eKtab
EN ع
الإسلام والدولة
Read free sample

الإسلام والدولة

by النيل عبد القادر أبو قرون

Page 1

مُفتَتَح

الحمد لله الذي أَرسَلَ محمداً صلى الله وبارك عليه وآله خاتماً لأنبيائه، وأيَّده بالمُعجِزات، ولم يُرسله بها لأنه قد كذَّبَت بها الأُمم السابقات؛ قال تعالى {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ}(1) فكانت رسالته خاتمةً شاملةً مُهَيمِنةً على ما سَبَقَها من الرسالات، ومؤيِّدةً لا لاغيةً لمن سَبَقَه من المرسلين وكتبِهم من الزبور والإنجيل والتوراة·

أحمَده على أن جعلنا من أُمَّتِه، ونسأله التوفيق للقيام بما أمَرَنا به· وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مُعين {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(2)، وصلى الله وبارك على من لا نبي بعده في العالمين الذي كان يصلي عليه الله نبياً وآدم بين الماء والطين، وجعل الصلاة عليه ذكر الملائكة أجمعين، وأمر الذين آمنوا بها ليكونوا من الصالحين وصلى الله وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن صحابته المُنتَجَبين·

ما قَصَدتُ بهذا الذي أنا بِصدده الطعن في مذهب أو مُعتَقَد، ولا أن أحمِل إنساناً على فِكرٍ لَدَيَّ مُعتَمَد، فحُرِّيّة الفِكر والاعتقاد قد أمَر بها ربُّ العباد، وخَتم بها الرسالات إلى يوم التناد· قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}(3) لكلّ العباد، وقال عزّ من قائل: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}(4) وأكَّد سبحانه وتعالى في محكم تنزيله بأنّه {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(5)· فمَنَع الإجبار عليه في العالمين، وحُكمُه تعالى باق إلى يوم الدين·

كلّ ما هناك أن الذي رأيته خشيت أن يوقع أحداً في مخالفةٍ للقرآن العظيم والتهلُكة في المآل، ورأيت تدوينه حتى يكون عرض حال لمن يشاركني الحال، فيُشَمِّر لخوض المجال، عسى أن نكون وإياه داخلين في رحمة ذي الجلال، مع الذين أنعَمَ الله عليهم من الصالحين من النساء والرجال، ويعصمنا من الزيغ والخِزي والضلال، إنّه الرَّحيمُ السَّميعُ المُجيبُ السؤال·

في هذا المؤلَّف وما حوى أردت أن أتناول بِتَمحيصٍ وتَدقيقٍ بَعض ما جاء في مصادِرِنا الأساسية، منتهجاً في سَعيِي هذا ميزاناً أساسه القرآن العظيم وعِصمة النبي صلى الله وبارك عليه وآله، مُلقِياً الضوء على بعض الموروث لتحريك هذا الركود المصنوع· وهي دعوة علمية تناقِش في حوارٍ هادئ - لا تُهمَة فيه لأحد - ما يظُنّه البعضُ مُسَلَّمات لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها· وأبرأُ في هذا مِن كُل قصدٍ سيء أو جَدَلٍ باطل لدحض الحق· كما وأني أَقبَل المُراجَعةَ والمُفاكرة، والالتِقاءَ بِمَحَبَّة والاختلافَ باحتِرام·

Page 2

الإيمان بالرسول

أمَر الله سبحانه الذين آمنوا بالارتقاء بالتقوى ليؤمنوا برسوله، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ}(6)، فالإيمان بالرسول محمد صلى الله وبارك عليه وآله هو مَطلَب الحق من الذين آمنوا، فنسأله تعالى أن يجعلنا من المتقين وبرسوله من المؤمنين وأن يرفع إيماننا به إلى اليقين، ويجعلنا لرسوله من القانتين، ليؤتينا أجرنا مرتين قال تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}(7) وألا يجعلنا مع الذين يجنحون {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}(8)·

جاء في حديث لعبد الله بن مسعود ] ليس حفظ القرآن بحفظ حروفه(9) وفي ضوء هذا فيكون الذي يحفظ القرآن وهو مُستَمسِكٌ بما يُعارِضه من قول الرجال ليس بِحافظٍ له بأيّ حال، وهو إمّا أن يكون كالحمار يحمل أسفاراً وإمّا أن يكون من الذين {اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً}(10) وإما أن يكون من الذين {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا}(11)·

قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(12) وقال عزّ من قائل: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(13)· هكذا أمر الله سبحانه أن يكون أسلوب الدعوة إلى الله تعالى· وجاءت بعض الأحاديث النبوية على تبيان هذا النهج القرآني، فقال صلى الله وبارك عليه وآله حَبَّبوا الله عز وجل إلى الناس وحَبَّبوا الناس إلى الله يُحبِبكم الله(14) وقال صلى الله وبارك عليه وآله يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا ونهى سبحانه عن إكراه الناس في الدين بل أعطاهم الحرية الكاملة لإرادتهم فإن أرادوا أن يكفروا أو أرادوا أن يؤمنوا فذلك متروك لهم، لا يُكره أحد من الناس على اعتناق الدين؛ لأنّ مَن يُكره على شيء فهو كارِهٌ له، وذلك يقود للنفاق الذي هو أسوأ من الكفر {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}(15) وليس الدين الذي أنزله الله على عباده بذلك الشيء البغيض المكروه حتى يُجبَر الإنسان عليه أو يُقاتَل ويراق دمه إن لم يعتنقه ويستباح ماله وعرضه، إنما هو لرقي الإنسان وليتم له صالح الأخلاق؛ ولهذا كانت بعثة النبي صلى الله وبارك عليه وآله فقد جاء عنه إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق(16) فلا مجال فيها للاعتداء على الحريات قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}(17)· ولكن نجد هذا النهج الربّاني يصطدم بحديث ينسبونه لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله وهو أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ(18)!!! فهل يُمكننا تصديق من يقول لنا إنّ النبي المعصوم صلى الله وبارك عليه وآله يقول أو يفعل ما يُعارِض ما أُنزِل إليه من ربه، أو يتَّخذ نهجاً غير الذي أُرسِل به؟ وهل قاتَلَ النبي صلى الله وبارك عليه وآله الناس لإجبارهم على الدخول في الإسلام؟

وهل جاء النبي صلى الله وبارك عليه وآله برسالة يستبيح بها دماء كلّ الناس وأموالهم إلا أن يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ أهكذا الرحمة المُهداة؟ بل هل توجد حادثة واحدة أجبَرَ فيها النبي صلى الله وبارك عليه وآله أحَدا من الناس على أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنّه رسول الله؟ وهل يَصِح أن يُنسَب إليه حديث جُعِل رزقي تحت رمحي(19) وهو القائل إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني(20)؟ وقال تعالى {··· لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}(21)·

فقد فتح النبي صلى الله وبارك عليه وآله مكة فلِمَ قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء بدلاً من أن يأمرهم أن يقولوا لا إله إلا الله؟ فإن كان أُمر بأن يقاتل الناس على الشهادتين كما جاء في الحديث المزعوم فكيف لا يمتثل لأمر الله وهو رسوله الأمين الذي لا ينطق عن الهوى؟

وما يؤكد عدم وجود أمر له بغير ما فعل، مَنحُهُم الحرية وإطلاقُ سراحهم بكل كرامة، تماشياً مع إرساء قواعد الإسلام وطاعة لربه العظيم الذي بين بوضوح لا لبس فيه أن الحرية مصونة في الإيمان أو الكفر {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(22)، وأنه لا إكراه أبداً على الإيمان، فمِن أين جاء المحدثون بتلك الأحاديث التي تناقض النص الصريح للقرآن، وإذا افترضنا أنّ نِسبة الحديثِ لرسولِ الله صلى الله وبارك عليه وآله صحيحة، كما يدَّعون، فلماذا تبرأ إذن من فعل خالد بن الوليد حينما قتل مشركين يوم فتح مكة؟ فالحديث المنسوب يقول إنّ من لم يشهد أن لا إله إلا الله يُهدر دمه ويؤخذ ماله، وخالد قَتَل مَن لم يقُل لا إله إلا الله ولم يأخذ أموالهم، وقد تبرأ النبي صلى الله وبارك عليه وآله بشدة من فِعلته بقوله: اللهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد(23) فالأمر الإلهي لرسوله الكريم صلى الله وبارك عليه وآله جليّ، هو أن لا يُكره الناس على الإسلام، وأن يَدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، فكيف يُقال إنّ الله أمره بالقتال لنشر الإسلام؟

ولماذا الهياج والصراخ والاعتراض على (البابا)(24) في قوله إن الإسلام انتشر بحدّ السيف إذا كانوا يعتقدون حقاً في الحديث الذي نسبوه لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله ؟

Page 3

إنّ هذا الحديث لَم يُنسَب لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله إلاّ لإيجاد مبررات لتسمية الاستعمار العربي الذي تمّ للشعوب الأخرى بـالفتوحات الإسلامية، ولذلك سَمُّوا المواقع التي كان رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله يدافع فيها عن المدينة غزوات· فمعركة بدر التي كانت داخل حدود المدينة فُرضت على المسلمين فرضاً، ولم يخرج الرسول صلى الله وبارك عليه وآله من المدينة ليُقاتِل قريشاً لِفَرض الإسلام عليهم· بل مِن أجلِ اعتراضِ عير قُريش، التي كانت قادمة من الشام، بِقَصدِ استرداد أموال المُسلمين التي أخذها المُشركون في ِمكة بعد إخراج المُسلمين مِن ديارهم· وبعد أن نَجَت العير مِن الاعتراض قرّر المُشركون مُهاجمة المُسلمين في ديارهم حتى يأمَنوا شَرّهم ويستأصِلوا شأفَتهُم، فجاءوا غُزاة من مكة إلى أن نزلوا بِبَدر، فكان لابُدّ مِن مُلاقاتهم، وهكذا فُرِضَت المعركة على المُسلمين ولم يكن ثمة مناص من ملاقاة المشركين {··· وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}(25)، فكيف أصبح المؤرخون المسلمون ومن تبعهم إلى اليوم يسمونها أولى غزوات الرسول صلى الله وبارك عليه وآله··؟!

أما معركة أُحُد التي جاء فيها المشركون إلى المدينة بجيشهم فهي أيضاً من وجهة نظرهم غزوة، ومن يعرف أبسط المعلومات الجغرافية عن موقعي أُحُد وبدر يدرك كم كانا قريبين من المدينة، وأن المشركين هم الغزاة وليس الرسول وأصحابه: إذ كان موقفهم العسكري دفاعياً، وهذا ما حدث أيضا في ما يسمّى بغزوة الأحزاب الذين جاءوا إلى المدينة بجيوشهم، فما كان من المسلمين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله إلا أن حفروا خندقاً حول المدينة للدفاع عنها !!

ومن الواضح في كل ما سبق أن رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله لم يكن هو الغازي في هذه المعارك، ولم يقاتل أحداً لفرض الإسلام، ولم يعتد {إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}(26)·

ولعل النتيجة التي يمكن أن يخلص إليها مَن يقرأ الحديث الآنف الذكر أمرت أن أقاتل الناس ويعتقد فيه - ونعوذ بالله من ذلك - ما يلي:

أولاً : إنّ الرسول المعصوم صلى الله وبارك عليه وآله يقول ويفعل ما يناقض قول الله وما يأمره به في القرآن العظيم·

ثانياً : كان انتشار الإسلام بحدّ السيف - وليصمت الذين يدْعون إلى الإسلام بالعقل والمنطق وحُسن الخُلُق، والموعظة الحسنة·

ثالثاً : إن الرحمة قد انتفت عن نبي الرحمة صلى الله وبارك عليه وآله فلم يجد متسعاً لإيصال رسالته إلى الناس بغير السيف·

رابعاً : كلمة الناس في الحديث جاءت على إطلاقها وكأنّ رسول الهداية جاء مقاتلاً للناس لا داعياً ومبَشِّراً ونوراً·

ومن خصائص الرسالة العالمية الخاتمة والمُستمرّة ألا تُكرِّس للعداءات والمرارات والدماء؛ لذا فإنّي لا أرى إمكان نسبة هذا الحديث إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله، وردُّه واجبٌ على كل مسلم يؤمن بالله ورسولِه وكتابه وعصمة نبيه الذي كان خلقه القرآن(27)·

Page 4

لقد جاءت المصادر التي وجدنا عليها آباءنا مُحَمّلة بما لو قبلناه كله لا يكون الدين إلا قبول التناقض، فقد صَحِبَ هذه المصادر كَمٌّ هائل مِن الترهيب والتخويف مِن أن يُمَسّ هذا الموروث بنقد، مهما بلغ النقد من الصحة ولو كان يرتكز على ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! وصار الإرهاب الفكري من المستحسنات، ويرون المدح في مقولة: لا يُفتى ومالك بالمدينة على الرغم مما فيها من الإرهاب الفكري وفرض المذهب على الناس، ورغم أن صاحب هذا المذهب هو الذي كان يجلس على كرسيِّه في مسجد النبي ويشير إلى النبي في مقامه واصفاً له بأنه صاحب هذا القبر(28)، كأن نِسبة النبي صلى الله وبارك عليه وآله إلى ذلك القبر أفضل من كونه نبياً ورسولاً يُصلي عليه الله وملائكته، فيُعَرِّف رسول الله بالقبر!! وكذلك هو القائل أفضل الناس أبوبكر وعمر وعثمان، ثم قال ههنا وقف الناس(29) مُعَرِّضاً بعلي بن أبي طالب عليه السلام وقائلاً: وليس مَن طَلَبَ الأمر كَمَن لا يطلُبه(30) - بينما علي عليه السلام لم يطلُب الأمر - الحُكم - بَل رَفَضَ أن يُبايِعَه الناسُ بعد مَقتل عثمان حتى أصَرُّوا عليه، فأبى إلا أن تكون البيعة في المسجد(31)· وأصبح التِزامُ أكثَرِ المسلمين وتمسُّكهم بالموروث من المصادر والمذاهب، غير قابلين للحياد عنه، ولو جئتهم بآية من كتاب الله فيقولون عنك قُرآني كأنما هذه الصفة سُبَّة، تُصَنَّف بها ثم يُرفَض القبول منك، ويقولون: هذا نهج السَلَف··· هذا ما وجدنا عليه آباءنا فيَصْدُق عليهم قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا}(32) وأصبح التقديس للسَلَف هو التَدَيُّن، بل هو الدين عند أكثر المسلمين - كأنّ الله سبحانه اقتَصَرَ فَضلَه عليهم ولم يبق له من الفضل شيء لمن يأتي مِن بعدهم! فأفتوا بقفل باب الاجتهاد وقيَّدوا فضل الله الواسع، وحرَّموا الطعن في الموروث الذي أصبح هو المرجعية رغم ما يحمل من التناقضات التي لا يمكن تجاوزها بحال! وأنشأوا منهجاً للدين بمُسلّمات لا تقبل حتى المناقشة العلمية، وأسَّسوا فِقهاً لِسَد الذرائع، ما أنزَل الله به من سلطان، أقصوا فيه الآخر وألغوا فيه العقل، وحجروا فيه الفيض الإلهي وحركة الحياة ودورة التاريخ بِقَفلِ بابِ الاجتهاد·

جاء في صحيح البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت أنّ عمر بن الخطاب ] قال على المنبر: إنّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها·· فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائلٌ: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله···(33) وهأنذا أقول والله لا أجد آية الرجم في كتاب الله طال علينا الزمن أو قصر· ويستمر حديث البخاري فيما ينسبه لعمر بن الخطاب ] (إنا كُنّا نقرأ فيما نقرأ مِن كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كُفرٌ بِكم أن ترغبوا عن آبائكم - أو إن كُفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم) فهناك شك في هذه الإضافة نفسها المُشكّكة في كتاب الله!!! ولا يقولن أحد بأن هذه من الآيات المنسوخة لأنه إذا كانت كذلك فلِمَ ذكَرها عمر؟ فإنّ الله سبحانه إذا نسخ آية جاء بخير منها أو مثلها، فهل لم يجد هذا البديل الأحسن؟ قال تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(34)·

على الرغم من أني أرى أنه لا يوجد نسخ في آيات القرآن، تعالى الله أن يغير ويبدل فيما أنزل لأنّ ذلك قد يعني أن ما نسخ أصبح لا يلائم الوقت وذلك لا يكون إلا عن تفكير، وتعالى الله عن العقل والتفكير فهو الفعّال لما يريد عن علم مسبق· فالآيات التي محل النسخ والنسيان هي الآيات الكونية التي أُرسل بها الرسل السابقون كسفينة نوح عليه السلام، وآيات موسى عليه السلام التسع لبني إسرائيل، وإنزال المائدة لعيسى عليه السلام، والناقة لصالح عليه السلام· على الرغم من أن محمداً صلى الله وبارك عليه وآله  قد خُصّ بأعظم من تلك الآيات إلا أنه لم يُرسل بها ولم يحتج بالآيات الكونية التي خُص بها على صحة رسالته فقد شُقَّ له القمر ورُدَّت له الشمس وكَلَّمَه البعير وسَجَدَ له، وكَلَّمَه الحَجَر وكَلَّمَه الجِنّ، وسَعَت إليه الشجيرات ونَبَع الماء من يديه وأَشبَعَ الجيشَ بِصاعِ شعير··· الخ، ولا تُحصى معجزات من كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه صلى الله وبارك عليه وآله وليس هذا مجال إحصائها· وعلى الرغم من ذلك لم يرسل بهذه الآيات والمعجزات قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ}(35) فقد أوتي صلى الله وبارك عليه وآله كما قال ما لم يؤت أحد قبله؛ جوامع الكلم، وجعلت له الأرض مسجداً، ونصر بالرعب، وأعطي الشفاعة، فكان كلامه هداية لمن يسمعه إلا من سبق عليه القول· ولم يجعل المعجزات سبباً لهداية الناس؛ لأنها خرق للعادة، لا تماشياً مع ناموس الكون، ولذلك هي محل النسخ وليس الدوام، أما هديه صلى الله وبارك عليه وآله القرآني فدائم بدوام الزمان ولا تتغير آياته ولا تُنسخ·

Page 5

جاء في الموطأ، عن عمر بن الخطاب ] إيّاكُمْ أَنْ تَهْلَكُوا عَنْ آيَةِ الرّجْمِ· أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لاَ نَجِدُ حَدّيْنِ فِي كِتَابِ اللهِ· فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَجَمْنَا· وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النّاسُ: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، لَكَتَبْتُهَا (الشّيْخُ وَالشّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتّةَ) فَإنّا قَدْ قَرَأْنَاهَا· والعجب أن يُقال عن عمر إنه يخاف من كلام الناس في مقابل إثبات كلام الله!!! والغريب في هذا الحديث المنسوب لعمر ] أن الآية التي ذَكَرَها هي الرجم للشيخ والشيخة دون ذِكر أسباب الرجم، كأنما كل من وصل إلى عُمر الشيخوخة يُرجَم كما تفعل بعض القبائل البدائية التي لا دين لها! وإذا كان الرجم فريضة أنزلها الله تعالى كما قالوا، فكيف يطبق الرجم على الأََمَة المحصنة الزانية؟ فإن عليها {نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ}(36) كما قال الله سبحانه!!·

وفي سنن ابن ماجة عن عائشة ] قالت: لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول اللّه [ وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها، وجاء في صحيح مسلم عن عائشة ]: كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرّمن) ثم نسخن بـ(خمس معلومات) فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن، فهل أكل الداجن آية عشر رضعات وترك هذه الخمس؟ وأين هذه الخمس آيات الآن؟ ومَن أسقَطَها بعد رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله حتى لا تُقرأ مِن كِتاب الله؟ وهل يا ترى كان ذلك الداجن تمساحاً أو كلباً - لأن الكتابة كانت على الكتوف والجلود؟ ولكن لا يمكن أن يكون كلباً لأن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله كان يَمنَع تربِيَةَ الكِلاب؛ وأما التمساح فيستحيلُ عَيشُه في الصحراء أو في بلد يعز فيه الماء·

هذا بعض ما وجدنا عليه آباءنا في أصحِّ ما عندهم من الكتب بعد كتاب الله!! فهل نظلُّ على آثارهم مقتَدين؟ ولا أتصوّر كيف يغفَل مُسلِم من أن تكون مرجعيَّته الله ورسوله، ويرهَن عقله لغيره من الرجال الذين ليس لديهم عصمة ولن يكونــوا لــه شُفعــاء - لأنّهــم أنفسهم مُحتاجون للشفاعة - ولا يُســأل عنهــم ولا عــن فِكرهم ولا عن فعلهم ولم يأمُره اللـه بالأخــذ عنهــم، قــال تعالــى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا··}(37)!! كيف يأبى مسلمٌ أن تكون مرجعيّته كتاب الله وعصمة النبي صلى الله وبارك عليه وآله؛ الذي أمر الله سبحانه بتعظيمه وتوقيره والأخذ عنه، ويحشر نفسه في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}(38)؟

وكيف يقبلون تصديق حصول النقص في القرآن بآيات معينة؟ فهل الأولى تصديق حفظ الله للقرآن من كل تحريف ونقص، أم اعتبار ما ينسبونه لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله من الحديث صحيحاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حتى وإن خالف القرآن؟ وعلى الرغم من أنه لا مجال للمقارنة بين القرآن وما ينسبونه هُم إلى رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله·

لقد حملَت المصادر التي وجدنا عليها آباءنا مِن السلوك والأفعال والأقوال ما لا يمكن نِسبته لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله كقولهم: كان يطوف على نسائه بغسل واحد(39) بينما الله سبحانه يشهد له {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ}(40)؛ وكنسبتهم له حديث لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات(41) وهو القائل: لا يكذب المؤمن إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون(42) فنسبوا إليه صلى الله وبارك عليه وآله اتهام خليل الرحمن ورسوله إبراهيم عليه السلام بالكذب، ليجعلوا حديثه مخالفاً لقول الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}(43) - كبرت كلمة تخرج من أفواههم! وكقولهم: أنه كان معه شيطان قرين ثم يستحون قليلاً فيقولون: ولكن الله أعانه عليه فأسلم(44)؛ ليكون النبي عندهم مُتَّهَماً بالتَغافُل عَن ذِكر الرحمن، قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}(45)؛ بينما الله سبحانه ينفي الشيطان عن عباده المؤمنين عموماً في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(46) فهل النبي أقل درجة منهم؟ ويقول تعالى على لسان الشيطان: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}(47) فهل لم يكن النبي صلى الله وبارك عليه وآله منهم؟ وقالوا إنه تزوج بعائشة وهي طفلة في السادسة من عمرها(48)، على الرغم من أنهم يقولون إنها كانت مخطوبة قبله! فإن كان هذا اعتقادهم فلماذا الاحتجاج على مَن رَسَمَ صورةً لِرَجُلٍ يحمل طفلة يُريدُ الزواج منها ويقول هذا رسول المُسلمين؟ ألَم يوضح بتلك الصورة ما جاء في صحيح البخاري؟ ونسبوا إليه أنه َأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ فَقَالَ: هُنَا الْفِتْنَةُ (ثَلاثًا) مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَان(49)· وقالوا إنه استاء من مجيء أعمى إليه يسأله عن أمر دينه فعبس في وجهه وتولى عنه!! وذلك على الرغم من أن الأعمى لا يُبصر العبوس، كما أن العبوس والتولي (أو الإدبار) وصَفَ الله بهما كافراً في قوله تعالى: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ  ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ}(50)· وقد هَضَمَت ذلك نفوسٌ مريضة وأصبح دفاعها عن هذه المنسوبات يصل حد الاحتراب! وإذا وُصِفَ بها حبيب غير النبي صلى الله وبارك عليه وآله اشمأزّت قلوبهم، ويُعلِّلون ذلك بأن ما نُسِب للنبي صلى الله وبارك عليه وآله قُصِدَ به التشريع!!! أما مِن أين جاءوا بحُجّة قُصِدَ به التشريع، فلا توجد مرجعيّة لذلك لِلعَجز عن معرفة من الذي قَصَد - هل هو الله سبحانه أم هو محمد صلى الله وبارك عليه وآله - وهل اطّلعوا على ما في قلبه وعلموا قصده؟؟ فالادّعاء بأن ذلك قُصد به التشريع ما هو إلا لتبرير زيف القول والطلاء على العقول لقبول ما يجب رفضه في حق الذات الشريفة المحمدية· ومن الغرائب أن هناك من يرى في الباحث في إبراز الأحاديث التي تصطدم بما يدَّعونه في تعظيم النبي صلى الله وبارك عليه وآله وحبهم له وبما جاء في كتاب الله تعالى كأنّه يحيي الفتنة ويقولون - دون حياء - إن هناك من الدين ما يجب ألا يطلع عليه عامة الناس!!! وهذا رأي كثير ممن يُظَن أنهم من العلماء· فالإسلام عندهم رسالة خاصة لمن يسمونهم بالعلماء وأخرى للرجرجة والدهماء!!! فالتناقض يجب أن يُحجب عن غير العلماء، ومن يُظهره فقد قالوا عنه: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها(51)!! فهل صاحب الفتنة هو من قَسَّم الإسلام إلى رسالتين؛ أم صاحب الفتنة مَن يَرفُض ذلك ويَرفُض كُلَّ ما جاء مُخالِفاً للقرآن وعِصمَةِ النبي صلى الله وبارك عليه وآله، ويجعل ذلك هو المنهج والمرجعية؟ {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى}(52)·

Page 6

دين الإسلام أم دين المسلمين ؟

قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}(53) وقال تعالى {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}(54)·

معلومٌ أن الرُّسل كلهم - صلوات الله عليهم - ما جاءوا من عند الله إلا بالدين، أي بالإسلام· فإذا كان الله -سبحانه وتعالى- يؤكد أن الدين عند الله الإسلام، فما جاء موسى عليه السلام من عند الله إلا بالإسلام، ولم يؤسِّس دولةً ولا حكومة، ولم يكن حاكماً ولا أميراً· وعيسى عليه السلام كذلك جاء بالدين أي بالإسلام مُصدّقاً لموسى عليه السلام وكتابه وما أَنزَل الله فيه مِن أحكام {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاة}(55) ولم ينشئ دولةً، وما كان ملكاً ولم ينصب نفسه حاكماً أو أميراً، وقال: ما لله لله وما لقيصر لقيصر ولم يُسجِّل التاريخ عن دولةٍ موسَويّة أو دولةٍ عيسَويّة أو دولةٍ إبراهيميّة أو دولة لوطية· وجاء محمد صلى الله وبارك عليه وآله بالإسلام {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ}(56) أي التوراة والإنجيل وما أنزل الله· ولهذا فإنّ مَن لا يؤمن بهذه الكتب كما نزلت، ويُصدِّق بما شرع الله فيها، ومن لا يحترم أولئك الرسل ويحبّهم، لاختيار الله لهم كرُسُل وأنبياء، فقد كفر بما أُنزِل على محمد صلى الله وبارك عليه وآله·

فقد جاء خاتم النبيين مُصدِّقاً لكل ما جاءت به تلك الرسل {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}(57)، ولا تعني الهَيمَنة الإلغاء لِما سبق من تلك الكُتُب والديانات، إنما تعني الوُسع والشُموليَّة لِما تضمَّنته {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ}(58)، ليكون النبي الخاتم رسولاً لسائر الناس السابقين واللاحقين، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاس}(59) {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}(60)؛ لأنّ مَن آمنوا بتلك الكتب السابقة قد آمنوا بما تضمنه كتاب محمد صلى الله وبارك عليه وآله، فهم مسلمون مِن قَبل بعثته وهو رسولهم إن أدركوا أو لَم يُدركوا زمان رسالته، فالرسل السابقون هم نواب عنه وأخذ الله عليهم العهد والميثاق للإيمان به ونصرته· قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ  وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ  أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}(61)· فما جاء النبي، محمد صلى الله وبارك عليه وآله، رافضاً ونافياً لكل ما سبق من الدين الذي كان عليه الأنبياء والرسل السابقين وكتبهم، إنما جاء مُصَدِّقاً لهم، ولا يكون التصديق إلا على الحقّ، ولا يَقبَل الإسلام ما يُخالفه، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}(62)· فجاء دين محمد، صلى الله وبارك عليه وآله، مؤكداً صحةِ إسلامِ ما سبق من الدين اليهودي والمسيحي - تعالى الله أن يُنزل ديناً معيباً - ولكن بعضاً من أتباع أولئك الرسل يحرفون الكلم عن مواضعه، للمغالاة في دينهم ولعصبيتهم الدينية {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ}(63) لعصبيتهم {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ···}(64) ومُبيِّناً لهم ما اختلفوا فيه، قال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ}(65) حتى يُقِيموا الرسالة على حقيقتها لينالوا الكرامة من الله·· قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ}(66)· فلم تأتِ المسيحية لإلغاء اليهودية ولا الإسلام المحمدي لإلغاء المسيحية واليهودية، بل جاء مُصَدِّقاً لمن كان قبله من الرسل وكتبهم التي أُنزِلَت عليهم من الله لأُمَمِهم، ولكن كثيراً مِن أتباع الرسل تَشَبَّعوا بالعصبيَّة الدينية التي تَنُمّ عن الجهلِ بوحدةِ الرسالة والتفريق بين الرُّسُل {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} (67)فكل من يقول ليست اليهود على شيء وليست النصارى على شيء فقد قال مثل قولهم، فهو من الذين لا يعلمون، لتَعَصُّبِه لرسولِه وإثباتِه التفرِقة بين الرُّسُل· فكل أمة مسؤولة عن كتابها وتُدعى إليه، لا إلى تركه واتّباع غيره، فالمصدر الذي أتت منه هذه الكتب كلها واحد، تعالى الله أن ينزل خللاً في أيّ منها، فكلها مقدسة يجب الإيمان بها ولا يوجد خلل في أصلها إلا ما أحدثه البشر {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا}(68) فما أنزل الله من الكتب حقّ لا يبطله الزمان والإنسان، ولكل أمّة الحق في التمسُّك بما أنزل الله على رسولها إليهم والتحاكم إليه إلى أن تلقى الله {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوه}(69) وإن لم تفعل فالله يحكم بينهم يوم القيامة، وليس لأحد الحقّ في إجبارهم على فِعلٍٍ أو ترك ·· {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(70)·· {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ}(71)؛ فالله سبحانه يؤكد في القرآن العظيم أن التوراة فيها حكم الله وكلمة حُكم هنا تعني الشريعة، أي القانون ولا تعني الملك أو السلطان قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(72) أي تشريعاً، وقال تعالى في موسى عليه السلام: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ}(73) ولا تعني كلمة حكماً هنا سلطاناً أو مُلكاً، فلا تكون إلا بمعنى شريعة، وقال تعالى: {وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً}(74) أي شريعةً، إذ إنه لم يكن حاكماً ولا صاحب سلطان، بل قال لقومه: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}(75)، فلا يَنظر أحد إلى التوراة بعد هذا بغير الاحترام والتقدير والتقديس، إن كان يؤمن بما أُنزِل على محمد صلى الله وبارك عليه وآله· ولا تعني الآية {··· وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ}(76) إقامة دولة دينية يهودية، فلا يوجد فيما أَنزَل اللهُ لرُسُلِهِ أمرٌ بإنشاء دولة، ولكنَّ التَّعَصُّب الديني، الذي يَنشأ من التفريق بين الرُّسُل، وحُب السلطة هما اللذان يَدفَعان أتباعَ الدِّينِ المعني لإنشاءِ دولةٍ باسم الدين·

Page 7

وإذا كان كُلّ الرسل صلوات الله عليهم جاءوا بالدين، أي بالإسلام كما قال تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}(77)، فذلك يعني أن الدين، أي الإسلام، عند كلِّ الأنبياء ما هو إلا شرائعَ بُعِث بها أولئك الرسل لخلقِ المجتمعِ الفاضل وكرامة الإنسان، الذي هو القصد من إرسالِ الرُّسُل، {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}(78) من حيث وحدة الرسالة في الشرائع المُنزلة· لكنّ التفضيل بينهم فهو وارد - وهو غير التفريق - {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}(79)، أما مِن حيث ما جاءوا به من عند الله، فقد قال تعالى: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}(80)· وجاءت الرسالةُ الخاتمة للرسول الأعظم محمد صلى الله وبارك عليه وآله للإقرار بما سبق من الرُّسُل وصِحَّة كتُبِهم وتصديقها {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ}(81)، ولتبيان ما كان من اختلاف أُحدث من أتباع الرسل في تلك الرسالات {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ···}(82) ولتوضيح الحقّ فيها {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}(83) وهي الهيمنة {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ···}(84)، لِبيان الأفضلية {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ···}(85) وليُظهره الله على الدين كلّه؛ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}(86) ليُتَمِّم صالح الأخلاق، التي هي الغاية - قال صلى الله وبارك عليه وآله إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق(87)· فأخذ الله العهد على كلِّ الرسل والأنبياء للإيمان بمحمد صلى الله وبارك عليه وآله ولِنُصرته، لهيمنة رسالته، ولحبّه له، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}(88)· فمَن لم يَعلَم لماذا كانت بعثة محمد صلى الله وبارك عليه وآله تحديداً فقد جهله وجهل ما جاء به، سواء أكان من الذين آمنوا أو الذين هادوا أو النصارى أو الصابئين؛ فإن بمَعرِفة مقصد البعثة تنتهي العصبية الدينية والتحزُّب والبغضاء·

فالعصبية الدينية الموجودة اليوم هي تقنين للعداءات وتبرير للحروب والغزو المتبادل، ومُنتِجة للبُعد عن منهج الله القائم على الحب والمعرفة وحرية الإنسان· أما وحدة الرسل والرسالات فهو أمرٌ واضح في كتب الله يأبى التفريق ويُثبِت التفضيل·

Page 8

دعوة الرسول

لم يُرسل الله سبحانه وتعالى نبيَّه محمداً صلى الله وبارك عليه وآله ليُنشئ دولةً - لأنّ الرسالة ليست إنشاء دولة - وإلا لكان اكتمال إنشاءِ الدولة هو الغاية والفراغ من الرسالة· ولم يرسله ليُكَوِّن حكومةً لِنَشر الرِّسالة؛ فإنَّ للحكومة عمراً لا تُجاوِزه، ولا يمكن أن تبقى إلى قيام الساعة· ولم يُرسِله لأن يُقيم مُلكاً دنيويَاً مُتَسَلِّطاً للتوارُث الأُسَري؛ فقد رَفَضَ المُلك أساساً حينما عُرِضَ عليه في بداية الدعوة بمكة، كما أنه لَم يوصِ بقيام دولة أو إمارة· وليس هناك غموضٌ أو ارتياب في أمرِ الرسالة، التي هي ما أنزَلَ الله من الشرائع، ولا في كيفيَّةِ نشرها، فلم يَترُك الحق سبحانه الأمر للاجتهاد، بل حدَّد ما على الرسول صلى الله وبارك عليه وآله في أداء الرسالة وكيفيَّته والمطلوب منه تحديداً فقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ}(89)· وفي هذه الآية يكمُن سِرّ الرسالة العظيم، فالله سبحانه قد تكفَّل بدعمها وإقامتها وإظهارها، دون حاجة لِدعمٍ بشري مادي· ورَفَعَ عن كاهل الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله عبء ما تقوم به الدعوة وسبيل نشرها وانتصارها وهيمنتها لحبه له قال تعالى: {طه  مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}(90)؛ لأنّ الحقّ يقوم بنفسه ويحتاج إليه غيره لينتصر به، ولا يحتاج هو إلى غيره، لذلك قال الإمام علي عليه السلام أعرف الحق، تعرف أهله وقال تعالى {قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ}(91)· ولذلك لا يصحّ أن يُنسب إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله حديث اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ(92) لأنّ الإسلام هو الحق، والحقّ لا يُعّزُّ بالرجال، بل العكس· والحديث كذلك يُثبت حُب الله لأبي جهل وعمر بن الخطاب - وهُما كافران حينذاك - إلا أنّ أحدهما أحَبُّ إلى الله من الآخر! فكيف يكون الحُبُّ لكافر والله سبحانه يقول: {··· فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}(93)؟ ثم إذا كانت هناك حاجةٌ إلى الرجال، لماذا لم تُطلَب العزة بالرجلين معاً؟ وإذا كان هناك رأيٌ بأنّ النبي صلى الله وبارك عليه وآله كان يَعلَم أن أحدهما سيكون مع الإسلام والآخر مُخالِفاً، فإنه لا تبقى مع هذا العِلم حاجةٌ للدُعاء أصلاً·

وإذا كان {··· وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ}(94) كما حدد الله سبحانه، فهو ليس بحاجةٍ لمن يساعده في هذا البلاغ، فقوة الدعوة تكمن فيها ولا تحتاج إلى أحد الرجُلين، ولا لأي قوة خارجية أو حكومة لدعمها، فذلك ظنّ الذين لا يؤمنون· وما جاء إظهار الرسالة بالضعف وحاجتها إلى الرجال وإلى قوة خارجية إلا من أولئك الذين يرون أن إقامة الدولة هي الأَولى والأهم، وأنّ الدعوة لا تقوم إلا بالسلطان، خلافاً لما جاء من عند الله سبحانه، وما ذلك إلا ضعفاً في الإيمان، وشَكّاً في الدعم الإلهي، وفي قيام الحق بنفسه، أو حُبّاً للسُلطة التي نفاها الله سبحانه وتعالى عن رسوله العظيم {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}(95)، أو تعصُّباً بِجَهلٍ يَرفُضُ قبولَ الدينِ عند رسولٍ آخر، {··· كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}(96)، وهو إثبات التفرقة بين الرُّسُل·

ولا يحقّ لأحد أن يقول إنّ إقامة الدولة قد يدخُل في كيفية هذا البلاغ، فإن الدولة تقوم على فرض سلطتها على الناس، وهو الإكراه الذي يتنافى والإسلام؛ كما أنّ تلك الآية الكريمة عن قيام الرسول بالإبلاغ فقط، لا تنفي إكراه الناس على الإسلام فحسب، بل تمنع حتى الحرص على قبول الآخر لما تدعوه إليه، لأنه {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}(97)· وكيفيَّة البلاغ أيضاً قد حدّدها الله سبحانه ولم تُترَك لاجتهادٍ كذلك، فقال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة}(98) فلا خروج عن هذا الأسلوب في أداء الرسالة· وما كانت الرسالة سبباً ليكون النبي صلى الله وبارك عليه وآله حاكماً أو مُتسلِّطاً لإكراه الناس عليها، ولم يتَّخِذها صلى الله وبارك عليه وآله سَبَباً لذلك، ولا ينبغي ذلك لأحدٍ مِن بَعده مهما كانت المُبَرِّرات، والتظاهر بالحفاظ على الدين أو نشره·

Page 9

ثُم بعد البلاغ من الرسول صلى الله وبارك عليه وآله للناس بما شرعه الله لهم من الشرائع للتعامل في الأمور الاجتماعية فيما بينهم، وفي الأمور التعبُّديَّة الشخصيّة مع خالقهم بالأسلوب الذي حَدَّدَهُ الله سبحانه وتعالى في التبليغ بالكيفية التي أمر بها؛ فهل هناك بعد هذا أمرٌ للرسول صلى الله وبارك عليه وآله بمتابعة الناس لتنفيذ هذه الشرائع؟ يمكننا القول بالإيجاب، ولكن المتابعة أيضاً وضَّحها الله سبحانه وتعالى ولم يتركها للاجتهاد، وهي لا تعدو تذكير المؤمنين فقط، قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ  لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}(99)؛ أما مَن كفر، برفضه للدين، فلا سُلطةَ عليه، ويُترَك وشأنه {وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}(100)، فالله سبحانه هو الذي يتولّى جزاءه في الآخرة، وليس في هذه الدنيا، ما لم يُبادِر بالاعتداء على رسله، قال تعالى: {إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ  فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ  إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}(101) فإنّ عذاب الأمم في الدنيا لم ينزل عليهم بسبب كفرهم، بل لأنّهم همَّوا بإيذاء رسلهم {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ}(102) {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا···}(103) لينتفي الإكراه والتَسَلُّط والعقاب في الدنيا باسم الدين على من يكفر أو يرفض تنفيذ الأوامر الشرعية التعبُّديَّة، اجتماعيةً كانت أو شخصيّة· وأعني بالتعبُّديَّة الاجتماعية الالتزام بالشرع - أي بما أنزل الله - في المعاملات كالبيع والجنايات والإرث وعموم العقود· وأعني بالشخصيّة تلك التي بين العبد وربِّه من العبادات كالصوم والصلاة والحج والزكاة· والزكاة عبادةٌ شخصية ولكنها تتعلق بالمجتمع مِن حيث إنفاقُها لا من حيث إخراجُها، ويجب على المؤمن إخراجها ويجب ألّا يُكره على ذلك كما يحصل من جَهلَة جامعي الزكاة، ويظنّونه تمسُّكاً بالدين! وما جاء هذا الفهم الخاطئ في الإكراه في أخذ الزكاة إلا من أولئك الذين اتَّخَذوا أو ظَنّوا أنّ الإسلام هو الدولة· أمّا قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}(104) فلا يُفهَم منه الإكراه في أخذِ الصدقة على الإطلاق، لأنّه لا إكراه في الدين أصلاً كما أمَر الله سبحانه، فكيف يجوز الإكراه في جزءٍ منه كالزكاة؟! إنَّ ما يُفهَمُ من الآية هو استلام ما يُخرجونه طواعيةً مِن أموالِهم مِن زكاة؛ قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}(105)، فالله سبحانه لا يأخذها كِفاحاً وقَسراً، بل المقصود هو أن الله سبحانه هو الذي يأخذها حين يُخرِجها العَبدُ طواعية· وبَيَّن النبي صلى الله وبارك عليه وآله عَدَم أخْذِ الزكاة بالإكراه وذلك برفضه قبولها ممّن سبق وأحجم عن إخراجها، وجَعَل ذلك عقوبةً له(106)· وهذا يوضح أنّ التقصير، أو الامتناع عن أداءِ الأمور التعبُّدية الشخصية تكون المُحاسَبة والعقاب عليه عند الله في الآخرة فهو الحاكم بشريعته، وحكمه مؤجل - وإن شاء عجل به - ولا وكيل عنه في الدنيا، ولا يكون التقصير في الدين أو رَفضُه سبباً لحاكم أو أمير ليتسلط به على إنسانٍ في هذه الدنيا لأنّ هذه العبادات بين العبد وربّه· كما أنّ النبي صلى الله وبارك عليه وآله أمر عامله للزكاة أن يُخبِر الناس أنّ الله قد فرض عليهم صدَقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا له بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب(107)، وأمَرَهُ بِرَدِّها على فقرائهم لا الإتيان بها إليه· وأخْذُ النبي للزكاة لم يكن لِكَونِه حاكماً أو سلطاناً - حيث إنه لم يؤمر بغيرِ التبليغِ بالدين كُلِّه الذي ينعدمُ فيه الإكراه - إنما لأنه هو الأقدر على توزيعها، كما أنها مُحرَّمةٌ عليه وعلى آل بيته صلى الله وبارك عليه وآله· ولم يُجبِر أحداً على إخراجها حتى نزول قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}(108)· فسدّ بذلك باب التشريع في الدين - لاكتماله - ومَن يرى غير ذلك فإنه يتّهم النبي صلى الله وبارك عليه وآله بعدم إكمال تبيين ما أُرسِل به، وينظر إلى مَن هو أرجح منه عقلاً ليُضيف أو لِيَنتقِص مما ترك النبيُ الناسَ عليه!! وليقول إنّ إكراهَ الناسِ وإجبارِهم على دَفعِ الزكاة من الحاكم أفضلُ مما فَعَلَهُ رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله في عَدَمِ إكراهِ الناس على دَفعِها!! وليعلم أنّ ذلك ليس هو الإسلام الذي جاء به محمدٌ صلى الله وبارك عليه وآله، وسَمِّهِ ما شئت؛ لأنه تشريعٌ مِن حاكمٍ مدني، وليس تشريعاً مِن النبي المعصوم صلى الله وبارك عليه وآله· وليست الزكاة هي بيت مال المسلمين - كما يحلو تسميتها بذلك مِن أصحاب السلطان ليقولوا إنّ الإسلام دولة و ليجعلوا للحاكم حقّ التصرف في مال الزكاة وصرفه في غير ما حدده الله سبحانه باجتهادٍ مِن هواهم، ويظنونه من الدين وهو تعدٍّ على حدود الله وشرعه - إنما هي حقُّ الفقراء المنصوصِ عليهم في كتاب الله لا غير، ولا اجتهاد مع النص المُحَدّد·

Page 10

دولة أم دعوة ؟

لا تتعدى المتابعة على القيام بشرائع الرسالة التذكير، قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(109)· أما الإكراه على التنفيذ، والسيطرة على الناس مِن أجل دعوتهم إلى الله فهي أمورٌ لم يشرعها الله سبحانه ولا أصل لها في رسالة محمد صلى الله وبارك عليه وآله· ولا يُمكن القول بأنّ الإكراه والإجبار من أساليب الدعوة بحالٍ من الأحوال، إنما هو تسلُّط وقهرٌ لا مجال فيه لعمل العقل بحرية بالقَبول أو الرَّفض، كما في الدعوة والتي هي التبليغ والتذكير لا أكثر، قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}(110)· ولم يُعطِ الله سبحانه رسوله صلى الله وبارك عليه وآله وأعلم الناس بدينه ورسالته حق التسَلُّط على الناس، ليُكرههم على ما جاء به من عند الله، لأنّ الإكراه لا يدلّ على حُسن الخُلُق وهو أبعد ما يكون عن عظيمها· فخَلا طبع النبي صلى الله وبارك عليه وآله مِن الإكراه، مُتَناسِباً لِما أُرسِلَ به مِن الدين· فكيف يجوز لغيره - على نقصِ علمِهم - إكراه الناس على الدين؟

فخُلِقَ النبي صلى الله وبارك عليه وآله فاقداً لِغلظة القلب {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}(111)، مُتَدثِّراً بأخلاقٍ بَلَغَت مِن العَظَمَةِ أن مَدَحَهُ بها مَن خَلَقَه {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(112) -ولذلك قيل له: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}(113) بعظيم الأخلاق - التي تنعدم فيها الغلظة المطلوبة للإنذار - لابد لك من التّحلّي والتّجلّي بلبس نوع من الجلال لتُنذر الناس {قُمْ فَأَنذِرْ}(114)· فالأمر يتعلق بلباس التقوى، قال تعالى {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ}(115)، لا بكثير من الملابس والأغطية خوفاً ووجلاً من المَلَك كما يرى البعض الذين جهلوا قَدرَه صلى الله وبارك عليه وآله، ناسين أو مُتَناسين قول الله جلَّ شأنه: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}(116)،· ويرى البعض - جَهلاً - أن هِجرة الرسول صلى الله وبارك عليه وآله ليلاً ما كانت بمستوى شجاعة مَن هاجَرَ نهاراً وقال: من أراد أن تثكله أمه، ويوتم ولده، ويرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي(117) بينما المُحَقِّقُ في الأمر يَجِد أن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله خَرَجَ على أربعين رجُلاً يريدون دمه، فَحَثى التُراب على رؤوسهم جميعاً، الواحد تلو الآخر· فهل يدُل ذلك على الخوفِ منهُم؟! وأي شَجاعةٍ تُطلَب في مِثلِ هذا الموقِف أكثر مما فَعَلَه رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله؟ ليَعلم مَن جَهِل أن لا أحد يفوق النبي صلى الله وبارك عليه وآله شجاعةً، وقال سيدنا علي عليه السلام: ثم كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله [ فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه(118)· وليَعلم كذلك مَن جهل قَدر رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله أنَ كُل ما يَفعله النبي صلى الله وبارك عليه وآله إنما هو رحمة للعالمين· فكَبُّ التُراب على رؤوسهم كان رحمةً بهم، إذ أنزَلَ عليهم النوم حتى لا يستيقظوا فيسعوا لأذى النبي فيأخُذهُم الله أخذَ عزيز مُقتَدِر، فإنّ الله سبحانه يغار على رسوله حتى مِن سقوط الذَُباب عليه· فقد كان مِن عظيم خُلُقِه أنه إذا قيل له ادعُ على الكفار قال: إن الله تعالى لم يبعثني طعّاناً ولا لعّاناً، ولكن بعثني داعيةً ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون(119)· فهجرة النبي صلى الله وبارك عليه وآله لم تكُن عن خوف، فإن الله نفى الخوف عن أنبيائه، ولم تكُن لغرض إنشاء دولة في المدينة لِنشر الرسالة؛ إذ ليس عليه إلا البلاغ؛ لذلك فإن هجرته كانت رحمةً لأهل مكة حتى لا ينزل الله عليها العذاب {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ}(120)؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يُنزل عذابه على الناس إذا هموا بإيذاء رسله، قال تعالى: {··· وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}(121) وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}(122)· وكذلك كانت هجرته رحمةً لأهل المدينة الذين استقبلوه فرحين بمقدَمِه الشريف، فسبقوا المهاجرين بالإيمان {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(123)، كذلك كانت رحمةً على الأرض التي ضَمَّته صلى الله وبارك عليه وآله حيثُ صارت أفضل من جنات الله العُلى· أما ما جاء عن خوف موسى عليه السلام من الله فسببه أنه سبق أن قتل نفساً قبل الرسالة، فكان الاستثناء الإلهي {··· إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ  إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(124)·