eKtab
EN ع
الأشاعرة
Read free sample

الأشاعرة

by الشيخ عبد الكريم تتان

Page 1

سؤال: هل الأشاعرة من أهل السنة؟

طُرح هذا السؤال على شيخ من الشيوخ الذين لهم توجه خاص في آيات الصفات وأحاديثها، فأصدر الفتوى الآتية، التي نقلها السائل بأمانة من موقع الشيخ مُصدرها، وقال: أرجو إبداء وجهة نظركم حول ما جاء فيها، وجزاكم الله كل خير.

وها هي ذي الفتوى كما وصلتني:

الأشاعرة عندهم أشياء خالفوا فيها أهل السنة؛ من تأويل بعض الصفات، فهم في باب التأويل ليسوا من أهل السنة، لأن أهل السنة لا يؤوّلون، وهذا غلط من الأشاعرة ومنكر، لكنهم من أهل السنة في المسائل الأخرى التي وافقوا فيها أهل السنة، والواجب على المؤمن هو طريق أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بأسماء الله كلها وصفاته الواردة في القرآن الكريم، وكذا الثابتة في السنة، يجب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت، بغير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تأويل، بل يجب أن تمر كما جاءت، مع الإيمان بها، على الوجه اللائق بالله -سبحانه وتعالى- ليس فيها تشبيه لأحد، يقول سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ*} [الإخلاص: 112/1-4] ، ويقول سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 42/11] ، فالواجب أن تمرّ أسماؤه وصفاته كما جاءت، من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف، الرحيم والعزيز والقدير، وهكذا سائر الأسماء والصفات، وهكذا قوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *} [آل عمران: 3/54] ، وقوله سبحانه: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 4/142] ، وقوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً *وَأَكِيدُ كَيْداً*}[الطارق: 86/15-16] ، كل هذه الصفات تليق بالله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، لا يشابه كيد المخلوقين، ولا مكرهم، ولا خداعهم، فهو شيء يليق بالله سبحانه وتعالى، لا يشابه خلقه سبحانه في ذلك، وهكذا قوله في الحديث الصحيح: «من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، كل هذه الصفات تليق بالله، يجب الإيمان بها، وإثباتها لله على الوجه اللائق به سبحانه؛ تقرب يليق بالله، وهرولة تليق بالله، ليس فيها مشابهة الخلق، فتقربه وهرولته شيء يليق به، لا يشابه فيه صفات المخلوقين، سبحانه وتعالى، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 42/11] ، وهكذا قوله في الحث على الأعمال الصالحة: «وأن الله -جل وعلا- لا يمل حتى تملوا»، فهو ملل يليق بالله، لا يشابه صفات المخلوقين، فالمخلوقون نقص وضعف، أما صفات الله فهي تليق به، لا يشابه فيها خلقه، وليس فيها نقص ولا عيب، بل هي صفات كمال تليق بالله سبحانه وتعالى، لا يشابه فيها خلقه، جل وعلا.

وهذا السؤال الموجه لي يتطلب جواباً، وإليكموه:

بعدما قرأت السؤال أكثر من مرة، تبين لي منه مايلي:

Page 2

هناك ادعاء يتمثل في أن المدعي الذي أصدر الفتوى من أهل السنة، وأن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة! وقد ساق المدعي ما يدلل به على ما ذهب إليه، ويتلخّص في أن الأشاعرة "يؤوّلون الصفات"، وأن أهل السنة -كما يرى المفتي- لا يؤوّلون.

ومما ساقه أيضاً، يبني عليه بطلان "التأويل"، قوله: إن المؤوّلين يقولون: «إن البشر يتحرك، فلا يجوز أن تصف الله بأنه يتحرك، وما دام البشر يجيء، فلا يجوز أن تصف الله بأنه يجيء»، ثم يقول: وهو باطل بلا شك في الأصل. يريد أنه لا يجوز أن ننفي عن الله صفةً فقط لأن البشر يتصفون بها.

وقال -أيضاً-: إن المذهب السلفي -الذي يتبناه- قد جمع بين التنزيه وبين الإثبات، أي: إنه يثبت وينزه. كما ذهب إلى أن "التأويل للمتشابه" يعني إنكار الصفات، وأنه قد جاء عن السلف أنهم "أمرّوها كما جاءت"، وقال يشرح هذه العبارة على ما يرى: أي افهموها كما جاءت، دون أن تتعمقوا في محاولة معرفة الكيفية!! ووجّه ما جاء عن الإمام مالك حيث سئل عن "الاستواء" فقال بعدما بيّن رأيه في الاستواء: «... أخرجوا الرجل، فإنه مبتدع»، قال الشيخ معللاً الأمر بإخراج الرجل: إنه أمر بإخراجه لأنه سأل عن "الكيفية" لا عن معنى خَفِيَ عليه من قوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 20/5] ، بناءً على أن معناه واضح معلوم لدى السائل، وليس من المتشابه في شيء!!.

ومما قاله في هذا السياق: أحاديث الصفات مفهومة "لغة"، لكن كيفياتها مجهولة تماماً، فلا يعرف "كيفية الذات" إلا صاحب الذات، ولا يعرف "كيفية الصفات" إلا الذات نفسها!!

Page 3

حقائق

وهنا نسوق مجموعة من الحقائق، ونبدأ منها بالحقيقة الصارخة:

1- هل يمكن القول إن لله -تعالى- "كيفية" لكنا نجهلها؟

إنا نجد المتحدث قد أثبت لله "كيفية"! لكنا نجهلها! وهذه طامّة، لا يتبناها ويعتقدها إلا المجسمة، الذين ليسوا من أهل السنة في شيء، وعبارة الإمام مالك في نفي الكيف عن الله تعالى حيث قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول... قد صرفت (أي عبارته تلك) إلى قولهم: «والكيف مجهول»، وقد تأتى هذا الصرف من قبل من يرون أن لله الكيفية! وجهل هؤلاء أن الكيف والكم من صفات المخلوق، إذ لا يعرى مخلوق منهما بحال، لأن الكيف "هيئة" يدريها الخيال، أحاط بها أم لم يحط، ويقوم أمر استحضارها مباشرة لما نريد معرفة كيفيته، أو عبر القياس، والتشبيه على قاعدة القياس، فنقول: هذا الغائب عنا يشابه الحاضر بين أيدينا! وهذا سائغ في المقايسة بين المخلوقات، لكنه لا يجوز فيمن "ليس كمثله شيء"؛ إذ إنه لا مثل لله تعالى، ولا يشبّه بالمخلوقات بحال من الأحوال، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، ثم إن "الكم" لا يكون إلا في المركبات، ومعلوم أن كل مركب حادث، إذ كل جزء من أجزائه مفتقر إلى سائر الأجزاء الأخرى، والله "هو الصمد".

2- ثم ما معنى الإثبات والنفي اللذين وردا في الفتوى؟

قوله: المذهب السلفي قد جمع بين الإثبات والنفي "أي التنزيه"، فهل قال لنا ما الذي يثبته، وعم ينزه الله تعالى مع هذا الإثبات؟ خاصة إذا علمنا أن الإثبات إذا كان يراد منه إثبات ما نسب إلى "الله" على المعنى الذي نعرفه في المخلوق، لكن مع فارق الكيفية، لأنا عرفنا الكيفية لدى المخلوق، لكنا جهلناها "في الخالق"، فمعنى "اليد" مثلاً، معلوم في الإنسان، ومعلوم إذا نسب إلى "الله" كذلك، ولكنا جهلنا كيفية "يد الله"؛ إذا كان يراد منه ذلك فهذا "عين" التشبيه الذي ينقضه قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 42/11] .

3- ثم ما معيار الانتماء إلى أهل السنة والجماعة؟ وما الذي يحقق هذا الانتماء الذي يترتب عليه النجاة من التفرق التي أخبر عنها الرسول، عليه الصلاة والسلام، وقد حدد الحديث في إحدى رواياته أن الفرقة الناجية "هي ما كان عليه الرسول وأصحابه"؟

والشيخ، وهو يوزع شهادات حسن سيرة وسلوك على الناس، بناءً على اعتقاده أنه هو من "أهل السنة"، وأن ما هو عليه من الاعتقاد هو المعيار الذي يحقق الانتماء الصائب، بحاجة -أولاً- إلى مراجعة صادقة لموقفه من آيات الصفات وأحاديثها، ليقف بالدليل الصادق على أنه -فعلاً- منهم، وأنه متابع لما كان عليه السلف الصالح تجاه هذا التصور الذي ضمت رحابه الكثير ممن يدَّعون أنهم هم الذين أصابوا، وأن غيرهم قد جانبهم الصواب أيَّ مجانبة! ونطرح هذا المعنى -هنا- أنا وجدناه، وهو يفتي، لم يأت بدليل على أنه من أهل السنة كما سيتبين مما سيأتي، وكل ما ذكره أنه قرر ما يرى، واعتبره أنه هو الصواب! وغفل الشيخ عن أن العلماء الجبال كابن سريج والقفال وابن حجر، ومئات آخرين من كبار العلماء؛ كانوا من الأشاعرة، ولم يكونوا على مشرب الشيخ في الإثبات والنفي، وكذلك كان علماء الأزهر عبر القرون الغابرة، إذ كانوا يقرون قضايا العقيدة، وكانوا مما يقولونه: «والمختار عند أهل السنة» ويعنون بذلك الأشاعرة، وهنا لا أريد أن أدلل على الصواب في هذه المسألة بكثرة من قال بها، وإنما سقت ذلك لأبين أن علماء الأمة كانوا من "أهل السنة"، وهم أشاعرة.

4- ما حقيقة المنهج العقدي للمفتي؟ وهل هو ما كان عليه أهل السنة؟

هناك نزغة طارئة جاءت إلى رحاب الفكر الإسلامي، فبنت لها منهجاً في العقيدة، وأخذت تحاكم المسلمين على أساسه، وبفحص هذا المعتقد لا تجد أي دليل على أن ما يبنونه ويتبنونه من موقف تجاه آيات الصفات، كان على ما كان عليه أهل السنة، بل كثير مما قرروه يرجع إلى التشبيه، أو التجسيم، وشعارهم "نثبت ما أثبته الشرع"، علماً أن كل المسلمين يثبتون ما أثبته الله تعالى، وإن لم يثبتوا ما أثبته فما الذي يبقى لهم من نسبتهم للإسلام نفسه. ولعل الخلاف ينحصر في الموقف من "المحكم والمتشابه" الذي جاء النص به مثبتاً له في الكتاب كله، ومبيناً أن القرآن منه المحكم ومنه المتشابه، على أن المحكم أنزله الله تعالى للعمل به، والمتشابه أنزله كذلك -إذ {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}- ليؤمن به، مع ترك تحديد معناه، وإرجاع علمه لله تعالى، الذي قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 3/7] ، وقد بيّن النص نفسه موقف الذين في قلوبهم زيغ، وموقف الراسخين في العلم من المتشابه، فقال سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 3/7] ، وقال -جل جلاله- في الراسخين في العلم، وحجراً على الذين يجرون وراء المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فيجعلونه من المحكم: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 3/7] . أبقي بعد هذا البيان لكلٍّ من المحكم والمتشابه من يضع المتشابه "الذي لا يعلم تأويله إلا الله" موضع تحديد المعنى واستيعابه، مع حمله على الحقائق الظاهرة، أي: كما هي في عالم المخلوق، وإعلان الجهالة بالكيفية؟!!

على أن هذه الجهالة التي أعلنوها هي "المقصود بالتنزيه عندهم"، التنزيه الذي أكدته كثير من الآيات المحكمات! ثم أخذ هؤلاء يقررون أنه من لم يكن على ما ذهبوا إليه، فليس من أهل السنة، حسبما فهموا، وأن على من أراد الحصول على شهادة دخول في ميدان أهل السنة ألا يشرب من مشرب الابتداع في الاعتقاد! والابتداع -عندهم- يقع بمجرد مخالفة ما ذهبوا إليه! وما أخطره من منهج يقضي على الناس قضاءً لا رحمة فيه!! هم قد احتكروا الصواب لما يرون، ودعوا من الناس إلى حانوتهم كل من أراد منهم أن يتسوق مما احتكروه!.

Page 4

5- هل ينزّهون الله فعلاً، فلا يجسمونه، ولا يماثلونه بالمخلوق، حيث يثبتون ما نسب له -سبحانه- هو على الحقيقة التي عرفناها في الإنسان، مع توارٍ وراء (بلا كيف)، لأن الكيف -عندهم- مجهول!؟ وإن لم يكونوا كذلك، فهل بيّنوا لنا ما عقائد المجسمة؟ ومتى يكون الإنسان مجسماً؟ وهل وقفوا على ما كان من تجسيم لدى اليهود، ومن سبقهم من الإغريق الذين كانت لديهم نصوص فحملوها على ظواهرها المحالة على الله؟

ويكفي -هنا- أن نسوق قول الله تعالى من سورة "ق": {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ *} [ق: 50/38] ، ألا يتكرمون علينا ببيان سر قوله تعالى: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}؟ أليس فيه ردٌّ على يهود الذين زعموا أن الله تعب من الخلق، فاستراح، ووافقت استراحته -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون- يوم السبت الذي هو يوم عطلتهم؟!! ألم يأت بعدها مباشرة قوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ *} [ق: 50/39] ؟

وهل كان يُقبل من هؤلاء المشبهة أن يقولوا: تعب ليس كالتعب، أو: تعب يليق بعظمة الله تعالى؟!!

وثمة لفتتان رائعتان، لا يمكن أن يأتي بهما إلا التعبير القرآني المعجز! الأولى: أن النص قد طوى ما قالته يهود مما لا يليق بحق الله، واكتفى بالتعريض به بقوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}، وبهذا يقرر أن الله تعالى لا يقاس بالخلق كما ذهب هؤلاء، حيث رأوا أن الإنسان إذا عمل عملاً ضخماً مسه التعب، فقاسوا من ليس كمثله شيْء على هذا المخلوق! وبهذا الطيّ لقولهم، تنزيه "اللسان" عن أن يتقوّل على الله ما لا يجوز في حقه، ولو حكاية.. وما أروعها! والثانية: أنه عقب على الأمرِ بالصبر، أن أمر "بالتسبيح"، وهو تنزيه لله مطلقاً، وهو قمة الاعتقاد، وهو الماسحة التي لا تبقي في الأذهان ما يمكن أن يعلق بها من لوثات "التشبيه والتجسيم".

ثم تتابع الآيات لتقرر ما ينبغي أن يبنى التصور في حق الله من طلاقة قدرة، وشمول علم، كذلك المجسمة ممن سبق يهود من الإغريق حيث كانت لهم تصورات بائسة في التجسيم، مع اعتقادهم تعدد الآلهة المذهل الذي يأباه من صرعته الخمرة، فغيبت عقله، وألقته وراء الوجود! حيث إنهم جعلوا لكل ظاهرة من ظواهر الكون إلهاً خاصاً بها!!، وأوغلوا في إسقاط صفات الإنسان على هذه الآلهة المزعومة، فحاكت الإنسان بكل خواطره، وهواجسه، وتقلباته، ونزواته وشهواته!!! فمن الغرور إلى المشاعر السلبية، ومن الرغبة في الغلبة تدفع -أحياناً- إلى التحايل لبلوغ الأهداف، إلى الاستسلام أمام الخصم! وغير ذلك من شناعات. لقد رأوا فيهم كل مشاعر البشر، من حزن وغضب وحقد وغيرة، بل لم يقصروا في نسبة نصب شباك الإيقاع بالخصم، حين لا يقدرون على المواجهة!. ولست أدري ما الذي بقي من قدسية لله تعالى مما قررته الرسالات، ودلت عليه العقول النظيفة؟

وما كان هذا البلاء من التجسيم، ونسبة ما لا يليق بالله إليه، إلا أنهم انطلقوا بداية من قاعدة التشبيه التي جاء الشرع لينسفها بلا هوادة من نفس المسلم الذي عرف الله تعالى، على أنه المتفرد بكل صفات الكمال، وأن كل ما يخطر بالبال تجاه ذات الله، أو صفاته، فالله بخلافه على الإطلاق؟ لا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، سبوح قدوس!

وما أدري لم يضق بعضهم بالعضّ بالنواجذ على قضية التنزيه، حتى فيما ينسب إلى الله تعالى من صفات، فإنهم يخافون من كون شدة التنزيه تؤدي إلى محو ما ارتسم في خواطرهم من "كيفيات مبهمة"، إنّ ممحاة "التنزيه" هذه كفيلة بمحو كل ما لا يليق بالله مما قد يعلق بالأذهان، مع شهود الكمال المطلق له سبحانه! أجل تمحو كل تكييف ترسمه ريشة الخيال، وتدلي به قاعدة التشبيه، تمحوه وآثاره محواً لا يبقى منه أي أثر للمقاربة!

ثم الإيمان بالمتشابه "وإمراره كما جاء" من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.. هذا المنطلق المحكم الذي يعصم من التعطيل والتشبيه على حدٍّ سواء، هل يتفق مع ما جاء عن الشيخ من التطبيق عليه، إذ يقول الشيخ بعدما أورد حديث: «... ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، قال: كل هذه -أي: الإتيان والمشي والهرولة- صفات تليق بالله، يجب الإيمان بها، وإثباتها لله على الوجه اللائق بالله، فهو تقرب يليق، وهرولة تليق.. ليس فيها مشابهة الخلق، إذ تقربه وهرولته على الوجه اللائق، لا يشابه بها صفات المخلوقين، وزاد على ذلك، ومثَّل بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله لا يمل حتى تملوا»، فقال: هو ملل يليق بالله، لا يشابه صفات المخلوقين. أيرى الشيخ أنها "هرولة" أنيقة متميزة عمّا يهروله الطائفون حول البيت العتيق، تعالى الله عن هذا التصور وأمثاله!! أيرمي إلى أنه ملل وقور، لا ضجر فيه لكمال المالّ!!! وهذا الذي أستبعد أن يكون الشيخ قد رمى إليه، لأنه المشرب الإغريقي العكر. لكنه لا يعصم منه ما قرره بعباراته الواضحة الصارخة!! إذ إنه يعلل ذلك: بأن في المخلوقين نقصاً وضعفاً، أما صفات الله فهي تليق به، لا يشابه خلقه، وليس فيها نقص ولا عيب، بل هي صفات كمال تليق بالله تعالى، لا يشابه خلقه جل وعلا! يريد أن الملل في حق العبد مجبول بنقصه الخلقي، أما في حق الله تعالى فهو "ملل" تام، لا نقص فيه!!.. أهذه هي عقيدة السلف الصالح التي من اعتقدها كان من أهل السنة والجماعة، ومن أباها خرج من هذا الانتماء الشريف؟؟

6- ماذا يعني -إذن- قولهم: (أمرّوها) الذي جاء عن السلف؟

Page 5

بالبداهة جاء هذا القول يعالج "المتشابهات" لا المحكمات من الآيات، فعلى أي أساس فسر الشيخ "أمرّوها كما جاءت" هذه؟ فقال: افهموها كما جاءت!!، وهل بقي فرق بين الآيات المحكمة والمتشابهة؟ حيث جاءت المحكمة لتفهم، ويعمل بها في بناء الحياة، وجاءت المتشابهة ليؤمن بها على مراد الله تعالى، وهل هناك مع هذا التفسير تبنٍّ لأساليب اللغة التي فيها الحقيقة والمجاز، كما ثبت لدى أساطين اللغة، وجاء بها القرآن الكريم؟! وهل "على" في قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 20/39] ، تفيد الاستعلاء الحقيقي كما هي عليه في علم معاني الحروف؟ وهل قول الفتى الذي أخبرنا الله عنه حين عرض رؤياه على يوسف عليه السلام: {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 12/36] ، يريد به أن الخمرة تعصر؟ أم أنه من المجاز الذي عجت به دواوين اللغة التي اختارها الله وعاءً للشريعة الخاتمة؟

قد جاء عن السلف: «أمرّوها كما جاءت»، يعني: أنها تتلى على أنها نص شرعي متشابه، يؤمن به، ولا يبحث عن معناه، امتثالاً لقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران: 3/7] ، وهذا ممّا تعبَّدنا الله به بالنسبة إلى المتشابه، حيث أثنى على الراسخين في العلم، وبين موقفهم من المتشابه حين يعرض عليهم؛ {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 3/7] .

ويعني هذا أن تعلق الذهن عند النص المتشابه بتكييف ما، ولو جهلناه، لا يجوز، لأن التكييف، أي: البحث عن الكيفية، يتأتى من تحديد المعنى على حسب ظاهر النص، كما في قوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 20/5] ، وحيث يتصور في الآية الكريمة أمران رئيسان، كلاهما قد جاء به النص: العرش، وفعل "استوى" مع اسم الله "الرحمن" الذي أسند إليه الفعل، وحيث ترسم علاقة ما بينهما على حسب ما يطيق الخيال، فهذا لون من ألوان الافتئات على النص الذي جاء بصيغة واضحة، لكن ظاهره يوهم مشابهة الله تعالى للمخلوقات التي يتأتى منها الاستواء على ما نعلم بالكيفيات التي تختلف باختلاف "المستوي" منها، كما في سفينة نوح حيث {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 11/44] ! أو كما في الرجل يستوي على راحلته! وهو -إضافة لما سبق- لون من ألوان التكييف بقدر ما يطيقه الخيال، وهو -إن كان حقاً في حق المخلوق- باطل أيّما بطلان في حق الله. أقول في حق المخلوق، إذ ما كان في حقه فلا ضير من تكييفه، كما إذا جاءنا عن فلان -مثلاً- أنه قد استوى على راحلته، وانطلقت به على الطريق، قلت: لا يضيرنا هذا التكييف في حق المخلوق، لأنا نتشابه، فهو يشبهنا ونحن نشبهه، وإن كانت كيفية استوائه قد تخالف كيفية استواء غيره! بناءً على اختلاف الشخوص في السلوكيات.

ومهما تهرب "المكيّف" للمعنى، من ملاحظة التشبيه الخفي في قرارة نفسه، فقال: "كما يليق"؛ تهرباً من التشبيه الذي ينزه الله تعالى عنه بالنصوص المحكمة القواطع، فقوله هذا لا ينجيه، بعدما وقع -لا محالة- في فخ التشبيه، وصيد فيه قسراً بشبكة الخيال التي قطع النص مادتها في حنايا التعامل مع الله، وهذا إن لم يكن "مشبهاً" فقد وقف مع "المشبهة" على ساحل واحد، وامتدت مياه التشبيه لتغطي كل الأقدام على حدٍّ سواء! وادعاء أنه لا بد من تحديد المعنى، بدعوى أن الله تعالى لا يخاطبنا بما لا نفهم، ادعاءٌ مردود، إذ استيعاب المعاني يتأتى من النصوص المحكمة التي أنزلت للعمل بها، أما المتشابه فشأننا معه "الإيمان به"، وإمراره كما جاء، بلا تشبيه، ووقوفاً مع من أثنى الله تعالى عليهم بقوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}، و"كل" هذه في الآية ترجع إلى الآيات المحكمات والمتشابهات معاً، التي هي مجموع ما أنزل الله على نبينا عليه الصلاة والسلام.

ويذكَّر -هنا- هؤلاء بالحروف المقطعة التي أنزلت في مطالع بعض السور، كقوله تعالى في مطلع سورة السيدة مريم: {كهيعص *}، فهذه الحروف المقطعة كثير من المفسرين قرروا أنها مما استأثر الله بعلمها. كذلك نذكر بالحديث القدسي، وفيه يقول الله تعالى لعبده يوم القيامة: «مرضتُ» بضم "التاء" التي هي ضمير يعود على الله تعالى، لأنه تضمن المتشابه الذي تعجب منه المخاطب، حيث علم أن إسناد الفعل "مرض" إلى الله تعالى، كما جاء في الحديث، مما لا يليق ظاهره بالله تعالى، وأقول ظاهره، لأن له معنى، لما وضح للمتعجب سلم به أروع تسليم، خاصة لما تبين عطاء الظاهر المتبادر الذي جيء به، مع إمكان الخطاب المباشر بما لا يشكل، والتأويل الذي "صرف" به النص عن ظاهره المتبادر المتعجب منه، وإعادة المضاف المحذوف إليه في سياق التفسير لإزالة النص عن ظاهره، فصار بدلاً من "مرضتُ" "مرض عبدي"، والحديث يوضح أنه لا يوقف على الظاهر، إن كان معناه المتبادر لا يليق بالله تعالى؛ بدليل التعجب! وفيه أنه لا يحمل على ظاهره المتبادر، بدليل أنه ما أنكر على المتعجب تعجبه!.. مع أن مضمون الحديث يقال في الآخرة، حيث -هناك- عالم التسليم المطلق، ولو افترضنا أن العبد المخاطب بقوله تعالى: «مرضتُ»، لم يسأل عن كيف يكون ذلك، وأنت الحي القيوم، والمرض من أحوال الإنسان المخلوق! هل يمر هؤلاء النص على أنه "مرض" بكيفية تليق بالله، ولا يصرفون النص عن ظاهره ليتضح لهم المعنى بهذا الصرف على أوضحه، ودون أدنى شبهة؟!.

وهنا يقال لهؤلاء: لمَ تذهبون إلى أن "صرف" النص عن ظاهره المتبادر هو "تعطيل" للنص، وأن الإعمال لا يكون إلا بإجرائه على ظاهره؟ أمَا بلغكم ما كان من أمر الصحابة الذين سمعوا الأمر من الرسول -عليه الصلاة والسلام- حين دعاهم إلى التوجه إلى "بني قريظة" بعدما هزم الله الأحزاب، فقال مناديه: «ألا من كان سامعاً مطيعاً، فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة»، فالنص -هنا- واضح الدلالة أيّما وضوح، ولكنّا رأينا بعض الصحابة قد وقفوا على الطريق لمّا دخل وقت "العصر"، وقفوا على الطريق ليصلّوا العصر، وقبل الوصول إلى "بني قريظة" كما جاء في النداء!! والحديث قد نهى بظاهره عن الصلاة إلا في بني قريظة، أَفَيُعتبر هؤلاء الذين فعلوا ذلك صارفين للنص عن معناه الظاهر إلى ما فهموه منه، وأنه مجرد الإسراع، ومن ثم يكونون معطلين "للنص"؟ هذا، وقد تابع فريق من الصحابة السير، حتى وصلوا إلى غايتهم بني قريظة، وهناك صلوا "العصر"، فكان بذلك منهم من صلى على الطريق، ومنهم من صلى في بني قريظة، تُرى: أيّ الفريقين أقر عليه الصلاة والسلام؟ أأقرَّ الرسولُ الفريقَ الذي أخذ بظاهر الحديث، فلم يصلوا على الطريق؟ أم أنه أقر الفريق الثاني الذي فهم أن ظاهر النص ليس مراداً، وأن المقصود منه مجرد الإسراع في التوجه إلى بني قريظة؟؟ نبئوني إن كنتم تعلمون!

إن الثابت من السيرة أنه عليه الصلاة والسلام أجاز من صلى على الطريق ومن لم يصلِّ، أي: من أخذ بظاهر الأمر، ومن فهم منه أن الظاهر ليس مراداً، وإنما كان المقصود منه الإسراع. أيسوغ بعد هذا أن يقال: إن الذين صلوا على الطريق "عطلوا النص" إذ صرفوه عن ظاهره المتبادر ولم يأخذوا به؟

وهنا المسألة فقهية، واضحة المعالم، فكيف إذا كانت مسألة عقدية بهذه الخطورة، وتتعلق بذات الله أو بصفاته، بذاتِ من {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 42/11] كما ثبت بالكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل السنة؟

إن الذين يصرفون النص "المتشابه" عن ظاهره ما فعلوا أكثر من أن أعملوا النص "المحكم" في "المتشابه"، لأن المحكم -كما جاء به النص- هو "أمّ الكتاب"، ويرد "المتشابه" على هذا للمحكم. وعليه، فهو إعمال، وليس تعطيلاً كما يتراءى لبعضهم!...

وعودة إلى الحديث «مرضتُ» و«ومرض عبدي» الذي تضمن كلاً من المتشابه والمحكم معاً، واجتمعا فيه، مما يدل دلالة ظاهرة على عدم إجراء الظاهر المتشابه على ظاهره، ورده إلى المحكم "وهو التنزيه" المطلق، وبهذا ما بلغنا بعد هذا التوجيه أن العبد سأل بكيف، أو غيرها، ونقول: ثمة معان لا تظهر لنا إلا عبر الأسلوب الذي خاطب الله به عبده يعاتبه، إذ لو قال الله لهذا العبد الذي يعاتبه لِتَرْكِهِ عيادةَ المريض مباشرة: «مرض عبدي»، لغاب عنا الكثير من اللطائف التي سيق الخطاب -ابتداءً- لها، وهذه المعاني التي أثمرها النص المتشابه تُتلمس بقلب مفتوح، وتضلّعٍ بأساليب اللغة، ووقوفٍ على إيماءات التعبير، وهذا لا يتأتى لمن يبس أمام النص يستحلب ظاهره وحده، ولا يرى أي عطاءٍ في غير ضرعه الظاهر! ودون أن تتراءى له ما بداخله من عطاءات التحبيب والتقريب والحفز على العناية بالأحكام...

7- ثم أليس ما يأخذه الشيخ على الأشاعرة يعني -مع حسن الظنّ به- أنه هو من المشبهة أو المجسمة؟

Page 6

كلام الشيخ المفتئت على الأشاعرة يقطع بأنه على مذهب المشبهة أو المجسمة، ولا يمت لأهل السنة بصلة! إلا إذا تبرأ مما دل عليه كلامه دلالة ظاهرةً، وهذه ليست دعوى مطلقة، إنما تقررت بالدليل. وكان عليه -أولاً- أن يثبت أنه على منهج السلف الصالح في التعامل مع "المتشابه"، ثم بعد ذلك يُدخل من شاء في ميدان أهل السنة والجماعة، ويُخرج من شاء من المسلمين منه، بناءً على أنه من الداخل، ويدري ما بالداخل دراية تذوق! وميدان أهل السنة والجماعة -على هذا- تحت إحاطة بصره وبصيرته، وإن كان الشيخ -في كلامه- قد أدخل الأشاعرة في دائرة أهل السنة إدخالاً جزئياً -ويشكر على ذلك- فقد كرّ عليهم فأخرجهم حين قرر أن ثمة أشياء خالفوا فيها أهل السنة، وبيّن ما خالفوا فيه بأنه "تأويلهم لآيات الصفات"، وهو -إذا ثبت التأويل على وجهه الصحيح لدى السلف- يكون قد بنى جداره على رمال متحركة، سرعان ما تذهب به ريح الحقيقة، أو تزلزله بعنف الحق يغير على الباطل الذاهب! وما الذي يبقى من دعوى الشيخ بعد ذاك الانهيار!!!؟

وإذا كان الأشاعرة يؤمنون بالله وأسمائه وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، من غير تشبيه، ولا تمثيل، وعلى الوجه اللائق بالله تعالى، فلمَ يخرجهم الشيخ بدعواه من مجتمع هم لبّه وجمّه الأعظم؟.

8- أليس من الأولى بالشيخ أن يحدد لنا أولاً من هم أهل السنة والجماعة؟

أجل؛ لو حدد لنا الشيخ بدايةً من هم أهل السنة والجماعة، وما معيار الانتماء لهم بالدليل، ثم بعد ذلك أخذ يهدم انتماء السواد الأعظم إلى الأشاعرة على أنهم ليسوا من أهل السنة، لقلنا: نجح الشيخ فيما ادعى، ولكسب الدعوى، وعندها؛ على الطرف الآخر أن يراجع حساباته لأنه على خطر البعد عن "الفرقة الناجية". ولكن، أن يحاكم الشيخ الأشاعرة وفق اعتقاده هو! الذي يتطلب منه جهوداً جبارة ليدل على أنه هو اعتقاد أهل السنة، فهذا ما لا تعرفه المناظرات!

وما ذكره من موقف أهل السنة من الإيمان بآيات الصفات، لم يأت بدليل على أن الشيخ يتبنى هذا الموقف، ولم يبيّن لمَ أخرج الأشاعرة عن هذه المضامين! إلا من حيث أن له موقفاً من مسألة المتشابه من النصوص، ثم إذا به يهاجم من لا يرى رؤية هو يراها، ويتبناها، ولو دقق، لوجد أن ما عليه الأشاعرة هو عين ما كان عليه أهل السنة والجماعة، الذين هم الصحابة الكرام، ومن تبعهم بإحسان.. والشيخ نصب من نفسه مصدراً للصواب، وأخذ يخطئ الأشاعرة -وهم أهل السنة قبل أن يدلف مذهب الشيخ إلى ساحة المسلمين- بنسبتهم إلى التعطيل، لأنهم أوّلوا، والتأويل لا يعني التعطيل بحال، لأنه ليس نفياً لمعناه، بل إثباتاً له، وتفويض أمر تحديده لله، لأن الإحاطة به متعذرة، إلا إذا أراد الشيخ من "التعطيل" التنزيه عن التشبيه! أو تعطيل التشبيه!! حالتئذ يكون مصيباً أيّما إصابةٍ..

ولو عكس الشيخ لأنصف، حيث يقرر أن الأشاعرة هم أهل السنة، والذين جاؤوا من بعد، وأقاموا لأنفسهم بروجاً من الفهوم، جلها مؤسس على التشبيه والتجسيم، وقائم على إلغاء المجاز في اللغة، وهدم ما تعارف عليه العرب من أساليب التعبير، وحيث يسوق لنا أحد منهم "عبارات السلف" يسوقها حسبما يفهم هو، لا حسبما وردت عنهم، إذ جعل من نفسه قطباً تدور كل نجوم العبارات حول مركز فهمه، ولعل الاعتزاز بالانتماء دون بصيرة، ومن غير تثبت، وتورم ذلك في النفس، من وراء الكثير من هذه التشنجات الفكرية، كما قرر أحد الباحثين.

وقد ساق الشيخ مجموعة من المعاني، وعرضها عرضاً، امتلأ بالتناقض، وهذا ما سأكشفه قريباً.

وسوف أسوق بين يدي هذا الحديث مجموعة من نظرات شيخ منهم إلى قضايا الإيمان، ومدى استيعابهم لأمر المتشابه، وأنهم -كما تنضح به عباراتهم الصارخة- يجرون النصوص المتشابهة على حقائقها في المخلوق، لا على معانيها التي تليق بعظمة الله، دون أدنى تشبيه، أو تكييف! أسوقها لك لتنظر: أهي -فعلاً- على ما جاء عن السلف الصالح؟ أم هي داخلة في إطار {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 3/7] ؟ مع التأكيد بأن الدعاوى مقبولة ما ساندتها الأدلة، أما إذا نقضها الدليل، وأغار عليها الموقف العملي، فهي مردودة على المدعي بلا توقف!!.

1) يعتبر الشيخ كل الإضافات، أو: كل ما أسند إلى الله تعالى من أفعال، من ضروب الصفات التي يوصف الله تعالى بها، ويجعل كل ذلك من الكمال الذي يتصف الله تعالى به، وذلك من مثل قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 3/54] ، و:{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 4/142] ، و: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً *وَأَكِيدُ كَيْداً*}[الطارق: 86/15-16]، ويقول: كل هذه الصفات تليق بالله على الوجه اللائق به.

2) الشيخ لم يبيّن ما الوجه اللائق، وما هو غير اللائق من هذه الصفات، حتى لا نرى صواب كل وجه من الأوجه!.

3) وقرر -أيضاً- فقال: نؤمن أن الله تعالى يتقرب من عبده "المتقرِّب إليه" كما يشاء، ويأتي هرولة لمن أتى إليه يمشي، كما يشاء، من غير تكييف، ولا تمثيل، وليس في ذلك ما ينافي كمال الله عز وجل!!! ولا يدرى -هنا- ما الذي أفاده قوله: «من غير تكييف»، بعدما حدد صورة تلصق بالذهن بغراء لا ينفك عنه إلا بالموت!! وتابعْ معي ما قاله.

4) قال: وذهب بعض أهل السنة إلى أن قوله: «أتيتُ هرولة» يراد به سرعة قبول الله وإقباله على العبد المتقرب إليه، وقال: إن هذا هو ظاهر اللفظ، بدليل أن الله قال: «ومن أتاني يمشي..»، ومعلوم أنه لا يقبل العبد على الله بالمشي وحده، إذ هناك الركوع والسجود و.. فعلم أن المراد بذلك كيفية طلب الوصول إلى الله، وأن الله يجاري الطالب بأعظم من عمله وأفضل... وعليه؛ لم يكن تفسيره بذلك تأويلاً، ولا حرفاً له عن ظاهره.

والملاحظ -هنا- أن الشيخ ارتضى صرف النص عن ظاهره، ولم يعتبر هذا الصرف الذي ارتضاه من التأويل الذي هو التعطيل، كما يرى في غيره من التأويلات التي لا تروق له! ثم أليس هذا التوجيه الذي ارتضاه يدل على أن ثمة معنى دل عليه "الظاهر" الأَوْلى أن يؤخد به، بدليل أنه قال: «وعليه، لم يكن تفسيره بذلك تأويلاً»..

5) عرض شيخ من مشايخهم لقضية الجهة في درسه، ولما وقر في نفسه من قضية البعد الحسي بين الأرض والسماء، وقضية الجهة من القضايا الرئيسة لدى هؤلاء، فهم فيها حسيون إلى أبعد الحدود، وقد ضخّموا هذا الكون، فرأوا أن الله تعالى في جهة من جهاته، وقد غفلوا عن أن الله تعالى كان ولم يكن "كونٌ"، وأن الجهات حادثة بحدوث هذا "الكون"، هذا الشيخ عرض في درسه مثالاً يزيح به إشكالاً لا نجده إلا في صدور المجسّمة وحدهم، وقد جاء تمثيله يبين فيه كيف يكون الله تعالى مع هذا البعد الشاسع بين الأرض التي نحن عليها، وبين السماء التي يراها لله جهة!! مطَّلعاً على عباده؟ سبحانه وتعالى عما يقولون، فقال من جملة ما قال: في معرض بيان علم الله بنا، مع بعده المكاني عنا -سبحانه-!! أرأيت لو أن إنساناً على جبل عالٍ، وقال للجنود: اذهبوا إلى مكان بعيد في المعركة، وأنا معكم، وهو واضع المنظار على عينيه، ينظر إليهم من بعيد، فصار معهم، لأنه الآن يبصرهم، كأنهم بين يديه، وهو بعيد عنهم، فالأمر ممكن في حق المخلوق، فكيف لا يمكن في حق الخالق؟!!!. عجيب والله هذا التمثيل! إنه يوافق "الجهوية" الذين جعلوا علم الله مشابهاً لعلم المخلوق، وإن كان هنا "الملك" وعسكره!.

ثم يقول: فإذا أمكن اجتماع "العلو" و"المعية" في المخلوق، فاجتماعهما في الخالق من باب أولى!!!

هذا هو المنهج الذي يدعو إليه الشيخ ليكون من يتابعه عليه من أهل السنة والجماعة، على أنه ليس هناك تشبيه أظهر من هذا التشبيه! ولا تجسيم بعد هذا التجسيم! إن فيه -أقل ما يقال- قياسَ من ليس كمثله شيء على هذا المخلوق الذي لا يكاد يرى بالنسبة إلى الأرض، بله مجرة "درب التبانة" التي ننتمي إليها، ودعك من سائر المجرات!؟

أهذه هي السلفية التي يفتخرون بها؟ أوَهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة الذين هم السلف الصالح؟ أوَأذن الله لنا بضرب هذه الأمثال له -سبحانه- حتى يمثّل لنا الشيخ مسألة اطلاع الله على خلقه "بالمنظار"؟ إنه مثال نضح به ذهن معجون بالحسية، ومخبوز بالتشبيه، والقول باختلاف الكيفية، لا يبرئ الساحة مما لا يجوز تصوره في حق الله، علماً أن الله تعالى لا يكيَّف، ولا يشبَّه، ولا يمثّل بأي مثال، كيف؛ وقد قال -سبحانه-: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 16/74] ، وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؟ فكيف يضرب المثل لمن ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته؟ قال ابن الجوزي في "مدهشه": «...وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثالٌ، فأمّا من لم يزل، ولا يزال، فما للحسِّ معه مجالٌ، عظمته عظمت عن نيل كفِّ الخيال، كيف يقال له كيف، والكيف في حقه محالٌ؟!! أنى تتخايله الأوهامُ وهي صنعهُ؟ كيف تحدّه العقولُ، وهي فعله؟ كيف تحويه الأماكنُ، وهي وضعُه؟.. عزّ المرقى فيئسَ المرتقي!».

أقول: هذا مما اطلعت عليه من دروس شيخ من مشايخهم، ولعل هذا الفهم لدى هذا الشيخ للمتشابه هو الذي أخرج الأشاعرة عن دائرة أهل السنة والجماعة!! ولو كان المخرج بادئ الرأي داخلاً فيهم لساغ أن يحكم على الآخرين بالإخراج! ولو شعرت لحظة بأن هذا التصور صحيح لما توقفت عن اعتقاده، والدعوة إليه، ولكن هيهات!.

وقفة منصفة ودعوة ناجحة

معتقدو الجهة يتكئون على نصوص من المتشابهات، ويُعرضون عن نصوص أخرى لو أخذوا بها لقرّ في نفوسهم "استحالة الجهة في حق الله تعالى"، فهم لم يتعاملوا مع المتشابهات تعاملاً واحداً كما فعل "أهل السنة والجماعة"، ولنستمع إلى بعض ما قالوه دليلاً على جهة "الفوق" في حقه تعالى؛ قالوا: دليلنا عليها ما كان ليلة المعراج، حيث أوحى الله إلى عبده -عليه الصلاة والسلام- ما أوحى، وتمت الرؤية -هناك- كذلك، وهذا -عندهم- من الواضح البيّن الذي لا يناطح، ولا يسوغ الازورار عنه!

ونقول: أهذا الذي ذكرتموه من الأدلة القطعية أم من الظنّي المحتمل؟ فإذا كان ظنيّاً فكيف تبنون عليه مثل هذا الاعتقاد الخطر الذي يجعل من ظرفٍ مكاني مخلوقٍ مقراً لله -جل جلاله- خالق كل مكان وزمان؟

على أنه يستبعد -بالدليل- أن يكون قطعياً، بدليل أن "موسى" الكليم عليه السلام، له موقفان، كلاهما في كتاب الله تعالى، وكل منهما قاطع بما استبعدناه، وصارخ بخلاف ما ذهبتم إليه:

الأول: قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 7/143] .

النص يتضمن سؤال الكليم -وهو الأعلم بالله- أن يمدّه ربه بالرؤية، ليتمكن من النظر إليه، تبارك وتعالى، ولم يسأله أن يرفعه، أو أن يعرج به إلى معارج قدسه ليتمكن من تلك الرؤية، ففي النص طلب الرؤية، وهو من أوضح الواضحات، وإمكانية وقوعها وهو عند جبل الطور، لا في السماء كما يتوهم معتقدو الجهة..

والثاني : لمّا أوحي إليه بالرسالة، حيث أراه من بعيد ناراً، وكان يحتاج -ساعتها- إلى من يدله على الطريق في ليل بهيم شديد البرد، ووجود النار مظنة وجود من يقوم له بذلك، وإلا فهو بحاجة إلى "القبس" للاصطلاء به من البرد، فالنار دليل على موقدٍ لها، ولو عدم "المُوقد" عندها فلن يعدم الاقتباس منها.

وما الذي صار إليه الأمر عندما أتى تلك النار؟ فلنستمع إلى الآيات، ونتعرف منها إلى دلالاتها، قال تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ* فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* } [النمل: 27/7-9] .

Page 7

والنص بسياقه يدل على مجموعة من الحقائق، منها: أن الكليم رأى ناراً، وعبر عن رؤيته تلك بقوله: {آنَسْتُ} لِما توقع منها، ويُفهم -إذ أفرد إسناد الفعل له وحده، وأخبر أهله به- أن أهله لم يلحظوا هذا، وإن لم يكن هذا الفهم قطعياً، وكشف لأهله عن دافعه حيث أمرهم بالمكث في مكانهم، ليذهب وحده إلى تلك النار بدافعين: الأول أن يجد عند النار من يخبره عن الطريق، وهو الأهم حيث قدمه في التعليل، والثاني أنه إن لم يجد عندها من يخبره، فسيأتي منها بقبس للاستدفاء به، ولعل من دقائق التعبير أن الألفاظ قد جاءت من المتشابه البين؛ {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}، ومكان النار هو المحل الذي نودي منه الكليم؟؟ ولما كان هذا من المتشابه الصارخ، جاء العطف على أروع ما يكون العطف، تقريراً لتنزيه من ليس كمثله شيء، بقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 27/8] ، أي جل الله تعالى عن المكان الذي أوهم ظاهرُ التعبير به، إذ المكان والزمان من مخلوقات الله تعالى، الذي ليس لوجوده بداية، وكان الله ولا شيء معه، فهل تطلَّب الإيحاء أن يرفع إلى السماء حيث الجهة "المتوهمة" لله تعالى ليقع هناك؟ وهل تبقى لمعتقدي الجهة بعد هذا البيان حجة يستندون إليها؟؟

ويقال لهؤلاء: لم تُعملون حديث الجارية في إثبات الجهة، وهو على ما عرفنا من اختلاف الرواية فيه، كما سنبين آنفاً، وتقفون أمام النص القرآني الصارخ الذي ليس فيه روايةٌ فحسب، لتعملوا فيه الصرف عن ظاهره بما أمكنكم من الصرف مع شدة أسر ظاهره دلالة على "المكان"؟

فإن قالوا: هذا نص متشابه، قلنا: وهل حديث الجارية من المحكم؟

وإن قالوا: الله تعالى منزه عن جهة التحت؟ قلنا: وهو سبحانه منزه عن كل الجهات المخلوقة، وليست جهةٌ أَوْلى به من جهة بعد استحالتها كلها في حقه.

ثم دعوناهم إلى الوقوف من نصوص المتشابه موقفاً واحداً، يقوم على "التنزيه المطلق" لله عن الظاهر المتبادر الذي يوهم الجهة -المستحيلة في حقه- بحجة النصوص المحكمة، واعتقاد معنىً يراد من كل نص من المتشابهات، ونفوّض أمر تحديده لله تعالى، أو: من أراد أن يسلك مسلك تأويل المتشابه بحسب قواعد التأويل التي اتفق عليها العلماء، فله ذلك، وإن كنّا على مذهب السلف في ترك التأويل، والاكتفاء بالتفويض الأسلم والأحكم..

فإن أبى معتقدو الجهة إلا ما اعتقدوه، ذكرناهم بقوله تعالى في حق من تشبث بالمتشابه يريد "الفتنة" أو "يريد تأويله"، علماً أنه لا يعلم تأويله إلا الله، نذكرهم بقوله تعالى في ذلك: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 3/7] .

وهل هناك فتنه أكبر من أن ينسب لله تعالى ما لا يليق بعظمة ذاته أو بصفاته؟!

وهنا نكشف أبعاد ما يعتمد عليه معتقدو الجهة من حديث الجارية، ونذكر ما قرره العلماء فيه:r

إن لفظ الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلاً أتى النبي r بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله، إن عليّ عتق رقبة مؤمنة؟ فقال لها: «أين الله؟»، فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها: «فمن أنا؟»، فأشارت إلى النبي r

وإلى السماء، تعني: أنت رسول الله، فقال رسول الله r: «أعتقها، فإنها مؤمنة». ورواه مسلم (537) بلفظ: «قالت: في السماء... قالت: أنت رسول الله».

وثمة رواية مجوّدة عند البيهقي في (السنن الكبرى)، وعند مالك مرسلاً (2/777)، وجعلها الشيخ شعيب الأرناؤوط «اللفظ الصحيح لهذا الحديث» في تعليقه على المسند (7906)، يحسن إيرادها، وهي: فقال لها رسول الله r : «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟»، قالت: نعم، قال: «أتشهدين أن محمداً رسول الله؟»، قالت: نعم، قال: «أتوقنين بالبعث بعد الموت؟»، قالت: نعم، فقال رسول الله (ص): «أعتقها». وهذه الرواية يمكن حملها على "أنها خرساء" دون تكلف.

وعليه، فقد اختلفت رواية هذا الحديث، فمن مصرّح بالقول، ومن مؤكد للإشارة، ومن محتمل لكليهما، والرواية هي رواية للإشارة، عليها تحمل باقي الروايات إن ثبت اتحاد الحادثة، والحال هذه تجعل من الحديث مع اختلاف رواياته يقبل مجموعة من الاحتمالات، يبطل معها الاعتماد عليه حجة، وخاصة في مضمار الاعتقاد! علماً أنه مع رواية النطق هو من المتشابه!!.

هذا، وسبب الإشارة رواه أحمد (2/291)، وأبو داوود (3284)، والبيهقي في (السنن الكبرى) (7/388) تحت عنوان: باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان وصلّت.

ففُهم إذن من إشارتها إلى السماء علو رتبة معبودها أن تحيط به الجهات، كالموجود في بيوت الأصنام، وعلم أن النبي r سألها عن ذلك ورضي منها ما أشارت لكونها خرساء ليس إلا، ولم يرد عنه -وحاشاه- r أنه كان يمتحن إيمان الناس بهذا أبداً! فكيف يجعل هؤلاء من هذا السؤال سبيلاً لاختبار عقائد الآخرين؟ أيرون أن الناس كلهم "جوارٍ سود"؟.

وإذ إن هذا الحديث أقوى شبهة للخصم.. تجدر الإشارة إلى مزيد من بيانه ورفع إشكاله: فيقال لصاحب الشبهة، أو للحشوي المشبّه: كما أثبت صفة العلو والفوق بحديث... وجب عليه إثبات صفة الأمام، وذلك للحديث الصحيح الذي رواه البخاري (406)، والذي ليس فيه ما في حديث الجارية: «إذا كان أحدكم يصلي.. فلا يبصق قبلَ وجهه إذا صلى»، وفي رواية: «إنّ ربه بينه وبين القبلة».

بل إن هذا الحديث أولى بإثبات صفة الأمام من حديث الجارية، لأن حديث الجارية الإثبات فيه حاصل بالإشارة، كما ذكرنا بالتحقيق، وهذا مصرّح بالقول، والمصرح به مقدم عند علماء الأصول على الإشارة.

وحاشاه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، والمشكلة -كما قال العلماء- لا ترفع إلا بفهم معنى الجهة، وما ورد من هذه النصوص -كما قال ابن عبد البر رحمه الله- فالمراد تعظيم الشأن.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وفيه الرد على من زعم أنه -سبحانه- على العرش بذاته، ومهما تؤول به هذا جاز أن يتأول به ذاك»[1].

وعلى كلٍّ، فهذه النصوص من المتشابه، ويجب حمل المتشابه على المحكم، كقوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 42/11] .

ونافلة؛ قال الإمام النووي في حديث الجارية هذا: «...هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان، أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وتنزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها؛ هل هي موحِّدة تقرّ بأن الخالق المدبّر الفعّال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي.. استقبل السماء، كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك أنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة»[2].

وأكد هذا الاتجاه علم من أعلام السلف القاضي عياض حيث قال: «لا خلاف بين المسلمين قاطبة؛ فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم، أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء، كقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 67/16] ونحوه.. ليست على ظاهرها، بل متأولة عند جميعهم..»، إلى أن قال رحمه الله: «ويا ليت شعري؛ ما الذي جمع أهل السنة والحق كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في "الذات" كما أمروا؟! وسكتوا لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم "التكييف والتشكيل"، وأن ذلك من وقوفهم وحيرتهم غير شك في الوجود، أو جهل بالموجود، وغير قادح في التوحيد»[3].

أما أن يفتن الناس بمثل هذا، ويمتحن إيمانهم بسؤالهم: «أين الله؟».. فهذا ما لا يرضاه المنصفون الذين يحرصون على نزع فتائل الشبه، وما أشبه هذه بفعل المبتدعة من المعتزلة حينما كانوا يسألون الأئمة عن "خلق كلام الله" ليثبت إيمانهم عندهم.

وثمة كلام طيب للإمام ابن فورك حول هذا الحديث في (مشكل الحديث وبيانه) (ص159)، والعلامة ابن خلدون (1/605)، والكلام في حديث الجارية طويل الذيل، لا يناسبه حجم هذه الرسالة، فانظره هناك.

6) وحيث كان من أولئك الذين يجرون النصوص على الحقائق المتبادرة دون أدنى احتراس، أو دون أي اعتبار لقضية التجسيم والتشبيه، رأيناه في موقف آخر يقرر ما يلي فيقول: لا يمكن أن يخاطبنا الله بما لا نفهم، وهذا مسلم به في قضايا الأحكام، حيث لا نتمكن من إقامة شرع الله في واقع الحياة إلا بعد فهمنا لما يراد منا من أحكام. لكنه يقول: خاطبنا -سبحانه- أن له وجهاً، وأن له عيناً، وأن له يدين... وما أشبه ذلك ، يقول: ونحن لا نعقل -بمقتضى اللغة العربية- من هذه "الأشياء" إلا مثل ما تشاهد!! أرأيت هذا الفهم، إذ جعل ما ينسب إلى الله في حقيقته على مثل ما ينسب إلى المخلوق، ثم يقول: ..وعلى هذا فيجب أن يكون مدلول هذه الكلمات مماثلاً لمدلولها بالنسبة للمخلوقات!! أترى أننا افتأتنا عليهم حيث قلنا إنهم يعتقدون أن ما لله هو ما للمخلوق من صفات، وإنما الاختلاف في الكيفية! وأرجو أن أكون مخطئاً -واللهِ- في هذا الفهم، لأنه "طامّة" في حقهم.

أهناك غرابة أشد غرابة من هذا التقرير؟! يد ويد، عين وعين، وجه ووجه.. وهكذا، لكن هذا كله بلا كيف. ونحن إنما قلنا بذلك لأن لدينا دليلاً سقناه من كلامهم!

7) إنّ ما أتى به هؤلاء لا يمت للسلف بصلة، ولا يستند إلى فهم للغة الخطاب التي جاءت بها النصوص، ولا لمعطيات اللغة العربية التي نزل بها الكتاب، بل هي تفسيرات منطلقة مما ملأ النفس من تكييفات، فأخذوا يطوّعون كل النصوص لما يرونه، وإن فوجئوا بنص يصدهم عن السبيل الذي يسيرون فيه وقفوا منه موقف المطوّع له حتى ينسجم مع ما تبنوه، فهم لم يسلكوا مع "المتشابه" مسلكاً واحداً! وإن تستروا بقولهم: «بلا تكييف»؛ لأن الشروح التي أتوا بها لا تخرج بمفرداتها وجملها عن هذا المعنى، وذاك التوجه.

ويفيد -هنا- أن نعرض بعض الكلمات التي يكثر ورودها في قضية التوحيد، منها:

- المتشابه : هو كل نص من كتاب، أو سنة، يوهم ظاهره مشابهة الله تعالى للمخلوقات، مثل قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 2/210] ، وقوله -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عن ربه: «... ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». والمتشابه -لغة- هو اسم لكل ما لا يهتدي إليه الإنسان، لما فيه من المشاركة في المماثلة والمشاكلة المؤدية إلى الالتباس[4]، وهو ما أشكل تفسيره بمشابهة غيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، ويحتمل -كذلك- التصرف، ويحتاج سامعه إلى تأويله، وليس قطعيّ الدلالة على المعنى المراد[5]، وقال الرازي: «المتشابهات هي التي قامت الدلائل الكافية على امتناع ظواهرها».

- الموقف من المتشابه : المحكم بالنص هو "أم الكتاب"، وهو الذي أُنزل ليعمل به، ويرد إليه "المتشابه"، ولذا يؤمن بالمتشابه، ويحمل على المحكم، وينزه الله عن الظاهر المتبادر من المتشابه، ويفوض أمر معناه المراد منه إلى الله تعالى، وقد جاء عن السلف أنهم قالوا في المتشابه: «أمرّوها كما جاءت»، مما يدل على أنهم لم يقفوا على معناها المراد، ولم يروا أن يعملوا في عقولهم فهماً، كما هو شأن المحكم.

- المحكم: هو النص المقطوع به أنه -تعالى- مخالف للمخلوقات كلها، كقوله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 42/11] .

- تأويل المتشابه : التأويل، منه العامّ ومنه الخاص، فالعامّ هو مطلق تنزيه الله -تعالى- عن مشابهة الحوادث، وهذا لو أخذ به المجسمة والمشبهة لما وقعوا في شر التجسيم ولا التشبيه، ولصينت عقائدهم عن لوثة ذلك! والخاصّ: يعني صرف النص عن ظاهره المتبادر لإيهام المشابهة، بناء على النص المحكم: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ثم الإيمان بمعناه الذي استأثر الله بعلمه، بناء على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ}، وهذا يعني تفويض أمر معناه لله تعالى الذي أحاط بالمراد منه، ومما يستدل به على جواز ذلك، أنه قد صرف نصُّ الحديث القدسي «مرضت» (بإسناد الفعل إلى الضمير "التاء" الذي يعود على المتكلم، وهو الله تعالى) عن ظاهره، ثم حدد المعنى المراد من التعبير بقوله: «مرض عبدي»، فأسند الفعل الذي يستحيل في حق الله تعالى إلى العبد الذي يقبل معنى الفعل "مرض"، ولولا ما أوهم ظاهر العبارة الأولى «مرضت»، لما تعجب العبد المخاطب بها..

وعلى هذا يقدّم التنزيه بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} على الإثبات، وهذا يتطلب للدخول إلى رحاب الإثبات أن يكون عبر المحكم، ليكون ما نثبته لله تعالى نثبته على المعنى اللائق به، وهذا ما دلنا عليه التعبير القرآني الذي تقدم فيه النفي على الإثبات، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، وبه يثبت صفتي السمع والبصر على المعنى الذي يليق بالله تعالى، لأنه -سبحانه- {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في ذاته، ولا في صفاته.

- التكييف : يتنافى مع التنزيه، لأنه ليس لله كيفية، إذ الكيفيات والكميات من صفات المخلوقات، والله تعالى لا يوصف بكيف. وعليه؛ لا يكون منزهاً لله من تخيل لله كيفية ما، أو من نسب له كيفية، ولو أعلن أنه عاجز عن إدراكها، وصرخ "بأنها ليس كمثلها شيء". وإدراك الكيفيات يقوم على الخيال، ولا مجال للخيال في قضية الإيمان بالله وصفاته.

لهذا جاء عن السلف نفي الكيفية، فقالوا وهم يقررون العقيدة في الصفات: بلا تكييف ولا تمثيل..

- التعطيل : هو نفي صفات الله تعالى بالمرة، واعتبار ذاته تعالى بلا صفات. والعجيب أن يختلط معنى التعطيل بحقيقة التأويل في بعض الأذهان، فيرون أن من أوّل المتشابه فقد عطل! والحقيقة أن التأويل ينفي التشبيه، ويفضي إلى إثبات ما لا ندركه من المعنى، وهل الصفات سوى معان تقوم بذات الموصوف، فتوجب لها حكماً؟ فكيف يقال لمن أثبت صفة لا يدري كنهها: أنت "معطل"؟ إن من اعتبر تأويل المتشابه تعطيلاً دفعه إلى ذلك أن صرف النص المتشابه عن ظاهره هو تعطيل عن الصفة التي يعتقدها المعتبر، وهذه الصفة لا تليق بالله تعالى، وإن جاء النص بظاهره يوهمها، وقد أغمض عن الإيمان بمعنى يليق بالله، فكيف يكون هذا تعطيلاً أو من التعطيل؟!

Page 8

نموذج لفهم الأشاعرة للمتشابه

ونسوق هنا نموذجاً مما عليه أهل السنة من علمائنا، وهو القرطبي، رحمه الله، حيث قال في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 89/22] ، أي: أمره وقضاؤه، قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف. وأنت خبير أن هذا الباب ذائع في اللغة، ومنه قوله -تعالى- في الحديث القدسي: «يا بن آدم، مرضتُ فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني»، وقيل في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ}: أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.

وقال أهل الإشارة: {وَجَاءَ رَبُّكَ}، أي: ظهرت قدرته، لأننا في دار ظهور القدرة، بخلاف ما نحن عليه في دار الأسباب، والله -جل ثناؤه- لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان! وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له، ولا أوان!! أي: هو -سبحانه- منزه عن المكان، والزمان، إذ هو خالقهما...

وقال في حديث «مرضتُ»: تنزلٌ في الخطاب، وتلطفٌ في العتاب، مقتضاه التعريف بفضل ذي البلاء، وبمقادير ثواب هذه الأعمال، ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء، ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا فيه من الأوصاف الجميلة، والأفعال الشريفة!!!. وعن التعبير بهذه الصيغة قال:...وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه، ترغيباً لمن خوطب به، وحيث بلغنا هذا، مع أنه سيقع يوم القيامة، كنا كأننا سمعناه الآن في رحاب هذه الدنيا، فانبرينا إلى المريض نعوده لننال عطاءً من الله الذي ندبنا بهذا الأسلوب إلى عيادة المريض.

وعند حديث: «إن الصدقة تقع في كفّ الرحمن»، قال: هذا كناية عن القبول والزيادة عليها، كما كنى بنفسه الكريمة المقدّسة عن "المريض" في ثنايا الدعوة إلى عيادته، تعطفاً عليه...

فمن هو -إذن- من أهل السنة والجماعة، ومن هو المبتدع؟

وبهذا يظهر لنا جلياً الفرق بين من يلتزم بالكتاب والسنة على الوجه الصحيح، وبين من يلوي أعناق النصوص إلى ساحة تصوره الذي عجّ بالتشبيه!! ويزيد على هذا دعوى أنه هو على منهج أهل السنة، ومن لم ير ما رأى فهو المبتدع!!!! ونترك للقارئ الحصيف الحكم، واتخاذ الموقف السليم من الفهم السليم، والإعمال الواعي للنصوص!

Page 9

ماذا يعني التشبيه والتجسيم والتأويل عند الشيخ؟

- لو عرض الشيخ لقضية التشبيه، ومتى يقع؟ والتجسيم، وما حقيقته؟ لكنا حاكمنا ما قاله على تحديده لمعنى التشبيه والتجسيم، لكنه حمل مسألة التأويل على أنها نوع من التعطيل دون أن يحدد لنا: ما التعطيل؟!!..

1) قال: نسيانٌ يليق؟! فليأخذك العجب كل مأخذ أمام هذا الطرح في حق الله!

لا ينجي القائل بأن الله "ينسى" قوله: لكن على المعنى الذي يليق بالله، ما دام قد أسند لله -تعالى- ما لا يجوز في حقه شرعاً ولا عقلاً، ولو بنى قوله هذا على مثل قوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ} [السجدة: 32/14] ، وبناه على إسناد الفعل {نَسِينَاكُمْ} لله تعالى! ونقول -هنا-: ما الفرق بين إسناد النسيان هنا، وإسناد الخداع والمكر هناك، حيث قرر أنه في حقه -تعالى- "مكر" يليق به؟!

2) قال: هرولة تليق كذلك؟! ، ولو قال لنا ما الهرولة التي لا تليق؛ حتى لا نقع في نسبة ما لا يليق منها لله جل جلاله!

ثم يورد الحديث الذي هو من لبّ المتشابه، والشيخ قد أغفل أن القرآن منه محكم، وفيه متشابه، ويقول في الحديث القدسي: «... ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، ويعلق عليه: كل هذه الصفات تليق بالله، يجب الإيمان بها، وإثباتها لله على الوجه اللائق بالله، هو تقرّب يليق، وهرولة تليق، ليس فيها مشابهة الخلق، تقرّبه وهرولته على الوجه اللائق لا يشابه صفات المخلوقين..

3) قال: مللٌ يليق به؟! ، وحين عرّج على الملل الوارد في الحديث: «إن الله لا يملّ حتى تملوا» قال: ملل يليق بالله، لا يشابه صفات المخلوقين، وعلل هذا بالعجب العجاب، فقال:..في المخلوقات نقص وضعف، أما صفات الله فهي تليق به، لا يشابه خلقه، وليس فيها نقص ولا عيب، بل هي صفات كمال تليق بالله تعالى!!...

4) قال: مرضٌ يليق ؟! وهذا مما لا يهضم إلا من قبل معدة أتخمت بالتجسيم!

Page 10

ومرة علق الشيخ على حديث «مرضتُ» فقال: أخذ به السلف، ولم يصرفوه عن ظاهره بتأويل يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسّروا بما فسّره الله به، حيث قال: «أما علمت أن عبدي فلاناً مرض» قال: والذي فسّره بذلك هو الله تعالى الذي تكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسّر بما فسّره به الله لم يكن في ذلك صرف له عن ظاهره، ولا تأويل كما لو تكلم الله بالمعنى ابتداءً.. ثم يقول: لو كان المراد خلاف ظاهرها -أي النصوص المتشابهة- لبيّنه الله تعالى ورسوله! ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعاً على الله تعالى لكان في الكتاب والسنة من وصف الله بما يمتنع عليه ما لا يحصى إلا بكلفة!!.. وغفل الشيخ عن أن المعنى الذي ورد له التعبير «مرضتُ» قد صرف عن ظاهره بالعبارة الجديدة «مرضَ عبدي»، وهذا التأويل؛ ألا يحتذى في أمثاله؟ وما الذي يمنع من إجرائه على ما يماثله من المتشابه؟ ولو افترضنا أن المخاطب فهم من الخطاب ما آل إليه المعنى بعد ذكر المضاف "المحذوف" لما كان هناك من حاجة إلى البيان، ومن فهم المراد من المتشابه ليس له أن يتعجب! ثم، ألا ترى أن الشيخ أرجع التأويل الذي سلكه العلماء في النصوص المتشابهة إلى الأهواء، وأعرض عن القواعد التي تتبنى في فنّ التأويل لمن أراد أن يؤوّل، كما أوّل في الحديث، بخلاف من سلك مسلك «أمرّوها كما جاءت»، وهذا هو الأسلم والأحكم، ولمن أوّل متكأ من السنة، هو ما ثبت من صرف النص عن ظاهره في الحديث الشريف الذي وظفه الشيخ لمذهبه، أي: إجراء اللفظ على ظاهره، ولو كان منافياً لما يليق بالله تعالى، وغفل عن أن العبد الذي سمع من الله «مرضتُ» قد عجب من العبارة التي تلقّاها، ومن الله، فقال: «وكيف تمرض؟»، ولم ينكر الله عليه تعجبه!! ولم يقل له: ما لك تتعجب، والمعنى واضح كل الوضوح!!

5) قال: يد تليق به؟! ولم يقل ما اليد التي لا تليق به بناءً على أن معنى "اليد" عنده على الحقيقة المدركة منافي الشاهد!!؟

وها هو ذا الشيخ يؤكد المعنى الذي تبناه "لليد" فينقل لنا -أيضاً- عن ابن جرير أنه قال في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 48/10] : فيها تأويلان، أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم لنبيه، والثاني: قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله، لأنهم بايعوا الله على نصرته.. ثم رجّح الشيخ المذكور "التأويل الأول"، على أنه ليس فيه تأويل بصرفه عن ظاهره، وقال: «يد الله هي على حقيقتها وظاهرها»!! وذلك أن "يد الله" صفة من صفاته، وهو سبحانه فوقهم! على العرش استوى! فكانت يده فوق أيديهم!! ألا يتعجب من هذا التوجيه الذي تبناه الشيخ، واستبعد معه أن تكون العبارة تخييلاً على معنى أن النبي عند المبايعة يده كأنها يد الله، بدليل أن النبي عند المبايعة لم يجعل يده فوق أيديهم، وإنما كان يمسك بأيديهم ويصافحهم، فيده مع أيديهم لا فوقها!! الشيخ كان في ذلك أسير الجهة الحسية لا ينفك خياله عنها بحال! ولذا أطلق في مشهد المبايعة للخيال كل طاقاته ليبقي على هذا التوجيه، وليعلم الواعي من المسلمين مدى انطباق دعوى التمسك بما كان عليه السلف في ميدان الاعتقاد لدى هؤلاء!!