eKtab
EN ع
الأستاذ تحتمس
Read free sample

الأستاذ تحتمس

by نعيم صبري

Page 1
(1)

بدأ يتأهب ظلام الليل الدامس للانفراج قليلاً قبيل مطلع فجر أحد أيام شهر ديسمبر المستبدة. ارتطمت قدم سليم بائع اللبن بجسم على رصيف شارع جزيرة بدران وهو ينتفض من لسعة البرد وينوء بحمل قسطى اللبن. وضع قسطى اللبن بجواره ومال بقامته الطويلة، ليستبين ذلك الجسم الذى كاد يتعثر فيه نظرًا لضعف نظره الشديد، لم يفاجأ لمرأى الأستاذ تحتمس وهو يجلس على حافة الرصيف، متكئًا برأسه على كفه التى تستند على العود الملفوف بعناية فى كيس من القطيفة السوداء كان الأستاذ تحتمس قد تعثر فى الرصيف وهو عائد من سهرته، فجلس قليلاً يتحسس قدمه التى تؤلمه، ثم راح فى نعاسٍ متقطع من أثر الشراب، كانت رائحة الخمر تفوح منه فيعبق بها المكان. ابتسم سليم لمرأى ذلك المشهد المعتاد وتأهب لمعاناة إيقاظهِ ومحاولة إقناعه بالصعود معه إلى شقة الست مارجريت أخته. أشفق على نفسه من حمل الأستاذ تحتمس، الذى عادة ما تخونه قدماه عند الصعود معتمدًا على نفسه. يعتمد الأستاذ تحتمس على سليم، الذى يلهث من ثقله، لم يكن بدينًا بأى حال من الأحوال، لكنه كان يعتمد بجسمه على سليم وهو شبه نائم، فيجد صعوبة مضاعفة فى تحريكه من مكانه وارتقاء الدرج إلى الطابق الرابع وهو يمسك بالعود فى يده بحذر، كأوامر الأستاذ تحتمس.
وصلا بمشقة شديدة إلى مشارف الطابق الرابع عندما غمغم الأستاذ تحتمس بكلمات متداعية:
- ولد يا سليم المفتاح فى جيب البنطلون إياك أن تحدث جلبة وأنت تفتح الباب لا أريد أن يشعر أحد بنا خاصة مارجريت الزفت أبلة الناظرة فاهم يا ولد.
أجابه سليم وهو يلهث:
- ربنا يستر يا أستاذ تحتمس.
ما إن أدار المفتاح بالباب ودفعه بهدوء إلا والصالة قد اشتعلت بالأنوار، وقفت أخته مارجريت قبالته متحفزة وهى تضع كفيها لصق خاصرتيها وتهتز فى تحدٍّ قائلة بتهكم:
- ما زال الوقت مبكرًا يا أستاذ!... لماذا لم تكمل السهرة أينما كنت؟
- نظر إليها الأستاذ تحتمس بصعوبة وهو يترنح وصاح فيها:
- اخرسى ولا تتدخلى فيما لا يعنيكِ.
انفجرت هادرة وهى تتوعده:
- هذا بيت محترم وليس مأوى للسكارى. تفضل لُمّ ملابسك وارحل عن البيت فورًا.
علا صوت الأستاذ تحتمس وهو يواجه هذا التهديد قائلاً:
- أنتِ حيوانة ولا تدرين مع من تتكلمين
قاطعته قائلة فى استهانة:
- طظ عاطل وسكير ولا تساوى شيئًا.
جُنّ جنونه فصرخ فيها:
- أنا فنان يا جاهلة فنان كبير جدًّا من أنتِ يا تافهة حتى تحاسبى فنانًا كبيرًا مثلي موظفة حقيرة.
خرجت الست أم تحتمس من حجرتها وهى تسير بصعوبة من جراء البدانة وروماتيزم المفاصل. صرخت فى مارجريت غاضبة:
- اتركيه لحاله، ليس هذا وقت الكلام.
ردّت مارجريت فى إصرار:
- سيغادر البيت الآن.
أجابت الأم بتحدٍّ:
- البيت بيتي لن يتركه ما حييت.
قالت لها مارجريت بانفعال:
- غادرى البيت معه، لو أردتِ.
استيقظ نصيف أفندى زوج مارجريت وخرج إلى الصالة ليستطلع الضجيج. استوعب الموقف الذى يتكرر كثيرًا فقال لها بضيق:
- الوقت فجر وليس المجال مناسبًا للشجار الآن. ليدخل للنوم ثم نبحث الأمر فيما بعد.
ترنح الأستاذ تحتمس متجهًا إلى غرفة وهيب ابن أخته الطالب بالثانوى، والذى يشاركه غرفته وسط لعنات مارجريت ونباح لوليتا، كلبة الأستاذ تحتمس الولف، والتى يحبسونها عادة فى الحمام، حتى لا تعبث بمحتويات البيت، أو تلوث الغرف بدماء العادة الشهرية.
Page 2

(2)

الأستاذ تحتمس موسيقار عاطل. لم يكمل دراسته وتعلم العزف على آلة العود على يد الشيخ سلامة، ذلك الموسيقار الضرير الذى يسكن بغرفة متواضعة فوق سطح أحد البيوت القديمة بشارع جزيرة بدران، لم يتمكن الأستاذ تحتمس من تحمل انتظام الدارسة وأعبائها، فقلّت مواظبته على الانخراط فى دروسه بمدرسة التوفيقية الثانوية، تعدد غيابه وانتهى الأمر بفصله من المدرسة. كان قد تعرف على الشيخ سلامة بمقهى المنظر الجميل بأول شارع جزيرة بدران. توطدت علاقته بالشيخ سلامة لشدة ولعه بالموسيقى. طلب منه أن يعلمه العزف على آلة العود. أوضح له الشيخ سلامة، أنه لابد أن يتعلم الموسيقى على أصولها أولاً، وافق على الفور وانتظم فى التردد على الشيخ سلامة يوميًّا كما لم ينتظم فى المواظبة على أى شىء طيلة حياته من قبل. كان فى الحقيقة يعشق الموسيقى فأقبل على تعلمها واستيعاب أصولها وقواعدها بنهم. تقدم فى العزف على آلة العود بعد ذلك بسرعة محمودة. دله الشيخ سلامة على صانع لآلات العود بشارع محمد على، يستطيع أن يخدمه فى عود جيد بسعر معقول، باعت له الست أم تحتمس بعضًا من مصاغها لتلبى رغبته الجامحة وإلحاحه الدائم، لشراء ما اعتبره أمنيه حياته، آلة عود خاصة به.
أجاد الأستاذ تحتمس العزف على آلة العود وبدأ يجرب حظه فى التلحين. وبدأ أولاً ببعض أبيات الشعر التى ما زالت عالقة بذاكرته، ولم يجرؤ فى بداية الأمر أن يطلع الشيخ سلامة على محاولاته فى التلحين.
شيئًا فشيئًا اتجه إلى إعادة تلحين بعض أغنيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. قال له عقله ذات مرة بعد إحدى حالات الإفراط فى الشراب، أن يعيد تلحين أغنيه (رق الحبيب) للست أم كلثوم، لعله يتفوق على الأستاذ محمد القصبجى، ولكنه لم يشعر فى قرارة نفسه بتمام الاطمئنان لتفوق لحنه على لحن الأستاذ محمد القصبجى، فى الحقيقة يجب أن نعترف بأن الأستاذ تحتمس حقّانى حبتين، زهد فى محاولات إعادة التلحين أخيرًا واتجه إلى البحث عن كلمات تروق له عند شعراء الأغانى ليقوم بتلحينها، تمهيدًا لعرضها على كبار المطربين والمطربات.

(3)

اجتمع الأستاذ تحتمس مع الفرقة الموسيقية التى سيشاركها فى إحياء حفل ليلة رأس السنة بفيلا أحد التجار الموسرين بجاردن سيتى. تجمع الموسيقيون فى بار زينة بشارع سليمان باشا قبل التوجه إلى الحفل لأخذ كأسين والاتفاق على البرنامج الذى سيقدمونه للمدعوين.
تمنى الأستاذ تحتمس أن يكون العام الجديد أكرم من سابقه عام 1961 بكل إخفاقاته وشروره عليه وعلى البلد. فعلى المستوى الشخصى، كان قد ترك منزله بعد مشاجرة عنيفة مع زوجته مارى، استيقظ على إثرها الأولاد من نومهم بعد منتصف الليل. لم يكن قد مر على صلحه معها وعودته إلى البيت غير شهرين. تنتظره كالقرد كل ليلة حتى يعود من الخارج لتحيل حياته جحيمًا وتُطَيِّر الكأسين من دماغه. ترك لها البيت بعد منتصف الليل واضطر إلى الذهاب هو ولوليتا لأخته مارجريت الزفت، والتى تريد أن تعامله كتلميذ بمدرستها.
ليشرب كأسًا فى صحة العام الجديد، اللعنة على ذلك العام المنتهى، والذى حدثت فيه كارثة الانفصال بين مصر وسوريا أيضًا وخيم الحزن على الجميع.
Page 3

(4)

قالت مارجريت بإصرار، بينما يتم نصيف أفندى زوجها ارتداء ملابسه قبل توجهه إلى عمله:
- لابد أن يغادر المنزل فورًا.
نصيف أفندى يعمل موظفًا بالحسابات بوزارة الشئون الاجتماعية بشارع الشيخ ريحان . رجل طيب القلب وهادئ الطبع. لم يكمل تعليمه والتحق بالعمل بعد حصوله على شهادة البكالوريا ليتمكن من رعاية والدته وإخوته بعد وفاة أبيه المفاجئة. تقدم إلى مارجريت بعد أن تأخرت فى الزواج، فأنِست له أسرتها، وتم زفاف مارجريت إليه. أقاما بمنزل أسرة مارجريت بجزيرة بدران لاتساع المنزل، ولرعاية مارجريت لوالديها فى شيخوختهما، قبل وفاة والدها، لهذا السبب تؤكد الست أم تحتمس دائمًا فى شجاراتها مع مارجريت بخصوص الأستاذ تحتمس، أن البيت بيتها، رغم أنها بلا مورد وتعيش فى رعاية ابنتها مارجريت.
قال نصيف أفندى لزوجته محاولاً إثناءها عن عزمها:
- هدِّئى نفسك يا مارجريت، أين سيذهب إذا غادر المنزل؟
أجابته بانفعال:
- هذه ليست مشكلتى. هو لا يحافظ على كلمته. لقد اشترطت عليه أن يقلع عن الشراب، إذا أراد الإقامة معنا.
قال لها بهدوئه المعتاد:
- فلتكن طلباتنا معقولة. لا يمكن أن يقلع عن الشراب بعد كل هذا العمر. كل ما نأمله هو أن يعتدل.
احتدت مارجريت على زوجها وهى تقول له:
- هل تعجبك هذه الفضائح اليومية؟! سليم بائع اللبن يصعد به وهو يترنح من الشراب!
قال لها برجاء:
- اتركى الأمر لى ، سأتكلم معه بخصوص الاعتدال فى الشراب.
أجابته بتحدٍّ:
- وهل تعتقد أنك ستوفق معه؟!
طلب منها بحزم هادئ:
- أعطينى فرصة.
أجابته متهكمة:
- لنرَ.
أتم نصيف أفندى ارتداء ملابسة وانتظر زوجته مارجريت حتى أنهت ارتداء ملابسها ليغادرا المنزل إلى عمليهما، هو إلى وزارة الشئون الاجتماعية، وهى إلى مدرسة الترعة البولاقية الإعدادية للبنات، حيث تعمل ناظرة لها.
لم يُرِدْ أن يتركها بالمنزل، وفضل انتظارها ليغادرا معًا، خشية أن تصطدم بالأستاذ تحتمس أو بأمها الست أم تحتمس مرة أخرى.
Page 4

(5)

انتبه الأستاذ تحتمس من نومه على استعداد وهيب للنزول إلى المدرسة. وهيب ابن أخته مارجريت طالب بالصف الثانى الثانوى بمدرسة التوفيقية الثانوية. يشاركه غرفته وسريره عندما يجىء للإقامة معهم بجزيرة بدران.
تململ فى فراشة وهو يتمتم معترضًا:
- ألا تستطيع أن ترتدى ملابسك بهدوء؟!
ابتسم وهيب وهو يأخذ حقيبته المدرسية ويسحب باب الغرفة بهدوء ليغلقه على خاله الأستاذ تحتمس حتى يواصل نومه.

(6)

استيقظ الأستاذ تحتمس بعد أن تجاوزت الساعة الثانية عشرة ظهرًا. نادى على نبوية الشغالة لتحضر له الشاى، نبوية فتاة فى الثلاثين من عمرها وتعمل طرف مارجريت منذ ما يزيد عن عشر سنوات. إقامتها الطويلة مع الأسرة انعكست على مظهرها المهندم الذى لا يشى بأنها تعمل كخادمة. يمكن أن تعتبرها كأحد أفراد الأسرة أو كمربية للأولاد قبل أن يشبوا. تعلق بها وهيب وإيناس أخته التى بلغت العاشرة من عمرها الآن وعاملاها كأختهما الكبرى.

جاءته نبوية بالشاى ووضعته على الكومودينو بجوار السرير. شعر بالإثارة لمنظر صدرها الناهد وهو يتأرجح عندما مالت بقامتها وهى تضع صينية الشاى على الكومودينو. تابع بعينيه حركته الراقصة وهى تميل بقامتها ثم تستقيم مستديرة لتغادر الغرفة. كان قد ناوشها منذ عامين فى لحظة سكر أثناء إقامته السابقة طرف مارجريت قبل أن يتشاجر مع أخته كالعادة وتطرده من المنزل. تجاوبت نبوية معه وقتها، لكنه عاد وأنّبَ نفسه على هذا التهور. كيف يسمح لنفسه بذلك وهو الفنان العظيم؟ كيف يتدنى إلى مستوى شغالة؟. لكنها على العموم لا تعتبر كشغالة بالضبط. لقد أصبحت من أهل المنزل. اهتمت مارجريت بنظافتها ومظهرها، من يراها بالطريق لا يتصور أنها خادمة، إنها

لا تختلف عن مارجريت. بل لا تختلف عن كثير من الفنانات الكومبارس طبعًا . لقد تعاملت معها باحترام على العموم ما علينا

أخذت الخواطر تتداعى فى ذهنه، وهو ينهض بتكاسل من الفراش. ذهب للاغتسال ثم أحضر كلبته لوليتا من الحمام واصطحبها إلى غرفته ليلعب معها قليلاً قبل أن يغادر المنزل.
Page 5

(7)

لم يكن الأستاذ تحتمس يمتلك سوى جنيهين وبضعة قروش. لا يعمل بانتظام منذ فتره طويلة. وضع يده فى جيب سرواله وأخرج النقود ليعدها. تحسر على هذه الظروف غير المواتية التى يعيشها. شعر بالغضب. فنان قدير مثله ولا يجد التقدير المناسب والعيش الكريم! فنان فى مثل قدرته يجب أن يعيش عيشة مستريحة. يمتلك فيلا على الأقل وسيارة فاخرة ولا يضطر لمواجهة مارجريت الزفت كل ليلة.
انطلق فى طريقه إلى بار السعادة بشارع عماد الدين، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية ظهرًا بقليل، اتجه إلى شارع شبرا فى طريقة إلى محطة الأتوبيس. قبل أن يبلغ شارع شبرا بقليل، استدار وأشار إلى تاكسى. ركب التاكسى وأمره بالتوجه إلى شارع عماد الدين.
جلس على أحد كراسى البار وهو يلقى بالتحية إلى عبد الله البارمان. طلب كأسًا من البراندى وطبقًا من الفول النابت.

(8)

دخل فهمى إلى بار السعادة. بش كثيرًا للقاء الأستاذ تحتمس. فهمى عازف كمان وكثيرًا ما يتعاون مع الأستاذ تحتمس إذا انفرجت الظروف ودعى إلى إحياء إحدى الحفلات الخاصة. يرتاح إلى عزفه كما يحب أن يلقاه فى البارات التى يترددان عليها للمشاركة فى شراب كأسين معًا. كلاهما يأنس إلى صحبة الآخر فى دفء أحد البارات وفى كنف جلسة شراب حميمة. أقبل فهمى على الأستاذ تحتمس منتشيًا وهو يقول:
- عندى أخبار سارة
التفت إليه الأستاذ تحتمس متسائلاً
- خيرًا. هات ما عندك.
جلس فهمى بجواره إلى البار وهو ينادى على عبد الله البارمان:
- إلىَّ بكاس براندى بسرعة.
استدار فهمى إلى الأستاذ تحتمس وهو يلتقط سيجارة من علبته ويشعلها قائلاً:
- عندنا حفلتان هذا الأسبوع.
أجابه الأستاذ تحتمس فى تحفظ متصنع:
- أرجو أن تكونا لأناس تقدر الفن.
علق فهمى باستنكار:
- وهل نملك ترف الاختيار؟!
تساءل الأستاذ تحتمس فى ترفع!
- أين ومتى ؟
- الأولى حفلة عيد ميلاد أحد الأطباء المشهورين، يهوى الموسيقى العربية ويريد أصدقاؤه مفاجأته بترتيب هذه الحفلة له. ستكون يوم الخميس، بعد غد.
علق الأستاذ تحتمس بأستاذية مستحسنًا.
- المهم أنه يهوى الموسيقى العربية.
أردف فهمى قائلاً:
- أما الحفلة الثانية فهى المفاجأة الحقيقية. حفلة يا سيدى فى منزل أحد الأثرياء العرب بمناسبة انتهائه من تأثيث منزله. يعنى حفله افتتاح للمنزل. فلنشرب فى نخب الأخبار السعيدة. (فى صحتك).
تقارعت الكئوس نشوى وتوغلا فى الشراب حتى هبوط الليل وهما يتناقشان فى حماسة حول وجهة نظر كل منهما فى الفن الجاد الأصيل، وفى مشروع ميثاق العمل الوطنى الذى سيقدمه الرئيس جمال عبد الناصر إلى المؤتمر الوطنى.
مع تقدم الليل وطول الشراب، وصلا إلى حالة متقدمة من السكر. دفعا الحساب وقاما مترنحين يستند كل منهما على الآخر. غادرا البار والساعة قد تجاوزت الثانية صباحًا واستقلا سيارة تاكسى عائدين. أنزل الأستاذ تحتمس فهمى فى القللى حيث يسكن ثم واصل إلى شارع جزيرة بدران وهو يتمنى من الله أن تكون مارجريت الزفت فى سابع نومة.
Page 6
(9)

أخرج الأستاذ تحتمس المفتاح من جيبه ووضعه بصعوبة فى ثقب الباب. أداره بهدوء ودفع الباب، لكن الباب لم يستجب لدفعته. تعجب الأستاذ تحتمس وعاود المحاولة دون جدوى، دفع الباب بكتفه عدة مرات بلا نتيجة، هل يدق الجرس ليساعده أحد فى فتح الباب؟. ستستيقظ مارجريت الزفت وتفسد الليلة. شعرت به لوليتا فبدأت فى النباح فى الحمام. شعر الأستاذ تحتمس بالتوتر لنباح لوليتا. خشى أن توقظ الجميع. ازداد نباح لوليتا وتصاعد معه توتر الأستاذ تحتمس. حاول دفع الباب بكتفه بقوة، فى لحظة جنون دفعه بقوة شديدة عدة مرات فانفتحت ضلفتا الباب قسرًا وارتطمت الضلفة اليمنى بالحائط المجاور محدثة فرقعة شديدة فى أثناء اندفاع الأستاذ تحتمس إلى الداخل فاقدًا اتزانه من أثر قوة الدفعة ومتكومًا على أرضية الصالة فى أثناء اندفاع الجميع مذعورين وهم نصف نيام إلى الصالة وإضاءة جميع أنوار الغرف دفعة واحدة.

كانت أخته مارجريت قد أغلقت الباب بالترباس من الداخل عندما استيقظت لتذهب إلى دورة المياه ووجدت أن الساعة قد جاوزت الثانية صباحًا ووهيب ينام بمفرده فى السرير.

اشترطت مارجريت على أخيها الأستاذ تحتمس عقب آخر شجار أن الحد الأقصى لعودته هو الثانية عشرة منتصف الليل. (البيوت لها حرمتها) هذا ما قالته له. قبل الأستاذ تحتمس صاغرًا لأنها وضعت هذا الشرط صباح المشاجرة والأستاذ تحتمس فى كامل وعيه بعد أن أفاق من سكرة الليلة الماضية. الأستاذ تحتمس هادئ الطباع وقليل الكلام عندما لا يكون سكران فلم يجادلها. اعتبرت هى أن ذلك الشرط قد أصبح شرطًا اتفاقيًّا ملزمًا له وباشرت دورها فى مراجعة تنفيذ الاتفاق كل ليلة فكان ما كان.

نظرت إليه مارجريت بغلٍّ وتشفٍّ بينما يتقدم إليه زوجها نصيف أفندى ليعاونه على النهوض. نهض الأستاذ تحتمس ممتنًا لزوج أخته وهو لا يعرف ماذا يقول للجميع. شعر بالارتباك والضياع والظلم الشديد. أن يضطر للخضوع لطغيان مارجريت لأنه يقيم طرفها ولا يمتلك مأوى خاصًا به. هو الفنان الكبير والملحن المتميز وهى الموظفة التقليدية، حتى ولو كانت ناظرة مدرسة الترعة البولاقية للبنات. طظ انتبه على صوت صراخ مارجريت وهى تنذره قائلة فى عناد:

- سوف تغادر البيت الآن

توجه إليها نصيف أفندى بالعتاب قائلاً:

- ليس فى هذا الوقت من الليل. الصباح رباح.

أجابته مارجريت بحزم:

- أرجوك لقد توسطت له عدة مرات من قبل ولم يأبه هو لتدخلك ولوعوده المتكررة. سوف يغادر البيت الآن ويعود غدًا صباحًا لأخذ ملابسه.

انفعلت الست أم تحتمس ثائرة على ابنتها وهى تقول:

- أين يذهب الآن؟ هذا افتراء. لن يغادر فى مثل هذه الساعة. هذا بيتى ولا تملكين أن تتحكمى فيه.

رددت مارجريت بحزم.

- الآن

توجه الأستاذ تحتمس إلى الحمام. سحب السلسلة وربط الطوق حول عنق لوليتا. خرج إلى الصالة ولوليتا تتقدمه. توجه إلى نصيف أفندى وهو يقول بصوت خفيض:

- أرجوك. أعطنى خمسة وعشرين قرشًا.

تأثر نصيف أفندى للموقف ودخل مسرعًا إلى غرفته. أحضر خمسين قرشًا وأعطاها إلى الأستاذ تحتمس.

غادر البيت مترنحًا خلف لوليتا التى أخذت تهبط درجات السلم بنشاط وفرح غامر لخروجها مع الأستاذ تحتمس، الذى لا يسمح وقته وظروفه باصطحابها إلى النزهة كثيرًا. منت نفسها بنزهة خلوية مع الأستاذ تحتمس واندفعت بسعادة إلى الطريق وهى تهز ذيلها بنشاط من فرط الفرحة.
Page 7
(10)

سار الأستاذ تحتمس فى شارع جزيرة بدران وهو ممسك بسلسلة لوليتا التى تتقدمه جذلى بهذه النزهة. لا يدرى الأستاذ تحتمس وجهة يقصدها هو ولوليتا. غامت الدنيا أمام ناظريه. (لماذا أصبح العالم بكل هذا السوء؟). تساءل بأسى. ليس له حبيب فى هذه الدنيا الواسعة سوى لوليتا. هى التى تعايشه فى السراء والضراء. تذكّر أمه الست أم تحتمس لكنها بلا حيلة. الشيخ سلامة أيضًا رجل طيب يكن له اعتزازًا خاصًّا.

(هو أستاذى ومعلمى. لو ذهبت إليه لرحب بي لكن الوقت متأخر جدًّا ولا يصح أن أوقظه فى مثل هذه الساعة ياه لقد نسيت العود هل أعود لآخذه؟ لا أريد أن أرى مارجريت الزفت... فلأتركه للغد عندما أحضر لأخذ ملابسى... ستكون هى فى المدرسة لكن إلى أين؟ لا أعرف أين سأذهب؟ هل هذا معقول؟ أين العدل؟.)

انحرف يسارًا فى شارع شبرا. على ناصية شارع زنانيرى وجد سيارتى تاكسى تقفان بموقف التاكسيات لحجز دورهما. تقدم من التاكسى الأول فوجد السائق نائمًا بداخل السيارة. رجل هَرِم يرتدى بذلة كاملة ويغطى رأسه بكاسكيت. فتح الباب الخلفى ونادى على السائق فلم يرد. لكزه فى كتفه ليوقظه. رفع الرجل رأسه فى اعتراض فى اللحظة التى قفزت فيها لوليتا داخل التاكسى. فزع الرجل وفتح الباب المجاور له بسرعة وهو يقفز خارجًا من التاكسى.. صاح ثائرًا:

- ما هذا يا أستاذ؟ أخرِج الكلب من السيارة فورًا أنا لا أسمح بركوب الكلاب.

رد عليه الأستاذ تحتمس بغضب:

- الكلاب أفضل من كثير من البشر.

نادى سائق التاكسى التالى على الأستاذ تحتمس مرحبًا:

- تعالَ يا أستاذ. تفضل معى.

توجه الأستاذ تحتمس نحو التاكسى التالى. قفزت لوليتا من الباب الخلفى الذى فتحه السائق. دخل وراءها الأستاذ تحتمس وأغلق السائق الباب خلفه. جلس السائق على مقعده وهو يتلفت إلى الخلف قائلاً:

-لا يقدّر الكلاب إلا مَنْ عاشرها. عندى كلب كانيش أسود.

تحمس الأستاذ تحتمس وهو يسأله:

- ما اسمه؟

أجابه السائق وهو يبتسم:

- فلفل.

سأل السائق الأستاذ تحتمس فى ود:

- إلى أين، إن شاء الله؟

وجم الأستاذ تحتمس وهو يفكر بعمق. انتظر السائق الإجابة التى تأخرت فعاود السؤال بأدب:

- لا مؤاخذة يا أستاذ، إلى أين؟

زفر الأستاذ تحتمس زفرة يائسة وأجابه أخيرًا:

- اطلع بنا على طوسون

تحرك التاكسى ببطء إلى شارع شبرا، توقف قليلاً ليستطلع الطريق ثم انحراف يسارًا متجهًا إلى شارع طوسون.
Page 8
(11)

صعد الأستاذ تحتمس ولوليتا إلى شقة أخته أنطوانيت بالدور الثالث بإحدى عمائر شارع طوسون. عمارة من ثلاثة طوابق تسكن فيها أنطوانيت مع أسرتها.

نقر الأستاذ تحتمس زجاج شراعة الباب بهدوء والفجر يوشك على النهوض. لم يشأ أن يستعمل الجرس فى ذلك الوقت والجميع نيام. سمعت لوليتا نباح أحد كلاب الشارع فبادلته النباح. نهرها الأستاذ تحتمس بصوت خفيض.

أضىء نور الصالة قبل أن تفتح أنطوانيت الباب وهى نصف نائمة. فزعت عندما قفزت لوليتا عليها فرحة بلقائها وتراجعت إلى الخلف بحركة لا شعورية. نبهتها المفاجأة إلى أن الطارق هو أخوها الأستاذ تحتمس وكلبته لوليتا. استنتجت أنطوانيت القصة وخمنت ما حدث وهى تسأله مدركة الإجابة:

- هل تشاجرتما مرة أخرى؟

أجابها وهو يدخل خلف لوليتا:

أختك مارجريت الزفت، طردتنى فى منتصف الليل ولم أعرف أين أذهب.

علقت أنطوانيت بأسى:

- طول عمرها جبارة. هل أكلت؟

- لم آكل شيئًا منذ الصباح.

جلس الأستاذ تحتمس إلى المائدة وهو يمسك بلوليتا بينما دخلت أنطوانيت إلى المطبخ لتعد له شيئًا سريعًا ليأكله قبل أن ينام.

قام الأستاذ تحتمس وذهب إليها بالمطبخ. قال لها:

- حَضّرى شيئًا للوليتا لتأكله.
Page 9
(12)

كان الأستاذ تحتمس قد ترك منزل أخته أنطوانيت قبل عام على إثر مشادة مع ابنها الأكبر سمير الطالب بكلية الصيدلية. كان يشارك سمير ومراد أخاه فى غرفتهما. منزل أنطوانيت يحتوى على أربع غرف وصاله ومرافقهم. فى وجود أربعة أبناء يضيق المسكن بقاطنيه. يشارك مراد، الطالب بالثانوى، أخاه سمير فى إحدى الغرف، بينما تشترك الأختان سماح، الطالبة بكلية العلوم، وتريزا بالإعدادى فى غرفة أخرى. مع غرفة نوم أنطوانيت وزوجها أسعد أفندى لا تتبقى سوى غرفة الضيوف المغلقة دائمًا. تتوسط مائدة الطعام صالة المنزل وأمامها البوفيه الصغير الذى يعلوه دولاب الفضية.

منزل يقطنه ستة أشخاص بالإضافة إلى منيرة الشغالة، كيف يستطيع أن يستقبل ضيفًا كالأستاذ تحتمس، بالإضافة إلى كلبته لوليتا؟. لكنه حنان الأخت أنطوانيت الدافق. فى كل مرة يأتى إليهم الأستاذ تحتمس بعد إحدى مغامرات اختلافاته مع الإخوة أو الزوجة، تقف الست أنطوانيت بحزم أمام اعتراضات ابنها سمير على ضيافة الأستاذ تحتمس وكلبته لوليتا.

الأستاذ أسعد زوج أنطوانيت رجل طيب رغم حزمه الواضح وقوة شخصيته الأخاذة يكتفى فى العادة بوضع بعض الضوابط والاشتراطات لقبول استضافة الأستاذ تحتمس وينتهى الأمر. يواظب الأستاذ تحتمس فى البداية على احترام ضوابط الأستاذ أسعد وتعهداته له ثم ما يلبث أن ينزلق تدريجيًّا إلى طبائعه المعتادة التى لا يستطيع لها ردًّا.

الأبناء لا يريدون الكلبة بالمنزل وتريزا الصغيرة تخشاها. فى المرة السابقة كانت لوليتا أحد أسباب الاختلاف بين الأستاذ تحتمس والأسرة. الأسرة تريد أن تمكث لوليتا بغرفة السطح والأستاذ تحتمس يعترض على تركها وحيدة، خاصة فى برد الشتاء القارس. لا يستطيع أن يستوعب عدم قدرتهم على ملاحظة طيب معشرها. تمنى فى قرارة نفسه لو كان يمتلك سكنًا خاصًّا لاكتفى بلوليتا عن كل هؤلاء القساة المأفونين.

اضطر الأستاذ تحتمس أن يرضخ فى النهاية ويوافق على إقامة لوليتا بغرفة السطح. ماذا يستطيع أن يفعل وهو ضيف عليهم. اشترط على أنطوانيت أن تفرش لها بطانية ثقيلة لتنام عليها. الدنيا برد ولا يمكن أن تنام لوليتا على البلاط. تم مناقشة هذه الأمور بالتفصيل فى اليوم التالى لمقدم الأستاذ تحتمس مطرودًا هو ولوليتا من منزل أخته مارجريت أثناء تناول وجبة محشو الكرنب الشهية بعد عودة أسعد أفندى من عمله بوزارة الصناعة.

أنطوانيت طباخة ماهرة والكل يجمع على أن نَفسَها حلو فى الطبيخ. طلب منها الأستاذ تحتمس فى الصباح أن تطهو لهم أكلة محشو كرنب، قال لها إنه يشتهيها منذ مدة، نفسه فيها، نزلت أنطوانيت من فورها إلى السوق واشترت كرنبتين كبيرتين وشرعت بمجرد عودتها فى سلق الكرنب وتحضير الخلطة. فى المساء، فكر الأستاذ تحتمس أن يذهب إلى جزيرة بدران لإحضار العود وحقيبة ملابسه. عدل عن الفكرة لأنه لا يريد أن يواجه مارجريت الزفت وقرر الذهاب صباح اليوم التالى عندما تكون قد غادرت المنزل إلى المدرسة.
Page 10
(13)

يـا نـاس أنـا مُـت فـى حـــــبى جُــم الـملايــكـة يحـاسبــونى

حَدِّش كده قال

أول ســـؤال ســـألونى عليـــه كـان الســـبب فى لــوم العـُزَّال

قـلت اللى أحبــه الحــق عليـــه خلى اللى عمره ما قالش أهو قال

وبقينـا أمثـال

تتابعت انفجارات صوت ارتطام المنفضة بالسجادة أثناء انسجام الأستاذ تحتمس بدندنة أغنية الشيخ سيد درويش على عوده بغرفته. منيرة الشغالة جاوزت الخمسين من عمرها بقليل لكنها ما زالت عَفيَّه. تقبض على المنفضة بكفها بحزم وتنهال على السجادة المنطرحة على سور الشرفَة مستخرجة فى جدية متناهية كل ما تحتويه من أتربة وشوائب.

انزعج الأستاذ تحتمس للغاية لهذا الضجيج الذى قطع عليه انسجامه مع الشيخ سيد. وضع العود جانبًا وانتتر فى عصبية مندفعًا فى اتجاه شرفة غرفة البنات التى ينبعث منها الإزعاج الذى تسببه منيرة ومنفضتها. اقتحم الشرفة وفى حركة خاطفة، انتزع المنفضة عنوة من يد منيرة وقذفها إلى الشارع صائحًا.

- ألم تسمعى أننى أقوم بالعزف فى غرفتى. يجب أن تميزى أننى لا أستطيع العمل وسط كل هذه الضجة.

أُخِذَت منيرة بثورة الأستاذ تحتمس وهجمته المفاجئة على الشرفة. تمتمت فى صوت مرتجف وهى تنسحب من الشرفة قائلة:

- الست أنطوانيت هى التى طلبت تنفيض السجاجيد.

جاءت أنطوانيت على صوت صياح الأستاذ تحتمس. دخلت إلى الغرفة بينما تنسحب منيرة من الشرفة. بادرتها منيرة قائلة:

- الأستاذ تحتمس زعلان من التنفيض. خطف المنفضة ورماها من الشرفة.

نظرت أنطوانيت إلى الأستاذ تحتمس وهى تستشيط من الغضب. صاحت فى وجهه قائلة:

- هل تريد أن نوقف شغل البيت من أجل خاطرك. ثم كيف ترمى المنفضة من الشرفة؟ بأى حق تفعل ذلك؟

صاح الأستاذ تحتمس غاضبًا:

أنتم لا تميزون أى شىء. عندما يكون الفنان منفعلاً بالعزف لا يستطيع أن يتحمل هذا الضجيج.

ردت عليه غاضبة:

- هذا ليس شأننا. البيت يحتاج للتنظيف قبل عودة أسعد والأولاد. لا نستطيع أن نؤجل التنظيف لأجل خاطر سيادتك. خرج الأستاذ تحتمس من الغرفة غاضبًا وتوجه إلى غرفته. سحب العود فى يده واستدار خارجًا من الشقة وصاعدًا إلى السطح. اتجه إلى غرفة لوليتا وفتح بابها. خرجت إليه لوليتا سعيدة مرحبة به وهى تلعق كفه التى مدها إليها ليداعبها.

جلس الأستاذ تحتمس على الكرسى المكسور، القابع بركن السطح. كان يملؤه شعور بالأسى على ما آل إليه حاله من تشتت وعدم استقرار. ليس له بيت ولا أسرة مستقرة. زوجته مارى أحالت حياته إلى عذاب ولا يستطيع أن يتواصل معها مطلقًا. ولداه نبيل وهنرى سلبيان، يأخذان عادة جانب أمهما ولا يقدران قيمة أبيهما. إخوته يتقاذفونه بينهم، كل يريد أن يتخلص منه. لا يحفظون له قدرًا ولا يشعرون بقيمته ضاق صدره وشعر باليأس للحظة خاطفة، ما لبثت أن أخلت مكانها لتفاؤله المعتاد. ربَّت على ظهر لوليتا وهى تجلس بجواره. احتضن العود وبدأ فى الدندنة على أوتاره.

نهضت لوليتا واستدارت بجسدها لتجلس قبالته كعادتها عندما يبدأ فى العزف على العود. تنظر إليه فى حنان واعتزاز، ترفع أذنيها إلى أعلى وتحركهما حركات موحية مع انسياب نغمات العزف كأنهما ذراعا مايسترو قدير تواجهان أوركسترا العازفين، توحيان إليهم وتمتزجان بنغماتهم. شرع الأستاذ تحتمس فى غناء دور الشيخ سيد درويش بصوت خافت تشوبه نبرة من الحزن:

فى شرع مين قاضى الهوا يذله خصمه ويحكمه

هو الطبيب مالوش دوا وسرى إزاى أكتمـه

وآدى النواح بالسر باح يكفى افتضاح

بين العباد أمرى اشتهر