eKtab
EN ع
الأصولية الإسلامية ومؤامرات الغرب
Read free sample

الأصولية الإسلامية ومؤامرات الغرب

by إبراهيم النعمة

Page 1
مقدمــة
 
الحمد لله حمداً يبلغني رضاه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى سائر أنبيائه ورسله، وآله الطيبين وصحبه المخلصين، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين!
 
أما بعد:
 
فهذه محاضرة كنت قد ألقيتها في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك في عام 1413 في جامع الحاج ذياب العراقي في الموصل، ومن فضل الله ونعمته علي أن تقبلها الناس بقبول حسن، وطلبوا مني أن أقوم بطبعها في كراس صغير، ليطلع عليها من لم يتيسر له سماعها؛ فأجبتهم إلى ذلك، سـائلا من الله عز وجل – السداد والرشاد، وأن يبصرنا بخطط أعدائنا ويقينا شرورهم وما يخططون في الليالي الليلاء، متضرعا إليه تعالى أن يجعلها له وحده وينفع بها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات!
 
إبراهيم النعمة
Page 2
الأصولية الإسلامية
 
من نعمة الله على هذه الأمة، أن نجد الصحوة الإسلامية قد عمت بقاع العالم العربي والإسلامي: ففي كل بلد من هذه البلاد، نجد شباباً قد اتجه إلى بيوت الله، دارساً لكتاب الله ولسنة رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، عاملا على تحكيم شرع الله في كل قضية من القضايا، متأسياً بالصحابة الكرام في تضحياتهم ودعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. هذه الظاهرة التي شاعت في المجتمع، صار لها تأثيرها في قسم البلاد العربية والإسلامية، لفتت أنظار كثير من ساسة الغرب، فقاموا بإعداد دراسات كثيرة، وعقد مؤتمرات على مستويات مختلفة، واضعين الخطط تلو الخطط بغية إخماد (الصحوة الإسلامية) التي أخذت مكانها في قلوب كثير من الشباب، أو على الأقل: تعويق وعرقلة هذا المد الإسلامي – إن لم يمكن إيقافه في الوقت الحاضر – ومن أمثلة ذلك ما كتبه: الباحث الألماني (باول شمتز) في كتابه: (الإسلام قوة الغد العالمية) إذ يقول
 
(إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوربا وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوربي؛ لمواجهة هذا العملاق –الإسلامي– الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه. هل يسمعه أحد؟ ألا من مجيب؟)(1).
 
لذلك ابتدأت تلك الجهود الجهيدة من ساسة الغرب تعمل عملها ليل نهار، وازداد نشاطها في أوائل السبعينيات إلى وقتنا هذا. فهذا (جيمي كارتر) يوعز إلى مخابراته ليرصد الحركات الإسلامية كلها في العالم الإسلامي.. وقد اتخذوا في حربهم هذه أساليب كثيرة: فقاموا ينعتون الشباب المسلم المثقف الذي يدعو إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه بنعت (السلفية)، ثم تطور الأمر؛ فصاروا ينعتونهم بـ(الأصولية)، فوق نعتهم بالمتطرفين والإرهابيين. وقد شاعت هذه المصطلحات كثيراً في كتابات المستشرقين –وبخاصة الأمريكان منهم-!! فهذه هيئة الإذاعة البريطانية، تذيع في برنامج (عالم الظهيرة) ما يأتي:
 
(إن الجهد الرئيس للمخابرات الأمريكية الذي كان منصباً لمراقبة إمبراطورية الشر –يعني الاتحاد السوفيتي– سيتجه أساسا لمراقبة الجماعات الأصولية في العالم الإسلامي، ووضع العقبات والعراقيل أمامها)(2).
Page 3
وأذاعت تعليقاً لصحيفة (الفايننشال تايمز) قالت فيه:
 
(إذا كانت أمريكا تشجع الاتجاهات الديمقراطية في شرق أوربا ودول العالم الثالث؛ فأنه يجب عليها ألا تشجع تلك الاتجاهات في العالم الإسلامي؛ إنها بذلك تدفع –دون أن تدري– بالأصوليين إلى تسلم زمام السلطة في ذلك العالم)(3).
 
(وفي أثناء الإعلانات والشعارات المعسولة عن السلام العالمي القريب وحرية الشعوب في الحرية والاستقلال والديمقراطية… فجَّرَ رئيس فرنسا (ميتران) قنبلة صليبية مذهلة حين قال:
 
(إذا نجح الأصوليون في حكم الجزائر فسوف أتدخل عسكريا كما تدخل (بوش) في (بنما))(4).
 
وهذا المستشرق الأمريكي (و.ك. سميث) الخبير بشؤون الباكستان يقول بكل صراحة:
 
(إذا أعطي المسلمون الحرية في العالم الإسلامي، وعاشوا في ظل أنظمة ديمقراطية، فأن الإسلام ينتصر في هذه البلاد. وبالدكتاتوريات وحدها يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية ودينها)(5).
 
(وينصح رئيس تحرير (مجلة تايم) في كتابه (سفر آسيا) الحكومة الأمريكية أن تنشئ في البلاد الإسلامية دكتاتوريات عسكرية؛ للحيلولة دون عودة الإسلام إلى السيطرة على الأمة الإسلامية، وبالتالي الانتصار على الغرب وحضارته واستعماره، لكنهم لا ينسون أن يعطوا هذه الشعوب فترات راحة حتى لا تنفجر)(6).
 
وفي غمرة الإعلانات والتصريحات التي اجتاحت الإعلام الغربي جاء الحديث المكشوف لأمير من أمراء العرب أدلى به لصحيفة (نيويورك تايمز) قال فيه:
 
(إنه ينبغي أجراء محادثات بين المعتدلين العرب والإسرائيليين؛ لأن الخطر الحقيقي للسلام يكمن في تنامي الأصوليين)(7).
Page 4
وقال:
 
(إن العدو الحقيقي هو تصاعد الأصوليين والتطرف، حيث المتطرفون اليهود من جهة، والمد الإسلامي الذي يؤثر على السياسات الممتدة من عبر أفغانستان ولبنان وشمال أفريقيا)(8).
 
لا أريد أن أسترسل في هذا المجال كثيراً بيد أني أضرب مثلا بالرئيسين الأمريكيين السـابقين (ريتشارد نيكسون) و (جيمي كارتر). فأن (نيكسون) ألف كتابا ضخما عنوانه (نصر بلا حرب)، وله بحوث أخرى، وله مشاركاته المباشرة، كما حدث أثناء زيارة (غورباتشوف) لواشنطن. فأن (نيكسون) مع تحذيره وتهويله من الاتحاد السوفيتي وشخصية (غورباتشوف) خاصة، أطلق سنة 1985صيحة صليبية قال فيها:
 
(يجب على روسيا وأمريكا أن تعقدا تعاونا حاسما لضرب الأصولية الإسلامية)(9).
 
وينص (نيكسون) في كتابه المذكور هذا بكل صراحة على أن العدو الأكبر في العالم الثالث هو الأصولية الإسلامية(10).
 
أما (جيمي كارتر)، فمعروف عنه تعصبه لمذهبه الكنسي: فكان ينتقل بين (أفغانستان) و (أثيوبيا) و (إسرائيل) و (سوريا) مروراً بـ(السعودية) وغيرها من دول الخليج، حاملا معه مشروعات كثيرة لوأد الصحوة الإسلامية في بلاد العرب والمسلمين. يقول كارتر:
 
(والتهديد الوحيد الآن في أعقاب التراجع السوفيتي في الشرق الأوسط على المصالح الأمريكية هو الإسلام المتطرف. ولا يقتصر التهديد الإسلامي على المصالح الأمريكية فقط، بل يتجاوزها إلى تهديد الأنظمة العربية أيضاً. والولايات المتحدة لن تسمح بنشر ثورة إسلامية جديدة في أي دولة عربية من الدول ذات الأهمية الكبيرة)(11).
 
ولولا خشية الإطالة لذكرت الكثير الكثير من كتابات وتصريحات دهاقنة السياسة في الغرب في حربهم لما يسمونها (الأصولية الإسلامية) جهاراً نهاراً من غير حياء أو خجل! أما الديمقراطية التي ينادون بها، فلا وجود لها في قاموس السياسة الغربية، إذا كانت الديمقراطية ينتفع منها المسلمون!! وهكذا شاع وذاع هذا المصطلح – مصطلح الأصولية – فلا تكاد تستمع إلى أية إذاعة كانت من (واشنطن) و (لندن) و (مونتكارلو) وغيرها إلا وذكر الأصوليين يتردد في هذه الإذاعات بكثرة كاثرة، فما المراد بالأصولية؟
Page 5
الأصولية في المصطلح الغربي Fundamentalism وقد أطلقها الغربيون على الاتجاهات الدينية المتشددة في مسائل العقيدة والأخلاق، والمؤمنة بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس، سواء العهد القديم أو العهد الجديد(12). بيد أن الغربيين اليوم يطلقون هذا المصطلح على المسلمين ممن يريدون تحكيم شرع الله في كل شأن من شؤون الحياة… هؤلاء الذين يقيمون الأدلة بعد الأدلة على أن المجتمعات العربية والإسلامية لما فرض عليها إن تحكم الأنظمة الوضعية بعد أن استعمرت بلادها عادت بخفي حنين، جالبة الخزي والعار إلى الأمة … هؤلاء الذين يقيمون الأدلة بعد الأدلة على وجوب الحكم بما أنزل الله، من كتاب الله ومن سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه؛ فأن الله –عز وجل– يقول:
 
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) سورة النساء /65.
 
ويقول: (وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) سورة المائدة /49.
 
ويقول تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا…) سورة المائدة /48.
 
ويقول عز وجل: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) سورة المائدة /50.
 
ومن أمثلة التطرف الديني في نظر العالم الغربي، ما ذكره (آر هرير دكمجيان) الأمريكي في كتابه: (الأصوليون في العالم العربي)، وقد صدر الكتاب عام 1985(13) …
 
وفي أول فصل من هذا الكتاب يتحدث المؤلف عما اسماه (التطرف الإسلامي)، فيستعرض الأحداث التي هزت العالم ونفذت بأياد إسلامية ومنها:
 
1- مقاومة المجاهدين في أفغانستان.
 
2- اغتيال السادات.
 
3- العمليات الاستشهادية ضد إسرائيل وقوات الأطلسي في لبنان.
 
4- أحداث البحرين والتفجيرات في الكويت.
 
5- مظاهرات تونس والجزائر والمغرب… وغير ذلك(14).
 
وقد استعرض ما أسماه كتابه هذا (أفكار متطرفة) منها:
 
الإسلام دين ودولة! ومنها: التمسك بالكتاب والسنة مصدراً للتشريع! ومنها الإقتداء بالسلف الصالح!!(15).
 
ولا بد لنا أن نشير إلى أن الغرب ووكلاءه في عالمنا اليوم لم يتركوا جمهور الناس من غير أن يختاروا لهم ماذا يزودون به من رأي، وما هي الآراء التي يجب أن يحجب عنها الجمهور؛ فيكون عليها تعتيم إعلامي؛ لذلك فأن ما ينشر ويذاع في وسائل الإعلام المحلية وكل المؤتمرات والندوات التي تعقد، وتحت أسماء إسلامية أحيانا هي من تحضير وترتيب الغرب وسفارته وخبرائه، حتى وأن كان المؤتمر برعاية الأزهر الذي أفتى بجواز الصلح مع اليهود!!!