eKtab
EN ع
الإستعراب الإسباني وجاذبية الحضارة الإسلامية في الأندلس
Read free sample

الإستعراب الإسباني وجاذبية الحضارة الإسلامية في الأندلس

by د. محمد العماراتي

Page 1

المقدمة

ثمة إجماع بين الباحثين في الحضارة العربية الإسلامية على أن التراث الأندلسي قد شكل لونا من الإنجاز المتميز في تاريخ الإبداع العقلي والعلمي والثقافي العربي خلال مراحل عدة، لما تميز به من مظاهر وتجليات علمية وفكرية وجمالية متنوعة .

لقد استأثر غنى هذا التراث الإنساني الخالد باهتمامات العلماء والدارسين سواء كانوا عربا أو أجانب، وما زال يثير مزيدا من الاهتمام والعناية والبحث والنقاش الإيجابي المثمر، لأنه تراث مخصوص في لغته ومنهجه وتصورات أعلامه وعلمائه ، ولهذا ليس غريبا أن يندفع الباحثون في الحضارة العربية الأندلسية منذ عقود إلى دراسة تجلياته في إطار نشر بحوث ودراسات علمية جادة ، كل من زاوية اهتمامه واختصاصه، بغية الإلمام الكامل بعناصره وقضاياه.

إذ يمكن أن يقف المتتبع لتاريخ هذا التراث الطويل على عدد هائل من المؤلفات الأندلسية تبرز خصوصياته باعتباره تراثا له تميزه وتفرده وعناصر الإشعاع فيه، لكن ذلك لا يلغي فيه مشروعية انتمائه إلى التراث العربي الإسلامي الكبير كفرع من فروع حضارتنا الإسلامية المتجذرة في المدنية والمعرفة الإنسانية العريقة .

لكن مما يؤسف له حقا هو أن هذا الاهتمام العلمي المتنامي الذي عرفه هذا التراث والطرق المنهجية المعتمدة في معالجته ودراسته ظلت حبيسة الجهود العربية ، ولم يواكبها اهتمام بما كتبه الآخر عنه ،ولاسيما عند المهتمين من المستعربين الإسبان المحدثين .

لقد اهتم كثير من الباحثين العرب مغاربة كانوا أو مشارقة بهذا التراث ، كل من زاوية اختصاصه في إطار الإلمام الكامل به، فنظروا إلى مصادره الأندلسية العربية كعنصر محوري أساسي دون أن ينفتحوا على مصادر أخرى أجنبية – خصوصا الإسبانية منها- التي درست التراث نفسه .

فلم يحظ هذا الآخر باهتمام الباحثين العرب في وقت دَرَسَ المستعربون الإسبان المحدثون أغلب عناصر هذا التراث بعمق وتفان منقطع النظير في إطار بناء المعرفة الشاملة والممكنة بتراث الأندلس المشترك .

ولهذا فإن الهدف من تأليف هذا الكتاب ليس هو التقصي المستفيض للإنجازات العلمية العربية في تناولها للتراث الأندلسي كأفق للدراسة والبحث الدقيق ، فهذه أمور قُتِلَتْ بحثا ودراسة ، وألف فيها العديد من الأعمال والمؤلفات ، ولكن جوهر مساعينا ومقاصدها هنا هو فتح آفاق علمية ونقدية جديدة في تناول مباحث هذا التراث من خلال رؤى وتصورات وزوايا نظر إسبانية مغايرة إلى حد ما.

لقد أشاد هؤلاء المستعربون الإسبان المحدثون بهذا التراث المشترك ، ونوهوا بعراقته وقيمته وريادته وفضله على إسبانيا وعلى سائر دول أوروبا في فترة من فترات بناء مجدها العلمي والمعرفي والجمالي ، بتمكينها من مفاتيح كنوز المعرفة الإنسانية الخالدة التي كانت بلاد الأندلس وحواضرها حاضنة لها .

وتجسيدا لهذا الاهتمام وتقديرا لقيمة هذا التراث انصرفت طائفة من هؤلاء المستعربين إلى تعلم اللغة العربية وتمثل ثقافتها ، وبذلك تركوا بصماتهم على الدراسات الأندلسية الحديثة .

وحينما نقيم نحن العرب معرفتنا بهذا التراث الأندلسي ومصادره ، وننفتح على ما تركه هؤلاء المستعربون الإسبان من أعمال قيمة سندرك حجم مساهمتهم في الكشف عن جوانبه المضيئة وإماطة اللثام عن كثير من الحقائق المرتبطة به .

ومن ثم تولدت لدينا رغبة كبرى في إقامة عمل نقدي علمي يعيد الاعتبار لهذه الأبحاث الموازية التي درست هي الأخرى تراثنا الأندلسي المشترك بنفس الغيرة التي نمتلكها إزاءه وبنفس التفاني في تناول قضاياه وعناصره.

إذ لا يمكن رسم صورة واضحة المعالم، مكتملة الملامح والقسمات لحضارتنا العربية الأندلسية دون معرفة ما قام به الإستعراب الإسباني الحديث من خدمات لهذا التراث ، ودون معرفة حجم وأهمية هؤلاء الذين قدموا هذه الخدمات.

ومن هنا سعينا في هذا الكتاب إلى ضرورة إثراء فعل البحث والدراسة والمناداة بالاعتماد أيضا على ما ألفه هؤلاء من دراسات علمية وازنة ، لها قيمتها العلمية الكبرى في مجالها،فوجهنا عنايتنا إلى استنطاق النصوص الإسبانية عبر تشكلاتها العلمية والجمالية ... لما لاحظنا فيها من إمكانات هائلة قد تسمح لنا ولكافة الباحثين العرب في التراث الأندلسي بناء تصور شامل وغير أحادي الرؤية تجاه هذا التراث .

Page 2

إذ إنه من الناذر أن نجد باحثا مستعربا إسبانيا لم يتناول المصادر العربية الأندلسية بالدرس والتحقيق والترجمة في إطار الاستعانة بها لصياغة مشروعه العلمي حول حضارة إسبانيا الإسلامية في عصرها الوسيط، فأضحت كتاباتهم ودراساتهم من أهم المراجع التي ترصد تجليات هذا التراث بنوع من الدقة والوثوقية ، أمثال ميغيل آسين بلاثيوس وآنخل غونثالث بالنثيا وليوبولدو طوريس بالباس ، وإميليو غارثيا غوميث وغيرهم......

ووعيا منا بأهمية الموضوع وجدته قمنا بدراسة علم من أعلام الاستعراب الإسباني الحديث ألا وهو إميليو غارثيا غوميث Emilio García Gómez.لأن مشروعه العلمي يستحق الاهتمام والنقاش والمدارسة .

وتعود مسألة تناول مشروعه كأفق للبحث والتأليف في نظرنا إلى الأهمية التي يكتسيها الرجل في دراسته للتراث الأندلسي .

كما تكمن قيمة تأليف هذا الكتاب عنه في أنه أحد المختصين الكبار في دراسة تراثنا الأندلسي ، فهو يجمع بين المعرفة التاريخية واللغوية والفكرية والجمالية لهذا التراث ، فقد سعى في أعماله مجتمعة إلى دراسة وتوثيق حقبة تاريخية مهمة ألا وهي حقبة الوجود الإسلامي بالأندلس، والكشف عن حقائق ووقائع لم يتطرق إليها المؤرخون العرب المحدثون ، ولم تتناولها كتب التاريخ الإسباني بهذا الشكل من التفصيل عند تعرضها لتاريخ إسبانيا الإسلامية في العصر الوسيط .

إلا أنه للأسف لم يحظ في حدود علمي إلى الآن بدراسة منوغرافية خاصة عنه، ومنفصلة تعرف به وبمشروعه وبإنجازه العلمي الكبير في خدمة التراث الأندلسي .

فلم تنل أعماله في ثقافتنا العربية الحديثة ما تستحق من الاهتمام ، رغم كثافتها وعمقها وقيمتها التوثيقية والتاريخية والأدبية ، وإن كان غوميث حريصا على الحضور العلمي في كل تجليات هذا التراث ، وسعيه الدؤوب المستمر لبلورة تصور علمي ينصف هذا التراث عند الإسبان ، ويغير من أفق انتظارهم ورؤيتهم للوجود الإسلامي بإسبانيا العصر الوسيط ،

ولعل من يقترب من عالمه سيدرك عمق مشروعه وتعدد تجلياته ودراساته التي راكمها خلال ما يزيد عن نصف قرن من الكتابة والبحث والتأليف والترجمة والتنقيب والتحقيق لعيون تراثنا الأندلسي ونصوصه ، وتقديمها للقارئ العربي والإسباني على حد سواء على أساس أنها إرث مشترك للعربي فيه مثل ما للإسباني أيضا من حظ وانتماء وانتساب.

من هنا تنبع أهمية الكتابة والتأليف عن غوميث ، بالإضافة إلى اعتبارات أخرى لعل من أبرزها :

1- عدم وجود دراسة أو مؤلف مستقل عن غوميث باللغة العربية .

2- إبراز مكانة الرجل ودوره في خدمة تراثنا الأندلسي والتعريف به لدى الباحثين العرب .

3- محاولة كسر الإهمال الذي عرفه مشروعه العلمي، بمحاولة تناوله كأفق للبحث والدراسة قصد الخروج بصورة شاملة عنه .

ولذلك فإن أهمية هذا الكتاب لا تكمن في كونه أول بحث باللغة العربية في الموضوع ، ولكن تكمن أهميته أيضا في جدية الأهداف التي رسمها لنفسه ، وفي جهده التأسيسي لهذا اللون من المعرفة الممتعة .

والمؤكد أن مثل هذا العمل سيقتضي منا المزيد من البحث والتنقيب والكشف عن مواطن هذا الإبداع والتألق في مشروعه .

ومن أجل إنجازه اعتمدنا على خطة قسمنا خلالها الكتاب إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة .

خصصنا المقدمة لتبيان أهمية الموضوع وفرادته ، ثم عرضنا الفكرة الرئيسية للعمل .

الفصل الأول : تناولنا فيه سيرة غوميث وثقافته دراسة توثيقية ،أوضحنا فيها المحطات الأساسية من حياته ، مع ذكر أهم الأحداث التي مر بها ، وركزنا أيضاعلى النشاط الثقافي والعلمي والديبلوماسي الذي أنجزه غوميث باقتدار وبمستوى الرجل الخبير الماهر، دون إغفال لمسيرته التأليفية أيضا ، ثم عرضنا لأهم سنوات الإبداع العلمي في مسيرته الحياتية والعلمية .

الفصل الثاني :استعرضنا فيه قناعات ومواقف ورؤى غوميث من الترجمة عموما، ومن ترجمة الأعمال الأدبية خصوصا، درسنا فيه بعض آرائه وتصوراته للفعل الترجمي، وكيف ينبغي أن تكون الترجمة عليه كمفاهيم وقناعات وكشبكة من العلاقات يتفاعل فيها المترجم بالمتلقي وبالنص المترجم، وخلصنا في نهاية الفصل إلى أن غوميث كان يرى الترجمة عملا إبداعيا وليس عملا تقنيا جافا.

الفصل الثالث: خصصناه لمسألة ترجمة غوميث لفنون الشعر الأندلسي وتجلياتها، ومستوياتها، فتطرقنا فيه إلى موقفه الريادي السباق إلى ترجمة الشعر الأندلسي وإمداده للمشهد الشعري الإسباني الحديث بنماذج أندلسية رائعة وفريدة في بابها. كما رصدنا مستويات ترجمته للشعر الأندلسي في تجلياته الكلاسيكية التقليدية (القصيدة العمودية)، ثم صوره الجديدة (الموشحات والأزجال) التي نشأت بإسبانيا الإسلامية بفعل عوامل التطور والاحتكاك والتأثير والتأثر، مع دراسة منهجية مفصلة لطريقة ترجمته لكل تجل على حدة من هذه التجليات الشعرية الأندلسية.

تلك إذن أهم المباحث والقضايا التي حاولت فصول هذا الكتاب ملامستها بشأن موضوع الاستعراب الإسباني الحديث والحضارة الأندلسية، انطلاقا من تصور منهجي يرى هذا الموضوع حقل دراسة وتواصل وتفاعل بين شعبين متجاورين العربي والإسباني وليس حقل صراع وخلق جبهات ثقافية مضادة .

آمل أن نكون بتأليفنا هذا الكتاب قد أضفنا إلى المكتبة العربية عملا يسمو إلى خلق معرفة بالحضارة العربية الأندلسية من منظور الاستعراب الإسباني الحديث عامة ومن خلال منطلقات إميليو غارثيا غوميث وتصوراته خاصة .

والله ولي التوفيق

د. محمد العمارتي

تطوان في 01 فبراير2014

Page 3

لائحة الرموز والاختزالات

1/ - B.A.H : ( Biblióteca Arábigo Hispana).

2/ - E.E.A : (Escuelas de Estudios Árabes).

3 / - Fasc : ( Fasículo).

4/ - G.G.E : ( García Gómez Emilio ).

5/ - I.G.G.I : (Instituto Egipcio de Estudios Islámicos).

6/ - I.H.A.C : (Instituto Hispano-Árabe de cultura).

7/ - L.T.B : (Leopoldo Torres Balbás ) .

الفصل الأول

إميليو غارثيا غوميث

( الإنسان – الأستاذ العالم – الديبلوماسي)

تمهيد

1- العتبات الأولى في الحياة

2- بداية الانفتاح على عوالم متاخمة( العالم العربي والإسلامي)

3- سفاراته في بعض الدول العربية والإسلامية( العراق-لبنان-تركيا)

4–غرناطة وبداية المجد والعلمي.

5- العودة المحمودة إلى مدريد(1936-1995)

6 - مؤلفاته وأعماله العلمية في هذه المرحلة:

7- مستوى العلاقات الإنسانية والعلمية :

أ - علاقته ببعض أساتذته .

ب - علاقته ببعض زملائه.

ج - علاقته ببعض تلاميذه.

8- التقديرات والجوائز والأوسمة والدرجات التي نالها في حياته.

9- وفاته.

Page 4

تمهيد

1- العتبات الأولى في الحياة

تبرز أهمية التنشئة الأولى في حياة الطفل إميليو في كونها ستمارس تأثيرها الإيجابي على تكوينه النفسي والأخلاقي والثقافي والجمالي، وأيضا على حياته العملية المستقبلية التي كانت تتسم في أطوارها المتنوعة بالانضباط والصرامة والدقة في اتخاذ المواقف والقرارات المصيرية التي كانت تنبني عليها حياته.

شب إميليو غارثيا غوميث منذ ولادته في 4 يونيو من سنة 1905 بمدريد في هذا الوسط الذي لم يشعر فيه بحاجة أو حرمان، بالإضافة إلى ما كان يحظى به من اهتمام وعناية متزايدين من قِبَلِ جده من جهة أمه؛ فمن خلال هذا الجد رأى الطفل إميليو المحيط الخارجي بشتى مظاهره، فانفتح على عوالم جديدة من العلاقات الاجتماعية في ارتياد الأندية الثقافية ودور الأوبرا وحفلات المسرح والموسيقى[1] حيث كان ملازما له في هذه المرحلة المبكرة من حياته. هذا الجد ترك أثرا إيجابيا فعالا في تكوين ذوق إميليو الصغير وتحديد مساره وتوجهاته نحو الثقافة والتحصيل العلمي وتربية الحس الجمالي؛ مع توسيع أفقه المعرفي والفكري والاجتماعي.

وهكذا وفي هذه السنوات المبكرة جدا من حياته - سن ست عشرة سنة - بدأ يطرق عالم الكتابة؛ فصاغ عملين انطباعيين عن لوحتين مشهورتين بمتحف برادو بمدريد، الأولى للإمبراطورة إيسابيل دي تيثيانو La Emperatriz Isabel de Tiziano . والثانية للأمير بلتسار كارلوس El príncipe Baltasar Carlos وهما معًا للرسام الإسباني الكبير بلاثكيث Velázquez[2]. بعد ذلك بقليل سينشر إميليو بعض أشعاره في مجلة " إسبانيا España " Revista .

هذه المحاولات الانطباعية البسيطة كانت بمثابة تجليات أولية مبكرة لغوميث في مجال الكتابة والإبداع؛ إذ تكتسي طابعا فنيا حيث تقتصر على وصف لوحة أو كتابة محاولة شعرية أو تعليق على موضوع في عجالة.

وفي تلك الأثناء التي كان غوميث الطالب يقطع مراحل دراسته الجامعية بعزم وثبات كان في جامعة مدريد ثلة طيبة صادقة من الباحثين والعلماء الإسبان يواصلون بإصرار وتحد وصمود ترسيخ الدراسات العربية الأندلسية بإسبانيا، بعدما أسس قواعدها وأرسى دعائمها كل من باسكوال دي غاينغوس Pascual de Gayangos [3] وفرانثسكو كوديرا إي ثايدين Francisco Codera y Zaidín [4] من بعده ، ومن صِنْف هؤلاء العلماء كان أيضا خوليان ريبيرا إي طاراغو Ribera y Tarrago Julián [5] الذي أحدث بدراساته وأبحاثه الجريئة حول الثقافة العربية الأندلسية عموما، ودراساته للموشحات الأندلسية وديوان ابن قزمان ضجة علمية كبيرة غيرت من تصورات كثير من الدارسين لتاريخ الثقافة الأندلسية الإسبانية القديمة ، ثم ميغيل آسين بلاثيوس Miguel Asín Palacios [6] الذي كان يخوض أيضا معاركه الكبرى في المحافل العلمية لإثبات أفكاره حول الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية لدانتي[7]، ودراساته عن التأثيرات الإسلامية الأندلسية في الفكر الأوروبي والغربي[8].

فعلى يدي هذين الأستاذين الكبيرين: ريبيرا وآسين واصل غوميث تعلمه للغة العربية؛ بعد أن حقق في السنوات القليلة السابقة تقدما مهما في تحصيل قواعدها واستيعاب مبادئها.

ويمكن أن نعتبر الموسم الجامعي (23-1924) بداية الانطلاق الرسمي لتعلم ودراسة غوميث للعربية بإشراف الأستاذ آسين[9]، كما حظي بإعجاب وتقدير أستاذه ريبيرا، فواصل معهما دراسته الجامعية في هذه اللغة، وتوطدت علاقته بهما إلى حد كبير على أساس من البحث، والاشتغال بمعطيات التراث الأندلسي وقضاياه ومكوناته المتعددة فيما بعد؛ فشاركهما في الاهتمام بقضاياه.

وهكذا ففي الموسم الجامعي (1924م – 1925م) أنهى غوميث دراسته الجامعية بكلية الفلسفة والآداب حاصلا على جائزة استثنـائية Premio Ribadeneyra ، وسنه لا يتعدى تسع عشرة سنة[10].

والواقع أن نفسه كانت تستجيب لطموح أكبر وأهم من ذلك قد يصل إلى حد الكمال في نظره وهو الحصول على درجة أرقى في مراتب الدراسات الجامعية، ففي 9 فبراير من سنة 1926 سينال درجة الدكتوراه وعمره آنذاك 21 سنة بأطروحة في الأدب المقارن بعنوان: "قصة عربية هي أصل مشترك بين ابن طفيل وغراثيان"[11]، وقد نشرها في نفس السنة أي سنة 1926 بمجلة: Revista de Archivos, Bibliotecas y Museos. Madrid التي كانت تصدر بمدريد.

وهذه الأطروحة بموضوعها الطريف الجديد أحدثت وقعا كبيرا في الأوساط العلمية المهتمة بمجال الدراسات المقارنة؛ وأثارت فيضا من الأسئلة والإشكالات في مباحث الأدب والنقد المقارن بما توصلت إليه من حلول، وما وفرته من إجابات عن هذا الموضوع الذي طالما ظلت أسئلته معلقة بدون إجابات علمية مقنعة في مجال النقد المقارن.

شرع غوميث في تلك الفترة في تحقيق أول خطواته في عالمه الكبير المليء بالطموحات وهي أن يصبح باحثا مشاركا في صناعة ملامح الدراسات المقارنة بإسبانيا مثل أساتذته: ريبيرا وآسين وغيرهما، وزاد من هذا الطموح وأذكاه أن عُين في 15 نوفمبر من سنة 1926 أستاذا مساعدا في كلية الآداب والفلسفة بجامعة مدريد.

بعد ذلك وفي سنة 1927 سيسافر إلى مصر لتعميق معلوماته ومعارفه في اللغة العربية، يقول الباحث المصري الدكتور محمود علي مكي عن هذه الرحلة العلمية لغوميث: » ... وكانت علاقته قد توثقت خلال دراسته في الجامعة بأستاذه آسين بلاثيوس الذي توسم فيه مخايل نبوغ مبكر، ولهذا فقد رشحه للتدريس بكلية الفلسفة والآداب، ثم لمنحة دراسية رأى أن تتحول إلى بعثة يقضيها في بلد عربي حتى يستزيد فيها من معرفته بالعربية، وكان أن وقع الاختيار على مصر، وذلك بتوصية من خوليان ريبيرا وبتمويل من دوق ألبا«[12].

Page 5

2- بداية الانفتاح على عوالم متاخمة ( العالم العربي الإسلامي)

في سنة 1927 سيسافر غوميث إلى أرض الكنانة لتعميق معارفه، وكذا توسيع تكوينه في اللغة العربية وثقافتها؛ وبها « قضى غرسية غوميس[ غارثيا غوميث ] سنة وبضعة أشهر بين سنتي 1927 و 1928 وهي فترة ظل يذكرها طيلة حياته، إذ كان يعدها أخصب فترات تكوينه العلمي، فقد توثقت صلته خلالها بأستاذين جليلين احتفيا به، وهما أحمد زكي باشا "شيخ العروبة" والدكتور طه حسين الذي كان يخوض آنذاك معركته المترتبة على نشر كتاب " في الشعر الجاهلي" وهكذا أصبح المستشرق الإسباني الشاب شاهدا على تلك الحياة الثقافية الخصبة التي كانت تموج بها مصر في أواخر العشرينيات»[13].

وفي مصر المحطة الأولى المبكرة لبداية اكتشافه لهذا العالم استقبله القطب الكبير (شيخ العروبة) أحمد زكي باشا صديق خوليان ريبيرا وميغيل أسين وصديق إسبانيا؛ استقبله بحفاوة كبيرة؛ كان ذلك في سنة 1927. يقول غوميث عن ذلك: » وصلت إلى مصر في عام 1927، كان عمري حينها 22 سنة. في الواقع كانت أول مرة أسافر فيها خارج إسبانيا، فلم أكن أعرف سوى بعض المناطق في جنوب فرنسا. ذهبت إلى مصر وأنا أحمل رسالة توصية إلى أحمد باشا؛ لم أكن أنتظر أن يكون لهذه الرسالة تلك الأهمية، حيث استقبلني أحمد زكي باشا استقبالا حارا، وخلال العام ونيف الذي عشته في مصر، كنت أذهب إلى منزله مرتين كل أسبوع، هناك تعرفت على الكثير من الشخصيات في "دار العروبة" بالجيزة « [14].

وبالقاهرة كانت اهتمامات غوميث وانشغالاته العلمية والمعرفية تتوزع بين الحضور المتواصل للجلسات والندوات العلمية التي كان يعقدها أحمد زكي في منزله بالجيزة[15]، وبين محاضرات طه حسين العلمية والأكاديمية في الجامعة (كلية الآداب)، وهناك بالقاهرة بدأ غوميث في تحقيق حلمه في الاقتراب أكثر فأكثر من الثقافة العربية الإسلامية، ومن المجتمع الإسلامي ومن عاداته وتقاليده ومن أعلامه في الأدب والثقافة والفكر الذين كانوا معروفين في المشهد الثقافي المصري كتوفيق الحكيم وغيره.

فعن بداية معرفة غوميث بطه حسين، يقول: «.... وعن طريقه[16] تعرفت على طه حسين، في الوقت ذاته كنت أحضر بعض المحاضرات في كلية الآداب التي كانت في (قصر الزعفران) بالعباسية، وكان من بين المحاضرين هناك المستشرق الإيطالي الشهير "نللينو" وحضرت دروس طه حسين، ومن يومها جمعت بيننا صداقة قوية حتى وفاته«[17].

وفعلا ظل غوميث وفيا لأستاذه طه حسين معترفا بجميله وبفضله لم ينسه أبدا، كانت مرحلة مصر بالنسبة إليه بمثابة انطلاقة لعلاقات دائمة ومستمرة وممتدة في الزمان والمكان، وهكذا كان يحتفي غوميث بطه حسين حينما كان يزور إسبانيا، فيستقبله استقبال من يَرُدُّ دينا كبيرا كان عليه إزاء شخص عزيز على قلبه وعقله؛ يكن له كل ألوان التقدير والاحترام؛ يقول غوميث عن ذلك: « سعيت إلى دعوة طه حسين إلى إسبانيا مرتين، في الأولى كان ضد الحكومة، يومها لم تتحرك السفارة لاستقباله، ولكنني قدمته إلى الكثير من

الشخصيات مثل أورتيغا إي غاسيط[18]... وفي المرة الثانية أتى بصفته وزيرا للمعارف لافتتاح المعهد المصري في مدريد، وتم تشييد هذا المعهد بعد أن تغلبت أنا وطه حسين على الصعاب التي كانت تقف في طريقه، كان من عادتي أن أسافر كل عام مرة إلى مصر حيث كنت ألتقي به خلال هذه الزيارة«[19].

تركت مصر في حياة غوميث تأثيرات ظاهرة لم يستطع أن يتخلص منها أو ينساها طول حياته، فانعكس ذلك كله بشكل واضح في مؤلفاته وأعماله وتصوراته المستقبلية، لقد تغيرت مفاهيمه ورؤيته للأدب وللثقافة العربيين الإسلاميين ، فأضحى يفكر التفكير العملي في كيفية ترجمة هذا التغيير الجديد إلى حقيقة ملموسة وإلى فعل وسلوك عمليين تطبيقيين عند ما يعود إلى بلاده، فما كان منه إلا أن أصدر مقالا مهما بمجلة "الغرب Occidente" مباشرة بعد عودته إلى إسبانيا عن "الشعر الأندلسي" الذي كان نواة لكتابه العالمي الذائع الصيت (أشعار أندلسية) Poemas arábigoandaluces.

وكانت المادة الأدبية التي اعتمدها غوميث متنا رئيسا في أعماله ودراساته إلى حدود تلك الفترة مستقاة من كتاب مهم جدا هو "رايات المبرزين وغايات المميزين"[20] لابن سعيد المغربي، الذي أهداه إياه أحمد زكي باشا كثمرة طيبة لعلاقة حميمة قوية تربط بين الرجلين، يقول محمود علي مكي: » أثمرت صداقة غارسيا غوميس لهذا العالم الجليل حدثا أصبح له أبعد الآثار في حياته المستقبلية، وذلك أن أحمد زكي باشا أهدى ضيفه الإسباني مخطوطة نادرة لكتاب "رايات المبرزين وغايات المميزين" لابن سعيد المغربي وهو مجموعة مختارات شعرية أندلسية انتخبها المؤلف من موسوعته الكبيرة "المغرب في حلى المغرب"«[21] .

Page 6

فكان هذا المخطوط لابن سعيد المغربي نقطة انطلاق لدراسات وأعمال غوميث عن الشعر الأندلسي، ومفتاحا لصياغة كتاب العصر ( أشعارأندلسية ) فيما بعد، وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذا الكتاب (الرايات) هو الذي وجه تصورات غوميث في هذا الميدان؛ وأطر تفسيراته واستنتاجاته حول الشعر الأندلسي بوجه خاص.

وأول عمل في هذا المشروع كما ذكرنا آنفا هو ترجمته إلى الإسبانية مختارات شعرية من هذا المخطوط ، نشرها في بداية الأمر كمقال مقتضب سنة 1928 بمجلة " الغربOccidente " ثم وسع منها بعد ذلك مضيفا إليها بشكل مهم عددا من الأشعار لم ينشرها من قبل؛ مع مقدمة ذهبية هامة ومفصلة لهذا الشعر ولمراحل تطوره وازدهاره بالأندلس منذ بداياته الأولى المبكرة؛ فأصدر ذلك كله سنة 1930 في كتاب يحمل نفس العنوان هو: "Poemas arábigoandaluces " سنة 1930[22].

وقد أثار هذا الكتاب لعمقه وجدته وفرادته في تقديم الشعر الأندلسي وترجمته موجة من ردود فعل إيجابية جدا، وأثار إعجاب ودهشة النقاد والشعراء داخل إسبانيا وخارجها. أهمية هذه المختارات الشعرية المترجمة في الثقافة والأدب الإسبانيين فاقت كل التوقعات وتأثيرها على شعراء إسبانيا العصر الحديث حقيقة ثابتة بادية للعيان لا ينكرها إلا جاحد أو مجانب للحقيقة الماثلة أمامه[23].

ونحن هنا لسنا في معرض تتبع خطوات هذا التأثير وتجلياته ومواطنه في أعمال الشعراء الإسبان، فهذا مجال آخر خارج عن طبيعة عملنا في هذا الفصل، وبعيد عن مقصديته وغايته وقد أشارت الباحثة والمستعربة الإسبانية ماريا خيسوس بيغييرا مولنس Maria Jesús Viguera Molins[24] إلى نموذج من نماذج هذا التأثير المتمثل في أعمال الشاعر الإسباني المعروف رامون غوميث دي لاسيرنا Ramón Gómez de La Serna وذلك بنوع من التتبع والتقصي[25].

وهكذا فإن علاقة غوميث بالعالم الإسلامي وصلاته بأفراده لم تنته بانتهاء رحلته التعلمية، بل استمرت طيلة حياته الطويلة، واتخذت هذه المرة وجهة أخرى فلم تعد رحلة تعلم وطلب التوسع في المعرفة العربية، بل أصبحت مرحلة تثاقف وعروض وندوات ومحاضرات وتمثيل دبلوماسي، حيث اتخذت تجليات متعددة تبعا لطبيعة الرحلات وغاياتها، إلا أن الجديد فيها هذه المرة هو النشاط الحيوي الكبير الذي تميزت به، بالإضافة إلى ما كان يتمتع به من رعاية وعناية بارزتين عند حكام هذه الدول ومثقفيها وعلمائها ودبلوماسييها.

ولم تكن أواصر المحبة والتقدير والعلاقة الحميمة والتعاون الثقافي التي تجمع بين غوميث والعالم الإسلامي والعربي تقف عند حدود مصر فقط. بل تعدتها إلى خلق تواصل شمولي كذلك مع باقي العواصم الأخرى المجاورة لمصر، إذ في 28 دجمبر من سنة 1948 وبقرار من رئاسة الجمهورية السورية؛ وباقتراح من وزارة التعليم الرسمي سَيُعَيَّنُ غوميث بدمشق عضوا مراسلا لهذه المؤسسة[26].

إلا أن مصر كانت لها مكانة خاصة في قلب غوميث وعقله، فقد ظل شديد الوفاء والامتنان لما قدمه هذا البلد إليه من ألوان العناية والرعاية، ولهذه كانت رهاناته الكبرى تهدف إلى خلق جسور التعاون والتواصل الثقافيين مع مصر بوجه خاص، مع البحث عن

أسس قوية راسخة لترجمة هذا التعاون والتواصل بين البلدين على أرض الواقع ليصبح حقيقة ملموسة بادية العيان؛ فكانت » أول خطوة في هذا الطريق تأسيس المعهد المصري للدراسات الإسلامية في سنة 1950... ونحن نعلم أن مؤسس هذا المعهد كان طه حسين الذي كانت له نظرة مستقبلية، وأن أول فكرة لخلق مؤسسة على أرض إسبانيا تكون حلقة وصل بين ثقافة البحر الأبيض المتوسط وأوربا ولدت انطلاقا من المحدثات التي تمت بين غوميث وطه حسين بالقاهرة«[27].

ومع انطلاقة هذا المعهد شارك غوميث إلى جانب أساتذة إسبان مشهورين ومعروفين بمحاضرة بمقر المعهد بمدريد يوم الاثنين 25 فبراير1952 بعنوان " الشعر العربي الأندلسي، خلاصة تاريخية موجزة "[28].

وهكذا ومنذ 1954 قامت الحكومة الإسبانية بإنشاء المعهد الإسباني العربي للثقافة[29] " Instituto Hispano-Árabe de Cultura" بمدريد الذي أصبح يسمى اليوم "معهد التعاون مع العالم العربي" Instituto de Coperación con el Mundo Árabe ، كان هذا المعهد تابعا لوزارة الشؤون الخارجية وأسندت إدارته لغوميث، فكان أول مدير له، ولكن لماذا بالضبط وقع الاختيار على غوميث لإدارة هذه المؤسسة الثقافية/السياسية؟

يقول محمود علي مكي مجيبا على هذا السؤال: » كانت العلاقات بين إسبانيا والعالم العربي منذ أواخر الأربعينات قد أصبحت أحد المحاور الرئيسية التي ترتكز عليها سياسة إسبانيا الخارجية، وخاصة إزاء العزلة التي كانت تعاني منها البلاد والحصار المفروض عليها سواء من جانب العالم الغربي أو من الكتلة الشرقية، ورأت الحكومة الإسبانية أن غرسية غومس [ غارثيا غوميث ] بحكم خبرته ومكانته هو خير من يستطيع تمثيلها في الحوار مع عالم العروبة، وفي هذا السياق أقدمت وزارة الخارجية الإسبانية في سنة 1954 على إنشاء "المعهد الإسباني العربي" وكان من الطبيعي أن تسند إدارته إلى غرسية غومس [غارثيا غوميث] « [30].

وهكذا يضاعف غوميث مساعيه التي ابتدأها في السابق فيرفع من وتيرة تعاونه مع العالم الإسلامي والعربي حيث يمنح أهمية كبرى لهذه العلاقات تاركا بها تأثيره الشخصي والمعرفي والثقافي والعلمي الذي لا ينكر، فما كان من هؤلاء العرب من سياسيين ومثقفين ورجال الفكر إلا أن قابلوا هذه الاهتمامات بنوع من العرفان بالجميل والرعاية والتشريف لصاحبها، ففي 26 يناير من سنة 1950 منحه عاهل المملكة الأردنية الهاشمية الملك عبد الله بن الحسين وسام الاستقلال من الدرجة الأولى[31].

ولكن ابتداء من شهر أبريل من نفس السنة ستعرف هذه العلاقة الجامعة بين إسبانيا وهذه الدول قفزة كبيرة إلى الإمام، بحيث ستأخذ طابعا رسميا وعلى مستوى عال من التمثيلية؛ فقد ترأس وزير الشؤون الخارجية الإسباني آنذاك السيد: ألبيرطو مارتين أرطاخو Martín Artajo زيارة رسمية للبلدان العربية مصطحبا معه غوميث لقيمته العلمية التي اكتسبها عند هذه البلدان، وباعتباره وجها مألوفا ومحترما لديها . والغرض من هذه الزيارة هو توثيق عرى الصداقة بين إسبانيا وهذه الدول، ومن بين بنود هذه العلاقة ربط الجسور الثقافية والسياسية والاقتصادية المتينة والقوية معها، وقد كانت هذه

المهمة ناجحة جدا وبكل المقاييس؛ ابتدأت من بيروت ثم عمان ودمشق وبغداد والرياض والقاهرة أيضا[32]. وكانت هذه الزيارات الرسمية ذات هدف مزدوج: ثقافي وسياسي؛ وكان غوميث في هذه الزيارات يشكل دائما عنصرا سياسيا في الوفد مستشارا أو مساعدا ثقافيا.

وأخيرا توجت جهود غوميث الإيجابية ومساعيه الحميدة لخلق جسور التواصل بمستوياتها المختلفة بين إسبانيا وهذه الدول توجت بتعيينه سفيرا لإسبانيا بالعراق بموجب قرار صادر عن الوزارة الخارجية الإسبانية بتاريخ 20 مايو 1958. وبهذه المناسبة السعيدة أقيم احتفال بهيج على شرفه من قبل الطلبة العرب الذين كانوا وقتئذ يحضرون شهادة الدكتوراه بجامعة مدريد يوم 25 يونيو بمقر العلاقات الثقافية[33].

Page 7

3- سفاراته في بعض الدول العربية والإسلامية

كانت سنة 1958 بداية تحول في مسيرة حياة إميليو غارثيا غوميث العملية المهنية من العمل الجامعي الأكاديمي إلى العمل الديبلوماسي السياسي، وهي مرحلة طويلة نسبيا، حينما ترك غوميث منصب الأستاذية بجامعة مدريد ليتحمل مسؤولية سفارة إسبانيا في بعض دول الشرق الأوسط والتي دامت إحدى عشرة سنة " 1958 إلى 1969" كانت غنية ومتنوعة وطريفة عبر ثلاث محطات مختلفة (بغداد – بيروت – أنقرة).

تعد إسبانيا الحديثة الوريث المباشر والحيوي لتراث وثقافة العرب المسلمين بالأندلس من دون شك ، نظرا لتوفر مكتباتها الكثيرة على مخطوطاتهما ومؤلفاتهما، وإميليو غارثيا غوميث أحد الدارسين المهتمين بهذا التراث في سعيه الدؤوب نحو ترجمته وإخراجه ودراسته خدمة لهدف مزدوج: أولا إضاءة مراحل معتمة من حضارة إسبانيا العصر الوسيط ثم ثانيا لفت انتباه المسلمين المعاصرين إلى مواطن التوهج والتفوق والنبوغ في تراثهم القديم المشرق الذي تركه هؤلاء المسلمون بالأندلس.

وتأسيسا على ذلك فإن أحسن وسيلة لخلق علاقة ديبلوماسية إيجابية مع هذه الدول العربية الإسلامية هي الانطلاق أولا من إبراز وإظهار هذا القاسم المشترك بين الأمتين: الإسلامية والإسبانية الذي يتجلى في هذا الماضي الحضاري لإسبانيا الإسلامية كما ذكرنا والذي حافظت عليه إسبانيا عبر عصورها المتعاقبة؛ حيث يصبح هذا التراث المشترك وسيلة فضلى لإسبانيا وأداة إيجابية لخلق مناخ سياسي واقتصادي من جهة ثانية؛ وبذلك تكون النتيجة الحتمية التي تنوي هذه المهمة الديبلوماسية لغوميث تحقيقها هي: إن إسبانيا بحكم كل ما سبقت الإشارة إليه أقرب إلى العرب من انجلترا وأمريكا في خلق جسور علاقات متينة وشاملة على جميع المستويات (سياسية، ثقافية، اقتصادية، علمية...).

وقد أكد غوميث نفسه هذا الرأي حين قال عن سفارته بلبنان: "الدور السياسي لسفير إسباني بلبنان سهل بما فيه الكفاية، إذ في الواقع يمكن إيجاد قرابة لافتة للنظر بين شريحتين من السكان اللبنانيين: مع المسيحيين من خلال السياسة الغربية الحالية ومن وحدة الإيمان، ومع المسلمين من خلال استثمارنا لحصيلة تاريخنا المشترك للعصور الوسطى..."[34].

أ ـ غوميث سفيرا لأسبانيا ببغداد: (1958 – 1960).

في يوم 13 يوليوز من سنة 1958 أي في اليوم السابق على الثورة (ثورة 14 يوليوز) وصل غوميث إلى العراق بساعات متأخرة من النهار.

يلخص غوميث السفير الجديد الانطباعات الأولى لوصوله إلى بغداد قائلا:"في محطة القطار كان ينتظرنا الرئيس الثاني للبروتوكولات والمراسيم والتشريفات الموظف في السفارة....تناولنا العشاء تلك الليلة في ناد في هدوء تام، وحتى عند الساعة الحادية عشر ليلا كان الوضع عاديا، وفي الساعة السابعة صباحا من اليوم الموالي دخلنا في الأحداث، وبدأنا نعيش المأساة "[35].

كانت أحلام السفير الجديد في ليلته الأولى ببغداد قصيرة جدا، ففي الصباح الباكر من يوم 14 يوليوز من سنة 1958 أصبحت شوارع بغداد الكبرى جاهزة لحلبة السباق اللانهائي للمدرعات والدبابات الضخمة التي كانت تجوب الشوارع ، محدثة دويا وضجيجا عاليين[36].

بمثل هذه الأنباء من الحجم الكبير استيقظ على أصدائها السفير الجديد على الساعة السابعة صباحا يوم 14 يوليوز 1958.

كانت الأحداث تتلاحق أيضا بشكل سريع ومفاجئ بالنسبة إلى غوميث، والتزود بالمعلومات حول ما يجري بالبلاد عامة وببغداد خاصة لا يمكن التوصل بها بسهولة؛ كما أنه لم تكن هناك قنوات إعلامية كافية للتزود بالأخبار[37].

قُتِلَ الملك فيصل الثاني وولي عهده الأمير عبد الله، فأعلنت القيادة العسكرية العليا للانقلاب[38] عن حل الاتحاد العربي ( بغداد/عمان ) وسقوط الملكية ، وقيام الجمهورية العراقية. وعلى إثر نجاح الانقلاب تألف مجلس برئاسة الفريق نجيب الربيعي، ورئاسة الجمهورية للزعيم الأول الركن عبد الكريم قاسم[39] الذي كان المخطِّط الفعلي لكل ذلك. رَأْسُ نوري السعيد[40] حسب تصريح راديو بغداد كان يساوي عشرة آلاف دينار عراقي؛ جميع الوزراء اعتقلوا باستثناء من كانوا قبل الانقلاب بأنقرة في مهمة رسمية.

Page 8

كان يوم 15 يوليوز الاستيقاظ الثاني للسفير غوميث ببغداد؛ استأنف حياة السفارة الجديدة، بعد ذلك وفي منتصف النهار عرف أن كثيرا من الشخصيات الهامة في مختلف مناطق البلاد استسلمت ومنها من مات ومنها من اختفى مع نوري السعيد، إلا أن اختفاء نوري السعيد لم يطل كثيرا فقد عثر على جثته في اليوم نفسه بشوارع بغداد[41].

وهكذا فبموت نوري السعيد الرجل القوي في مرحلة الملكية أصبح واضحا أن النظام الملكي قد سقط وانتهى بشكل نهائي وبلا رجعة ، وأن الأستاذ السفير الجديد غوميث لا يمكنه تقديم أوراق اعتماده كسفير لإسبانيا أمام الاتحاد العربي الذي انتهى.

المعاناة وسوء الطالع اللذان لازما غوميث في سفارته الأولى ببغداد لم يقفا عند هذا الحد، بل تماديا في تعنتهما وإصرارهما على ملاحقته بالأذى والأوصاب وبكل ألوانهما، فبعد عشرة أيام من الانقلاب تعرضت السفارة لكارثة خطيرة غير متوقعة ناجمة عن حريق مهول في بعض مستودعات الوقود والمحروقات بسبب درجات الحرارة المرتفعة التي شهدتها بغداد في ذلك الصيف المشؤوم في حياة السفير؛ ومن سوء الحظ أن الحريق لم يكن يبعد كثيرا عن السفارة، وبالقرب من حي أغلب سكانه من المسيحيين، وككل الأشياء السيئة التي كانت تحدث بسرعة في تلك الأيام عادت مرة أخرى القوات العسكرية العراقية لتطويق الشوارع والأحياء المجاورة للمنطقة التي وقع فيها الحادث؛ معتقدة أنه من تدبير فاعل، وأخذت تظهر من جديد حشود من الناس تجري في شوارع العاصمة، فأحدث ذلك سحابة سوداء كبيرة غطت المدينة؛ ولولا إخماد النيران لكان مصير السفارة بكل مؤسساتها الاندثار[42].

بعد هذا الحادث الخطير الذي كاد أن يودي بكل شيء أصبح السفير يعيش حالة من الاضطراب الشديد والمزاج العكر، وبنفسية منكسرة محبطة حيث أمضى بعد ذلك ليلتين معا دون أن يذوق طعم النوم، ويذكر Villanueva أنه لم ير غوميث قط في حياته بمثل تلك الحالة المزرية التي وصل إليها السفير من الشكوى والمعاناة، فقد انهار النظام الملكي الذي كان سيقدم إليهما أوراق اعتماده، كما أنه كان قاب قوسين أو أدنى من فقدان جميع البنايات التي تشكل الوجود المادي للديبلوماسية الإسبانية ببغداد[43].

الحقيقة رغم أن المراسلات التي كانت تُبْعَث من بغداد إلى إسبانيا كان يقوم بها كتاب ومحررو السفارة ضمن مهامهم الإدارية ، إلا أن هناك عددا كبيرا من تلك المراسلات والبرقيات كان غوميث هو الذي يسهر على صياغتها وكتابتها بنفسه، فأضحت بفضل ذلك مادة أدبية وسياسية غنية بالدلالات ، عميقة بالمضامين والأبعاد، فهي بذلك تؤلف صفحات إخبارية وأدبية للأحداث التي عاشها غوميث ببغداد أولا ثم بلبنان وأنقرة ثانيا بتفصيل مسهب يوما بعد يوم، فكانت بذلك تؤدي وظيفتين أساسيتين الأولى مباشرة إبلاغية والثانية غير مباشرة بلاغية.

ولهذا جاءت هذه الرسائل مفعمة بالمعطيات ، دالة على مواقف السفير من كل الأحداث التي شهدها العراق وغيره، يقول غوميث عن أهمية هذه المراسلات "....وخلال

فترة عملي في الحقل الديبلوماسي أنتجت الكثير، وتركت ورائي الكثير من الوثائق وسلسلة من الرسائل مع وزير خارجية إسبانيا لا أريد نشرها لأنني لا أهتم بالسياسة المعاصرة ولكنني قد أقوم بنشرها يوما ما، حيث ستكون فيها فائدة"[44].

بعد هذه الظروف القاسية والصراع الخفي على السلطة بالعراق فإنه لا يمكن أن يفاجأ الرأي العام في العراق بالاعتداء على عبد الكريم الذي حدث بعد أسابيع قليلة في 8 أكتوبر بحي الرشيد المركزي ببغداد حيث قتل سائقه الخاص وأنقدت حياته بأعجوبة لأنه كان حينها يرتدي لباسا واقيا ضد الرصاص، الحادث نسب إلى البعثيين " حزب البعث" وبعد ذلك بوقت طويل عرف من نفذ هذه المحاولة ، فكان صدام حسين واحدا منهم ، وربما كان الوحيد الذي لم يتم القبض عليه؛ لكنه جرح وكان وقتئذ لا يزال شابا وغير معروف[45].

كان غوميث يتنبأ بالنهاية المأساوية التي كانت تنتظر عبد الكريم قاسم قبل وقوعها بثلاث سنوات؛ فبالرغم من الاستقرار النسبي الذي شهدته العراق بعد الانقلاب؛ ورغم اعتباره من قبل العراقيين لغزا وداهية في تسييره لدواليب الحكم والرئاسة بالعراق؛ فإن سياسته كان يشوبها الكثير من الخلل والنقص والعيوب، ولكن لكل بداية ونهاية ونهاية حكم عبد الكريم قاسم كانت نهاية مأساوية، وهكذا ففي 14 رمضان 1383 الموافق 8 فبراير 1963[46] قام الانقلاب العراقي الثاني بزعامة الركن عبد السلام عارف « ونجحت الثورة في القضاء على حكم عبد الكريم قاسم الذي قدم للمحاكمة مع المهداوي الذي كان رئيسا للمحكمة العسكرية؛ وحكم عليهما بالإعدام في اليوم التالي 9 فبراير«[47].

ب - غوميث سفيرا لإسبانيا ببيروت (1960-1962).

ابتدأت السفارة الثانية لغوميث في الشرق الأوسط (لبنان) في ظروف حسنة وعادية، ففي بيروت لم يلق هذه المرة في طريقه جحيما أو حياة مفزعة أو انقلابا أو انفجارا أو معاناة لا حد لها، بل هيأت له هذه السفارة سبلا من الطمأنينة والاستقرار النفسي الجيد، ووفرت له انفتاحا كبيرا على المشهد الثقافي اللبناني والتيارات الفكرية والعلمية التي كانت تعج بها بيروت، فخلق تعاونا ثقافيا قويا مع الجامعات اللبنانية خصوصا الجامعة الأمريكية، كما كانت له أيضا علاقات طيبة وثيقة برئيس الجامعة الفرنسية ببيروت آنذاك السيد: فؤاد البستاني؛ هيأت له مناسبات ذهبية لإعطاء العديد من المحاضرات في الجامعة اللبنانية ببيروت، وقد تحدث غوميث في رسائله التي كان يرسلها

Page 9

إلى الوزير ـ كما ذكرناـ عن الحياة الجامعية والثقافية والتيارات الفكرية والفنية التي كانت تشهدها لبنان وقتئذ ، مع ما كان يعرفه فضاء النشر من إصدارات للمجلات والكتب العديدة التي تهتم بشتى فنون المعرفة وألوان الإبداع؛ وقد ميز في هذه الحياة الفكرية بين منزعين اثنين لا يمكن التوفيق أو الجمع بينهما، هما: منزع التقليديين ومنزع المجددين حيث كانت لهؤلاء المجددين أهمية كبرى، خصوصا الذين اهتموا بمجال الشعر العربي الحديث التي كانت مجلة(شعر) البيروتية المشهورة منبرا لأصواتهم؛ تحتضن إبداعاتهم باستمرار[48].

وقد أظهر غوميث للعيان باعه الطويل في إثراء المشهد الثقافي ببيروت بماله من خبرة وتراكم كبيرين، حيث تعاون أيضا مع بعض الإصدارات كمجلة (الشرق الأدبي) "Orient litteraire" وكانت مجلة فرنسية خالصة، ولكنها – حسب غوميث- لها صدى واسع في لبنان، كما ساهم بتجربته المهمة في أنشطة كثير من المراكز الثقافية الفرنسية والإيطالية[49].

فحوَّل ذلك الركود الذي عاشه في سفارته ببغداد إلى خلق دائم وابتكار مستمر سواء بالعروض والمحاضرات العلمية أو بكتابة المقالات، فكانت مرحلة لبنان خصبة ثرية في حياة غوميث العلمية.

إلى جانب ذلك تابع عن قرب الأنشطة الثقافية والعلمية التي كان يقوم بها المركز الثقافي الإسباني ببيروت[50].

ولكن ما هي الأشياء التي يستطيع المتتبع لمسيرة غوميث في هذه المرحلة أن يلحظها على مستوى الحياة الاجتماعية ببيروت؟

نسجل منذ البداية أن السفير عرف في لبنان حياة اجتماعية لامعة جدا فيها من الترف والنعم وفرص العيش الرغيد الشيء الكثير، فلم يجد ببيروت إقامة أو مسكنا عاديا، بل وجد قصرا فاخرا ، فيه ترف ويسر، كان هذا القصر للأمير فريد شهاب المدير القديم للأمن مع شمعون، ثم كان بعد ذلك سفيرا بغانا وبتونس، الذي قال عنه غوميث: »إنه من الشخصيات البيروتية البارزة«[51].

كما نسجل أيضا أن غوميث عرف في خضم ذلك علاقات ديبلوماسية واجتماعية مهمة خصوصا مع رئيس الدولة حينها الجنرال شهاب[52]، ووزارئه، وباقي طبقات المجتمع اللبناني الراقية، والسلك الديبلوماسي المعتمد ببيروت إذ جرت العادة في لبنان أن السفراء المعتمدين ببيروت يستدعون مرات عدة إلى الحفلات الرسمية الكبرى التي كانت تنظم بشكل راق وممتع جدا تدل على ذوق وحضارة عظيمين.

كان السفير غوميث يحضر ويشارك في كثير من المراسيم والحفلات التي كانت تقام ببيروت حينها التي يحضرها كبار المسؤولين كالوزراء ورجال السياسة والأعيان والسفراء الأجانب المعتمدين ببيروت، والطبقات الأرستقراطية اللبنانية والشخصيات في عالم الفكر والثقافة والفن[53].

وربما أبرز ما كان يميز المجتمع اللبناني في هذه المرحلة التي كان غوميث فيها سفيرا بلبنان هو سيادة روح التعايش الإثني الديني بين كافة الأقليات التي تشكل نسيج المجتمع اللبناني ، ويرجع الفضل في تحقيق ذلك - كما يذكرVillanueva - إلى الرجل الأول في لبنان آنذاك الجنرال شهاب الذي كان محور السياسة الداخلية للبنان في الوقت الذي وصل إليها غوميث، يقول عنه Villanueva » بأنه عمل بشكل ذكي على ترسيخ حب لبنان في أذهان غير المسيحيين، كما كان إكسابه للمجموعات الإسلامية إلى صفه وعملها إلى جانبه هدف مخطط عمله الاقتصادي والاجتماعي.

كان يبحث دائما ليس فقط عن الازدهار والرخاء للجميع مع النهوض بمستوى حياة اللبنانيين، وإنما أيضا كان طموحه السياسي أن يجمع كل هذه الفسيفساء من الطوائف اللبنانية؛ ويجعلها تنصهر بوتقة واحدة متجانسة وأن يحس الجميع بأنهم شعب واحد لوطن واحد هو لبنان. كان ينادي دائما بأن مشاكل الدول العربية ينبغي أن تحل من قِبَلِ العرب أنفسهم«[54] بدون تدخل قوى أجنبية غريبة عن المنطقة.

وضعية غوميث الديبلوماسية كسفير لإسبانيا بلبنان والتسهيلات الكثيرة التي قدمت إليه للقيام بمهمته خير قيام يلخصها هو بنفسه في إطار تقييمه لحصيلة هذه المرحلة يقول:

» الدور السياسي لسفير إسباني بلبنان سهل بما فيه الكفاية، إذ في الواقع يمكن إيجاد قرابة لافتة للنظر بين شريحتين من السكان اللبنانيين: مع المسيحيين من خلال السياسة الغربية الحالية ومن وحدة الإيمان، ومع المسلمين من خلال استثمارنا لحصيلة تاريخنا المشترك للعصور الوسطى...«[55].

إن وظيفة غوميث كسفير هيأت له سبل الاتصال والالتقاء باستمرار بكثير من رجال السياسة اللبنانيين وربط علاقات متينة قوية معهم مثل: رشيد كرامي ووزير الخارجية اللبناني آنذاك السيد فيليبي تاكلا Philippe Takla وأيضا مع السياسي البارز نائب الرئيس الشيعي لغرفة مجلس النواب السيد كاظم الصلح[56].

إن سفارة إميليو غارثيا غوميث بلبنان كانت مثمرة وإيجابية إلى حد كبير على مستويات عدة: سياسية واقتصادية وثقافية... فقد ودع غوميث لبنان في الأيام الأخيرة لسفارته بها بمحاضرتين: الأولى ألقاها بالجامعة الأمريكية حول موضوع "لويس ماسينيون" الذي توفي في تلك الأيام. والثانية كانت متميزة في طريقة تنظيمها ألقاها بكلية الآداب الفرنسية، حيث كانت ترافقه بالعزف على البيانو (البيان) الأستاذة: ديانا تقي الدين أثناء إلقائه لمحاضرته التي كان موضوعها "استذكار الأندلس من خلال ماتشادو وألبنيث"[57]. وكانت برعاية الشبيبة الموسيقية بلبنان، وبعد نخب عشاء الوداع بالسفارة الفرنسية ببيروت قال السفير غوميث كلمة مقتضبة ومؤثرة وبليغة جدا في حق هذا البلد الجميل: ( لبنان جنة ولكنها ذات أشجار تفاح كثيرة )[58]. وهكذا انتهت سفارة غوميث بلبنان في 7 دجنبر من سنة 1962 ليصبح بعدها سفيرا رسميا لبلاده بتركيا.

Page 10

ج - غوميث سفيرا لإسبانيا بأنقرة (1962-1969).

قدم غوميث أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية التركية وقتئذ الجنرال جمال غورسيل[59](1895-1966) بتاريخ 21-12-1962، ومع بداية سنة 1963 بدأ السفير غوميث يكوِّن معلوماته ويجمع الحقائق عن الوضعية السياسية والاقتصادية والثقافية لتركيا الحديثة، فانتهى إلى تكوين تصور راسخ أن المنطقة برمتها كانت تغلي فوق فوهة بركان، إذ لم تكن منطقة سلام واستقرار سياسيين. فكان العراق وتركيا يعيشان صراعات سياسية داخلية كبيرة، ويشهدان سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة، وهذه الوضعية الصعبة كانت تضاعف من مهمة السفراء إن لم تجعلها صعبة للغاية، فتوصل أيضا إلى استنتاج هو أن تركيا الحديثة تعيش أوضاعا غير مستقرة حينها؛ وأن الائتلاف الحكومي الذي كان يتزعمه السياسي الشيخ عصمت إينونو[60] إنما هو محاولة جاهدة للخروج من المشاكل الخانقة التي تشهدها تركيا والبحث عن الحلول الناجعة للخروج بالبلاد من هذه الوضعية الصعبة التي لا تطاق، إذ كان من نتائج الانهيار الاقتصادي وتسلط الحزب الواحد أن عمت الاضطرابات خلال سنة 1960 التي انتهت بانقلاب عسكري في 27 ماي 1960 بزعامة الجنرال جمال غورسيل الذي أزاح حكومة عدنان مندريس[61] وقدمه مع رئيس الجمهورية جلال بايار إلى المحاكمة. هذا الانقلاب الذي اعتبره بعض المفكرين الأتراك بمثابة إعلان للجمهورية التركية الثانية.

وبعد الانقلاب الفاشل الذي قام به الكولونيل المتطرف أيديمير Aydimir أكمل غوميث تصوره عن تركيا معتبرا أن أمر تقدمها أو تأخرها يكمن في الخروج الذي لا مفر منه من تأثير وفتنة النموذج الأتاتوركي، لبناء تركيا أكثر ديمقراطية وانفتاحية على العالم[62].

نؤسس في ضوء هذه المعطيات أن هذه الآراء والمواقف السياسية التي بلورها السفيرغوميث عن دول هذه المنطقة لم تكن تصورات صادرة عن إنسان عاد بسيط، أو معبرة عن رؤية ارتجالية اعتباطية انفعالية ، وإنما كانت تحمل دلالات عميقة متأنية من رجل خابر للحياة الإنسانية في عمومها؛ ورجل دارس للتاريخ القديم وللحضارات الإنسانية القديمة وسبل تقدمها وازدهارها أو تأخرها واندثارها، فكانت له نظرات وإرهاصات مهمة حول مآل هذه السياسات غير المستقرة في دول الشرق الأوسط آنذاك. فكان يتنبأ بالأحداث قبل وقوعها لحسه العميق الثاقب.

كان يراقب عن كثب التطورات المهمة التي تشهدها تركيا الحديثة، وهي تبني حضورها الفعلي في العالم الحديث، حيث كانت الرغبة كبيرة لدى الحكومات التركية المتعاقبة في الانضمام إلى السوق الأوربية المشتركة منذ ذلك الوقت، ولكن هذه الرغبة كانت تتعثر وتصطدم بنفس العراقيل القائمة من زمن غير قريب وهي: النمو الاقتصادي غير المتكافئ أو المتساوي مع باقي الدول الأوربية المنضوية في السوق، وأن المجتمع التركي بعيد تاريخيا وثقافيا عن أوروبا المسيحية ثم أخيرا مشاكل احترام حقوق الإنسان والديمقراطية والعداوة مع اليونان[63].

كان لدى السفير غوميث أيضا فرصة ووقت كافيان لحضور الانتصار الجديد لديميريل[64] في انتخابات أكتوبر سنة 1969 أمام الأحزاب الأخرى المشاركة كالحزب الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان والحزب القديم لأتاتورك وعصمت إينونو، ومعنى هذا انتصار للتعبير ولمؤسساته، ولكن كل هذه الأحداث السياسية المتطورة التي ستعرفها تركيا ستكون غير ذات جدوى إذا لم يصاحبها تحول جذري في البنية الاقتصادية للبلاد التي كانت تعرف تدهورا وتخلفا نسبيين، لا شك أن كل ذلك دفع بالسفير إلى صياغة تصور يتسم بنوع من الموضوعية حول الوضعية الاقتصادية قائلا: « إذا كانت الامبراطورية العثمانية هي الرجل المريض لأوروبا فإن تركيا ما بعد أتاتورك أصبحت الرجل المريض اقتصاديا«[65]

ولكن كيف كانت العلاقة الإسبانية/ التركية في سياق هذه التحولات التي كانت تشهدها تركيا؟

العلاقة الإسبانية/ التركية لم تخضع لجميع هذه العراقيل الداخلية والخارجية التي كانت تمر بها البلاد وقتئذ؛ بل كانت جيدة وطيبة إلى حد كبير قبل مجيئ غوميث وفي عهده أيضا؛ كل ذلك نسج علاقات يسودها التعاون المشترك بين البلدين كانت أهمها تلك التي كانت تجمع بين غوميث وإركين Erkin وزير الخارجية في حكومة عصمت إينونو الذي غمر غوميث بكل أنواع اللطف والمجاملة وكرم الضيافة وحسن الوفادة، فكان عليه ضيفا مكرما معززا هو وزوجته السيدة: ماريا لوسيا Maria Luisa بشكل لافت؛ يدعو إلى الإعجاب والاهتمام بالمستوى الذي وصل إليه السفير بتركيا وبالمستوى الرفيع من العلاقات التي كانت تجمع بين الرجلين[66].

وخلال سنة 1969 سيصبح غوميث عميدا للسلك الديبلوماسي، هذا التشريف السياسي الذي ناله غوميث لم يدركه أي سفير إسباني طيلة عشرين سنة من هذا التاريخ[67].

كانت سفارة غوميث بأنقرة مؤثرة وفعالة وإيجابية . وفي أكتوبر سنة 1969 توقف الوزير كاستيا Castiella عن ممارسة مهامه في تحمل أعباء الوزارة الخارجية، غوميث الذي كان يعتبر بأنه سفير Castiella بسبب الثقة الاستثنائية التي كانت بينهما، قدم هو أيضا استقالته. وفي بداية سنة 1970 استأنف غوميث مهمته العلمية بجامعة مدريد، فاستعاد نشاطه العلمي وحيويته الجامعية المعتادة وانتهت بذلك سنوات العمل الديبلوماسي في حياته بالشرق العربي الإسلامي.

بقي كنهاية لهذا المهمة اعتماده كمفوض غير مقيم بكابول عاصمة أفغانستان، خلال مدة السفارات الثلاث التي تحمل غوميث مسؤوليتها ، فكانت في الأصل تمثيلية هذه السفارة بأفغانستان تسند إلى السفير الإسباني ببغداد. بمعنى أن السفير الإسباني ببغداد هو نفسه الذي يقوم بتمثيل بلاده بكابول أيضا، يرعى شؤونها هناك، ولكنه يقيم ببغداد.