Page 1
المقــدمة
يشمل هذا الكتاب المباحث التالية :
المبحث الأول: ملامح انتخابية.
المبحث الثاني: الدكتور مصطفى السباعي.
المبحث الثالث: الأستاذ محمد المبارك.
المبحث الرابع: الأستاذ عصام العطار.
المبحث الخامس: الأستاذ سعيد حوى.
المبحث السادس: ميثاق التحالف الوطني لتحرير سوريا.
استهلال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدًا ، عبده ورسوله. أدى الأمانة ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما بعد..
إن تجربة الإسلاميين النيابيين في سوريا غنية بالمواقف والأحداث. وهي تجربة قديمة، يعود تاريخها إلى الأربعينيات؛ ولذلك فهي حافلة بالشخصيات والمناورات والتحليلات...
لقد تعرض هذا الكتاب إلى مواقف بعض الرموز الإسلامية المهمة في سوريا، وإننا رغم احترامنا لتلك الشخصيات الإسلامية المهمة والتي قدمت خدمات جليلة للعمل الإسلامي، فإن ذلك لم يكن عائقًا أمامنا لدى حديثنا عن مواقف تلك الشخصيات فيما يخص الديمقراطية والمشاركات النيابية.
وإن حديثنا المشـار إليه لا ينتقص من تلك الشخصيات الإسـلامية قدرها ، ولا يحط من مقامها، ولا يصادر إنجازاتها، ولكننا نستقي من معين قولة الإمام مالك رحمه الله رحمة واسعة : «كلنا يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر»، يعني: رسول الله .
يشمل هذا الكتاب المباحث التالية :
المبحث الأول: ملامح انتخابية.
المبحث الثاني: الدكتور مصطفى السباعي.
المبحث الثالث: الأستاذ محمد المبارك.
المبحث الرابع: الأستاذ عصام العطار.
المبحث الخامس: الأستاذ سعيد حوى.
المبحث السادس: ميثاق التحالف الوطني لتحرير سوريا.
استهلال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدًا ، عبده ورسوله. أدى الأمانة ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما بعد..
إن تجربة الإسلاميين النيابيين في سوريا غنية بالمواقف والأحداث. وهي تجربة قديمة، يعود تاريخها إلى الأربعينيات؛ ولذلك فهي حافلة بالشخصيات والمناورات والتحليلات...
لقد تعرض هذا الكتاب إلى مواقف بعض الرموز الإسلامية المهمة في سوريا، وإننا رغم احترامنا لتلك الشخصيات الإسلامية المهمة والتي قدمت خدمات جليلة للعمل الإسلامي، فإن ذلك لم يكن عائقًا أمامنا لدى حديثنا عن مواقف تلك الشخصيات فيما يخص الديمقراطية والمشاركات النيابية.
وإن حديثنا المشـار إليه لا ينتقص من تلك الشخصيات الإسـلامية قدرها ، ولا يحط من مقامها، ولا يصادر إنجازاتها، ولكننا نستقي من معين قولة الإمام مالك رحمه الله رحمة واسعة : «كلنا يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر»، يعني: رسول الله .
Page 2
لقد تحريت في كلامي عن التجربة الإسلامية الديمقراطية السورية أن أسوق النصوص من مظانها، وأستقصي المقالات من مكامنها، وأبرز الدروس والعبر والعظات التي ينبغي لنا أن نتوقف عندها، ونملأ بها العين والقلب والعقل.
ولا شك أن دراسة من هذا النوع، وبهذا الحجم، لن تخلو من عوارض النقص البشري، لذلك فإنني أرحب بكل نقد أو توجيه أو تصحيح أو تقويم أو إضافة أو مزيد تحليل وسبر، فإن السير نحو التكامل لا يتم إلا بذلك.
أخي القارئ الحبيب: إن هذا الكتاب الذي بين يديك يتضمن هذه المقدمة، ثم ستة مباحث وخاتمة.
أما المبحث الأول فهو بعنوان ملامح انتخابية.
وأما المبحث الثاني فقد خصصته للحديث عن الدكتور مصطفى السباعي ودوره في الحياة النيابية السورية.
وخصصت المبحث الثالث للحديث عن الأستاذ محمد المبارك وأثره في بث الروح القومية في فكر الإخوان.
ثم عقدت مبحثين للحديث عن الأستاذ عصام العطار والأستاذ سعيد حوى فيما يتعلق بموضوعنا.
وختمت الدراسة بمبحث عن ميثاق التحالف الوطني لتحرير سوريا.
وأخيرًا ذيلت الكتاب بخاتمة، لخصت فيها أهم الدروس المستقاة من تجربة الإسلاميين المجلسيين السوريين.
إنني أدعو الإخوة الدعاة إلى قراءة هذه الدراسة بتجرد كامل، ناءٍ عن العصبية الحزبية وثقل الانتماءة الوطنية. سائلاً المولى القدير أن ينير لنا الدرب، ويضيء لنا الطريق، ويهدينا سواء السبيل.
ما كان من الحق فمن الله تعالى وحده لا شريك له، فله الحمد وله الفضل والمنة والثناء الحسن. وما كان سوى ذلك فمن الشيطان ومن نفسي وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ولا شك أن دراسة من هذا النوع، وبهذا الحجم، لن تخلو من عوارض النقص البشري، لذلك فإنني أرحب بكل نقد أو توجيه أو تصحيح أو تقويم أو إضافة أو مزيد تحليل وسبر، فإن السير نحو التكامل لا يتم إلا بذلك.
أخي القارئ الحبيب: إن هذا الكتاب الذي بين يديك يتضمن هذه المقدمة، ثم ستة مباحث وخاتمة.
أما المبحث الأول فهو بعنوان ملامح انتخابية.
وأما المبحث الثاني فقد خصصته للحديث عن الدكتور مصطفى السباعي ودوره في الحياة النيابية السورية.
وخصصت المبحث الثالث للحديث عن الأستاذ محمد المبارك وأثره في بث الروح القومية في فكر الإخوان.
ثم عقدت مبحثين للحديث عن الأستاذ عصام العطار والأستاذ سعيد حوى فيما يتعلق بموضوعنا.
وختمت الدراسة بمبحث عن ميثاق التحالف الوطني لتحرير سوريا.
وأخيرًا ذيلت الكتاب بخاتمة، لخصت فيها أهم الدروس المستقاة من تجربة الإسلاميين المجلسيين السوريين.
إنني أدعو الإخوة الدعاة إلى قراءة هذه الدراسة بتجرد كامل، ناءٍ عن العصبية الحزبية وثقل الانتماءة الوطنية. سائلاً المولى القدير أن ينير لنا الدرب، ويضيء لنا الطريق، ويهدينا سواء السبيل.
ما كان من الحق فمن الله تعالى وحده لا شريك له، فله الحمد وله الفضل والمنة والثناء الحسن. وما كان سوى ذلك فمن الشيطان ومن نفسي وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
Page 3
المبحث الأول
مـلامـح انـتـخـابـية
إن تجربة الإسلاميين السوريين في الانتخابات قديمة، لكنها ليست بقدم تاريخ بدء المجالس النيابية نفسها في سوريا.
ولقد جرت في ذلك البلد انتخابات كثيرة للفوز بعضوية تلك المجالس النيابية المتعاقبة. ولم تخل طريقة تلك الانتخابات ولا نتائجها من الملامح المعروفة التي تنطبع بها الانتخابات عادة.
وأسوق للتدليل على ذلك نصين مُقتطفين، تتبيَّن من خلالهما طبيعة الأصابع التي تلعب في الظلام لتكيف النتائج النهائية للانتخابات، وتنجلي منهما أيضًا طبيعة الإفرازات المتعددة الألوان والأشكال التي عليها معول التشريع لمسلمي ذلك البلد.
المقتطف الأول: قال خالد العظم في مذكراته وهو يصف انتخابات عام (1943م): «وجرى الانتخاب، ففاز بالنيابة عن دمشق السادة شكري القوتلي وسعيد الغزي ونصوح النجاري وجميل مردم...» إلى أن قال: «وعند فرز الأصوات ظهر أن سعيد الغزي نال عددًا يفوق ما ناله شكري القوتلي، فكانت مفاجأة غير سارة. ولم ترتح اللجنة لإعلان النتيجة الصحيحة. فكيف يصح أن ينال رئيس القائمة وزعيم البلاد أصواتاً أقل من أحد أفراد قائمته؟! فاضطر الأعضاء لإنقاص عدد أصوات الغزي بما يجعلها تلي عدد أصوات القوتلي، وبالطبع؛ فإن هذا التعديل والتبديل لا يجوز تسميتهما تزويرًا، بل تجميلاً!! يشبه تجميل العروس يوم عرسها، حتى لا تفوقها غيرها جمالاً وحسناً، فتزوغ عين العريس عنها وتنصرف إلى أوجه المدعوات الحسان» (1).
رغم أن هذا النص ليس بحاجة إلى تعليق، إلا أنه يلقي ضوءًا على قضيتين مهمتين وهما:
1- أن الانتخابات قلما تنجو من التزوير.
2- أن ممارسة التزوير تتم على أعلى المستويات، والتي لا تستحي أن تسمي تزويرها تجميلاً.
المقتطف الثاني: في كتابه «ذكريات نائب» كتب نجيب كحالة عن نتائج انتخابات عام (1947م) قائلاً: «نظرت حوالي، وكان ما رأيته فقط رجالاً لا يوجد بينهم شيء ولا يشتركون في أية مبادئ، ولا يربطهم تنظيم حزبي. وقد وصلوا إلى البرلمان بأساليب خادعة مقنعة من انتخابات فوضوية تحت ستار الحرية، فكان بعضهم أميًا، وآخرون أدباء مرموقون، وكانت لغة بعضهم الكردية أو الأرمنية، ولم يعرف آخرون سوى اللغة التركية فقط. إلا أن بعضهم ارتدى الطربوش، وآخرون اعتمروا الكوفية. وكان بينهم رجال من البادية أو المدينة. ولم يزد الأمر عن مسرحية وتمثيل أدوار» (2).
ولنا مع هذا النص المقتطف الوقفات السريعة التالية:
1- إن المجلس النيابي عبارة عن تشكيلة غير متجانسة المبادئ. بل هو عبارة عن مجمع لجميع المبادئ الأرضية وغير الأرضية بحسب معتقدات النواب الفائزين في الانتخابات. إن طبيعة تركيب هذا المجلس من حيث انتماءات أعضائه تنأى به عن الاحتكام إلى شريعة الله والانصياع لأوامره. بل هي مضادة لذلك، مثبتة للأحكام الوضعية، منبعثة من مجرد الاجتهادات البشرية المحضة.
مـلامـح انـتـخـابـية
إن تجربة الإسلاميين السوريين في الانتخابات قديمة، لكنها ليست بقدم تاريخ بدء المجالس النيابية نفسها في سوريا.
ولقد جرت في ذلك البلد انتخابات كثيرة للفوز بعضوية تلك المجالس النيابية المتعاقبة. ولم تخل طريقة تلك الانتخابات ولا نتائجها من الملامح المعروفة التي تنطبع بها الانتخابات عادة.
وأسوق للتدليل على ذلك نصين مُقتطفين، تتبيَّن من خلالهما طبيعة الأصابع التي تلعب في الظلام لتكيف النتائج النهائية للانتخابات، وتنجلي منهما أيضًا طبيعة الإفرازات المتعددة الألوان والأشكال التي عليها معول التشريع لمسلمي ذلك البلد.
المقتطف الأول: قال خالد العظم في مذكراته وهو يصف انتخابات عام (1943م): «وجرى الانتخاب، ففاز بالنيابة عن دمشق السادة شكري القوتلي وسعيد الغزي ونصوح النجاري وجميل مردم...» إلى أن قال: «وعند فرز الأصوات ظهر أن سعيد الغزي نال عددًا يفوق ما ناله شكري القوتلي، فكانت مفاجأة غير سارة. ولم ترتح اللجنة لإعلان النتيجة الصحيحة. فكيف يصح أن ينال رئيس القائمة وزعيم البلاد أصواتاً أقل من أحد أفراد قائمته؟! فاضطر الأعضاء لإنقاص عدد أصوات الغزي بما يجعلها تلي عدد أصوات القوتلي، وبالطبع؛ فإن هذا التعديل والتبديل لا يجوز تسميتهما تزويرًا، بل تجميلاً!! يشبه تجميل العروس يوم عرسها، حتى لا تفوقها غيرها جمالاً وحسناً، فتزوغ عين العريس عنها وتنصرف إلى أوجه المدعوات الحسان» (1).
رغم أن هذا النص ليس بحاجة إلى تعليق، إلا أنه يلقي ضوءًا على قضيتين مهمتين وهما:
1- أن الانتخابات قلما تنجو من التزوير.
2- أن ممارسة التزوير تتم على أعلى المستويات، والتي لا تستحي أن تسمي تزويرها تجميلاً.
المقتطف الثاني: في كتابه «ذكريات نائب» كتب نجيب كحالة عن نتائج انتخابات عام (1947م) قائلاً: «نظرت حوالي، وكان ما رأيته فقط رجالاً لا يوجد بينهم شيء ولا يشتركون في أية مبادئ، ولا يربطهم تنظيم حزبي. وقد وصلوا إلى البرلمان بأساليب خادعة مقنعة من انتخابات فوضوية تحت ستار الحرية، فكان بعضهم أميًا، وآخرون أدباء مرموقون، وكانت لغة بعضهم الكردية أو الأرمنية، ولم يعرف آخرون سوى اللغة التركية فقط. إلا أن بعضهم ارتدى الطربوش، وآخرون اعتمروا الكوفية. وكان بينهم رجال من البادية أو المدينة. ولم يزد الأمر عن مسرحية وتمثيل أدوار» (2).
ولنا مع هذا النص المقتطف الوقفات السريعة التالية:
1- إن المجلس النيابي عبارة عن تشكيلة غير متجانسة المبادئ. بل هو عبارة عن مجمع لجميع المبادئ الأرضية وغير الأرضية بحسب معتقدات النواب الفائزين في الانتخابات. إن طبيعة تركيب هذا المجلس من حيث انتماءات أعضائه تنأى به عن الاحتكام إلى شريعة الله والانصياع لأوامره. بل هي مضادة لذلك، مثبتة للأحكام الوضعية، منبعثة من مجرد الاجتهادات البشرية المحضة.
Page 4
2- إن هؤلاء الأعضاء المنتخبين لم يصلوا إلى سدة المجلس عن طريق انتخاب حرٍّ نزيه، بل وصلوا إليه «بأساليب خادعة مقنعة» كما قال نجيب كحالة. ولسنا نعجب من ذلك، بل إن هذه الأساليب هي الوسيلة المرتبطة عادة بالانتخابات النيابية. فأحيانًا تكون ظاهرة بارزة، وأحيانًا تكون مستترة خفية.
3- إن الذي يمارس الخداع المقنع ليصل إلى المجلس التشريعي هو نائب فاقد للأمانة، وغير مؤهل للثقة، ومعدوم الصدق. فكيف يكون من هذه مواصفاته ممثلاً للشعب، مدافعًا عن مصالحه، داعيًا إلى رفاهيته؟! إن هؤلاء النواب، بتلك المواصفات لن يكونوا إلا مشرعين لما فيه مصلحتهم الذاتية الأنانية أو مصلحة أحزابهم الأرضية الهدامة.
4- إن الحرية ما هي إلا دثار يتدثر به أولئك الداعون للديمقراطية ليمرروا من تحته مصالحهم الخاصة، ويجعلوا من الديمقراطية وسيلة يتسترون بها للوصول إلى أهدافهم المغرضة وغاياتهم الضالة.
5- إن الصورة التي رسمها نجيب كحالة لأولئك النواب القابعين على كراسي المجلس النيابي هي بحق لا تتجاوز كونها مسرحية وتمثيل أدوار.
أيصح بعد ذلك أن يكون هؤلاء مشرعين لشعبهم؟!
إن الإسلاميين الذين يلهثون وراء المجالس النيابية لن يفلحوا في تغيير تركيبة المجالس النيابية على خلاف ما ذكره نجيب كحالة.
فتلك الوصفة التي ذكرها لمجلس نواب سوريا هي صورة طبق الأصل عن مجمل المجالس النيابية في بلاد العالم الثالث وغيرها. وليس فيها إلا تغيير الألوان وتبادل الأدوار.
هكذا كانت تجري الانتخابات في سوريا، وهي تجري كذلك بنفس المضمون في كل البلدان وإن تعددت أشكالها الخارجية.
والذي يهمنا هو مشاركة الإسلاميين السوريين في تلكم الانتخابات المتتالية.
إن الإسلاميين السوريين كانوا ممثلين غالبًا بجماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي أعلن تأسيسها الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - ، وذلك في عام (1945م). وهو الذي انتخبته الهيئة التأسيسية للجماعة فيما بعد مراقبًا عامًا لها مدى الحياة، وبايعته على ذلك (3).
وقد ورد ذكر مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات عام (1947م) في كتاب «الصراع على سوريا». ومما جاء فيه: «وقام الفرع السوري لحزب الإخوان المسلمين، وقد انتظم في جبهة اشتراكية إسلامية في أوائل عام (1949م)، بالدفاع بدوره عن الجمهورية إزاءالمطامح العراقية. فقام مرشحوها بدور حسن في دمشق في انتخابات (1947م)، وبرزت كقوة سياسية يحسب حسابها، ومعارضة للزعيم» (4).
وفي عام (1949م) جرت انتخابات جديدة، خاضت غمارها جماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى الأحزاب الأخرى، وهي حزب الشعب والحزب الوطني وحزب البعث والحزب القومي السوري والحزب الاشتراكي التعاوني والمستقلون.
يقول محمد المجذوب عن تلك الانتخابات في كتابه «علماء ومفكرون عرفتهم»، في مضمون كلامه عن الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - : «وفي عام (1949م)، بعد انحسار ظلمات الانتداب الفرنسي عن سماء سوريا، لم يكن بد من تنظيم قواعد الدولة بإقامة المؤسسات الدستورية الضرورية، فاقتضى ذلك إجراء انتخابات، تقدم البلاد بها ممثليها لوضع قانونها الأساسي. وكان على رجال العمل الإسلامي في دمشق ألا يغيبوا عن هذه المناسبة التي كان لهم الفضل الأكبر في قيادة البلاد إليها. فقرروا خوض الغمرة بطائفة من الرجال الموثوقين ليشاركوا في توجيه المستقبل ضمن الخط الإسلامي. وقدر الله النجاح لهؤلاء بالكثرة من الأصوات، وفي مقدمتهم الرجل الذي عرفته سوريا كلها من خلال نشاطه الذي حرك الخامد من العقول والضمائر. وسرعان ما لمع نجم الفقيد- أي: الدكتور السباعي- داخل المجلس التأسيسي كما كان خارجه، فاختير نائبًا لرئيسه. وكان أحد التسعة الذين عهد إليهم بوضع مسودة الدستور» (5).
وقد أرَّخ خالد العظم في مذكراته لهذه الانتخابات فقال: «وهكذا أسفرت الانتخابات عن فوز المنتسبين رسميًا إلى حزب الشعب بما لا يزيد على الأربعين مقعدًا. وفازت جماعة الإخوان المسلمين بأربعة مقاعد. أما المقاعد الأخرى، وكانت نحو سبعين مقعدًا، فقد ظفر بها حياديون، كنواب حماة والجزيرة وبعض الأقضية، فضلاً عن سامي كبارة وجماعته» (6).
3- إن الذي يمارس الخداع المقنع ليصل إلى المجلس التشريعي هو نائب فاقد للأمانة، وغير مؤهل للثقة، ومعدوم الصدق. فكيف يكون من هذه مواصفاته ممثلاً للشعب، مدافعًا عن مصالحه، داعيًا إلى رفاهيته؟! إن هؤلاء النواب، بتلك المواصفات لن يكونوا إلا مشرعين لما فيه مصلحتهم الذاتية الأنانية أو مصلحة أحزابهم الأرضية الهدامة.
4- إن الحرية ما هي إلا دثار يتدثر به أولئك الداعون للديمقراطية ليمرروا من تحته مصالحهم الخاصة، ويجعلوا من الديمقراطية وسيلة يتسترون بها للوصول إلى أهدافهم المغرضة وغاياتهم الضالة.
5- إن الصورة التي رسمها نجيب كحالة لأولئك النواب القابعين على كراسي المجلس النيابي هي بحق لا تتجاوز كونها مسرحية وتمثيل أدوار.
أيصح بعد ذلك أن يكون هؤلاء مشرعين لشعبهم؟!
إن الإسلاميين الذين يلهثون وراء المجالس النيابية لن يفلحوا في تغيير تركيبة المجالس النيابية على خلاف ما ذكره نجيب كحالة.
فتلك الوصفة التي ذكرها لمجلس نواب سوريا هي صورة طبق الأصل عن مجمل المجالس النيابية في بلاد العالم الثالث وغيرها. وليس فيها إلا تغيير الألوان وتبادل الأدوار.
هكذا كانت تجري الانتخابات في سوريا، وهي تجري كذلك بنفس المضمون في كل البلدان وإن تعددت أشكالها الخارجية.
والذي يهمنا هو مشاركة الإسلاميين السوريين في تلكم الانتخابات المتتالية.
إن الإسلاميين السوريين كانوا ممثلين غالبًا بجماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي أعلن تأسيسها الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - ، وذلك في عام (1945م). وهو الذي انتخبته الهيئة التأسيسية للجماعة فيما بعد مراقبًا عامًا لها مدى الحياة، وبايعته على ذلك (3).
وقد ورد ذكر مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات عام (1947م) في كتاب «الصراع على سوريا». ومما جاء فيه: «وقام الفرع السوري لحزب الإخوان المسلمين، وقد انتظم في جبهة اشتراكية إسلامية في أوائل عام (1949م)، بالدفاع بدوره عن الجمهورية إزاءالمطامح العراقية. فقام مرشحوها بدور حسن في دمشق في انتخابات (1947م)، وبرزت كقوة سياسية يحسب حسابها، ومعارضة للزعيم» (4).
وفي عام (1949م) جرت انتخابات جديدة، خاضت غمارها جماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى الأحزاب الأخرى، وهي حزب الشعب والحزب الوطني وحزب البعث والحزب القومي السوري والحزب الاشتراكي التعاوني والمستقلون.
يقول محمد المجذوب عن تلك الانتخابات في كتابه «علماء ومفكرون عرفتهم»، في مضمون كلامه عن الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - : «وفي عام (1949م)، بعد انحسار ظلمات الانتداب الفرنسي عن سماء سوريا، لم يكن بد من تنظيم قواعد الدولة بإقامة المؤسسات الدستورية الضرورية، فاقتضى ذلك إجراء انتخابات، تقدم البلاد بها ممثليها لوضع قانونها الأساسي. وكان على رجال العمل الإسلامي في دمشق ألا يغيبوا عن هذه المناسبة التي كان لهم الفضل الأكبر في قيادة البلاد إليها. فقرروا خوض الغمرة بطائفة من الرجال الموثوقين ليشاركوا في توجيه المستقبل ضمن الخط الإسلامي. وقدر الله النجاح لهؤلاء بالكثرة من الأصوات، وفي مقدمتهم الرجل الذي عرفته سوريا كلها من خلال نشاطه الذي حرك الخامد من العقول والضمائر. وسرعان ما لمع نجم الفقيد- أي: الدكتور السباعي- داخل المجلس التأسيسي كما كان خارجه، فاختير نائبًا لرئيسه. وكان أحد التسعة الذين عهد إليهم بوضع مسودة الدستور» (5).
وقد أرَّخ خالد العظم في مذكراته لهذه الانتخابات فقال: «وهكذا أسفرت الانتخابات عن فوز المنتسبين رسميًا إلى حزب الشعب بما لا يزيد على الأربعين مقعدًا. وفازت جماعة الإخوان المسلمين بأربعة مقاعد. أما المقاعد الأخرى، وكانت نحو سبعين مقعدًا، فقد ظفر بها حياديون، كنواب حماة والجزيرة وبعض الأقضية، فضلاً عن سامي كبارة وجماعته» (6).
Page 5
وقد ذكر العظم أن من بين الأربعة الذين فازوا عن الإخوان المسلمين مصطفى السباعي ومحمد المبارك.
وأما باتريك سيل في كتابه «الصراع على سوريا» (7) فقد ذكر فوز الإخوان المسلمين، معبرًا عنهم باسم الكتلة الإسلامية الاشتراكية. كما ذكر أعداد المقاعد التي فازت فيها كل جماعة. ولا بأس من ذكرهم هاهنا لصلة ذلك بالبحث من حيث إلقاء الضوء على التركيبة العجيبة التي تتألف منها المجالس النيابية عادة:
المستقلون، بمن فيهم (9) نواب للقبائل (31) .
مستقلون من أصدقاء حزب الشعب (20) .
حزب الشعب (43) .
حزب البعث (1) .
الحزب الوطني (13) .
الحزب القومي السوري (1) .
الحزب الاشتراكي التعاوني (1) .
الكتلة الإسلامية الاشتراكية (4) .
المجموع: (114) نائبًا.
ومما يلفت النظر أن حزب البعث الذي فاز بمقعد واحد في هذه الانتخابات، فاز بـ(22) مقعدًا في انتخابات عام (1954م)، ثم سيطر على الحياة السياسية في سوريا إلى عهد الوحدة، ثم استحوذ على زمام السلطة منذ آذار (1963م) وحتى لحظة كتابة هذه السطور.
وقد شارك الإسلاميون في انتخابات عام (1954م) تحت اسم الكتلة الإسلامية، وفازوا بخمسة مقاعد.
والذين فازوا هم:
عبد الرؤوف أبو طوق. عدنان خوام.
محمد أبو الخير القهوجي. محمد المبارك.
مصطفى الزرقا (8).
من مجموع (141) نائبًا.
وقد ألف فارس الخوري الوزارة على إثر تلك الانتخابات.
يقول خالد العظم: «وجاءني الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق وراح يستنكر تولي الخوري رئاسة الوزراء. ثم أقسم على أنه يقطع يده ولا يقترع له بالثقة. لكن الله ستر، فمنح أبو طوق الحكومة الثقة ولم يقطع يده!!» ( 9).
لم يحقق الإسلاميون، جماعة الكتلة الإسلامية، تقدمًا يذكر، بل تقهقرت نسبة عددهم من (4) نواب من مجموع (114) نائبًا في انتخابات (1949م)، إلى (5) نواب من مجموع (141) نائبًا في انتخابات (1954م). وقد حافظوا على هذا العدد في انتخابات عام (1958م).
لقد كانت هذه المجالس تصنع صناعة خاصة، يتكرس من خلالها نفوذ المتنفذين، ولا تعبّر في الحقيقة عن التطلعات الشعبية، فهي أشبه ما تكون بالمجالس الصـورية ، وإن احتدم بين أفرادها النقاش وعلت الأصـوات ، فهي في النهـاية لا تستطيع تجاوز الخط الأحمر الذي وضع لها.
إن معظم المجالس النيابية في العالم الثالث تلاقي عنتًا شديدًا إذا أرادت تعريض وزير للاستجواب، فكيف إذا أرادت حجب الثقة عن الحكومة؟!! إنها ستعجز عن ذلك حتمًا بسبب أن تركيبتها لا تمكنها من خوض ذلك الغمار!!
يقول العظم في مذكراته: «وهنا لابد لي من بيان حقيقة مرة، وهي أن أي وزارة، مهما كان طراز تأليفها، تضمن لنفسها أكثرية أعضاء المجلس. وهذه الأكثرية تزيد أو تنقص، لكنها لا تقل عن النصاب القانوني. ولم يسبق لأي مجلس نيابي منذ بدء الحياة النيابية في سوريا في (1923م) لغاية (1957م) أن أسقط حكومة. إذ كان كل مجلس يضم من الأعضاء عددًا ممن لا يفهمون من النيابة إلا أنها السبيل للحصول على منافع خاصة بهم وبأصدقائهم، وعلى تدعيم مركزهم الانتخابي للعودة إلى المجلس، لا لتحقيق سياسة معينة جيدة أو سيئة، بل لتقويةنفوذهم في بلادهم وتحقيق الإفادة المادية عن طريق تهديد الوزراء بالانتساب إلى المعارضة!!» (10).
وفي عهد الانفصال جرت انتخابات عام (1961م). وفاز فيها من الإخوان المسلمين عن مدينة دمشق كل من عصام العطار وعمر عودة الخطيب وزهير الشاويش. وعن مدينة حلب عبد الفتاح أبو غدة، وعن مدينة حمص محمد علي مشعل وطيب الخحا، وعن اللاذقية نبيل الطويل، وعن داريا سعيد العبار. إضافة إلى ستة من الإسلاميين من مختلف المدن السورية؛ من أبرزهم الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق والشيخ حسين خطاب.
ولقد بذل الإخوان المسلمون في انتخابات ذلك العام جهودًا كبيرة في دعم مرشحيهم. واستنفرت قواعد الإخوان المسلمين عن بكرة أبيها. وملأت بيانات وصور مرشحي الإخوان الجدران والأعمدة، شأنهم في ذلك شأن باقي الأحزاب التي هي بدورها أعدت للانتخابات عدتها.
وهكذا هو شأن جميع الانتخابات الديمقراطية.
وأما باتريك سيل في كتابه «الصراع على سوريا» (7) فقد ذكر فوز الإخوان المسلمين، معبرًا عنهم باسم الكتلة الإسلامية الاشتراكية. كما ذكر أعداد المقاعد التي فازت فيها كل جماعة. ولا بأس من ذكرهم هاهنا لصلة ذلك بالبحث من حيث إلقاء الضوء على التركيبة العجيبة التي تتألف منها المجالس النيابية عادة:
المستقلون، بمن فيهم (9) نواب للقبائل (31) .
مستقلون من أصدقاء حزب الشعب (20) .
حزب الشعب (43) .
حزب البعث (1) .
الحزب الوطني (13) .
الحزب القومي السوري (1) .
الحزب الاشتراكي التعاوني (1) .
الكتلة الإسلامية الاشتراكية (4) .
المجموع: (114) نائبًا.
ومما يلفت النظر أن حزب البعث الذي فاز بمقعد واحد في هذه الانتخابات، فاز بـ(22) مقعدًا في انتخابات عام (1954م)، ثم سيطر على الحياة السياسية في سوريا إلى عهد الوحدة، ثم استحوذ على زمام السلطة منذ آذار (1963م) وحتى لحظة كتابة هذه السطور.
وقد شارك الإسلاميون في انتخابات عام (1954م) تحت اسم الكتلة الإسلامية، وفازوا بخمسة مقاعد.
والذين فازوا هم:
عبد الرؤوف أبو طوق. عدنان خوام.
محمد أبو الخير القهوجي. محمد المبارك.
مصطفى الزرقا (8).
من مجموع (141) نائبًا.
وقد ألف فارس الخوري الوزارة على إثر تلك الانتخابات.
يقول خالد العظم: «وجاءني الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق وراح يستنكر تولي الخوري رئاسة الوزراء. ثم أقسم على أنه يقطع يده ولا يقترع له بالثقة. لكن الله ستر، فمنح أبو طوق الحكومة الثقة ولم يقطع يده!!» ( 9).
لم يحقق الإسلاميون، جماعة الكتلة الإسلامية، تقدمًا يذكر، بل تقهقرت نسبة عددهم من (4) نواب من مجموع (114) نائبًا في انتخابات (1949م)، إلى (5) نواب من مجموع (141) نائبًا في انتخابات (1954م). وقد حافظوا على هذا العدد في انتخابات عام (1958م).
لقد كانت هذه المجالس تصنع صناعة خاصة، يتكرس من خلالها نفوذ المتنفذين، ولا تعبّر في الحقيقة عن التطلعات الشعبية، فهي أشبه ما تكون بالمجالس الصـورية ، وإن احتدم بين أفرادها النقاش وعلت الأصـوات ، فهي في النهـاية لا تستطيع تجاوز الخط الأحمر الذي وضع لها.
إن معظم المجالس النيابية في العالم الثالث تلاقي عنتًا شديدًا إذا أرادت تعريض وزير للاستجواب، فكيف إذا أرادت حجب الثقة عن الحكومة؟!! إنها ستعجز عن ذلك حتمًا بسبب أن تركيبتها لا تمكنها من خوض ذلك الغمار!!
يقول العظم في مذكراته: «وهنا لابد لي من بيان حقيقة مرة، وهي أن أي وزارة، مهما كان طراز تأليفها، تضمن لنفسها أكثرية أعضاء المجلس. وهذه الأكثرية تزيد أو تنقص، لكنها لا تقل عن النصاب القانوني. ولم يسبق لأي مجلس نيابي منذ بدء الحياة النيابية في سوريا في (1923م) لغاية (1957م) أن أسقط حكومة. إذ كان كل مجلس يضم من الأعضاء عددًا ممن لا يفهمون من النيابة إلا أنها السبيل للحصول على منافع خاصة بهم وبأصدقائهم، وعلى تدعيم مركزهم الانتخابي للعودة إلى المجلس، لا لتحقيق سياسة معينة جيدة أو سيئة، بل لتقويةنفوذهم في بلادهم وتحقيق الإفادة المادية عن طريق تهديد الوزراء بالانتساب إلى المعارضة!!» (10).
وفي عهد الانفصال جرت انتخابات عام (1961م). وفاز فيها من الإخوان المسلمين عن مدينة دمشق كل من عصام العطار وعمر عودة الخطيب وزهير الشاويش. وعن مدينة حلب عبد الفتاح أبو غدة، وعن مدينة حمص محمد علي مشعل وطيب الخحا، وعن اللاذقية نبيل الطويل، وعن داريا سعيد العبار. إضافة إلى ستة من الإسلاميين من مختلف المدن السورية؛ من أبرزهم الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق والشيخ حسين خطاب.
ولقد بذل الإخوان المسلمون في انتخابات ذلك العام جهودًا كبيرة في دعم مرشحيهم. واستنفرت قواعد الإخوان المسلمين عن بكرة أبيها. وملأت بيانات وصور مرشحي الإخوان الجدران والأعمدة، شأنهم في ذلك شأن باقي الأحزاب التي هي بدورها أعدت للانتخابات عدتها.
وهكذا هو شأن جميع الانتخابات الديمقراطية.
Page 6
المبحث الثاني
الدكتور مصطفى السباعي
ويشمل فصلين:
الفصل الأول: مصطفى السباعي والدستور.
الفصل الثاني: مصطفى السباعي والعمل السياسي للمرأة.
الفصل الأول :مصطفى السباعي والدستور
الأستاذ مصطفى السباعي - ~ - أشهر من أن يعرَّف. فهو رائد فكر وداعية مفوه. وقد أدى دورًا كبيرًا في المسيرة الإسلامية الحديثة في سوريا.
كتب الأستاذ محمد المبارك، عضو المجمع اللغوي بدمشق، في تأبينه فقال: «لقد كان السباعي أستاذ جيل، وقائد رعيل، وباعث نهضة، وكان خطيب جماهير، ومصلحًا كبيرًا، وعالماً باحثًا، وكاتبًا أديبًا، ومؤلفًا منتجًا، وقلما تجتمع هذه الصفات في رجل واحد، وقد جمعها الله فيه» (11).
وله كتب ومؤلفات مشهورة، منها: «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» و«من روائع حضارتنا» و«اشتراكية الإسلام» و«السيرة النبوية دروس وعبر» و«المرأة بين الفقه والقانون» و«هكذا علمتني الحياة»، وغيرها. وقد بذل السباعي جهودًا كبيرة لإنشاء كلية الشريعة في جامعة دمشق، حيث برزت إلى الوجود عام (1955م). وكان الدكتور السباعي أول عميد لها.
وكان السباعي أيضًا رئيسًا لموسوعة الفقه الإسلامي، وكذلك رئيسًا لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق.
وقد شارك السباعي في حرب فلسطين عام (1948م) قائدًا لكتائب إخوان سوريا. وله مساهمات عديدة وكثيرة في ميدان الدعوة، وددت لو أن المقام يتسع لذكرها.
ولقد كانت للسباعي - ~ - آراء معينة بخصوص النص في الدستور عن أن «دين الدولة الإسلام».
إن مناقشتنا لهذه الآراء لا تمس بحال المكانة المرموقة التي كانت للسباعي في إطار الدعوة إلى الله تعالى. وإن من عادتي التي جريت عليها في هذه الدراسة وغيرها إظهار ما يتبين لي أنه الحق، وإن كان هذا الإظهار ربما أثقل قلوب آخرين، فالحق أحق أن يتبع.
ففيما كان يسمى بمعركة الدستور عام (1950م)، أصدر السباعي بيانًا شاملاً ضمنه وجهة نظره في كثير من المسائل الخاصة بهذا الموضوع. والمقتطفات التي اخترتها لأعلق عليها قد اقتطعتها من ذلك البيان المؤرخ في (21) ربيع الآخر (1369هـ) الموافق (8) شباط(1950م)، والذي نشرت مجلة «حضارة الإسلام» في دمشق نصه كاملاً في عددها الصادر بمناسبة وفاة الدكتور السباعي عليه رحمة الله تعالى (12). والجدير بالذكر أن الذي أسس هذه المجلة هو السباعي نفسه.
إن ذكرنا لهذه القضية هنا متعلق بموضوع المجالس النيابية من حيث كونها منبثقة من نصوص الدستور، ولأنها السلطة التشريعية التي تمارس تشريع القوانين.
يبين السباعي أن هناك أربعة أمور تقتضي أن يكون دين الدولة الإسلام.
الدكتور مصطفى السباعي
ويشمل فصلين:
الفصل الأول: مصطفى السباعي والدستور.
الفصل الثاني: مصطفى السباعي والعمل السياسي للمرأة.
الفصل الأول :مصطفى السباعي والدستور
الأستاذ مصطفى السباعي - ~ - أشهر من أن يعرَّف. فهو رائد فكر وداعية مفوه. وقد أدى دورًا كبيرًا في المسيرة الإسلامية الحديثة في سوريا.
كتب الأستاذ محمد المبارك، عضو المجمع اللغوي بدمشق، في تأبينه فقال: «لقد كان السباعي أستاذ جيل، وقائد رعيل، وباعث نهضة، وكان خطيب جماهير، ومصلحًا كبيرًا، وعالماً باحثًا، وكاتبًا أديبًا، ومؤلفًا منتجًا، وقلما تجتمع هذه الصفات في رجل واحد، وقد جمعها الله فيه» (11).
وله كتب ومؤلفات مشهورة، منها: «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» و«من روائع حضارتنا» و«اشتراكية الإسلام» و«السيرة النبوية دروس وعبر» و«المرأة بين الفقه والقانون» و«هكذا علمتني الحياة»، وغيرها. وقد بذل السباعي جهودًا كبيرة لإنشاء كلية الشريعة في جامعة دمشق، حيث برزت إلى الوجود عام (1955م). وكان الدكتور السباعي أول عميد لها.
وكان السباعي أيضًا رئيسًا لموسوعة الفقه الإسلامي، وكذلك رئيسًا لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق.
وقد شارك السباعي في حرب فلسطين عام (1948م) قائدًا لكتائب إخوان سوريا. وله مساهمات عديدة وكثيرة في ميدان الدعوة، وددت لو أن المقام يتسع لذكرها.
ولقد كانت للسباعي - ~ - آراء معينة بخصوص النص في الدستور عن أن «دين الدولة الإسلام».
إن مناقشتنا لهذه الآراء لا تمس بحال المكانة المرموقة التي كانت للسباعي في إطار الدعوة إلى الله تعالى. وإن من عادتي التي جريت عليها في هذه الدراسة وغيرها إظهار ما يتبين لي أنه الحق، وإن كان هذا الإظهار ربما أثقل قلوب آخرين، فالحق أحق أن يتبع.
ففيما كان يسمى بمعركة الدستور عام (1950م)، أصدر السباعي بيانًا شاملاً ضمنه وجهة نظره في كثير من المسائل الخاصة بهذا الموضوع. والمقتطفات التي اخترتها لأعلق عليها قد اقتطعتها من ذلك البيان المؤرخ في (21) ربيع الآخر (1369هـ) الموافق (8) شباط(1950م)، والذي نشرت مجلة «حضارة الإسلام» في دمشق نصه كاملاً في عددها الصادر بمناسبة وفاة الدكتور السباعي عليه رحمة الله تعالى (12). والجدير بالذكر أن الذي أسس هذه المجلة هو السباعي نفسه.
إن ذكرنا لهذه القضية هنا متعلق بموضوع المجالس النيابية من حيث كونها منبثقة من نصوص الدستور، ولأنها السلطة التشريعية التي تمارس تشريع القوانين.
يبين السباعي أن هناك أربعة أمور تقتضي أن يكون دين الدولة الإسلام.
Page 7
هذه الأمور هي:
• القواعد الديمقراطية.
• المصلحة الداخلية.
• المصلحة القومية.
• المصلحة السياسية.
وقد ذكر السباعي في بيانه تلك الأمور الأربعة تحت عنوان «لماذا يجب أن يكون دين الدولة الإسلام ؟ ».
وتحت عنوان «القواعد الديمقراطية» قال السباعي: «إن القواعد المتبعة في دساتير العالم وأنظمة الأحزاب ومداولات المجالس النيابية، بل في عرف الدنيا جميعًا، أن رأي الأكثرية هو المتبع والمعمول به. فإذا قلنا: إن دين الدولة الإسلام، وهو دين تسعة أعشار السوريين، ودين (98%) من العرب، أنكون في هذا قد تجاوزنا الحق؟!، وأهدرنا المنطق وخالفنا الديمقراطية؟! وهذه هي الدول التي نصت دساتيرها على دين معين إنما اتخذت دين الأكثرية دينها الرسمي في كثير من الأحيان» اهـ.
إن ما ألفت النظر إليه هو أن دعوتنا لهذا الدين، والتي منها النص على أن دين الدولة الإسلام؛ إنما هو نابع من كونه دين الله تعالى الذي ارتضاه للبشر بوحيه لنبيه محمد ، وليس من كونه دين الأكثرية، على أننا لا ننكر أن للأكثرية دورًا بارزًا في تغليب إثبات هذا النص في الدستور على ما سواه، فضلاً عن إهماله. ذلك أن هذا النص، إضافة لكونه معبرًا عن الحق، فإنه كذلك يحفظ حقوق الأكثرية ويصونها.
وتحت عنوان «المصلحة الداخلية» يذكر السباعي أثر نص «دين الدولة الإسلام» على إنفاذ النظم الإسلامية في المجتمع المسلم واستجابته لها فيقول: «فإذا أردنا لهذا الشعب حياة كريمة وتعلقًا بالدولة ودفاعًا عن الوطن، كان النص على أن دين الدولة الإسلام حافزًا للشعب، وهو في أكثريته الساحقة مسلم، أن ينفذ النظم التي تسن له، والأوامر التي تصدر في مصلحته من حكوماته. إذ يرى في ذلك أمر دينيًا محتمًا لا يجوز التخلي عنه» اهـ.
نعم، لقد نجح السباعي - ~ - في إضافة هذا النص، وهو : دين الدولة الإسلام، إلى الدستور السوري، فهل كانت النتائج كما توقعها السباعي ؟!
إن تلك الإضافة لم تغير شيئًا من واقع القوانين الوضعية المعمول بها في سوريا في إطار الدستور. وإن رجل الشارع السوري لم يلمح أثرًا لهذه العبارة في حياته اليومية، من حيث مضامينها التشريعية والسياسية والقضائية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها.
فما هو هذا التعلق الذي زاد من ربط المسلم السوري بدولته بعد هذه الإضافة التي لم ير لها أي انعكاس حقيقي في توجهات الدولة وقوانينها؟ وأي عاطفة دفاع عن الوطن قد زادت عند السوري المسلم بعد إضافة هذا النص إلى الدستور؟ ألم تكن هزيمة (1967م) المشهورة قد وقعت قبل أن يحذف حزب البعث هذا النص من الدستور السوري؟!
نحن نقول: إنه يجب أن ينص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام. ومعنى هذه العبارة عندنا هو الانقياد الكامل الشامل لأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا يعني «أسلمة» القوانين كلها، إن صح التعبير.
وبالتالي، فإن ما سماه السباعي «المصلحة الداخلية»، ما هو إلا وهم، طالما بقيت النصوص مجمدة على حالها الوضعي ولا تعبر عن الإسلام.
وتحت عنوان «المصلحة القومية» اعتبر السباعي النص في الدستور على أن «دين الدولة الإسلام» عاملاً قويًا من عوامل الوحدة الشعبية بين السوريين وإخوانهم العرب، ومظهرًا من مظاهر التقارب بين دول الجامعة العربية. يقول السباعي: «فالنص على دين الدولة الإسلام عامل قوي من عوامل الوحدة الشعبية بيننا وبين إخواننا العرب، ومظهر رسمي من مظاهر التقارب بين دول الجامعة العربية».
• القواعد الديمقراطية.
• المصلحة الداخلية.
• المصلحة القومية.
• المصلحة السياسية.
وقد ذكر السباعي في بيانه تلك الأمور الأربعة تحت عنوان «لماذا يجب أن يكون دين الدولة الإسلام ؟ ».
وتحت عنوان «القواعد الديمقراطية» قال السباعي: «إن القواعد المتبعة في دساتير العالم وأنظمة الأحزاب ومداولات المجالس النيابية، بل في عرف الدنيا جميعًا، أن رأي الأكثرية هو المتبع والمعمول به. فإذا قلنا: إن دين الدولة الإسلام، وهو دين تسعة أعشار السوريين، ودين (98%) من العرب، أنكون في هذا قد تجاوزنا الحق؟!، وأهدرنا المنطق وخالفنا الديمقراطية؟! وهذه هي الدول التي نصت دساتيرها على دين معين إنما اتخذت دين الأكثرية دينها الرسمي في كثير من الأحيان» اهـ.
إن ما ألفت النظر إليه هو أن دعوتنا لهذا الدين، والتي منها النص على أن دين الدولة الإسلام؛ إنما هو نابع من كونه دين الله تعالى الذي ارتضاه للبشر بوحيه لنبيه محمد ، وليس من كونه دين الأكثرية، على أننا لا ننكر أن للأكثرية دورًا بارزًا في تغليب إثبات هذا النص في الدستور على ما سواه، فضلاً عن إهماله. ذلك أن هذا النص، إضافة لكونه معبرًا عن الحق، فإنه كذلك يحفظ حقوق الأكثرية ويصونها.
وتحت عنوان «المصلحة الداخلية» يذكر السباعي أثر نص «دين الدولة الإسلام» على إنفاذ النظم الإسلامية في المجتمع المسلم واستجابته لها فيقول: «فإذا أردنا لهذا الشعب حياة كريمة وتعلقًا بالدولة ودفاعًا عن الوطن، كان النص على أن دين الدولة الإسلام حافزًا للشعب، وهو في أكثريته الساحقة مسلم، أن ينفذ النظم التي تسن له، والأوامر التي تصدر في مصلحته من حكوماته. إذ يرى في ذلك أمر دينيًا محتمًا لا يجوز التخلي عنه» اهـ.
نعم، لقد نجح السباعي - ~ - في إضافة هذا النص، وهو : دين الدولة الإسلام، إلى الدستور السوري، فهل كانت النتائج كما توقعها السباعي ؟!
إن تلك الإضافة لم تغير شيئًا من واقع القوانين الوضعية المعمول بها في سوريا في إطار الدستور. وإن رجل الشارع السوري لم يلمح أثرًا لهذه العبارة في حياته اليومية، من حيث مضامينها التشريعية والسياسية والقضائية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها.
فما هو هذا التعلق الذي زاد من ربط المسلم السوري بدولته بعد هذه الإضافة التي لم ير لها أي انعكاس حقيقي في توجهات الدولة وقوانينها؟ وأي عاطفة دفاع عن الوطن قد زادت عند السوري المسلم بعد إضافة هذا النص إلى الدستور؟ ألم تكن هزيمة (1967م) المشهورة قد وقعت قبل أن يحذف حزب البعث هذا النص من الدستور السوري؟!
نحن نقول: إنه يجب أن ينص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام. ومعنى هذه العبارة عندنا هو الانقياد الكامل الشامل لأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا يعني «أسلمة» القوانين كلها، إن صح التعبير.
وبالتالي، فإن ما سماه السباعي «المصلحة الداخلية»، ما هو إلا وهم، طالما بقيت النصوص مجمدة على حالها الوضعي ولا تعبر عن الإسلام.
وتحت عنوان «المصلحة القومية» اعتبر السباعي النص في الدستور على أن «دين الدولة الإسلام» عاملاً قويًا من عوامل الوحدة الشعبية بين السوريين وإخوانهم العرب، ومظهرًا من مظاهر التقارب بين دول الجامعة العربية. يقول السباعي: «فالنص على دين الدولة الإسلام عامل قوي من عوامل الوحدة الشعبية بيننا وبين إخواننا العرب، ومظهر رسمي من مظاهر التقارب بين دول الجامعة العربية».
Page 8
والذي أقوله: إن الوحدة الشعبية بين العرب هي قائمة بالفعل من حيث المشاعر والعواطف، لكن الذي يقطع روابط تلك المشاعر ويبدد دفء تلك العواطف إنما هو الأنظمة الحاكمة لتلك الشعوب، رغم أن دساتير كثير منهـا تنص على أن دين الدولة الإسـلام . فإضافة هذا النص بشكله المجـرد المفرغ من محتواه الحقيـقي لا يحقق هذا الهدف الذي ذكره السباعي. تمعن معي فيما كتبه صالح أبو رقيق في مجلة «الدعوة» عدد (8)، في يناير (1977م): «يمنع المسلمون في مصر من مزاولة أي نشاط لدعوة الإسلام. هذه إحدى الكبائر. وانتبهوا يا قوم إلى وقع ذلك على العالم الإسلامي، وتذكروا يوم أن نادت مصر بالقومية العربية وحدها، كيف أن المسلمين في الأقطار الأخرى اعتبروا ذلك من مصر ردة، وقالوا: لا يربطنا بمصر إلا رابطة الإسلام التي أمر الله بها أن توصل. ولم تقنعهم تلك العبارة التقليدية - دين الدولة الإسلام- لأنهم على طول الزمن لم يروا لها مدلولاً واقعيًا».
نعم، لو أن هذا النص في الدساتير أعطي محتواه لانتقل واقع الشعوب المسلمة إزاء بعضها بعضًا من وحدة المشاعر والعواطف إلى وحدة الانتماء الإسلامي، بكل ما يشمله هذا الانتماء من مقومات وحدة العقيدة والتشريع.
وتحت عنوان «المصلحة السياسية» عدد السباعي ما سماه «الفوائد» من إضافة هذا النص إلى الدستور فقال: «أفليس مما يقوي الرابطة بيننا وبين هذه الدول والشعوب أن نعترف بالإسلام ديناً، وهو ديننا الذي صدرناه إليهم ونشرناه في ربوعهم؟ ألسنا في حاجة إلى أسواق تجارية لمنتوجاتنا؟ ألسنا في حاجة إلى معونات اقتصادية؟ ألسنا نجد في هذه الشعوب ميدان نفوذ طبيعي بريء للغتنا وثقافتنا وتراثنا وحضارتنا؟ فلمن نترك ذلك كله؟ لمن نتخلى عن مصلحتنا السياسية والاقتصادية والثقافية؟ هل يستطيع أحد أن يقول لنا ذلك بصراحة وجرأة؟ وبعد؛ فهذه هي بعض الفوائد التي نجتنيها من النص على هذه المادة في الدستور»اهـ.
دعني أعقب على هذا النص، فأقول بصراحة وجرأة، كما طلب السباعي، إن تحويل هذا النص، وهو دين الدولة الإسلام، عن مضمونه الحقيقي إلى شعار نستفيد منه لتسويق منتوجاتنا، وللحصول على معونات اقتصادية، لهو كارثة كبرى. وإني لأتساءل عن أثر طرح مثل هذه التصورات على تربية الشباب المسلم وتنشئته على أمثال هذه المفاهيم الضيقة والمبتسرة، ولقد دارت الأيام وتتالت السنون، ولم يؤيد الواقع ما ذهب إليه السباعي .
ثم ينتقل السباعي - ~ - إلى الرد على اعتراض النصارى والقوميين والعلمانيين والحقوقيين.
فتحت عنوان «اعتراض الطوائف المسيحية» يطمئن السـباعي النصارى على عقيدتهم وشريعتهم وتقاليدهم وأحوالهم الشخصية، ثم يقول: «وقد ظلّ المسيحيون العرب منذ عصر الإسلام حتى الآن يتمتعون بعقيدتهم وعبادتهم وأحوالهم الشخصية، ولم تتعرض لها دولة ولا حكومة، في الوقت الذي كان الحكم فيه للإسلام خالصًا، فكيف يتوهم الآن أن يطبق عليهم أحكام تخالف دينهم، ونحن في دولة برلمانية شعبية، الحكم فيها للشعب، ممثلاً في نوابه المسلمين والمسيحيين» اهـ.
ثم يقول في نفس الصفحة: «ونزيد على ذلك أنه مع احترام الإسلام لكل ما ذكرناه، فنحن لم نكتف بذكر هذه في الدستور، بل اقترحنا أن تنص على احترام الأديان السماوية وقدسيتها، واحترام الأحوال الشخصية للطوائف الدينية» (13).
والذي يجب أن أنوه بذكره هنا أمران:
الأول: إن المطلوب من الحركة الإسلامية أن تعمل على نقل الواقع الحالي البعيد عن الإسلام إلى واحة الإسلام. ومعنى ذلك فيما يتعلق بالقضية موضع البحث أن على الحركة الإسلامية أن ترفض الواقع الذي يكون فيه الشعب المسلم محكومًا من قبل غير المسلمين، أو من قبل خليط من المسلمين والنصارى، كما هو مصرح به هنا، لا أن تعتبره حتميًا وتتصرف على أساس التسامح مع هذا الواقع المرفوض شرعًا.
الثاني: يجب أن نكون صرحاء في تجلية الحق وبيانه، فصحيح أن الدولة الإسلامية لا تجبر أحدًا من النصارى من أهل الذمة على أن يغير دينه إلى الإسلام، وأنها تصون له حقوقه التي أقرتها له الشريعة الإسلامية، إلا أن ذلك بمقابل أن يؤدي النصارى الجزية إلى الحاكم المسلم. ولا ينبغي أن نغض الطرف عن هذه الحقيقة إذ إنها فريضة شرعية قبل أن تكون حقيقة تاريخية.
بعد هذين التعقيبين أرجع إلى كلام السباعي. يقول: «وقد أمر القرآن الكريم أتباعه أن يؤمنوا بالأنبياء جميعًا، ومنهم عيسى ، فأين العداء وأين الخصام بين الإسلام والمسيحية؟ أوليس النص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي يتضمن أن المسيحية دين رسمي للدولة باعتبار الإسلام معترفًا بها ومحترمًا لها.. والإسلام لا يفرق بين مسلم ومسيحي فيها، ولا يعطي للمسلم في الدولة حقًا أكثر من المسيحي، والدستور سينص على تساوي المواطنين جميعًا في الحقوق والواجبات» اهـ.
نعم، لو أن هذا النص في الدساتير أعطي محتواه لانتقل واقع الشعوب المسلمة إزاء بعضها بعضًا من وحدة المشاعر والعواطف إلى وحدة الانتماء الإسلامي، بكل ما يشمله هذا الانتماء من مقومات وحدة العقيدة والتشريع.
وتحت عنوان «المصلحة السياسية» عدد السباعي ما سماه «الفوائد» من إضافة هذا النص إلى الدستور فقال: «أفليس مما يقوي الرابطة بيننا وبين هذه الدول والشعوب أن نعترف بالإسلام ديناً، وهو ديننا الذي صدرناه إليهم ونشرناه في ربوعهم؟ ألسنا في حاجة إلى أسواق تجارية لمنتوجاتنا؟ ألسنا في حاجة إلى معونات اقتصادية؟ ألسنا نجد في هذه الشعوب ميدان نفوذ طبيعي بريء للغتنا وثقافتنا وتراثنا وحضارتنا؟ فلمن نترك ذلك كله؟ لمن نتخلى عن مصلحتنا السياسية والاقتصادية والثقافية؟ هل يستطيع أحد أن يقول لنا ذلك بصراحة وجرأة؟ وبعد؛ فهذه هي بعض الفوائد التي نجتنيها من النص على هذه المادة في الدستور»اهـ.
دعني أعقب على هذا النص، فأقول بصراحة وجرأة، كما طلب السباعي، إن تحويل هذا النص، وهو دين الدولة الإسلام، عن مضمونه الحقيقي إلى شعار نستفيد منه لتسويق منتوجاتنا، وللحصول على معونات اقتصادية، لهو كارثة كبرى. وإني لأتساءل عن أثر طرح مثل هذه التصورات على تربية الشباب المسلم وتنشئته على أمثال هذه المفاهيم الضيقة والمبتسرة، ولقد دارت الأيام وتتالت السنون، ولم يؤيد الواقع ما ذهب إليه السباعي .
ثم ينتقل السباعي - ~ - إلى الرد على اعتراض النصارى والقوميين والعلمانيين والحقوقيين.
فتحت عنوان «اعتراض الطوائف المسيحية» يطمئن السـباعي النصارى على عقيدتهم وشريعتهم وتقاليدهم وأحوالهم الشخصية، ثم يقول: «وقد ظلّ المسيحيون العرب منذ عصر الإسلام حتى الآن يتمتعون بعقيدتهم وعبادتهم وأحوالهم الشخصية، ولم تتعرض لها دولة ولا حكومة، في الوقت الذي كان الحكم فيه للإسلام خالصًا، فكيف يتوهم الآن أن يطبق عليهم أحكام تخالف دينهم، ونحن في دولة برلمانية شعبية، الحكم فيها للشعب، ممثلاً في نوابه المسلمين والمسيحيين» اهـ.
ثم يقول في نفس الصفحة: «ونزيد على ذلك أنه مع احترام الإسلام لكل ما ذكرناه، فنحن لم نكتف بذكر هذه في الدستور، بل اقترحنا أن تنص على احترام الأديان السماوية وقدسيتها، واحترام الأحوال الشخصية للطوائف الدينية» (13).
والذي يجب أن أنوه بذكره هنا أمران:
الأول: إن المطلوب من الحركة الإسلامية أن تعمل على نقل الواقع الحالي البعيد عن الإسلام إلى واحة الإسلام. ومعنى ذلك فيما يتعلق بالقضية موضع البحث أن على الحركة الإسلامية أن ترفض الواقع الذي يكون فيه الشعب المسلم محكومًا من قبل غير المسلمين، أو من قبل خليط من المسلمين والنصارى، كما هو مصرح به هنا، لا أن تعتبره حتميًا وتتصرف على أساس التسامح مع هذا الواقع المرفوض شرعًا.
الثاني: يجب أن نكون صرحاء في تجلية الحق وبيانه، فصحيح أن الدولة الإسلامية لا تجبر أحدًا من النصارى من أهل الذمة على أن يغير دينه إلى الإسلام، وأنها تصون له حقوقه التي أقرتها له الشريعة الإسلامية، إلا أن ذلك بمقابل أن يؤدي النصارى الجزية إلى الحاكم المسلم. ولا ينبغي أن نغض الطرف عن هذه الحقيقة إذ إنها فريضة شرعية قبل أن تكون حقيقة تاريخية.
بعد هذين التعقيبين أرجع إلى كلام السباعي. يقول: «وقد أمر القرآن الكريم أتباعه أن يؤمنوا بالأنبياء جميعًا، ومنهم عيسى ، فأين العداء وأين الخصام بين الإسلام والمسيحية؟ أوليس النص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي يتضمن أن المسيحية دين رسمي للدولة باعتبار الإسلام معترفًا بها ومحترمًا لها.. والإسلام لا يفرق بين مسلم ومسيحي فيها، ولا يعطي للمسلم في الدولة حقًا أكثر من المسيحي، والدستور سينص على تساوي المواطنين جميعًا في الحقوق والواجبات» اهـ.
Page 9
ثم يقترح السباعي نص المادة الدستورية في هذا الشأن، وهي كما ذكرها كالتالي:
«1- الإسلام دين الدولة.
2- الأديان السماوية محترمة ومقدسة.
3- الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.
4- المواطنون متساوون في الحقوق، لا يحال بين مواطن وبين الوصول إلى أعلى مناصب الدولة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة» (14).
وأقف إزاء هذا النص أمام بعض النقاط، فأقول:
أولاً: إن النصارى إن لم يكونوا من أهل الذمة فهم مندرجون تحت قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة:29]، فإن لم يكونوا أهل ذمـة ولا عهد ولا هدنة ولا صلح فالشأن بيننا وبينهم هو القتال. أبعد ذلك يقال: «أين الخصام بين الإسلام والمسيحية»؟!. وكيف لا يكون خصاماً وأهل الإسلام يقولون: إن الله واحد، والنصارى يقولون: إن الله ثالث ثلاثة؟!
وإن كانوا أهل ذمة فهذا لا يعني أنهم قد أصبحوا إخوانًا لنا، إنما يعطون حقوق أهل الذمة التي رتبها لهم الإسلام. وأما خصام العقيدة فباق لا يزول، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ثانيًا : وأما القول : إن الإسـلام لا يفرق بين مسـلم ومسيحي في الدولة ، ولا يعطي للمسلم فيها حقًا أكثر من المسيحي فهو قول تكفي الشروط العمرية للرد عليه، إن صحت. وإن لم تصح فارجع إلى كتب الفقه لتعلم منها الفرق بين المسلم والذمي من حيث الحقوق والواجبات. فالذمي مثلاً ليس له حق أن يكون خليفة على المسلمين، ولا أن تكون له الإمارة على الجهاد ولا البلاد، ولا الولاية على حروب المصالح في قتال أهل الردة وأهل البغي، ولا تسند له ولاية القضاء ولا ولاية الصدقات، ولا يشارك في انتخاب الخليفة، ولا يقتل مسلم بذمي، ولا ينكح ذمي مسلمة، وعلى الذمي أن يدفع الجزية، ويؤدي للدولة المسلمة الخراج، ويخضع لضريبة العشور، وهي الضرائب التجارية، ويمنع الذميون من سكنى جزيرة العرب والإقامة فيها للحديث الوارد في ذلك، إلا إذا دخلوها للتجارة فلا يسمح لهم بالإقامة أكثر من ثلاثة أيام؛ لفعل عمر بن الخطاب بشأن التجار الذميين الذين كانوا يقدمون إلى المدينة للتجارة، وقد يسمح لهم بأكثر من تلك المدة بحسب ما يراه الخليفة مصلحة للمسلمين، ولا يصرح لهم بإحداث بيعة ولا كنيسة في البلاد التي مصّرها المسلمون ولا في التي فتحوها عنوة. والخلاف إنما فيما فتحوه صلحًا فالمسلمون عند شروطهم. وغير ذلك من الأحكام التي يمكن الرجوع إليها في كتب الفقه.
فكيف يقال بعد ذلك: إن المسلمين والنصارى متساوون في الحقوق والواجبات، وإنه لا يحال بين مواطن وبين الوصول إلى أعلى المناصب في الدولة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة؟! ثم الأكبر من ذلك أن تكون هذه المادة مقترحة من مراقب عام الإخوان المسلمين في سوريا الدكتور مصطفى السباعي، وهو من هو من حيث العلم الشرعي ومركزه العلمي في الجامعة، ويكفيه أنه صاحب كتاب «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي»!! ألا إن لكل جواد كبوة؛ ولكن كبوة العالم بألف!! إذ إن هذه المفاهيم قد انتقلت تربويًا إلى شباب الحركة الإسلامية في ذلك الوقت، وهم الذين أصبحوا بعد ذلك قادة لها، فكانت أعمالهم وتصرفاتهم في التعامل مع غير المسلمين مستمدة من أمثال هذه النصوص كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.
وتحت عنوان «اعتراض القوميين» فإن السباعي - ~ - كتب كلامًا يثير العجب!! إذ قال: «وإذا أضفنا إلى ذلك أن الإسلام يحترم المسيحية ويؤمن بها دينًا سماويًا، لم يبق عندنا في القومية العربية دينان يصطرعان حتى نطرحهما لتسلم لنا قوميتنا، وإنما هناك دينان يتعاونان على بناء القومية العربية بناء سليما ًعالميًا خالدًا» (15) اهـ.
وإنني، والحق أقول: لم أستطع فك طلاسم هذه العبارة الأخيرة، ولا أدري كيف يتعاون الدين الإسـلامي مع المسيحية ، كما سماها ، لبناء القومية العربية . ولا أدري ما هو المقصود ببناء القومية العربية، هذا فضلاً عن مواصفاته حتى يكون بناء سليمًا ثم عالميًا ثم خالدًا!!
لكن الذي أدريه وأعرفه، أنه لا ينبغي لرواد العمل الإسلامي ودعاته أن تأخذهم الحماسة أو تلفهم ضغوط الشعارات المرفوعة، فيقولون كلامًا تترتب عليه نتائج خطيرة، سواءً إبان زمانهم أو بعد ذلك بفترة قصيرة أو طويلة.
وتحت عنوان «اعتراض العلمانيين» يبين السباعي أن النص في الدستور على أن «دين الدولة الإسلام» لن يغير في القوانين والأنظمة شيئًا، فضلاً عن أن يكون له أثر في إلغاء البرلمان أو طرد ممثلي الأمة.
«1- الإسلام دين الدولة.
2- الأديان السماوية محترمة ومقدسة.
3- الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.
4- المواطنون متساوون في الحقوق، لا يحال بين مواطن وبين الوصول إلى أعلى مناصب الدولة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة» (14).
وأقف إزاء هذا النص أمام بعض النقاط، فأقول:
أولاً: إن النصارى إن لم يكونوا من أهل الذمة فهم مندرجون تحت قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة:29]، فإن لم يكونوا أهل ذمـة ولا عهد ولا هدنة ولا صلح فالشأن بيننا وبينهم هو القتال. أبعد ذلك يقال: «أين الخصام بين الإسلام والمسيحية»؟!. وكيف لا يكون خصاماً وأهل الإسلام يقولون: إن الله واحد، والنصارى يقولون: إن الله ثالث ثلاثة؟!
وإن كانوا أهل ذمة فهذا لا يعني أنهم قد أصبحوا إخوانًا لنا، إنما يعطون حقوق أهل الذمة التي رتبها لهم الإسلام. وأما خصام العقيدة فباق لا يزول، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ثانيًا : وأما القول : إن الإسـلام لا يفرق بين مسـلم ومسيحي في الدولة ، ولا يعطي للمسلم فيها حقًا أكثر من المسيحي فهو قول تكفي الشروط العمرية للرد عليه، إن صحت. وإن لم تصح فارجع إلى كتب الفقه لتعلم منها الفرق بين المسلم والذمي من حيث الحقوق والواجبات. فالذمي مثلاً ليس له حق أن يكون خليفة على المسلمين، ولا أن تكون له الإمارة على الجهاد ولا البلاد، ولا الولاية على حروب المصالح في قتال أهل الردة وأهل البغي، ولا تسند له ولاية القضاء ولا ولاية الصدقات، ولا يشارك في انتخاب الخليفة، ولا يقتل مسلم بذمي، ولا ينكح ذمي مسلمة، وعلى الذمي أن يدفع الجزية، ويؤدي للدولة المسلمة الخراج، ويخضع لضريبة العشور، وهي الضرائب التجارية، ويمنع الذميون من سكنى جزيرة العرب والإقامة فيها للحديث الوارد في ذلك، إلا إذا دخلوها للتجارة فلا يسمح لهم بالإقامة أكثر من ثلاثة أيام؛ لفعل عمر بن الخطاب بشأن التجار الذميين الذين كانوا يقدمون إلى المدينة للتجارة، وقد يسمح لهم بأكثر من تلك المدة بحسب ما يراه الخليفة مصلحة للمسلمين، ولا يصرح لهم بإحداث بيعة ولا كنيسة في البلاد التي مصّرها المسلمون ولا في التي فتحوها عنوة. والخلاف إنما فيما فتحوه صلحًا فالمسلمون عند شروطهم. وغير ذلك من الأحكام التي يمكن الرجوع إليها في كتب الفقه.
فكيف يقال بعد ذلك: إن المسلمين والنصارى متساوون في الحقوق والواجبات، وإنه لا يحال بين مواطن وبين الوصول إلى أعلى المناصب في الدولة بسبب الدين أو الجنس أو اللغة؟! ثم الأكبر من ذلك أن تكون هذه المادة مقترحة من مراقب عام الإخوان المسلمين في سوريا الدكتور مصطفى السباعي، وهو من هو من حيث العلم الشرعي ومركزه العلمي في الجامعة، ويكفيه أنه صاحب كتاب «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي»!! ألا إن لكل جواد كبوة؛ ولكن كبوة العالم بألف!! إذ إن هذه المفاهيم قد انتقلت تربويًا إلى شباب الحركة الإسلامية في ذلك الوقت، وهم الذين أصبحوا بعد ذلك قادة لها، فكانت أعمالهم وتصرفاتهم في التعامل مع غير المسلمين مستمدة من أمثال هذه النصوص كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.
وتحت عنوان «اعتراض القوميين» فإن السباعي - ~ - كتب كلامًا يثير العجب!! إذ قال: «وإذا أضفنا إلى ذلك أن الإسلام يحترم المسيحية ويؤمن بها دينًا سماويًا، لم يبق عندنا في القومية العربية دينان يصطرعان حتى نطرحهما لتسلم لنا قوميتنا، وإنما هناك دينان يتعاونان على بناء القومية العربية بناء سليما ًعالميًا خالدًا» (15) اهـ.
وإنني، والحق أقول: لم أستطع فك طلاسم هذه العبارة الأخيرة، ولا أدري كيف يتعاون الدين الإسـلامي مع المسيحية ، كما سماها ، لبناء القومية العربية . ولا أدري ما هو المقصود ببناء القومية العربية، هذا فضلاً عن مواصفاته حتى يكون بناء سليمًا ثم عالميًا ثم خالدًا!!
لكن الذي أدريه وأعرفه، أنه لا ينبغي لرواد العمل الإسلامي ودعاته أن تأخذهم الحماسة أو تلفهم ضغوط الشعارات المرفوعة، فيقولون كلامًا تترتب عليه نتائج خطيرة، سواءً إبان زمانهم أو بعد ذلك بفترة قصيرة أو طويلة.
وتحت عنوان «اعتراض العلمانيين» يبين السباعي أن النص في الدستور على أن «دين الدولة الإسلام» لن يغير في القوانين والأنظمة شيئًا، فضلاً عن أن يكون له أثر في إلغاء البرلمان أو طرد ممثلي الأمة.
Page 10
يقول السباعي : «ونحن لا نريد بهذا النص أن نلغي البرلمان ونطرد ممثلي الأمة ونمحو القوانين، كلا، كونوا مطمئنين، فسيظل كل شيء على حاله. سيبقى لنا مجلسنا ونوابنا وقوانيننا وأنظمتنا، ولكن مع سمو الروح، ونظافة اليد واستقامة الأخلاق، وعيش الإنسان الكريم» اهـ (16).
أقول: إذًا ما فائدة هذا النص ما دام لا يغير شيئًا؟!
إن النص على أن «دين الدولة الإسلام» لا ينبغي أن يكرسه الإسلاميون مجرد شعار لا روح فيه ولا حياة. إننا بذلك نساهم في تعميق مفهوم فصل الدين عن الحياة ، ونوطد بغير شـعور منا مقالة الدين لله والأرض للجميع ، ودع ما لله لله وما لقيصر لقيصر.
إن النص على أن دين الدولة الإسلام فيه إلزام شرعي بالأخذ بالتشريعات الإسلامية. وهذا الإلزام هو من مقتضى هذا النص قطعًا.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة في كتابه «الإسلام وأوضاعنا القانونية» ما نصه: «ينص الدستور المصري، وهو قانون وضعي، على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام . ومعنى ذلك النص أن النظام الأساسي الذي تقوم عليه الدولة هو النظام الإسلامي . وأن الإسلام هو المصدر الذي تأخذ عنه، والمرجع الذي تنتهي إليه، والحاكم الذي تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه. ووجود هذا النص في الدستور المصري، وهو القانون الأول في قوانيننا الوضعية، يقتضي أن نتقيد بنصوص الشريعة الإسلامية في قوانيننا وسياستنا وتنظيمنا الداخلي والخارجي وفي كل أوجه نشاطنا، فلا نحل إلا ما أحلته الشريعة، ولا نحرم إلا ما حرمته، ولا نخرج على مبادئ الشريعة وروحها في قوانيننا وأنظمتنا» (17).
ثم قال: «وإذا طبقنا هذا المبدأ على قوانيننا الوضعية التي تتعارض مع ما ينص عليه الدستور من أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وجب أن نطرح من هذه القوانين كل النصوص التي تخالف الإسلام أو تخرج على مبادئه العامة وروحه التشريعية، ووجب أن نهمل هذه النصوص ونعتبرها كأن لم تكن؛ لأنها تخالف الدستور، وهو القانون الأعلى الأجدر بالاتباع» (18).
وهذا كلام واضح لا يحتاج منا إلى تعليق.
ثم نحن نريد أن نقول للعلمانيين: كلا لا تطمئنوا أبدًا، ولا ينبغي لكم أن تطمئنوا أصـلاً طالما أنتم على علمانيتكم . وأحب أن أقول لكم، وأنا مطمئن : أنه لا مكان لأفكاركم في دولة ترفرف عليها راية الإسلام الحق، وتخفق بين جنباتها أعلام المسلمين المرفوعة؛ تلك الأعلام التي تعبر عن عز المسلم وهو في أرضه التي تطبق فيها أحكام الله تعالى، وتنطلق منها جحافل الجهاد لتدك صروح المفسدين في الأرض، فلا تطمئنوا يا أيها العلمانيون أبدًا أبدًا!!
وتحت عنوان «اعتراض الحقوقيين»، قال السباعي: «ويعترض بعض الحقوقيين بأن جعل دين الدولة الإسلام يلغي القوانين الحالية، ويضطرنا إلى تنفيذ الحدود الإسـلامية ، من قطع يد السارق وجلد الزاني ، وهذا قول خاطئ. فنحن لا نفكر قطعًا بالدعوة إلى تنفيذ الحدود، لأن الإسلام نظام كامل لا يظهر صلاحه إلا في مجتمع كامل. ومن كمال المجتمع أن يشبع كل بطن، ويكتسي كل جسم، ويتعلم كل إنسان، ويكتفي كل مواطن، فإذا وقعت السرقة مثلاً بعد ذلك وقعت شرًا محضًا لا يقـدم عليه إلا العريقون في الإجـرام . والإسـلام يريد أن يرهب هؤلاء الذين لم يردعهم العلم ولا الشـبع ولا العيش الكريم عن الوقوع في الجريمـة . على أن الإسلام قد حف تلك الحدود بشـروط شـديدة جدًا ، يكاد يكون من المتعذر تنفيذ الحكم في حادثة واحدة من بين ألف حادثة، مما يدل على أن قصد الإسلام من ذلك الإرهاب والتخويف. وحسبكم القاعدة المشهورة: ادرأوا الحدود بالشبهات» اهـ (19).
ونحن نقول:
أولاً: لصالح من تقدم هذه التنازلات؟!، ولماذا نرضى الدنية في ديننا؟، ولماذا نذل أنفسنا أمام الحقوقيين وغيرهم وقد أعزنا الله بالإسلام؟ ولماذا نحن المطالبون دومًا بتقديم المبررات وإبداء الأسباب؟!
ثانيًا: وأما القول بأن النص على أن دين الدولة الإسلام لا يلغي القوانين الحالية، فهو يجعلنا وجهًا لوجه أمام هذا السؤال: كيف يكون دين الدولة الإسلام وتكون قوانين الدولة وضعية في آن واحد؟ وهذا يعني إما أن الإسلام ليست فيه قوانين تشريعية من الله تعالى، أو أن هذا النص هو مجرد نص فخري لا قيمة تنفيذية له. وقد رجح السباعي - ~ - القول الثاني!! ، إذ قال : «هذا مع العلم أن مسألة التشريع غير مسألة دين الدولة. فليس لوضع دين الدولة من غرض إلا صبغ الدولة بصبغة روحية خلقية، تجعل النظم والقوانين منفذة من الشعب بوازع نفسي خلقي» (20).
فهل يحق لي أن أفهم من هذا الكلام أننا ينبغي أن نستفيد من الشعور الديني الإسلامي - الذي يولد الوازع النفسي والخلقي- في تنفيذ القوانين الوضعية غير الإسلامية!!
أقول: إذًا ما فائدة هذا النص ما دام لا يغير شيئًا؟!
إن النص على أن «دين الدولة الإسلام» لا ينبغي أن يكرسه الإسلاميون مجرد شعار لا روح فيه ولا حياة. إننا بذلك نساهم في تعميق مفهوم فصل الدين عن الحياة ، ونوطد بغير شـعور منا مقالة الدين لله والأرض للجميع ، ودع ما لله لله وما لقيصر لقيصر.
إن النص على أن دين الدولة الإسلام فيه إلزام شرعي بالأخذ بالتشريعات الإسلامية. وهذا الإلزام هو من مقتضى هذا النص قطعًا.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة في كتابه «الإسلام وأوضاعنا القانونية» ما نصه: «ينص الدستور المصري، وهو قانون وضعي، على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام . ومعنى ذلك النص أن النظام الأساسي الذي تقوم عليه الدولة هو النظام الإسلامي . وأن الإسلام هو المصدر الذي تأخذ عنه، والمرجع الذي تنتهي إليه، والحاكم الذي تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه. ووجود هذا النص في الدستور المصري، وهو القانون الأول في قوانيننا الوضعية، يقتضي أن نتقيد بنصوص الشريعة الإسلامية في قوانيننا وسياستنا وتنظيمنا الداخلي والخارجي وفي كل أوجه نشاطنا، فلا نحل إلا ما أحلته الشريعة، ولا نحرم إلا ما حرمته، ولا نخرج على مبادئ الشريعة وروحها في قوانيننا وأنظمتنا» (17).
ثم قال: «وإذا طبقنا هذا المبدأ على قوانيننا الوضعية التي تتعارض مع ما ينص عليه الدستور من أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وجب أن نطرح من هذه القوانين كل النصوص التي تخالف الإسلام أو تخرج على مبادئه العامة وروحه التشريعية، ووجب أن نهمل هذه النصوص ونعتبرها كأن لم تكن؛ لأنها تخالف الدستور، وهو القانون الأعلى الأجدر بالاتباع» (18).
وهذا كلام واضح لا يحتاج منا إلى تعليق.
ثم نحن نريد أن نقول للعلمانيين: كلا لا تطمئنوا أبدًا، ولا ينبغي لكم أن تطمئنوا أصـلاً طالما أنتم على علمانيتكم . وأحب أن أقول لكم، وأنا مطمئن : أنه لا مكان لأفكاركم في دولة ترفرف عليها راية الإسلام الحق، وتخفق بين جنباتها أعلام المسلمين المرفوعة؛ تلك الأعلام التي تعبر عن عز المسلم وهو في أرضه التي تطبق فيها أحكام الله تعالى، وتنطلق منها جحافل الجهاد لتدك صروح المفسدين في الأرض، فلا تطمئنوا يا أيها العلمانيون أبدًا أبدًا!!
وتحت عنوان «اعتراض الحقوقيين»، قال السباعي: «ويعترض بعض الحقوقيين بأن جعل دين الدولة الإسلام يلغي القوانين الحالية، ويضطرنا إلى تنفيذ الحدود الإسـلامية ، من قطع يد السارق وجلد الزاني ، وهذا قول خاطئ. فنحن لا نفكر قطعًا بالدعوة إلى تنفيذ الحدود، لأن الإسلام نظام كامل لا يظهر صلاحه إلا في مجتمع كامل. ومن كمال المجتمع أن يشبع كل بطن، ويكتسي كل جسم، ويتعلم كل إنسان، ويكتفي كل مواطن، فإذا وقعت السرقة مثلاً بعد ذلك وقعت شرًا محضًا لا يقـدم عليه إلا العريقون في الإجـرام . والإسـلام يريد أن يرهب هؤلاء الذين لم يردعهم العلم ولا الشـبع ولا العيش الكريم عن الوقوع في الجريمـة . على أن الإسلام قد حف تلك الحدود بشـروط شـديدة جدًا ، يكاد يكون من المتعذر تنفيذ الحكم في حادثة واحدة من بين ألف حادثة، مما يدل على أن قصد الإسلام من ذلك الإرهاب والتخويف. وحسبكم القاعدة المشهورة: ادرأوا الحدود بالشبهات» اهـ (19).
ونحن نقول:
أولاً: لصالح من تقدم هذه التنازلات؟!، ولماذا نرضى الدنية في ديننا؟، ولماذا نذل أنفسنا أمام الحقوقيين وغيرهم وقد أعزنا الله بالإسلام؟ ولماذا نحن المطالبون دومًا بتقديم المبررات وإبداء الأسباب؟!
ثانيًا: وأما القول بأن النص على أن دين الدولة الإسلام لا يلغي القوانين الحالية، فهو يجعلنا وجهًا لوجه أمام هذا السؤال: كيف يكون دين الدولة الإسلام وتكون قوانين الدولة وضعية في آن واحد؟ وهذا يعني إما أن الإسلام ليست فيه قوانين تشريعية من الله تعالى، أو أن هذا النص هو مجرد نص فخري لا قيمة تنفيذية له. وقد رجح السباعي - ~ - القول الثاني!! ، إذ قال : «هذا مع العلم أن مسألة التشريع غير مسألة دين الدولة. فليس لوضع دين الدولة من غرض إلا صبغ الدولة بصبغة روحية خلقية، تجعل النظم والقوانين منفذة من الشعب بوازع نفسي خلقي» (20).
فهل يحق لي أن أفهم من هذا الكلام أننا ينبغي أن نستفيد من الشعور الديني الإسلامي - الذي يولد الوازع النفسي والخلقي- في تنفيذ القوانين الوضعية غير الإسلامية!!