «التنصير» و «الفرنسة» واستهداف هوية الجزائر يعمل رئيس ما يسمى بلد «الأنوار» على محو تاريخ بأكمله، من الآلام والدماء ومليون ونصف مليون شهيد تحتضن رفاتهم أرض الجزائر... وحظ تونس والمغرب ولبنان وسوريا لم يكن أفضل حالاً.
وبالمناسبة، فهذا «الساركوزي» المشعوذ في معرض تبريراته للاستعمار الفرنسي في أفريقيا، أعلن في العاصمة السنغالية داكار أنّ: «مأساة أفريقيا تكمن في أن الرجل الأفريقي لم يدخل، كلياً، إلى التاريخ، والأفارقة لم يقحموا أنفسهم حقيقة، في المستقبل»[4].
هو على نمط الفاخوري الذي يركّب اذن الجرة كيفما يريد: يدعو الجزائريين إلى نسيان التاريخ ومحوه، ويعيب على بقية الأفارقة انعدام تاريخ لهم!.
ولم ينل العرب مبتغاهم من بريطانيا التي كانت قد احتلت مصر بعد معركة التل الكبير عام 1882. ووعدت العرب مع حلفائها في الحرب العالمية الأولى، باستقلالهم إذا ما دعموها، حسب مراسلات مكماهون - الشريف حسين.
ومع أن العرب أطلقوا «فرسهم الشقراء»[5] معلنين ثورتهم للتخلص من نير السلطنة العثمانية، إلا أنهم - وحدهم، ومن دون كل المنتصرين وحلفائهم - لم يتنعموا بثمار انتصارهم، بل طُعنوا طعنتين غادرتين:
اتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت البلاد العربية بين الانكليز والفرنسيين الذين «انتدبوا» عليها فيما بعد وزرعت بذرة «الوطن القومي اليهودي» في فلسطين بوعد بولفور، رغم أن الثوار العرب لم يقصروا في كفاحهم ضد – العثمانيين من أجل الاستقلال، حتى أن «لورنس» الجاسوس الانكليزي الحاذق يورد في مذكراته، أثناء ملازمته لفيصل الأول أنه حين سأل العرب: «من سيحكم بعد الانتصار: دمشق ام الحجاز؟ كان الجواب بأن هذه المسألة لا تعنيهم كثيراً فالمهم أن يتخلصوا من المتطفلين الذين يتحكمون بهم»[6] ثم يردف: «ومع أنني كنت الصاحي المتشكك معهم، فقد كنت أحسدهم على إيمانهم الرخيص الثمن. فبالرغم من أنهم كانوا مخدوعين، كانوا يحاربون العدو بكل جوارحهم. وكانوا - بالتالي أكثر شجاعة وبساطة وحبوراً من سائر البشر»[7]. وهُضم حقهم مع بريطانيا مثلما اصابهم مع فرنسا، فالانتصار شيء، وجني ثماره شيء آخر.
Page 4
ب - ... بالمعيار الأميركي
لقد دهش أحد الصحفيين الأميركيين البارزين كيف ينتج الإنسان الآليّ سيارة ليكساس، في مصنع ياباني، كأعظم سيارة رفاهية في العالم، وكيف أن الناس الذين عاش بينهم - لسنوات طويلة - في بيروت والقدس، والذين يعرفهم معرفة وثيقة «يقتتلون حول ملكية شجرة الزيتون هذه أو تلك»، وتبيّن له، حسبما قال: «أن سيارة ليكساس وشجرة الزيتون، رمزان جيدان لحقبة ما بعد الحرب الباردة تلك: نصف العالم خرج من الحرب الباردة عازماً - فيما يبدو - على بناء سيارة ليكساس أفضل، وكرّ س نفسه لتحديث وتبسيط وخصخصة اقتصادياته، حتى يتسنى له الازدهار في نظام العولمة.والنصف الآخر من العالم - بل نصف بلد واحد احياناً، أو نصف شخص واحد أحياناً أخرى - ما زال محاصراً في الصراع على من الذي يملك شجرة الزيتون هذه أو تلك»[8].
حقاً، إن دهشة فريدمان تبعث على الدهشة: إذ هي نابعة من نظرته بعين الاعجاب لما يرمز للرفاهية و «مُجمِّعها» الآليّ، دون رؤية الكتل البشرية، العاملة الغاطسة بالعرق والجوع والألم جرّاء جهدها الدؤوب، لخلق ذلك الإنسان الآلي والسيارة وإيصالها «للقادرين على التمتع بها»، دون أن يحوز أولئك البشر على إمكانية امتلاك ما صنعت ايديهم. فالشركات المتعددة الجنسيات، قد تكفلت بإدارة الانتاج والتسويق والاستهلاك، محطمة كل القيود والحدود - في اليابان، كما في غيرها -، في ظل الخضوع لذكريات تعبق بشواء الآدميين وعظامهم المتفحمة الملتحمة بالاسمنت المسلح، في هيروشيما وناكازاكي، واستمرار الولادات المشوهة والنباتات الممحوقة التكوين.
وتعجّبه حول ملكية شجرة الزيتون، ما دام قد عايش أهالي عاصمتي فلسطين المحتلة ولبنان، هو أيضاً يثير العجب، إذ ساوى بين المتنازعَين على الملكية، دون تحديد صاحب الحق، والمعتدي عليه: جرافة الإسرائيلي الهادرة - بأطنان حديدها - لتطويق الزيتونة ومصادرة أرضها - تساوت لديه بالعجوز الفلسطينية المحتضنة لجذع الزيتونة، بعطف الأم الرؤوم، وصلابة وجهٍ تماهت تجاعيده بتجاعيد الجذع المقاوم.
لو قُيّض له - ما دام باحثاً في التفاصيل - زيارة مقبرة «مخيم برج البراجنة» الفلسطيني، لشاهد عشرات القبور وقد ازَّينَّت بشجيرات الزيتون والتين، تأخذ نُسغها من الأجداث، في لوحة ملحمية تجسد آمال من دُفنوا وذاقوا غبن التهجير قسراً من ديارهم تاركين «بيّارات الزيت» و«مساطيح» التين، ومعمرات من اشجارها، بعدما عز عليهم رؤيتها وهم أحياء. هي رمز من رموز الخير، وانغماس إيماني بفحوى القسم الالهي بـ«التين والزيتون»، وتيمّناً بمن حمل غصنها رمزاً للسلام، وحُكم عليه بالصلب ظُلماً...
رؤية فريدمان هذه، كأميركي، ليست سقطة فكرة عابرة، بل تعبير حقيقي لمفهوم أميركي سائد في تعامله مع العالم، وما يسمّى «الشرق الاوسط» على وجه الخصوص، ولاسيما الوطن العربي منه: فالرئيس السابق بيل كلينتون الذي بذل مجهوداً كبيراً في كامب دايفيد، ثم في طابا، كان يستغرب لماذا تتقاتل الشعوب على «ارض جرداء» وتخسر حاضرها ومستقبلها وهي تتمسك بالماضي. وهو لم يسأل نفسه، طبعاً، لماذا يحرّك أساطيله لاحتلال «ارض جرداء» تختزن البترول، وهي ليست له.
سَلَفه، الرئيس بوش الأب، بعد اجتياح الكويت في 02 آب/ أغسطس 1990، أعلن خطه الامبراطوري، على الملأ بقوله: «رسمنا خطاً في الرمال»[9]، والرمال ليست له، ولم يرثها عن ابيه، ولم يدفع ثمناً من ارواح «الهنود الحمر» واعتبرها حقاً له بفرمان القوة.
خَلَفه، الرئيس بوش «الابن» جاء إلى قمتي شرم الشيخ والعقبة، متصوراً أن القوة تحلّ كل شيء، وأن «التضاريس» السياسية والجغرافية في الشرق الاوسط تزول بمجرد الإرادة لدى الإدارة الأميركية وسيدها في البيت الابيض، مستلهما عبارة تكساسية يستخدمها «رعاة البقر» مؤداها أن الراعي الراكب على الحصان يدفع القطيع إلى الأمام، بالسوط[10].
نهجه الاستعلائي هذا، المستخف بعقول «العربان» الذين يسوسهم بالسوط، دفعه إلى رفض إبداء رأيه في الغارة الإسرائيلية على مفاعل «تموز» العراقي عام 1981 قائلاً: «لا أتذكر ما كنت أفعله في ذلك العام 1981، كنت أعيش في تكساس، ولا أتذكر موقفي حينها.... كنت أحاول تأمين العيش للعائلة»[11].
طبعاً، هو قبل رئاسته، مسكين، يستحق الرثاء: ربما كان في مرحلة ابتلائه بإدمان الخمرة، قبل أن يرعوي، وكونه فقيراً، وابن رئيس سابق للولايات المتحدة، وحفيد جدٍ مالكٍ لشركة بترول، كان «مشغولاً» ومضطراً للكدح وجمع كفاف يومه لعياله، بعرق جبينه!! فلم يكن لديه وقت لمعرفة ما حلّ بالعراق ومفاعله النووي: فهو عربي، وكفى!.
على كلٍ، إذا كانت دوائر الفكر، في مختلف أنحاء العالم، تؤمن بالفكرة التي عبر عنها الروائي الأميركي وليم فولكز، بقوله: «الحاضر بدأ قبل عشرة آلاف سنة والماضي يبدأ الآن». فإن الولايات المتحدة تؤمن بقول الرئيس ابراهام لينكولن: «دوغما الماضي الهادئ غير ملائمة للحاضر العاصف: يجب أن نفكر بشكل جديد، ونعمل بطريقة جديدة». فالتاريخ، بكل مكتنزاته، لا يعنيه... حتى أن الجغرافيا ليست بمسألة، بالنسبة لأميركا إلى حدٍ دفع الكاتب الساخر بيرس ليعبّر: «إن الحروب هي طريقة الله لتعليم الأميركان، الجغرافية»[12]. هذه عيّنات تندرج ضمن سياق سياسي أميركي وفق:
Page 5
محطات أربع وليست حصرية
تبدأ من مبادئ ولسن الأربعة عشر، في مؤتمر الصلح وصولاً إلى الاندحار الأميركي عن العراق، بقوة مقاومته الباسلة، حسب ما يأتي:أ- أعلن الرئيس الأميركي وودرو ويلسون أن: «الاشتراك في الحرب الاوروبية -[العالمية الأولى] جريمة على الحضارة». على أساس إعلانه هذا، أطلق شعار تجديد انتخابه للمرة الثانية: «انتخِبوه لأنه حفظنا من الحرب».[13] لكنه ممتطياً صهوة المصالح، دخل الحرب العالمية الأولى بحجة «الدفاع عن حق أميركا، وحقوق الإنسانية»[14].
وفي مؤتمر فرساي الذي اجتمع فيه مندوبو الدول المنتصرة، دون السماح للدول المهزومة بحضوره، طرح الرئيس ولسون مبادئه الأربعة عشر، منها في البندين الخامس والثاني عشر، على التوالي: «حل عادل لقضايا الاستعمار مع مراعاة حقوق سكان المستعمرات» و«تقرير المصير لشعوب الامبراطورية العثمانية».
غير أن العرب، لم ينالوا من مبادئ ويلسون ما حلموا به وعملوا لأجله، وذهبت مبادئه، تجاههم أدراج الرياح بلا أسف أو اعتذار، وتلقوا الطعنتين الغادرتين، كما تقدم، ولم ينبس الرئيس الأميركي «المبدئي» ببنت شفه، بل على العكس، وافق بطيب خاطر، على مخططات سايكس - بيكو والالتزام بوعد بولفور، دون قيد أو شرط.
ب- رعت الإدارات الأميركية المتعاقبة، بعد ويلسون، عملية زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، برموش عيونها: فالرئيس هاري ترومان، كان أول من اعترف بالكيان اللقيط، فاتحاً بذلك أمام المترددين من دول العالم، باب العمل لإنجاح قرار الأمم المتحدة حول الاعتراف بدولة «إسرائيل»، بل ومارس الضغوط، وهدّد ورشا من مانع في البداية...
ثم استكمل من خلفوه في الرئاسة، وما زالوا، على المنوال نفسه، متحملين تبعات ما يصدر عن الكيان الصهيوني، ضد الشعب الفلسطيني في الداخل، وضده، وضد الاقطار العربية، في المحيط وما بعده، دون أن يرف لأميركا جفن الذنب أو الاعتراف به، أو الاعتذار عنه. بل ما زال الرؤساء، والمرشحون للرئاسة الأميركية، يتفاخرون، كلٌّ من موقعه بمدى خدمته للكيان الغاصب، في استكمال جرائمه ضد الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة: قتلاً وجرحاً وأسراً وتجريفاً وتدميراً وتهجيراً واستيلاءً على الأرزاق، والأراضي لاستبدالها بما يسميه: المستوطنات، حتى وصلت الأمور - إلى الآن على الأقل - لاستلاب «القدس الشرقية» والعمل جارٍ، بدأبٍ، على تقويض أسس المسجد الأقصى، مقدمة لهدمه و «إعادة بناء هيكل سليمان» المزعوم مكانه.
والرئيس باراك أوباما لا يتورع عن المجاهرة بالحفاظ «أولاً وأخيراً» على «إسرائيل» وأمنها، لعله يفوز برضى اللوبي الصهيو-أميركي، فيفوز برئاسة ثانية... وقد فاز.
ج- رعت الولايات المتحدة صنع المفاصل المتعاقبة في إشعال فتيل حروب الخليج «الايرابي» [15]، بدءاً من العمل على إنهاك دولة الثورة الإسلامية في إيران، والنظام البعثي في العراق، إبان حرب الخليج الأولى، توصلاً إلى حصار الشعب العراقي بحجة حصار النظام الحاكم، بعد قصف أميركي وعالمي حليف له، بما يعادل ثلاثمئة طن / متري من اليورانيوم المنضّب حيث استشهد وشوّه ما يقارب الأربعمئة ألفٍ من الأطفال، فقط، طيلة أحد عشر عاماً ذاق فيها العراقيون شتى صنوف القتل والتشويه والجوع والتهجير على أيادي بوش (الأب) وبيل كلينتون، بدعم من أنظمة «العربان».
وفي تمهيد لغزو العراق واحتلاله، بعد حصاره، جال وزير الخارجية الأميركية كولن باول، معلناً، بخبر كاذب، تيقّنه من وجود «أسلحة الدمار الشامل» في العراق، ما يهدد الإنسانية، والشرق الأوسط على وجه الخصوص، الذي - حسب قوله - بلسان أميركا «أمضينا نصف قرن ونيّفاً، نبذل دمنا وثروتنا، لمساعدة شعوب الشرق الأوسط وحكوماته» وفق كذباته المشهودة، التي علق عليها المناضل الراحل: جوزف سماحة، مبدياً خشيته - آنذاك - «أن يكون القصد منها تهديدنا بحربٍ جديدة مكلفة بشرياً ومادياً» [16].
وهو ما حصل بالفعل، حيث غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها، العراق، حسب خطة «الصخرة والثعبان» [17] التي أمطر فيها الشعب العراقي بسبعة عشر ألف قذيفة ذكية وثمانمئة صاروخ كروز - توما هوك - وما منع استعمال القنابل النووية التكتيكية، هو الهدف السياسي من احتلال العراق، أي النفط والخيرات الأخرى، ليس إلّا[18] مع ما تبع ذلك من ويلاتٍ ومآسٍ، وملايين المهجرين، وانقسامات طائفية ومذهبية، وإثنية وعرقية، وما حملته فضائح «سجن أبو غريب» من دلائل على مستوى التدني الحضاري والإنساني اللذين تدعيهما الولايات المتحدة باعتبار ما تعلنه أنها «منارة على جبل» حيث بينت مدى الظلمة القابعة في أعماق قلوب وعقول شياطين السلاح العدواني، الباحثين عن سلب لقمة العيش من فم جياع العالم...
واندحرت القوة الأميركية الغازية أواخر عام 2011، بفعل المقاومة العراقية الباسلة، وبدل الإعتذار الأميركي، كانت الإشادة هي مكافأة ذلك الغزو العدواني، بهذا «الفتح العظيم» للعراق الذي «حرر» الشعب العراقي. حتى أن جي غارنر، رئيس شركة الانتاج للصواريخ التدميرية والذي أعلن أن غزو العراق هو حرب رائعة وإنسانية رحيمة، أُرسل ليرأس فريق إعمار العراق - طبعاً - من باب سخرية الزمن والاستخفاف بعقول الآخرين.
د- منذ بدء الاعتداءات الصهيونية على لبنان، بدءاً من مجزرة حولا، مروراً بكل الاجتياحات العدوانية للأرض اللبنانية، وما رافقها من قتل وتدمير، حتى إسقاط العاصمة بيروت، وارتكاب المجازر، وأفظعها مجازر صبرا وشاتيلا، واتفاق السابع عشر من أيار/ مايو، (الخياني) كانت الاصابع، تؤشر على الدوام، إلى دور الولايات المتحدة في كل ذلك...
ومنذ اليوم الأول للعدوان الصهيوني الواسع على لبنان، منتصف تموز عام 2006، أظهرت الولايات المتحدة - ومعها حلفاؤها وأتباعها في أرجاء المعمورة - أنها الداعم، والمهيّء، والمقرر قولاً وفعلاً، في اتخاذ قرار البدء بالعدوان، متكفلةً - على عادتها بدعم الصهاينة في اعتداءاتهم على البلدان العربية - بكل ما يلزم لإنجاح المعتدين وضمان النصر لهم، لبلوغ ما أعلنت عنه وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس حول «بناء شرق أوسط جديد» قوامه، دولة صهيونية ذرية، متفوقة على أنظمة العرب جميعاً، وحولها شعوب تتذابح: طوائف ومذاهب، أعراق وإثنيات، قبائل وعشائر، أكثرية وأقليات... وفتحت مخازن ومستودعات أسلحتها، معلنة فتح بوابة جهنم الصهيو - أميركية على مصراعيها، يصبّ «العربان» عليها «زيتهم» خفيفاً وثقيلاً، ضد من أسموهم «مغامرين»!
ومع العديد من المجازر، ومئات الشهداء، وآلاف الجرحى، وتدمير البنى التحتية، استطاعت المقاومة الإسلامية المظفرة، ومعها قلوب الأمتين: العربية والإسلامية، وأحرار العالم، أن تدوس، بأقدامٍ طهّرتها «قبلات» قائدها المؤمن الواثق، رقاباً صلّبتها عقود ستة من الغطرسة والغرور والاستبداد، فارتد «الجيش الذي لا يُقهر» مقهوراً مدحوراً، ومعه كل الحلف الإمبريالي الذي تحطمت أحلامه على هضاب عاملة الشماء، ومساحات البقاع الأغرّ...
وبدل الإعتذار من الأيامى والثكالى، وآباء الشهداء، والجرحى، والمهجرين، والمروَّعين، عملوا - بوقاحة - مصرّين على تخفيف خسائر المعتدين، مهما أمكنهم ذلك.
وما عرفه العالم كله، كمجازر موصوفة، بدءاً من دير ياسين، وكفر قاسم، وبحر البقر، وقبيه، ومخيم جنين، وحولا وحانين، والمنصوري، وصبرا وشاتيلا، وقانا الأولى والثانية ويارين، وقطاع غزة وغيرها، يستدعي - بمنطق العدالة الأممية - أكثر من نورمبرغ، وعشرات المحاكم الدولية...
مع ذلك يتماهى الموقف الأميركي مع الإسرائيلي حدّ التطابق، حتى أن الإدارات الأميركية، تستمر مطمئنةً لمواقفها، ما دام «تدجين الرأي العام الأميركي» متواصل في مصانع هوليوود، صاحبة الباع الطويل في التناغم مع أطماع البيت الابيض و «كاسحة ألغامه» وفق جردة حساب عنوانها:
Page 6
العرب الأشرار في مصانع هوليوود
في مطالعة سعود المولى، لكتاب جاك شاهين الأميركي اللبناني الأصل، بعنوان: «عرب الشاشة الأشرار: كيف تُشيطن هوليوود شعباً بأكمله؟». يرى أن جاك شاهين قدّم في كتابه مسحاً نقدياً موثقاً ومحللاً لأكثر من 900 فيلم هوليوودي يظهر فيه العرب في صورة مخالفة لما هو عليه أي طفل أو رجل أو إمرأة أو شيخ منهم... وذلك حتى قبل 11 أيلول/ سبتمبر، أي قبل حجة الحرب ضد «الإرهابيين» العرب.... فالعنصرية الوحيدة المسموح بها - حسب شاهين- في السينما والتلفزة الأميركية اليوم، هي العنصرية المعادية للعرب والمسلمين.فالعربي، في كل أفلام هوليوود، هو القاتل المتوحش والمغتصب والمتعصّب وثريّ النفط اللعوب والمستهتر والأهبل والمسيء إلى النساء... وهذه الصورة النمطية السيئة والمشوّهة تتكرر وتتردد على الشاشات منذ عقود وعقود (وكلهم سواسية كأسنان المشط في الشكل والإرهاب).
نمطية العربي «المؤَبلَس والمشيطَن» تظهره: لحية سوداء، كوفية وعقال، نظارات سوداء... وفي خلفية الصورة سيارة ليموزين وحريم وخدم وآبار نفط وجمال وصحراء... أو شاب يحمل رشاش كلاشنكوف والحقد الأعمى يتطاير من عينيه وكلمة «الله» على شفتيه...
ومهما يكن، وعلى أهمية ما ورد في كتاب شاهين بصفحاته الـ575 من الحجم الكبير، فلا يمكن اختصاره بعجالة، إنما يكفي إيراد الملاحظات التي وردت في مطالعة المولى وهي تغطي - باختصارها الشديد - مدة ما يزيد على قرنٍ من الزمن الذي غطاه الكتاب، بست نقاط مختصرة أيضاً:
العرب هم الاشرار الأبالسة، يهاجمون أياً كان وهم مهابيل، سخفاء، تضحك منهم، وتسميهم قردة وكلاباً... وهم جشعون، طمّاعون، شهوانيون لا يتعبون من الجنس والجواري والحريم ونظرتهم إلى المرأة نظرة استعباد واستمتاع... وهم يكرهون أميركا والأميركيين بالفطرة (لأنهم يكرهون نمط الحياة والحرية والديموقراطية على حد قول بوش في أحد خطاباته...).
العربي: هو الشيخ القبيح المنظر، الكريه الأخلاق والسلوك، العجوز المتصابي الذي يلاحق النسوان لاغتصابهن، وهو مثال البخل مع الجشع أيضاً... ويستعرض الكتاب عشرات الأفلام الصامتة التي أُخرجت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وهي كلها تحمل هذه الصورة النمطية عن الشيخ (160 فيلماً) ثم يقارن بينها وبين الصورة التي نقلتها أفلام القرن العشرين وحتى الواحد والعشرين أيضاً... فإذا هي نفس الصورة، لم يتغير فيها سوى الألوان والنطق...
الجواري: لا تظهر المرأة العربية إلا في صورة الجارية والخادمة والحريم والعبيد، أو راقصات البطن والخلع، أو البدينات المتسربلات بالحجاب والنقاب، المتعثرات في مشيهنّ، المرتبكات في كلامهن... وفي أفلامٍ حديثة هنّ إرهابيات لا شفقة ولا رحمة في قلوبهن... وفي مطلق الأحوال، هن تابعات ذليلات للرجل...
المصريون: وهوليوود تمسخهم في شكل كاريكاتوري حيث يظهرون في أكثر من 100 فيلم. وفي العقود الأخيرة كانوا الشخصية المفضلة للمسخ والتشويه في أفلام المغامرات من نسخ أنديانا جونز وأفلام المومياء وأفلام كليو باترا... ويقول شاهين أن هوليوود لم تسمع بنجيب محفوظ أو روز اليوسف أو العشرات والمئات من الكتاب والمثقفين والفنانين... أو حتى بالشعب المصري البسيط في أرضه أو متجره أو مدرسته أو جامعته!!
الفلسطينيون: وقد شاهد شاهين تحت هذا العنوان حوالي 45 فيلماً أكثرها خطير ومضلّل... أكثر من نصف هذا العدد خرج في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين... وتغيب عن افلام هوليوود «الفلسطينية» صورة الفلسطيني العادي، أو الضحية المظلوم؛ فالفلسطينيون كلهم (نعم بدون استثناء) أشرار مجانين، بينما كل الإسرائيليين هم طيبون وعقلاء. نصف الافلام عن الفلسطينيين (28 فيلماً) صورت في «إسرائيل». الفلسطيني هو المثال المعبِّر عن الإرهاب والوحشية والجنون القاتل واللاعقلانية.
العداء والتشويه المجاني: في أكثر من 250 فيلماً لا علاقة لها، لا من قريب ولا من بعيد بالإسلام أو العرب أو الشرق الأوسط، يظهر العربي هكذا، ومن دون أي داعٍ أو مقدمات، في صورة الشيخ القذر المنحطّ أو المصري الجشع، أو الفلسطيني الإرهابي... في مئات السيناريوهات التي لا علاقة لها بالعرب أو الشرق الأوسط، يقفز أمامك عربيٌّ ما، يقتل أو يغتصب، هكذا دون مبرر أو سياق. وهو يذكر هنا مخرجين عمالقة وقعوا في هذا الأمر أبرزهم فرنسيس فورد كابولا وريدلي سكوت ولم يعثر جاك شاهين[19]، في نبشه لأفلام هوليوود، سوى على 50 فيلماً فقط، خارج التسعمئة، تعرض صورة العربي كما هو، أي من دون خيال وأسطرةٍ وأبلسةٍ وتدليس... ليقول بعدها: إن البحث عن صورة طبيعية واقعية للعربي في أفلام هوليوود كان أشبه بالبحث عن الواحة والماء في صحراء قاحلة.[20]
مع ما ورد ذكره، يحمّل شاهين، أيضاً مفكري ومثقفي وسياسيي العرب بتقصيرهم، جزءاً من المسؤولية وعدم مجابهتهم لتلك الصورة النمطية السائدة...
هنا، يصبح مفهوماً عدم الاعتذار للعرب، أو الاهتمام بما يصيبهم أو يصيب الشعوب «الما تحت» الاعتبار الأميركي: مسلمةً وغير مسلمة ما دامت في دائرة الاستهداف: قتلاً ونهباً واستغلالاً...
وإذا كان الإعتذار يتمثل باعتراف المذنب بذنبه وخطئه لفتح إمكانية حوار جديد وجدي، ويستبطن ثقافة تنطوي على احترام الآخر والاعتراف به وتقدير إنسانيته، يظهر مدى بعُدنا- حتى الآن- عن الاستحواذ على احترام الرأي العام الغربي عموماً والأميركي على وجه التخصيص، ما دام النحت في ذهنيته وصناعته بهذه الأدوات مستمراً على المنوال نفسه... ولا عجب أن تصبح الفظائع والمجازر الأميركو صهيونية، ببقية الشعوب ونحن منها، أمراً عابراً وليس بذي بال، بل وقد يكون مرغوباً فيه لإشباع شهوة القتل المصاحبة للاستحواذ على أملاك الغير وأراضيه، ونهب خيرات أرضه وثرواتها...
Page 7
الفصل الثاني
وتبقى علامة الاستفهام الكبرى الباحثة عن جوابها الشافيما هي المستحاثّات الكامنة في جيولوجية التكوين الأميركي ومدى تأثيرها في العلاقات مع الآخر في مختلف أقطار المعمورة؟ وهل الإدارات الأميركية ورؤساؤها، يعملون بمزاجهم متفلتين ممن يرفعونهم إلى مراكزهم، أم منسجمين معهم، ومعبرين عنهم فعلاً؟ وعلاقة ذلك كلّه بهاجس الإرهاب كسيف مسلط على الآخر تحت ذريعة الرهاب منه، والخوف على المصير؟
ما يعني منطقياً، البحث في دور تكوين المجتمع الأميركي ومراحل تطوره، ودور الرؤساء في التعبير بالوقائع، عما تريده الولايات المتحدة الأميركية، والمسلك المنهجي الذي يسيرون على هديه، مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية وخلفياتهم الفكرية والحزبية.
لفتة
قبل البحث في ماهية تكوين المجتمع الأميركي، يجدر التأكيد أن استقصاء الوجود الأوروبي في أرض «الهنود الحمر» لا يعني الوقوع في «الاستغراب» أو «الاستشراق معكوساً» تجاه المجتمع الأميركي، بقدر ما يندرج في إظهار حقيقةٍ، طالما غابت عن أذهان الشعوب التي اكتوت بآثارها - ونحن منها وما زلنا- أو غيّبت قسراً من قبل الادارات الأميركية، أو قصداً، من قبل المبهورين ببلاد العم سام، أو قصوراً في إدراك مخاطر هذا «التجهيل» على من سُحقت عظام أجدادهم وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم بفعل الهمجية المنبعثة من «القدر الأميركي» المحتوم.
فالولايات المتحدة، تتلاعب بخيوط التاريخ والجغرافيا لسائر الأمم مثلما يتم التلاعب بخيوط الدمى المتحركة، مُقصية ً أدنى تساؤل عن حقها بالوجود، قبل أن تجيز لنفسها البحث بأحقية الأمم الأخرى: وجوداً ومصيراً.
مايلفت النظر أن الشعب الأميركي من أكثر الشعوب تظاهراً ضد الحروب، كون بلده أكثر بلدان العالم انخراطاً في الحروب الخارجية على الاطلاق.
والشعب الأميركي الذي لا يتحرك إلا متأثراً بانعكاساتها عليه، يحتفظ بسجلات إحصائية كاملة عن قتلى وجرحى ومفقودي حروب ادارته وحتى من فقدوا عقولهم، في ميادين القتال على بعد آلاف الأميال من موطنهم.... إلا أن الأميركيين - ولسبب غير مفهوم حتى الآن - «لا يحتفظون بأية سجلات عن عدد المرات التي يتظاهرون فيها ضد الحرب، وكم هي أعداد المشاركين فيها ولا عدد أيام التظاهر ضد أيٍ من حروبهم، ولا حتى قيمة الخسائر المادية التي نجمت عن توقف العاملين عن أعمالهم ليحتجّوا على الحرب»[21].
ظاهرة يمكن اختصارها بالقول: لا يتظاهرون إلا لأنفسهم، وإذا ما تجاوزوا ذلك، فلما يعود لمصلحة الكيان الصهيوني ليس إلا...
إذن لا بد من العودة إلى بنية التكوين المجتمعي للولايات المتحدة: وجوداً وفكراً وسياسة، علّ في ذلك إمكانية استيضاح الأولوية باتهام الإرهاب: الولايات المتحدة ومن يلف لفّها ويدور في فلكها أم المصابون بتهمة الإرهاب من قبل بلاد «العم سام» ومن يحالفها...
Page 8
الولايات المتحدة ولادة قيصرية
بعدما عمّت العولمة أرجاء المعمورة، وتماهت فحواها مع الأمركة على رأي أغلب الباحثين المتمسكين حتى الآن بنوازع إنسانية، صار على كل مواطن في الأرض أن يهتم بمعرفة التكوين المجتمعي للولايات المتحدة، وأثره في تنشيط الدوافع لدى اداراتها السياسية المتعاقبة ومراميها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً كي يمتلك - إذا رغب- معرفة أساليب مواجهتها والخلاص من براثن تسلطها.ما يفترض الحذر منه والتنبه له هو البُعد عن كل الترّهات الأسطورية حول خلفيات الهجرات الأوروبية المتعاقبة إلى العالم الجديد (قارة أميركا) ومراحل انغراسها -القسري- في الأرض الجديدة ووسائل تحققها...
مناحي البحث ثمانية: حقيقة التكوين العارية، العباءة الأسطورية، التهجير والتجويع والمجازر، السلاح، الأوبئة المفتعلة، الشراء، المحصلة العامة، والآثار المترتبة على السياق بأكمله.
1 - حقيقة التكوين العارية
بعيداً عن ثرثرات الغايات الرسالية لوصول المهاجرين الأوروبيين إلى الأرض الأميركية يمكن استنطاق التاريخ بنقطتين:
الأولى: تنظر في أسباب الاندفاع غربي القارة الاوروبية نحو المجهول وهو يتلخص:
بتطور الحياة الاقتصادية ونمو العلاقات التبادلية بين الدول الأوروبية. مما زاد الطلب على المعادن الثمينة ولاسيما الذهب والفضة، الوسيلتان المقبولتان المتعارف عليهما آنذاك في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.
تطور صناعة السفن القادرة على مقاومة العواصف والأنواء وتحمّل أخطار السفر الطويل في البحار بتقنيات أكثر حداثة من ذي قبل.
انتشار أفكار جديدة حول كروية الأرض أصبحت أقرب لمفاهيم الناس وقناعاتهم ولاسيما بعد ظهور كتاب Mundi لمؤلفه الفرنسي Dailly في بلجيكا عام 1485، مقترناً بكلام عن إمكانية الوصول إلى آسيا بالانطلاق نحو الغرب.
سيطرة العثمانيين على الشرق الأوسط وتحكمهم بطرق المواصلات المؤدية إلى الهند، ووضع تجارة الأفاويه والعطور ومنتجات الشرق في دائرة رغبتهم، وحاجة الأوروبيين لتلك المنتجات بعدما اعتادوا على استهلاكها.
بعدما اشتدت الصراعات المذهبية في أوروبا ودخلت المجازر عنصراً هاماً مرغوباً في سيطرة طرف على آخر، ولاسيما بعد أن أصبح البروتستانت وجوداً لهم اعتبارهم، نشأت رغبة انكفائية لشرائح اجتماعية، كانت دافعاً للهروب إلى أمكنة أخرى آمنة.
الثانية: بداية متعثرة ثم غزو واستيطان
ماهو معروف أن كريستوف كولومبس هو أول مُبحرٍ، عبر الأطلسي باتجاه الغرب، لمصلحة أسبانيا مع بعثة استكشافية - تجارية. وصلت البعثة الأسبانية إلى إحدى جزر الباهاما وحرص كولومبس على رفع العلم الأسباني وإعلان الأستيلاء على الأرض الجديدة. لكن، خاب أمله بعد ما اكتشف فقر الأهالي فيها، فنزل في جزيرة أخرى - هاييتي- التي رأى سكانها أحسن حالاً، فاطمأنت نفسه حيث شاهد بعض الأقراط الذهبية في آذانهم، فأقام مستعمرة اسبانيولا فيها.
عاد إلى أسبانيا، ليبحر من جديد بعد عام 1493 بسبع عشرة سفينة و1500 رجل. ولما توجه إلى هاييتي اكتشف أن السكان الأصليين قد قضوا على الأسبان الذين أبقاهم في المرة السابقة. فأقام مستعمرة جديدة، لم يكن حظها بأحسن من سابقتها.
في رحلتيه التاليتين بين عامي 1500 و1504 وصل خلالهما إلى جزر ترينيداد وإلى هندوراس حيث أنه لم يخرج عن أميركا الوسطى وظل يعتقد حتى وفاته أنه وصل إلى شواطئ آسيا.
ملاحظتان لا بد منهما:
الصراعات بين المستكشفين الأسبان حول الغنائم والامتيازات أنهت حياة كولومبس مكبلاً بالحديد، فقيراً، معزولاً مبعداً عن البلاط الأسباني[22].
البلاد التي وصلوا إليها كانت مأهولة ودافع أهلها عن وجودهم وقتلوا المستعمرين الجدد. فلم تكن أرض خواء.
Page 9
طفولة طفيلية على شعبٍ آخر أصيل
مصير كولومبس لم يقطع أعمال الفتح والاستعمار، ومتابعة ما بدأه الغازي الأول، فكثرت رحلات المستكشفين وازداد عدد الباحثين عن المجد والثروة عبر البحار، فاندفع الأوروبيون من أسبانيا والبرتغال وايطاليا وفرنسا وألمانيا وهولندا والسويد، وما تذكره مذكرات الرحالة في بعثاتهم وغزواتهم، مقاومة السكان الأصليين ودفاعهم عن وجودهم في أرضهم، التي لم تكن أرضاً بلا شعب.على أن مجال البحث هنا ينصبّ على اندفاعات الإنكليز، لما لها من أثر في تكوين التاريخ الأميركي في الأرض التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة الأميركية.
بين عامي 1603 و1619، بعدما ورث عرش انكلترا الملك جيمس الأول بعد وفاة والدته الملكة أليزابيت أبحرت عدة بعثات إنكليزية باتجاه ما أصبح يعرف بـ«أميركا» أو «العالم الجديد» وبنيت أول مستعمرة انكليزية اسمها: جيمستون (1607) تيمناً باسم الملك.
عرف المهاجرون الانكليز في هذه المستعمرة ظروفاً قاسية جداً في سنواتهم الأولى بعدما قضى الهنود (السكان الاصليون) والملاريا على عدد كبير منهم. وقد لعب أحد زعمائهم (جون سميث) دوراً في تثبيت من بقي منهم ريثما تتغير الظروف.
تغيرت الظروف فعلاً نتيجة ثلاثة أحداث قررت مستقبل المستعمرة، عام 1619:
وصلت إلى المستعمرة سفينة من انكلترا تحمل تسعين فتاة برسم الزواج، مما سمح للسكان بالتزايد دون الاعتماد على المهاجرين من الوطن الأم.
في آن من نفس السنة، حل في المستعمرة مركب هولندي يحمل عبيداً للبيع، وقد لاقى هؤلاء رواجاً كبيراً مما أدى إلى انتشار الرقيق في المستعمرة وهذا أدى بدوره إلى توسع كبير في الزراعة وخاصة زراعة التبغ.
في 30 تموز /يوليو 1619 عقد مندوبو السكان وعددهم اثنان وعشرون ومعهم حاكم المستعمرة ومستشاروه الستة اجتماعاً في كنيسة المستعمرة. فظهرت أول جمعية تمثيلية في أميركا، وبقيت حتى استقلال أميركا عن بريطانيا، أحد أهم المراكز التي تمارس الديموقراطية (بين السكان الجدد طبعاً) في العالم الجديد[23].
النقلة المهمة في عملية الاستيطان الانكليزي في الأرض الجديدة كانت عام 1620 بتأسيس مستعمرة (بلايموث) بقدوم المهاجرين الأول اليها بأعداد ممن كانوا قد هاجروا من انكلترا إلى هولندا، بحكم الصراعات المذهبية فوجدوا أنفسهم غرباء هناك، ورغبوا - بحكم واقعهم - بالهجرة إلى العالم الجديد، حيث تولى جماعة من التجار الإنكليز تحويل عملية هجرتهم مقابل حصة من الصادرات التي سيرسلونها إلى انكلترا في المستقبل.... هدف مزدوج للهجرة، إذن: هروب من الإضطهاد المذهبي ورغبة تجارية. وانضم إليهم - قبل سفرهم - أناسٌ جُمعوا من شوارع لندن ورغبوا في الهجرة بحثاً عن حياة أفضل.
وفي16 أيلول/ سبتمبر 1620 غادر هذا الخليط من الناس ذوي الأهواء والغايات المختلفة، مرفأ بلايموث في انكلترا على متن السفينة ماي فلور (May Flower ) وكانت وجهتهم فرجينيا.
إلا أن العواصف والأنواء حملتهم إلى الشمال، ونزلوا عند رأس كود في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر. ولما كانت التعليمات التي حملوها معهم، تقضي بنزولهم في الجنوب، فقد وضع هؤلاء لأنفسهم - وقبل نزولهم إلى اليابسة - وثيقة الحكم الذاتي المعروفة باسم (اتفاق ماي فلور)، وغامروا بتأسيس مدينة صغيرة أسموها «بلايموث» في ولاية ماسا شوستس الحالية.
كان أول شتاء قضوه هناك، قاسياً، فقد مات أكثر من نصفهم وظل تطور المستعمرة بطيئاً. حتى سنة 1630 لم يكن عدد سكانها قد زاد عن 300 شخص.
مع تطور العنف الدامي في أوروبا، بحكم الصراعات بين البروتستانت والكاثوليك، زادت أعداد المهاجرين إلى العالم الجديد من فرنسيين وألمان وانكليز. ومع أن الانكليز لم يرحبوا بغيرهم من بقية بلدان أوروبا، إلا أن الهجرة من كل الجنسيات استمرت[24].
Page 10
دوافع أرضية وادّعاء باسم السماء: بداية الأسطورة
لم يدّعِ أي من المهاجرين، من البلدان الأوروبية، هدفاً رسالياً في رحيله إلى العالم الجديد.... إلا أن من وصلوا على متن السفينة (ماي فلاور) أرخوا على اتفاقهم، وهم على ظهر السفينة، ثم بداية استيطانهم لمستعمرات الشمال الأميركي غطاءً دينياً مطلقين على أنفسهم لقب «الحجاج».تعتبر قصة هؤلاء «الحجاج» الإنكليز، الذين أسسوا أول مستعمرة في ما صار يعرف اليوم في الولايات المتحدة بإنكلترا الجديدة (نيو إنغلند) الأصل الأسطوري، لكل التاريخ الأميركي ومركزيته الأنكلوسكسونية، التي عُممت على كل الانتشار الانكلوسكسوني فيما بعد، على كل ما يعرف اليوم ببلاد العم سام.
أميركا، ليست إلا الفهم الانكليزي التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية. وكل تفصيل من تفاصيل الاستعمار الإنكليزي لشمال أميركا، حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك «الإسرائيل»، ويتقمص وقائعها وأبطالها وأبعادها الدينية والاجتماعية والسياسية، ويتبنى عقائدها في «الاختيار الإلهي» وعبادة الذات وحق تملك أرض وحياة الغير.
لقد ظنوا أنفسهم، بل سموا أنفسهم إسم «أرض كنعان» و «إسرائيل الجديدة» واستعاروا كل المبرِّرات الأخلاقية لإبادة الهنود الحمر (الكنعانيين)، واجتياح بلادهم، من مخيلات العبرانيين التاريخية[25].
كل أدب المستعمرين الأوائل يؤكد على هذه القدرية التاريخية التي نالت ذروة إبداعها في سيرة وموعظة جون ونثروب أول حاكم لمستعمرة مسا شوستس.
أما السيرة، فوضع لها مؤلفها كـــــوتون مـــــــاذر عنوان «نحميا الأميركي Americanes Nehemias» تأسيّاً بنحميا الأسطوري الذي قاد الإسرائيليين في «عودتهم» من سبي بابل إلى يهودا، وأشرف على انتشال أورشليم من أنقاضها، وأعاد بناءها مدينة على جبل City Upon a Hill.
وكانت الأجيال اللاحقة قد صنفت هذا الحاكم مع يعقوب وموسى وداود، غير أن اختيار نحميا (بطل إحياء إسرائيل) هو الذي طغى في النهاية.
الواقع أن كل سيرة نحميا الأميركي هي مثال على إصرار المستعمرين الإنكليز -إنسان عين الله كما يصفهم ماذر - على التماهي بين تجربتهم في العالم الجديد وما يرويه العهد القديم عن تجربة العبرانيين في العالم القديم. أو بتعبير صموئيل فيشر في «شهادة الحقيقة»: «لتكن إسرائيل... المرآة التي نرى وجوهنا فيها».
أما الموعظة فهي التي ألقاها ونثروب في الحجاج على متن السفينة الأسطورية أربيلا، وأكد فيها على العهد الجديد بين الإسرائيليين الجدد وبين (يهوه)، وعلى الرسالة التي يحملونها، إلى مجاهل أرض كنعان الجديدة:
«إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منّا من منازلة ألفٍ من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأبّهته، وعندما يتوجب علينا أن نجعل من [نيو إنغلاند] مدينة على جبل City Upon a Hill » [وهذا التعبير رمز «لأورشليم» (ولصهيون أيضاً)[26]].
يقول ديمونت (Max. I. Dimont) في «اليهود الذين أعجزوا الموت»:
«إن هؤلاء الإنكليز الذين جاءوا لاستعمار أميركا كانوا يعتبرون أنفسهم» عبريين (Hebraists) «وكانوا أكثر يهودية من أيوب؛ ذلك الأممي المقدس الذي استطاع أن يندسّ بين انبياء اليهود. ولقد أرادوا أن يبنوا وطنهم على أساس العهد القديم، ولهذا اتخذوه على المستوى السياسي والاجتماعي أساساً إيديولوجياً لقوانينهم وعاداتهم.
كانت تصورات «الشعب المختار» تأخذ بألبابهم، مثلما أخذ بألبابهم يهوه إله العهد القديم، الذي أرادوا تنفيذ وصيته بالسيطرة على العالم، واعتبروا ذلك، إرادة الله».
لذلك، وانسجاماً مع هذا المنطلق، جعلوا اللغة العبرية ومعها اللاتينية - لا الإنكليزية- هي لغة التعليم الأساسية في جامعة هارفرد عند تأسيسها عام 1636. وشريعة موسى هي القانون الذي أراد جون كوتون (John Cotton) تبنّيه إلى جانب العبرية التي أرادها لغة رسمية لأبناء مستعمرات الدم الأزرق الثلاث عشرة على ساحل الأطلنطي.
وعند زحف «أبناء الرب» من جزيرة روانوك (Roanoke) في اتجاه الغرب، لم تكن حروب الإبادة والتطهير العرقي وحرق المحاصيل ومصادرة الأراضي وإطعام أطفال (الهنود الحمر) للكلاب، إلّا مظاهر «إرادة الله- يهوه» في العهد القديم[27].
بدأ التوسع نحو الغرب بشراء الرئيس جفرسون أراضي لويزيانا من نابليون عام 1803، مما جعل الملاحة في المسيسبي آمنة، وفتُحت شهية التوسع للوصول إلى الغرب الأميركي الأقصى.
كانت عملية الزحف تلك، نحو «المجاهل» الجديدة وما ظهر من غناها بالثروات، عامل تعزيز لقناعة «العناية الإلهية» المساعدة لتوسع «شعب الله» الزاحف.
لم يكن التبشير أداة التقدم نحو «المجاهل» المعروفة من (سكانها الاصليين). بل كانت البندقية والبلطة والمذابح، واقتضام الغرب ميلاً بعد ميل.
وقد عبّر ريتشارد نيبر عن ذلك في كتابه «مملكة الله في أميركا» بقوله:
«إن الفكرة القديمة عن شعب الله الأميركي قد أعطت دورها لفكرة الأمة الأميركية المختارة والمفضلة عند الله. ولطالما تناول أدب القرن التاسع عشر توسع أرض كنعان إلى ما وراء الميسيسيبي باعتباره خطوة لا بد منها لتصحيح مسار رحلة كريستوف كولومبس إلى الهند الحقيقية المنتظرة منذ زمن طويل، وباعتباره أول قطف لثمار بستان العالم.
لقد صار على غرب المسيسيبي أن يستّعد لإستقبال «الأضرار الهامشية» للحضارة وعاداتها: عادات الأنكلو سكسون وثقافتهم أوما صار يُصطلح عليه، بعد ذلك باسم «طريقة الحياة الأميركية» [28].