eKtab
EN ع
الإسلام والعلمانية في العالم العربي
Read free sample

الإسلام والعلمانية في العالم العربي

by حيدر عبدالله شومان

Page 1
المقدمة

لقد كان المجتمع العربي تربة خصبة للكثير من التيارات التي تغزوه من كل حدب وصوب، فيتفاعل معها، ويذوب في تفاصيلها، ويؤسس على إثرها تكتلاته وأحزابه ومنظماته مدافعاً عنها بأساليب وصلت أحياناً إلى صراعات وحروب... ولا تكاد تجد بلداً عربياً واحداً إلا وفيه من يُعجب بالفكر الذي استورده داعياً إلى تطبيقه والسعي إلى السير باتجاه التجدد، والابتعاد عن كل قديم بالٍ ورثه عن الأجداد.

وحيث إن الدين في العالم العربي عنوانه الإسلام في الغالبية العظمى من المجتمعات، كانت دعوة التجدد والتغيير تتجه في مقابل هذا الدين بمبدئه، أو التصدي لكثير من تفاصيله التي تعيق حركة المستقبل في توجههم.

وفي أوروبا، وبعد طغيان الكنيسة في القرون الوسطى وعبث السلطة الدينية واستغلالها، وبعد قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 وامتدادها الأوروبي، وبعد القضاء على الدولة العثمانية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط البلدان العربية تحت سيطرة الاستعمار الغربي، بدأت تتضح صورة العلمانية كإحدى النظريات الغربية الوافدة إلى كنف المجتمعات العربية، مع تفاوت وهجها بين بلد وآخر وفئة وأخرى.

والعلمانية مصطلح - ونحن نعيش فوضى المصطلحات - يكثر تداوله في الاتجاهات السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. وكثيراً ما يستعمل في ما يغاير المعنى الذي يقصد منه المتحدث به. فهذه الضبابية التي يعيشها مفهوم العلمانية لا تقتصر على عامة الناس، بل تتعداها إلى الكثير من المثقفين وأحياناً الأكاديميين. فكم من متباهٍ بالانتماء العلماني وهو في هذا التباهي والانتماء يرمي إلى التنزه عن الصراعات الطائفية أو المذهبية، وآخر يدعو من خلال ذلك إلى شعار الإنسانية وحقوقها الذي لا يقف عند أي نوع من التمييز الانتمائي وخصوصاً الديني منه، وآخر ينشد المدنية والتجدد في مقابل التخلف والرجوع إلى الوراء، ليأتي من الطرف الآخر من ينعت ذلك بالإلحاد أو الكفر أو العمالة للغرب؟

ومع إحباط الشعوب العربية ومشاعر الهزيمة التي تعيشها، بالإضافة إلى بريق ما قَدُم من الغرب وما أحدثته النهضة الأوروبية من قفزة نوعية في كل مجالاتها مع تزامن ذلك والإطاحة بالواقع الكنسي ورجالاته، فقد كان للقادم من الغرب وقعُهُ المدوي في الآفاق والأنفس، وجُنّدتْ الجموع للانضمام تحت ألويته، خصوصاً مع تهيئة الأرضية الملائمة، والطاقات الجبارة التي سُخرت لذلك. ولا شك أن العلمانية كانت من أبرز تلك الأفكار التي ذاع صيتها وكبر حجمها.

فهل نرفض العلمانية لأنها منبت غربي غريب عن تربتنا وواقعنا والأصالة التي نفخر بها، فنوصف بالتقوقع والهروب إلى التاريخ والماضي والتعلق بأمجاد السلف؟ هل نتهم العلمانية باجتياحها، والاستعمار الغربي، بلادنا ومجتمعاتنا من أجل القضاء على الإسلام واقعاً في حياة الأمة، نظاماً وحركة ووجداناً؟ هل صحيح أن العرب الذين يعيشون الدونيَّة أمام الغربي المتطور، مغرمون بإطلاق التهم التآمرية جزافاً لكي لا يصطدم تخلفهم بتطوره؟

أفلم تقض العلمانية، بتغييبها الدين، على الحروب الطائفية التي أثقلت كاهل الغرب في أكثر من مكان وزمان؟ أفلا يتشابه موقف العلمانية تجاه حروب الغرب، وموقفها تجاه الحروب العربية الدينية الواقعة أو التي من الممكن أن تقع؟

قد يكون لكل هذه الأسئلة وكثير غيرها مبرراتها عندما تنطلق في تشكيكها، بغض النظر عن الجهة التي تطلقها وتحمل لها أجوبة تلائم توجهاتها، أو عن دور التآمر الخفي الذي يحرك خيوط القضايا الساخنة في مصائر الشعوب. وهذه ما سوف تحاول هذه الدراسة الولوج في غمراته الواسعة عسى أن تجد أجوبة شافية عن هذه التساؤلات التي أصبحت هاجساً عند الكثيرين في واقعنا العربي النازف.

ولذلك وقع اختياري على هذا الموضوع، الذي بات يشكل في تداوله في بيئتنا مفصلاً أساسياً، لإبراز النقاط العامة التي تضيء على العلمانية بطريقة لا يكتنفها أي غموض، شكلاً أو مضموناً، ونظراً إلى خطورته في ما يلي:

- الوضع العربي المتأزم في معظم أقطاره التي تعيش حروباً ونزاعات، أو احتقانات طائفية ومذهبية.

- الاستعمار الغربي لأكثر من بلد عربي إما احتلالاً، وإما هيمنة مباشرة وغير مباشرة.

- اعتبار العلمانية الحل الأكمل للتغلب على كل الأزمات والسير بالبلاد نحو ركاب الحرية والتطور والحضارة.

- اعتبار الإسلام من أبرز العوائق التي تحول دون ذلك.

- غياب الفهم الكامل لمفهوم العلمانية لغالبية من ينشدون الحل العلماني في بلادنا.

ولا شك أن أبحاثاً كثيرة كتبت في هذا المجال، وسعيت جاهداً إلى الاطلاع على أهمها، وسأحاول بمشيئة الله عز وجل أن أتوخى الموضوعية في هذا البحث، فلا أعتبر ما أؤمن به خيراً مطلقاً، وما لا أؤمن به شراً مطلقاً.

لقد جعلت هذا البحث في فصول سبعة:

ينصرف الفصل الأول إلى تعريف العلمانية وأنواعها، مع العرض بإيجاز لبعض الاختلافات في الآراء والتعليقات، ثم كيف دخل هذا المصطلح أوروبا.

ويتناول الفصل الثاني نشأة العلمانية في الغرب، ولمحة سريعة خاطفة لعدة مراحل تاريخية عاش الغرب تبعاتها، وكان لها التأثير الفاعل في تلك النشأة، وإن كانت هناك مراحل وأحداث وشخصيات أخرى كان لها تأثيرها أيضاً، لم أتعرض لها منعاً من الإطالة والغوص في التفاصيل، بما لا يتلاءم وطبيعة هذا البحث وخصوصيته.

ويتناول الفصل الثالث نشأة العلمانية في العالم العربي وتطورها، حيث مررت بإيجاز شديد على محطات تاريخية تزامنت معها.

ويعالج الفصل الرابع امتداد العلمانية في عصر الاستعمار للعالم العربي ومنهجيته التوسعية، وما اتخذ من وسائل مختلفة الاتجاهات لترسيخ العلمانية في تلك البيئة، وما كان من ردود أفعال عليها.

ويتناول الفصل الخامس واقع العلمانية بعد استقلال الدول العربية، واتساع دائرتها على حساب الدين الإسلامي.

أما الفصل السادس، فيتطرق إلى العلمانية بين العالمين العربي والغربي، والفروق بين الإسلام والمسيحية التي تحدد موقفها من العلمانية وتوجهاتها.

وأختتم البحث في الفصل السابع مستفيداً مما سبق من الفصول، لاستنتاج الحكم الإسلامي في عدم قبول العلمانية.

والجدير ذكره، أن للوقائع التاريخية حيزاً واسعاً في هذا البحث، إلا أني تجنبت الولوج إلى جزئياتها مقتصراً على الخطوط العريضة التي تخدم هدف البحث، وترسم الصورة العامة لبعض المراحل التي مرت بها نشأة العلمانية في كل من البلدان الأوروبية والعربية، وتفاعلها مع المجتمعات العربية بعدها. وقد استعرضت الآراء المختلفة التي تتصل بالعلمانية وما يدور في فلكها، معلقاً على ما قد يحتاج إلى إشارة أو ملاحظة أو تنويه. ولا بد من الاعتراف، أن موضوعاً كهذا، يحمل في طياته عدة مواضيع، في سعته، وتنوع عناوينه، واختلاف مراحله، مكاناً وزماناً، وما يتصل به من جوانب تاريخية واجتماعية وفلسفية وغيرها، تطَلَّب مني جهداً في التنقل بين المصادر العديدة المختلفة والمتنوعة في مضامينها، بالإضافة إلى تأطير أقسامه المتشعبة، وتفاصيله الكثيرة، في صفحات محدودة قليلة.

ولا يسعني في النهاية إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة الدكتور إبراهيم العاتي الذي كان بتوفيق من الله المشرف على هذا البحث، وما أتحفني به من نصح وإرشاد وتوجيه، كما أشكر الأخ الصديق الأستاذ حسن سليمان خليل على دوره في خروج هذا الكتاب إلى النور، والله الموفق.
Page 2
الفصل الأول

تعريف العلمانية وأنواعها

مقدمة

لا شك أن هناك تضارباً في تعريف العلمانية بين المتقدمين والمتأخرين الغربيين وإن لم تظهره واضحاً أكثر المعجمات اللغوية التي اكتفت بعناوين عامة عريضة. فالظروف التي مرّ بها الغرب في تطور المراحل وتقدمها أنتجت معطياتٍ متنوعةً وأفكاراً حديثة فرضت نفسها على الذهنية المُتلقّية والفكر الذي أخذ منها وتأثر بها. فلقد عاشت المجتمعات الغربية تحولات تاريخية هائلة ابتداءً من يقظة سبات القرون الوسطى والانتقال إلى عصر الثورات الفكرية وما تخلّلهما من بروز علماء وفلاسفة عقلانيين وماديين وضعوا أسس الثورة الفرنسية التي اجتاحت أوروبا والعالم بعدها. بالإضافة إلى ذلك، فإن العلمانية كمذهب أو رؤية، لم يتجلَّ كيانها فجأة كوحدة متراصة، في زمان واحد ومكان واحد، بل إن هذا التجلي أخذ فترات طويلة ومراحل عديدة تختلف باختلاف البلد والمجتمع فيه. ولقد أدى ذلك إلى التباين في تعريف العلمانية وبالتالي تباين المواقف منها ومن رجالاتها سلباً أو إيجاباً. والعالم العربي وإن لم يعش المراحل عينها، إلا أنه تلقف نتائجها المختلفة وعاش تفاصيلها المتنوعة لتصبح واقعاً في حياته ودرباً في مسيرته.

1- تعريف العلمانية

أ ـ في معجم أكسفورد:

« secular : أي علماني، مَن يهتم بشؤون هذا العالم، ليس روحياً ولا مقدساً. ولا يهتم بالدين ومعتقده» (1).

ب ـ وفي معجم كامبريدج

secular : أي علماني، مَن ليس له ارتباط بالدين. والذي يولي الاهتمام الأكبر بالأفراد لا بالدين. والذي يظهر مرة واحدة في العمر أو في القرن. والذي يدوم لزمن طويل لا حدود له. العلمانية Secularism : الإيمان بعدم تدخل الدين بأي من الأمور الاجتماعية والسياسية في الدولة (2).

ج ـ وفي معجم لونغمان

Secular : أي علماني، من لا ينتمي أو يرتبط بالكنيسة، لا ديني.

Secularism العلمانية: منظمة اجتماعية ترفض كل الأشكال الدينية (3).

د ـ وفي معجم بريتانيكا

secular : مَن يهتم بهذا العالم كمعارض للأمور الروحية، ولا يهتم بالدين وكل ما يتصل به. ويعارض سيطرة الكنيسة.

secularism : موقف يرفض الدين، وأنه لا ينبغي أن يكون أساساً في الأخلاق والتربية. وموقف يرفض أي مكان للدين في الحياة المدنية (4).

وهناك معانٍ أخرى أوردتها هذه المعاجم، مثل: القرن، الجيل، مدة طويلة، ما يُحتفل به كل عصر وقد أعرضتُ عنها لعدم ارتباطها بهذا البحث.

هـ- أما في دائرة المعارف البريطانية في تعريفها المتداول والشائع في العلمانية: «حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، ذلك بأنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا، والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة. وظل الاتجاه إلى العلمانية يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتباره حركة مضادة للدين، ومضادة للمسيحية» (5).

و- ونجد في The New universal encyclopaedia

«العلمانية هي اتجاه فلسفي يربط مصير الإنسان بهذه الحياة، والعمل من أجل سعادته. ينكر أية أمور تتعلق بوجود الله، أو حكومة مقدسة لهذا العالم، أو الحياة في العالم الآخر. وهذه الحياة إن وجدت، فالذي يبذل جهده في مساعدة الآخرين سوف ينال جزاء عمله، وإن لم تكن موجودة، فمن الغباوة أن يخسر هذه المتعة المتاحة له» (6).

ز- Laicus : «منحدرة من الكلمة اللاتينية المسيحية وتعني المسيحي المعمّد، غير المنتسب إلى الإكليريوس...» (7).
Page 3
ح- والعلماني: «تعني العامي أو ابن الشعب أي المدني غير المتعلم، وذلك مقابل الكلمة التي كانت تطلق على رجل الدين لأنه كان وحده المتعلم عملياً في القرون الوسطى clerc » (8).

ط- secularism : «العلمانية النزوع إلى الاهتمام بشؤون الحياة الدنيا. وقد يُقصد بالمصطلح أحياناً، العلمنة، أي نزع الصفة الدينية أو سلطان رجال الدين عن نشاط من النشاطات أو مؤسسة من المؤسسات» (9).

وما يُلاحظ في هذه التعريفات - بما يتصل بموضوع بحثنا - تفاوتها في الموقف السلبي من الدين والعالم الآخر بين الرفض المباشر وغير المباشر. وما يجمع بين هذه التعريفات وكثير غيرها هو نظرة العلمانية إلى العالم الآني بمنأى عن أية غيبيات أو كل ما له صلة بالمقدس أو الروحي. ومن خلال ذلك فقد قُسِّمت العلمانية ما بين شاملة وجزئية، وملحدة ومؤمنة، ومعتدلة ومتطرفة، وربما غير ذلك من التقسيمات التي تدور في فلك هذه التعريفات والتي ستبرز حين التعمق في مكامن مفهوم العلمانية إن شاء الله تعالى. أما الترجمة العربية للـ Secularism فلا بد من مناقشة كلمة «العلمانية»: هل هي (بفتح العين) أو (بكسرها)؟

هل نسبتها إلى العالم لتكون «عَلمانية» بفتح العين، أم النسبة إلى العِلم لتكون بكسرها؟

ونكون بذلك ألقينا الضوء أكثر على التعريف الغربي من خلال الترجمة إلى العربية وما يتضمنه من تعليقات سواء أتبنت النسبة الأولى أم الثانية. ثم معرفة أصل هذه الكلمة الإنجليزية ومن أي لغة كان اشتقاقها.

يقتبس الدكتور عبد الوهاب المسيري نقاشاً للدكتور فؤاد زكريا في موضوع المصطلح العربي الذي يقول فيه: «لا شك أن الربط بين العلمانية وبين معنى (العالم) أدق من الربط بينها وبين (العلم). ولو شئنا الدقة الكاملة لقلنا إن الترجمة الصحيحة للكلمة هي (الزمانية) لأن اللفظ الذي يدل عليها في اللغات الأجنبية، في الإنجليزية مثلاً مشتق من كلمة تعني (saeculum) القرن، فالعلمانية إذن ترتبط، في اللغات الأجنبية، بالأمور الزمانية، أي بما يحدث في هذا العالم وعلى هذه الأرض، في مقابل الأمور الروحانية التي تتعلق أساساً بالعالم الآخر. ومع ذلك فإن الشقة ليست بعيدة بين الاهتمام بأمور هذا العالم، وبين الاهتمام بالعلم. ذلك لأن العلم بمعناه الحديث لم يظهر إلا منذ بدء التحول نحو انتزاع أمور الحياة من المؤسسات التي تمثل السلطة الروحية وتركيزها في يد السلطة الزمنية. والعالم بطبيعته زماني، لا يزعم لنفسه الخلود، بل إن الحقيقة الكبرى فيه هي قابليته للتصحيح ولتجاوز ذاته على الدوام وهو أيضاً مرتبط بهذا العالم، لا يدَّعي معرفة أسرار غيبية أو عوالم روحانية خافية....» (10).

فيقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: كلمة Secularism مشتقة من الكلمة اللاتينية سيكولوم وتعني العصر أو الجيل أو القرن. أما في لاتينية العصور الوسطى ـ التي تهمنا في سياق هذا الفصل ـ فإن الكلمة تعني العالم أو الدنيا مقابل الكنيسة» (11).

أما الدكتور عزيز العظمة فله مقاربة أخرى في هذا الطرح فيقول: «وهل كان الاشتقاق من العلم (عِلمانية، بكسر العين) أم من العالم (العَلمانية، بفتح العين، بناءً على اشتقاق غير سليم). ولكن الأرجح أن الاشتقاق الأول هو الأولى، فهو أساس ثابت في حاضر اللسان العربي المتحقق، وهو مندرج في قاعدة صرفية واضحة...» (12).

مع أنه بعد سطور قليلة من الصفحة نفسها عند عرضه لتعريف العلمانية يقول: saeculum مستقاة من الكلمة اللاتينية، وهناك عبارة secularism التي تعني لغوياً الجيل من الناس، والتي اتخذت بعد ذلك معنى خاصاً في اللاتينية الكنسية، يشير إلى العالم الزمني في تميُّزه عن العالم الروحي.

والذي لا يوحيه ظهور هذا التعريف إلى كلمة العلم بل إلى كلمة العالم. يقول جورج طرابيشي - وهو علماني بارز - «.. وخلافاً للاعتقاد الشائع، فإن كلمة علمانية غير مشتقة من العِلم، بل من العالَم، وعلى هذا فإن العلماني هو من ينتسب إلى العالَم أو العالَمين أي الناس، في مقابل الرباني المنسوب إلى الرب» (13).

ثم يقول في كتاب آخر: «وأنا أرى أنه ليس لها علاقة بالعلم لسبب بسيط، لكون العلم آنذاك كان محتكراً من قبل الكنيسة، فلا عالِم إلا من الكنيسة التي كانت تحتكر العلم. وبالتالي لو كان العلماني هو العالِم لكان بالضرورة راهباً، مما ينفي إرجاع العلمانية إلى العلم، وإلا لكانت تعادل الرهبانية، في حين أن العَلمانية هي من ينتمي إلى هذا العالم» (14).

ولا أرى أن راجحية أحد الاحتمالين على الآخر تصلح أو تفسد في الود قضية، إلا مدى انعكاس التلقي العربي لهذا الاحتمال أو لذلك، لكن المستغرب هو الترجمة العربية نفسها للكلمة (Secularism) الإنجليزية ـ أي العلمانية ـ (سواء أكان بفتح العين أو كسرها) التي «ترجمت عن اللغات الأوروبية ـ كما رأينا ـ وكان يمكن أن تترجم بلفظة لا دينية لأن معنى الكلمة الأجنبية ما ليس بديني، وكل ما ليس بديني، هو لا ديني، ولكن اختيرت كلمة علماني أو مدني لأنها أقل إثارة من كلمة لا ديني» (15).

خصوصاً أن المعاجم تفضي إلى معان تعزل الدين في أهون الأمور وما يتصل به من متعلقات في هذا العالم أو في العالم الآخر. ويكاد يكون الأمر أكثر من خطأ في الترجمة أو عفوية في التجاوز، خصوصاً وأن صوابها أو دقتها سوف يؤدي إلى سلبية في رد الفعل عند قاعدة تدين غالبيتها العظمى بديانة سماوية (إسلاماً كانت أو مسيحيةً) لما تزل تعيش في كيانها ووجدانها على الرغم من كل شيء. اللهم إلا إذا كان المعنى يتصل بالعالم الآني الزمني النسبي حيث الأمور المُدركة المنظورة الخاضعة لقوانين طبيعية، بعيداً عن الإلهيات والمقدسـات والغيبيات والمطلقات والميتافيزيقيات، وبعيداً عن الأمور الروحية المتعلقة بعالم آخر، ودنيا أخرى، فهذا وإن كان يرجح اشتقاق العَلمانية (بفتح العين) إلا أنه يكشف فيه من خلال الدلالة اللادينية في التعريف ما أريد منه الغموض في الترجمة لاعتبارات فيها مهادنة للبيئة التي تعيش الدين في أعماقها، وبالتالي تجانس الترجمة للكلمة الإنجليزية - أو الفرنسية - مع أصلها اللاديني التي وُلدت فيه في الغرب. فالإشارة إلى الدين سلباً، هي ما يجمع كل هذه التعريفات، مع التفاوت في هذه السلبية، أكثر مما تشير في طياتها إلى أي من (العالم) أو (العلم).
Page 4
2- دخول المصطلح إلى أوروبا

دخل مصطلح العلمانية إلى اللغات الأوروبية من خلال معاهدة وستفالي التي عقدت عام 1648. والمراد به إخراج الأراضي التي كانت خاضعة للكنيسة من سيطرة الكنيسة ووضعها تحت سيطرة السلطات السياسية. ونصت المادة الثانية على إقصاء الكنيسة عن السلطة السياسية. فإن ضعفَ السلطة الدينية، وتأسيس الدول المستقلة، والخسائر التي أفرزتها الحروب والصراعات الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت والأضرار التي تحملتها البلدان الأوروبية بسبب ذلك، عوامل أدت إلى توقيع البلدان الأوروبية على المعاهدة من أجل وضع حد لتلك الأوضاع (16).

فلقد اعتُبر الدين، المتمثل بالكنيسة كسلطة مهيمنة في البلاد، السبب الرئيس في اندلاع الحروب وما أنتجته من كوارث. فكانت المعاهدة لعلمنة الكنيسة، والحد من سطوتها مادياً، من خلال مصادرة ممتلكاتها، ومعنوياً، عند إخضاعها للسلطة السياسية. ولذلك كانت هذه المعاهدة وما نتج منها من متغيرات، الولادة الفعلية لمصطلح العلمانية أو العلمنة، في مجالها الضيق وانطلاقها المحدود قبل اتساع دائرتها فيما بعد على يد جون هوليوك أول من سك المصطلح بمعناه الحديث، وحوله إلى أحد أهم المصطلحات في الخطاب السياسي والاجتماعي والفلسفي الغربي حيث عرف العلمانية بأنها الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض (17).

ويبدو في هذا التعريف السلبية الواضحة في التعامل مع الدين والكنيسة وإن اكتنفها شيء من الحياد وعدم الحدة. فإصلاح حال الإنسان بالطرق المادية من دون تدخل غيبي ما هو إلا ثورة عارمة تؤسس إلى مرحلة جديدة حيث المادة تؤطر تفاصيل الحياة الشاملة في طياتها، وتمد الفكر من وحيها، بينما يبقى للدين حيز من المكان محدود لا يُسمح له العيش إلا بين جدرانه الضيقة، أو التي أرادوها أن تكون كذلك. فالمادية عندما تحكم بعقلها وتسود بسلاحها، وتغذي الفكر بثقافتها، وتخط الحياة بمنهجها، فإما أن تجد الذوبان في أحضانها والسير على هديها، كما في معظم شعوب الغرب، وإما أن تجد من يقابلها بموضوعية حيادية في شقيها السلبي أو الإيجابي كما في كثير من فئات شعوب دول العالم الثالث بما فيها العالم العربي والإسلامي، وإما أن تجد من يتمسك بمبادئه باستماتة، خصوصاً عندما يعتبرها مقدسة تتصل بعقيدة إلهية وتشريع الله في أرضه، كما في الأفراد والجماعات الإسلامية، متطرفة كانت أم معتدلة، وبذلك سوف يقع التصادم الذي كثيراً ما يكون دموياً، وقد عشناه من قبل ولما نزل نعيش في أتونه حتى كتابة هذه السطور.

فالقضية ليست في عزل الدين في الوجدان والضمير، بل إن الأمر أعمق من ذلك بكثير كما ستحاول هذه الدراسة تبيانه في ما سيأتي من الصفحات القادمة بعون الله.

3- دخول المصطلح إلى العالم العربي

يقول د. أحمد فرج (علماني وعلمانية، تأصيل معجمي) في مجلة الحوار: وللمرة الأولى ترجمت الكلمة الفرنسية laic بكلمة علماني في المعجم الفرنسي العربي الذي صدر عام 1828م، والذي وضعه لويس بقطر المصري - الذي خدم جيش الاحتلال الفرنسي في مصر، تحت قيادة خاله المعلم يعقوب حنا الذي قاد فيلقاً قبطياً انضم إلى جيش الحملة الفرنسية، وأصبح جنرالاً في جيش الحملة! ولقد رحل لويس بقطر مع جيش الاحتلال الفرنسي، واحترف تدريس العامية المصرية في مدارس باريس! ترجمت اللائكية بالعلمانية من العَلْم نسبة إلى العالَم باعتباره الدنيا المقابلة للدين (18).
Page 5
4- أنواع العلمانية

كثيراً ما تَردُ تقسيمات أو نعوتٌ للعلمانية توحي بتعدد أشكالها واختلاف اتجاهاتها، لكن تطور العلمنة من مرحلة إلى مرحلة، أو التبدل الحاصل في وعي سالكي نهجها وانعكاس ذلك في الممارسة، هو الذي يجعل من بعض الباحثين يُقدِمون على إطلاق التسميات والأنواع على العلمنة أو العلمانية. فإن العلمانية كيان، قد تتطور مراحله وتشتد، وقد تتأخر، وقد تعيش تغيراً طفيفاً لا يُبرز أثراً جلياً في واقعه، كما أن لأي من هذه المراحل خاصية تميزها عن غيرها في أحداث الزمان والمكان وما يعتريها من مؤثرات. يقسم الدكتور المسيري العلمانية إلى علمانيتين: جزئية وشاملة.

الأولى جزئية ونعني بها العلمانية باعتبارها فصل الدين عن الدولة، والثانية شاملة ولا تعني فصل الدين عن الدولة فحسب، وإنما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، لا عن الدولة وحسب وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، بحيث تُنزع القداسة عن العالم ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لمصلحة الأقوى. ويعتبرهما دائرتين متداخلتين: الأولى صغيرة (ونشير إليها بالجزئية) والأخرى كبيرة (ونشير إليها بالكلية أو الشاملة) (19).

أما الشيخ شمس الدين، فإنه يقسمها إلى متطرفة (ملحدة) ومعتدلة، ولذلك نحن نعتقد بأن العلمانية المتطرفة ستقترب كثيراً من العلمانية المعتدلة (20).

أما تعريفهما: «العلمانية المعتدلة، حيث تعترف الدولة للدين بدائرة نشاط خاص به، يمارس فيها نشاطه الخاص من خلال مؤسساته في المجتمع. وثانيهما العلمانية المتطرفة أو الملحدة حيث تقف الدولة من الدين موقفاً سلبياً من جميع الجهات فتلغي وجوده إلغاءً تاماً، وتمنعه من ممارسة أي نشاط على الإطلاق».

أما الشيخ سفر الحوالي فيقول: «ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود: فبعضها تسمح به، كالجماعات الديمقراطية الليبرالية، وتسمي منهجها (العلمانية المعتدلة Non Religious ) أي إنها مجتمعات لا دينية ولكنها غير معادية للدين وذلك مقابل ما يسمى (العلمانية المتطرفة Anti Religious ) أي المضادة للدين، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها» (21).

ونرى عند الدكتور عزيز العظمة أن العلمانية ليست بالوصفة الجاهزة التي تطبق أو ترفض، فإن لها وجوهاً: «وجهاً معرفياً يتمثل في نفي الأسباب الخارجة على الظواهر الطبيعية أو التاريخية، وفي تأكيد تحول التاريخ دون كلل، ووجهاً سياسياً يتمثل في عزل الدين عن السياسة، ووجهاً أخلاقياً وقيمياً يربط الأخلاق بالتاريخ والوازع بالضمير بدل الإلزام والترهيب بعقاب الآخرة. ولكل من هذه أشكال ومناسبات مع وقائع التاريخ المحيطة بها» (22).

وهناك من يريد أن يعقد نوعاً من الانسجام أو التقريب بين الإسلام والعلمانية بإدخال نوع يقابل العلمانية الملحدة أو المتطرفة وهو العلمانية الإسلامية.

يقول الشيخ يوسف القرضاوي: ومن غرائب ما ذكره بعض الليبراليين الجدد، ممن يعيشون في أمريكا، ويدورون في فلكها الفكري والسياسي: ما يسمونه العلمانية الإسلامية!! ولا أدري كيف تكون العلمانية إسلامية؟ هل يقبل أن نقول: الشيوعية الإسلامية؟!! أو اللادينية الإسلامية؟!! (23)

ومنهم من اعتبر أن هـنـاك مزيجاً مذهبياً واحداً بين الإسلام والعلمانية ليتبلور المصطلح الجديد: العلمانية الإسلامية. وهو مصطلح وجد مضمونه الواقعي ونموذجه الحي في تجربة تركيا الكمالية (24).

وعلى أي حال فإن هذه الضبابية في فهم مصطلح العلمانية أو مفهومها كانت ولما تزل من الأمور التي أضفت الكثير من الصراعات الفكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها، حيث وجهات النظر تختلف باختلاف استيعاب الفكرة، وطريقة طرحها، والمكان والزمان اللذين يصوغانها. واللافت أن كل ما ذكرنا من تباين في فهم العلمانية، قد ينطبق على مؤيديها أو مخالفيها. فلا بد من التطرق - ولو بشيء من الإسهاب - إلى نشأة العلمانية في الغرب لكي تتضح صورة الطرح بشكل علمي أفضل.
Page 6
الفصل الثاني

نشأة العلمانية في الغرب

مقدمة

لا شك أن الكلام في العلمانية يتصل في مبدئه بالكلام عن الدين بناحيته السلبية وممارسته الشاذة، وفساد رجاله، والطغيان الذي حمل عنوانه، مع العلم أن ظهور العلمانية كان نتيجة عدة عوامل، كان الدين أحدها. وبالتالي سيبرز السؤال التلقائي: هل الدين عموماً، والمسيحية خصوصاً، من الأفعال التي كانت العلمانية ردة فعلها الحتمية في الغرب؟ وما هي تلك الأفعال الأخرى؟

ليست العلمانية وحياً أُُنزل في مكان وزمان محددين، يلتزم المؤمنون بأوامره ونواهيه، ولا دستوراً مُفصل البنود واضح التعاليم، وُضع في مرحلة من المراحل ليسير الناس على نهجه ومنهجه، ولا ظاهرة محددة الأبعاد جلية المعالم.

العلمانية سلسلة أحداث وتغيرات وانقلابات في السياسة والاقتصاد والفكر وغيرها، وما يترتب عليها من انعكاسات تشمل كل شيء.

لذلك لا بد أن يكون للتاريخ حيز في تفاصيله العامة في الصفحات القادمة للإجابة عن كثير من الأسئلة التي تفرض نفسها في موضوع يثير الكثير من التساؤلات.

1 ـ نشأة العلمانية

لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات، مهما اقترب أو ابتعد عن الصدى الديني في حياته ووجدانه، من ممارسات علمانية تتسع وتضيق حسب المقتضيات المعيشية أو الفكرية التي تحرك توجهه. إلا أن هذه الممارسات لا تشكل تراكمات منظمة تؤسس خطوات لمرحلة جديدة، كما أنها لا تملك أية مؤثرات تصلح ليكون لها عنوان قائم في فضاء التاريخ الرحيب. من هنا، ومن هذا المنطلق، كان لا بد من َتتبُّع ما شكّل، أو ما كاد يشكّل، مؤثرات كانت فاعلة في بدء انطلاق الأحدات بشكل متتالٍ وقد خطت سطور العلمانية في صفحات التاريخ.
Page 7
2 ـ العصور الوسطى

ولقد سميت القرون الوسطى بحق القرون المظلمة. فهي تمثل العصور التي سادها الجهل والتعصب في أوروبا التي زالت فيها ثقافة الإغريق. وصار العلم أو مسخ العلم مقصوراً على الرهبان في الأديار (25).

لم تكن الكلمة المنسوبة إلى السيد المسيح (ع): «دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر» (26) مبدأً انتهجته الكنيسة في ما يعرف بالقرون الوسطى في أوروبا، خصوصاً بعد مجمع (نيقية) عام 325 م ودخول الأمبراطور قسطنطين في المسيحية لتقوى به ويقوى بها. فلقد استطاعت الكنيسة مع الوقت أن تنال ما لله، وتُحرِّك قيصر والأباطرة والملوك والسيطرة عليهم بما ادعته من سلطة دنيوية ودينية. فكانت هيمنتها تطال جميع شؤون الحياة الخاصة والعامة، من سياسية ودينية وقانونية وفكرية وتربوية وغيرها.

ومن الطبيعي أن يزداد رجال الكنيسة، ممثلو الله في الأرض، ثراءً في مجتمع خانع يتقبل الطغيان بحس إيماني عقائدي، ويقبع أفراده في دركات الجهل وقد حُرموا من قراءة الإنجيل الذي كان حكراً على القساوسة. فكانت بدعة صكوك الغفران وبيع أراض ٍ في الجنة لمن يملك الثمن، وفرض الضرائب، ومحاربة العلماء - من أمثال كوبرنيكوس وبرونو وغاليلو - الذين تخالف اكتشافاتهم تعاليم الكنيسة وتراث الفكر الإغريقي خصوصاً أرسطو وبطليموس. ومن الطبيعي في أية سلطة استبدادية أن تحافظ على ما تملك من نفوذ ومكتسبات مادية ومعنوية بكل الطرق المتاحة، ومنها محاكم التفتيش التي أُسست من أجل التنكيل بكل مخالف، والتي أدانت جوردانو برونو وحكمت عليه بالموت حرقاً (27).

فقد أصبح لسلطة الكنيسة جيش منظم يقوم بهذه المهمات.

هذا السرد الخاطف - في هذه العجالة - لبعض الممارسات الشاذة في زمن العصور الوسطى تؤشر إلى ما يمكن أن يعطي فكرة عامة عن طبيعة النتيجة التي ستؤول إليها الأوضاع في عصر ما سمي بعصر النهضة، والتي عنوانها الأبرز: الازدراء من الدين ورجاله، أياً كان الدين، وأياً كان رجاله، والسعي إلى التغيير.

لذلك قامت حركة الإصلاح الديني التي تأسست على يد مارتن لوثر مؤسس المذهب البروتستانتي، الذي هبَّ لمجابهة أفكار الكنيسة، وعارض بشدة الكثير من ممارستها مثل صكوك الغفران، والتصدق لخروج الروح من البرزخ، وما إلى ذلك، ويعتقد أن الأساقفة لا يتمتعون لا بامتياز خاص ولا بمقام متميز، وكل فرد هو قسيس بالقوة (28).

ولعل من أكثر النظريات تطرفاً في هذا المجال (مجال الفصل بين الدين والدولة) ما طرحه مارتن لوثر تحت عنوان (المملكتين) ويمكن تلخيص نظريته كالتالي: «يجب أن يحكم إنجيل الله في الكنيسة وقانون شريعته في نطاق المجتمع. وإذا أردنا أن ندير الكنيسة على أساس القانون والمجتمع على أساس الإنجيل، سوف يجبر الناس على إحضار القانون والمقررات إلى مجال اللطف والفيض الإلهي، ومن جهة ثانية إحضار العواطف والأحاسيس إلى منطقة العدالة. ونتيجة هذا الأمر أن يحرم الله من عرش سلطنته وأن يحكم الشيطان في النظم الاجتماعية» (29).

فقد شكّل الإصلاح الديني البروتستانتي أول خطوة نحو علمنة رؤية الإنسان الغربي، إذ إنه قضى على أهم المؤسسات الوسيطة (الكنيسة). وقد ساهم كل هذا في ظهور الإنسان الفرد المتمركز حول ذاته، الذي يحوي داخله قوانين ذاته، فهو مرجعية ذاته، ويفسر الكتاب المقدس بنفسه، ويرتكب الخطيئة ويأتي لنفسه بالخلاص (30).
Page 8
3 ـ عصر النهضة

وعندما يُبعد الدين عن ساحة الواقع فلا شك أنه سيترك فراغاً كبيراً، وسيكون البحث عن إله يحل مكان إله السماء.

بدأ الدين يفقد حضوره في الواقع تدريجاً كانعكاس للفترة التي اعتُبِر فيها مصدراً للمعاناة، ورجالاته رمزاً للطغيان والفساد. واقتصر حضوره المحدود في قلوب بعض من لا يزال يؤمن بالقيم الإلهية بعيداً عن الإيحاءات التي سببتها رموزه الفاسدة. والتحولات التاريخية في أي مجتمع لا تتم بشكل انقلابي فجائي، خصوصاً ما يتصل بعقائد أو أعراف راسخة أو تقاليد موروثة قديمة، ولكن تتخذ مراحل انتقالية بما تعتريها من أحداث تشتد وتضعف بمدى اشتدادها وضعفها. وعصر النهضة، بما يختزن من أحداث نوعية، كان أحد تلك التحولات التي هيأت المناخ المناسب لانطلاق العلمانية، وإن لم تظهر ملامحها الواضحة وخطوطها العريضة والتفصيلية إلا لاحقاً، خصوصاً عند ما عُرف بعصر التنوير وما بعده. والجدير ذكره أن كثيراً من البحوث التي تفصِّل في نشأة العلمانية، يكون أكثر تركيزها على العامل الديني وما سببته الكنيسة من مآس ٍ وويلات أدت إلى التوجه نحو العلمانية في المجتمعات المتضررة، مع أن العوامل الأخرى تشكل أهمية كبرى في هذا المجال.

وعصر النهضة يراد به عصر إحياء العلم والأدب حيث تضافرت المساعي والجهود في القرن الخامس لإحياء الحضارتين اليونانية والرومانية في أعقاب العصر الوسيط.

بدأ هذا العصر حين فتح العثمانيون القسطنطينية عام 1453، ولجوء العلماء اليونانيين إلى إيطاليا وسائر البلدان الغربية، فالنهضة تعبر عن مرحلة جديدة في فكر الناس وبالتالي في جميع شؤونهم الحياتية. وفي أعقاب هذا التطور، طرأ التغيير والتطور على سائر المؤسسات الاجتماعية في أوروبا (31).

وجاء سقوط القسطنطينية بيد المسلمين مدوّياً أصاب أوروبا كلها بذعر عميق، وكان صدمة حضارية حملت أوروبا أن تعيد النظر في جميع أوضاعها ونظمها، كما حملها على أن تعد نفسها لمواجهة مباشرة مع العالم الإسلامي باعتباره قوة سياسية عسكرية، وباعتباره - وهذا هو الأخطر - حضارة. وهكذا ولدت النهضة الأوروبية.. حتى تكونت حضارة أوروبا الحديثة بالمنهج التجريبي والعلم التجريبي اللذين استمدهما العقل الأوروبي من حضارة الإسلام (32).

هذا التفاعل مع الحضارة الإسلامية أيقظ أوروبا من سباتها العميق وفتح لها باباً تطل من خلاله على تغيير واقعها الفكري والسياسي والديني والاجتماعي، وإن كان ذا منحى مختلفاً تماماً عن روحية العقيدة الإسلامية، بالإضافة إلى العودة إلى التراثين اليوناني والروماني، حيث لم تُمحَ صورة الصراع الذي احتدم طويلاً خلال الحملات الصليبية ضد المسلمين وقد عادت لتسطع من جديد عند سقوط القسطنطينية.

كما يمكن أن يكمن عدم الولوج إلى صرح الديانة الإسلامية، وممارسة ذلك التأثر بحضارتها بإيجابية نتيجة لممارسة الدين الكنسي الذي شكل للإنسان الأوروبي نوعاً من العقدة نحو كل ما هو غيبي يتصل بالسماء.

فكان التطور التكنولوجي الحديث والاكتشافات الجغرافية من خلال اقتحام البحار والمحيطات والتعرف على أراضٍ وشعوب وآفاق في الحياة جديدة. كما يعد اختراع المطبعة وما أفرزته من تناقل لأفكار باتت في متناول من أراد، خصوصاً طبع الكتاب المقدس مترجما إلى أكثر من لغة محلية، أنشأ بداية مجتمع يتحرر شيئاً فشيئاً من سطوة الكنيسة الفكرية والإيمانية، وما فرضته من أساطير وشعوذات وخرافات لقرون طويلة.

وفي خضم هذه المعتركات التي أسست لمرحلة ستأتي لاحقاً بما تحمل من تقدم وتطور لتصبح الحياة أفضل، شعر الإنسان بثقة كبيرة بقدرته على تسخير ما حوله، وبالتالي لم يعد عاجزاً كما فُرض العجز عليه من قبل.
Page 9
4-عصر التنوير: (Enlightenment)

ينقل الدكتور المسيري تعريفاً لحركة التنوير من أحد المعاجم الفلسفية بأنها حركة فلسفية في القرن الثامن عشر تتميز بفكرة التقدم، وعدم الثقة بالتقاليد، وبالتفاؤل والإيمان بالعقل، وبالدعوة إلى التفكير الذاتي والحكم على أساس التجربة الشخصية (33).

ولقد أُخذت التسمية مجازاً من النور المقابل للظلام الذي عاشه الأوروبيون لقرون طويلة يتخبطون في متاهاته. فعصر النهضة والتنوير (Enlightenment) ما يقابل أوروبياً العصر الوسيط، أو القرون الوسطى.

اعتبر فرانسيس بيكون (1561-1626) وغاليلو (1564-1642) وتوماس هوبز (1588-1679) وغيرهم من الفلاسفة والعلماء التجريبيين، أن سعادة الإنسان وتخفيف معاناته يجب أن يكونا الهدف الأساس للمعرفة، وهذا يتجلى في التجارب الحسية والبراهين الضرورية بعيداً عن الدين واللاهوت وأية قداسة في قديم لم يعد له حيز مؤثر على أرض الواقع.

وبعد أن تخلى الإنسان عن عبادة الله إلى عبادة الطبيعة، نجده يتجه إلى عبادة الإنسان نفسه بعد الطبيعة وبعد الله. ولا ننسى الأثر العميق الذي أحدثه إحياء كلا التراثين اليوناني والروماني في إضفاء النزعة المادية على الحياة والوجود والإيمان الذي لا يصب موقعه إلا في ما يُدرك بالحواس ويَخضع للتجربة ويكون العقل في كل ذلك هو الفيصل. لذلك فلا غرابة أن يُعرف عصر التنوير بعصر العقل، والعقل نور حُرمت منه القرون السابقة على الرغم من القفزات الهائلة والتطور العلمي الكبير في خلال عصر النهضة.

إلا أن العقلانية لم تصبح جاهزة وقابلة للتطبيق إلا في هذا العصر، وبالتالي فإن التغيير أصبح أمراً حتمياً أكثر من أي وقت مضى.

إن شيوع المغالاة في العلم ورواج الاتجاه التحويلي (الذي كان يؤمن بأن جميع الظواهر ستفسر أخيراً بقوانين الفيزياء) بشكل متزايد، جعل الدين عرضة للتهديد وساهم في سيادة اللادينية. وفي تلك الأجواء كانت المسيحية التقليدية تعد عدواً للعقل بينما أصبح العلم هو الطريق الوحيد لتحصيل السعادة. لقد تخيل أولئك أن الإنسان يتمكن بالعلم وحده أن يشيد الفردوس على الأرض، وأن يستأصل شأفة الشرور من العالم (34).

ونتج من التقدم العلمي والتكنولوجي للإنسان، والواقع الديني الكنسي في فساد أهله، وثقة الإنسان بقدرته المطلقة على إخضاع الطبيعة لما فيه خير له، نتج من كل ذلك بروز مذهب ما يعرف بـ(الإنسانية). حيث حلول الإنسان مكان الله، وبالتالي انقطاع الصلة بالسماء، إما لعدم الإيمان بوجود عالم آخر غير العالم المادي، وإما استقلال الإنسان عن ذلك العالم الغيبي في حال وُجد، حيث إن الله خلق الإنسان وتركه وشأنه، أو إنه عاجز عن التأثير في قضائه وقدره. وفي كل الحالات، أصبح الإنسان الوسيلة والغاية، بل أصبح محور القيم والأخلاق والأمور كافة.
Page 10
5 ـ الثورة الصناعية

شهدت دول أوروبا الغربية خلال القرن الثامن عشر قفزات علمية وتقنية هائلة - مع العلم أن بوادرها بدأت قبل ذلك بكثير - كان لها تحول هائل في حركة الحياة، خصوصاً في مجالي الصناعة والمواصلات، ليفتحا الطريق واسعاً أمام التغيير ليفرض نفسه واقعاً جديداً لا مناص منه. وكان التغيير جلياً في نهاية عصر الإقطاع وما حمله من طغيان واستغلال، فكانت هجرة الناس من القرى إلى المدن، والعمال من زراعة الأرض إلى المصانع، لتبرز الرأسمالية على أنقاض النظام الإقطاعي بما تحمله من روح علمانية، وثورة على ما هو سائد، ثورة سياسية واقتصادية وما سيتبعهما من تحولات سوف تطال كل مجالات الحياة، ما كرّس العلمانية كواقع قوي في فكر المجتمعات الغربية. وكان الطموح إلى دولة قوية بعد انهيار سلطة الدين كواقع مفروض، وبالتالي لم يعد لله وجود، حقيقةً أو تأثيراً. ومن النظريات السياسية في هذا المجال، التي بدأت تجد لها مكاناً لم تجده من قبل، ما يتضمنه كتاب (الأمير) لنيكولا ماكيافيلي (1469-1527). ولا تنطوي التعاليم التي يقدمها هذا الكتاب على أية نصيحة خالصة إلى الحاكم تبين له كيف يكون حاكماً فاضلاً. بل إن الكتاب يعترف بأن هناك ممارسات شريرة تؤدي إلى اكتساب السلطة السياسية. وكان هذا هو السبب في اكتساب لفظ الماكيافيلي معناه الشرير المذموم (35).

فالغاية تبرر الوسيلة، ولا وجود لأية معايير أخلاقية سوى ما ينتج من منفعة. والدين عنده لم يفلح حينما مارس حكمه في البلاد لقرون طويلة، وآن له أن يترك الأمر لأهله، فالحياة لا تمت إلى عالم الغيب بصلة، ولا تقوم على القوانين الإلهية وقيمه الأخلاقية، لذلك يجب أن تنطلق الحياة بنواميسها الدنيوية ورجالها الزمنيين لتوفير رفاهية العيش أياً تكن الوسائل والسبل. وعلى الحاكم أن يسعى إلى ذلك بكل ما أوتي من قوة، فلا حدود لنفوذه وسطوته، ويجب أن يزيل كل العوائق من دربه، أياً كانت العوائق والوسائل. ولا يخفى مدى الأثر الذي تركه هذا الكتاب وتعاليمه في السياسات التي اتبعها كثير من الحاكمين الاستبداديين في فلسفة الحكم والسياسة والأخلاق، ولا يزالون، في مشارق الأرض ومغاربها لتخلِّفَ الحروب والصراعات الداخلية والخارجية.

وقد اقتبس من ماكيافيللي، أو طوّر فكرة الدولة والحكومة ضمن رؤيته الخاصة، أمثال توماس هوبز (1588-1679) وما يؤمن به من غريزة الصراع للإنسان (الذئب) ضد أخيه الإنسان، ما يستوجب من عقد يُفترض إقراره بين جميع الأفراد لتفويض مجموعة من الناس تكون لهم السلطة المطلقة، الدولة التنين، ولا يجوز تجاوزها بأي حال من الأحوال، خصوصاً بعد انسحاب الإله من حياة الإنسان.

أما جون لوك (1632-1704)، فقد كان أقل تطرفاً وحدّة. فليس الإنسان شريراً بطبعه، بل إن ما يحيط به في بيئته يحدد شخصيته وتوجهه. كذلك فهو يرفض أن تكون سلطة الحكومة مطلقة، بل إن للأفراد رأياً ودوراً يصل إلى انتزاع هذه السلطة من الحكومة وحلّ ذلك العقد متى ما كان أداؤها قاصراً أو مقصِّراً.

وكان هناك فلاسفة التنوير وعلى رأسهم جان جاك روسو (1712-1778)، الذي استفاد مِمَّن سبقه ليصوغ العقد الاجتماعي بشكله المكتمل. ويتفق روسو مع غيره في الدور السلبي الذي مارسه الدين في السياسة ووجوب أن تسعى الحكومة القومية المركزية، للتخلص من الدين وعزله عن الحياة.

وكانت نظرية العقد الاجتماعي، والأفكار التي طرحها روسو، ثورة في عالم الحكومات والمجتمعات والأفراد، وانبثقت منها شعوب ومؤسسات وغيرها، تنادي بالقومية والوطن الواحد، وذلك بتأثير الثورة الفرنسية التي كان كتاب روسو إنجيلاً لها.