eKtab
EN ع
الأساطير المؤسسة للنظام اللبناني
Read free sample

الأساطير المؤسسة للنظام اللبناني

by ألبير فرحات

Page 1
توطئة

عنوان مجموعة المقالات هذه يستعيد ذلك الذي أعطاه المفكر الفرنسي روجيه غارودي لكتابه القيّم والشهير: «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل».

ذلك لأن ذلك الكيان قد تأسس في المخيال السياسي لشعب اليهود على مجموعة من الأساطير والخرافات قام المشروع الصهيوني باستعادتها وبإعادة صياغتها لكي تتألف منها إيديولوجيا قادرة على تعبئة صفوف أولئك المدعوين إلى الانضواء تحت رايته، وعلى إضفاء المشروعية عليه في نظر الغير، وأخيراً وليس آخراً على إلحاق الوهن بنفوس ضحاياه، وشلّ مقاومتهم لتلك المغامرة التي تستند إلى ذلك الحق الذي حباه اللَّه شعبه المختار. وخصوصاً من أجل التغطية على كل الجرائم التي كانت في أساس قيام الدولة والتي شكلت على مدى تاريخها مصدر قوتها وسبب بقائها، ولو إلى حين.

أما الدولة اللبنانية ونظامها السياسي وصيغتها وكيانها فهي أيضاً بحاجة إلى أساطير وخرافات مؤسسة لكي تضفي على نفسها مشروعية تفتقد إليها دستورياً لأنها غير قائمة على دستور وضعته هيئة تشريعية ما، أو جرى إقراره بالاستفتاء الذي يكرس كون الشعب وليس الطوائف مصدر السلطات؛ ولكي يجري من خلالها التغطية على كون الطائفية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري لم يعد مقبولاً في هذا العصر.

وهكذا يجري تصوير لبنان الحالي وكأنه ذلك الموغل في القدم لستة آلاف عام مضت، ويجري الحديث عن تلك الطائفية وكأنها «ديموقراطية توافقية» فريدة يحسدنا عليها العالم، ويجري التأكيد على التعايش الفذ، وكأن تاريخنا المعاصر لم يشهد في كل بضعة عقود منه حروباً أهلية مورست خلالها أبشع الجرائم الجماعية التي كان ضحاياها كل مرة يعدون بعشرات بل وأحياناً بمئات الألوف من الضحايا الأبرياء.

لقد حاولتُ في هذه المقالات أن ألقي الضوء على تلك الأساطير والخرافات، وأن أطرح بديلاً وطنياً وديموقراطياً يضمن الخلاص للشعب اللبناني ويحقق له مستقبلاً أفضل، وأن أنوّه بتلك الصورة ـ المضادة للواقع القائم، صورة الشعب المقاوم بسلاحه وبأظفار نسائه وأسنان أطفاله لكي لا نفقد الأمل ولكي نشيع الثقة بالمستقبل.

المؤلف
Page 2
الأساطير المؤسسة للنظام اللبناني في «الأوريان ـ لوجور»

أصدرت «الأوريان لوجور» عدداً ممتازاً سنوياً تحت عنوان: «المستقبل من خلال علامات استفهام» ضم عدة محاور نذكر منها: «النظام السياسي اللبناني» و«النظام التوافقي» و«اللامركزية والفدرالية والمناطقية والحياد» و«الشيعة وحزب اللَّه» و«المستقبل الاقتصادي والمادي»، فضلاً عن استعراض تفصيلي لأحداث العام الفائت 2006.

إن صفة الانحياز السياسي والاجتماعي تلفّ هذا العدد الممتاز، فإن جلّ الذين شاركوا في تحريره ينتمون إلى وسط سياسي معين، في حين أن هذا العدد الذي لم يبخل بصفحاته على رجال المصارف والمال والتجارة قد غيّب أي صوت لنقابات العمال والمستخدمين أو لجمعيات المزارعين والمستهلكين، وغابت عنه قضايا المرأة نصف ـ المجتمع، وحتى الصناعيين فإنهم لم يجدوا لهم مكاناً. ولا حاجة للاستطراد وذكر اليسار اللبناني أو دعاة العلمانية، فهؤلاء وأولئك لا مكان لهم بين «العائلات الروحية».

وتبعاً لذلك ـ كما سوف نحاول أن نبيّن لاحقاً ـ فليس من المغالاة القول بأن هذا العدد الممتاز قد سعى إلى إعادة الاعتبار للأساطير المؤسسة للنظام السياسي اللبناني من جهة، وإلى الدفع بهذا النظام نحو صيغ جديدة غير خارجة عن الأصل، ولكنها تلبِّي، في نظر طارحيها، الحاجة إلى إيجاد مخارج لأزمة النظام دون تغيير أسسه، والتصدي إلى الخلل في الموازين الطائفية التي تأتت عن زيادة حجم إحدى الطوائف ووزنها النوعي، من جهة أخرى.

غير أننا نود أن نبدأ من النهاية، أي من المحور الأخير في ذلك العدد، وهو الخاص باستعراض أحداث العام المنصرم. فالانطباع الذي يخرج به القارىء بعد الاطلاع عليه هو أن حزب اللَّه هو المعتدي، وأن إسرائيل كانت في موقف الدفاع عن النفس. وبالرغم، من التفاصيل الكثيرة الواردة فيه، فهو لا يتضمن أية إشارة إلى المجازر الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في قانا الثانية وفي الشياح وغيرهما.

وبصرف النظر عما أصاب البنى التحتية والمؤسسات الرسمية والصحية والتعليمية، فإن ذلك الاستعراض لا يأتي على ذكر الضحايا البشرية التي أعلنت عنها الأمم المتحدة في 14/8/2006 نقلاً عن الهيئة العليا للإغاثة أي 1701 قتيلاً و3628 جريحاً و973361 نازحاً (ما عدا القتلى الذين كانوا لا يزالون آنذاك تحت الأنقاض)، فضلاً عن ضحايا الجيش اللبناني وقوى الأمن الذين بلغ عددهم 35 فرداً ورتيباً، ودون أي ذكر للاعتداءات التي تعرضت لها قوات «اليونيفيل» ومراقبي الهدنة الذين وقع منهم 4 قتلى («النهار» في 14/8/2006 نقلاً عن و.ص.ف).

هذا التجاهل لا يمكن فهمه أو تفسيره. هل أن اللبنانيين هم فقط «أهل النخبة» التي تقوم الدنيا ولا تقعد إذا ما أصاب أحدهم مكروه، في حين أن الآخرين ينتمون إلى تلك الفئة من الناس التي لا يأبه لمصيرهم «علماء الأنسال» (les eugénistes) الكثيرين عندنا الذين يميزون دوماً بين «العدد» و«النوع»؟

وإذا عدنا إلى صلب الموضوع فإنه يجدر بنا أن نطرح السؤال الذي يحمل مقالنا عنوانه، أي: ما هي تلك الأساطير المؤسسة كما وردت في العدد الممتاز؟

لعل أسطع تعبير عنها هو ذلك الذي يقول بأن لبنان والطائفية صنوان، وأن لا بقاء له من دونها ومن دون «الوفاق الوطني» و«العيش المشترك» و«التعايش» و«التشارك والمشاركة». في هذا الصدد استشهد الأستاذ ميشال إده في مقاله بما ورد على لسان ميشال شيحا إيديولوجي البورجوازية المركنتيلية ـ الطائفية اللبنانية، حيث قال هذا الأخير: «المسّ في لبنان بالتمثيل السياسي للطوائف من شأنه استدراج تكتلات طائفية ذات أساس سياسي». إن هذه المعادلة تستند إلى منطق شكلي يجانب الحقيقة (syllogisme) ، ذلك لأن طرفي هذه المعادلة مبنيان على شيء واحد هو الطائفية بحيث يمكن للمرء أن يعكسها من دون أن يؤدي ذلك إلى أي تغيير في مضمون المعادلة، أي بحيث يمكن القول أيضاً من وجهة النظر تلك: «المسّ في لبنان بالتكتلات الطائفية ذات الأساس السياسي، يستدرج التمثيل السياسي للطوائف». إنها معادلة يصح فيها القول أنها «سفسطة» (sophisme) إذا ما اعتمدنا المنطق الواقعي.

نعم، إن لبنان ـ الطوائف، ولبنان ـ الطائف وما قبله من مواثيق «وطنية» بدءاً من لبنان ـ القائمقاميتين والمتصرفية، سوف يزول إذا ما زالت الطائفية ولكنه غير قابل للبقاء إذا ما استمرت هذه الصيغة. وها نحن نشهد اليوم مرحلة متقدمة من التفتيت بسبب تفاقم الطائفية. ذلك «اللبنان» سوف يزول، بل هو في طريق الزوال بسبب الطائفية بحيث إن بقاءه وتقدمه وازدهاره بات رهناً بإلغاء الطائفية بجميع وجوهها السياسية والإدارية وفي ميدان الأحوال الشخصية. لقد قالها جبران: «لكم لبنانكم ولي لبناني». الأول الطائفي هو الزائل، أما الثاني اللاطائفي فهو القابل للبقاء.

ومن بين الأساطير التي يستعيدها العدد الممتاز ما ساقه الأستاذ ميشال إده عن «حروب الآخرين على الساحة اللبنانية» وما أورده الكاتب المذكور من أنه: «في كل مرة عرف فيها لبنان أزمات، سواء في العام 1860 أو 1958 أو 1975، علماً بأنها كانت مثارة من الخارج، كان اللبنانيون ينجحون بدون إبطاء، وفوراً بعد انتهاء الصدامات، في استعادة العيش المشترك بصورة عادية وطبيعية»! (ص 3).

لكن السؤال الذي يطرح، إذا ما سلمنا جدلاً بأن حروب لبنان الأهلية مثارة من الخارج، هو لماذا «يتميز» لبنان بهذه الميزة، ولماذا يتمكن الخارج من تحويله إلى «ساحة» لحروبه دون سائر بلدان المنطقة، بل والعالم؟
Page 3
إن دور الخارج في الحرب الأهلية اللبنانية معروف ولا يحتاج إلى برهان. لكن من بين الأشياء التي لا يريد الطائفيون البحث فيها هو المضمون السياسي والاجتماعي ـ الطبقي لتلك الحروب بدءاً بالصراعات داخل نظام المقاطعجية بين الملاكين الدروز (أو بالأحرى أصحاب حق الانتفاع) والفلاحين الموارنة الذين هبّوا في أكثر من منطقة من مناطق لبنان ضد ذلك النظام وأقاموا «عاميات شعبية» (كومونات)، لعل أشهرها عامية انطلياس بقيادة طانيوس شاهين. وينسحب الأمر نفسه على أحداث 1943 و1958 و1975 التي لا يمكن تفسيرها، هي أيضاً، من دون التطرق إلى ما اختزلته من تناقضات اجتماعية وأبعاد سياسية.

هنا يجب علينا جميعاً الإقرار بأن تلك الحروب الأهلية الطاحنة لم تضع أوزارها بعد. إن الذي يحصل في الواقع ومنذ أواسط القرن التاسع عشر هو التناوب بين حرب أهلية «ساخنة» وحرب أهلية «باردة» كالتي نعيشها في هذه الأيام، مما ينفي أسطورة «نجاح اللبنانيين بدون إبطاء وفوراً بعد انتهاء الصدامات في استعادة العيش المشترك بصورة عادية وطبيعية». نعم، بعد كل الممارسات البربرية التي قد لا نجد لها مثيلاً في التاريخ من القتل على الهوية، إلى فرم أجساد الضحايا، وصبّ الباطون المسلح على جثثهم. نعم، بعد كل الضحايا، الذين سقطوا في الحرب الأهلية الأخيرة أي 144250 قتيلاً، و197506 جرحى، و17415 مفقوداً ـ مخطوفاً سرعان ما ينسى «أمراء الحرب وتجار الهيكل» هذه الأمور، ويتبادلون منحة العفو العام والخاص، ومواقع «الموالاة» و«المعارضة» و«الأكثرية» و«الأقلية» و«الشرعية» و«اللاشرعية». في حين أن ما يليق بهؤلاء الأمراء والتجار هو القصاص العادل.

نعم إن هذا البلد الذي يعيش على شفير شائعة كما قالت جريدة «البلد»، والذي بات الثأر العائلي (الـ vendetta الصقلية) يهدد مصيره، بحاجة إلى تغيير نظامه من الأساس وليس محاولة تحسينه أو تجديده. وكما قال أدونيس: «لم تكن المشكلة، بالنسبة إليّ، في الإصلاح ـ تعديلاً وتحسيناً ـ المشكلة هي على العكس، في إعادة التأسيس».

ولا يمكن للمرء إلا أن يستغرب كيف أن ذلك العدد الممتاز الذي بلغ عدد صفحاته الـ 106 لم يتسع لأي ذكر للصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي يشكل الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي ليس فقط أحد أجزائه، بل أيضاً أحد مكوناته الأساسية والمستقلة في آن عن المكونات الأخرى باعتبار أن مطامع المشروع الصهيوني في لبنان سابقة حتى لقيام دولة إسرائيل. نعم، هناك أحاديث عن «الأعباء» التي يتحملها لبنان بسبب المقاومة، وعن كونه يضحي في سبيل العرب جميعاً وكأن لا قضية وطنية لبنانية تستدعي التصدي للمشروع الصهيوني. بل ألا يخطر على بال دعاة «الحياد اللبناني» أنه إذا ما أصبح الاستيلاء على أرض الغير بالقوة، وطرد الشعوب من أوطانها بالقوة، ومنعها من العودة إليها بالقوة، إذا ما أصبح كل ذلك مبدأ معمولاً ومقبولاً به في المنطقة فإنه قد يأتي يوم يؤكل فيه اللبنانيون كما أكل الثور الأبيض؟

أما ما ورد على لسان الرئيس فؤاد السنيورة والأستاذ وليد جنبلاط من ضرورة «العودة إلى اتفاق الهدنة» فهو أمر يثير الحيرة. وذلك لأن لبنان لم «يخرج» من تلك الاتفاقية ولايزال مراقبو الهدنة متواجدين في الأرض اللبنانية منذ العام 1949، وقد تعرضوا لاعتداءات إسرائيل خلال عدوان تموز الأخير مما أدى إلى مقتل 4 منهم. أما إسرائيل فإن شهادة الأستاذ غسان التويني في هذا الموضوع مفحمة، فهو قد روى كيف أن الجانب الإسرائيلي قد حضر الاجتماع الأول للجنة الهدنة المشتركة في العام 1949 فقط لكي يقول إنه سوف يقاطع اجتماعاتها ولن يحضر أيّاً منها، وهكذا يبدو الحديث عن العودة إلى اتفاقية الهدنة وكأنه دعوة إلى العودة إلى اتفاقية 17 أيار 1983 التي أسقطها الشعب اللبناني باعتبار أنها حولت لبنان إلى محمية إسرائيلية وحولت جنوبها إلى «منطقة أمنية خاصة» خارجة عملياً عن السيادة الوطنية.

ثم يأتي العدد الممتاز على المحور الخاص بـ «الشيعة وحزب اللَّه» الذي يعبّر فيه معظم الكتّاب عن الهواجس والمخاوف المتأتية من ازدياد الوزن النوعي للطائفة الشيعية في المعادلة الداخلية ومن الدور الذي يلعبه حزب اللَّه ليس فقط على الصعيد الداخلي اللبناني وفي مواجهة إسرائيل، بل بوصفه أيضاً شريكاً في محور إقليمي يضم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوريا وحركة حماس وسائر «المتطرفين» في المنطقة (وهو محور يمتد إذا شئنا التوسع من كوريا في الشرق الأقصى إلى كوبا في الغرب الأقصى).

بالنسبة إلى ازدياد الوزن النوعي للطائفة الشيعية فمن حق جميع الطائفيين الآخرين أن يقلقوا لأنهم لم يتصوروا يوماً أن الأمور يمكن أن تتغير في لبنان «الأزلي والسرمدي». لم يصدقوا أن أولئك الناس المهمّشين والفقراء والأميين بأكثريتهم الساحقة يمكن أن يمتلكوا الثروة من خلال الهجرة إلى إفريقيا وغيرها من الأصقاع، وأن ينتشروا بكثافة في ضواحي العاصمة والمدن الأخرى، بعد أن طردهم «الاقتصاد الحر» من حقولهم ومزارعهم في الجنوب والبقاع على مرّ السنين، في حين استولت البورجوازية المالية ـ الكومبرادورية على عشرات المليارات من ثروات الشعب والبلد. أما على صعيد التعليم فيكفي أن نذكر واقعة واحدة هي قيام حزب اللَّه منذ بضعة أيام بتخريج 1734 جامعياً وجامعية. أما السلاح فإن احتكاره على مدى عقود من قبل بعض الطوائف التي كانت تخزنه في أماكن «روحية» قد جرى كسره من قبل أولئك الذين كانوا وقوداً لميليشيات مختلف الطوائف ومقاتلين في صفوفها. نعم إن حزب اللَّه «قد زادها وكتّر» معتمداً على التغيرات الكبيرة التي جرت في المنطقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران. كل هذا صحيح ولكن صحيح أيضاً أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية كبرى، وأنها عندما شنت حرب تموز 2006 قد صرحت على لسان كبار قادتها السياسيين والعسكريين «أن هدفها ليس فقط حزب اللَّه بل أيضاً (وقبل كل شيء) شن «حرب شاملة» تستهدف إعادة لبنان عشرين عاماً إلى الوراء».
Page 4
إن مسألة «الشيعة» و«حزب اللَّه» هي مسألة بالغة الأهمية ويتعلق على حلها الكثير من الأمور. وإذا لم يكن من شأننا كعلمانيين أن نقدم حلولاً للطوائف أو أن «نتوسط» فيما بينها أو أن نحاول «مصالحتها»، فالشيء الوحيد الذي نقوله بهذا الصدد هو أن أية محاولة لاستخدام القوة والاستعانة بقوات أجنبية لحل هذه المسألة سوف يكون كارثة على لبنان مثلما أن محاولة فرض معادلات طوائفية جديدة بالقوة سيؤدي إلى هذه النتيجة نفسها.

نقول قولنا هذا لأننا نعرف النيَّات التي ظهرت واضحة من خلال المحور المتعلق بـ «اللامركزية والفدرالية والمناطقية والحياد» والتي عبر عنها الأستاذ وليد جنبلاط بالكلام عن «الطلاق السلمي». وطبيعي أنه إذا لم يتحقق الطلاق السلمي بالتراضي، فإن القول به يؤسس لسلوك طريقه بغير التراضي وبغير الكلام.

هنا نصل إلى الجديد في موقف الطوائف القلقة: إنه الدعوة إلى التقسيم تحت عبارات مهذبة من نوع اللامركزية والفدرالية والمناطقية باعتبار أنها لا تستطيع أن تتحمل دخول طائفة إلى المسرح بدون أدنى استئذان و«بكل وقاحة» خصوصاً أن «عديدها» المتزايد قد أصبح قميناً وحده بالتغلب على «النوعية». وهذا هو الفحوى الحقيقي لجميع الطروحات الواردة في هذا العدد حول هذه المسألة.

لقد لعبت الأساطير دوماً دوراً مزدوجاً خلال التاريخ. فهي كانت أحياناً تعبيراً عن رؤى جميلة تدفع الناس إلى الخير والتقدم. ولكنها كانت في أحيان أخرى أضغاث أحلام تدفع بالناس من خلال تمجيد الماضي والتعلق به في زمان غير زمانه إلى تدمير الحاضر والمستقبل. عندئذ ينقلب السحر على الساحر ويدفع أصحاب هذه الأحلام أثماناً مضاعفة.

طبعاً أولئك الذين أمسكوا بأعنّة الحكم على امتداد ثلاثة أرباع القرن في لبنان يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية. ولما كان أغلب هؤلاء ينتمون إلى إحدى الطوائف فإنهم قد أوصلوا طائفتهم اليوم إلى وضع يدعو إلى الإشفاق. ففي معارك رئاسة الجمهورية يقتل الأخ أخاه، بل يحاول أن يبيد نسله عن بكرة أبيه، بحيث تتناول الاغتيالات الزوجات مع الأطفال أبناءً وبنات والحفيدات مع الجدات.

الطريق الوحيد للخلاص هو التغيير الديموقراطي، وعلى الأقل الالتزام بما ورد في الدستور من أن إلغاء الطائفية السياسية هو هدف وطني سام ينبغي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية أشارت إليها المادة (95) التي نصت في فقرتها الثانية على إلغاء الطائفية بدون تحديد.

سؤال أخير: من يرفض تطبيق اتفاق الطائف: العلمانيون أم أمراء الحرب وتجار الهيكل؟ إن العلمانيين أرادوه خطوة نحو مستقبل أفضل. أما الآخرون فيعتبرونه محطة يتوقف عندها القطار مستوعباً فيها الخلل في موازين القوى السابقة التي فرضت بالقوة لكي يعود وينطلق، ولكي يفرض، بالقوة أيضاً، موازين قوى جديدة.

شكراً يا صاحب الغبطة!

الحديث الذي أدلى به غبطة البطريرك صفير إلى مجلة «المسيرة» واعتبر فيه أن حصول قوى 8 آذار على الغالبية في الانتخابات النيابية المقبلة، من شأنه أن «يرتب أخطاراً ذات وزن على مصير الوطن»، هو حديث جاء ليقطع قول كل متكلم في شأن العلاقة بين المراجع الدينية والسياسة، وبين الطائفية والدولة في مجتمعنا اللبناني.

وجاءت وقفته هذه لتؤكد ما يذهب إليه العلمانيون من أن جميع المراجع الدينية تتعاطى الشأن السياسي من موقع الطائفية السياسية، وليس من منطلق أديانها، ولتؤكد أيضاً، وبالتالي، أن الأديان شيء والطائفية شيء آخر.
Page 5
ولما كانت الطائفية غير ذات علاقة بالدين إلا في الشكل، فإن ذلك يستدعي القول بأن العلمانيين عندما يعادون الطائفية ويطالبون بقيام دولة مدنية، فإنهم لا يقفون ضد الدين وليسوا بملحدين، بل يمكن القول بأن بين صفوف الطائفيين مؤمنون وملحدون كما هو الحال بين صفوف العلمانيين.

غير أنه إذا كان على العلمانيين أن يتوجهوا بالشكر إلى غبطته فلأنَّ حديثه قد بدّد، الكثير من الضباب. إلا أن العديد من ممثلي الرأي العام اللبناني قد أبدوا دهشتهم من التغير الذي طرأ على موقف غبطته في السياسة.

فقبل وقت غير بعيد، كان يدعو إلى إعمال الديموقراطية بحيث تجرى انتخابات عامة تؤدي إلى قيام «أغلبية تحكم وأقلية تعارض»، كما أنه أشاد أكثر من مرة بذلك الزمن الذي كانت تتنافس فيه كتلتان: الدستورية والوطنية، فما الذي تغيّر ودعا غبطته إلى هذا الموقف الجديد؟

ثمة أكثر من تفسير، إلا أننا لا نريد الخوض فيها أو تبني أي واحد منها. لكن علينا أن نتساءل عن مصير الديموقراطية عندنا إذا ما عمد كل طرف يخسر الانتخابات إلى المناداة بأن خسارته تشكل خطراً على مصير الوطن، أو كما قال السيد دوري شمعون إنّ عدم فوز 14 آذار في الانتخابات هو «خسارة مميتة» للبلد، وكما قال آخرون إن من شأن هذه الخسارة «تغيير وجه البلد»، فهل عدنا إلى لغة التخوين؟

وبالرغم من حرص الكثيرين على أن لا تكون لحديث غبطته تداعيات وتفاعلات غير محمودة، فإننا نلاحظ أن حديث غبطته قد أثار ردود فعل قاسية، ليس من بعض السياسيين فحسب، بل وأيضاً من مراجع دينية أخرى أدخلتنا هذه وتلك في دوامة لا تعود بالخير على البلد أو على أية طائفة من طوائفه.

وإذا كانت كل هذه المواقف من أقوال وردود تدل في اعتقادنا على أن المراجع الدينية لا تتمتع بالاستقلالية المطلوبة حيال مواقف الزعامات الطائفية، فإن ذلك يعني، فيما يعنيه، عدم فائدة كل تلك «القمم الروحية» التي يتوهم بعضهم أنها أكثر قدرة من «القمم السياسية» على تحقيق التفاهم والتوافق.

وفضلاً عن ذلك، فإن حال المراجع الروحية لا يختلف عن حال رجال السياسة بحيث لا يوجد بين هؤلاء وأولئك من يمثل طائفته تمثيلاً كاملاً بحيث يسعى كل طرف منهما إلى الاستعانة بالآخر لكي يعزز نفوذه بين رعاياه.

إن اختلفتم يا أهل الطائفية دفع الشعب الثمن، وإن اتفقتم دفع أيضاً الثمن، وربما مضاعفاً.

«النهار» 23/2/2009

كتاب مفتوح إلى سماحة السيد حسن نصر اللَّه

تحية طيبة،

وبعد فإني أبدأ بتوجيه التهنئة إليكم بمناسبة تخريج 1883 جامعياً، أكثرهم من الجامعيات، من أعضاء حزبكم، هذا العام. إنها مأثرة لا تقل أهمية عن تلك التي حققتم في ساحات الوغى والبناء، والتي ارتدت وترتدي بعداً تاريخياً.

كما يهمني التنويه بما ورد في خطابكم في تلك المناسبة من التزام بالديموقراطية كفيصل في التعامل داخل حقول الخلاف السياسي، وبوصفها قيمة نطلبها من كل مصادرها، ولكنها ليست سلعة تستورد، بل ذات أصول في حضارتنا الداعية للاحتكام إلى الشورى ورأي الجماعة.

ولقد توقفت، كما الكثيرون، عند قولكم بأن من حقق ما حقق في ميادين التصدي للعدوان وطلب العلم وإعادة البناء قادر على تولي الشأن العام بذات المقدرة والكفاءة، ومع الالتزام باحترام الرأي الآخر، واعتبار التعددية الدينية والسياسية مصدراً للغنى.

إلا أنكم تعرفون ولا شك بأن مقتضيات الجهاد الأكبر أصعب منالاً. فهنا تكمن القوة في القدوة الحسنة ليس على صعيد القضايا الكبرى وحدها، بل أيضاً على صعيد الحياة اليومية للناس وكيفية التعامل معهم من موقع السلطة.

من هنا بعض الملاحظات التي أردت سوقها إليكم حول كيفية تعاطي حزبكم مع الحملة الانتخابية في ساحل المتن الجنوبي، وتحديداً في البلدة التي أنتمي إليها ـ أي برج البراجنة ـ على أساس أن صديقك من صدقك وليس من صدّقك.

إن خطاب التكفير الذي يلجأ إليه بعض منكم هو خطاب مرفوض دينياً قبل أن يكون مرفوضاً سياسياً وأخلاقياً، خصوصاً إذا ما عدنا إلى مبادىء الدين الحنيف الذي تعرفون أكثر مما أعرف، فهو ذلك الدين الذي لم يدعُ إلى الإيمان بالقوة بل اكتفى بإدانة المشركين باللَّه والمرتدين، والمنافقين من «إخوان الشياطين». وكما تعرفون، فلقد كان التكفير أول بدعة في الإسلام، وكان الغلو مرفوضاً بحيث جرى التفريق بين من طلب الحق وأخطأه، ومن طلب الباطل وأصابه.

ومن غير المقبول أيضاً أن يعمد بعض أئمة المساجد المحسوبين عليكم إلى الترويج لمرشح، وتشويه صورة آخر من منابر تلك المساجد التي هي: «بيوت أذن اللَّه أن ترفع، ويذكر فيها اسمه» بالدعاء وليس باسم أي مرشح.

نحن نعرف أن هناك تصرفات من نوع إقلاق الراحة العامة بوسائل متعددة تحدث آناء الليل وأطراف النهار، ليست صادرة بالضرورة عن أعضاء حزبكم، إلا أنه ينبغي على كوادركم التنصل منهم، كما أن على السلطة المحلية التي استلمتم زمامها في انتخابات ديموقراطية أن تثبت وجودها.

سماحة السيد،

لا يجوز أحد أن يحمّلكم ما يفوق طاقتكم ويتجاهل حجم التحديات التي تواجهونها وخصوصاً في المرحلة الراهنة والأيام القادمة على أعتاب الاستفزاز العسكري الكبير الذي يعدّ له العدو في الأيام الأربعة التي سوف تتلو تاريخ 31 أيار الجاري، إلا أن تلك الأجواء السائدة في منطقتنا من شأنها إثارة استياء الناس بما يوفر أرضية خصبة لتحرك شبكات التخريب على أنواعها.

ليس المطلوب قمع الناس ولا السعي إلى معالجة مظاهر الفوضى دون التطرق إلى أسبابها العميقة في المجتمع، والبعيدة في التاريخ. المطلوب أن نعي حقيقة الأمور ونسعى.

إن كثيرين من المرشحين يشكون من خلال هذه الانتخابات من تدخل البلديات فيها مما يعطل دورها الطبيعي. أما عندنا في برج البراجنة فإننا نشكو غياب البلدية عن الفعل وعن العمل وكأنها تخشى إغضاب هذا، وتسعى لإرضاء ذلك. بل إنها تستنكف عن تجهيز نفسها بالعناصر البشرية لأسباب يمكن تقديرها ولكن لا نستطيع تأكيدها.

وأخيراً فإن القدرة على إدارة الشأن العام ورعايته على الصعيد الوطني يستدعي البدء فيهما على الصعيد المحلي. وأن النجاح هنا سيكون مؤشراً هاماً على إمكانية النجاح هناك.

وتفضلوا يا سماحة السيد بقبول أطيب التمنيات وأصدق مشاعر الاحترام.
Page 6
ولاية الفقيه وعصمة البابا

ليس هناك على حدّ علمنا من يشكك في أن تنوع المعتقدات الدينية، والمذهبية أيضاً، هو ظاهرة طبيعية أسوة بسائر المعتقدات العلمية وإلى والاقتصادية ـ الاجتماعية، إلا أنه قد يكون من الضروري التأكيد على تاريخية هذه المعتقدات، أي أنها أنشئت بفعل التاريخ، وأنها تتحول مع التاريخ.

قصدنا في هذه العجالة هو الكشف عن حقيقة مجموعة من «الفانتاسمات» (أي التخيلات الخادعة والهلوسات التي تحكم نظرة بعضنا إلى معتقدات الآخر الدينية، والتي تشكل عائقاً أمام القبول بالآخر، وأمام حق الآخر في الاختلاف).

ليس المطلوب من أحد أن يحترم معتقدات الآخر، إذ إن في إمكان كل واحد أن يرفضها إذا لم يكن مقتنعاً بها. أما المطلوب في أي مجتمع ديموقراطي هو احترام إيمان الآخر بمعتقداته واحترام حقه في هذا الإيمان، وفي التعبير عنه. ويكون من غير المقبول أيضاً عرض تلك المعتقدات بشكل مشوه بهدف التخويف، وحتى عرضها بصورة صحيحة وكما هي عليه ولكن بغاية التفرقة وإثارة النعرات.

نقول قولنا هذا باعتبار أن أحد مظاهر تخلف حياتنا السياسية وتدني المستوى الثقافي لبعض العاملين فيها هو إثارة المعارك في وجه طواحين الهواء، ودغدغة عواطف ومشاعر عامة الناس الذين هم، إجماعاً، غير مطلعين كفاية.

في هذا المضمار احتلت مسألة الإمامة وعصمتها، ثم ولاية الفقيه، مكانة خاصة في الدعاية الانتخابية بحيث بات من المطلوب إلقاء الضوء عليها.

إن الاعتقاد بالإمامة وعصمتها ليس اعتقاداً يتبناه كل الشيعة بل فقط الشيعة الإمامية أو الاثنا عشرية الذين هم على مذهب الإمام جعفر الصادق. أما الشيعة الزيديون (الذين هم أغلبية في اليمن) والإسماعيليون (الموجودون بصورة خاصة في شبه الجزيرة الهندية) فلا يتبنون هذه العقيدة.

نأتي الآن إلى عقيدة ولاية الفقيه. هذه الأخيرة لا يؤمن بها جميع الشيعة الإمامية (الموجودين بصورة خاصة في إيران والعراق ولبنان). إذ إنه حتى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما في لبنان، فإنه لا يوجد إجماع حولها بين الشيعة الإمامية أنفسهم.

ولكن ما هو فحوى هذه «العقيدة الخطيرة» والتي يمكن لها أن تهدد لبنان أرضاً وشعباً، كياناً وهوية إذا ما انتصرت أحزاب سياسية معينة في الانتخابات النيابية وشارك ممثلوها في الحكومة؟ هذه النظرية الفقهية جديدة نسبياً في عالم المسلمين الشيعة الإماميين. ويعود مصدرها إلى الاعتقاد بأنه طالما أن هؤلاء ينتظرون عودة الإمام الغائب (الثاني عشر) الذي سوف يعود لكي «يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً»، وطالما أن هذا الأخير لم يعد بعد وأنه ليس هناك من إمام معصوم يرجعون إليه وتكون له الولاية على أنفسهم ومالهم، فلا بد من أن يتولى هذه الولاية فقيه ينوب عن الغائب.

هذه النظرية الفقهية هي صورة طبق الأصل عن نظرية «عصمة البابا» الذي يعتقد المسيحيون الكاثوليكيون بأنه خليفة السيد المسيح على الأرض، وأنه يتولى، حتى عودته المنتظرة الولاية على أنفس الكاثوليك ومالهم بل وحتى على دولهم كما كان الحال في عهد الأنظمة الملكية القائمة على الحق الإل~هي.

هل يعني ذلك أنه إذا ما فاز حزب الكتائب أو الكتلة الوطنية في الانتخابات الوطنية، وتولى ممثلوهما مقاعد الحكومة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى إقامة «دولة عصمة البابا» في لبنان، وإلى تهديد كيانه والمساس بهويته التي سوف تتحول عندئذ من عربية إلى رومانية أو فاتيكانية؟

ألا أشفقوا على هذا الشعب، وأقلعوا عن الإثارة. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

«النهار» 29/6/2009
Page 7
عن الفرادة اللبنانية التيلا تقبل الحق والعدل

«إذا لم تكن الحكمة هي البوصلة التي تهتدون بها، فإن من شأن الأهواء أن تقودكم إلى حيث لا تدرون».

(الفيلسوف البريطاني جان لوك)

في مقال له أوردته «النهار» (عدد 20/6/2009) عن منح الأم اللبنانية جنسيتها لأبنائها من غير لبناني لفت الأستاذ جورج فرشخ إلى تلك «العواقب على التركيبة المعقدة، والشديدة الدقة والحساسية» من جراء الحكم الذي صدر أخيراً عن محكمة البداية المدنية في جبل لبنان والذي قضى بتلبية طلب الأم اللبنانية منح أولادها القاصرين الذين أنجبتهم من أب غير لبناني، الجنسية اللبنانية.

لم يترك الأستاذ فرشخ أسطورة من تلك الأساطير المؤسسة للصيغة اللبنانية القائمة، أو من تلك «الفوبيات» ـ أي المخاوف العصابية (Phobies) التي تأخذ بمجامع أفئدة فئة من اللبنانيين كلما تغيرت أوضاع لبنان عن تلك الصورة الوهمية المفترضة عنه ـ وهي الصورة الأزلية والأبدية معاً منذ ستة آلاف عام ـ لم يترك شيئاً من كل ذلك إلا استعان به من أجل تبيان خطورة تلك «العواقب» الناجمة عن قرار المحكمة المذكورة.

أما الفكرة الأساسية التي استعان بها الكاتب دفاعاً عن رأيه فهي القائلة بأن النظام اللبناني لا يقوم على قاعدتي الحق والعدل، بل على قاعدتين ذهبيتين أخريين هما: الحرية والتوافق!

في سياق البحث استحضرت كل الأساطير من تلك القائلة بأننا «نفاخر كل الأمم بنظامنا اللبناني» وبأن لبنان «يكاد يكون البلد الوحيد في العالم، بعد إنكلترا، الذي يتفوق فيه العرف واتفاق شفوي على دستور البلاد»، وأن «صيغة العيش معاً التي تخالف المنطق والحق والعدل والتي وفرت للبنانيين الحرية في ظل قوانين وقواعد يتوافقون على ابتكارها، ووضعها قيد التنفيذ، لكي يخالفوها باستمرار» هي صيغة «يحسدهم العالم عليها»، دون أن ينسى التعريج على تلك الفرادة اللبنانية التي تتمثل عنده، في هذا المقال، بكون فيلسوفنا الدكتور شارل مالك هو «واحد من المشاركين الثلاثة» في صياغة شرعة الأمم المتحدة.

لا نعرف سبباً يدعونا إلى أن نفاخر كل الأمم بنظامنا السياسي، ولا إلى أن يحسدنا العالم على صيغتنا الطائفية. فإن نظام المحاصصة قد تسبب منذ نشوئه ثم في محاولات إعادة النظر فيه، بحروب أهلية عدة منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى يومنا، ذهب ضحيتها في كل مرة مئات الآلاف من الضحايا أصبح مصيرهم «التوافق» في المقابر الجماعية التي «تعاهدنا» على العفو عن الفاعلين وكذلك على عدم الكشف عن هوية الضحايا الذين يرغب أهلهم، على الأقل، في دفنهم بكرامة متممين واجباتهم الدينية. هذه الصيغة الطائفية هي في نظر العالم المعاصر شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري كما سوف نبين لاحقاً.

ومما يلفت، بل يدعو إلى الاستغراب، أن الكاتب الذي يريد المحافظة على النظام والصيغة باسم الحرية والتوافق يغفل كون وثيقة الوفاق الوطني، وكون الدستور (بعد التعديلات التي أدخلت عليه تبعاً لتلك الوثيقة) إنما يدعو إلى تجاوز الطائفية، وهو الأمر الثابت من النص في مقدمة الدستور على أن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية» (البند «ح» من المقدمة)، ومن نص المادة (95) التي تلزم مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين باتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وبتشكيل هيئة وطنية تقوم بدراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء السياسية منها (الفقرة الأولى من المادة المذكورة) وبإلغائها عموماً وليس السياسية وحسب (الفقرة الثانية من المادة نفسها). إن تطبيق ما ورد في الدستور لهذه الناحية بات أمراً لا يجوز تأجيله تحت أية ذريعة كانت، لأن البديل عن ذلك هو استشراء الطائفية، وزيادة الخلل في موازين القوى الطائفية كما تجسد ذلك في اتفاق الدوحة الأخيرة. وسيكون الآتي أعظم.

وينم القول بأن لبنان يكاد يكون البلد الوحيد في العالم، بعد بريطانيا، الذي يتفوق فيه العرف والاتفاق الشفهي على الدستور المكتوب عن عدم إلمام كاف بالموضوع. باعتبار أن أولوية العرف الدستوري على النص المكتوب هي القاعدة التي يأخذ بها العلم الدستوري في جميع البلدان. إذ إن في إمكان العرف أن يؤكد النص le confirmant وأن يدخل محله le suppléant بل أن يغيره le modifiant . وقد وصل الأمر بالعالِم الدستوري رينيه كابيتان René Capitant إلى حد القول بأن «... قوة الإلغاء التي تمتنع بها الثورات ليست سوى وجه من وجوه القدرة التي يتمتع بها العرف (والتي تجعله قادراً) على مخالفة القواعد (الدستورية)».

{... la force abrogatoire des révolutions n’est qu’un aspect de la puissance normative de la coutume (Capitant. R), la coutume et le droit constitutionnel, R.D.P. 1979, p. 970}. فماذا يتبقى في هذ الشأن من فرادة للبنان؟

أما المسألة الدستورية في بريطانيا والتي تتميز في أن دستورها العرفي يتألف من مجموعتين من القواعد التي هي متناثرة بين «الدستور القانوني» و«العقود الدستورية» وبالعلاقة الفريدة بين «الدستور المكتوب» (Statut law) وما يسمى «بالقانون» أو «الدستور القضائي» (Common law) فهي مسألة أخرى تماماً لا تدخل في الباب الذي شاء الكاتب إدخالها فيه. غير أن ما نخشاه هو أن تكون غاية الأستاذ جورج فرشخ من وصفه هذا للعلاقة بين العرف والدستور في لبنان ـ كان ذلك عن وعي منه أو عن غير وعي ـ هو الأخذ بمبدأ باطنية النصوص (ésoterisme) بحيث تعصى على الفهم، إلا من قبل العالمين بالبواطن، دون أمثالنا من عامة الناس.

وعلى رغم من أن مسألة الدور الذي يكون الدكتور شارل مالك قد اضطلع ولم يضطلع به على صعيد القانون الدولي وأحكامه ليست بالمسألة ذات الأهمية الكبرى، إلا أن ما ورد على لسان الأستاذ جورج فرشخ في هذا الصدد يشكل فضيحة تاريخية، ذلك لأنه إذا كان يصح الحديث عن ثلاثة «صاغوا شرعة الأمم المتحدة» فهم روزفلت وستالين وتشرشل الذين عقدوا قمماً عدة (في طهران ويالطا وبوتسدام) لحل الخلاف الذي كان قائماً بين دولهم حول تأسيس منظمة دولية تحل محل «عصبة الأمم» (التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الأولى) وهو خلاف كان يدور خصوصاً حول مبدأ إجماع الدول الخمس الكبرى (ما يسمى بـ «حق الفيتو») وحول المبادىء التي عادت ووردت في الفصل السابع. تلك الاجتماعات لم يدع إلى حضورها حتى الجنرال شارل ديغول، وهو من كان، وبالطبع لم يحضرها الدكتور شارل مالك.
Page 8
بل إنه يجب أن نذهب إلى أبعد، محافظة على صدقيتنا حيال العالم الذي بات يسخر من كل تلك الفرادة اللبنانية التي تعبر عما يعتمل في مجتمعنا من مركبات نفسية تجمع بين جنون العظمة ومركب الدونية، الأمر الذي يتجلى هذه المرة في الدور الذي يعطيه بعضهم منا لفيلسوفنا شارل مالك في صياغة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، فإن العالم لا يعرف له دوراً في هذا الموضوع سوى أنه كان أحد أعضاء اللجنة التي فوض إليها أمر صياغة ذلك الإعلان والتي ضمت ممثلين عن الـ 51 دولة التي كانت تتألف منهم المنظمة الدولية. أما الفضل الأكبر في هذا المضمار فإنه يعود إلى رئيسها الفرنسي رينيه كاسان René Cassin ذلك الحقوقي اليساري الكبير الذي كرمته فرنسا لدى وفاته بدفنه في البانتينيون Pantnéon والذي زاره العالم في 10/12/2008 في الذكرى الستين لصدور ذلك الإعلان الشهير. ليتنا نستطيع أن نجد مرجعاً دولياً مكتوباً أو شفوياً يفيدنا عن دور للدكتور شارل مالك في هذا المضمار كي نتباهى به، ونباهي به الأمم.

وفي عودة إلى مسألة منح الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي جنسيتها إلا أولادها القاصرين، فإننا اليوم أمام حكم قضائي بات مبرماً منذ صدوره، باعتبار أن النيابة العامة كانت قد تركت الأمر للمحكمة الناظرة في الدعوى بحيث لم يعد بإمكانها اليوم، لا باسم «الحرية» ولا باسم «التوافق» أن تتراجع عن موقفها. بل إن تراجعها لو حصل فإنه يصبح مردوداً بالشكل من قبل الهيئة القضائية الأعلى التي يمكن أن تنظر بالطعن الذي يصدر عنها. أما الدولة اللبنانية التي كانت طرفاً في المحاكمة، فقد أعلن وزير الداخلية الأستاذ زياد بارود عن ترحيبه بالحكم، وبالتالي عن عدم رغبته في الاستئناف.

وفي عودة منا إلى مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل، فإنه يجب لفت النظر إلى أن ذلك ليس فقط أمراً منصوصاً عليه في الدستور من باب ما ورد في الفقرة (ج) من المقدمة من كون لبنان «جمهورية ديموقراطية برلمانية تقوم على احترام (...) المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل»، بل أيضاً من باب كون لبنان، الذي «يمتلك نظاماً يفاخر به كل الأمم» و«الذي تنبهر به الدنيا»، هو «عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة ويلتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، وتلتزم دولته «بتجسيد المبادىء الواردة في تلك المواثيق في جميع الحقول والمجالات دون استثناء» (الفقرة ب من المقدمة) قد انضم أيضاً إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإلى المعاهدة الدولية لحقوق المرأة، وهو ملزم، ليس فقط بالتقيد بهذه المواثيق، بل أيضاً بتعديل قوانينه الداخلية ـ حيث يلزم الأمر ـ لكي تصبح متفقة مع تلك المواثيق.

لكن ثمة سؤالين نرى أن نطرحهما في ختام ردنا هذا: الأول يتعلق بموقف القائلين بأولوية ما يسمونه بالحرية والتوافق على الحق والعدل. ما رأيكم، دام فضلكم، لو تبنى «الآخرون» موقفكم هذا وأعلنوا أنهم لن يتقيدوا بعد اليوم بقاعدتي الحق والعدل بل «بالقاعدتين الذهبيتين» اللتين تنادون بهما، ومارسوا هذه القناعة كما تشتهون؟

أما السؤال الثاني فإنه يتعلق بمغزى كل تلك التصريحات التي صدرت عن بعض المراجع والتي تحذر من مخاطر مصيرية على كيان البلد وهوية شعبه في ما إذا حققت بعض القوى لنفسها الفوز في الانتخابات باعتبار أن هذه القوى هي تابعة لدول خارجية معينة. نحن نعرف أن جميع العصبيات الطائفية تتبادل التخوين. بل نعرف أكثر من ذلك، أي أن كل عصبية من هذه العصبيات لا ترى للبلاد من عدو إلا ذلك الداخلي وهي تبرر لنفسها، بالتالي، مد اليد إلى الخارج لكي تستعين به على الداخل.

هذه المواقف الفئوية تستدعي من الجميع استحضار الأشباح وإثارة المخاوف. وبالتالي فهي لا تؤمن بالديموقراطية وبتداول السلطة، وتعتبر الشعب والرأي الذي يعبر عنه في الانتخابات كمية مهملة. إنها «الفانتاسماغوريا» (Fantasmagorie) أي استحضار الأشباح والتهويل بها كبديل عن السياسة، وهو أسلوب لجأت إليه على الدوام تلك القوى التي تريد الإبقاء على الماضي الذي تعتبره مقدساً، والتي تعتبر كل محاولة للتغيير ولأخذ الوقائع الجديدة بعين الاعتبار عملاً من أعمال الشياطين والأبالسة، لا يمكن الوقوف بوجهه إلا عن طريق الاستعانة بشياطين وأبالسة أخرى.

ويبقى أن نسجل للأستاذ جورج فرشخ أنه قد تجاوز غبطة البطريرك الماروني عندما عارضه قائلاً له بأن الخطر ليس حيث يخشاه البطريرك (أي في الخارج الإيراني ـ السوري) «الخطر من الداخل وفيه. قد يكون من التجنيس الآتي على صهوة الحق والعدالة».

ما العمل إذاً «لمكافحة ذلك الخطر وإبعاد أشباحه عنا؟».

فتشنا فلم نر من وجهة نظرنا العصبية الطائفية سوى إحدى طريقتين للخلاص: إما «الترانسفير» أي تهجير ذلك القسم من اللبنانيين ممن نعتبره أداة للخارج، وإما التوطين بحيث يؤدي هذا الأخير إلى ردم هوة الخلل الديموغرافي المتزايد لمصلحة تلك الطائفة التي يهدد انتصارها بالانتخابات الكيان والهوية.

11/7/2009
Page 9
تعليق على عدد «الملحق» السنوي

مثقفو 14 آذار بين الوهم والحقيقة

«بعد اللتية والتي»، توجه مثقفو 14 آذار بدعوة إلى العقل اللبناني كي يستفيق من الإغماءة الطائفية والخوف بعدما بات حلم الاستقلال الثاني في مهب الصراعات الطائفية الداخلية الحادة علَّ الفرج يأتي على أيديهم، ومن طريق هذه الاستفاقة. لقد وردت هذه الدعوة في عدد «الملحق» الخاص الذي صدر في نهاية العام 2007 وبدايات العام 2008 تحت عنوان «الانتفاضة المغدورة؟» والذي تضمن كوكبة من المقالات لمثقفين معروفين نسجوا، جلهم، على ذلك المنوال الذي يعبّر عن خيبة الأمل، وعن اليأس. وطالما أن افتتاحية «الملحق» المذكور دعت إلى أوسع حوار ونقاش حول الأفكار المطروحة فيه، فسوف ندلو بدلونا عسى أن ينفع الذكر، وأن نحصد أجراً إن لم يكن أجرين.

خيبة الأمر هذه كان ينبغي لها لكي تندرج أصولاً في مسار حياتنا الوطنية أن تكون جزءاً من ذلك القلق الذي استحوذ على عقول مفكرينا وبسطاء شعبنا على السواء منذ ما يزيد على القرن ونصف القرن من جراء ما «أفرزه» النظام الطائفي منذ وجوده، وبصرف النظر عن الطائفية التي كانت تمارس الهيمنة على أخواتها. على أن ما جاء به عباس بيضون يشكل أبلغ إيجاز للحالة التي عرضها أولئك الذين حرروا «الملحق» إذ قال: «الأحلام دائماً مغدورة، لكن الواقع اليوم هو المغدور». في الواقع فإن إشكالية العلاقة بين الحلم والواقع ليست بجديدة، إذ طالما لعبت الرومنطيقية وحتى الأساطير دوراً في حث الجماعات والأفراد على النضال من أجل مستقبل أفضل تتأكد فيه إنسانية الإنسان وتتحرر فيه الشعوب من الاستلاب والقهر والظلم. غير أن هذه الأحلام والأساطير لعبت أيضاً دوراً مضاداً يدفع إلى التمسك بالماضي، بذلك «الفردوس المفقود»، كلما خابت الآمال بحصول تلك «المعجزة المنتظرة».

وإذا اقتصر كلامنا على تاريخنا المعاصر فيمكننا أن نلاحظ، بكل سهولة، كيف تتناوب لدى مثقفي البورجوازية الصغيرة حالات النشوة مع حالات غثيان الروح، ويحاولون حينئذ أن يعيدوا إلى العالم سحره المفقود من طريق استنفار الأسطورة والدين والغوص في دروب التصوف أو التطرف في انتظار وصول ذلك «المخلص» الآتي من وراء الأزمان والذي يقودهم إلى نهايات الزمن.

سيكون على هؤلاء لكي يتجاوزوا حالات يأسهم وبؤسهم الفكري أن يقدموا على مراجعة صارمة لتصوراتهم وتخيلاتهم، بحيث يتبين لهم أن الخطأ ليس في الواقع بل في تصوراتهم الخاطئة عنه، وأن الدوران في حلقة مفرغة لا يوصل إلى أي مكان حقيقي في أي زمان حقيقي.

هذا الدوران في الحلقة المفرغة نجد مثالاً عليه في تساؤل يوسف بزي عما يجعل بعض الطائفيين (الشيعة) حاقدين على وليد جنبلاط وسعد الحريري «منذ أن آمنا بما كان المسيحيون يؤمنون به وحدهم، ويتضرعون منذ عقود طويلة إلى اللَّه طلباً لليوم الذي يجدون فيه الدروز والمسلمين يشاطرونهم هذا الإيمان: لبنان أولاً!». بهذا المعنى تصبح الوطنية التحاقاً من طوائف بطائفة أخرى، في حين أن اجتماع جميع الطوائف، من موقعها الطائفي، على موقف واحد لا يشكل إجماعاً وطنياً بل مجرد إجماع طوائفي يسعى لتأييد هيمنة الطوائف على الدولة والوطن والشعب. على كل حال، أفليست موضوعة يوسف بزي هذه تكراراً لتلك التي نادى بها نظام الوصاية السوري، والقائلة بوجود «طوائف وطنية» وطوائف غير وطنية، وما يقوله أهل 14 آذار اليوم من وجود «طوائف سيادية» وطوائف غير سيادية ينبغي للثانية منها أن تلتحق بالأولى؟

مشكلتنا مع بعض المثقفين الليبراليين تكمن في أن هؤلاء لا يدركون أن الاستفاقة من تلك «الإغماءة الطائفية» التي تقول بها افتتاحية ذلك العدد من «الملحق» لا يمكن أن تتم إلا إذا وضعنا أنفسنا خارج الطائفية بكل مكوناتها. أما البديل من هذا الموقف فهو السقوط في أحضان تلك الألعوبة القائمة، كما قلنا، على رفع طائفيات معينة إلى مستوى الوطنية، والنزول بأخرى إلى أسفل سافلين، ومن ثم إلى تبادل التخوين.

ولكي يوغل «الملحق» في الشطط، تأتينا دلال البزري لكي تعطينا دروساً عن ذلك «الاستقلال من الاستعمار الذي لم نكن جديرين به» وعن خسارتنا «لذلك «الربيع العربي» الذي حلّ علينا بعد الغزو الأميركي للعراق (وبعد) الضغوط الغربية على الدول العربية لكي تصلح نفسها»!! يحار المرء لدى قراءته هذه الأقوال ويتساءل عما إذا كانت تلك السيدة التي كتبتها تعيش في عالمنا هذا، أم في مجرّة أخرى من مجرات الكون.

على كل حال، فإن مسألة «الاستقلال الذي لم نكن جديرين به» هي مسألة متصلة بمفهوم «الاستقلال الثاني» الذي ينادي به أهل 14 آذار. فنحن لا نعرف بلداً في العالم يحقق الاستقلال مرات عدة. وبالنسبة إلى بعضهم في لبنان فقد كان هناك استقلال أول تحقق في الأول من أيلول 1920 عندما أعلن الانتداب الفرنسي «دولة لبنان الكبير» والذي ظل عيداً رسمياً حتى أواسط الخمسينيات من القرن الماضي. وهكذا نكون إزاء ثلاثة استقلالات ويكون الأخير الثالث وليس الثاني فقط. ولكن ما معنى ذلك؟ معناه الوحيد أن كل طائفة تريد «استقلالاً» لها، وقد يأتي زمن يحتفل فيه اللبنانيون بذكرى 18 استقلالاً على عدد طوائف لبنان.
Page 10
ولكن هل هناك من يسار في لبنان، وما هي سياساته ودوره؟ هنا كان لا بد من أجل أن «يكتمل النقل بالزعرور» أن يأخذ خالد غزال بأطروحته التي لا ترى في اليسار إلا بعض (من هم لأننا لا نعرف عنهم شيئاً؟) الذي نسب إليه «الدعوة إلى تجاوز النظام الطائفي، وطرح تحقيق النظام العلماني مباشرة» بما ينمّ في رأيه «عن جهل يصدر عن عدم الإدراك بأن المطلوب والممكن في التركيبة اللبنانية اليوم هو الوصول إلى تسويات طائفية متتالية تحدّ من غلواء الزحف الطائفي»، قائلاً عن هؤلاء بأنهم «أكثر القوى التحاقاً بالطوائف واندماجاً في سياساتها». نعم، هناك فصيل يساري نيو ـ ليبرالي مندمج بـ 14 آذار، ويحضر ممثلوه اجتماعات لجنة المتابعة لقوى 14 آذار، وحتى اجتماعات القوى المسيحية في 14 آذار تحت رئاسة أمين الجميل وسمير جعجع، لكن هؤلاء، الذين يمثلهم نائب يحظى بنيابته «بفضل» تعطيل المجلس الدستوري، يمكن السيد غزال أن يسأل عنهم الياس خوري وزياد ماجد. وفضلاً عن ذلك فإن هذا «الفصيل» لم يطرح يوماً أي شيء يتعلق بتجاوز الطائفية أو إلغائها، بل يعتبرها أحد «مكونات المجتمع اللبناني» الثابتة.

يبقى إذاً الحزب الشيوعي اللبناني وقد يكون هو بيت القصيد «الجاهل» و«عدم المدرك» ما هو مطلوب وممكن في «التركيبة» اللبنانية الزاهرة.

نعم أن الحزب الشيوعي اللبناني، كسائر الوطنيين والديموقراطيين العلمانيين وغير العلمانيين المدركين تماماً لضرورة إنقاذ الوطن من تركيبته الطائفية يطمحون إلى إلغاء الطائفية بكل أشكالها السياسية والإدارية وفي ميدان الأحوال الشخصية وسائر الميادين الأخرى. لكنهم لم يقولوا يوماً بـ «تحقيق النظام العلماني مباشرة». ذلك واضح في البرنامج المرحلي لـ «الحركة الوطنية اللبنانية»، وفي وثائق الحزب الشيوعي اللبناني وغيره من تنظيمات اليسار. إلا أن الخلاف هو اليوم حول تطبيق ما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني وما أدرج في الدستور من أن «إلغاء الطائفية السياسية هو هدف وطني أساسي يجب تحقيقه وفق خطة مرحلية (مقدمة الدستور)، ومن ضرورة قيام مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة وضع قانون انتخاب لمجلس النواب خارج القيد الطائفي بالتزامن مع إنشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه الطوائف (المادتان 22 و24) واتخاذ الإجراءات الملائمة لإلغاء الطائفية السياسية (الفقرة الأولى من المادة 95) ولإلغاء الطائفية عموماً (الفقرة الثانية من المادة نفسها) وتشكيل هيئة وطنية تتولى هذه المهمة. إذاً فالمطلوب هو أن نلحق بممثلي الطوائف إلى «باب دارهم» ونطالبهم بتنفيذ ما نصوا عليه، وليس استهداف اليسار باتهامات تدل هي على «الجهل» و«عدم الإدراك».

أما تلك «التسويات الطائفية المتتالية» التي يجري خلالها اعتماد محاصصات جديدة قائمة على موازين قوى جديدة بين الطوائف فقد خبرها شعبنا بما فيه الكفاية أعوام 1848 و1860 و1958 و1975 هي و«حروب الإلغاء» داخل الطوائف، ومن شأنها أن تجعلنا ندرك أن الطريق نحو الحفاظ على الوطن والكيان والشعب والدولة يمرّ عبر تجاوز تلك التسويات التي لا تتم إلا على دماء اللبنانيين.

من جهة ثانية، فإننا لا نستطيع أن نحاكم «الملحق» على ما سكت عنه إلا بقدر ما يكون «السكوت في معرض الحاجة جواباً» وفقاً لتلك القاعدة الشرعية الشهيرة. نعم لماذا لم يتضمن عدد «الملحق» هذا أي كلام عن المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة وهو قد خاض في المنطقة من إيران إلى سوريا. هذا بالرغم من أن أصحاب هذا المشروع يعلنون أهدافه بكل صراحة بل بكل وقاحة: إعادة النظر في كيانات دول المنطقة واستبدالها بدويلات على أساس ديني وطائفي مع إعلان «يهودية دولة إسرائيل» وهو ما يتناقض حتى مع أطروحات «الآباء المؤسسين» لذلك الكيان الذي اقتصر بهم الأمر على تعريف إسرائيل بأنها «دولة لليهود» وليس «دولة يهودية» كما يعلن بوش اليوم.

تبقى مسألة أخيرة: هي تلك الدعوة التي وجهها «الملحق» إلى فيروز كي لا تذهب إلى دمشق لملاقاة جمهورها. إنها دعوة تذكّرنا بتلك الحملة التي أثيرت ضد محمود درويش بسبب ذهابه إلى حيفا، وتلاوة قصائد فيها. إنهما طرحان تكفيريان بامتياز، لا علاقة لهما حتى بالليبرالية. ولست أعرف لماذا تذكّرني مثل هذه المواقف بما قاله الشاعر الألماني الكبير هانريش هاينه من أن «من يبدأ بحرق الكتب، ينتهي بحرق البشر»!

«النهار» 28/1/2008