eKtab
EN ع
الإصلاح السياسي  في دول مجلس التعاون الخليجي بين المحفزات والمعوقات
Read free sample

الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بين المحفزات والمعوقات

by د. همسة قحطان خلف الجميلي

Page 1

ملخص

لاحقت رياح التغيير والإصلاح السياسي دول المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة، وقد تفاوت معدل التأثر فيها من دولة إلى أخرى، وقد تعاطت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي مع الإتجاه العالمي بشكل أو بأخر نحو الديمقراطية والحرية والسياسة بالمعنى الليبرالي- بشكل أكثر إيجابية ومرونة من دول عربية أخرى قديمة العهد بالتطور الديمقراطي والحراك السياسي بمعناه الشامل، إذ شهدت دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقد الأخير موجتين للإصلاح السياسي: كانت الأولى: في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وجاءت الأخرى: في نهاية ذلك العقد، ومطلع العقد الحالي، وكلتا الموجتين وضعتا النظم السياسية الخليجية على أعتاب مرحلة التحديث، بعد أن ظلت حالة الركود مسيطرة عليها لعقود طويلة، وتمثلت أبرز معالم الموجة الأولى في مظهرين جديدين في دول لم تعرف من قبل وجود مؤسسات وتشريعات تنظم الحياة السياسية، وعملية المشاركة فيها، المظهر الأول: هو تأسيس مجالس للشورى (بالتعيين) في المملكة العربية السعودية، وفي البحرين في العام 1992، والمظهر الأخر :إصدار تشريعات وأنظمة أساسية في السعودية العام 1992، وفي سلطنة عمان في العام 1996. أما الموجة الأخرى فقد شهدت قيام النظم السياسية الخليجية بإصدار دساتير دائمة، ومثال على ذلك إصدار دستور قطر في نيسان في العام 2003 مع ظهور توجه لاعتماد آلية الإقتراع العام سبيلاً لتشكيل المجالس التشريعية بدلاً عن طريق التعيين، ومنح هذه المجالس صلاحيات اوسع، ومن الامثلة على ذلك ماجرى في البحرين في بدايات العام 2002، وتبنت دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2006 اسلوباً يتم فيه إنتخاب نصف عدد اعضاء المجلس الوطني الاتحادي ، والنصف الآخر يعين من قبل المجلس الاعلى الاتحادي، وهو اعلى هيئة اتحادية في الدولة ، وعمدت سلطنة عمان في العام 2000، إلى إلغاء الدور الحكومي في إختيار، وتعيين أعضاء تلك المجالس مع توسيع قاعدة المشاركة في العملية السياسية. ومن أهم الأسباب التي حفزت دول مجلس التعاون الخليجي لتبني النهج الإصلاحي منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ما يأتي:
- التطورات الإقتصادية والإجتماعية التي شهدتها تلك الدول خلال عقدي السبعينات والثمانينات، بفعل تزايد العوائد المالية النفطية، والتي أدت إلى ظهور شريحة من المثقفين طالبت بالإصلاح السياسي، والمشاركة السياسية، وكان لهذه الشريحة دور في إحداث تحول نوعي في الوعي السياسي للمواطنين.
- آثارت المتغيرات الناجمة عن عملية غزو الكويت في العام 1990 وحرب الخليج الثانية في العام 1991، وما بعدها تساؤلات عدة دارت حول طبيعة النظم السياسية، وعملية التطور السياسي المنشودة في دول الخليج، بعد إتضاح هشاشة تلك النظم، وإنكشافها الأمني، وضعف قدراتها العسكرية رغم المبالغ الهائلة التي أنفقت على التسلح، وشراء المعدات العسكرية، الأمر الذي شد المواطن إلى الإهتمام بالعملية السياسية والتطلع للمشاركة فيها بعد أن كانت حكراً على شريحة إجتماعية معينة أثبت الواقع العملي عدم كفايتها في إدارة العملية السياسية، وفي مواجهة الأزمات.
- توجه النظم السياسية الخليجية للحصول على الشرعية عبر توسع قاعدة المشاركة السياسية، وصناديق الإقتراع عوضاً عن شرعية الإنجاز التي تقوم على فكرة دولة (الرفاه)، ويضاف إلى الأسباب التي أشرنا إليها آنفاً ما يأتي:
أ‌. تصاعد الضغوط الدولية المطالبة بالتحول الديمقراطي، وتصاعدها بعد أحداث 11 أيلول 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية.
ب‌. الإدراك الخليجي المتزايد لأهمية الإصلاح السياسي باعتباره حصانة ووسيلة من الوسائل التي تقلل أو تضعف الميل للعنف، وقد شهدت البحرين أعمال عنف واسعة النطاق في العام 2005.

المقدمة

شهدت دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقد الأخير موجتين للإصلاح السياسي، كانت الأولى في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وجاءت الأخرى في نهاية ذلك العقد، ومطلع العقد الحالي، وكلتا الموجتين وضعت النظم السياسية الخليجية على أعتاب مرحلة جديدة، إتجهت فيها إلى تحديث نفسها بعد أن ظلت حالة الركود تسيطر عليها لعقود طويلة، وتمثلت أبرز معالم الموجة الأولى للإصلاح في مظهرين:
أولها: تأسيس مجالس للشورى (بالتعيين) في الدول التي لم يكن بها مؤسسات تقدم نفسها بعّدها برلمانات، وذلك على نحو ما حدث في المملكة العربية السعودية والبحرين في العام 1992.
ثانيها: صدور أنظمة أساسية في الدول التي لم يكن فيها هكذا أنظمة على غرار ما حدث في كل من السعودية في العام 1992، وسلطنة عُمان في العام 1996.
أما الموجة الأخرى للإصلاح فقد خطت بالنظم السياسية الخليجية خطوة أوسع بإستكمال عملية صدور الدساتير الدائمة، كما حدث في قطر في نيسان من العام 2003، والإتجاه إلى الإعتماد على الإقتراع العام كآلية لتشكيل المجالس التشريعية في بعض الدول التي كانت تتشكل فيها تلك المجالس عن طريق التعيين مع زيادة صلاحياتها كما حدث في البحرين إبتداءاً من العام 2002، أو أختيار طريقة إنتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي كما حدث في الإمارات العربية في العام 2006، وإلغاء الدور الحكومي في إختيار أعضاء تلك المجالس كما حدث ذلك في سلطنة عمان إبتداءاً من العام 2000، مع توسيع قاعدة المشاركة السياسية فيها.
 
Page 2

أهمية الدراسة

لهذه الدراسة أهمية تكمن في الآتي:
1. تبرز أهمية الدراسة بالنظر إلى إن موضوع البحث يدرس موضوع الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي عبر حدثين مهمين أسهما في دفع تلك الدول بالأساس نحو التغيير والإصلاح، والحدث الأول هو/ غزو العراق للكويت في العام 1990، وانعكاساته، والآخر/ إحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وما بعدها وبينها من أحداث مهمة، على إعتبار أهمية هذه الأحداث ودلالاتهما ، وتداعياتها على دول مجلس التعاون الخليجي الست خصوصاً، وإن بعض تلك الأحداث الإقليمية والدولية كان لها الآثر الأكبر في الضغط على تلك الدول ودفعها نحو الإصلاح والتغيير السياسي.
2. تنبع أهمية الدراسة كذلك من أهمية هذه المنطقة، وما أخذت تشهده من إصلاحات سياسية ودستورية فاقت بعض الدول العربية الأخرى، سواء في مجال التشريعات الدستورية ، أو القوانين الإصلاحية ، والإنتخابات ومشاركة المرأة، ومؤسسات المجتمع المدني، وحقوق الإنسان، وخاصة إذا أخذنا في الإعتبار إن البعض من هذه الدول كانت إلى حد وقت ليس ببعيد لا تمتلك حتى أنظمة أساسية، أو دساتير دائمة، أو مؤسسات سياسية فاعلة ومنتخبة ، بل إن بعض دول الخليج العربي أصبحت كإنموذج يشار إليها في منطقة الشرق الأوسط كما هو الحال في كل من دولتي الكويت والبحرين.

إشكالية الدراسة

أن ما قامت به دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات السابقة من إصلاحات سياسية واقتصادية لم يكن سوى استجابة اضطرارية لضغوطات داخلية وخارجية، ينبع بعضها من التطلعات والآمال التي تسود الشعوب عندما تنظر إلى التطورات المحيطة بها في عالم تنتقل فيه المعلومات والأحداث آنياً والبعض الأخر أنعكاس للأوضاع المحيطة بهذه الدول، بما في ذلك تحديات خارجية رأت النظم الحاكمة معها ضرورة تماسك المجتمع وتعبئة الصفوف لمساندة النظام في مواجهة تلك التحديات، فضلاً عن الإستجابة لدعوات ومطالبات تصدر من حين إلى أخر من منظمات حقوقية دولية، وأحياناً دول أجنبية أيضاً.
أي أن الإتجاه نحو الديمقراطية أو بالأصح تبني بعض صورها وتطبيق درجات معينة منها، جاء كرد فعل وليس فعلاً، فلم يكن بمبادرة إرادية حقيقة كما تزعم النظم الخليجية الحاكمة، لكن في نفس الوقت لا ينبغي أن تفرض الديمقراطية أو أي من أساليب أدارة المجتمع بقرارات فوقية حتى وأن كانت إرادية وبمبادرة مستقلة من النظام الحاكم، فالطريقة المثلى لتطبيق أسلوب ما في حكم الشعب أو ادارة أحواله هو أن يأتي أنعكاساً لإرادة هذا المجتمع لأحكامه. وهنا تبرز لنا الإشكالية إذ لم تتجاوز العوامل الداخلية التي دفعت بالحكام إلى تبني قدر ما من أشكال الديمقراطية هو حدود التطلع بانبهار إلى ديمقراطيات حقيقية تطل على مواطني الخليج من الفضائيات وشبكة الأنترنيت أي ضعف الضغط الشعبي الدافع نحو الأخذ بالديمقراطية باستثناء بعض تنظيمات معارضة هدفها الرئيس ليس الاعتراض على نظام الحكم أو النظام الحاكم، بقدر ما تعبر غالباً عن حال فئة مذهبية معينة كالشيعة في البحرين، أو أفكار سياسية تحاول تطبيقها تحت مظلة النظام الحاكم، ونقدم الكويت مثالاً واضحا على هذه الحالة، وذلك لإغفال بعض حقوق أفرادها أو لغبن لحق بهم. فضلاً عن ذلك أن الإصلاحات التي حدثت في دول مجلس التعاون ما هي إلا أمتصاص لتيار انتفاضي جارف أخذ يفرض نفسه على العالم إلا وهو تيار عولمة السلوكيات الغريبة ( الأمريكية تحديداً) بقيمه ومفاهيمه، وما يؤكد كل ذلك أنه رغم التشابه الكبير بل والتطابق أحيانا – بين ظروف ومسيرة المجتمعات الخليجية، فأن الأتجاه إلى الديمقراطية والإصلاح السياسي يتفاوت من دولة على أخرى، في حين لم تأخذ به بعضها، ولو كان أتجاهاً طبيعياً نتاج تطور تلقائي ونضج ذاتي للمجتمع والدولة مفهوماً وممارسة،لوجدناه في دول مجلس التعاون الخليجي الست ولا نحصر التفاوت بينها داخل نطاق ضيق بحكم عوامل معينة مثل تباين بسيط في التركيبة المجتمعة، وأختلاف تاريخ الاستقلال، وفروق جزئية في شكل نظام الحكم.

الدراسات السابقة

بطبيعة الحال لا بد لهذه الدراسة من الإستفادة من المراجع والمصادر باللغة العربية والأجنبية، والتي تتناول أساساً دول مجلس التعاون الخليجي في الجانب السياسي، والأجتماعي، والإقتصادي، والأمني سواء كانت تتناول كل دولة بشكل مستقل أو كل تلك الدول ، إذ يتم عادةٍ دراسة هذه الدول كوحدة سياسية وإحتماعية، وإقتصادية واحدة نظراً لتشابه السمات والأوضاع السياسية والإجتماعية، والإقتصادية فيها، فضلاً عن وجود دراسات عدة تناولت بالشرح والتحليل أزمة الديمقراطية والمشاركة السياسية في دول المجلس، ودراسة أهم العوامل المعيقة لذلك وقد لاحظنا بعد الإطلاع على الدراسات السابقة، وقد أشرنا إليها في قائمة مصادر دراستنا واستكمالا للشوط الذي قطعته تلك الدراسات في هذا المجال ارتأينا دراسة وبشكل متتابع أهم الأحداث السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي شهدتها دول المجلس منذ تسعينات القرن العشرين إلى حد الوقت الحاضر، والتي دفعت تلك الدول نحو التغيير والإصلاح مع التركيز على أحداث 11 سبتمبر/ آيلول ، وإحتلال العراق في العام 2003، وأثر ذلك على الإصلاح السياسي في دول المجلس ، ومقارنتها بالأوضاع التي تسبق ذلك التاريخ بالشرح والتحليل، مع دراسة الإصلاحات الدستورية والسياسية التي شهدتها دول المجلس نتيجة لتلك الأحداث ، والمعوقات التي تعيق العملية الإصلاحية تلك لتحقيق القدرة على المقارنة، ومعرفة أكثر الدول نجاحا في هذه التجربة وشكل ذلك أحد الدوافع المهمة التي شجعتنا على إختيار موضوع الدراسة.
Page 3

فرضية الدراسة

منذ عقد التسعينات من القرن العشرين دفعت عوامل داخلية وخارجية دول مجلس التعاون الخليجي نحو الإصلاح والتغيير ، إلا إنه في نفس الوقت هنالك معوقات كبيرة عدة تقف في وجه هذا الإصلاح والتغيير ، بل تحرفه عن مساره في بعض الحالات، ومن خلال صفحات هذه الدراسة سنحاول ان نبين اثر العلاقة بين تمدد الطبقة الوسطى الجديدة في دول المجلس وبين الدفع بأتجاه عملية الاصلاح السياسي في هذه الدول ،اضافة الى العلاقة بين أزمة الدولة الريعية والاصلاح السياسي الذي حدث خلال السنوات القليله السابقة ، والعلاقة بين ضغوط البيئة الخارجية وعملية الاصلاح ، وفي المقابل هنالك علاقة بين ضعف الطلب المجتمعي على الديمقراطية وبطئ عملية الاصلاح او تواضع مخرجاتها في البعض من دول المجلس كما هو الحال في كل من قطر وسلطنة عمان ودولة الامارات العربية المتحدة . وسنحاول الإجابة عن التساؤل الآتي: هل نجحت الدول الخليجية في سعيها إلى تحقيق الإصلاح المنشود، وانضمت إلى مصاف الدول الديمقراطية بالمقاييس المتعارف عليها (المشاركة، والإنتخابات، ودور مؤسسسات المجتمع المدني) أم لا تزال هذه الدول في العتبة الأولى في سلم الإصلاح والديمقراطية لوجود معوقات عدة لا تستطيع أن تتجاوزها هذه الدول في المستقبل القريب لتحقيق الإصلاح المنشود؟

منهجية البحث

بسبب تشعب الموضوع وطبيعته إعتمدت الدراسة على عدة مناهج في وقت واحد، عملاً بمبدأ التكامل المنهجي الذي غالباً ما يوصف بالشمول من حيث قدرته على إحتضان كل متطلبات البحث العلمي المتكامل: لذا إعتمدنا المنهج التأريخي بما يتطلبه من متابعة الأحداث، والأوضاع السياسية لدراسة أهم الحركات والتنظيمات الإصلاحية الأولى التي عرفتها البعض من دول مجلس التعاون الخليجي إبتداءاً من الربع الأول من القرن الماضي، كما إستعنا بالمنهج الوصفي التحليلي، في دراسة أهم الأوضاع الإجتماعية، والثقافية، والإقتصادية التي قادت تلك الدول نحو التغيير والإصلاح بفضل عرض أهم المشكلات الداخلية التي واجهت دول المجلس خلال السنوات الأخيرة سواء على مستوى تغييرات إجتماعية وأوضاع إقتصادية، ومطالب شعبية، وكذلك دراسة أهم المتغيرات الإقليمية والدولية التي شهدتها دول المجلس منذ تسعينات القرن العشرين وآثرها على العملية الإصلاحية فيها، وذلك عن طريق منهج يدرس ويوصف أهم تلك الأحداث والمتغيرات، والخروج بمحصلات تحليلية. كما إرتأينا في مواضع أخرى من الدراسة إعتماد أسلوب الإستقصاء الإحصائي لإعتقادنا بفائدته في توضيح نمط الإصلاح ودرجته ، وذلك عن طريق معرفة أعداد الأفراد الذين شاركوا في الإنتخابات سواء كناخبين أو مرشحين، رجالاً أو نساء، وعدد الأصوات الحاصلين عليها في الانتخابات ، وعدد المقاعد التي يحصلون عليها سواء في الإنتخابات البلدية أو التشريعية، فضلاً عن الأرقام التي بينت في مواضع أخرى إعداد السكان والمتعلمين، وحجم الناتج القومي، وغيرها من الأرقام التي تطلبتها الدراسة ، كما إعتمدنا المنهج الوظيفي النظمي في دراسة كيفية أداء النظم السياسية لوظائفها في تلك الدول في ضوء الإصلاحات الدستورية السياسية التي حدثت، وذلك بفضل الآلية التي تحكم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
Page 4

هيكلية الدراسة

في ضوء إشكالية الدراسة وفرضيتها ، والهدف الذي ترمي الوصول إليه، تم تقسيم خطة الدراسة إلى خمسة فصول وخاتمة يسبقها مقدمة ومبحث تمهيدي.
المبحث التمهيدي، خصصناه لدراسة مفهوم الإصلاح السياسي بشكل عام عن طريق دراسة فكرة الإصلاح، وآلياته، ومعوقاته.
أما الفصل الأول، فقد سلط الضوء على التجارب الإصلاحية الأولى التي عرفتها البعض من دول المجلس إبتداءً من الربع الأول من القرن الماضي، وقد تضمن ثلاثة مباحث: عُني الأول بدراسة الحركة الإصلاحية الأولى لعامي (1921-1923) في كل من الكويت والبحرين، أما المبحث الثاني فقد تناول الحركة الإصلاحية الثانية لعام (1938) في كل من الكويت، والبحرين، ودبي والمبحث الثالث تناول أبرز التنظيمات الإصلاحية الأولى في دول المجلس، والتي تميزت بها كل من الكويت، والبحرين، والسعودية.
في حين خصص الفصل الثاني لدراسة أهم عوامل الإصلاح السياسي في دول المجلس إبتداءً من تسعينيات القرن العشرين عن طريق مبحثين، يتناول المبحث الأول العوامل الداخلية، في حين يتناول المبحث الثاني العوامل الخارجية وأهم المتغيرات الأقليمية والدولية التي شهدتها هذه الدول سواء في المدة التي سبقت آحداث 11 أيلول أو بعدها والمدة التي تلت إحتلال العراق.
اما الفصل الثالث فقد كرس لمتابعة أهم الإصلاحات الدستورية التي عرفتها دول المجلس عن طريق ثلاثة مباحث، عُني الأول بدراسة التعديلات الدستورية في كل من الكويت والبحرين، والثاني تناول الأنظمة الأساسية الصادرة في كل من السعودية في العام 1992، وسلطنة عمان في العام 1996، والمبحث الثالث تناول الدساتير الدائمة الصادرة في قطر والإمارات العربية المتحدة.
والفصل الرابع خُصص لدراسة الإصلاح السياسي الذي شهدته دول المجلس سواء على صعيد الانتخابات البلدية في كل من قطر، والسعودية والبحرين، وهو ما تناولناه خلال المبحث الأول أو على صعيد الانتخابات التشريعية، في كل من الكويت والبحرين، وهو ما قمنا بدراسته خلال المبحث الثاني. إما المبحث الثالث، فقد خصص لدراسة طبيعة المشاركة السياسية والانتخابات في كل من عمان، وقطر، والإمارات، والسعودية، والمبحث الرابع خصص لدراسة أهم الإصلاحات التي شهدتها دول المجلس على صعيد حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، وحرية التعبير.
أما الفصل الخامس فقد خصصناه لدراسة أهم المعوقات التي شهدتها العملية الإصلاحية في دول المجلس مع دراسة مستقبل تلك الإصلاحات عن طريق ثلاثة مباحث يتناول المبحث الأول، مؤشر ضعف الإطار القانوني والدستوري، أما المبحث الثاني فيتناول عدة عوامل معيقة للعمل الإصلاحي سواء إجتماعية وثقافية، وإقتصادية، أما المبحث الثالث فيتناول مستقبل الإصلاح السياسي في دول المجلس من خلال دراسة عدة متغيرات تؤثر مستقبلاً في العملية الإصلاحية ذاتها في تلك الدول.
Page 5

المطلب الأول: فكرة الإصلاح

ليس هناك إجماع على تعريف شامل لكل أبعاد الإصلاح, فالنظر إلى الإصلاح، ومحاولة تعريفه من قبل الباحثين تتأثر بالحقل العلمي للباحث وبالمنظور الذي ينطلق منه الراغب في تعريف الإصلاح، وبالعودة إلى مرجعيتنا التراثية التي نقصد بها مجموع ما يندرج تحت مفهوم ( الفكر العربي الإسلامي) أي منذ ظهور الإسلام إلى القرن الثامن عشر, نرى بإنه ليس هناك في المعاجم العربية القديمة أي تعريف للإصلاح غير القول( الإصلاح ضد الإفساد)، وإذا رجعنا إلى معنى ((الإفساد)) ردتنا إلى الإصلاح بقولها: (الإفساد ضد الإصلاح). في حين نرى في المرجعية الأوربية التراثية منها، والمعاصرة، وبالعودة إلى المعاجم اللغوية الأوربية أن كلمة(Reform)، وهي الكلمة المقابلة لكلمة الإصلاح تعني: إعطاء صورة أخرى, أو إعادة تكوين شي ما ليبدو بمظهر جديد.
وفي المفاهيم المتخصصة, نرى أن الإصلاح مفهوم يطلق على التغيرات الاجتماعية أوالسياسية التي تسعى لإزالة الفساد، وإصلاح السلبيات
(Reform means social or political change that seeks to remove courrption).
وقد عرفت الموسوعة السياسية الإصلاح بأنه (تعديل غير جذري في شكل الحكم, أو العلاقات الاجتماعية دون المساس بأساسها, وهو خلافا لمفهوم الثورة ليس سوى تحسين في النظام السياسي الاجتماعي القائم, دون مساس بأسس هذا النظام, إذ أن الإصلاح يشبه الدعائم الخشبية المقامة لمحاولة منع إنهيار المباني المتداعية، ويستعمل للحيلولة دون الثورة أو لتأخير وقوعها).
وربطت (الأنسكلوبيدية) البريطانية مصطلح الإصلاح ((Reformation)) بالحركة الدينية الإصلاحية التي بدأت في القرن السادس عشر، لتطهير الكنيسة المسيحية أخلاقياًً وعقائدياًً على أسس قواعد العهد القديم، والتي سريعاً ما امتدت إلى الجوانب السياسية والاقتصاديةوالاجتماعية في جميع الكرة الأرضية. آذ عندما يذكر الإصلاح في أوربا (كأسم علم )، فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى الإصلاح الديني الذي شهده القرن السادس عشر، والذي ارتبط بأسم رائده الأول الراهب الألماني (مارتن لوثر) الذي أدت حركته إلى قيام المذهب البروتستانتي منشقا عن الكنيسة الرسمية الكاثوليكية.
أما في المجتمع العربي، فإن فكرة الإصلاح السياسي، والدعوة له لم تكن وليدة الوضع الراهن في واقعنا العربي , فقد بدأت هذه الدعوة منذ قرون عدة دعى فيها المفكرين والمثقفين إلى إصلاح أحوال الرعية، وإصلاح شؤون الحكم. وهناك شواهد دالة على عمق فكرة الإصلاح في المجتمع العربي سواء على المستوى الفكري أو السياسي أو الاجتماعي : فعلى المستوى الفكري بدأتها الإصلاحية الإسلامية والليبرالية العربية منذ العقود الأولى من القرن التاسع عشر في إطار كتابات سياسية جديدة صاغت أيديولوجية أصلاحية بلورتها نظريا في حدود الممكن، والمتاح من الأدوات المعرفية في ذلك الوقت, ككتابات (الطهطاوي) في دفاعه عن إنموذج الدولة العصرية, فضلا عن نقد الاستبداد السياسي والديني مع كل من (جمال الدين الأفغاني) و(عبد الرحمن الكواكبي), والدعوة إلى الإصلاح الديني مع (محمد عبده) ثم الدعوة إلى الإصلاح الإجتماعي وتحرير المرأة، وكل الأفكار التي تدعو إلى الحياة الدستورية، والنظام التمثيلي، وتقيد السلطة, وتطوير القضاء، وتكريس سلطة القانون, وإصلاح التعليم نرى هذه الأفكار مقدمتها في فكرنا الإصلاحي بين ثلاثينات القرن التاسع عشر والعشرين.  وفيما يخص المستوى السياسي، فأن بداياته تعود إلى حقبة مابين الحربين العالميتين أو ما يعرف باسم (الحقبة الليبرالية العربية) رغم أنها لم تعمر طويلا ومكتسباتها كانت متواضعة إلا إنها من جهة أخرى يمكن النظر إليها من جانب تأسيس مجال سياسي جديد وحديث يمثل فيه الدستور والتعددية الحزبية، والنظام التمثيلي النيابي, وحرية الصحافة والنشر موقع الأركان منه. حينما اتخذت عدد من الأقطار العربية التي حصلت على استقلالها في ذلك الوقت منهجاً على غرار النمط الغربي الأوربي مثل: مصر، والعراق، ولبنان، وسوريا، والأردن والمغرب، وتونس, ومارست نوعاً من أنواع الديمقراطية الليبرالية, كما تأسست جمعيات وأحزاب ومنظمات ليبرالية دعت إلى الإصلاح الاجتماعي عن طريق نشر التعليم الحديث, وتحسين وضع المرأة، ومناهضة النظم التقليدية, والدعوة إلى الديمقراطية والحياة الدستورية، والمشاركة السياسية والحياة البرلمانية.
وفي المستوى الاجتماعي الشعبي يمكن أن نشير إلى تراكم نضالي كبير في العمل السياسي والمهني من اجل تحقيق الإصلاح الديمقراطي في الوطن العربي والكفاحات التي خاضتها شعوب الأمة العربية ضد الاستبداد من اجل الحرية والديمقراطية طيلة عقود طويلة من القرن العشرين, البعض منها للدفاع عن حقوق اجتماعية في وجه سلطة تتخذ قرارات منفردة، ولا تأخذ مصالح الشعب والنقابات في الاعتبار, كمواجهة قرارات تتعلق بالتعليم أو الزيادة في أسعار الخبز والمواد الأساسية, والبعض الأخر من تلك الانتفاضات كان سياسيا صرفا. أن تأثير هذه الانتفاضات رغم أنها كانت تنتهي بانتكاسة كبيرة يعقبها حملة إعتقالات واسعة كان عميقاًً في تنامي الوعي السياسي بالحقوق، وامتداد تنامي الإدراك في فشل النخب الحاكمة في حل معضلات المشاركة السياسية والحقوق الاجتماعية للموطن.
إلا إن مفهوم الإصلاح والتغير التدريجي بدأ يتقاطع مع تيارات أخرى ابتداءً من ثلاثينات القرن العشرين, وهي تيارات سياسية غير إصلاحية في خطابها الأيديولوجي، وذات طبيعة شعبوية أو ثورية, تـرى فـي الــثـورة الاجتـماعيـة، وفـي الانـقلاب الـعسكـري الـطـريـق الأمثل إلى الـتغيـير, كـالـتيـارات الإسلامية والقومية والماركسية رغم إن هذه التيارات لم تقاطع تماماً الخيار الإصلاحي التدريجي، كخيار تكتيكي إضطراري, كما فعل (الأًخوان المسلمون ) في عهد مؤسس حركتهم (حسن البنا), وحتى التيار القومي قبل دخوله في حقبة الإنقلابات العسكرية, وكذلك التيار اليساري باسم النضال من اجل مرحلة انتقالية (ديمقراطية ) نحو الإشتراكية.
وعاد مفهوم الإصلاح والتغيير التدريجي ابتداءً من النصف الأول من سبعينات القرن العشرين لأسباب عدة منها:
أولا: نكسة حرب ،1967والتطورات التي حدثت بعد حرب أكتوبر 1973، إذ أصبح واضحا إنهيار المشروع القومي, ومع نهاية الثمانينات من القرن الماضي إنهار المشروع الوطني الذي كانت تحمله العديد من الحكومات العربية ومن المعروف أن الحركة القومية العربية لم تصل إلى الحكم في أي دولة عربية عن طريق انتخابات حرة نزيهة, بل كان دائماً عن طريق الانقلاب العسكري أو عن طريق الثورات الشعبية ضد الاستعمار لكنها ضحت بالديمقراطية، وحقوق الإنسان في مقابل الوحدة العربية، ومواجهة الاستعمار، والصهيونية , إن مأزق الأيديولوجية القومية العربية، إنها كانت صيغة (أما/ أو) فأما الحقوق المدنية والسياسية، أو الوحدة والاستقلال والتنمية الاقتصادية وكان يغلف هذا الممارسات القمعية، والفساد، وتهميش المعارضين، وإقصاؤهم عن الحياة العامة.
وقد أصبحت النظم العربية الحاكمة إزاء منعطف جديد من التطور السياسي الذي تمثل بتخلي هذه الحكومات عن تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبذلك سحبت بنفسها شرعية وجودها على المستوى الداخلي, إذ مبرر استلامها للسلطة منذ مطلع خمسينات القرن الماضي هو تنفيذ تلك البرامج التي لم تنفذها السلطات السابقة لها والتي غرسها الاستعمار منذ مطلع القرن العشرين. ومما مكن هذه النظم من الصمود خلال حقبة الحرب الباردة وجود قطبين عالميين يسمحان بتمحور هذه الدول حولهما.
وبانهيار مشروع هذه الأنظمة العربية الحاكمة فشل المشروع القومي التحديثي الذي كانت تحمله السلطات العربية التي وصلت إلى الحكم بعد الحرب العالمية الثانية, وفشلت مشاريع المعارضة الوطنية (القومية والاشتراكية ) السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وأدى فشل المثل الوطنية والقومية والاشتراكية إلى إنهيار الطموح والآمال التي كانت تتطلع إليـها الجمـاهير العربـية، والمـتمثلة في الحـريـة المساواة والتطور الاقتصادي والاجتماعي وأخذت الجماهير العربية تسعى للخروج من هذه الوضعية وتعول على أهمية العودة إلى الإرث الثقافي والديني, آمله أن تعثر على ما يعينها لمواجهة المآزق السياسية والاجتماعية التي تواجهها.
وأدت هذه المراجعة إلى تبلور تيارين فكريين يتنازعان للسيطرة على الشارع السياسي، الجماهيري, الأول يمثل الاتجاه الليبرالي, وهو يرى ضرورة تبني القيم الليبرالية التي ثبت نجاحها في العالم المتمدن،والاتجاه الآخر وهو يمثل النخب السياسية المحافظة التي تثمن القيم الإقليمية القديمة ,وتجمل صفحة الخطاب القومي, وتحاول بواسطتهما مقاومة الشعور بالعجز الذي لحق بها. وإن نجاح المشروع الليبرالي والفكر الليبرالي يعتمد على مدى سيطرته على الشارع السياسي الجماهيري بنزاعه مع التيار الثاني الإسلامي السياسي.
Page 6
ثانيا: إن التيار الإسلامي الذي تأذى من تجربة ممارسة الثورة ضد السلطة القائمة أخذ ينتقل من فكرة الثورة إلى فكرة النضال الديمقراطي، والإصلاح السياسي. وبدأت الجماعات الإسلامية المعتدلة وعلى رأسها جماعة (الأخوان المسلمين) تتعاطى أو تتعامل مع النظم السياسية ,مما جعل هذه الجماعات طرفاً قابلا بمؤسسات الديمقراطية، وإجراءاتها؛ وان كانوا يتحفظون على واحدة من أهم ملامحها في الغرب وهو العلمانية ,كما قبل (الأخوان المسلمين) بالعديد من المقولات التي تدعو إلى: إن السلطة للشعب بشرط أن لايقرر الشعب ما يتعارض صراحة مع نص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة من القرآن والسنة . كما أخذ (الأخوان المسلمون) يجتهدون في أن يتمايزوا من الجماعات المتشددة التي تتبنى العنف ضد حكوماتهم ومجتمعاتهم.
ثالثا: الواقع العربي المتردي ,إذ تشترك الدول ذات الأنظمة المختلفة,ملكية (دستورية – تقليدية ) , جمهوريات( ثورية ذات حكم عسكري , ودستورية ) في الوطن العربي فيما بينها بسمات محددة بقدر تعلق الأمر بالديمقراطية، والإصلاح فهي أنظمة ترتكز فيها السلطة بيد النخبة الحاكمة، وهي الماسكة لإدوات السلطة وان الفساد الإداري والمالي قد استشرى في هذه الأنظمة في جميع المؤسسات وعدم وجود فصل بين ألسلطات.
رابعا: مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين تغيرت الأسس التي يقوم عليها النظام الإقليمي العربي، وانهارت منظومة العلاقات الدولية التي كانت قائمة على القطبية الثنائية نتيجة إنهيار الإتحاد السوفيتي وحلفائه الذين كانوا يمثلون أحد القطبين الرئيسين الممسكين بأسس تلك المنظومة, وانكشفت عند ذلك الأسس التي كان يرتكز فيها النظام الإقليمي العربي الذي بدا عاجزاً عن الصمود إزاء مخططات إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة, وعاجزا من الدفاع عن وجوده أمام القوى التي تنتظر الوقت المناسب لتدخل، وتملأ الفراغ الذي خلفه النظام الإقليمي العربي القائم على تلك الأسس. ورأت النخب العربية الحاكمة نفسها في حالة إرتباك, وعاجزة عن الصمد إزاء تحديات المستقبل, وتحديات المرحلة الحالية, ولم تتفق فيما بينها على خطوات لمواجهة المشكلات الملحة التي أصبحت قبالتها, وهذا ما تمثله بوضوح فشل مؤتمرات القمم العربية التي انعقدت,وعلى الأخص في السنوات التي أعقبت العام 2001.
ومع انهيار الأسس التي قامت عليها العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية بدأ واضحاً أن الكيفية التي قامت عليها أنظمة النخب العربية هي مصدر ضعفها بعد أن تصور الحكام العرب إنهم أقاموا أنظمة (شمولية وشبه شمولية ) سوف تكون مصدر قوتهم وبقائهم في السلطة من دون أي معارضة, وأخذت أنظمة الحكم العربية التي قام عليها النظام الإقليمي العربي تعيش أزمة, فالدولة التحديثية لهذه الأنظمة التي نادت بالتقدم والحرية والوطنية قادت إلى عكس أهدافها بسبب الإنحرافات التي اتسم بها مفهومها، والمصالح الاجتماعية التي كانت توجه سياساتها وعملها.
خامسا: أن المجتمعات العربية بدأت تشهد اتساعا لمساحة من الفضاء العام بسبب تكنولوجيا الإتصالات التي وفرت للمواطن العربي القنوات الفضائية والمواقع التفاعلية على الإنترنيت, حيث وفر الأخير فرصة ممتازة لإيجاد فضاء عام أرحب للتفاعل بين المواطنين العرب, ولاسيما الشباب منهم. أن مثل هذه المساحة من الفضاء العام تكشف عن نزعة نحو نقد الأوضاع الحالية، والرغبة في مجتمعات أكثر ديمقراطية.
سادسا: إن فكرة الإصلاح السياسي، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، رأت مدى أرحب للانتشار بعد أن بدأ الكثير من الفاعلين في تيارات العمل السياسي يرى إن التغيير لا يختزل في السياسة والعمل السياسي,بل يمكن أن يتم بالوسائط الأخرى: الاجتماعية والثقافية والتربوية، وغيرها. وعلى أساس ذلك أعيد الإعتبار إلى النقابات، والى المنظمات الشعبية والمهنية، ولم تعد كملحقات حزبية. كما نشأت مؤسسات جديدة على المشهد المجتمعي العربي, مثل جمعيات حقوق الإنسان ومراصد حقوق الإنسان, ولجان مراقبة نزاهة الانتخابات, لتضاف إلى اتحادات المرأة والطلبة والشباب، وجمعيات المحامين والحقوقيين, وأصبح لفكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان جمهور نشط, وأطر مؤسسية عدة, سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد القومي.
فمع أوائل القرن الحادي والعشرين أخذت حركة المجتمع المدني الناشئ في الوطن العربي تسارع، وتكثف نشاطها، وبدأت تستعمل أدوات جديدة في مزاولة نشاطها , وأخذت لقاءات منظمات المجتمع المدني تتعدد سواء على الصعيدين القطري والقومي, وخصوصاً في بلاد مثل سوريا، والسعودية، والبحرين، ومصر. فعلى المستوى القطري عقدت لقاءات في بيروت والإسكندرية وعمان أكدت كلها ضرورة رفع القيود على نشاط مؤسسات المجتمع المدني , والإعتراف بها والسعي إلى تنظيم لقاءات على هامش لقاءات القمة العربية. كما بدأت بعض منظمات المجتمع المدني الناشئ تستعمل أساليب جديدة في نشاطها كتعبئة المواطنين في أعمال احتجاجية واسعة مثل تلك التي شهدتها مدن عربية عدة في إثناء الحرب الأمريكية على العراق عام 2003, إن هذه الأساليب لم تكن معهودة لدى منظمات المجتمع المدني لدول عدةمثل مصر, التي أخذت تكسب منظمات المجتمع المدني فيها حقوق للمواطنين لم تكن معهودة من قبل.
Page 7
ويرى بعض المراقبين إن سبب هذه التطورات تعود لأسباب عدة بعضها داخلي، والبعض الأخر خارجي, وإن اختلف أثرها في حركة المجتمع المدني العربي. فالشعوب العربية في الخليج كانت مؤهلة بالفعل للإنتقال إلى علاقة جديدة بين المواطنين والدولة بعد أن ارتفـعـت مـستويـات التعـليم,ومـستويـات الـرفـاهـية,التـي هيـأت لـهم التنقل بأعداد كبيرة إلى دول أخرى تسودها أوضـاع أكثر ديمقراطية , كما إن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أخذت تقدر إن السخاء في العطاء للمواطنين لشراء ولائهم قد ضعف مع تقلب أسعار النفط، وإنفاقها العسكري الكبير، ووارداتها المتزايدة، فقد كان من الصعب تحويل ثروتها المالية إلى مشروعات منتجة , ووظائف ملائمة لمواطنيها من الشباب,فضلاً عن خشية حكام هذه الدول من خروج دعوات بالثورة عليها, وهذه الأوضاع تفسر ماحدث في هذه الدول في مجال المجتمع المدني والانفتاح السياسي منذ تسعينات القرن العشرين. ومن ألأسباب الأخرى التي دفعت إلى حدوث التطور في مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية, هو إتباع ذلك كوسيلة من قبل بعض الحكومات ذات الشرعية المهتزة لكسب قدر من الشرعية من المواطنين, ولذلك جاء توسيع الحقوق السياسية للمواطنين أحيانا عقب تظاهرات عارمة تحتج على السياسة الاقتصادية للحكومات القائمة, أو مع بداية حكم جديد يريد رئيس الدولة فيه إن يكسب الشرعية بالتمايز عن سياسات خلفه التي سببت قدرا من السخط بين المواطنين.
أما التطورات الخارجية ذات الأثر الإيجابي في حركة المجتمع المدني العربي الناشئ هو مجاهرة الولايات المتحدة بتبنيها الدعوة إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط, وخصوصا عقب أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، التي نسبها كتاب أمريكيون إلى غياب الديمقراطية في البلاد العربية, لذلك أخذت الولايات المتحدة تسعى إلى تفعيل حركة المجتمع المدني العربي بفضل العديد من المبادرات التي أطلقتها وكان أخرها مبـادرة (الشرق الأوسط الكبير),والتي تناولت العديد من النقاط التي تدعو إلى إسهام المجتمع المدني في حركة الإصلاح السياسي بفضل تقديم الكثير من المساعدات المادية والمعنوية له, وعقدت على هامش هذه المبادرة بعض الإجتماعات والمنتديات لتفعيل المجتمع المدني العربي ومع إن هناك من يرى إن الدعوة الأمريكية للديمقراطية في الشرق الأوسط كانت نتائجها سلبية على حركة المجتمع المدني, فأن الحقيقة تبقى أن هذه الدعوة بغض النظر عن النيات الحقيقية ورائها مثلت ضغطا خارجيا للإصلاح نحو الداخل العربي, فالخيارات العربية في ظل النظام العالمي الجديد أصبحت مقيدة بما ينبغي إن ينجز من استحقاقات كبرى وصغرى, وأن ما يتعيين على العرب إن ينجزوه من تلك الاستحقاقات أما أن ينجزوه الآن وأما إنه لن تكون هنالك إمكانات لإنجازه بعد مدة.
وهنا لا يمكن إغفال الدور الذي قامت به منظمات المجتمع المدني العربي هذه في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي أو المطالبة والدعوة له بفضل وسائل عدة, كعرضها مطالب المواطنين في مواجهة سلطات الدولة, وتقديم خدمات عدة في مجالات التعليم والصحة والاتصالات وغيرها, أو إسهاماتها في مجال التنمية الاقتصادية من خلال السعي إلى تنمية المجتمعات المحلية والوطنية , أما مباشرة كقيامها بأنشطة اقتصادية في مجال الصناعات الصغيرة مثلا, أو طرحها أفكار في هذا المجال, أو إسهام هذه المنظمات بنشر الثقافة, وذلك بتشجيع الفنون الجميلة ونشر ثقافة التسامح, والأهم من ذلك كله قيام بعض منظمات المجتمع المدني بعملية التعبئة السياسية عندما ترتبط تلك المنظمات بحركات سياسية معينة فتقوم بعملية تعبئة الأعضاء لمصلحة هذه الحركات السياسية, أو اهتمام بعض المنظمات بمراقبة الحكومات , لغرض مكافحة الفساد أو حماية حقوق المواطنين، والوقاية من الإعتداء عليها . كما تسهم بعض منظمات المجتمع المدني العربي في عملية التطور السياسي في الإتجاهات التي يرغب بها أعضاء هذه المنظمات, سواء نحو مزيد من الليبرالية السياسية والاقتصادية أو تعميق الديمقراطية , أو تحقيق الوحدة العربية ... الخ وقد نجحت منظمات المجتمع المدني العربي في إنتزاع تنازلات مهمة من جانب النظم العربية , أو على الأقل بعض هذه النظم التي اضطرت إلى الإعتراف بها ومنحها قدرا من حرية الحركة.
Page 8

المطلب الثاني:آليات ومعوقات الإصلاح

يقصد بالإصلاح السياسي جميع الخطوات المباشرة , وغير المباشرة التي يقع عبء القيام بها على عاتق كل من الحكومات، والمجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص , وذلك للسير بالمجتمعات والدول قدماً ومن غير تردد في طريق بناء نظم ديمقراطية حقيقية . وهذه الديمقراطية قد تختلف في إشكالها ومظاهرها وفقاً للتغيرات الثقافية والحضارية من بلد إلى أخر ولكن جوهرها واحد فهي تعني ذلك النظام الذي تكون الحرية فيه هي القيمة العظمى والأساسية بما يحقق السيادة الفعلية للشعب الذي يحكم نفسه بنفسه بفضل التعددية السياسية التي تؤدي إلى تداول السلطات، وتقوم على إحترام جميع الحقوق في الفكر والتنظيم، والتعبير عن الرأي للجميع, مع وجود مؤسسات سياسية فعالة على رأسها المؤسسات التشريعية المنتخبة, والقضاء المستقل, والحكومة الخاضعة للمسائلة الدستورية والشعبية, والأحزاب السياسية بمختلف تنوعاتها الفكرية والأيديولوجية. كما تقتضي هذه الديمقراطية كفالة حرية التعبير بجميع صورها وإشكالها , وفي مقدمتها حرية الصحافة، ووسائل الإعلام السمعية والبصرية والالكترونية, والاعتماد على الانتخابات الحرة, مركزيا ولا مركزيا, وبشكل دوري لضمان السلطة وحكم الشعب , وتحقيق أقصى قدر ممكن من اللامركزية التي تتيح للمجتمعات المحلية التعبير عن نفسها وإطلاق طاقاتها الإبداعية في إطار خصوصياتها الثقافية التي تسهم عن طريقها في تحقيق التقدم الإنساني في جميع مجالاته , ويقترن ذلك بتحقيق أقصى قدر من الشفافية في الحياة العامة, بما يعني القضاء على الفساد , في أطار يؤكد الحكم الرشيد، ودعم حقوق الإنسان وفق المواثيق الدولية وفي مقدمتها حقوق المرآة والطفل والأقليات , وحقوق الضمانات الأساسية في تعامل سلطات الدولة مع مواطنيها.
ومن الواضح إن الديمقراطية بنية وآليات، وممارسة سياسية تقوم على المشاركة السياسية الواسعة عبر قنوات المؤسسات السياسية، وعلى أساس التنافس. ويتسم النظام الديمقراطي بالتمايز والانتظام الواضحين في الأدوار السياسية التي يؤديها الإفراد في نطاقه , إذ تنتظم العلاقة بين أولئك الذين يضعون ويتخـذون القـرارات السـياسـية والـمواطنين العـاديين بفضل عـدد مـن الأدوار البنـائية الـتي تسهل مشاركة المواطنين في العمل السياسي.
ويثير مضمون نظام الديمقراطية هذا سؤال أساسي , هل يملك هذا النظام من شروط الشمول والكونية ما يوفر له إمكانية الانطباق على المجتمع العربي ؟ والحياة السياسية فيه ؟ وتحديدا على إرادة الإصلاح السياسي فيه؟.
الحقيقة إن الإصلاح السياسي في البلاد العربية لا يتم ألا بمجموعة من الخطوات،وحسب ما جاء في وثيقة الاصلاح التي اصدرتها مكتبة الاسكندرية في عام 2004 منها :-
1- الإصلاح الدستوري والتشريعي : بوضع دساتير عصرية لتلك الدول التي لم تشهد هذه المرحلة بعد وتصحيح الأوضاع الدستورية في البلاد العربية بتعديل المواد التي تتعارض مع المتطلبات الديمقراطية والحقيقة , مع إزالة الفجوة بين نصوص الدساتير وأهداف المجتمع في التطور الديمقراطي وذلك بما يضمن الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية فصلاً واضحاً صريحاً, وتجديد أشكال الحكم بما يضمن تداول السلطة بالطرق السلمية دورياً, وإجراء انتخابات دورية حرة تصون الممارسة الديمقراطية, وإلغاء الأضطهاد السياسي بسبب الرأي في كل الأقطار العربية.
2- إصلاح المؤسسات والهياكل السياسية :- أي مراجعة المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية , فضلا عن الصحافة والأعلام ثم مؤسسات المجتمع المدني لضمان إدائها الديمقراطي السليم , الأمر الذي يفرض الشفافية التامة واختيار القيادات الفاعلة, والتحديد الزمني لمدة قيامها بمسؤوليتها, والتطبيق الفعلي لمبدأ سيادة القانون .
3- إلغاء القوانين الاستثنائية، وقوانين الطوارئ المعمول بها في البلدان العربية وإلغاء المحاكم الاستثنائية أيا كانت إشكالها ومسمياتها , لأنها تنتقص من ديمقراطية النظام السياسي.
4- أطلاق حريات تكوين الأحزاب السياسية في أطار الدستور والقانون , بما يضمن لجميع التيارات الفكرية والقوى السياسية المدنية إن تعرض برامجها وتدخل تنافسا حراً شريفا على الحكم بشكل متكافئ .
5- إنضمام جميع الدول التي لم تنظم من قبل إلى المواثيق الدولية والعربية التي توفر مظلة للحريات والحقوق مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمواثيق الدولية لحقوق المرأة والطفل وغيرها من المواثيق.
6- تحرير الصحافة ووسائل الأعلام من التأثيرات والهيمنة الحكومية , ذلك لأن هذا التحرير دعامة قوية من دعائم النظام الديمقراطي .
7- أطلاق حرية تكوين مؤسسات المجتمع المدني , وذلك بتعديل القوانين المقيدة لحرية تكوين الجمعيات والنقابات والاتحادات الطوعية مهما كان طابعها السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي.
8- تشجيع قياسات الرأي العام، وتحريرها من العوائق بوصفها أحدى وسائل الديمقراطية الأساسية, والعمل على تأسيس الهيئات والمراكز البحثية لإستطلاع الرأي العام العربي , وذلك لتوفير معلومات دقيقة يستفيد منها صانعو القرار والمخططون الاجتماعيون.
Page 9
أن هذه الخطوات تعبر عن حقيقة مهمة , وهي إن الإصلاح السياسي لايتم الا بإصلاح جوهر الحكم , الذي يبدأ من أصلاح نسق الحكم بفضل تمثيل نيابي حر ونزيه وفعال, لكي يصبح صوت الناس مسموعاًً، وتصان مصالحهم وينتهي بإصلاح الخدمة المدنية بإصلاح نسق الكسب في الخدمة الحكومية بفضل كفاية الأجور, وإزالة التفاوتات بين قطاعات الخدمة المدنية, واعتماد الإدارة العامة الصحيحة , بما في ذلك اعتماد الجدارة كأساس للتعيين والترقية ولإنهاء الخدمة في الحكومة. فالتغيير الذي يستلزمه الإصلاح يتم عن طريق القنوات السياسية التي تنظمه, وتضبط حركته وترعاه، وتنسق بين مساراته وبهذا فأن الإصلاح السياسي يرتبط ارتباطا وثيقا بالنمو الاقتصادي، ومخـتلف التغييـرات النفسـية والاجتماعـية الأخـرى، ولـذلـك فـإن قــدرات الأجـهـزة الحـكومية بمـختلف تخصصاتها, لابد لـها من إن تـتطور حتـى تـتمـكن مـن التـعامـل مـع المـهـام والــواجبات المتضـمنـة فـي عمـلـيات التـغيـير الاقـتصــادي والاجـتماعـي والـثقافـــي.
كذلك هناك ضرورة تكوين وعي عام لدى مختلف الجماعات بأهمية التغيير، وضرورته وفوائده, فضلاً عن المشاركة السياسية والتعبئة النفسية وتطبيق المفاهيم العقلانية في الجوانب الاجتماعية والاقـتصادية والسـياسية لـتحل مـحل المفــاهيم التقـليديـة, وبخـاصة الـمتسمـة بالـجـمود.
وهنا لا بد أن نذكر أن التحدي الذي يواجه الإصلاح السياسي يتمثل في الآثار التي تنجم عن عملية التغيير الاجتماعي، إذ إنه مع زيادة المشاركة الشعبية في الأنشطة العامة يمكن إن يؤدي ذلك إلى زيادة حدة الصراعات الاجتماعية بسبب ضعف قيم المجتمع التقليدي، وتأكلها تحت وطأة زيادة معدلات التعليم والتحضر, ويؤدي ذلك إلى وجود قيم جديدة تحل محلها,وفي إثناء عملية التغيير فان تغيير الولاء السياسي إلى الولاء الوطني لن يكون مهمة سهلة، إذ أن البنى السياسية التقليدية تظل مؤثرة في أنماط السلوك لمدة طويلة بسبب كونها عميقة الجذور في المجتمع.
وهذه الإشكالية تبرز بشكل واضح عند الحديث عن الإصلاح السياسي في الوطن العربي ,وذلك نظرا لوجود فجوة كبيرة بين أنصار الإتجاهين(القديم) و(الحديث)، وتتسع الفجوة أكثر عندما يرتبط التغيير بضغط خارجي , وهو ما قد ينجم عنه ضياع هدف التغيير والانزلاق نحو الصراع الداخلي.
ولذلك تفترض عملية الإصلاح السياسي في المجتمع العربي التخلص من بقايا السلطات التقليدية, وهذه الحالة تفترض وجود عملية مواجهة مستمرة مع البقايا الراسخة التي ما تزال تؤثر سلبيا في اتجاهات الأفراد والمجتمع. فمثلاً لابد من إن تبدأ عملية نفسية وإجرائية لجعل الأفراد يؤمنون بأن الحكومة هي آلية من آليات تحقيق أهدافهم ومصالحهم وطموحاتهم. وهنا يفترض إن يتسع المجال للتغيير المؤسسي، واستمرارية تغيير النظام السياسي , بحيث يكون لدى الإفراد القابلية للموافقة على الإشكال الجديدة للسلطة والتنظيمات السياسية، والطرق الجديدة لتداول السلطة, وتقدير السياسيين وفقاًً لمعايير موضوعية، وليست تقليدية.
إلا إن الأنظمة العربية التي أفرزت نخبا سياسية إرتبطت مصالحها بالشكل السياسي المتمثل بمصالح ضيقة، وارتباطات خارجية, عملت في سبيل تعطيل أي خطوة لمصلحة الشعوب العربية . وعندما توفرت أهم فرصة للإصلاح السياسي بعد انتهاء الحرب الباردة حاولت النخب العربية الحاكمة إن ترفع شعارات التعددية السياسية , وحقوق الإنسان, وأنشأت عشرات الأحزاب, وعشرات المنظمات السياسية و المهنية وغيرها, وكل ذلك كان موجها إلى الخارج, وبشكل مظهري دون أية إجراءات عملية للإصلاح.
والمثال على هذه الإصلاحات الشكلية , المبادرة المصرية للتحول بالية اختيار رئيس الجمهورية من الاستفتاء إلى الانتخابات على أساس تعددي وذلك بتعديل المادة (76) من دستور العام 1971، والتي تنظم اختيار الرئيس المصري هذه المبادرة أحاطت التعديل بمجموعة من الضوابط التي تجعل التنافس نظريا أي لايؤدي إلى تداول حقيقي للسلطة , لأنها لم تحدد مدة ولاية رئيس الجمهورية فضلاً عن وضع شروط تعجيزية لترشيح المستقلين التي تتمثل في تزكية (250) عضواً من أعضاء مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية . وكذلك بالنسبة لترشيح الحزبيين بإشتراط انقضاء خمس سنوات على تأسيس الحزب، واختيار المرشح من أعضاء هيأته العليا، وتمثيل حزبه بنسبة 5% من مقاعد مجلسي الشعب والشورى . كما إن الحكومة المصرية تعمل إلى إعادة صياغة القوانين الاستثنائية تحت مسميات جديدة,ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن وقف العمل بقانون الطوارئ الساري المفعول منذ العام 1981 يجري الحديث عن الإعداد لقانون مكافحة الإرهاب , إذ يتم استبدال مسمى بأخر من دون مضمون.
ولذلك؛ فإن حديث الأنظمة العربية عن الإصلاح السياسي والدستوري مثلما سبقت الإشارة اليه , يبدو حديثا دعائيا غير واقعي بسبب مخالفته للواقع ويخشى إنه إذا استمر الحال على ماهو عليه إن يعتاد الناس على هذا الواقع , أو تؤدي دعوات الإصلاح إلى عكس أهدافها . وهذا الأمر يحتاج إلى سعي عملي ملموس لتحقيق أوسع مجال للتآزر الشعبي في البلاد العربيه , ويقع عبء ذلك بصورة كبيرة على الأحزاب السياسية.
Page 10
إلا إن الأحزاب العربية تعاني اختلال مفهوم العمل الحزبي، وعجزها عن تطوير هياكلها التنظيمية وأطرها الفكرية , مما جعل تلك الأحزاب تعيد إنتاج سلبيات النخب الحاكمة ذاتها من رفض تداول السلطة وإنكار الحق في الاختلاف والانقطاع عن الجماهير . فضلاً عن وجود الآليات المقيدة للعمل الحزبي , والتي تعبر ضمن ظواهر أخرى , عن البنية التسلطـية للنـظم العربية, وما أخـذت تـشهـده أحـزاب الـمعارضة الـعربـيـة مـن صراعـات داخــليـة علــى رئـاسـة الحـزب وأسـلوب إدارتـه , الــذي كـان أعنفها داخل حزب الغد الذي يـعد واجـهة الليبرالية فـي مصر. ودـفعت هذه الأوضاع الحزبية العربية السيئة إلى ظهور حركات اجتماعية متحررة من القيود الحزبية وكانت الحركة الاجتماعية الأشهر هي الحركة المصرية من اجل التغيير (كفاية) ومن مصر انتقلت هذه الظاهرة إلى ليبيا فأسس بعض نشطائها السياسيين من المنتمين أيديولوجيا إلى تيارات شتى حركة اختاروا لها اسم (خلاص) ركزت الحركة في أهمية مبدأ تداول السلطة ,والعمل على تحقيق ذلك بمختلف الوسائل السلمية بما فيها التظاهر، والإضراب، والاعتصام , وحثت المعارضة في الخارج على التواصل معها وتسليط الضوء عليها إعلاميا. كما تكونت حركة (14اذار في لبنان)على اثر واقعة اغتيال رئيس الوزراء السابق (رفيق الحريري),وقد جرى التأسيس للحركة من واقع تظاهرة 14 آذار , إذ إن واقعة الاغتيال أطلقت غضباً شعبياً عارماً وتجسد ذلك في تظاهرة حاشدة,وقد حددت الحركة هدفهافي التحقيق حول واقعة الاغتيال,وإنهاء الوجود السوري في لبنان, وليس اللجوء إلى التظاهر كآلية من آليات الحركة بعد تأسيسها.
وهكذا شهدت الساحة العربية الصعود السريع لتلك الحركات، وقدرتها على تجاوز إمكانيات الأحزاب في الحشد الجماهيري، والتعبئة الشعبية , رغم بعض الهواجس التي تحيط احتمالات تطورها مستقبلا لتصبح البديل المقبول شعبيا للأحزاب رغم السلبيات التي توجد في إدارة عمل هذه الحركات الشعبية وفي قدرتها على أن تكون أداة ضغط لدى القوى الحاكمة.
وبدأت الدول العربية تواجه مطالب إصلاحية داخلية عدة تعبر عن نفسها بفضل تظاهرات أو إعتصامات أو مطالب شعبية, كما حدث في البحرين إذ دعت (جمعية الوفاق الوطني الإسلامية ) بالتنسيق مع الجمعيات الأخرى إلى تظاهرة في اذار2005 ،شارك فيها آلاف من المتظاهرين دعو خلالها إلى وضع دستور جديد يقره ممثلون منتخبين , ويعيد توزيع السلطة بين مجلسي البرلمان لمصلحة المجلس المنتخب . كما كان الإقرار على قانون الجمعيات السياسية سببا في إطلاق تظاهرة مع بعض الأعتصامات التي شهدتها البحرين صيف 2005.
بالرغم من الدور الذي أدته هذه الحركات الاجتماعية باتجاه الضغط نحو الإصلاحات السياسية, إلا إن هناك مخاوف من أن تكون هذه الحركات عبارة عن تجمعات على أهداف سياسية معينة ,في إطار تكتيكات العمل السياسي القصير المدى، ذلك إن هذه الحركات تضم عدة تيارات تختلف في نظرتها لقضايا المستقبل الأبعد.كما إن موضوع القيادة السياسية قد يثير تنـافس بيـن الحلفـاء فـي المستقبل، ومـن ثـم تحل آليات التفكير الفردي محل آليات التفكير الجماعي. فمع إن هناك اتفاق بين مختلف التيارات على الإصلاح السياسي إلا إنها تفتقد للرؤية الإستراتيجية , أي مجموع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تطالب بتبنيها من قبل النظام السياسي مستقبلا ,وبلورة الرؤية الإستراتيجية ينبغي أن يسبقها التنبؤ بتطورات الواقع الحالي , لتقدير الصورة التي سيكون عليها المستقبل.  وفضلا عن ذلك فإن امتلاك القوى الاجتماعية للرؤية الإستراتيجية للإصلاح السياسي يعد أحد متطلبات نجاح هذا الإصلاح ,ذلك إن الإصلاح يصبح أكثر فاعلية وصدقيه إذا اسهمت القاعدة الجماهيرية العريضة في عرضه وبلورته بما يحقق أهدافها ورغباتها, وإقناع النخب الحاكمة به. في حين ينطوي أسلوب فرض الإصلاح من القمة ,أي كمبادرة من قمة النظام السياسي، وهو السائد في المنطقة العربية, على فرض منطق الوصاية السياسية
على الشعوب.
وهكذا، فإن الإصلاح السياسي شئ ممكن، بل ويمكن في بعض الأوضاع إن يصبح مؤسسياً ويصعب إعادته إلى الوراء. ويمكن للبنية السياسية إن تسهل الإصلاح أو تعرقله، فبعض الأنظمة يتم تأسيسها بحيث يقل فيها احتمال القيام بإصلاح مستمر. ومع ذلك فضمن أوضاع أخرى يستطيع الإصلاح إن يكون أنصاراً جدداً يقاومون محاولات تفكيك الإصلاحات السابقة, ويتوقف ذلك على أهمية وجود أنصار أقوياء خارج الحكومة أو داخلها.
ولا شك إن هناك عوامل إقليمية ودولية تؤدي هي الأخرى دورها في نجاح أو فشل الإصلاح, ويتوقف كل ذلك على الأوضاع التي تحيط بعملية الإصلاح السياسي ذاته.