eKtab
EN ع
الإسلام والعصر تحديات وآفاق
Read free sample

الإسلام والعصر تحديات وآفاق

by د. محمد توفيق رمضان البوطي

Page 1

مقدمة المحرر : الوعي والإيديولوجية

منذ ما يقارب عشر سنوات كان اللقاء الفكري الجماهيري الأول بين الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والأستاذ الدكتور طيب تيزيني، وذلك من خلال ندوة تلفزيونية استقطبت الملايين من المشاهدين من مختلف الاتجاهات والمستويات الفكرية، فتابعوا باهتمام بالغ هذا اللقاء الفكري وهم يتوقعون سجالاً أشبه بالمعركة.. انتهى اللقاء ولما ينتهِ! امتد إلى المجالس والبيوت، وتحولت الاجتماعات والمناسبات إلى ندوات عفوية، وأثيرت الأسئلة، وشكلت أرضية لقراءة متجددة ووقفة متأملة، ومهدت عند الكثيرين الاستعداد الكافي للإنصات لوجهة النظر الأخرى.

وما تميز به اللقاء من تواصل فكري هادئ ورصين، بدد أوهام الكثيرين ممن كان يتصورونه معركة حامية الوطيس.. فالرجلان جاءا بلا وصفات جاهزة، والتقيا وكل منهما يدرك أهمية الإنصات للآخر، قبل أن يقدم ما لديه أو ينتقد ما لدى الآخر، هذا اللقاء كان له أثر نفسي كبير ومبكر في استيعاب التحولات العالمية اللاحقة، وتأثيراتها المحلية خاصة بُعيد انهيار الإيديولوجية الماركسية في تطبيقاتها الاجتماعية والسياسية، وحرب الخليج وبروز النظام العالمي الجديد، وساحات الصدام المضطرمة داخل العالم الإسلامي من جهة، وعلى حدوده مع الآخرين من جهة ثانية، فكان ذلك الحوار فاتحة مبكرة لأمر بات ضرورياً وملحّاً، وهو الحوار بين أطراف الساحة الفكرية داخلياً.

ومع أن العالم ثقافياً وسياسياً كان يتجه نحو تدويل الحوار وعالميته، إلا أن اللعبة كانت مكشوفة، وما كانت لتنطلي على أحد طويلاً. فالحوار بين مهيمن ومستضعف ليس سوى تمرير رغبات وإملاء قرارات وفرض إرادات وبذلك يخرج الحوار عن تعريفه ووظيفته.

أما الحوار الممكن ـ حالياً على الأقل ـ فهو حوار الدخل، حوار الساحة الفكرية الداخلية، الحوار الذي يدفع التيارات باتجاه هدف مشترك بدلاً من أن تتصادم وتتخامد واهنة. ولم تخلُ الساحة من حوارات فيما سبق.. ولكنها كانت حوارات محدودة ومعدودة، ولم تتسم بالتفاعل المطلوب، إذ غلبت عليها المساجلة والمصادرة وعدم القدرة على الإنصات للآخر، فالاتجاهات الرئيسية الأربعة المتمثلة في الاتجاهات الدينية والقومية والماركسية والليبرالية، لم تتمكن من فتح باب الحوار على مصراعيه، ولا قامت بمراجعة نقدية ذاتية، ولا حاولت ترقب الجانب المضيء في الآخر.. ومع أن بعض المحاولات جمعت هذا الطرف وذاك.. إلا أن الحوار لم يجمع كل طرف مع الأطراف الأخرى بشكل واف، بل هناك حوارات لم تتم ولو بشكل مبسط بين بعضها.

ومع أن كل اتجاه من هذه الاتجاهات كان يحوي تيارات متشددة ومعتدلة، كانت حالة العداء حاجزاً عصياً أمام فهم الآخر ومعرفته.. حتى إن معظم النتاج النقدي كان يغلب عليه طابع الاتهام والتجهيل والمروق. كان زعم كل طرف بامتلاك الحقيقة مسوغاً لإغراق الآخر في الباطل، وكانت فلسفة تأكيد أرجحية الذات تعتمد على الانتقاص من الآخرين، لا بيان مسوغات التجربة الخاصة من خلال نموذج عملي وسلوكي.

ثم إن التحولات الكبيرة عالمياً، مع تقلبات الساحة الداخلية، أفرزت واقعاً جديداً انقسمت فيه الساحة إلى اتجاهين رئيسيين؛ هما الاتجاه الديني والاتجاه العلماني. وأهم ملامح الصراع الجديد تبدو في الاتهامات التي يكيلها كل طرف للآخر، فالاتجاه الديني يتهم الاتجاه العلماني بالعمالة والتغريب، والنقمة على الدين والتراث، والوقوف ضد الهوية الخاصة، والاندغام في المخططات الكولونيالية وخدمتها.. إلخ بينما الاتجاه العلماني يتهم الاتجاه الديني بالتقوقع والجمود والجهل والماضوية، وعدم القدرة على استيعاب العصر وتحولاته.. إلخ.

وكل طرف يتهم الآخر بالظلامية ويدعوه إلى اتباع نموذجه التنويري ضمن مقاييس خاصة أشبه بالمقصلة! قلة قليلة استطاعت إلى حدّ ما التفاعل مع الآخر والتأكيد على أهمية فهم الآخر ووسائله ومناهجه.. إلا أن هذه القلة لم تلقَ التجاوب المنظور والملحوظ في الواقع.. لأن الواقع بحد ذاته فيه انقسام حاد وقطيعة معرفية حادة بين أتباع النموذجين. إذ تم التفاعل مع هذين الاتجاهين بشكل إيديولوجي. فكان للإيديولوجية الدينية في مواجهة الإيديولوجية العلمانية توغلات في الافتراق المعرفي والاجتماعي والفكري.

ومع استمرار هذه الحال وتفاقم التحديات الخارجية و(الداخلية)، تبدو أهمية الحوار في الخروج من الصراع الاختزالي حيث كان يعمد كل طرف إلى اختزال الآخر.. فالاعتزاز بالأبعاد الذاتية يستلزم الانفتاح على الآخر والتواصل معه وقراءته والتعرف عليه بمناقبه ومثالبه.

وفي هذه الحلقة من (حوارات لقرن جديد) أنموذج حواري متألق بين علمين لهما حضورهما وتاريخهما وتجربتهما الطويلة، ومع أن التقابل هنا قد يوهم التضاد، إلا أننا نجد أن التقابل هنا ينحو نحو التفاعل والتكامل وليس التفاضل. فالدكتور البوطي يؤكد على أهمية الفرد وتربيته والتزامه، كمدخل إلى مجتمع سليم معافى، ويؤكد بذلك على أهمية الوعي ويدعو إليه سبيلاً لمواجهة الحاضر بتحدياته المختلفة، مؤكداً على دور العقل والتجربة والسلوك، بينما ينتقد الدكتور التيزيني الإيديولوجيا والأبعاد الإيديولوجية في التجربة الدينية، ومن خلال هذا الأمر إنما يؤكد على أهيمة الوعي، تماماً كما ينتقد الدكتور البوطي الإيديولوجيا وهو يؤكد على المسؤولية الفردية.

Page 2

وساحة الحوار بينهما وإن حفلت بالاختلاف بينهما، إلا أنها لا تدخل ساحة الخلاف.. ولعلنا لو تعمقنا في الدلالات والأفكار، لوجدنا أن كلاً منهما يشخّص الواقع بطريقته ويعالجه بأسلوبه الخاص، وثمة نقطة مركزية ينطلقان منها وهدف مركزي ينتهيان إليه، هما الواقع المزري والمستقبل الأفضل وهما في تواصلهما الفكري يقدمان، بالإضافة إلى هذا الكم من الأفكار، درساً بليغاً للعاملين في مجال الفكر ومتابعيه، يتجلى هذا الدرس بأهمية الانفتاح على الآخر والابتعاد عن الأشكال الاختزالية، وكأنهما يقولان بصوت واحد: (أضئ المعتم في داخلك واقبس المضيء في الآخر)! ولأن محور الحوار هو الإسلام والعصر (التحديات والآفاق)، لم يدخر الدكتور البوطي جهداً في نقد وتحليل النماذج الإيديولوجية لينتهي إلى تأكيد أهمية بناء الفرد الواعي.. ولم يدخر الدكتو التيزيني جهداً في التواصل وقراءة الواقع قراءة نقدية تؤكد من حيث النتيجة ما يذهب إليه الدكتور البوطي.

والحرص الذي أبداه كل من الرجلين يؤكد أموراً عدة منها ما يصب في دائرة عمقهما الفكري وخبرتهما الطويلة، ومنها ما يصب في دائرة الحوار وأهميته، ومنها ما يصب في إطار الكشف عن التحديات وآفاقها أمام واقع عالمي مضطرب.. خاصة أن الزمن الذي نعيشه كما (يبدو لي) من أهم المفاصل التاريخية والفكرية على صعيد العالم برمته في ظل الثورة الإعلامية والمعلوماتية.

لا.. ليست نهاية التاريخ.. إنما هي إرهاصات تاريخ جديد للبشرية، عندما تغدو المعلومات مشاعة والمعرفة كونية ومساحات اللقاء أكثر اتساعاً.. يوماً بعد يوم سيتأكد الجميع أن معرفة الآخر حصانة للذات، وسماع الآخر تنقية من الشوائب والعلائق، وحرية الآخر في التعبير ضمانة لرؤية أكثر امتداداً.

والله حي لا يموت مهما دفع الغرور الناس إلى إعلان موته وسيادة العقل، لأنه في العقل يستمر وبالعقل يُستشعر.. والإنسان باق إلى أن يشاء الله مهما بالغ الناس في ادعاء موته وسيادة الآلة.. والتاريخ ماضٍ لا يموت.. إنما يموت من يظن أنه مات!

والإسلام بتوصيفاته المختلفة؛ الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية.. إلخ، يؤكد حضوره وعمقه وحاجة البشرية إلى التفاعل معه، وهذا ما يعلنه القاصي قبل الداني.. ولعل الكثير يلاحظ ذلك الكم المتزايد في الغرب من الدراسات التي تحاول أن تقرأ الإسلام قراءة جديدة، قراءة خارجة عن التصورات التقليدية التي كرستها عهود الصدام التقليدي والمؤسسات الاستعمارية والاستشراقية ومؤسسات الدعاية والإعلام الكبرى التي كانت ترمي إلى تحقيق أهدافها بتشويه صورة الإسلام عالمياً. ولعلنا (لو تأملنا) ندرك أن معظم المادة التي تستثمرها المؤسسات الإعلامية المغرضة، إنما تستقى من الاتجاهات المغالية والمتشددة، التي تلقى دعماً غامضاً لتستمر في تقديم صورة دموية عنيفة للإسلام وهو منها براء! إضافة إلى الصراعات العنيفة بين المسلمين أنفسهم والتي تُلبس سعيها نحو السلطة لباساً دينياً مؤدلجاً.

قد تبدو الأدلجة أكثر سهولة وتقبلاً على المستوى العام، وقد تكون عملية تثوير الوعي ونشره عملية معقدة وبالغة الصعوبة.. ولكننا على ثقة من أن الوعي سينتصر على الإيديولوجيا، والقرآن الكريم ينتقد الإيديولوجية بوضوح لا لبس فيه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ} [الحديد: 57/16]، وما تأكيد القرآن الكريم على العقل والتأمل والتفكير والتدبر إلا دعوة إلى الوعي، والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى!

والاجتهاد موقف إسلامي بالغ الأهمية إلى درجة أن صفة الإسلام ترتبط بالاجتهاد، والمسلم بحد ذاته يقترب في تعريفه إلى المجتهد، وإن كانت المسألة مرتبطة بشرط العلم وضوابط منهجية صارمة، فهذا الارتباط لا يحول بين المسلم والاجتهاد، بقدر ما يؤكد أن الاجتهاد أمر دقيق ومسؤول؛ لا مجال للتلاعب فيه، ولا لغرض الأهواء والنزعات والأمزجة. والدعوة الصريحة إلى الاجتهاد والتجديد إنما تصب في إطار الوعي ومقاومة الأدلجة.

هذا الحوار ما هو إلا خطوة على الطريق الطويل.. ولكنها خطوة كبيرة وتتطلب جرأة كبيرة لا يمتكلها إلا الواثقون الذين يبحثون عن الحقيقة، والذين يدركون أن الطريق إليها ممتد طويل {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} [الإسراء: 17/85].

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر والتقدير للأستاذين الدكتور البوطي والدكتور تيزيني على اهتمامهما، آملين أن يكون هذا الحوار فضاء لحوارات أكثر زخماً وامتداداً بين القراء، فمع حرص المفكرين على تقديم الصورة متكاملة والرؤية صافية وجاهزة للاستقبال، آثراً في هذا الكتاب أن يتيحا الفرصة للقارئ كي يعمل الفكر ويجتهد لالتقاط الثمين.. فالأفكار في متناوله وما عليه إلا أن يقرأ ويتمعن ويحلل ويستخلص النتائج.

كما نرجو أن تكون هذه الحلقة أيضاً مادة لإثراء الأفكار من خلال الدراسة والتحليل، ونرحب بأي تعقيبات أو تعليقات تردنا من الباحثين والدارسين والقراء، والله من وراء القصد

عبد الواحد علواني

المحرر

Page 3

مقدمة

خلفية هذه الحلقة

بقلم

د. محمد سعيد رمضان البوطي

خلفية هذه الحلقة

نظم الاتحاد الوطني لطلبة سورية، مشكوراً، في أوائل العام الدراسي 1997ـ1998 ندوة حوار بيني وبين الأخ الأستاذ الدكتور الطيب التيزيني، عن التحديات التي تواجه الإسلام في هذا العصر.

ولما أبْلِغتُ خبر هذه الندوة، لم أتردد في الموافقة على الاشتراك فيها، في الزمان والمكان المحددين. ولكني نصحت الإخوة القائمين على تنظيمها أن لا يبالغوا في الإعلام وتوزيع الدعوة ونشر الملصقات، إذ الجمهور سيكون في كل الأحوال أكثر مما يتسع له المكان.. وتكتّمتُ الأمر من قبلي، فلم أتحدث عن الندوة وخبرها في أي من المناسبات.

ولكن الإخوة الاتحاديين أكثروا من الملصقات والإعلانات، بل أعلنوا عن الندوة وميقاتها في بعض الصحف المحلية. فكانت العاقبة التي توقعت.. كان الجمهور أضعاف القدر الذي يتسع له المكان، ومن ثم فلم يكن بدٌّ - بعد التشاور مع السيد رئيس الجامعة والإخوة الاتحاديين - من تأجيل الندوة إلى ميقات لاحق محدد، وإقامتها في مكان أكثر اتساعاً.

واقترح الإخوة المنظمون أن أصرف الجمهور بكلمة شكر، أعلن لهم من خلالها عن الضرورة التي ألجأت إلى تأخير الندوة إلى ميقات لاحق.. وألقيت فعلاً في الجمهور المحتشد كلمة مسجلة لديّ، دامت دقيقتين فقط، شكرتهم فيها باسم السيد رئيس جامعة دمشق والاتحاد الوطني لطلبة سورية، ونوهت بأهمية الحوار الذي كان ولا يزال السبيل الأوحد إلى معرفة الحق من الباطل.. وانصرف الحشد بعد ذلك مشكورين.

ولم يكن غريباً أن في الناس من تزيّد على كلامي ما لم أقل.. ونسب إلي القيام بحملة إعلامية سقتُ بها آلاف الناس إلى هذه الندوة، وهو نقيض ما فعلته وأوصيت به الإخوة الاتحاديين. أقول: لم يكن غريباً هذا، لأن لكل شيء حكمةً وسبباً، وإذا عرف السبب زال العجب.

ثم إنه كان في قضاء الله أن تدوَّن هذه الندوة بشطريها: المحاضرتين أولاً، والتعقيبين ثانياً، لتأخذ سبيلها إلى الناس الذين ضاقت بهم أوسع المدرجات والصالات رؤية وسماعاً، عن طريق مؤسسة دار الفكر حيث تتسع لهم ولأضعافهم، قراءة ودرساً.

فالشكر الجزيل مني ومن أخي الدكتور التيزيني، بل من الاتحاد الوطني لطلبة سورية صاحب الفضل الأول في الاقتراح والتنظيم، لدار الفكر ممثلة في مديرها الأستاذ عدنان سالم وصحبه.

وليعلم كل قارئ أنه مقبل من هذه الندوة التي أخذت طريقها إلى الناس نشراً، بعد أن عزّ وصولها إلى أسماعهم قراءةً، على حوار بين صديقين ابتغاء الوصول إلى الحق، لا على مباراة بين متبارزين ابتغاء تسابق إلى الفوز.

والله هو الموفق وهو الهادي إلى الحق.

Page 4

الإسلام.. والنّظام الإسلامي

في النصف الثاني من هذا القرن الذي أوشك على الانقضاء، ظهرت أنشطة إسلامية في سورية وفي كثير من البلاد العربية الأخرى، جرَّت إلى جانب كثير من الآثار المفيدة، نتائج غير حميدة، من أهمها أنها مدَّت غاشية من اللّبس بين الإسلام والنظام الإسلامي. حتى أصبح كثير من الناس، ولاسيما البعيدون عن الإسلام والمتعاملون مع أنظمة ومذاهب اجتماعية واقتصادية أخرى، يظنّون أن الإسلام إن هو إلا مجموعة أنظمة وشرائع فوقية، هي تلك التي ينادي بها (الإسلاميّون) ويسعون إلى فرضها بديلاً عن الأنظمة والمذاهب الوضعية التي يتبنّونها ويدعون إليها.

وسبب هذا اللّبس، أنّ جلّ الذين كانوا، ولا يزالون، يمارسون أنشطتهم الإسلامية (وأنا إنما أعني بالإسلاميين الحزبيين) إنما يركزون من الإسلام عند الحديث عنه، على أنظمته وأحكامه الاجتماعية والاقتصادية التطبيقية، ويوجّهون جهودهم وطاقاتهم كلها، إلى العمل على إزاحة الأنظمة والأحكام القائمة، وإلى العمل على الوقوف في وجه الأنظمة والمذاهب الوافدة كالشُّيوعية والمذاهب اليساريّة المتنوعة، ومجابهة أربابها والدُّعاة إليها، بالمقاومة والعنف في كثير من المناسبات والاحتكاكات.. فلقد ترسّخ من جراء ذلك في أذهان هؤلاء اليساريين واللاإسلاميّون من أجله إنما هو مجموعة القوانين القاضية بإقامة الحدود، وإلغاء الرِّبا، وإغلاق دور اللَّهو ونحو ذلك، مما يدخل تحت الاسم الجامع له وهو (الشريعة الإسلاميّة).

ولعلَّ هذا النَّهج أخذ شكله البارز، بل الصّارخ، عندما أُتيح لأكبر جماعة إسلامية في سورية أن تشترك في الحكم في أوائل الخمسينيات، وطرح موضوع الدستور وبنوده للنظر والمناقشة، وفي مقدمتها مسألة دين الدولة.. فقد فوجئ الناس آنذاك من هذه الجماعة، بتهوينها لمسألة النَّص على دين الدولة في الدستور، والاهتمام بالبديل الذي يغني عنها، وهو النَّص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأول للتشريع.. وصدر آنذاك منشور عن هذه الجماعة بعنوان ((لماذا لايجب أن يكون دين الدولة الإسلام))؟ تضمن الدِّفاع عن وجهة نظرها، أمام جدل، بل غضب (رابطة العلماء) آنذاك.

إذن، فقد كان الاهتمام متَّجهاً إلى التَّركيز على الدعوة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بدلاً عن القوانين والأنظمة الوضعيّة التي كان ينادي بها الآخرون. بقطع النظر عن أساس ذلك، من المعنى الديني الذي يجب أن يهيمن على العقل والنفس والذي هو جوهر الإسلام.

وقد لوحظ أن هذا الاهتمام كان المحور الأساسي لأنشطة أكثر الجماعات والأحزاب الإسلاميّة.. أي إن قصارى همّهم أن تكون القوانين النافذة في مجتمعاتهم هي قوانين الشريعة الإسلامية.

فهذا النّشاط الذي أخذ هذا المنحى باسم الإسلام، خيّل إلى كثير من النّاس، وأعني بهم هنا الشّاردين عن الإسلام والجاهلين به، أن الإسلام الذي بعث به الرُّسل والأنبياء الذين ختموا بمحمد r، والذي يلحُّ على تطبيقه هؤلاء الإسلاميّون، إنما هو هذه الأنظمة الفوقيّة التي ينبغي أن تحتلَّ مكان المذاهب والأنظمة الوضعية، فإذا طبقت في مجتمع ما فقد غدا بذلك مجتمعاً إسلاميّاً، وغدا أفراده مسلمين صالحين!..

Page 5

وعلى الرغم من أن هذا التَّصور وهم باطل، بل هو خلط خطير، لا ينزلق إليه من كانت لديه أدنى بصيرة بالإسلام وعقائده، فإن هذا الوهم كان لابدّ أن يسري للسبب الذي ذكرت، إلى أذهان الأحزاب والفئات اللاإسلامية، بل كثيرٍ من الجاهلين أيضاً، ثم كان لابدَّ أن تتراكم عوامله في أفكارهم ونفوسهم، من جراء الاحتكاكات المستمرة التي كانت تتسم بالعنف بينهم وبين (الإسلاميين) والتي كان (اللاإسلاميون) يجرَّمون من خلالها لسبب واحد، هو اختيارهم الأنظمة والقوانين الوضعية، أيّاً كانت، بدلاً عما يقابلها من الأنظمة والقوانين الإسلامية.

لقد كان طبيعيّاً، بل منطقيّاً أيضاً، ألا يزداد (اللاإسلاميّون) على اختلاف فئاتهم إلا تبرُّماً من هذا الإسلام التطبيقي الذي يُدعون إليه، والذي لم يترسَّخ له في أذهانهم إلا مصداق واحد، هو إحلال نظام في مكان نظام، بقطع النظر عن المصدر أو الجذور.. إن دعوة من هذا القبيل إلى نظام إسلامي مبتور من جذوره، لن تتغلب على القناعة المهيمنة على عقول أولئك الناس الذين تشبَّعوا نفسيّاً وفكريّاً بالأطروحة القائلة بأن الأنظمة الحضارية الحديثة أكثر استجابة للحاجات والمصالح العصرية التي يتطلَّبها إنسان هذه الحضارة اليوم، من أنظمة قديمة تساق إليهم من وراء حواجز القرون باسم الإسلام..

ثم إن هؤلاء الناس كانوا ولا يزالون مشبعين فكريّاً بأنَّ تيار التَّحدِّيات العصرية والمقبلة إلينا من الغرب أو الشرق، أقوى وأعتى من أن تمتصها أو تتغلب عليها أنظمة وقوانين قديمة صيغت لعهود غابرة لم تكن تعاني شيئاً من هذه التَّحدِّيات، ما دامت أنها أنظمة وقوانين مجردة.

ولا أزال أذكر يوم أقبل إليَّ واحد من ذوي الاتِّجاهات اللاإسلامية، ومن الذين تراكمت في أذهانهم عوامل هذا التَّصور، للسبب الذي أوضحت، فقال لي (وقد كنت أحدِّثه عن الإسلام ومشكلة شرود المسلمين اليوم عنه وجهلهم الشَّديد به): إذا قررنا أن نطبِّق الإسلام (يقصد الشريعة الإسلاميّة) منذ اليوم، فما المدة التي ينبغي أن تقضيها ليحررنا الإسلام من التَّخلف الذي نعاني منه؟..

لقد نبَّهني سؤاله هذا إلى أن المطلوب مني أن أبدأ فأُصحّح فهمه للإسلام الذي أحدثه عنه قبل أن أجيبه عن سؤاله الذي كان منطقيّاً في طرحه. فما من شك أنه عندما يدعى إلى تطبيق (إسلام علاجي) لا يتمثَّل إلا في طائفة من الأنظمة والأحكام يطلب منه أن يعمل على أخذ المجتمع بها بدلاً من طائفة أخرى من الأنظمة والأحكام المشابهة أو المقابلة، فمن حقّه أن يسأل عن السِّر وعن السبب والفرق، ثم إن من حقّه أن يلحَّ في السؤال عن الدليل على أن طائفة الأحكام الشرعية، هي الكفيلة بحلِّ المشكلات الاجتماعية المتنوعة، وبتحقيق عوامل التقدّم والازدهار فيه، على الرغم من تقادم العهود عليها، لا الأحكام والأنظمة الحديثة الأخرى التي يفتتن جمهرة كبيرة من الناس بها[1].

بل إني أؤكد أنه لو طرح عليَّ سؤال يقول: ما مدى ضمانة تطبيق مجتمع ما لأنظمة الإسلام وأحكامه الفوقية لانتشاله من التَّخلف، والارتفاع به إلى صعيد التَّقدم والازدهار؟ فلسوف يكون جوابي الذي لا بديل عندي له: لا ينطوي تطبيق تلك الأنظمة الفوقية على أي ضمانة من هذا القبيل.

وذلك لأن الإسلام الجوهر هو الضامن والكفيل، لا أنظمته وأحكامه الفوقية المفصولة عنه. ولأن الوعد الذي قطعه الله على ذاته العليّة في قوله عز وجلّ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 24/55]. إنما هو لمن هيمن الإسلام يقيناً ووجداناً على كيانه، وليس لمن هيمنت نظمه وشرائعه المنفصلة عنه على شخصه أو في مجتمعه.

Page 6

ومما لا ريب فيه أن كل من خضع كيانه العقلي والوجداني للإسلام ديناً، لابدّ أن يتقبَّل نظمه وأحكامه شرعةً ومنهاجاً، ولكن ليس كل من اختار نظم الإسلام وأحكامه شرعةً ومنهاجاً، يخضع بالضرورة لجذوره الإيمانية عبوديةً وتديُّناً[2].

فرق مابين الإسلام ونظمه:

ولعل من الخير أن نزيد فرق مابين جوهر الإسلام وأنظمته بياناً وتفصيلاً.

إن فرق ما بينهما أشبه ما يكون بفرق مابين محرِّك السيارة وهيكلها الخارجي.. فعلى الرغم من ضرورة وجود الهيكل الخارجي هذا، إلا أن الضمانة منوطة بالمحرِّك الذي هو الجوهر والأساس.

الإسلام يربِّي الفرد ويعرفه على ذاته ويهذِّب النّفس الإنسانيّة. وأنظمة الإسلام تهذب المجتمع وترعى العدالة التي يجب أن تظلّ سارية بين أفراده.. ولما كان المجتمع هو الفرد المتكرر، فقد كانت صلاحية المجتمع وقفاً على صلاحية أفراده، قبل أن تكون وقفاً على صلاحية القوانين السارية في أنحائه.

وبيان ذلك أن النفس الإنسانية، بالإضافة إلى ما فيها من فطرة إنسانية صالحة، تنطوي على آفات سيّئة وخطيرة، كالأثرة والأنانية والعصبية واتِّباع الشَّهوات والأهواء، بدلاً مما يمليه العقل ويتطلبه الخلق.. ومن ثم فلابدَّ من علاج لتربية هذه النفس وتهذيبها وتحريرها من سلطان هذه الشوائب وإخضاعها لقرارات العقل وأحكامه.

ولطالما انصرف الباحثون من علماء الأخلاق والفلسفة والمجتمع، على اختلاف مذاهبهم، من أقدم العصور إلى هذا اليوم، إلى التنقيب عن العلاج الناجع الذي من شأنه أن يطهِّر النفس الإنسانية، من شوائبها ومن صفاتها المرذولة، فلم ينتهوا من بحثهم وتنقيبهم إلى أي قرار أو اكتشاف تؤيده تجربة التَّطبيق والواقع.

بل انتهى المنصفون من الباحثين والعلماء والمفكِّرين، وفي مقدِّمتهم الفلاسفة، إلى أن الإسلام هو الطَّهور الذي لا بديل عنه لتهذيب النفس الإنسانية وتزكيتها.

ذلك لأن الإسلام في جوهره الاعتقادي، إنما هو اكتشاف لحقيقة الذات، ويقظة تامة إلى أبرز ما يسري داخل كيان الإنسان، ألا وهو الشعور الخفيّ بواقع عبوديته ومملوكيته لله عزّ وجلّ.. وتلك هي مهمة القرآن الأولى إذ يتوجّه بخطابه الحواري الهادي إلى الناس.

وما يكاد الإنسان يقف من الإسلام وكتابه الأول هذا، أمام مرآة ذاته، متأمِّلاً ومدقِّقاً في موضوعية عقلانية متحرِّرة، حتى تبدأ حالة التمرد داخل نفسه على الشوائب التي كانت متراكمة عليها، بينما تنتعش الفطرة الإيمانية التي كانت كامنة بين جوانحه (وإنها لحقيقة راقدة أو مستيقظة في كيان كل إنسان) ثم تزداد قوةً وانتعاشاً، كلما ازداد صاحبها إصغاءً إلى خطاب الصانع المنبّه إلى وجوده وربّانيَّته وإلى قصة نشأة الكون، والمركز القيادي الذي يتبوّؤه الإنسان في خضمّ هذا الوجود الكوني، والمنبّه له إلى أنه إنما يتحرَّك داخل قبضة محكمة من سلطان الله ونافذ حكمه، ثم إلى المآل الذي لابدَّ أن يصير إليه بعد الموت.

وليس الإسلام الذي ابتعث الله به الرُّسل والأنبياء جميعاً، إلا مجموعة هذه الحقائق التي يجب أن يتحلَّى بها الإنسان يقيناً يؤمن به عقله، ووجداناً تتفاعل به مشاعره، حبّاً ومهابةً وتعظيماً[3].

فإذا استقرَّ الإسلام يقيناً في العقل ووجداناً في أغوار النفس، تهذَّب الكيان الإنساني وتحرَّر من الكدورات العالقة به، كالكبر والعصبية والأنانية وما يتفرَّع عنها من مشاعر الحسد والضغائن والأحقاد، وكالتَّعلُّق بالمغانم المالية والمتع النفسية وما يتفرَّع عنه من غشّ وخديعة ومكر وعدوان على حقوق الآخرين.

وتلك هي التَّزكية التي يدعو الله إليها الإنسان، من خلال دعوته إلى الإسلام. وذلك في مثل قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 87/14ـ15]. وفي مثل قوله عزّ وجلّ: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النّازعات: 79/18-19]. ومن أهمِّ آثار هذه التَّزكية أنها ترفع الغشاوات التي تتراكم عادةً على العقل مجتمعةً في ضرام الشهوات والأهواء والعصبيّات ونوازع الكبر والاعتداد بالذّات. فيرى العقل ما كان محجوباً عنه، وتتبلور أمامه الحقائق صافية عن شوائب الأهواء ورعونات النفس.

ولا شكَّ أن الدَّعوة إلى هذه التَّزكية النّفسية التي لا سبيل إليها إلا بالانقياد لجوهر الإسلام، جاءت قبل الحديث عن الأنظمة والأحكام والتعريف بها والدعوة إليها والأمر بها.

والحكمة من هذه الأسبقيّة، أو هذا التّرتيب، أن الإنسان لا يتهيّأ لقبول شرائع الله وأحكامه، والتَّقيُّد بها، ولا يثق الثّقة التّامة بما في التَّمسك بها من الخير، وما قد يترتَّب على الابتعاد عنها من الشَّر، ولا يستيقن بأنه العلاج الأوحد لمشكلات المجتمعات الإنسانية، إلا بعد أن يستيقن بأن هذه الشريعة آتية من عند الله، وأنها هي التعليمات والوصايا التي عناها قول الله عزّ وجلّ: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ..} [الأنفال: 8/24]. وقوله تعالى: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة: 5/15ـ16]، ولا يمكن أن يتحقَّق لديه هذا اليقين إلا بعد أن يتشبَّع عقله يقيناً ويتفاعل قلبه وجداناً بالإسلام الاعتقادي الذي أوضحناه.

وليكن معلوماً أن الإنسان حتّى لو اقتنع بأدلّة المنطق والتجربة، أن أحكام الشريعة الإسلامية تتضمَّن الحلّ العملي واليقيني للمعضلات القائمة في مجتمعاتنا، فإن ما فيها من القيود التي يثّاقل منها الإنسان بطبعه، بالإضافة إلى ما جُبِل عليه من الرُّعونات والأهواء النَّفسية التي ألمحنا إليها، من شأنه أن يصدَّه عن الخضوع لهذا الذي آمن به عقله.. وأنت تعلم أن عقل الإنسان محكوم في أكثر الأحيان لسلطان نفسه وما فيها من وحي العصبيّة والأهواء.. وإنما السبيل الوحيد إلى تذويب تلك الرُّعونات النّفسية، وتحرير العقل من سلطانها، هو هذه التَّزكية التي لا تتأتى إلا عن طريق تشبع الإنسان بحقائق الإسلام الاعتقاديّة، عن طريق اليقين العقلي أولاً، ثم التربية الوجدانية ثانياً.

فإذا رُبِّي الإنسان هذه التَّربية العقلية والوجدانية، تكونت له من ذلك قوة عجيبة تجعله ذا ثقة تامّة بشرائع الله وأحكامه، علم وجه الفائدة منها أو لم يعلم، وتجعله حارساً أميناً على رعايتها وتنفيذها جهد استطاعته، وتجعله يصمد أمام الضغوط الوافدة المعاكسة، يغالبها حتى يتغلب عليها، دون أن يجد في طريقه إلى ذلك عائقاً من فكره أو من نفسه.. أما الفكر فلأنه اطمأنَّ إلى بالغ حكمة الله وعظيم رحمته، ووثق بعدالته في كل ما يأمر به وينهى عنه، وأما النّفس فلأنها زكّيت، وتخفّفت من أثقال رعوناتها وعصبيَّتها وأهوائها.. فأنّى للتَّحدي أن يسري ويتغلَّب سلطانه على هذا الإنسان.

Page 7

النموذج الذي لايُنسَى

تتجسَّد هذه الحقيقة التي أذكِّر بها، ولا أقول: أكتشفها أو أعرّف بها، إذ هي من البدهيات التي لا يجهلها العقلاء، ولكن قد ينساها الغافلون أو المتشاغلون.. أقول: تتجسَّد هذه الحقيقة كأبرز وأظهر ما تكون، في المنهج الذي سارت عليه بعثة خاتم الرُّسل والأنبياء محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم. وإليك بياناً موجزاً بذلك.

كان العرب الذين هم أول من اتَّجه إليهم القرآن بخطابه الحواري الدّاعي إلى الإسلام والإيمان، مضرب المثل في الرُّعونات النفسية بأنواعها، من عصبية وأنانيّة وانجراف في تيّار الشهوات والأهواء، إلى جانب الغلوّ في كلِّ شيء، والجهل تقريباً بكلِّ شيء، بالإضافة إلى ما ركنوا إليه من تقاليد اجتماعية وخرافات دينية وأوهام اعتقادية.

ولاشكّ أن القرآن إنما اتَّجه بالخطاب أولاً إلى هؤلاء العرب، داعياً لهم إلى الإسلام.

فإلى أي الإسلامين (إن جاز التعبير) دعاهم بادئ الأمر، بل خلال مدة لا تقل عن ثلاثة عشر عاماً؟.. أإلى الإسلام الذي هو الشّرعة والقانون والنظام، أم إلى الإسلام الذي هو تعريف العقل بحقائق الكون والإنسان والحياة وبهوية الإنسان عبداً مملوكاً لله وحده، ومن ثم الإسلام الذي يحرِّر النفس من رعوناتها ويخضعها لسلطان العقل وحقائق العلم؟..

عُدْ إلى ما تضمَّنته السُّور المكيَّة التي تنزَّلت على رسول الله r قبل هجرته إلى المدينة المنورة، تَعْرِف الجواب عن هذا السؤال.

إن هذه السُّور كلها لا تتضمن أكثر من إيقاظ للعقل، وتوجيه له إلى حقائق العلم، إلى جانب تهذيب النفس باستثارة ما فيها من مشاعر الرّهبة والرّغبة، وربط النِّعم بالْمُنعِم، ومظاهر المكونات بالمكوِّن، وإذكاء مشاعر الحبّ في الإنسان لمن هو أولى الكائنات بحبّه، سواء ما يأتي منه بدوافع الإحسان أو بعوامل التَّمجيد والانبهار، أو بتأثير معاني الجمال وصوره.

تحت سلطان هذا الحوار الذي استمرَّ لسنوات عديدة، صيغت النفوس العربية صياغة جديدة، فزكيت وتخلَّصت مما علق بها من شوائب العصبيّات والرُّعونات والأهواء، واستيقظت حوافز العقل متَّجهة إلى الفكر والتَّدبُّر، واتَّجهت مشاعر النَّفس تحت وطأة الحوار القرآني إلى محبّة المحبوب الأول وإلى تعظيم العظيم الأوحد.

ولا ريب أن الوصول إلى هذه الغاية استغرق زمناً طويلاً واحتاج إلى جهاد كبير وصبر جميل عليه، وليت أن (الإسلاميين) الذين يقفزون فوق هذا الجهاد الدّعوي التَّربوي الذي كان الشغل الشاغل لرسول الله r، ويتحدَّثون بدلاً عن ذلك، عن جهادهم التَّخريبي، عرفوا قيمة هذا الجهاد التَّربوي وأهميّته، وليت أنهم فازوا بسهم منه، ولم يمرّوا من جنبه مستهينين وغير عابئين.

إن تلك النفوس التي صيغت في بوتقة العقيدة والتربية الإسلامية، وتحررت من ثقل العصبيّات والرُّعونات، خلال جهاد طويل، كانت هي المناخ المهيّأ للانقياد لشرائع الإسلام وأنظمته وأحكامه دون أي تبرُّم من قيودها، ودون أي شعور بتحدِّيات الأفكار والأنظمة الحضارية المحيطة بذلك المناخ.

ثم إن تلك النفوس التي صيغت تلك الصياغة الجديدة، كانت هي السياج الذي وقى شرائع الله وأحكامه من التَّبدُّد والاضمحلال.. وكانت هي القوة الفعّالة التي غالبت تحدّيات العادات والتقاليد العربية الداخلية، وتحدّيات الفلسفات والحضارات الخارجية حتى تغلَّبت عليها.

أيهما أعتى وأشدّ... تحدّيات اليوم أم تحدّيات الأمس؟

Page 8

والآن.. حان لنا أن نتكلَّم عن التَّحديات المعاصرة التي تواجه المسلمين اليوم، والتي يقوم ويقعد بالحديث عن خطورتها والتّأفُّف منها والشكوى من صعوبة التّغلب عليها كثير من هؤلاء المسلمين.

ولا نشكّ أن حديث جلّ هؤلاء الناس عن هذه التَّحديات بهذا الشكل، إنما هو مقدمة تبريريّة بين قرارٍ، بل إعلان وشيك عن عدم صلاحية الإسلام، من حيث هو شرعة ونظام، في هذا العصر الذي تواجه تحدياتُه العلميةُ والحضاريةُ العالمَ الإسلاميَّ، بل تغزوه هذه التَّحديات بتقنياتها وفنونها وتياراتها الاقتصادية التي لا قِبَل لأحد بالوقوف في وجهها، ومن ثم فلامناص من الاستسلام طوعاً أو كرهاً لسلطانها، واللحاق بالعالم الغربي الذي آلت إليه قيادة العالم الثالث، بل العالم كله، وهي القيادة التي تسوق العالم الإسلامي اليوم إلى عولمة لا اختيار له فيها!..

إن الذي يصغي إلى هذه الشكوى المتكررة والمريرة من هذه التَّحديات، ليكاد يتصور أنها تحديات خانقة لا قِبَل لأحد بالوقوف في وجهها، وأنها توشك أن تطبق بسلطانها على العالم الإسلامي، وتأخذ منه بالخناق!.. وإن أحدنا ليخيل إليه أن المجتمع الإسلامي لم يمرّ في تاريخه كلِّه بمنعطف حرج ضيّق من هذه التَّحديات، كالذي يمرّ به في هذا العصر!..

فهل الأمر كذلك؟.. هل هي المرة الأولى، يواجه فيها المسلمون ما يناقض إسلامهم، ويقابلون من ذلك تيّاراً من المستجدّات الحضاريّة والاجتماعيّة، لا قِبَل لهم بالصّمود في وجهها فضلاً عن التَّغلب عليها؟..

لقد واجه العرب في عهد البعثة النَّبوية أثناء تحوُّلهم من الشِّرك والحياة الجاهلية إلى الإسلام، تحدِّيات مماثلة.. فتعال نوازن ثم نتساءل: أي التَّيارَيْن من التَّحديات أشدّ وأعتى؟ تلك التي واجهها العرب المسلمون وهم يؤسِّسون حياتهم الإسلاميّة ويقيمون بنيانها الاعتقادي ثم التَّشريعي، فوق أرضيّة من نسيج التقاليد والعادات الجاهليّة، فضلاً عن التّيارات الحضارية الوافدة المناقضة، أم هذه التي يواجهها المسلمون اليوم، وهو يتفيؤون من الإسلام ظلال حضارة يانعة متكاملة، وبعد أن ورثوا من ماضي الإسلام العلمي والتشريعي والاجتماعي والإبداعي تيّاراً تغلب خلال سائر العصور المتصرَّمة على تيارات حضارية متنوعة مناهضة شتّى؟!..

كانت التَّحديات التي واجهها المسلمون في عصرهم التّأسيسي، مزيجاً من تحدِّيات داخلية، تمثَّلت في أعراف متحكمة وعقائد خرافية متوارثة، وعصبيّات معاندة لما كان عليه الآباء والأجداد.. كما تمثَّلت في تيارات وافدة سرت إليهم من العالم المتحضِّر الذي كان يحيط بهم من سائر الأطراف، وذلك قبل أن يتكون لهم نسيج حضاري مقاوم يتحصَّنون فيه.. كل ذلك والإسلام الذي أقبلوا إليه وارتضوه كسوةً جديدةً لحياتهم الاعتقادية والنفسية والاجتماعية، كان لا يزال غضّاً لم تترسَّخ قواعده بعد في مجتمعاتهم، ولم يضرب بجذوره الفكرية، ثقافة وحضارة وعلماً في عقولهم ونفوسهم!..

فهل تبلغ التَّحديات التي يتأفَّف منها بعض المسلمين اليوم معشار تلك التَّحديات؟..

ثم إن الأحكام الشرعية التي تلاحق نزولها كاملة خلال عشر سنوات فقط، كانت متناقضة مع طبائع أولئك الناس الذين تنزَّلت عليهم وقضت بنقلهم بشكل انقلابي من فوضى الحياة القبلية إلى نظام تشريعي صارم، يفطمهم عن كثير من الأهواء والرَّغبات والمحبَّبات، ويثقلهم بكثير من الأعباء والقيود.. لقد كان سلطان الأنظمة والقيود الشرعية من حيث هي جديداً عليهم طارئاً على حياتهم، وكان بينها وبين نهج حياتهم المألوفة مابين النَّقيض والنَّقيض. ومع ذلك فقد قارع الإسلام الذي هيمن على حياة أولئك الناس، تلك التَّحديات المهتاجة كلها، حتى أذابها وقضى عليها!.. ثم يأتي بعض المسلمين اليوم وقد اهتاج بهم دلال طامع ، واستذلَّهم تخاذل واجف، يشكون ويتأفَّفون من أوهام يسمُّونها التَّحديات. ولم يثبت إلى الآن أن هذه الأوهام استجابت لحاجة لم تستجب لها شرعة الإسلام، أو حلَّت مشكلات لم تتمكَّن من حلِّها وصايا الله وأوامره عزّ وجلّ.

والسؤال الذي لابدّ أن يقفز هنا إلى الذّهن، هو أن هذه المفارقة العجيبة واقعة فعلاً!.. ولكن فما سرّها، وما السَّبب الكامن وراءها؟.. ما السَّبب الذي جعل أولئك العرب يتغلَّبون في عصرهم التأسيسي على كلّ التّحديات الدّاخلية القاهرة، وعلى سائر التَّحديات الحضارية الوافدة، في حين أن المسلمين اليوم، وهم ورّاث حضارة ومدنيّة وتشريع، يستخذون أمام أوهام خيِّل إليهم أنها تحدّيات... ويستسلمون لأفكار ومعايير اجتماعية وافدة، متصوِّرين أنها السلطان المتغلِّب والبديل الناسخ!.. ما السَّبب في صمود ذلك الرَّعيل الأول أمام تحدِّيات حقيقية دون أي اهتمام بها، وفي استسلام كثير من المسلمين اليوم لأوهام لا تتحدى، ولأخيلة لا تقاوم؟!..

الجواب الذي يغيب عن بال كثير من المسلمين اليوم، أن الذي تغلب على تلك التَّحديات المهتاجة والمتمرِّدة في حياة العرب في صدر الإسلام، لم يكن نظام الحكم الإسلامي الذي يقارع به (الإسلاميون) اليوم التَّحديات المعاصرة. وإنما الذي تغلب عليها هو الإسلام الاعتقادي والتَّربوي.. إسلام العبودية والخضوع لسلطان الله.. إسلام الدَّينونة الطوعية الرّاضية لربوبيّة الله.. وذلك بعد أن سرى الإسلام يقيناً إلى العقول، ثم هيمن عاطفةً ووجداناً على القلوب. فكان لابدّ عندئذ لذلك اليقين العقلي الذي دعمه الوجدان حبّاً ومهابةً وتعظيماً وثقة، أن يتغلَّب على كلِّ تلك التَّحديات.. أي على رواسب العادات والعصبيّات المسيطرة في الداخل، وعلى تيار الموروثات الحضارية التي اندلقت إلى الجزيرة العربية خلال الفتح الإسلامي من الخارج.

ولو أن محمداً r بدأ فدعا أولئك المثقلين بكل تلك القيود الداخلية والضغوط الخارجية، إلى التَّحرُّر من ذلك كله، والانضباط بدلاً عن ذلك بمجموعة الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمال والمعاملات والحدود والعقوبات، لما وجد فيهم أي أذن صاغية، ولو لبث فيهم أضعاف عمر نوح عليه السلام!.. ولا ريب أنه لو استطاع أن يقنع عقولهم بأفضلية الشريعة الإسلامية، لما استطاع أن يخضع مشاعرهم الوجدانية ورعوناتهم النفسية لواجب التَّمرد على كل تلك الموروثات التي كانوا يركنون إليها ويأنسون بها ويتعصَّبون لها.. ولاعتذروا عن رفضهم للبديل الذي هو أحكام الشريعة الإسلامية بأضعاف ما يعتذر به الناس الذين يشكون اليوم من وطأة التَّحديات المعاصرة.

وهذا يعني أن الإسلاميين الذين لا يتحرَّقون من الإسلام كله إلا على إقامة ما يسمى بالمجتمع الإسلامي، لو رجعوا، ثم رجعوا إلى مرحلة القاعدة والتأسيس، فاشتغلوا بتربية النفوس وركّزوا اهتماماتهم على تغذية العقول بحقائق الإسلام التي تبدأ فتعرف الإنسان على حقيقة هذا الكون والحياة، وعلى قصة الرحلة الإنسانية في فجاج هذه الدنيا، ثم ألهبوا مشاعر الناس بمحبة الله ومهابته وتعظيمه.. ولو أنهم سلكوا إلى ذلك السبيل ذاته الذي سلكه رسول الله r مع أولئك الناس الذين توجه إليهم بالإبلاغ والدّعوة والحوار، صابرين محتسبين، إذن لكان هؤلاء الناس أنفسهم هم الباحثين عن أحكام الله وشرعه ليسعدوا أنفسهم بتطبيقها والالتزام بها، ولما شعروا بشيء مما يسمّونه بالتَّحديات.. فضلاً عن أن يركنوا إليها ويستسلموا لها، وعن أن يتأفَّفوا من ثقل الأحكام الشرعية تجاهها.

ولكن الجاهلية مضت... والناس اليوم مسلمون!

هذا ما يقوله بعض الإسلاميين أو جلّهم عندما يقال لهم هذا الكلام الذي ذكرناه.. إن الحديث عن العقيدة وسلوك النَّهج التَّربوي، غير وارد في نظرهم؛ لأن الناس اليوم مسلمون. ولا يسمى الإنسان مسلماً إلا إن كانت العقيدة الإسلامية قد عمرت لبّه، ولذا فإن الذي ينقصهم هو أن يتفيؤوا ظلال مجتمع تطبَّق فيه أحكام الإسلام.

والجواب أن المسلمين اليوم أمشاج من فئات شتى. فيهم قلَّة من المسلمين الذين تتجلَّى فيهم سيرة أصحاب رسول الله r، إيماناً وعاطفةً وسلوكاً... وفيهم كثرة تنتمي إلى الإسلام تراثاً وتعتزّ به أمجاداً وتاريخاً، ثم هي مستسلمة لتيار الرغائب والأهواء وكل طراز جديد.. وفيهم كثرة أخرى تعيش دون أن تعلم شيئاً عن معنى الإسلام الذي وجدت نفسها تنتمي إليه دون أن تكتشف أي خيار لها في قبوله أو رفضه، قد شغلتها ظروف الحياة وتراكم المشكلات وتلمُّس أسباب المعايش عن النظر في هذا الأمر الذي التصق بها دون أن يعنيها.. وفيهم كثرة أخرى نشؤوا في ظروف نفسية وربما فكرية وفلسفية، شكّلت لديهم عقداً ومشاعر سلبية تجاه الإسلام من حيث هو، فانطلقوا يبحثون عن البديل اعتقادياً وثقافياً وحضارياً[4].

Page 9

فهذا هو المجتمع الذي يتحرَّك فيه (الإسلاميون) سعياً إلى فرض خِلْعَةِ (النظام الإسلامي) عليه!..

صحيح أنه ليس مجتمعاً جاهليّاً كالذي كان أيام بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكنَّ فيه من التَّشاكس وتراكم التَّناقضات الفكرية والنَّفسية، بالإضافة إلى سلطان التَّيارات الوافدة ما يفرض ابتداء منهج الدَّعوة الإسلامية فيه من أول الطريق، ويجعله يرقى في عمل الدُّعاة إلى قمة معاني الجهاد.. وهذا يعني أنهم لابدَّ أن يعودوا بحكم الضرورة إلى النَّهج ذاته الذي سلكه رسول الله r، عندما أقبل إلى ترسيخ القواعد الأساسية الأولى للمجتمع الإسلامي.

إن هذا المجتمع الملوّن في أفكاره، والمتنوّع في آماله وأحلامه، والمتعارض في سلوكات أفراده، سرعان ما يستجيب للنِّداء الذي يعود بأفراده إلى الجذور ويقف بهم على المعين(وهما موجودان بحمد الله) والذي يضعهم من فطرتهم أمام مرآة الذّات؛ بشرط أن يصادفوا منادياً يناجيهم بلوعة قلبه، لا بفنّ لسانه، يشعل بين جوانحهم جذوة إيمانهم بالله، ويحيي في قلوبهم كوامن عبوديتهم له، ويعيدهم برائع أخلاقه وسلوكه إلى سيرة محمد رسول الله.. يوقظهم شيئاً فشيئاً إلى ذكر دائم لله، ويسقيهم قطرة فقطرة شراب محبّة الله، ويصرفهم من صور الدّنيا إلى مكنون جمال الله عزّ وجلّ.

وأجل.. فليس بين واقع هذا المجتمع وبين أن يتحوَّل أفراده فيستجيبوا لهذا النِّداء، سوى أن يكون المنادي (بكلمة جامعة لكل ما ذكرت) مخلصاً لله عزّ وجلّ، وأن يكون المخاطبون بالنِّداء متحرِّرين من كبريائهم وما قد يتفرَّع عنها من الأنانيّة والعصبيّات.

وعندما يوقظهم هذا النِّداء، ويفعل في كياناتهم فعله، فإن المعنى التقليدي للإسلام، يختفي ويذوب، ليحلَّ محلَّه حضور إسلامي فعّال، يهيمن على عقولهم، ويلهب كوامن وجدانهم، وتنحلُّ عندئذ العقد النَّفسية لدى الشّاردين والتّائهين، ويصحو أولو الشَّهوات والأهواء من سكر رغائبهم، وقد أدركتهم منها السآمة والملل.. وإذا الكلّ قد تلاقوا مجتمعين أمام مرآة الذّات، متعارفين بين يدي نسب عبوديَّتهم لله، يبحثون عن أُنس قلوبهم في تلاوة كتابه وتدبُّر وصاياه وحِكَمه وأحكامه.. وكما قلت: لن يشذَّ عن هذه الاستجابة ـ بالشروط التي ذكرتها في شخص الداعي ـ إلا مستكبر على الله معاند للحق، مستسلم لسلطان عصبيّته.

وعندما تسمو بهم التَّربية الإيمانية إلى هذا المستوى، فلا حاجة عندئذ إلى من يذكرهم بضرورة الانقياد لشرعة الإسلام ونظامه.. إذ إن مشاعر عبوديتهم لله تذكِّرهم بضرورة البحث عن واجباتهم تجاهه.. وتلاوتهم لكتاب الله تعرّفهم بتلك الواجبات، وتعظيمهم الدّائب لله يدعوهم إلى القيام بها وإلى الانقياد لها.. أما الدُّعاة والمرشدين، فلن يبقى عليهم حينئذٍ إلا واجب التعليم والبيان، وكشف الغوامض وإزالة الشُّبهات.

إذن.. من أين تنبثق التَّحديات التي يشيع الحديث عنها اليوم

نعود إلى حال المسلمين اليوم بما يتصف به من تشاكس واضطراب.. وإلى النَّهج الذي يصرُّ أكثر (الإسلاميين) اليوم على اتِّباعه، وهو التَّوجُّه مباشرة إلى فرض أحكام الشريعة الإسلامية عليهم، أي بعيداً عن تعبيد السَّبيل إلى ذلك، والمتمثِّل ـ كما قلنا ـ في العود بهم إلى الجذور وأخذهم بالوسائل التَّربوية التي ذكرنا طرفاً منها، نعود إلى هذا الواقع لنتساءل:

من أين تنبثق التَّحديات التي تواجه هؤلاء المسلمين اليوم، والتي يقوم ويقعد بالحديث عنها والشّكوى منها شتى فئات الباحثين والمثقَّفين، بمن فيهم كثير من الإسلاميين أنفسهم؟..

إن ما قد ذكرته يوضح بجلاء أن سلطان هذه التَّحديات إنما ينبثق غالباً من الحال الداخلية والنفسية، التي يمرُّ بها المسلمون اليوم، وليس آتياً من قهر حضاري أو تيّار فكري أو اجتماعي ضاغط ووافد من الخارج.

إن الخليط الذي تتألَّف منه تركيبه مجتمعاتنا الإسلامية اليوم، يعاني، في مجموعه، من فراغ (إيديولوجي) إن جاز التعبير.. ومن ثم فإنه يعاني من حالة استسلامية تجعله معرّضاً لقبول كل ما يفِدُ إليه، بل كل ما يمرُّ به..

هنالك ثوب ذو رقع متنافرة شتى، من أحلام الأفكار والإيديولوجيات المختلفة، يرتديه خليطنا الاجتماعي هذا. ولكنه في الحقيقة ليس أكثر من مظهر أو ترجمة دقيقة للفراغ الذي يعاني منه.

إن هذا الفراغ من شأنه أن يورثه، كما قلت، قدراً كبيراً من الاستسلام للتيارات والاتجاهات والمذاهب المتنوعة الوافدة، ونظراً إلى أنها تيارات واتجاهات مختلفة، فلابدَّ أن يكون الاستسلام لها انتقائيّاً وهو الذي يزيد المجتمع ـ بحكم الفراغ الذي يعاني منه ـ تصدُّعاً وشقاقاً.

إن هذا الفراغ الباعث على هذا الشكل من الاستسلام، هو مصدر عجز المجتمع عن الانقياد (في هذه المجال) لنظام الشريعة الإسلامية وأحكامها. وهي كما قلنا حالة عائدة إلى المعاناة النفسية ومن ثم الفكرية التي تستبدّ بكثير من أفراد مجتمعاتنا الإسلامية اليوم، أي إن سلطان التَّحدي في هذه المستجدّات الوافدة ليس منبثقاً من ضرورتها أو زخم فاعليتها، ولا من ظروفنا المصلحية الدّاعية إليها.. ولكنه منبثق عن عجزنا عن اتّخاذ القرار المتّفق مع معتقداتنا ودستور حياتنا. وذلك لسبب واضح، هو أننا ـ في مجموعنا ـ لا نملك معتقدات جامعة فعالة. ومن ثم فإننا لا نصدر في أعمالنا وشؤوننا عن مبدأ جامع راسخ يقود حياتنا.

Page 10

إنني أتأمل في هذه التي يسمّونها تحدّيات تواجهنا، سواء أكانت ثقافية أو علمية أو اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، فلا أجد في شيء منها ما يحوجنا إلى إعادة النظر في شيء من مبادئنا أو معتقداتنا، أو إلى التَّخلِّي عن شيء من أحكام شريعتنا.. هذا بقطع النظر عن أننا، كسائر العالم الثالث نعاني من مشكلات فرضت علينا. إن من الثابت يقيناً أنه لا تلك التَّحديات تحمل إلينا بشائر الحلول لهذه المشكلات إن نحن استسلمنا لها، ولا مبادئنا الاعتقادية وأنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية وغيرها تعاني من عجز في الاستجابة لمصالحنا ومتطلَّبات عصرنا.

ما المشكلة الاقتصادية التي عجزت أحكام الاقتصاد الإسلام عن حلِّها ورسم السبيل الأمثل للتَّغلب عليها، ثم استقلَّ النظام الليبرالي أو الاشتراكي بحلِّها؟

ما المعضلة الاجتماعية ـ إن في نطاق الأسرة، أو في صلة مابين الرجل والمرأة، أو عموم ما يسمّى بحقوق الإنسان ـ التي لم تقدم الشريعة الإسلامية أفضل علاج لها؟

ما المأساة السياسية التي ابتليت أمّتنا الإسلامية بها، ولم يكن سبيل التَّخلص منها، في قرار أيّ متدبِّر منصف، العود الرّاشد والحميد إلى تعاليم الإسلام؟

تأمَّل معي جيداً، تجد أن مصدر ما يسمى اليوم بالتَّحدي ليس متمثِّلاً في تنافر مزعوم بين أحكام الإسلام ومصالح مستجدّة تفرض نفسها علينا.. إن هذا التنافر المزعوم لم يوجد إلى هذا اليوم قط. فإن جاء من يضعك أمام بعض صوره، فمردّ ذلك إما إلى أن المصلحة المناقضة للإسلام مصلحة وهمية قضت بضرورتها الرّعونات والأهواء، وإما إلى أن الحكم الشرعي الذي عارضها جاء نتيجة فهم مغلوط أو دراسة سطحية لحقيقة ذلك الحكم ومستنده من مصادر التَّشريع. وكم في الناس من يبوِّئون أنفسهم مركز الفتوى في الإسلام فيبعثون به إن في طريق التهوين أو التشديد، دون وجود أي سند لهم من المعرفة والملكة العلمية الكافية.

وإنما مصدر الشعور بهذا التَّحدي، ذلك الفراغ الفكري الذي حدثتك عنه، والذي أورثنا العجز عن الاجتماع على اتِّخاذ القرار المتّفق مع ذاتيَّتنا ومع ما تقتضيه مصالحنا.

هذا بالإضافة إلى أن مصادر الشريعة الإسلامية، الأصلية والفرعية كانت ولا تزال الميزان العلمي الذي تعرض عليه مستجدات المصالح والأعراف والظروف الطارئة. فما كان منها متفقاً مع المصلحة الإنسانية التي جاء الإسلام لرعايتها وحمايتها، أيّده ودعا إليه، طبق المرتبة التي تحتلّها في قانون سلّم الأولويات بين المصالح، وهو السلّم الذي تصنّف فيه درجات المصالح على النّحو التالي بدءاً بالأهمّ فما دونه: مصلحة الدين، فالحياة، فالعقل، فالنّسل أو الأسرة، فالمال. وتصنّف فيه درجات رعاية المصلحة الواحدة من هذه المصالح طبق الأولويات التالية: الضّروريات، فالحاجيات، فالتَّحسينات.

إن مصادر الشريعة الإسلامية، ولاسيما الفرعية، كانت ولا تزال، الأداة الفعالة لسلوك سبيل الاجتهاد في هذه المستجدّات على بصيرة وطبق قواعد ثابتة، إن من أبرز هذه المصادر: المصالح المرسلة، وسدّ الذّرائع، والاستحسان، وسلطان العرف، واليقين لا يزول بالشّك.

وتدخل هذه المصادر كلها تحت ذلك الفنّ الشهير الذي استخلصت قواعده كلها من نصوص القرآن والسُّنة الصحيحة، والذي يسمّى بقواعد تفسير النصوص، أو علم (أصول الفقه).

كل ما في الأمر أن الاحتكام إلى هذه القواعد لا يعني منح سائر المستجدّات التي قد يخيل إلينا أنها مصالح، إجازة مرور وقبول مطلقاً وطبقاً لما يستدعيه هذا الخيال.

وإنما معناه عرض هذه المستجدّات على هذه القواعد العلمية الدقيقة، على ضوء ما فيه من ميزان المصالح، مرتبة حسب سلّم الأولويات الذي أشرنا إليه، ثم اتِّباع الحكم الذي يكشف عنه ذلك السلّم من ردٍّ أو قبول..

وهاهي ذي المجامع الفقهية تؤدي واجبها على خير ما يرام في بيان الأحكام الشرعية المختلفة لكلِّ ما يستجدّ في حياتنا اليوم من مصالح أو أعراف أو اكتشافات.. دون أن تشرد بذلك عن ميزان الشرع وهديه، أو أن تتقوقع في جمود لا يتفق هو الآخر مع ميزان الشّرع وهديه.

غير أن المهمّ أن أعود فأُنبِّه مرّة أخرى إلى أنه لا فقدان أدوات الاجتهاد هو السبب في ضيق الناس بالتَّحديات وتأفُّفهم منها، ولا وجود هذه الأدوات واستعمالها على الوجه السَّليم يشكِّل سبباً كافياً في انمحاقها والقضاء عليها.

ولكي نزيد المسألة وضوحاً دعنا نتساءل: ما التحدي؟ وكيف يتمّ الشعور به؟

إن التَّحدي، ذلك الضغط المنبعث من تيار حضاري أو اقتصادي أو سياسي، وافد، عندما لا يصادف بالمقابل تياراً يقف في وجهه مكوناً من الجوانب ذاتها.

وهذا يعني أن الشعور بتحدِّي التَّيار الوافد ليس منبثقاً من قوة التيار ذاته، وإنما هو منبثق من العجز عن مواجهته، وسبب العجز عن مواجهته عدم وجود تيار مقابل في الداخل يسدّ الثّغرات ويحمي المجتمع من الدَّخيل.

وما من ريب في أن أي أمة تملك ما نملكه نحن من المبادئ الفكرية ومقومات الحضارة، لو أُتيح لها أن تتَّحد وتتساند وتتعاون انطلاقاً من محورها الاعتقادي الجامع، فإنها تملك أن تنسج لنفسها من ذلك التَّيار المقابل الذي من شأنه أن يبدد ضغط التيار الأجنبي الوافد، إذا كان مناقضاً لمبادئها وميزان مصالحها.

والمؤلم حقّاً أننا نملك المبادئ والقيم والنسيج الحضاري المتكامل، ولكنا ـ للسبب الذي أوضحته قبل قليل ـ لا نملك أن نصوغ من ذلك تياراً يحمي وجودنا الحضاري من وقع التيارات الوافدة أو العاصفة.

وفي الناس اليوم من تغيب عنه الحقيقة الواضحة، في غمار الانطواء على فرديته بعيداً عن التَّنبه إلى كونه جزءاً من مجتمع، ومن ثم بعيداً عن النهوض بما يترتب عليه من واجب في هذا الصّدد، إنه يقول: إن هذا التيار الحضاري الوافد إلينا، من شأنه أن يذيب في كيان العربي المسلم الفرد، سلطان إرادته وأن يشلَّ فاعليته واختياره، ومن ثم فهو لا يملك إلا الاستسلام، حقاً كان هذا الذي يستسلم له أم باطلاً!!..

إن الذي نسيه هذا القائل في غمار فرديته التي يركن إليها، هو أن ذلك التيار الاجتماعي الوافد والذي لم يجد بدّاً من الاستسلام له، إنما تكونت بذوره من إرادات وقصود فردية، تلاقت لدى أصحابها وتضافرت بدافع من رغبة التعاون في طريق رعاية المصالح وحماية الذّات.. وينسى هذا القائل أن هذه الإرادات الفردية أن تلتقي على محورها موجودة هي الأخرى لدينا، وأعني بذلك مجموعة المبادئ والنُّظم التي تكوَّن منها نسيج حضاري متكامل ساد خلال قرون متطاولة؛ كل ما نفتقده في هذا المضمار إنما هو روح التعاون الحقيقي الذي لابدَّ منه لتتحول الأنشطة الفردية إلى تيار اجتماعي راسخ.

إذن، فقد أصبح من الواضح أن التَّحديات التي يشعر بها كثير منا في مواجهة مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ليست آتية من قرار عقلي دلت عليه التجربة بعدم جدوى المبادئ الاعتقادية التي كنا ولا نزال نأخذ أنفسنا بها، أو بعدم جدوى الأحكام الشرعية التي كانت ولا تزال مصدراً لسعادة الفرد وخير المجتمع، وبأن الأنظمة الغربية أو الشرقية الوافدة هي وحدها التي غدت اليوم مجدية ومناسبة.

أجل.. إن وطأة هذه التَّحديات ليست آتية من قرار عقلي بهذا أو بذاك.. وإنما هي آتية من عاملين داخليين:

أحدهما تراجع الثقة بالإسلام لدى كثير من المسلمين، من حيث هو عقيدة ودين موحى به إلينا من عند الله، ومن ثم من حيث هو مجموعة مبادئ ونظم وأحكام.. ولعل جلّ هؤلاء المسلمين ممن بيدهم صنع القرار..

ثانيهما عجز أفراد الناس وفئاتهم عندنا عن مدِّ جسور التعاون فيما بينها لتحويل الإرادات والطموحات الفردية إلى تيار اجتماعي فعّال، وتحوُّل الأمّة الواحدة إلى فئات متدابرة شتّى!..

والترجمة الوجيزة الجامعة لكل هذا الذي قلته، هي أن ما يسمى بالتَّحديات التي تواجه حياتنا العصرية اليوم، وهم كبير سرى إلينا، وهيمن على نفوسنا، من جرّاء أمراض تربوية واجتماعية تعاني منها أمّتنا اليوم.