eKtab
EN ع
الاسكندرية 2050
Read free sample

الاسكندرية 2050

by صبحي فحماوي

Page 1
شبكة المخابرات الخاصة!

الزمان: 25 - 9 - 2051.
المكان: عكا.
نحن شبكة إنتاج، متخصصة بالتجسس على عباد الله، منذ لحظة الولادة، وحتى لحظة الوفاة. وبناء على معلومة تقول: "إن المُحتضَر يتهالك على سريره خلال الساعة الأخيرة من عمره، فيتذكر كل الذي مضى، ويستعيد ذكرياته من المهد إلى اللحد، فتمر الأحداث كلها مضغوطة في مخيلته بسرعة مذهلة، يتذكر فيها كل شيء، وكأنه يعيشه الآن." فإن عملنا يقوم على تسجيل رقمي، لكل ما يدور بخلد الإنسان في تلك اللحظات الفاصلة.
لقد انتهى عصر الرومانسية، التي تتغنى بنسمة الهواء على خد المحبوب. لو نكشف عن الفضائح والأسرار السابحة أمام أعيننا، والتي تلوِّث نسمة الهواء، فقد يُجن العاقل، وتجهض كل ذات حمل حملها. هذا إذا بقيت حتى الآن عاقلة تحمل حملها في بطنها!
إن نسمة الهواء التي كانت تشرح الصدر يا عزيزي، نراها الآن أمام أعيننا تنغل دوداً حياً يسعى! نقصد أنها تنغل آهات وصرخات، ومعلومات وأسراراً، ورسائل، وشيفرات عسكرية، وعلوماً ووثائق خطيرة، وخيانات، وأغاني وأفلاماً، وصوراً مختلفة ألوانها، وموسيقى وأصواتاً ما أنزل الله بها من سلطان.
كل التأملات والأفكار، والأسرار الدفينة بداخلك، وأحقادك على الآخرين وعلى الحكام الظالمين، والخطط المستقبلية، التي يطبخونها داخل مواخيرهم، والتي لا تخطر على بالك، وكل من يضرط في آخر الدنيا، تدخل ذبذبات ضراطه في أذنيك المستقبِلتين لأي شيء يصدر من هذه الشريحة الكمبيوترية المدمجة! لقد كشفنا عنك سترك، وسجلنا كل ذلك في اللوح المحفوظ!
صحيح أنها فضائح وهموم وعذابات، تنزل على كاهل المتلقي، فتكاد تُذهِب عقله، ولكنّ هناك وضوحاً في الرؤيا. لقد أزلنا طاقية الإخفاء عن الأسرار. والسر لم يعد سراً، وهناك تخصص في الاستقبال، فهذه الأجهزة تحلل المعلومات السياسية وتصنفها، وتلك العلمية، وتلك الفنية.. وتخصصات لا أول لها ولا...
تستطيع القول إننا أجهزة مخابرات خاصة في عصر الخصخصة، حيث تقف أجهزة المخابرات الحكومية عاجزة عن الوصول إلى ألف باء المعلومات التي تسجلها مؤسساتنا الخاصة على أقراصها الحساسة، ولذلك فهم يعتمدون علينا في كشف المستور!
لقد تميزنا في رصد الأفكار التي تدور في خلد الخارجين على القانون، والمعارضين، واستحلابها وتسجيلها، وكشف زيف المنافقين، ونجحنا في نبش عقولهم من الداخل، دون أن نقترب منهم، وسجلنا كل ما يدور في أذهانهم من أفكار وأطماع ومؤامرات، وخروج على الإطار العام!
ونحن المنفذين لهذه الأعمال البشعة الممتعة، رغم أنها تتنافى مع الحرية الإنسانية، لا نتورع عن رصد تحركات الحكومات الموجّهة ضد رأس المال المسيطر. نعم نتجسس على الحكومات لمصلحة الأشخاص. فما داموا يدفعون، نقول لهم: "حاضر". نحن ببساطة شركة فنية مرخّصة للتنصت، تنفِّذ ولا تناقش!
وبناء على طلب السيد برهان، قمنا بتسجيل ما يدور بخلد أبيه مشهور شاهر الشهري من تفكير، خلال الساعة الأخيرة من حياته، وهو ينازع سكرات الموت هنا في عكا. ولهذا شبكنا سماعة على رأس المهندس مشهور، لا لتُسمِعه آيات من القرآن الكريم بينما هو يُحتضر، بل لتتنصت، وتشفط منه ما يدور بخلده في هذه اللحظات الحاسمة.
المُحتضَر مشهور شاهر الشهري يتمدد منقبضاً على سرير جناحه الخاص، الذي جهزته له ابنته سمر ، منذ عودته للتقاعد والاسترخاء، وقضاء بقية عمره بين أسباطه في مدينة عكا، ينازع في الرمق الأخير الباقي له بين الحياة والموت، فيحس وكأن السماء تلتصق بالأرض، وهو مكبوس ما بينهما، ويتنفس من خرم إبرة! يحاول أن يستمتع بآخر شعاع ضوء كوني، تلتقطه بقايا حواسِّه المتخلِّية عنه، والهاربة من خدمته. ولكن عقله - آخر حصونه - ما يزال يعمل بتسارع عجيب.
وما نشفطه من ذكريات وأفكار وخيالات ماضية في ذهن الرجل، ونسجله على قرص مدمج، مدهش حقاً، تستطيع أن تسمعه بسهولة ويسر على جهازك الخلوي. فتفضل يا عم، اسمع، أو اقرأ ما سجلناه وحرّرناه، ودقّقناه وقدّمناه، على شاكلة رواية مدهشة، استطعنا أن نوثِّقها ونبوبها، ونرتبها طباعياً، ونترجمها إلى كل اللغات الناطقة، في الشريحة المدمجة التالية:
Page 2
الزمن الأصفر!

يا إلهي ما أبهاك أيتها البجعة البيضاء الجميلة، الطافية فوق بحر أزرق، أيتها الجنّة المضطجعة على رمال شاطىء من ذهب! ما أشهاك يا أجمل الجميلات، وقد ضمّخك عطر البرتقال، حتى لقد تُيِّمت بحبك النسمات. ما أنقاك وموج البحر يغسل قدميك، ويرشق ماءه المالح الذي يرغي ويزبد في حوضك، متسلقاً ساقيك العاريتين، يدلكهما صباح مساء، فتبدين فيه ساحرة الحوريات، وصدرك العامر موج البحر، يعلو ويهبط، وصفحات أمواجك المتصاعدة هبوطاً، تشكل تضاريس أجساد نساء الإسكندرية السمينات النحيلات الشقراوات السمراوات الكاسيات العاريات الحاملات بأيديهن أوراق البردي بأسماء الله الحسنى.
أيتها الحبيبة المراوغة، اللئيمة المغرورة، وأنت تتنكرين لي، وتديرين وجهك تيهاً وكبرياء، ولا تحلمين بي، ولا تسألين عني، رغم أني أحبك، وأنقر بابك، ولا من مجيب!
"نحن ملتقيان مفترقان ؛ فأنت المقيمة هنا، راحلة بالقلب معي، وأنا الراحل عنك، مقيم بالشوق إلى جوارك." هذا ما قاله أنطونيو لكليوبترا وهو يعانقها ويتابع أشعاره: "حين يتعانق عاشقان متحابان مثلنا، فلن يجد العالم لنا نظيراً. وإني أُشهد الأرض على غرامنا، ولو دفعت حياتي ثمناً لهذا. كنت تعلمين حق العلم أن قلبي مشدود إليك بحبال شداد، وأن سلطانك على روحي مكين، فإن أومأت إليّ، صدعت بأمرك، ولو عصيت كل شيء!" أنطونيو مستمتع بحب كليوبترا الخاضعة له، وأما أنا فخاضع لغرامك المتحكِّم فيّ أيتها الإسكندرية!
كم سنة مضت وأنا غائب عنك! يقولون: "إن البعد جفاء"، وأنا والله لم أجفُ، ولكن الزمان جفا! تنقّلتُ في ربوع الكرة الأرضية، (لم تبق زاوية بجسم جميلة، إلا ومرت فوقها عرباتي )، ولكن الجميلات عندي، لسن جميلات نزار، بل هن عجائب الدنيا السبعمائة، فلقد طفتُ الدنيا كلها، ابتداء من شلالات النرويج، المنفلتة من بين يدي الله، لتسقط بين غابات داكنة الاخضرار، عبقة الروائح النباتية والطحالبية، ووديان معلقة في السماء، وسَبَتني غيوم تطير في قيعان المحيطات، وتهتُ في صحاري الرمال المحروقة، حيث تسبح الثعابين في أنهارها الباطنية، واستمتعتُ بجمال الحدائق الأندلسية العربية، التي سباها الفرنسيون، وغيروا اسمها، كما يُغيِّرون اسم عائلة الفتاة بعد زواجها، فصارت حدائق فرنسية، وطاردتُ البهارات والعطور والتوابل في طريق الحرير، التي سار فيها العرب المسلمون باتجاه الهند الصينية، وتبخرْتُ مع شلالات خط الاستواء، ذات الروائح الشبقة في غابات إفريقيا، فَنَبَتُّ شجرةَ مانجا، نهودها الصبيّة دانية في دلتا مصر أم الدنيا. وقذفتني تسونامي الشرق الأقصى إلى سور الصين العظيم، واحتفلت مع الفيتناميين المتحررين من استعباد اليورانيوم المنضّب، فإذا بي أعيش الحفلة اللاحقة على رمال الوطن العربي، المُنَفّض من نفطه الذهبي الأسود. وتجمدتُ لأكون تمثالاً في جليد ألاسكا. وقفزت من برج برلين الدوّار، إلى برج إيفل الواقف في السماء كالرجل المُحدِّق، إلى برج بيزا المائل، ومن تمثال الحرية المنفلتة من عقالها، إلى برجي مركز التجارة العالمي، واللذين "لأمر ما جدع قصير أنفه!"
تنقلت بين كل هذه العجائب وغيرها، فما وجدت مثلك يا اسكندرية في البلاد! وأرجو أن لا تؤاخذيني، فأنا ابن المائة سنة من العمر، قد بدأت أُخرِّف. هل هذا هو عمر الخَرَف؟ لا أعتقد ذلك. فلقد عاشت جدتي أنيسة مائة وعشرين سنة، وكانت " تقرط" الفول المُحمّص بأسنانها التي لم تعرف طبيباً مداوياً! معنى ذلك أنني ما زلت أحتفظ بقواي العقلية، ولكنني عندما أختلي بالمرآة، وأحدق في عينيها، أتنهّد وأعترف لنفسي القابعة في داخلها:
"أنت أيها الخِتيار المُعَتّق، مُخرفِن"!
لم تكن تتصور أيها العجوز أن تعود إلى الإسكندرية عام 2050، بعد أكثر من ثمانين عاماً من مجيئك الأول للدراسة الجامعية! ولكنك تعود متلهفاً لرؤية ابنك برهان، ومشتاقاً لاحتضانه ولشم رائحته، وقلقاً على الفحوصات الطبية لحفيدك الأخضر كنعان، في مستشفى (شنغهاي - الإسكندرية)، الذي ذكرَهُ لك قائلاً: "هذا الفرع (الأوروبي العربي الأفريقي) لمدينة شنغهاي الطبية الدولية للأمراض الباطنية، معظم عملياته الاستشارية والجراحية تتم عن بُعد، بواسطة أجهزة الكمبيوتر. وحتى الإبر الصينية فيه تنغرس بتوجيهات من المركز! "
مائة عام وعام من العمر المُبَدّد. كأنك دخلت هذا العالم من باب، وخرجت منه من الباب الآخر! لم تكن تدرك أنك ستعيش، حتى تصل إلى هذا (الزمن الأخضر)!
كانوا يقولون: "سيأتي على الناس (زمن أصفر)، تهب فيه رياح صفراء، تصبغ الكون كله باللون الأصفر، فتصير فيه الشوارع صفراء، والبيوت صفراء، والأشجار صفراء، والوجوه صفراء، ويهجم أهل يأجوج ومأجوج، صفر اللون، فيُحَوِّلون كل شيء إلى اللون الأصفر! كل هذا تفهمته، ولو في عالم الخيال. وأما أن يكون حفيدك رائداً لزمن أخضر حقيقي، فهذا هو ما لم يخطر لك على بال!
ها هي الطائرة الهيدروجينية (إيرباص 636) تقلك من دبي، فتشاهد من شباكها الصغير بحاراً زرقاء، وصحاري شاحبة، وفي الجو غيوماً بيضاء متسارعة، وأبخرة تغطي الفضاء من حولها، سرعان ما ترتفع شاقة مدى الجاذبية الأرضية، إلى الفضاء غير الرحب. طائرات جديدة تنفلت من مدى الجاذبية الأرضية، مثل انطلاق الأقمار الصناعية، لتقطع المسافة بين دبي ومطار الإسكندرية الدولي خلال أربعين دقيقة فقط، كما يقول قائدها الآلي.
والطائرة بأبخرة أطعمة ركابها، ومشروباتهم المختلفة الروائح، وعطورهم الفواحة العبير، ممزوجة بروائح فسائهم، تتبدد سريعاً بفعل أجهزة الشفط الفاعلة، تقترب بك من الإسكندرية، بينما شاشات كمبيوترها تُصوِّر وتعرض لك في بث مباشر، مشاهد منطقة الدلتا المعتدى عليها من البحر الدافق، والذي يغمر أرضاً كانت زراعية خضراء، ويكاد يصل إلى سد البحيرة، الذي شيدوه حديثاً فوق تفرع ذيلي النيل، اللذَين كانا ضحلين، فحصروهما لاستغلال كل قطرة كانت تختلط سدى مع ماء البحر!
Page 3
تتقدم الطائرة بجرأة جسور، فوق منطقة البحيرة، وتقترب من شاطىء أبو قير (1) الرجل الصبّاغ الحسود الحقود الكسول، والذي ليس له صاحب، سوى ذلك الرجل الطيب (أبو صير)، والذي صاحَبَه في رحلة الغربة، والبحث عن لقمة العيش، فساعده هذا الأخير، وعطف عليه، وأطعمه وآواه، ولكن سبحان الله، "خيراً تفعل، شراً تلقى"! فلقد عانى صاحبه أبو صير منه الأمرّات، وليس الأمرّين - على ذمة ألف ليلة وليلة- ولكن جشعه قتله، فأعاد أبو صير جثة رفيقه اللعين (أبو قير) معه، ودفنه بعفونته في هذا المكان. وبعد عمر طويل، مات طيب الذِّكر؛ أبو صير، فدُفن إلى جوار (أبو قير) .
ولكن التاريخ لا يسجل سوى الشر، فلم يحفظ كرم (أبو صير)، بل حفظ لؤم (أبو قير) وبشاعته، فخلّده مُسَمِّياً الشاطىء الجميل باسمه. ولا أحد في الاسكندرية الآن يحتفظ بذكرى حلوة، أو حتى يعرف شيئاً عن الرجل الطيب (أبو صير). معظمهم يحبون اللعين (أبو قير)! حتى أنت أيها الفاني، هل تكره (أبو قير)؟ بالطبع لا، فأنت تحبها، وتتمنى أن تعود، لتتنسم هواءها الشرقي اللطيف، الحامل معه رائحة ثمار مزارع الجوافا الشهية، وتغرق تغرق في بحرها الهادىء الخجول.
شيء عجيب أن الإنسان لا يخلِّد الطيبين! وإذا لم تعجبك تخاريفي هذه، حدّق جيداً في التاريخ، تجد أن أهم الشخصيات التي تم تخليدها هم السفاحون والمدمِّرون، ابتداءً من الشيطان الرجيم، الذي اشتُهر أكثر من كل الملائكة - ويا للمهزلة - فإن أبشع قتَلة التاريخ نالوا جائزة نوبل، بسبب شدّة قتلهم وبطشهم، وأي جائزة منهن؟ إنها جائزة نوبل "للسلام"! والله لو كانت جائزة نوبل للحرب، كأن يخصصوا لهم - مثلاً- جائزة اسمها (جائزة زيوس) إله الحرب، لكان ذلك ممكناً، وأما أن يأخذها أولئك القتلة
"للسلام" فيا سلام!
ها هي شواطىء المعمورة، وقصر المنتزه، تظهر على شاشتك، مشبوكة مع مدينة الإسكندرية في معمار واحد. وقد كانت أيام صباك متباعدة، تفصل بينها أراضٍ زراعية. وعلى الجهة الأخرى بحيرة مريوط، ومنطقة الملاحات، التي كانت رياحها تذرُّ الملح في العيون، فتبدو على شاشتك، وكأن شيئاً لم يكن! قالوا إنهم قد جففوها، وها أنت تراها مزروعة بالمشاريع المعمارية، وملونة بالحدائق، وفرِحة بالمتنزهات، ومتلألئة بأبراجها البلورية الساحرة. وعلى البعد، ترى مساحات واسعة شاسعة من تشوهات سكنية، لبيوت صفيحية صدئة، متراصة مترامية، في نهايات منطقة البحيرة، يبدو أنها لبقايا الفلاحين والعمال، المتآكلين المعجونين بنفايات مدينة العولمة، والذين لفظتهم وأقصتهم حرية رأس المال، وطردتهم إلى صحاري موحشة بعيدة، وكأنك أمام بانوراما معمارية متنافرة الصور!
وأما المدينة المدللة، المضطجعة شبه عارية بكل أبعادها على رمال الشاطىء، وكلك شوق لأن تغمر وجهك في ثناياها، وتهبط فيها، وتشم رائحة رطوبة جسدها المنساب شرقاً، والهارب غرباً، كجناحي طائر رخ كبير، يصل الشرق بالغرب!
تعلن المضيفة الكمبيوترية للطائرة الهيدروجينية، ذات الأجنحة الأربعة، اقتراب هبوطها، وأنت تمد يدك، فتتناول حبة دواء مقوٍّ للأعصاب، وتبتلع حبة إكسير الحياة، بينما الناس يتهيأون للوصول، وأحزمة الأمان تنطلق من عقالها ذاتياً، دون أن تشاورنا، فتُزنِّرنا نحن الركاب. وبالونات الهواء الأَمنيّة تنتفخ، فتحتضن أجسادنا لحمايتها من جميع الجهات. تهبط الطائرة، المجهزة بوسائل الأمان والسلامة العامة، وتدرج بنعومة ويسر على أرض مطار الإسكندرية الدولي، فتشعر بأمان الالتصاق بأمِّنا الأرض. الله ما أجمل هذا المطار الجديد!
كنت قد وصلت أول مرّة إلى الإسكندرية عبر مطار القاهرة، في خريف عام 1966، وعمرك سبعة عشر ربيعاً. أول مرة تركب فيها طائرة، كانت من نوع (دي سي3) بمحركين، تعرج بركابها السابحين المترجرجين فوق وما بين وتحت الغيوم. لم تكن تأبه لهزهزات الطائرة المُقلعة من مطار قلنديا في القدس، ولم تحلم أصلاً بأن تركب طائرة ذات يوم، ولم تسمع من قبل إلا بتلك الطائرات التي كانت عائدة متهالكة من انتصارات الحرب العالمية الثانية، والتي لم يبق لديها شغل، فأهدوها لمن لا يخاف الله، فكانت تتسلى بقصف قوافل الفلسطينيين المهجّرين عام 1948، الحاملين أطفالهم بأسنانهم، وهم هاربون من حمم براكين الاحتلال الغاشم، مثل القطط التي تنقل صغارها بأسنانها من مكان الخطر. وبين روائح القتلى المجندلين، أم لطفل رضيع، أطفأتها طلقة قناص، فأردتها قتيلة على قارعة الطريق، والدم ينزف متخثراً من جيوبها المخردقة، والذباب يدوي على جثتها النازفة، بينما يبقى رضيعها ملتصقاً بها، ويداه متشبثتان بثديها الذي بَرَد، وهو يرضع رضعته الأخيرة التي لم يكملها بعد!
الطائرات المشوهة بدماء الضحايا، تلاعبهم (الاستغمّاية)، ثم تفاجئهم من خلف جبل، وتتمرجل عليهم، فتقصفهم وهم هاربون في الوديان، لتزيد من ذعرهم، وتتعجل التخلص منهم، بإخراجهم من حدود فلسطين الخضراء، إلى الصحاري العربية، ذات الرمال المتحركة! حب في الرياح القارسة!
هذه الطائرة الهيدروجينية المرفهة، المصنوعة من الورق الخفيف المقوى بنفس صلابة المعادن، تحت سر كون ذرة الكربون الموجودة في الحديد الصلب، هي نفس الكربون- بشكل أو بآخر- الموجود في الورق، تختلف عن تلك الطائرة المعدنية الثقيلة المغامرة (دي سي 3) حيث كانت تجلس إلى جوارك يومها سيدة أوروبية تقرأ كتابها، فتشاهدك مرتبكاً وقلقاً. ولدى الوقوف للخروج من تلك الطائرة، تصافحها مودعاً، فتشم على يدك رائحة عطرها النسائي المثير!
"دونت ويرك هارد." تقول لك باسمة: "لا تعمل بمشقة، فإنك مهما تفعل، فلن تكون الرقم واحد في العالم، ولذلك أرح نفسك، ودع القلق، وابدأ الحياة!" لا تعرف لماذا تقول لك هذا! هل لأنها تحبك، فتتمنى لك العمر المديد، والجهد الهادىء، والتمتع بحياة سعيدة، أم لأنها تريد أن تثبط عطاءك، وتبقيك عربياً متخلفاً عن ركب الحضارة الراكض بسرعة جنونية؟ ليتك سمعت كلامها، وأرحت نفسك من شقاء هذا العمر السريع النضوب! ليتك لعبت وفرحت، رغم المُنَغِّصات!
ولكن كيف تفرح وأنت ابن النكبة الفلسطينية الغابرة؟ كيف تفرح وقد ولدت شقياً داخل خيمة تنفث وهج حرارة الصيف اللاهبة، وتنثُّ رذاذ أمطار الشتاء المتلاحقة، تبرعت بها الجهات الرحيمة المتوحشة الحضارية الديمقراطية العظمى؟
كيف تفرح، وقد عشت طفولة مغمسة بالطين اللزج، تنعجن به في ليالي الشتاء القارسة، وأنت تلعب تحت المطر، بقدمين طفلتين لبنيتين حافيتين، فتحاول التخلص من الطين، بسحب رجلك الغارقة بتثاقل من هنا، لتغرسها هناك، فتجرح قدمَك زجاجةٌ مكسورةٌ، مدفونة في طين قارعة الطريق، أو ينغرس مسمار حديد صدىء في لحمها الطري، أو تزرقُّ قدماك المنتفختان كقطعتي جبنة عكاوية بفعل البرد القارس، ومع ذلك تستمران تائهتين في دنيا الآلام، والمخاط الأصفر المنبعج من أنفك المحمر برائحة عفونة مريضة لا يجد غير الذباب يحتويه، فتمسحه بذراعك؟
Page 4
كيف تفرح وعذاب العصارات الهاضمة لمعدتك يُسَخِّر أمك زكية، لتدفع لك صحناً فيه حبة بندورة خضراء، مخللة برائحة النشادر، تتوجها طبقة بيضاء من الفطريات المتخصصة بأعمال التخليل، فتأكلها باللهفة والنهم، مع رغيف خبز اقترضَته من جارتكم أم موسى، واعدةً إياها بسداد القرض عندما تخبز؟
كيف تفرح وقد قضيت طفولة كسيرة بائسة، تسير ثابت العزم في درب المّلايات، تحمل المياه بسطلين ثقيلين من بطن الوادي، وتنقلهما بمشقّة، وتحمُّل مسؤولية إلى الجبل، لتروي بهما نباتات بندورة وبصل وباذنجان وملوخية، كان قد زرعها أبوك في أرض مشاع، وسخّر أطفاله للعمل الشاق فيها، كي يطعمكم من جوع، ويحميكم من خوف؟
تسير في "شارع الضباب" وأنت تحمل الماء الثقيل، ليس الماء الثقيل الذي تستخدمه الإمبراطورية الفالتة من عقالها، لصنع قنابل نووية صغيرة، ترميها على قارعة الطريق، كألعاب طفولية، ليلتقطها الأطفال الأشقياء مثلك، فتنفجر في وجوههم، ثم تتهم من لم يمت منهم بالإرهاب، بل كان وزن سطلي مياه الري ثقيلاً، ولا قدرة لديك على حملهما، ولكن مُكرهٌ أنت لا بطل، فتسير بهما وأنت تشعر بكتفيك الطريتين تنخلعان من مفصليهما، وعضلات ذراعيك اللبنيتين تتمزق، فلا تعود تقوى على المقاومة!
كيف تفرح، وقد قضيت بادرة مراهقتك، مرافقاً لحماركم الأبيض المتضخم بحجم البغل، تنقل عليه - بأوامر والدك المشددة - مستلزمات الزراعة، وتحرث الأرض، وتدرس أكوام القمح الذي جمعتموه على البيدر، فتوفرون مؤونة السنة كلها، ولا تعودون تحتاجون أرغفة جارتكم أم موسى، ولا أم عيسى، ولا حتى أم محمد؟
مع أذان الفجر، يوقظك أبوك بالقوة، فتقوم وكأنك وحيد في هذه الدنيا، آدم بلا حواء. هل كان آدم مراهقاً عندما نزل إلى الأرض برفقة حواء، أم كان رجلاً بالغاً عاقلاً، عارفاً ما له، وما عليه؟ وهل صحيح أن آدم وحواء كانا قد نزلا إلى الأرض بمركبة فضائية من تلك الأطباق الطائرة التي يتحدثون عنها، قادمين من كوكب آخر، ونظراً لخلل فني في مركبتهما، علقا على الأرض، فلم يستطيعا العودة إلى كوكبهما البعيد، فقعدا على هذا الكوكب، ملومَين محسورَين، وبقي أحفادهما حتى يومنا هذا ينفخون، مُعقّدين، مكتئبين، مكفهرّي الوجوه، ولا يشعرون بالسعادة مهما امتلكوا، بسبب غربتهم عن وطنهم الأم في المكان البعيد؟
تقوم من نومك، وكأنك آدم القادم من كوكب بعيد! وهل فلسطين كوكب آخر بعيد عن الأرض، وأنت قادم منها وحيداً؟ وهل تحطم طبقك الطائر هنا، فيعاملونك يا غريب الدار...؟
تقوم فجراً باتجاه الزريبة، فتشاهد جحشك يبول على روثه الذي تتدخل روائحه النشادرية المتخمرة من أنفك إلى تشعبات رئتيك وأنت تُصبِّح عليه، ثم تخرج القوي الأمين، وترافقه إلى طريق الأشغال الشاقة! ولأنك بلا رفيق، تجدك تتحدث معه، وتشكو له همومك، فينظر إليك متفهماً موقفك، وتضحك معه ساخراً من هذه الحياة الخرافة المجنونة، فلا تجد سواه متضامناً معك ومع الشعب الفلسطيني! تمسك بلجامه، وتسير معه بنفس مهزومة، بكل ثقة وثبات! هل سبق وأن شعرت بنفس مهزومة تسير بكل ثقة وثبات؟
تسير برفقة جحشك العزيز، بصفته الرفيق الأكبر، تحدثه، تسري له عما في قلبك من محبة مكبوتة. يعطس في وجهك، (أبررررر!) فيرشُّك برذاذ لعابه الرغوي، ورائحة التبن المخمّر بين شدقيه. لو كان إنساناً، لغضبت وزمجرت ثائراً عليه، ولكن رذاذه نظيف! على الأقل، هو لا يلوِّث فمه باستغابة الناس وأكل لحومهم، ولذلك فعطسته، عطسة ابن حلال! يحدثك عن همومه، فتغضب لشدة تعبه، ولكنك تتقاتل معه إذا حاد عن الطريق، ثم تفرح معه إذا شاهد حمارة جميلة مارّة، فعاد خلفها من حيث أتى، ليعبِّر لها عن حبه وهيامه. وإذا شاهدك والدك تتركه ينفلت من عقاله، فإنه يجحظك، فتمسكه من لجامه، وتثنيه عن الغي والطيش، وتسأله مبتسماً: " ألا تستحي على دمك، وأنت حمار كبير قد البغل؟"
لم تفهم يومها لماذا كنت تفرح للحب، حتى لو كان بين حمار وأتان، ربما لأنك لا تحس به بين الناس. فالناس لا يحبون بعضهم بعضاً. إنهم يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، وأما حمارك الطيب هذا، فلا يسفك الدماء، بل يحب أتانه! كنت تراقبه وهو يكسر الحواجز، وكأنه في سباق فروسية القفز على الحواجز، كي يصل إلى خدرها، فيعانقها بلهفة، ويحكَّ رقبته برقبتها وهي تبتسم، ويستمتع للحظات وهو يسعدها، وهي تسترخي أمامه تتشدق. من قال إن الحمار لا يعرف الحب فهو لا...
منذ ذلك اليوم تصلّب عودك على الخوف من درب البنات. "درب البنات شوك!" تقول لك جدتك أنيسة. وأما أمك زكية، فلم تكن تتكلم أو تنطق شيئاً، (صمٌّ بكمٌ، لا يفقهون، ولا يعلمون!) بلى لقد كانت زكيّة ذكيّة، وتفهم الحب والحياة، شعرت بذلك عندما قالت لك ذات يوم مثلاً شعبياً بجهالة. لم يسمعها والدك آنذاك، لأنه لو سمعها، لشطبها من سجلات الدنيا، واعتبرها في خبر كان! يومها قالت:
"اللي بدّه يبوسني، بيعرف راس خدِّي وين." ففهمت منها أنها كانت تعرف الحب والبوس. ولكنها لم تكن تعرف أن القُبلة قد انتقلت من رأس الخد، إلى الشفتين، وإلى مناطق أخرى غير مصرح بذكرها! كانت لديها معرفة، مع وقف الإفتاء، فلقد حددوا لنا سيدنا المفتي رسمياً، ولا يفتي إلا المفتي، الذي يُفَتتنا بفت فتاواه!
والدتك زكية لا تتدخل لأنها (لا تأكل الفَتّ، قد اللّط!) وأبوك يضربها (عالباردة والساخنة!) فصارت- تحت التعليمات المشددة- مبرمجة تلقائياً؛ تصحو من الأذان، فتعجن العجين، وتطفىء السراج المُدَخِّن، وتقتصد في كاز السراج، رغم أن سعر النفط لم يكن غالياً في تلك الأيام. كان برميل النفط بخمسين سنتاً. الله أكبر! البرميل الكبير بنصف دولار؟ صحيح أن تجار نفطنا العرب "مُرّون" في التجارة، وطالعون لأجدادهم، تجار ألف ليلة وليلة، الذين كانوا يركبون البحار، ويصارعون الجان، ويسخِّرون الرُّخّ في السماء، وبالرغم من تكرُّر ضياعهم، وتقطُّع المحيطات بهم، إلا أنهم يعودون كاسبين غانمين الجواهر والألماس من قيعان البحار. يعودون وقد نشروا إسلامنا بالتجارة والمحبة في بلاد الشرق والغرب، وليس بالحرب القذرة التي تخوضها الإمبراطورية الفالتة من عقالها ضد إسلامنا. وبصدقهم وأمانتهم وتقاهم، اعتنق الأندونيسيون والماليزيون الإسلام، الذي يحض على إطعام المسكين، والذي يقول- بعكس مقولة الرأسمالية المتوحشة - إن المُلك لله. شتان ما بينهم وبين تجار نفطنا العرب "العظماء"، الذين يبيعونه ويبيعوننا بالرخيص، وأحياناً تفتح أنابيب نفطنا العظمى، فتعبىء لهم قلوبهم ببحور من النفط الأسود مجاناً، دون عدادات، لعلهم يطفحون! رجال "غانمون"! ليس هذا ما قالته إذاعة صوت العرب من القاهرة. ولكنها قالت: " نفط العرب للعرب، يا بنشعله لهب!" ثم قالت: "ارفعوا رؤوسكم يا عرب". فلم يرفع أحد رأسه! حتى أنت أيها (اللاجىء) المحاصر من جميع الجهات، لم ترفع رأسك أمام زملائك الطلاب القرويين "الوطنيين" في مدرسة الفاضلية الثانوية في طولكرم، وهم يتوجهون ليتغدوا في مطعم الثور، المُطل على ساحة سفريات المدينة. " اليوم سنأكل صينية لحم كفتة بالبندورة". يقول أحدهم."آه ما أشهى رائحتها بالبندورة!"
Page 5
" الكفتة بالطحينة أشهى"، يعترض آخر."فرائحتها ترد الروح، خاصة عندما تخرج ساخنة ناراً من الفرن!" وبعد محاورات ومداولات، يدخلون مطعم الثور، متفقين على أن يكون نصف الصينية بالطحينة، ونصفها الآخر بالبندورة. وأما أنت أيها المُبهم، فلا تجد أمامك سوى أن تلبس طاقية الإخفاء، وتخلع بعيداً عنهم، متسرباً إلى خلف المطاعم والمحلات التجارية، بحركة من يقتفي أثر الرائحة المنبعثة من مراوح تهوية المطابخ، التي تتكاثف على شفراتها شحوم سوداء وهي تنفث إلى الشارع سموم دخانها وأبخرتها، ساحباً رغيفك الذي طوته لك أمك وحشته بين كتبك داخل حقيبتك الكرتونية، وأنت تصل إلى بقايا بائع يقف على ناصية الشارع بصاج فلافله المتقلقل فوق نصب حديدي صدىء، وبزيته القطراني السواد، الذي يغلي منذ نصف قرن، وتشتري ثلاث حبات فلافل بنصف قرش، فتمعسها على الرغيف، ثم تلفُّه هكذا.. وقبل أن تجلس على حافة الرصيف، تلتقط كرتونة تائهة في غبار الشارع، فتضعها تحتك، ليس احتراماً لمؤخرتك العزيزة، بل كيلا يتسخ بنطالك بفضلات الزيت الشحمي المحروق المتساقط على الرصيف، وتقعد تنهشه بشغف الجوع، لا بشراهة اللذّة، متزفراً برائحة مرجل زيت الفلافل الذي يغلي، ويطرطش الأرض!
كيف تفرح وقد كان أبوك يعطيك قرشين كل يوم - مصروفك اليومي- وأنت ذاهب من المخيم إلى المدرسة، لتدفع نصف قرش لحافلة (طبالو) في الذهاب، ونصف قرش في الإياب، إلا أنك كنت توفر القرش، وتذهب مسافة أربعة كيلومترات سيراً على قدميك المتهالكتين، وتعود أربعة كيلومترات كما جئت. وكل ذلك، لتوفر ما تشتري به مجلة العربي أو مجلة الآداب في نهاية الشهر، وتحضر فيلماً لعبد الحليم حافظ، وزبيدة ثروت، فتتعرف على الحب، ولكن مع وقف التنفيذ، فتتعقد من جديد!
تستمع إلى أحاديث زملائك الطلاب المدنيين وهم يتغزلون بالبنات الجميلات، ويحكون قصص الحب والغرام، بينما أنت وحدك تفكر، كم أنت قميء وأنت لاجىء تعيش بلا حب!
تشاهد تلك الطالبة السائرة أمامك تحت زخات مطر غزير، من المخيم إلى مدرستها في طولكرم، وبينما مظلتك السوداء تحميك من المطر، رحت تفكر برحمة تلك المسكينة، السائرة بلا مظلة ولا معطف ولا حتى سترة تحمي جسدها الملفوف بثوبها المدرسي الأخضر! المطر الشديد البرودة كالرصاص يخترق جسدها النحيل، ولكنها مستمرة تتأرجح في سيرها، مثل عسكري منضبط يسير إلى الأمام داخل حقل ألغام، تحت الأوامر الحربية المشددة! أنت لا تعرف حتى اسمها، وبرغم هذا تجدك تقترب منها، وتعرض عليها أن تسير إلى جوارك تحت المظلة، فتجفل الطالبة وتبتعد خائفة، وتستمر في سيرها تحت المطر الغزير! تشعر بعنادها، ولكنك تشفق عليها، فتعطيها مظلتك، بينما تبقى أنت مكشوفاً تحت المطر الشرس. تضحي بنفسك من أجلها، رغم رفضها الاقتراب منك. تشعر أن الفتاة لا ترغب في معاندتك، ولكنها تخاف من المجتمع الذي لا يرحم. فإذا بلّغ أحدهم، وقال: " كانت فلانة تسير مع مشهور في طريق طولكرم،" فإن الدنيا ستقوم ولا تقعد! ذلك لأن الناس القاعدين بلا شغل ولا عمل - وهم كُثر- لا يجدون شيئاً يفعلونه سوى القال والقيل.. و(يا بنت قولي لأختك) فالفضيحة ستدمر البنت. و(غُلب وستيرة، ولا غلب وفضيحة!) تأخذ البنت المظلة، لأنها تكاد تموت من شدة البرد، والماء يتدخل في كل شؤونها الداخلية، فيَسحُّ برداً وصقيعاً على جسدها المغدور، فلا تملك أكثر من أن تشعرها بمودتك ورحمتك. تبحث عن العطف والحب الإنساني الذي لا يمنحك إياه أحد، فتحاول أن تتذوقه، وتتعامل به، وتمنحه إلى قارعة الطريق.
ومثل البحارة الأندلسيين العرب، الذين كانوا يواجهون أخطار عواصف المحيط الأطلسي، بحثاً عن طريق بحرية غربية إلى الهند، ورغم وصولهم إلى شواطىء بلاد المايا، التي صار اسمها سانت أوغستين فيما بعد، وبنائهم قصوراً هناك مثل قصر زريدة، وتشييد مساجد على الشاطىء، فإنهم لم يحققوا اعتراف كتب التاريخ المزوّرة بمغامراتهم الثاقبة في اكتشاف العالم الجديد.
وهكذا أنت، فبالرغم من تجمد خلايا جسدك وأنت تضحي بمظلتك، لم تعترف الطالبة المنقوعة بماء المطر البارد بحبك، فأدركتَ أن ليس للحب مكان في هذه الرياح القارسة!
Page 6
أفعى أم جرس!

هل ينجح جيل كنعان الأخضر في ليِّ أذرعة شرور الإنسان ضد أخيه الإنسان؟ هل أنت في حلم، أم في علم محقق؟
تقارن هذا المطار السكندري المدهش الذي تنزل فيه مع مطار القاهرة الذي نزلت فيه أول مرّة، وقرأت يومها ما هو مكتوب فوق مدخله: "ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ." فارتحت لما تقرأ. وبعد صف طويل أمام حاجز الأمن، ختمت جواز سفرك، وحملت حقيبة أغراضك البنية الكرتونية، ذات الزوايا المعدنية، فلم تعرف طريق الخروج من المطار، ولا مكان ركوب سيارة أجرة، تقلك إلى مدينة القاهرة. خرجت يومها تائهاً في الزحام، فوجَّهك أحد سائقي الأجرة لتركب سيارته الصغيرة السوداء، المكوّرة مثل سلحفاة. يدير السائق مفتاح محركها، فلا يشتغل، فيخرج منها، ويحاول دفعها بكل ما أوتي من قوة ضعيفة، فلا تتنحنح السيارة! يلاحظ شرطي استماتتها في المحطة، فيتكرّم بدفع العربة، بينما نحن في داخلها، فيشتغل محركها! ما هذا؟ شرطي، ويخدمك بأن يدفع لك سيارتك! أنت متعود على مقولة: " الشرطة ورطة! " ولكن هذا الشرطي في خدمة الشعب! تخجل من الرجل الكريم، ولا تعرف بماذا تجازيه! كنت قد سمعت أن التفاح الشامي عزيز في مصر المشهورة بالمانجا والجوافة والبرتقال الشهي. فتخرج يدك من شباك الصرصار الأسود، ماداً نحوه تفاحة حمراء. يفرح الشرطي بها، ويشم رائحتها العطرية فيشكرك، وتمضي بك السيارة إلى فندق لا تذكر اسمه! قد يكون اسمه فندق القاهرة. وقبل أن تهمد في غرفتك المنعشة، تفتح حقيبة أغراضك، فإذا بها ليست لك، إنها من الخارج الحقيبة الكرتونية البُنِّية نفسها، المدعمة بزوايا معدنية، والملاحظ أن معظم حقائب الركاب هي من هذا النوع. يبدو أنه لا أحد معك في الطائرة يستخدم حقيبة سامسونايت أو سامسونغ.. وحتى العم سام نفسه كان محجوباً عن مصر في تلك الأيام! ولكن الحقيبة الكرتونية ليست نفسها من الداخل، فملابسك وأغراضك غير هذه الأغراض! ماذا تفعل تجاه هذه الغلطة؟ ليس أمامك سوى أن تهاتف استعلامات الفندق. ترفع السماعة بحذر، وتعرض مشكلتك على موظف الاستقبال، فيقول لك: "سأوصلك باستعلامات المطار."
تتصل بموظف حقائب المطار، فيتفهم مشكلتك، ويعدك بالحل السريع. وما هي سوى ساعة وبعض ساعة، إلا وصاحب الحقيبة المبدّلة يحضر حقيبتك، ويأخذ حقيبته، والأمور تسير ببساطة لم تتوقعها.
تطل من شرفة غرفتك الفندقية العالية، فتدهش لهذه العمارات القاهرية المتفاوتة الأطوال والأحجام. تراقب هذه الحشود من المشاة، التي لم تكن تتوقع غزارتها. ولد في السابعة عشرة من العمر، ينتقل من المخيم إلى القاهرة مرّة واحدة! من سراج كاز يضنُّ بالنور حتى على من حوله، ومن ليل مخيف ليس فيه ضوء قمر.. تمد يدك في ليل المخيم البهيم، فلا تراها! لم تنقطع خطوط الشبكة الكهربائية، ولم يحصل عطل في المولِّد كي تسوَدّ الدنيا في وجوهنا، فلا توجد أصلاً في المخيم شبكة كهرباء كي تُقطع! طرقات ترابية متعرجة ضيقة بين صخور معتمة! لا يعترضك وأنت تسير فيها سوى هذه الأفعى أم قرون، أو تلك الأفعى أم جرس، فتكهربك وهي تنساب بدل التيار الكهربائي، مطارِدةً فأراً يركض مرعوباً، فيختفيان تحت أجمة نباتات صبارات شوكية عالية، تُسوِّر بيت كل لاجىء! حالة شوكية للدفاع عن النفس!
لا يملك أي لاجىء سيارة، كي يطالب بشق طريق، أو مجرد تجريف طريق دون تعبيدها، ليصل بها إلى بيته، فالطرقات الصخرية الضيقة داخل المخيم التِفافِية، ومنذ ذلك التاريخ والطرقات الالتفافية تتطور، وتنتشر وتتضخم أوداجها، وتتَلَيّف في ربوع الوطن، مثل مرض تليُّف الكبد، فتصير فلسطين كلها مصابة بمرض تليُّف الطرقات الالتفافية، تعربد فيها الأفاعي أمهات قرون، والأفاعي أمهات أجراس! (ولَفّتّك، ما لَفّتّك. أطعمتك خرا ستّك. ستّك البطباطة. قعدت عالبلاطة!) لماذا تضحك عليّ وأنا أُحتَضَر؟ هكذا كانوا يغنون لنا نحن اللاجئين، لنفرح بطفولتنا!
تنتقل من تلك العتمة الالتفافية مباشرة إلى كهرباء تقلب الليل نهاراً، ونيل مثل البحر، ومدينة غير عادية، إنها قاهرة صوت العرب!
كان أبي يجمعنا تحت اللحاف، ويفتح المذياع بخفوت على صوت العرب من القاهرة، كي لا يسمعنا أحد، فنسمع خطب جمال عبد الناصر سراً، ونبتهج بانتصاراته في بورسعيد! فينتشي أبي صائحاً:
"يا إلهي، مصر تهزم عدوان بريطانيا العظمى، ومعها فرنسا وإسرائيل! وأخيراً جاء دورنا في تحقيق الانتصارات بعد عهود من النكسات المتتالية!"
أبي المحزون دائماً بكآبة النكبة، كان يفرح ويبتهج وهو يشاهد صور القائد العربي العملاق في مجلة المصور ومجلة آخر ساعة، المعروضة خارج مكتبة السفاريني في طولكرم، فنتصفحها ولا نشتريها، نظراً لعدم توافر السيولة النقدية، وهو الذي لا يقرأ، يُملِّي نظره من الزعيم الذي يقف بعظمة وكبرياء وفخامة، مثل باقي قادة خلق الله، إلى جوار خروتشوف، فوق جسم السد العالي، ويقول لك: " انظر! انظر! أليس لنا يوم نفرح فيه، ونشعر أن لنا قائداً يرفع رأسنا، وهو يقف كتفاً لكتف مع قادة العالم، وليس....!"
كنتَ تفرح بعبد الحليم حافظ وهو يغني:
"قلنا حنبني، وآدي احنا بنينا السد العالي، ويا استعمار بنيناه بإدينا، السد العالي!"
وبالنسبة إليك شخصياً، فلولا سماح عبد الناصر للطلبة العرب بالدراسة في مصر، دون تمييز عن إخوانهم الطلبة المصريين، لما استطعت أيها اللاجىء دخول الجامعات من أصلها، فعندما درّست ابنك برهان فيما بعد في ألمانيا، دفعت عليه الشيء الفلاني، حتى تخَرّج، وصار مهندس وراثة، وبذكاء منهم، شغّلوه معهم هناك، كي يحرموه من العودة وخدمة بلده. ولكن أي بلد يخدم؟ فأين هي مختبرات الهندسة الوراثية في كل أصقاع الوطن العربي الكبير، من المحيــــــط الـ...إلى الخــــلــــيــــــج الـ...؟! فمثل هذا الخرِّيج الضالّ عند العرب، قد يشغلونه في أحسن الأحوال، معلم مدرسة صف خامس ابتدائي في قرية النفوخ الغربي. وأين تقع النفوخ الغربي؟ فأنت لا تعرف الشرقي ولا الغربي! (رُح يا شيخ!)
Page 7
درب البنات شوك!

بينما تهبط الطائرة الهيدروجينية بكل خفة وهدوء في مطار الإسكندرية الحديث، تشاهد من علٍ عدداً كثيراً من الطائرات الورقية ينتشر في أرض مطار مترامي الأطراف. كانت الطائرات الورقية أيام طفولتنا مجرد أوراق مربوطة بخيوط، نلعب بها ونطيرها في الهواء، وأما اليوم فالطائرات العملاقة صارت ورقية، ولكن بصلابة الفولاذ.. وأنت لا تفكر في المطار، ولا في كيفية تقوية ذرة الكربون في الورق كي يصير بمتانة ذرة الكربون في الفولاذ، ولا في خفة وزن الورق الذي تصنع منه الطائرات الحديثة بدل المعادن، بهدف تقنين استهلاك معادن الصلب التقليدية، التي لم تعد متوافرة في العالم، ولا يهمك الآن ما يطورونه لتخفيف وزن المركبات وعلى رأسها الطائرات، لتَمنح خفتُها بساطةً في الصناعة، وسرعةً في الطيران، وتوفيراً في الطاقة، بقدر ما تفكر في لقاء برهان وكنعان الأخضر الصغير بفارغ الصبر.
ترى هل تنجح عملية التخضير هذه، فيسيطر الحيوان الأخضر على هذا الكون الحيواني المتوحش؟ هل تشاهد مرحلة انتقالية جديدة، بعد الإنسان الأول، الذي تحضّر فانتقل إلى مرحلة الإنسان الثاني، وها هو بعد أن توحشت حضارته، ودمرت الأرض، تراه يتشكل بتكوينه الأخضر، فتشهد مرحلة الإنسان الثالث الأخضر؟
عندما كان برهان صغيراً، كنت تقرأ له كتاب (النبي) لجبران خليل جبران، وما زلت تذكر بعض عباراته التي تقول: "لو نقدر أن نعيش على عبير الأرض، فنكتفي بالنور كالنبات.." وكانت تدهشك عبارة " وليس دمنا سوى عصارة، أعدت منذ الأزل، غذاءً لشجر السماء.."وتستوقفك عبارة " أنا كرمة مثلك، وستُجمع ثماري وتُحمل إلى المعصرة.." وتعشق جبران الذي يغسلك بعصير العنب وهو يقول: "يا ليتكم تنشدون بعضكم ككروم العنب، ثم تعودون حاملين عطر الأرض في طيات أثوابكم." ثم يختم بقوله: "ولكن هذه تمنيات لم تحن ساعتها بعد." يبدو أن الفكرة قد عششت في ذهن برهان منذ الصغر، وحان وقتها الآن، فأنتج ولده الأخضر كنعان.
لا شك أن حفيدك يحظى برعاية أبيه، وأن مؤسسات عملاقة تجري خلفه، لتنشئه بأفضل ما يمكن، وتقدمه إلى هذا الكون المتحول إلى الخضرة.
تقارن تعاستك مع رعايته، عندما كنت في سنِّه، فعند دفع رسوم المدرسة، كان المحاسب يقول: "لا تأخذوا منهم رسوماً، لأن وكالة الغوث تدفع رسوم هؤلاء الـ.. من منكم لاجىء، كي نسلمه كتب المدرسة بالمجان؟"
ينادي بأعلى صوته، أمام كل الطلاب المصطفين صباحاً في ساحة المدرسة، فلا ترفع رأسك، كي لا تُعرِّي فضيحة نفسك، رغم أن صوت العرب من القاهرة يصيح كل صباح مثل ديك ألف وليلة: "ارفعوا رؤوسكم يا عرب!" وكنت يومها تتساءل: هل العرب لا يرفعون رؤوسهم، لأنهم لاجئون؟ وهل يرحل العرب بخيامهم من عسف رمال إلى غبار فضاء، لأنهم لاجئون؟ وهل يركض العرب في متاهة خيام ميسون الكلبية التي قالت:(لبيت تعصف الأرياح فيه...) لأنهم لاجئون؟
أنت لاجئ مستضعف، مستكين بظلِّ ذُلِّ وكالة الغوث، التي أخذت منك الوطن، ولحقت بك، لتعطيك خبزك، كفاف يومك، بينما من يدّعون وراثة يوسف، يودعونك في غيابة الجب! لا أحد يرأف بحالك، سوى ذلك الذي شرّدك من وطنك، وجعلك أحد نمور زكريا تامر في اليوم العاشر.
وأنت تستغرب هذه اللعبة القذرة، التي يلعبها القط مع الفأر، فبعد أن ينقض عليه ويحطم مجاذيفه، يستمتع بملاعبته السادية، فيتركه يفلت من بين يديه.. حركات دراماتيكية مذهلة.. ملهاة سوداء..أنت لا تعرف لماذا يتركه وهو طوع بنانه، بينما يركض"المسكين" على الأرض هارباً من قدره المحتوم، قبل أن يلحق به "المجرمُ" ويُعِيدَ التقاطه وعضعضته، ثم يتركه ليستمتع بآخر بصيص ضوء حياة، قبل أن يتناوله ويزدرده. وهكذا تلحق بك الجهات المانحة، وأنت تركض أمامها مذعوراً!
لم يكن في عشرينيات وأربعينيات القرن العشرين تلفازات ولا مراسلو صحف، كي يصوروا تعذيب وقتل الفلسطينيين المقاومين لاقتلاعهم من مدنهم وقراهم، ويفضحوا المستعمرين الذين يُسَيِّرونهم حفاة عراة فوق الأشواك القاسية السامة، لألواح الصبار الشوكي، كي يعيدوا تصنيعهم، وتعبئتهم وتغليفهم، للتصدير إلى خارج الوطن!
"سنُنَيِّمكم في فلسطينكم هذه على سُرُرٍ من شوك الصبّار!" يقول المستعمِر لمن لم يُقتلوا، فبقوا متشبثين بتراب أرضهم: "ما لكم وهذا العذاب؟ هاجِِروا إلى (بلاد العُربِ أوطاني!)، واتركوا هذه الفلسطين الصغيرة للمساكين الهاربين من بطش هتلر!"
الإمبراطوريات المتحدة ضدنا، هي التي اعتمدت قتل دولة عريقة، وخلق دولة جديدة مكانها على سطح الكرة الأرضية، وأنت الذي دفعت ثمن كل هذا التعديل الوراثي، بحيث يُستبدل الفلسطينيون العرب بغرباء من بقاع الأرض كافة، هكذا بقدرة قادر! يقولون إنه الرب الذي وعد بإعطائهم أرضاً كنعانية ليست لهم، ولغة كنعانية ليست لهم، وهيكلاً كنعانياً ليس لهم. ونجمة كنعانية ليست لهم! ولم لا؟ إنهم جماعة الرب (2)، ونحن جماعة وكالة الغوث!
تسير خافضاً رأسك، ولا تفتح عينيك في أحد! فأنت لا تفكر مجرد تفكير في مغازلة إحدى بنات مدرسة (رابعة العدوية الثانوية) القريبة من مدرستنا، إنهن بنات جميلات، دلّوعات، يلبسن تنورات قصيرات، تنحسر عن ركبهن الجميلات بشبر أو بشبرين، فتُظهر إغراء امتلاء أفخاذهن الطافحة بأنوثة مراهقات شهيات! وأنت لا ترفع رأسك، ليس مناكفة لصوت العرب، بل لأنك لست مؤهلاً لمشاهدة جماليات النهود الطافحة بالعطاء والدفء والمحبة، والملهبة لمشاعر الصغار والكبار. وأنت محروم حتى من شم تلك الرائحة الأنثوية المحظورة، ومحجوز بحدود رائحة الفلافل، التي تقلى في مرجل يفور بزيت القطران. فكيف لك أن تتذوق جماليات أجساد البنات الزهريات المحفوفات المنتوفات، المصبوبات في قوالب إلهية، ويسرن بين الناس؟ أنت لا ترفع رأسك، لأنك لا تملك ثمن وردة جورية عطرة، تهديها إلى بنت من بنات رابعة العدوية، فتدفن رأسك في رائحة أوراق مجلة العربي- يا حزين- وتدهش إذ تشاهد على غلاف صفحتها الأولى صورة إحدى جميلات هذه المدرسة. إن وجهها آية في الجمال. براءة طفولية ناضجة الأنوثة. سحر امرأة لا يصدق! من أين أتوا بهذا الملاك الطاهر؟ تقرأ ما هو مكتوب تحتها: "طولكرم، المدينة التي تنام مع غروب الشمس!"
تستمر في محاولاتك منح حبك وعشقك إلى شيء أنثوي، فلا تجد غير العارضات الجميلات المصورات بالألوان الطبيعية على لوحات دعائية لعطور، أو صابون أو نيفيا كريم، أو ما شابه ذلك، فتعلقها على جدران غرفتك. أنت أجبن من أن تقف مع فتاة، ليس لأن "درب البنات شوك" كما تقول لك جدتك أنيسة، بل لأنك تتوقع أن تسألك فتاتك: "من أي حارة من طولكرم أنت؟" فتخزى أن تقول لها: "أنا من المخيم." فلا تجد غير الكتاب، تدفن رأسك فيه. ولهذا تتوطد علاقتك مع الكتاب، وتتفهم معنى كونه خير جليس.
كان مقرراً علينا في المطالعة المدرسية مقطعٌ من مسرحية قيصر وكليوبترا لشكسبير، وكما تتذكر، يئن يوليوس قيصر قائلاً بحزن: "حتى أنت يا بروتس!" ثم يقول بعد ذلك: "أأنا نعجة جرباء؟" وهذا رفيقنا الطويل في المدرسة، رسمي الصومعة، الذي كان معتاداً أن يمد رأسه برقبته الطويلة، فناداه الأستاذ سليم البزق قائلاً: "أنت يا صومعة!". فراح قوله لقباً!
يقف رسمي الصومعة أمامنا، ونحن نتجمع في حر الصيف، ونقعد ساهرين خلف بيتهم، وهو يمثل الدور المسرحي، ويُشَبِّر بيديه، ويطوي ساقيه، ويشهد بسبّابته قائلاً: "حتى أنت يا بروتس. (أبياخ!) أأنا نعجة جرباء، داهنها جارنا أبو سليم بزيت قطران محروق؟" كان يضيف من مُخِّه عبارتيّ (أبياخ، وجارنا أبو سليم، وزيت قطران محروق.) فيضحكنا جميعاً نحن أبناء المخيم، الذين لا مسرح لنا إلا خلف شباك بيت رسمي الصومعة، الذي بنته وكالة الغوث.
ولو يَسمعنا شكسبير نقول: (أبياخ)، فسيرفع ضدنا دعوى تشويه الملكية الفكرية، مطالباً بعشرة مليارات يورو من الخَطّاء رسمي الصومعة، على تلك الغلطة الفظيعة! ولم لا يدفعون؟ أليس عندهم نفط كثير، يجعل الشكسبيريين يبتزونهم، ويغرِّمونهم على سقوط صقر من السماء، انتهى أجله، فيتهمون "الإرهابيين العرب" بقتله، فيدفع أولو الأمر "الكرماء" عشرات المليارات، بسهولة ويسر، بينما ينام أطفالهم داخل بيوتهم الصفيحية، جائعين، مطيعين لأولي الأمر منهم؟!
تمشي في طرقات المدينة، وأنت تنأى برأسك بعيداً عن رؤوس أهاليها، وتقول لنفسك:
"أأنا نعجة جرباء!"
Page 8
طائرة ألف ليلة وليلة!

تتوقف الطائرة الهيدروجينية الرباعية الأجنحة في مطار الإسكندرية الدولي، فتستفسر من كمبيوتر مقعدك. فتجيبك الشاشة الناطقة: " صممت الأجنحة الأربعة لتعطي توازناً أفضل، وهي تحمي أكثر في حالة حدوث مشكلة في الحارق الهيدروجيني لأحد الأجنحة، وفكرتها مأخوذة في الأصل من بعض الطيور العملاقة، في رواية ألف ليلة وليلة."، فتسألها مازحاً: "هل هذه هي إحدى طائرات ألف ليلة وليلة المدهشة؟" فتضحك المرأة الكمبيوترية قائلة: "مهما طوّرنا، فلن نستطيع تنفيذ خيالات ألف ليلة وليلة الرائعة. هل قرأتها؟"
تنزل مع القادمين إلى حيث ستستلم حقيبتك وأنت تكلم نفسك قائلاً: هل نلتقي يا برهان في الوقت المحدد؟ أنت تضبط ساعتك على مواعيد الطيران الأوروبي. وبرهان منضبط في مواعيده، كما في عمله، ولهذا السبب قدّره الجماعة، وشغّلوه في معامل الجامعة. وعندما بدأ الشغل. قال لك بصوت مقبوض: "لقد ابتدأت يا والدي أعمل بوظيفة مساعد عامل في المختبر. أُنظِّف أنابيب الاختبارات، وأمسح الطاولات". فأجبته بأن العمل ليس عيباً، خاصة إذا كان أمامك هدف إكمال دراستك الجامعية. فأحسستَ بفرحِهِ ينساب في شرايينك عبر سماعة الهاتف وهو يقول: "ولكنني صرت أتدخل في شؤون الأنابيب، وأحضِّر البيئات المنوي العمل بها، وعندما استتب الأمر، صرت أساعد الفنيين على تحضير المادة، مجال البحث."
وعندما انتبهوا لذكائه، عيّنوه بوظيفة مساعد باحث في المختبر، فأخذ فرصته لدراسة الماجستير! خمس عشرة سنة مرّت مرور السلحفاة منذ غادَرَنا، حتى حصل برهان على الدكتوراه من جامعة هيسن الألمانية. وعندما أعلن معهد هيسن للهندسة الوراثية عن حاجته لباحثين، قدّم طلباً للالتحاق بالمعهد، فقبلوه.
"بدأت أستغرق في العمل يا أبي. ونظراً لشعوري بالغربة وبالتمييز، رحت أولج الليل في النهار في أبحاث متتالية، لأثبت لهم أنني مؤهل لمنافستهم، لا بل والتفوق على الكثيرين من زملائي في المعهد! نتائج أبحاثي المخبرية أدهشت أساتذتي!"
وبعد خمس سنوات من العمل الدؤوب، عينوا له مساعدة بحث، وكانت خريجة ماجستير في الوراثة.
"الفتاة مطواعة وخدومة وبريئة ومندفعة بقوة" يُعرِّفك عليها: "إنها مخلصة في تقديم كل ما لديها؛ أبحاثها، دراستها للدكتوراه، أخلاقها، جمالها الأخاذ، تميُّزها عن الأخريات في كل شيء." وإذ ينتبه لكونك راضياً، يضيف متشجعاً:
"صرت أذهب معها إلى المطعم، أراقبها وهي تأكل، تلحق بشوكتها وسكينها آخر حبة أرز، تتناولها، وتنظف صحنها. فأقول لها: لماذا تنظفين آخر حبة أرز في الطبق؟ هل كل هذا اقتصاد في النفقة؟ فتجيب وهي مبتسمة: لدينا في ألمانيا القدرة على توريد ملايين الأطنان من الطعام، ولكن هناك شعوباً لا يصلها الأرز، ويجب أن لا نرمي الطعام في حاويات القمامة، كي تجد الشعوب الأخرى فائضاً تأكله!
تفرح لفرح برهان، فتقوي جذوره قائلاً: ديننا يقول "الاقتصاد في النفقة نصف العيش." ولكن هات من ينوي تفعيل اقتصادنا!
"إنها تُدَوِّر كل النفايات في الحديقة،" يتابع بالهاتف قائلاً" ولا ترسل إلى الحاوية سوى فضلات نادرة، فالبلاستيك يذهب إلى حاوية، والزجاج يُرمى في حاوية أخرى. شعرت أنني أتعلم منها. قبلت دعوتها إلى شقتها، وبعد تعارف أكثر، صرت أنام معها في شقتها". فتحذِّره بشدّة: "إلى هنا، قف يا ولدي! درب البنات شوك!" فيجيبك ضاحكاً: " كان هذا المفهوم في زمانك يا والدي، وأما في أيامنا، فالبنات أوعى من الشباب. لا تنسَ أنهن ينضجن قبل الشباب، ويفهمن الجنس قبلهم، والمرأة الباحثة في المختبر تعرف كرامتها، وتعرف طريقها، وتعرف الأمراض والأوبئة القاتلة، ولا تسير في طريق الضلال، ولهذا قبلتُ دعوتَها كأفضل رفيقة لي، وذلك بعد أن تأكدت أن لا امرأة تستطيع أن تسعدني مثلها."
وبعد حصولها على الدكتوراة، عمل لها المحترم حفلة رائعة، دعا إليها أصدقاءَه وزملاءَه المقربين، وطبعاً أنا ووالدته المرحومة أميمة، وأخته سمر، وعمه غالب وزوجة عمه تمام.
وقبل أن آخذ إجازة للسفر، وأترك أعمالي الهندسية في دبي، وكل المشاريع المتشابكة المتعلقة بي، كلفت مساعدي المهندس جرجس متري بالتوقيع على دِقّة تنفيذ كل أساس أو عمود أو سقف، وتحمل مسؤوليته، فهو يدرك المخاطر الرهيبة، التي قد تنشأ، نتيجة خطأ مدني في حساب الأطوال، أو الأوزان، أو..
حضرنا الحفل البهيج، والسعادة تطل من وجهي العروسين، ومن وجه ابنتي سمر وأمها أميمة، التي تفضحنا بين الألمان وهي تُهاهي وتُزغرد (لو لو لو لو ليييي!)، فيفرح أهل العروس الألمان وكل الحضور بها، ويتحلقون حولها، فتُعلِّم أمّ العروس كيف تزغرد، فتبدأ الألمانية اللّماحة تحرك لسانها يميناً ويساراً وتزغرد (لو لو لو لي) ونحن نضحك! وراحت تُعلِّم المهتمين من الحضور الألمان كيف يدبكون الدبكة الفلسطينية، وتلوح بمنديلها وهي تقودهم في مقدمة حلقة الدبكة. (وعلى دلعونا، وعلى دلعونا، ريح الشمالي، غيّر اللونا!) كانت المرحومة تفهم التقاء حضارة الشمال والجنوب، وتقصد تلاقح الحضارات، لا صراع الحضارات، الذي يتنطع الشريرون لتفجيره.
كان تعرُّفي عليك لأول مرّة يا أميمة في بيت أخي غالب، كمن يكتشف كنزاً في مكان مطروق.
"أُعرِّفكَ على ابنة جيراننا؛ الأستاذة أميمة " تقول لي تمام ذلك، فأفهم أنها تضمر شيئاً في روحها: "إنها من بلدكم عكا، وليست بلدياتي من الناصرة، " تضع يدها على صدرها وهي تتابع قولها: "كي تعتقد أنني أحابيها! آنسة في منتهى الأدب والأخلاق والذكاء، عمل لها أبوها عقد عمل بعد تخرجها في جامعة دمشق، فصارت تُدرِّس في مدرسة الرياحين المجاورة لشركتك." كنتِ يا أُميمة فتاة خجولاً، وعيناك الفرِحتان ترنوان إلى بعيد بينما زوجة أخي تُعرِّفني عليك. لم تذكر لي شيئاً عن جمالك، طالما أنك أمام ناظريّ غزالة في حديقة غناء.
Page 9
تكررت زياراتكِ إلى تمام مع والدتكِ، وأحياناً وحدكِ، وما دمت أسكن في بيت أخي، صرت أجلس معكم لبعض الوقت، خاصة إذا اتفق أن التقينا داخل البيت، وجهاً لوجه. كنتِ لبقة في الحديث، فأعجبني أسلوبك في التعبير والتفسير والتبرير والاستعلام والأخذ والرد. وفهمت من حواري معك أنك متخصصة في إدارة الأعمال.
كنتُ قد وظفتُ أخي ضمن فريق مراقبي تنفيذ مشاريعي المدنية، ونقلتهم لنعيش معاً في شقة أوسع وأرحب وأجمل. وبعد أن شبكت الصنارة، ورحنا نستعد للزواج، فتشنا عن شقة منفصلة، ودخلناها أسعد عروسين، وبعدها نقلتكِ إلى شركتي، لتكوني مديرة للاتصالات والعلاقات العامة.
أتذكرك وأنت تلقين كلمتك المثيرة في سهرة العشاء الفخم، التي جمعتنا مع عائلات مقاولي مشروع (واجهة دبي البحرية)، في مطعم الطابق الأخير من فندق برج العرب، عندما قلتِ للحضور: "يقول ديننا: (مالُكَ ما أنفقت.) وفي باب آخر يُحذِّرهم: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ..) وأموالكم المكتنزة كثيرة والحمد لله، فلو تبرعتم بثمن هذا العشاء المكلف، لأيتام مخيم جنين، الذين طحنت الدبابات بيوتهم، وقتلت أولياء أمورهم..." فقام شريكي الإماراتي، الأستاذ منذر الحمد، وتبرع ببناء عيادة طبية متكاملة في المخيم، بحيث تكون مصاريفها التشغيلية ومستلزماتها من المواد والأدوية جارية على حسابه، وبعده انهالت التبرعات. وهذه المبادرة وحّدَت مشاعر الحضور تجاه قضية شعبك المغدور!
كنتِ تناقشيني في ضرورة العودة إلى عكا، ونحن نتمشى على مسطحات النجيل في (حديقة شاطىء جميرا) الجميلة، ونستمتع بمشاهدة النوافير، وألوان حقول الأزهار، فتلاعبين طفليك برهان وسمر، وأحياناً تركضين خلفهما، وهما يهربان منك تحت الأشجار التي تعانق البحر.
وكانت تمام تحب زيارة (حديقة الحيوان)، فتأخذان أطفالنا، وتقضون يومكم هناك، بينما أذهب مع أخي غالب لنلعب (الغولف) في أبو ظبي، ونلتقي في الليل، فيتقافز برهان وسمر وهما يحكيان لي مندهشين بما شاهدا. أبكي بمرارة وأنا أتذكرك، فتسيل دموعي، وتبلِّلُ شاربيَّ اللذين كنت أحاول حلقهما، فتُصِرِّين على بقائهما يتنطعان أشيبين على وجهي. للذكرى فقط أبقيت شعرهما الكث، المفتقد لوجهك الطاهر! لماذا تركتني وذهبت بعيداً! يقولون إن المرأة تُعمّر أكثر من الرجل بحوالي سبع سنوات، فلماذا مُتِّ بهذه السرعة، وتركت كل هموم هذه الدنيا على ظهري وحدي؟ لو كنت أعلم أن استخدام الهاتف المحمول يسبب السرطان إلى هذه الدرجة، لما تركتك تلصقينه على أذنك، وتتحدثين به دائماً في اتصالات إدارة العمل. كان والدي يقول: (إذا تفَرّق الحِمل، ينشال.) ولكن الحِمل كله يقبع الآن ثقيلاً على كاهلكَ وأنتَ عجوز هرم، تعاني من ترقق العظام! صحيح، نسيتَ أن تأخذ دواء ترقق العظام، ودواء الضغط، وبخاخ السكري، وباقي الحبوب العشرين التي.. ولكن لا داعي لأخذها، فأنت تُحتضر على فراش عكا، وتتلاشى من آفاقها الساحرة شيئاً فشيئاً!
لم تصبر أميمة أكثر من شهر، حتى استفسرت برهان، وسألته عن الخَلَف. فقال لها مستغرباً: "زواجنا يا أمي لم يفرغنا للخلف والولادة، كما يفعل معشر العرب، بل زادنا تورطاً في العمل!" وعندها تناولتَ الهاتف من يد أمه، كي تغيِّر الموضوع، وسألتَه عن عمله. فقال مفتخراً: " لقد تطورت أبحاثنا الوراثية يا أبي، فبعد أن نجح العلماء الأوائل في دمج خلية نباتية مع خلية حيوانية، وأنتجوا منهما أول خلية لحيوان أخضر. تابعنا بعدهم تطوير أبحاث الحيوان الأخضر."

بدلة يتيمة!

يُدخلك البساط المتحرك من فم الطائرة الهيدروجينية إلى مبنى مطار الإسكندرية الدولي، الذي يشبه تصميمه مدينة فضائية انفلتت من مجرّة بعيدة، فهبطت خلف مدينة الإسكندرية...لا يضيع مسافر في هذه المدينة، فإشارات التوجه مثبتة في كل مكان، والعجائز والأطفال يركبون سيارات كهربائية مجانية تقلهم إلى المعبر الذي يشاءون.
وفي أيام صباك، لم يكن أمامك معبر للوصول إلى الإسكندرية سوى باب الحديد، المتمترس في قلب القاهرة. اشتريتَ يومها أرخص تذكرة، ثم سرت باتجاه القطار الذي كان سيتحرك إلى الإسكندرية، مراقباً هذا الحشد العظيم من الناس... يتقدم إليك شيّال، فيخرجك من ذهولك بضوضاء رمسيس - ودون إحم ولا دستور- يأخذ منك حقيبة ملابسك الكرتونية، ليرفعها إلى القاطرة، فتخاف أن تفقد الحقيبة في تلك الزحمة، فتشدها من يده، ولكنه يمسك بتلابيبها، عندما يلاحظ أنك تلبس بدلة رسمية نظيفة سوداء، وهو لا يعرف أن والدك، احتفالاً منه بتخرجك من التوجيهية، وقبولك في الجامعة، كان قد خرج من تقتيره الشديد، وأخذك من يدك إلى محل (عادل الغضبان)، أشهر خياط بدلات في طولكرم، الذي أخذ مقاساتك، وفصلها لك من قماش جوخ إنجليزي أصلي ناعم الملمس، واختار بطانتها من الساتان الأحمر، وقال لك الغضبان يومها: "لم أفصل بدلة لأحد بهذا الخصر النحيل، وهذا الصدر العريض!"
لا يعرف الحمّال أنها بدلتك اليتيمة، وأنك تلبسها وتعقد على قميصها الأبيض ربطة عنق حمراء، لا تذكر من أين اشتريتها. بالتأكيد ليست من بُقَج وكالة الغوث المستعملة. ولهذا فأنت لا تضعها هي ونقودك داخل الحقيبة، خوف أن تضيع الحقيبة مع بدلتها ونقودها، إذ قامت أمك زكية بإغلاق وتخييط جيبها الداخلي الصغير، مخبئة بداخله مصاريف سنة جامعية كاملة، كان أخوك غالب، الهارب من عذابات وظلمات حياة اللاجئين، قد أرسلها إليك من دبي.
يشاهدك الشيّال مرتبكاً، خائفاً على أغراضك. فيقول لك وهو يقدم أوراق اعتماده: "لا تخف، أنا موظف في المحطة! خذ هذه القطعة النحاسية الرسمية ذات الرقم 8 الخاص بي، واترك الحقيبة، أرفعها لك، وكلها خمسة قروش، لن تكلفك كثيراًً!" تتأكد أنه موظف رسمي، أو إنه رجل ذو مرجعية، فتستسلم الحقيبة بين يديه وأنت تلاحقها بنظراتك الخائفة.
"اتكل على الله" يقول لك وهو يسير بها مسرعاً، وأنت تركض خلفه وسط الزحام، فتتذكر مقولة الممثل أمين الهنيدي: (اتِّكل أونطة!).. ولكنك تتكل على الله، وتصعد عربة القطار.
Page 10
يضع الحمال الحقيبة على الرف، فيشعرك بأن مهمته قد انتهت، فتنقده القروش الخمسة. تفضل. فيشكر الله ويخرج.
تشعر وسط تلك الجموع المتراصة في المقطورة أن لا مكان لك، فلا ممر فارغاً لتمُرّ منه، ولا مقعد فارغاً لتقعد عليه، أو حتى مكاناً لتقف فيه! وهؤلاء النساء الفلاّحات يضعن سلالهن الضخمة المملوءة بحاجياتهن، والتي خيطت فوهاتها بقطع قماش بيضاء وسوداء وخيش رمادي. وهذا الرجل الفلاح بثوبه الرمادي الواسع يُقعِدُ بطنَه المنتفخَ بين رجليه، ويجلس ساهماً، وكأنه قد أفطر شوالاًً من الفول قبل ركوب القطار، ورأسه يميل ذات اليمين، وفلاح آخر يميل برأسه ذات اليسار، وتلك السمينة بحجم بقرة لحوم (في عين العدوِّين!) تربط سيقان إوزاتها البيض الثلاث، وتضمهن معاً، وتضعهن فوق سلتها الضخمة الطافحة في الممر، بينما الحائرات البيض يتلفّتن بعيونهن الزرق النيلية الجميلة بقلق وارتباك ذات اليمين وذات اليسار، متفرجات على هذا العنبر السراديبي الطويل، المكتظ بأمتعته وبساكنيه! تلاحظ أن الأكياس والحقائب والأمتعة أكثر انتفاخاً من الركاب. وبعد أن يتحرّك القطار، تكتشف متاعب استرخاص الركوبة.
تشاهد أمامك رجلاً نحيل الجسم، يقعد محدودب الظهر، وذقنه يلامس ركبتيه، مثل موسى الكبّاس الذي ينغلق على نفسه، يُسبِّح بيده اليمنى بمسبحة طويلة تتدلى لترتطم بحذائه، بينما يده اليسرى تحمل مذياعاً نقالاً، وتقربه من أذنه كي يسمع صوت محمد عبد الوهاب - برغم تشابك أصوات المسافرين مع الأصوات المنبعثة من القطار نفسه - وهو يغني: (يا وابور قول لي رايح على فين.. يا وابور قول لي وسافرت منين.. يا وابور قول لي.. ياوابوووور قول لي...) وفي المقعد نفسه يتكوم أطفاله الخمسة فوقه وفوق زوجته القاعدة إلى جوار الأكياس، لابسة ثوباً أسود فضفاضاً، ولحمها يطفح داخل ثوبها الأسود الكبير، ويفيض على أمتعتهم، التي تتكوم حولهم، فتُغلِق ممر العربة.
وإلى جوارك يقف شاب من جيلك. تسأله فيقول لك ساخراً: "إنه قطار الإكسبرس السريع!" وعندما يعرف أنك غريب بلاد، يكمل حديثه الساخر: " هذا القطار كان سريعاً في عهد الدولة العثمانية، عليها رحمة الله، وعندما ماتت الدولة، اكتأب القطار، فصار يقطع الطريق من القاهرة إلى الإسكندرية في حوالي خمس، قول ست ساعات.. وهو يتوقف في كل المحطات، ما عدا المحطة التي تنوي الوصول إليها!" يضحكك أسلوبه الساخر في الحديث، فيشعر بإعجابك به، فيواصل قوله: "إنما هناك قطار حديث اسمه المجري. آه لو ركبت فيه يا جدع، لأوصلك في ساعتين!"
تكتشف داخل ذلك التزاحم الخانق- والذي هو واجهة من واجهات يوم الحشر والنشر- أن الناس طيبون، وتتسع صدورهم بعضهم لبعض. ولكن ما يمتعك حقيقة هو منظر السهول الواسعة (جنّات عا مَدِّ النظر، ما بينشبع منها نظر!)، مزارع خضراء، تنطلق منها أشجار نخيل باسقة بين حقول الذرة والقمح والبرسيم والفول وقصب السكر، تشبه مآذن مساجد لا نهائية في المدى الرحب! وأنت لم تشاهد نخيل مزارع من قبل إلا في الأفلام المصرية غير الملونة، وها أنت تشاهده ملوناً وعلى الطبيعة! إنه سحر مصر الخضراء، التي صحّروها لاحقاً!
تنتبه إلى أن الفنان محمد عبد الوهاب، وبعد أن انتهى من أغنيته السابقة قد عاد إلى أذن الرجل - الموسى الكبّاس- بأغنية (ما احلاها عيشة الفلاح، متهني وقلبه مرتاح!) ولكن صديقك المصري محمد محمد محمد، الذي ستسكن معه في الإسكندرية فيما بعد، سيقول لك: "غنى عبد الوهاب هذه الأغنية من الزمالك، ولم يعش مع الفلاح، فيشاهد كيف أن البعوض - جيش الإقطاعي- يمتص دمه، وكيف تثقب البلهارسيا شرايينه، بمخرز الخولي، وكيف أنه محروم من كل شيء، ما عدا الموت!"
لا يبتعد القطار كثيراً من القاهرة، حتى يتوقف في محطة بنها، فينزل ناس، وتنزل أمتعة، ويصعد ناس، وتصعد أمتعة، وتحصل عملية إفراغ وإحلال متبادلة. ويصعد إلى القطار بائعون متجولون من أهل المحطة، وأحدهم يحمل على كتفه سلة، ويصيح وهو ينقل رجليه بخفّة وجرأة بين كتل الأكياس المتضخمة بطونها، فتصطدم سلته بلحوم النساء المندلقة داخل أثوابها الكحلية والسوداء، فيذود الرجالُ المدافعون عن حدود نسائهم بحماسة وشهامة. "سميط وبيض وجبنة رومي." ينادي بأعلى صوته المتشابك مع أصوات مجتمع القطار: "بيض وسميط." ويتبعه شاب بائع متجول آخر، يحمل على كتفه سطلاً مملوءاً بالماء، ترتفع من فوهته زجاجات ملونة.
"كازوز بارد." يندفع وهو يصيح بأعلى صوته: "كازوز بارد كازوز بارد." طبعاً لا هو كازوز، ولا هو بارد! وعندما يمرّ بك، يمسح قاع سطله المُطيّن بكتف سترة بدلتك اليتيمة، التي كنتَ مغروراً بلبسها داخل العربة، ولكن هذا السطل الذي مسح بك الأرض، جعلك تقف مثل الذي عملها، ولم يمسح مؤخرته..!
يشاهد الشاب الذي يقف أمامك تحرُّش طين السطل بكتفك، ويتأثر بمنظره اللزج، فيضحك وهو ينظر إلى خيبتك ويقول لك: "ما كنت يا فندي طلعت على الأقل في الدرجة الثانية، هناك يكون لك رقم مقعد، والمقامات محفوظة!" الآن تفهم أنك قد ركبت في مقطورة الدرجة الثالثة، وأن الناس هنا متعودون بعضهم على بعض، وقلوبهم مسامحة وكريمة، وأما أنت فالبدلة اليتيمة التي ستدخل بها الجامعة، وتقابل بها وجه ربنا..! إنها مصيبة كبرى! ولكنك مستعد في هذه الرحلة لأسوأ الأمور، كما قال لك والدك رحمه الله: "كن حذراً يا ولدي لكل شيء. ولا تغضب إذا ما حصل لك مكروه، لا سمح الله. والرسول الكريم كان يرفع شعاره الدائم (لا تغضب)." ولهذا فلا تغضب، بل تتابع الرحلة واقفاً، تتفرج على الخضرة، وعلى نوافير النخيل المعلقة في السماء، وبحر النيل الرحب الصدر، الذي لم تشاهد مثله في حياتك؛ فهذه الألوان، من الخضرة والمتسلقات الجهنمية الحمراء، والنيل الذي يظهر أزرق حيناً، ورمادياً شاحباً أحياناً، وأجرب بقاذوراته ورممه أحياناً، ومطرزاً بجواميسه التي تدور حول سواقيها، وبيوت الطين المغمورة في المزارع، وأفران فلاحاتها التي تلهب النار الحمراء المتصاعد دخانها فتشوي خبزهن، وأسراب من الصبايا الفلاحات يجمعن القطن من حقوله، وعربة كارّة يجرها حمار ينوء بحمل البرسيم المتراكم خلفه.
وبعكس مآذن النخيل المنطلقة باتجاه السماء، تهبط الشمس باحثة لها عن عش تنام فيه بين حقول الذرة! ترقب الشمسَ الغروبيةَ البرتقاليةَ المحمرّةَ وهي تسابق القطار... تنطلق بموازاته... تتخلف عن ركبه. تختفي خلف ذيله التمساحي الطويل. تحاول أن تسبق الفضاء الرحب. وعندما تصطدم "الذهبية البرتقالية" المتلألئة بجذوع النخيل، تخاف عليها من أن تنفلق وتخر مغشياً عليها!
الزحمة المتشابكة داخل المقطورة تجعل بعض الشباب يقعدون على الرفوف الداخلية العلوية الشبكية المعدنية، والتي صممت لوضع الحقائب اليدوية عليها. يصير المسافرون هم الأمتعة الممددة على الرفوف. وتشاهد رجلاً يراقب قرده صغير الحجم، والذي بغمزة عين يقفز بخفّة، فيجلس بأدب بين الشباب الجالسين على الرف، وهو يضع إصبعه في فمه باسماً، بينما عيناه العسليتان تتحركان في محجريهما، يمنة ويسرة، تراقبان الغادي والقادم، والفرح يطل منهما، لحصوله على مقعد مجاني في العالي.
تشعر بألم في ساقيك المنفرجتين بسبب وجود قفة بينهما، فتزحزحهما بين الأمتعة، وتراقب الشابين الجالسين على الرف، وهما يدلدلان أرجلهما فوق رؤوس ركاب المقطورة، فيصيح بهم رجل قاعد تحت رحمة أحذيتهم الثقيلة: "مش تحترموا الناس القاعدين تحت جزمكم الثقيلة!" وتضيف امرأة يبدو أنها خائفة على طفلها النائم في حضنها: "لو وقعت جزمة على رأس طفلي، حيموت!" ويقول آخر: "دا والله حتى عيب كده!" ويتشجع رابع فيرفع وجهه نحوهما صائحاً: " يا شباب انتوا أكيد من عيلة محترمة ومتربيين عالأصول، وده مش أصول إنِّ جزمكم تتحط فوق رؤوسنا! على الأقل اقلعوها وشيلوها من فوق دماغاتنا!"
وبعد عدة استنكارات واستهجانات، يخلع الشابان أحذيتهما الغليظة، ويضعانها إلى جوارهما على الرف، فتعلن جراباتهما البيضاء عن نفسها، وتمد أعناقها، وهي مسودّة مطينة بالعفونة الملتصقة بها، وتطل أصابع أرجلهم من الجرابات المهترئة، فيروحان يهوِّيان أصابعها الملتصقة بمعجون العفونة اللاصقة الرمادي الرطوبة، ويبعدان الأصابع بعضها عن بعض بهدف التنفس، فتفوح رائحة كريهة، تقتل أنوف الركاب القابعين تحت رحمة سكان الرف العلوي. ويصحو رجل عجوز كان نائماً على كيس أمتعته صائحاً فيهم: "ارحمونا من الريحة اللي خنقتنا دي!" فتصحو على صوته امرأته التي كانت تنام على زنبيل مملوء بأشياء مغطاة بقطعة قماش مخيط، وهي تقول: "صحيح، أيه الريحة العفنة دي!"
"يا عمي البسوا جزمكم، ودلدلوها فوق رؤوسنا" ينفجر آخر بقوله،" لو تقع جزمكم على رؤوسنا، أرحم من الريحة اللي موتتنا دي!"
وهنا يتنطع أحد الشابين؛ ساكنيّ الرف العلوي قائلاً: "هلكتونا بحكاية الرجلين دي؛ إقلعوا، لأ، إلبسوا! طب إقلعوا! لأ إلبسوا. إرسوا لكم على بر، في قضية الأرجل دي. نلبس ولا نقلع؟" فيقول لهما الشاب الفرائحي، الذي يقف إلى جوارك مراقباً الحدث كالآخرين: "إيه رأيكم تقطعوا رجليكوا، وترموهم برّة القطر، فنرتاح من ريحتهم العفنة؟ وعلى الأقل يمكن تستفيد منهم القطط اللي هناك، بدل ما انتوا قارفين بيهم مشوارنا ده!" فيجيبه أحد العلويين مدافعاً: "لا والله فالح يا ابو شرابات حرير في حرير! وعفن رجليك، تقولش مسك!"