Page 1
القسم الأول
الصحـوة الوطنيـة
الفصل الاول : عوامـل الصحـوة
1 - الحملة الفرنسية
وصف ميو أحد قادة الحملة الفرنسية على مصر ، مواجهة الشعب المصرى للاحتلال فى مذكراته ، ويؤيده الجنرال إدوار جوان فى كتابه : مصر فى القرن التاسع عشر(1) ، فقال : لقد واجهنا الشعب بحرب مستمرة : «.. كحية ذات مئة رأس كلما أخمدها السيف والنار من ناحية ظهرت فى ناحية أخرى أقوى وأشد ، كانت تتعاظم ويتسع مداها كلما ارتحلت من بلد إلى آخر..»(2) وليست الحقيقة فى قول الأستاذ شفيق غربال بأن الفرنسيين خرجوا من مصر : «بفعل الإنكليز والعثمانيين وحدهم » بل الحقيقة أن الشعب قاومهم فى طول البلاد وعرضها بتشكيلات منفصلة عن المماليك ، وأحيانًا موازية لهم . ولما تقرر ترحيلهم دفع الشعب النفقات اللازمة . وكانت ضريبة الرحيل باهظة قدرت بثلاثة آلاف كيس ( خمسة عشر ألف جنيه ذهبًا حينئذ ) « دفعها الشعب عن طيب قلب وانشراح خاطر ، ودون تأخير لعلمه أن ذلك المبلغ هو ثمن لترحيل الفرنساوية ، ويقول : سنة مباركة ويوم سعيد .. »(3) .
خرج الفرنسيون وخرج الشعب من هذه المحنة بالعزة . فلم يعد يتقبل الانصياع والإذعان لمتطلّبات الوالى العثمانى ، وتعلّم الرفض . وجاءته المناسبة للوقوف فى وجه الوالى أحمد خورشيد الأكثرهم فسادًا ، والذى سبقه فى ذلك ثلاثون ألفًا من الدلاة أحضرهم معه ، ففاق ما شهدته مصر منهم من السلب والنهب والقتل والدعارة فظائع الانكشارية والمماليك ، فقد توجها بفرض ضريبة عن سنة مقبلة لم تستحق بعد . رفض غالبية التجار الدفع ، وأقفلوا محالهم ، ولجأوا إلى الأزهر فأقفل وعطلت الدروس فيه ، وأعلن العصيان ، وحوصر رسل الوالى العثمانى أحمد خورشيد الذين أوفدهم للتفاهم فى الحارات قبل أن يصلوا ، وانهال عليهم الطوب من أسطح المنازل ، عادوا(4) وخرج الناس من بيوتهم يقيمون المتاريس والاستحكامات فى الشوارع .. وتلك الفترة هى التى قال عنها دروفوتى Drovotty قنصل فرنسا يومئذ : إنحالة القاهرة ذكرته بأيام باريس فى مطلع الثورة الفرنسية(5) .
وكان لابد للوالى أحمد خورشيد من التراجع ، فقرر إعفاء الفقراء من الضريبة . ولكن السيد عمر مكرم أجاب : بأن أرباب الحرف والصناعات أصبحوا من الفقراء كذلك ، وقال - على ما يذكر الدكتور عبد العزيز محمد الشناوى أيضًا - ما علاقة التجار بتدبير الأموال لحرب المماليك؟. لكن خورشيد لم يكن فى استطاعته إلغاء الضريبة كلها ، فهو لا يملك ما يدفع منه مرتبات الجنود حتى يخلدوا إلى السكينة ، وليست له سلطة على الجنود ليأتمروا بأمره ويرحلوا عن القاهرة ويبتعدوا عن إيذاء الناس . حتى كان يوم 12 مايو ( أيار ) 1805 عندما ركب السيد عمر مكرم ومعه العلماء إلى دار المحكمة ، وطلبوا من القاضى عقد « مجلس شرع » يختصمون فيه الوالى أحمد خورشيد واستدعاء « المتكلمين فى الدولة لمجلس الشرع » وحضر من طرف الوالى خمسة مندوبون ؛ وانعقد المجلس فى ظل الحشود التى تدفقت تملأ الشوارع والأزقة المؤدية إلى مكان الاجتماع ، وهى تردد « هتافات عدائية : شرع الله بيننا وبين هذا الظالم ، ويا لطيف ! ، أو يا رب يا متجلّى ، اهلك العثمانلى ! » .
الصحـوة الوطنيـة
الفصل الاول : عوامـل الصحـوة
1 - الحملة الفرنسية
وصف ميو أحد قادة الحملة الفرنسية على مصر ، مواجهة الشعب المصرى للاحتلال فى مذكراته ، ويؤيده الجنرال إدوار جوان فى كتابه : مصر فى القرن التاسع عشر(1) ، فقال : لقد واجهنا الشعب بحرب مستمرة : «.. كحية ذات مئة رأس كلما أخمدها السيف والنار من ناحية ظهرت فى ناحية أخرى أقوى وأشد ، كانت تتعاظم ويتسع مداها كلما ارتحلت من بلد إلى آخر..»(2) وليست الحقيقة فى قول الأستاذ شفيق غربال بأن الفرنسيين خرجوا من مصر : «بفعل الإنكليز والعثمانيين وحدهم » بل الحقيقة أن الشعب قاومهم فى طول البلاد وعرضها بتشكيلات منفصلة عن المماليك ، وأحيانًا موازية لهم . ولما تقرر ترحيلهم دفع الشعب النفقات اللازمة . وكانت ضريبة الرحيل باهظة قدرت بثلاثة آلاف كيس ( خمسة عشر ألف جنيه ذهبًا حينئذ ) « دفعها الشعب عن طيب قلب وانشراح خاطر ، ودون تأخير لعلمه أن ذلك المبلغ هو ثمن لترحيل الفرنساوية ، ويقول : سنة مباركة ويوم سعيد .. »(3) .
خرج الفرنسيون وخرج الشعب من هذه المحنة بالعزة . فلم يعد يتقبل الانصياع والإذعان لمتطلّبات الوالى العثمانى ، وتعلّم الرفض . وجاءته المناسبة للوقوف فى وجه الوالى أحمد خورشيد الأكثرهم فسادًا ، والذى سبقه فى ذلك ثلاثون ألفًا من الدلاة أحضرهم معه ، ففاق ما شهدته مصر منهم من السلب والنهب والقتل والدعارة فظائع الانكشارية والمماليك ، فقد توجها بفرض ضريبة عن سنة مقبلة لم تستحق بعد . رفض غالبية التجار الدفع ، وأقفلوا محالهم ، ولجأوا إلى الأزهر فأقفل وعطلت الدروس فيه ، وأعلن العصيان ، وحوصر رسل الوالى العثمانى أحمد خورشيد الذين أوفدهم للتفاهم فى الحارات قبل أن يصلوا ، وانهال عليهم الطوب من أسطح المنازل ، عادوا(4) وخرج الناس من بيوتهم يقيمون المتاريس والاستحكامات فى الشوارع .. وتلك الفترة هى التى قال عنها دروفوتى Drovotty قنصل فرنسا يومئذ : إنحالة القاهرة ذكرته بأيام باريس فى مطلع الثورة الفرنسية(5) .
وكان لابد للوالى أحمد خورشيد من التراجع ، فقرر إعفاء الفقراء من الضريبة . ولكن السيد عمر مكرم أجاب : بأن أرباب الحرف والصناعات أصبحوا من الفقراء كذلك ، وقال - على ما يذكر الدكتور عبد العزيز محمد الشناوى أيضًا - ما علاقة التجار بتدبير الأموال لحرب المماليك؟. لكن خورشيد لم يكن فى استطاعته إلغاء الضريبة كلها ، فهو لا يملك ما يدفع منه مرتبات الجنود حتى يخلدوا إلى السكينة ، وليست له سلطة على الجنود ليأتمروا بأمره ويرحلوا عن القاهرة ويبتعدوا عن إيذاء الناس . حتى كان يوم 12 مايو ( أيار ) 1805 عندما ركب السيد عمر مكرم ومعه العلماء إلى دار المحكمة ، وطلبوا من القاضى عقد « مجلس شرع » يختصمون فيه الوالى أحمد خورشيد واستدعاء « المتكلمين فى الدولة لمجلس الشرع » وحضر من طرف الوالى خمسة مندوبون ؛ وانعقد المجلس فى ظل الحشود التى تدفقت تملأ الشوارع والأزقة المؤدية إلى مكان الاجتماع ، وهى تردد « هتافات عدائية : شرع الله بيننا وبين هذا الظالم ، ويا لطيف ! ، أو يا رب يا متجلّى ، اهلك العثمانلى ! » .
Page 2
ولم يكتف المتكلمون باسم الشعب هذه المرة بما سبق لهم ، عندما رفض أمراء المماليك مشاركة الشعب فى الحكم ، أن ما شرطوه عليهم فى مواثيق تقول : « إن الأمراء تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه الناس بأن يكفوا ويكف اتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس ، وأن يسيروا فى سيرة حسنة »(6) وإنما حرر المجتمعون وثيقة بمطالب الشعب ، بعثوا بها إلى الوالى وعلقوا على قبولها انتهاء العصيان(7) . وتضمنت الوثيقة أربعة بنود رئيسية هى :
1 - عدم مرابطة القوات العسكرية فى القاهرة وضرورة انتقالها إلى الجيزة .
2 - عدم السماح للجنود بدخول القاهرة بسلاحهم .
3 - عدم فرض أى ضريبة على سكان القاهرة ما لم تنل موافقة المشايخ والأعيان .
4 - إعادة المراسلات بين القاهرة والوجه القبلى(8) .
وتذكر نشرة الوكلاء الفرنسيين بمصر المؤرخة فى 20 مايو ( أيار ) 1805 أن الوثيقة انطوت على 21 مطلبًا ، أضافت إليها الوثائق الإنكليزية مطلبًا آخر هو : « تخصيص جزيرة الروضة فى القاهرة للحانات وأماكن الترفيه عن الجنود » ، كما تضمنت بندًا يحظر شموليةفرض الضرائب على سائر أنحاء القطر المصرى ، وليس مقصورًا على القاهرة فحسب(9) . أما المؤرخ الجبرتى فقد اكتفى بقوله : « واتفقوا على كتابة عرضحـــال بالمطلوبات ففعـــلوا ذلك ، وذكروا فيه تعدى طوائف العسكر وإيذائهم للناس وإخراجهم من مساكنهم والمظالم والفرد وقبض مال الميرى المعجل أو حتى مصادرة الناس بالدعاوى الكاذبة وغير ذلك »(10) ودرءًا لأى احتمال قد يغير أو يهدد بتغيير القوى رأى السيد عمر مكرم ، خلافًا لرأى بعض كبار المشايخ أن يظل الشعب معبأً لا يلقى سلاحه .
إلا أن خورشيد ، الوالى العثمانى رفض الامتثال لمطالب الشعب ، عندها ذهب عمر مكرم - حسب رواية الجبرتى - فى اليوم التالى (13 مايو أيار 1805) ومن حولــه العلماء وجموع الشعب إلى دار المحكمة . فأغلق القاضى أبوابها ، مغبة العاقبة ، وتدخل وكيل الوالى وكبار رجال الحكومة لتهدئة الحال . إلا أن السيد عمر مكرم أصر على عزل الوالى ، وعقد لأجل ذلك مجلسًا فى منزل محمد على دعا إليه المشايخ ، وتصدر الحديث فتكلم عن تفاقم الموقف واستمرار الحروب والفتن ، وأنه لا مخرج فى رأيه إلا بعزل الوالى خورشيد ، وأنه « لابد من تعيين شخص من جنس القوم للولاية .. فقال الجميع الرأى ما تراه . فأشار إلى محمد على » فلما تظاهر بالتمنع قالوا له : « قد اخترناك لذلك برأى الجميع والكافة والعبرة رضا أهل البلد . وفى الحال أحضروا فروة وألبسوها له وباركوا له وهنأوه »(11) وحرروا وثيقة بذلك جاء فيها : تم الأمر بعد المعاهدة والمعاقدة على سيره بالعدل وإقامة الأحكام والشرائع ، والإقلاع عن المظالم ، وألا يفعل أمرًا إلا بمشورته ومشورة العلماء، وأنه متى خالف الشروط عزلوه وأخرجوه ، وهم قادرون على ذلك كما يفعلون الآن »(12) .
* * *
لقد جاءت هذه الصحوة ، واضحة ، فى أعقاب نجاح الشعب بطرد الفرنسيين وحرصه على حقوقه وأخلاقه ، وحميته هنا لم تكن تقل عن حميته بعد مضى ما يقرب من سنتين ، عندما هبَّ للتصدى لحملة فريزر . وردها على أعقابها خاسرة . كانت صحوة لا يخطئها البصر ولا البصيرة.. إلا أن آراء مؤرخى العهد السابق ، عهد أسرة محمد على مختلفة كليًا .. فشفيق غربال لا يرى فيها جديدًا . فإن مقدماتها ووقائعها تكاد تكون سنوية فى تاريخ مصر منذ الفتح العثمانى » ، ويرى أن وجه الأهمية كله أن محمد على هو الذى تولى الباشوية(13) ، تقليلاً لأهميتها ، ومن شأن عدم وفاء محمد على لوعوده وتعهداته . ولم يخطر فى باله وهو يكتب كتابه : « محمد على الكبير » أن يتساءل لماذا كان « الآخرون » من جميع الأجناس كبارًا فى عهد محمد على ، ما عدا أبناء البلد الأصليين : العرب .. ويزعم الدكتور لويس عوض - الماركسى الاتجاه - أن وصول محمد على إلى الحكم يعود إلى قدرته فى استغلال التناقض بين القوى المتنازعة ببراعة فائقة، ويصوره بالقادر على التحكم فى الأمور منذ البداية(14) كأنما النفس الثورى فى رأيه لا يعتلج إلا فى صدور البروليتاريا . فإذا ظهر محمد على بمظهر الزاهد فى المغانم ، والتزم جانب الاستقامة والرحمة ، وردع جنوده بأقسى العقوبات إن هم عاثوا فى البلد نهبًا وإرهابًا كغيرهم .. فإن سلوكه هذا المسلك ، ورضا الشعب به دون غيره، يعطى القيمة بالتحليل الأخير للشعب لا لمحمد على .. وإذا كانت العادة جرت فيما مضى على أن الأمراء يخلعون الوالى ، وإعطاء الديوان حق معارضته ، إلا أنه لم يسبق للشعب أن خلع واليًا عثمانيًا أو شارك فى خلعه . وقد تجاوز الأمر هذه المرة من الخلع إلى التعيين(15) إذ جاء فرمان التعيين من السلطان مؤيدًا لاختيار العلماء ، وتدعيمًا لرغبة(16) الشعب ، تم تكرر هذا التأييد على إثر مطالبة الشعب والعلماء ، وبإلغاء نقل محمد على باشا إلى سالونيك ، ونقل موسى باشا من سالونيك إلى مصر فى يونيو 1806(17) بدلاً عنه . وهكذا أذعن السلطان لأول مرة لإرادة « الفلاحين : أولاد العرب » .
1 - عدم مرابطة القوات العسكرية فى القاهرة وضرورة انتقالها إلى الجيزة .
2 - عدم السماح للجنود بدخول القاهرة بسلاحهم .
3 - عدم فرض أى ضريبة على سكان القاهرة ما لم تنل موافقة المشايخ والأعيان .
4 - إعادة المراسلات بين القاهرة والوجه القبلى(8) .
وتذكر نشرة الوكلاء الفرنسيين بمصر المؤرخة فى 20 مايو ( أيار ) 1805 أن الوثيقة انطوت على 21 مطلبًا ، أضافت إليها الوثائق الإنكليزية مطلبًا آخر هو : « تخصيص جزيرة الروضة فى القاهرة للحانات وأماكن الترفيه عن الجنود » ، كما تضمنت بندًا يحظر شموليةفرض الضرائب على سائر أنحاء القطر المصرى ، وليس مقصورًا على القاهرة فحسب(9) . أما المؤرخ الجبرتى فقد اكتفى بقوله : « واتفقوا على كتابة عرضحـــال بالمطلوبات ففعـــلوا ذلك ، وذكروا فيه تعدى طوائف العسكر وإيذائهم للناس وإخراجهم من مساكنهم والمظالم والفرد وقبض مال الميرى المعجل أو حتى مصادرة الناس بالدعاوى الكاذبة وغير ذلك »(10) ودرءًا لأى احتمال قد يغير أو يهدد بتغيير القوى رأى السيد عمر مكرم ، خلافًا لرأى بعض كبار المشايخ أن يظل الشعب معبأً لا يلقى سلاحه .
إلا أن خورشيد ، الوالى العثمانى رفض الامتثال لمطالب الشعب ، عندها ذهب عمر مكرم - حسب رواية الجبرتى - فى اليوم التالى (13 مايو أيار 1805) ومن حولــه العلماء وجموع الشعب إلى دار المحكمة . فأغلق القاضى أبوابها ، مغبة العاقبة ، وتدخل وكيل الوالى وكبار رجال الحكومة لتهدئة الحال . إلا أن السيد عمر مكرم أصر على عزل الوالى ، وعقد لأجل ذلك مجلسًا فى منزل محمد على دعا إليه المشايخ ، وتصدر الحديث فتكلم عن تفاقم الموقف واستمرار الحروب والفتن ، وأنه لا مخرج فى رأيه إلا بعزل الوالى خورشيد ، وأنه « لابد من تعيين شخص من جنس القوم للولاية .. فقال الجميع الرأى ما تراه . فأشار إلى محمد على » فلما تظاهر بالتمنع قالوا له : « قد اخترناك لذلك برأى الجميع والكافة والعبرة رضا أهل البلد . وفى الحال أحضروا فروة وألبسوها له وباركوا له وهنأوه »(11) وحرروا وثيقة بذلك جاء فيها : تم الأمر بعد المعاهدة والمعاقدة على سيره بالعدل وإقامة الأحكام والشرائع ، والإقلاع عن المظالم ، وألا يفعل أمرًا إلا بمشورته ومشورة العلماء، وأنه متى خالف الشروط عزلوه وأخرجوه ، وهم قادرون على ذلك كما يفعلون الآن »(12) .
* * *
لقد جاءت هذه الصحوة ، واضحة ، فى أعقاب نجاح الشعب بطرد الفرنسيين وحرصه على حقوقه وأخلاقه ، وحميته هنا لم تكن تقل عن حميته بعد مضى ما يقرب من سنتين ، عندما هبَّ للتصدى لحملة فريزر . وردها على أعقابها خاسرة . كانت صحوة لا يخطئها البصر ولا البصيرة.. إلا أن آراء مؤرخى العهد السابق ، عهد أسرة محمد على مختلفة كليًا .. فشفيق غربال لا يرى فيها جديدًا . فإن مقدماتها ووقائعها تكاد تكون سنوية فى تاريخ مصر منذ الفتح العثمانى » ، ويرى أن وجه الأهمية كله أن محمد على هو الذى تولى الباشوية(13) ، تقليلاً لأهميتها ، ومن شأن عدم وفاء محمد على لوعوده وتعهداته . ولم يخطر فى باله وهو يكتب كتابه : « محمد على الكبير » أن يتساءل لماذا كان « الآخرون » من جميع الأجناس كبارًا فى عهد محمد على ، ما عدا أبناء البلد الأصليين : العرب .. ويزعم الدكتور لويس عوض - الماركسى الاتجاه - أن وصول محمد على إلى الحكم يعود إلى قدرته فى استغلال التناقض بين القوى المتنازعة ببراعة فائقة، ويصوره بالقادر على التحكم فى الأمور منذ البداية(14) كأنما النفس الثورى فى رأيه لا يعتلج إلا فى صدور البروليتاريا . فإذا ظهر محمد على بمظهر الزاهد فى المغانم ، والتزم جانب الاستقامة والرحمة ، وردع جنوده بأقسى العقوبات إن هم عاثوا فى البلد نهبًا وإرهابًا كغيرهم .. فإن سلوكه هذا المسلك ، ورضا الشعب به دون غيره، يعطى القيمة بالتحليل الأخير للشعب لا لمحمد على .. وإذا كانت العادة جرت فيما مضى على أن الأمراء يخلعون الوالى ، وإعطاء الديوان حق معارضته ، إلا أنه لم يسبق للشعب أن خلع واليًا عثمانيًا أو شارك فى خلعه . وقد تجاوز الأمر هذه المرة من الخلع إلى التعيين(15) إذ جاء فرمان التعيين من السلطان مؤيدًا لاختيار العلماء ، وتدعيمًا لرغبة(16) الشعب ، تم تكرر هذا التأييد على إثر مطالبة الشعب والعلماء ، وبإلغاء نقل محمد على باشا إلى سالونيك ، ونقل موسى باشا من سالونيك إلى مصر فى يونيو 1806(17) بدلاً عنه . وهكذا أذعن السلطان لأول مرة لإرادة « الفلاحين : أولاد العرب » .
Page 3
ويرى مؤرخون آخرون أن وقوف الشعب فى وجه الوالى أحمد خورشيد وموافقته على اختيار محمد على واليًا ، وتثبيته يوم 12 و13 مايو ، كانا بتأثير الحملة الفرنسية . إن هذه الرؤية فى غير مكانها ، إن صح تحقق هذا الأثر فيما بعد ، حيث لم تجف دماء الشعب التى سفكهاالفرنسيون (1805) ، وكانت أوامر بونابرت لقادته بتنفيذ عقوبات الإعدام بالمعارضين من الشعب ، بقطع رؤوسهم والطواف بها فى الشوارع لإرهاب الناس كما كان يفعل محمد على(18) وجاء تعليل المؤرخين لهذه الصحوة الشعبية وتجنب إسنادها إلى ذاتية الشعب بضغط واضح من الإعلام البريطانى الذى أشاع بأن الشعب المصرى مسكين مسالم ، دائم الخضوع لحكامه لم يرفع رأسه منذ أيام الفراعنة . ومن وجهة نظر أخرى فإن هذا الإعلام تغافل الحديث عن صحوة الشعب ونضاله ، خشية أن يقودهم سياق الكلام إلى الحديث عن خداع محمد على ، الذى كان اختياره سابقةً لم يحدث مثلها من قبل ولا حدث من بعد ، وإذا كان هناك تاريخ مرحلة يجب إعادة كتابته فهو تاريخ مرحلة حكم محمد على وأسرته .
وبالعودة إلى مؤرخ المرحلة المزامن عبد الرحمن الجبرتى والنظر فيما كتب ، نجد أن ما كتبه عن يومى 12 و13 مايو - أيار - 1805 يعتبر وثيقة هامة ، لا يخرج فى حقيقته عن إطار التصور الإسلامى العام للحكم فى الوطن العربى . وهو تصور نعثر على أمثلة كثيرة له فى تاريخ نضال الشعوب العربية ضد الأجنبى ، إنه تصور ينطوى على مفهومين للحكم الإسلامى : عربى ، وأعجمى ، يكشف عنهما الحوار الذى سجله الجبرتى بين السيد عمر مكرم قائد الحركة الشعبية وعمر بك الأرناؤودى الألبانى أكبر أعوان الوالى التركى أحمد خورشيد : « قال الأرناؤودى : كيف تعزلون من ولاه السلطان عليكم وقد قال الله تعال : ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ( فقال له عمر مكرم : أولو الأمر العلماء ، وحملة الشريعة ، والسلطان العادل ، أما هذا فهو رجل ظالم . وجرت العادة من قديم الزمان أن أهل البلد يعزلون الولاة ، وهذا شىء معروف ، وحتى الخلفية والسلطان إذا سارا فيهم بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه ، ثم قال البك : كيف تحصروننا وتمنعون عنا الماء والأكل وتقاتلوننا ؟ نحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك ؟ قال عمر مكرم : أفتى العلماء والقاضى بجواز قتالكم ومحاربتكم لأنكم عصاة . فقال البيك : إن هذا القاضى كافر ! فقال عمر مكرم : إذا كان قاضيكم كافرًا فكيف بكم ، وحاشاه الله من ذلك ، إنه رجل شرع لا يميل عن الحرف .. »(19) . ولقد أفتى الشيخ محمد المهدى ، أحد علماء الأزهر ، حينئذ : «إن للشعوب طبقًا لما جرى به العرف قديمًا ، ولما تقضى به الشريعة الإسلامية ، الحق فى أن يقيموا الولاة ، ولهم الحق أن يعزلوهم إذا انحرفوا عن سنن العدل ، وساروا بالظلم، لأن الحكام الظالمين خارجون عن الشريعة»(20). وإذا قارنا منطوق فتوى الشيخ الشيرازى فى العراق لمحاربة الإنكليز ، والشيخ الإبراهيمى فى الجزائر لمحاربة الفرنسيين والقوى المجاهدة للحصول على الاستقلال من أيدى أرباب « الانتداب » الذين يتعلل لهم أولو الأمر فى بلاد الشام ، فإننا لا نجد بينها اختلافًا فى الفحوى. ذلك أنه يقر فى الفكر السياسى نظرية إسلامية عربية واحدة هنا وهناك ينبع منها حق الشعب فى عزل الحكام الجائرين غير العادلين .. ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( ( سورة البقرة 124 ) . فالعدالة شرط لاستحقاق الإمامة ، بل أول شروطها السبعة، وهى أساس لطاعة المحكومين(21) .
ولم تكن صحوة الشعب فى يومى 12 و13 أيار ( مايو ) شعلة أضاءت ثم انطفأت بالوقوف فى وجه ولاية أحمد خورشيد وتحقيقها أهدافها . بل ظلت مصاحبة لكفاح الشعب المصرى المدعوم بقوى جاءت من أقطار مغربية وشامية وحجازية(22) لمحاربة الفرنسيين ، ولم يقف النجاح عند إلغاء تعيين وال واستبداله بوال آخر ، أو إلغاء فرمان نقل وال اختاره الشعب باستصدار فرمان تثبيته .. بل تعداه للمطالبة بإلغاء أية ضريبة ، دون موافقة الشعب ممثلاً بالمشايخ والعلماء(23) (بمعنى لا ضريبة دون تمثيل No- texation wilhaut Represention ) .
إلا أن صحوة الشعب هذه لم تخبُ ، فقد أعدت نفسها لمواجهة الألفى عميل إنكليزى حين انتقل بقواته من حوش عيسى بالبحيرة ، وأذاع بيانًا باسم السلطان يطلب الولاء والطاعة ، ويعد المتعاونين معه بالمكافأة ؛ فأسرع الأهالى بالتحصن وتوجهوا بنداء إلى محمد على أرسلوه بواسطة عمر مكرم . إلا أن الألفى ومماليكه سحقوا جنود محمد على فى معركة دامية فى النجيلة ، حتى أن النيل امتلأ - على ما يذكر الجبرتى - بطراطير الدلاة(24) فتولى السيد عمر مكرم بعدها القيادة وتنظيم الدفاع عن دمنهور وإمدادها ، فطال حصار الألفى لها ثلاثة شهور ، ولم يتمكن من الاستيلاء عليها(25) وكان السيد عمر مكرم يوالى على إحضار المحتسب ، ويأمر بالمناداة . فيمر فى الطرق والأزقة « وأمامه المنادى يقول : حسبما رسم السيد عمر الأفندى والعلماء على جميع الرعايا بأن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم ويحترسوا فى أماكنهم ، وإذا تعرض لهم عسكر بأذية قابلوه بمثلها وإلا فلا يتعرضوا لهم .. » .
وبالعودة إلى مؤرخ المرحلة المزامن عبد الرحمن الجبرتى والنظر فيما كتب ، نجد أن ما كتبه عن يومى 12 و13 مايو - أيار - 1805 يعتبر وثيقة هامة ، لا يخرج فى حقيقته عن إطار التصور الإسلامى العام للحكم فى الوطن العربى . وهو تصور نعثر على أمثلة كثيرة له فى تاريخ نضال الشعوب العربية ضد الأجنبى ، إنه تصور ينطوى على مفهومين للحكم الإسلامى : عربى ، وأعجمى ، يكشف عنهما الحوار الذى سجله الجبرتى بين السيد عمر مكرم قائد الحركة الشعبية وعمر بك الأرناؤودى الألبانى أكبر أعوان الوالى التركى أحمد خورشيد : « قال الأرناؤودى : كيف تعزلون من ولاه السلطان عليكم وقد قال الله تعال : ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ( فقال له عمر مكرم : أولو الأمر العلماء ، وحملة الشريعة ، والسلطان العادل ، أما هذا فهو رجل ظالم . وجرت العادة من قديم الزمان أن أهل البلد يعزلون الولاة ، وهذا شىء معروف ، وحتى الخلفية والسلطان إذا سارا فيهم بالجور فإنهم يعزلونه ويخلعونه ، ثم قال البك : كيف تحصروننا وتمنعون عنا الماء والأكل وتقاتلوننا ؟ نحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك ؟ قال عمر مكرم : أفتى العلماء والقاضى بجواز قتالكم ومحاربتكم لأنكم عصاة . فقال البيك : إن هذا القاضى كافر ! فقال عمر مكرم : إذا كان قاضيكم كافرًا فكيف بكم ، وحاشاه الله من ذلك ، إنه رجل شرع لا يميل عن الحرف .. »(19) . ولقد أفتى الشيخ محمد المهدى ، أحد علماء الأزهر ، حينئذ : «إن للشعوب طبقًا لما جرى به العرف قديمًا ، ولما تقضى به الشريعة الإسلامية ، الحق فى أن يقيموا الولاة ، ولهم الحق أن يعزلوهم إذا انحرفوا عن سنن العدل ، وساروا بالظلم، لأن الحكام الظالمين خارجون عن الشريعة»(20). وإذا قارنا منطوق فتوى الشيخ الشيرازى فى العراق لمحاربة الإنكليز ، والشيخ الإبراهيمى فى الجزائر لمحاربة الفرنسيين والقوى المجاهدة للحصول على الاستقلال من أيدى أرباب « الانتداب » الذين يتعلل لهم أولو الأمر فى بلاد الشام ، فإننا لا نجد بينها اختلافًا فى الفحوى. ذلك أنه يقر فى الفكر السياسى نظرية إسلامية عربية واحدة هنا وهناك ينبع منها حق الشعب فى عزل الحكام الجائرين غير العادلين .. ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( ( سورة البقرة 124 ) . فالعدالة شرط لاستحقاق الإمامة ، بل أول شروطها السبعة، وهى أساس لطاعة المحكومين(21) .
ولم تكن صحوة الشعب فى يومى 12 و13 أيار ( مايو ) شعلة أضاءت ثم انطفأت بالوقوف فى وجه ولاية أحمد خورشيد وتحقيقها أهدافها . بل ظلت مصاحبة لكفاح الشعب المصرى المدعوم بقوى جاءت من أقطار مغربية وشامية وحجازية(22) لمحاربة الفرنسيين ، ولم يقف النجاح عند إلغاء تعيين وال واستبداله بوال آخر ، أو إلغاء فرمان نقل وال اختاره الشعب باستصدار فرمان تثبيته .. بل تعداه للمطالبة بإلغاء أية ضريبة ، دون موافقة الشعب ممثلاً بالمشايخ والعلماء(23) (بمعنى لا ضريبة دون تمثيل No- texation wilhaut Represention ) .
إلا أن صحوة الشعب هذه لم تخبُ ، فقد أعدت نفسها لمواجهة الألفى عميل إنكليزى حين انتقل بقواته من حوش عيسى بالبحيرة ، وأذاع بيانًا باسم السلطان يطلب الولاء والطاعة ، ويعد المتعاونين معه بالمكافأة ؛ فأسرع الأهالى بالتحصن وتوجهوا بنداء إلى محمد على أرسلوه بواسطة عمر مكرم . إلا أن الألفى ومماليكه سحقوا جنود محمد على فى معركة دامية فى النجيلة ، حتى أن النيل امتلأ - على ما يذكر الجبرتى - بطراطير الدلاة(24) فتولى السيد عمر مكرم بعدها القيادة وتنظيم الدفاع عن دمنهور وإمدادها ، فطال حصار الألفى لها ثلاثة شهور ، ولم يتمكن من الاستيلاء عليها(25) وكان السيد عمر مكرم يوالى على إحضار المحتسب ، ويأمر بالمناداة . فيمر فى الطرق والأزقة « وأمامه المنادى يقول : حسبما رسم السيد عمر الأفندى والعلماء على جميع الرعايا بأن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم ويحترسوا فى أماكنهم ، وإذا تعرض لهم عسكر بأذية قابلوه بمثلها وإلا فلا يتعرضوا لهم .. » .
Page 4
2 - التصدى لحملة فريزر :
القارئ للجبرتى يحس أن السيد عمر مكرم أخذ يمثل « روح » الثورة فى الشعب حينئذ . فما أن انتهى من أمر الألفى ، حتى واجهه نزول الإنكليز فى الإسكندرية (1807) ليحققوا ما فشل فى تحقيقه بونابرت بالحملة الفرنسية فى مصر ، فهب يعبئ الشعب لمقاومتهم فى كل مكان .. فكانت ترده الرسائل ويوالى عقد الاجتماعات لإطلاع المشايخ عليها ويقرر ما يجب عمله ، ويحرص على تلافى الفوضى واستغلال الجنود لها فى أعمال السلب والنهب وإيذاء الناس . فقد روى الجبرتى شكاوى الأهالى إليه فرار المدافعين عن الإسكندرية ، ومرة شكوى من كاشف مدينة دمنهور ، ومرة شكوى ما أصاب الجنود من ذعر والهروب بالأسلحة والذخائر(26) . فقد كتب بتاريخ 7 إبريل ( نيسان ) عام 1807 رسالة إلى نقيب الأشراف فى رشيد يرجوه فيها « الإمداد بالرجال والجنجانة والعدة والعدد وعدم الإهمال »(27) ويؤكد الجبرتى على ما يبذله رجالات البلاد من نشاط هائل غير معتاد فى التشاور والتراسل لتحمل المسئولية .
وخشية أن يتخطى الإنكليز خط المقاومة الأول ، أمر عمر مكرم بتعطيل الأزهر(28) ليتفرغ المشايخ المدرسون للجهاد . فكان يذهب صبيحة كل يوم تتبعه جماهير كثيفة العدد إلى حيث يشتغل العمال فى إقامة الاستحكامات . وقد أعدت له خيمة خاصة يظل فيها أحيانًا طوال النهار، وكان حضوره يثير الحماس والشجاعة فى نفوس الناس ، وقد تولى الميسورون من أبناء الشعب اقتسام أجور العمال ودفعها لهم(29) . وتمكن الشعب فى 30 من آذار - مارس - 1807 - بينما محمد على مايزال يتلكأ ويناور فى الصعيد - من الانتصار فى رشيد علىالإنكليز ، وتحدث قنصل إنجلترا « ميسيت » عن هذا الانتصار فقال : إن العالم بأسره ستعتريه دهشة بالغة حين يسمع أن مدينة مثل رشيد قد استعصت على جيش أوروبى حديث(30) .
كان محمد على فى الصعيد حين نزول فريزر إلى البر متوجهًا إلى رشيد واستنجاد الناس به لصده . ويذكر الجبرتى أن الاجتماعات راحت تتكرر تارة فى منزل عمر مكرم ، وأخرى فى منزل نائب محمد على لدراسة المواقف ، فتقرر طلبه « ليستعد لما هو أولى وأحق بالاهتمام » ويصف وقع الخبر عليه بقوله : « .. داخله وهم كبير .. ارتبك فى أمره .. انحلت عزائمه .. » وأخلى الصعيد ونزل متلكئًا قاصدًا القاهرة « يظن سرعة ورود الإنجليز إلى المدينة فيسير مشرقًا على طريق ، ويكون له عذر بغيبته فى الحملة(31) فلم يصل القاهرة إلا فى يوم 11 نيسان ( أبريل ) 1807 أى بعد انتصار الشعب فى رشيد على الإنجليز فى 30 آذار ( مارس ) 1807 .
وفى 9 نيسان ( أبريل ) بعث أهالى رشيد برسالة إلى عمر مكرم تنبئه بعودة الإنجليز بعد هزيمتهم إلى ناحية « الحماد قبلى رشيد ، ومعهم المدافع الهائلة وعدة القتال ، ونصبوا متاريسهم فى ساحل البحر إلى الجبل عرضًا .. « وعندما وصل محمد على القاهرة حضر إليه وفدمن المشايخ يعرض الأمر عليه ، طالبين السماح لهم بالخروج « للجهاد مع الرعية والعسكر » ، ولكنه طلب منهم إعفاء أنفسهم من مهمة الاشتراك فى الدفاع عن بلادهم قائلاً : « ليس على رعية البلد الخروج للقتال ، وإنما عليهم المساعدة بالمال والمؤن للعسكر »(32) .
ورغم موقف محمد على هذا ، فقد توجه إليه عمر مكرم مرة أخرى يعرض عليه رسالة وردته من رشيد فى 14 نيسان ( أبريل ) 1807 تفيد بأن الإنجليز « يحاصرون بالثغر ومتحلقون حوله ويضربون على البلد بالمدافع والقنابر ( القنابل ) » فتظاهر محمد على بالاهتمام واعتزامه السفر بنفسه وطلب الاستعجال بجباية الألف كيس التى طلبها من قبل لتجهيز الحملة فجبيت ، ويصف الجبرتى لوعة المرارة ، لعساكر الباشا الذين كانوا يذهبون إلى بولاق ليوهموا الشعب أنهم ماضون فى سفرهم لمحاربة البريطانيين ، ثم يعودون ويراهم الناس فى اليوم التالى ، أو يذهبون إلى المنوفية والغربية ويجمعون ما تصل إليه قدرة عسفهم من مال ومغارم فيخطفون البنات والنساء والماشية .. ويقول الجبرتى بهزء وسخرية « هكذا يفعل المجاهدون » ثم يضفى على اللقاء الفاصل مع الإنجليز فى معركة الحماد بالقرب من رشيد ، طابع معركة عربية شعبية شاملة لا شعبية مصرية حسب . فبعد أن يذكر فى جملة المتطوعين تاجرين من أهل مكة يقيمان فى القاهرة ، استقدما معهما مائة من البدو والمغاربة يقول : « وكانت الحملة تضم الكثير من أهالى بلاد البحيرة وغيرها ، وأهالى رشيد ومن معهم من المتطوعة والعساكر وأهل دمنهور » ثم علق عليها بقوله : « وليت العامة شُكروا على ذلك ، أو نسب إليهم فعل النصر ، بل نسب كل ذلك للباشا وعساكره »(33) .
* * *
القارئ للجبرتى يحس أن السيد عمر مكرم أخذ يمثل « روح » الثورة فى الشعب حينئذ . فما أن انتهى من أمر الألفى ، حتى واجهه نزول الإنكليز فى الإسكندرية (1807) ليحققوا ما فشل فى تحقيقه بونابرت بالحملة الفرنسية فى مصر ، فهب يعبئ الشعب لمقاومتهم فى كل مكان .. فكانت ترده الرسائل ويوالى عقد الاجتماعات لإطلاع المشايخ عليها ويقرر ما يجب عمله ، ويحرص على تلافى الفوضى واستغلال الجنود لها فى أعمال السلب والنهب وإيذاء الناس . فقد روى الجبرتى شكاوى الأهالى إليه فرار المدافعين عن الإسكندرية ، ومرة شكوى من كاشف مدينة دمنهور ، ومرة شكوى ما أصاب الجنود من ذعر والهروب بالأسلحة والذخائر(26) . فقد كتب بتاريخ 7 إبريل ( نيسان ) عام 1807 رسالة إلى نقيب الأشراف فى رشيد يرجوه فيها « الإمداد بالرجال والجنجانة والعدة والعدد وعدم الإهمال »(27) ويؤكد الجبرتى على ما يبذله رجالات البلاد من نشاط هائل غير معتاد فى التشاور والتراسل لتحمل المسئولية .
وخشية أن يتخطى الإنكليز خط المقاومة الأول ، أمر عمر مكرم بتعطيل الأزهر(28) ليتفرغ المشايخ المدرسون للجهاد . فكان يذهب صبيحة كل يوم تتبعه جماهير كثيفة العدد إلى حيث يشتغل العمال فى إقامة الاستحكامات . وقد أعدت له خيمة خاصة يظل فيها أحيانًا طوال النهار، وكان حضوره يثير الحماس والشجاعة فى نفوس الناس ، وقد تولى الميسورون من أبناء الشعب اقتسام أجور العمال ودفعها لهم(29) . وتمكن الشعب فى 30 من آذار - مارس - 1807 - بينما محمد على مايزال يتلكأ ويناور فى الصعيد - من الانتصار فى رشيد علىالإنكليز ، وتحدث قنصل إنجلترا « ميسيت » عن هذا الانتصار فقال : إن العالم بأسره ستعتريه دهشة بالغة حين يسمع أن مدينة مثل رشيد قد استعصت على جيش أوروبى حديث(30) .
كان محمد على فى الصعيد حين نزول فريزر إلى البر متوجهًا إلى رشيد واستنجاد الناس به لصده . ويذكر الجبرتى أن الاجتماعات راحت تتكرر تارة فى منزل عمر مكرم ، وأخرى فى منزل نائب محمد على لدراسة المواقف ، فتقرر طلبه « ليستعد لما هو أولى وأحق بالاهتمام » ويصف وقع الخبر عليه بقوله : « .. داخله وهم كبير .. ارتبك فى أمره .. انحلت عزائمه .. » وأخلى الصعيد ونزل متلكئًا قاصدًا القاهرة « يظن سرعة ورود الإنجليز إلى المدينة فيسير مشرقًا على طريق ، ويكون له عذر بغيبته فى الحملة(31) فلم يصل القاهرة إلا فى يوم 11 نيسان ( أبريل ) 1807 أى بعد انتصار الشعب فى رشيد على الإنجليز فى 30 آذار ( مارس ) 1807 .
وفى 9 نيسان ( أبريل ) بعث أهالى رشيد برسالة إلى عمر مكرم تنبئه بعودة الإنجليز بعد هزيمتهم إلى ناحية « الحماد قبلى رشيد ، ومعهم المدافع الهائلة وعدة القتال ، ونصبوا متاريسهم فى ساحل البحر إلى الجبل عرضًا .. « وعندما وصل محمد على القاهرة حضر إليه وفدمن المشايخ يعرض الأمر عليه ، طالبين السماح لهم بالخروج « للجهاد مع الرعية والعسكر » ، ولكنه طلب منهم إعفاء أنفسهم من مهمة الاشتراك فى الدفاع عن بلادهم قائلاً : « ليس على رعية البلد الخروج للقتال ، وإنما عليهم المساعدة بالمال والمؤن للعسكر »(32) .
ورغم موقف محمد على هذا ، فقد توجه إليه عمر مكرم مرة أخرى يعرض عليه رسالة وردته من رشيد فى 14 نيسان ( أبريل ) 1807 تفيد بأن الإنجليز « يحاصرون بالثغر ومتحلقون حوله ويضربون على البلد بالمدافع والقنابر ( القنابل ) » فتظاهر محمد على بالاهتمام واعتزامه السفر بنفسه وطلب الاستعجال بجباية الألف كيس التى طلبها من قبل لتجهيز الحملة فجبيت ، ويصف الجبرتى لوعة المرارة ، لعساكر الباشا الذين كانوا يذهبون إلى بولاق ليوهموا الشعب أنهم ماضون فى سفرهم لمحاربة البريطانيين ، ثم يعودون ويراهم الناس فى اليوم التالى ، أو يذهبون إلى المنوفية والغربية ويجمعون ما تصل إليه قدرة عسفهم من مال ومغارم فيخطفون البنات والنساء والماشية .. ويقول الجبرتى بهزء وسخرية « هكذا يفعل المجاهدون » ثم يضفى على اللقاء الفاصل مع الإنجليز فى معركة الحماد بالقرب من رشيد ، طابع معركة عربية شعبية شاملة لا شعبية مصرية حسب . فبعد أن يذكر فى جملة المتطوعين تاجرين من أهل مكة يقيمان فى القاهرة ، استقدما معهما مائة من البدو والمغاربة يقول : « وكانت الحملة تضم الكثير من أهالى بلاد البحيرة وغيرها ، وأهالى رشيد ومن معهم من المتطوعة والعساكر وأهل دمنهور » ثم علق عليها بقوله : « وليت العامة شُكروا على ذلك ، أو نسب إليهم فعل النصر ، بل نسب كل ذلك للباشا وعساكره »(33) .
* * *
Page 5
الفصل الثاني : النكول بشرط التعيين
1 - العودة إلى فرض الضرائب :
بفضل انتفاضة الشعب فى وجه العسف والفساد ، توصل الفلاحون أهالى البلاد إلى إقرار حقهم ( الدستورى ) وإثباته فى وثيقة تقول : « إن الأمراء تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه الناس بأن يكفوا وأتباعهم بمد أيديهم إلى أموال الناس ، وأن يعاملوهم معاملة حسنة »(34) . ولكن هذا لم يحل دون تكرار الأزمة عند تبديل الولاة . فقد جرى تعيين والٍ جديد فى أعقاب خروج الفرنسيين هو أحمد خورشيد ، وكان محمد على مايزال وافدًا جديدًا حياديًا بين المتصارعين . وأدت الأزمة الجديدة إلى الإجماع على ضرورة عزل الوالى الجديد ، واختيار محمد على للولاية . واستصدار فرمان بذلك ، والتعاقد على شرط واضح فى الحكم مثبت فى وثيقة تنص على : « إن للشعوب طبقًا لمما جرى به العرف قديمًا ، ولما تقضى به الشريعة الإسلامية ، الحق فى أن يقيموا الولاة ، ولهم الحق أن يعزلوهم إذا انحرفوا عن سنن العدل وساروا بالظلم ، لأن الحكام الظالمين خارجون عن الشريعة »(35) .
بدا محمد على بعد مرور سنتين على تعيينه أنه ملتزم برأى المشايخ ، لا يقطع أمرًا دون مشورتهم ، طالما أنه بحاجة إليهم للوقوف فى وجه المماليك ، والعثمانيين ، والإنجليز ، والزبانية الطامعين بولاية مصر، ولدعمــه لدى السلطان العثمـــانى. لقد أخذت حاجته للمال وطلبـــه المزيد تزداد ، فقبل جلاء الإنجليز عن مصر ، فى أواخر 1807 ، طلب محمد على - غير الألف كيس التى جبيت فى نيسان ( أبريل ) من نفس العــام لأجل الحـــرب - مساعدة السيد عمر مكـــرم فى جباية ألفى كيس ( عشرة آلاف جنيه ) . فاعتذر الأخير ولم يوافق ، فجباها محمد على من التجار بذريعة أنها قروض ولكن بشىء من الإكراه . وفى عام 1808 فرض محمد على ضريبة جديدة على الفائض بمقدار الربع . بحجة دفع مرتبات الجنود المتأخرة . فعارضه السيد عمر مكرم خشية أن يصبح ذلك تقليدًا ، إلا أن محمد على أقسم على أنها لن تفرض إلا هذه المرة « وأنه يكون ملعونًا ومطرودًا من رحمة الله » إذا كرر فعله ، وعاهد السيد عمر مكرم على هذا القول فقبل .
انتهز محمد على فرصة تكرار طلبات السلطان لتجهيز حملة لمحاربة « الوهابيين » فى الحجاز ، فطلب فى شباط ( فبراير ) 1808 ، جمع 24 ألف كيس ( 820 ألف جنيه ذهبًا ) ، فحصل ارتباك واضطراب ، وشاع الخبر فى الناس وزاد بهم الوسواس(36) ، وفى آب ( أغسطس ) 1808 فرض ضريبة قدرها أربعة بالمائة على كافة أنواع الحبوب والمأكولات التى تباع فى الأسواق والميادين والشوارع(37) وأتبع ذلك بفرض ضريبة ختم على المصوغات الذهبية والفضية ، وبضرائب على سائر أنواع السلع حتى « المغالات التى هى الصرم والبلغ » فأصبحت لا تباع سلعة دون أن تكون مختومة بخاتم الحكومة(38) . لكن إجراءاته التى اتخذها فى عام 1809 كانت أشد إثارة للناس ، فقد وضع يده على الأراضى والعقارات التى خصصت للإنفاق على المساجد والأسبلة والمدارس وغير ذلك من وجوه البر وجميعها معفاة من الضرائب ، ليس للوارث حق التصرف فيها وعدم المساس بالوقف . ثم أمر بمصادرة نصف الفائض ، وبفرض ضرائب على أطيان الأوسية التى يزرعها الفلاحون بالسخرة لحساب الملتزمين ، وكانت معفاة سابقًا مقابل استضافة موظفى الحكومة عند مرورهم بجهة الالتزام . وكان المشايخ وطائفة كبيرة من سواد الشعب يعتمدون فى معاشهم « على ريع هذه الأملاك والأراضى المرصدة عليهم » أو على تجارتهم فى السلع . لذلك ازدحمت أحياء القاهرة بالساخطين والمتذمرين والمتظاهرين ، ومن بينهم السيدات والأطفال ، ممن أصبحوا مهددين بالحرمان من استحقاقاتهم فى الأوقاف وخيراتها(39) . وتوجه الناس كالعادة إلى الأزهر فأوقف العلماء حلقات الدرس ، وتداعوا إلى الاجتماع بقبلة المسجد ، وأرسلوا فى طلب عمر مكرم واستقــر رأيهم على توحيد كلمتهم ونبذ خلافاتهم ، والوقوف صفًا واحدًا فى المطالبة بإلغاء جميع الضرائب المستحدثة . وفى اليوم التالى ، أول تموز ( يوليو ) 1809 اجتمع زعماء المشايخ ، ووضعوا مذكرة بذلك نقلها سكرتير محمد على ، وتعاهدوا على مقاطعته إذا لم يستجب لمطالبهم والكتابة بشأنه إلى السلطان .
1 - العودة إلى فرض الضرائب :
بفضل انتفاضة الشعب فى وجه العسف والفساد ، توصل الفلاحون أهالى البلاد إلى إقرار حقهم ( الدستورى ) وإثباته فى وثيقة تقول : « إن الأمراء تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه الناس بأن يكفوا وأتباعهم بمد أيديهم إلى أموال الناس ، وأن يعاملوهم معاملة حسنة »(34) . ولكن هذا لم يحل دون تكرار الأزمة عند تبديل الولاة . فقد جرى تعيين والٍ جديد فى أعقاب خروج الفرنسيين هو أحمد خورشيد ، وكان محمد على مايزال وافدًا جديدًا حياديًا بين المتصارعين . وأدت الأزمة الجديدة إلى الإجماع على ضرورة عزل الوالى الجديد ، واختيار محمد على للولاية . واستصدار فرمان بذلك ، والتعاقد على شرط واضح فى الحكم مثبت فى وثيقة تنص على : « إن للشعوب طبقًا لمما جرى به العرف قديمًا ، ولما تقضى به الشريعة الإسلامية ، الحق فى أن يقيموا الولاة ، ولهم الحق أن يعزلوهم إذا انحرفوا عن سنن العدل وساروا بالظلم ، لأن الحكام الظالمين خارجون عن الشريعة »(35) .
بدا محمد على بعد مرور سنتين على تعيينه أنه ملتزم برأى المشايخ ، لا يقطع أمرًا دون مشورتهم ، طالما أنه بحاجة إليهم للوقوف فى وجه المماليك ، والعثمانيين ، والإنجليز ، والزبانية الطامعين بولاية مصر، ولدعمــه لدى السلطان العثمـــانى. لقد أخذت حاجته للمال وطلبـــه المزيد تزداد ، فقبل جلاء الإنجليز عن مصر ، فى أواخر 1807 ، طلب محمد على - غير الألف كيس التى جبيت فى نيسان ( أبريل ) من نفس العــام لأجل الحـــرب - مساعدة السيد عمر مكـــرم فى جباية ألفى كيس ( عشرة آلاف جنيه ) . فاعتذر الأخير ولم يوافق ، فجباها محمد على من التجار بذريعة أنها قروض ولكن بشىء من الإكراه . وفى عام 1808 فرض محمد على ضريبة جديدة على الفائض بمقدار الربع . بحجة دفع مرتبات الجنود المتأخرة . فعارضه السيد عمر مكرم خشية أن يصبح ذلك تقليدًا ، إلا أن محمد على أقسم على أنها لن تفرض إلا هذه المرة « وأنه يكون ملعونًا ومطرودًا من رحمة الله » إذا كرر فعله ، وعاهد السيد عمر مكرم على هذا القول فقبل .
انتهز محمد على فرصة تكرار طلبات السلطان لتجهيز حملة لمحاربة « الوهابيين » فى الحجاز ، فطلب فى شباط ( فبراير ) 1808 ، جمع 24 ألف كيس ( 820 ألف جنيه ذهبًا ) ، فحصل ارتباك واضطراب ، وشاع الخبر فى الناس وزاد بهم الوسواس(36) ، وفى آب ( أغسطس ) 1808 فرض ضريبة قدرها أربعة بالمائة على كافة أنواع الحبوب والمأكولات التى تباع فى الأسواق والميادين والشوارع(37) وأتبع ذلك بفرض ضريبة ختم على المصوغات الذهبية والفضية ، وبضرائب على سائر أنواع السلع حتى « المغالات التى هى الصرم والبلغ » فأصبحت لا تباع سلعة دون أن تكون مختومة بخاتم الحكومة(38) . لكن إجراءاته التى اتخذها فى عام 1809 كانت أشد إثارة للناس ، فقد وضع يده على الأراضى والعقارات التى خصصت للإنفاق على المساجد والأسبلة والمدارس وغير ذلك من وجوه البر وجميعها معفاة من الضرائب ، ليس للوارث حق التصرف فيها وعدم المساس بالوقف . ثم أمر بمصادرة نصف الفائض ، وبفرض ضرائب على أطيان الأوسية التى يزرعها الفلاحون بالسخرة لحساب الملتزمين ، وكانت معفاة سابقًا مقابل استضافة موظفى الحكومة عند مرورهم بجهة الالتزام . وكان المشايخ وطائفة كبيرة من سواد الشعب يعتمدون فى معاشهم « على ريع هذه الأملاك والأراضى المرصدة عليهم » أو على تجارتهم فى السلع . لذلك ازدحمت أحياء القاهرة بالساخطين والمتذمرين والمتظاهرين ، ومن بينهم السيدات والأطفال ، ممن أصبحوا مهددين بالحرمان من استحقاقاتهم فى الأوقاف وخيراتها(39) . وتوجه الناس كالعادة إلى الأزهر فأوقف العلماء حلقات الدرس ، وتداعوا إلى الاجتماع بقبلة المسجد ، وأرسلوا فى طلب عمر مكرم واستقــر رأيهم على توحيد كلمتهم ونبذ خلافاتهم ، والوقوف صفًا واحدًا فى المطالبة بإلغاء جميع الضرائب المستحدثة . وفى اليوم التالى ، أول تموز ( يوليو ) 1809 اجتمع زعماء المشايخ ، ووضعوا مذكرة بذلك نقلها سكرتير محمد على ، وتعاهدوا على مقاطعته إذا لم يستجب لمطالبهم والكتابة بشأنه إلى السلطان .
Page 6
كان لابد من وقوع الاصطدام بين محمد على والسيد عمر مكرم : ليس فقط لأنهما يمثلان سلطتين متناقضتين ، متعاكستين ، أحدهما يمثل الطموح إلى الحكم والسلطة ، والثانى المدافع عن حقوق الشعب بالثورة ، ولكنه لم يعرف بعد ما يريد منها ولم تتضح معالمها ، إلا أنه يعارض تصرفات وإجراءات الحاكم التى يراها الشعب فى غير صالحه ، ولم يكن جميع ما يسعى إليه محمد على لصالح الشعب . لقد حضر من قونيا تراوده أحلام اعتلاء سدة الحكم . وكانت مصر قبل بونابرت تداعب أحلام الطامحين . فإذا كان العرب لتلاشى العارفين بينهم والواعين للتاريخ فى أوروبا ، كان وعيهم بأهمية مصر يزداد على مر الزمن . لأن الأوروبيين أخذوا بالتقدم ، وكلما تقدموا ازدادت حاجتهم إليها لازدياد ارتباطهم بالثروات الخام والأسواق وراء مصر . كما أن جميع دول أوروبة المتنافسة فى التجارة لم يعد يرضيها اقتصار وجودها فى مصر على محلات تجارية ، ووكالات محدودة فى الثغـــور مهددة دائمًا . وخاصة أن عددًا مــحدودًا من الأوروبيين ، لا يتمتع بحرية التجول إلا بنطاق محدود ، تنبحهم كلاب البلاد أينما رأتهم كما يقول عبد الله النديم .
وصل محمد على إلى مصر بجنسية عثمانية، ولكن بعقل أوروبى، وقد وعى منذ البداية ماذا تعنى الدولة العثمانية بالنسبة إلى أوروبة ، وسيطرتها على مصر بدل المماليك ، وماذا تعنى مصر فى نظر أوروبة ، وماذا تريد أوروبة منها . فقد كتب الضابط بريديه Pridier فى كتابه « عائلة » أن فرنسا أوفدت إلى مصر « ماثيو ليسيبس » عقب خروج الفرنسيين ، لدراسة القوى المتصارعة على الحكم فى مصر ، ولاقتراح الشخصية الجديرة بدعم نفوذ فرنسا . فجاء الاقتراح على شخص محمد على . أما القوى المتصارعة ظاهريًا فكانت إنجلترا ، فرنسا ، الدولة العثمانية ، ولم يكن يحسب أى حساب للعرب أهل البلاد ؛ وجاء فى كتاب بريديه تاريخ أسرة ص 129 :
« كان دولسبس الأداة الأولى لارتقاء محمد على فى مصر ، إذ كانت مهمته البحث فى مصر عن رجل ، قوى الشكيمة ، قادر على ضبط النظام ، بالتغلب على المماليك ، المعارضين للسياسة الفرنسية . فاختار الجنرال محمد على ليرشحه إلى حكومته » .
وهكذا يقرر ، منجن Mengin أول مؤرخ لسيرة محمد على أن قنصل فرنسا العام دروفوتى كان يحرص كل ليلة ، على التسلل إلى مقر محمد على ليطلعه على مجريات الأمور ، ويتداول معه بشأن ما يجب عمله ، وقد أقر فيما بعد الخديوى إسماعيل ، فى منفاه ، هذا الاختيار والدعم اللذين تمتعت بهما أسرته من قبل القوى الأوروبية لارتقائها الحكم فقال :
« أنا من أسرة محمـد على ، ونحن جميعنا نعرف ونقر بدعم فرنســا الذى منحتنا إياه دائمًا» .
هذا ما ورد فى كتاب منجن Mengin أول مؤرخ لمحمد على . لكن هذه الحقائق طمست ولم يعد أحد يتذكرها . وعندما استدعى مؤرخان لبنانيان من الجامعة الأمريكية ببيروت للإشراف على كتابة تاريخ محمد على ، قاما بإسقاط العديد من وثائق تلك المرحلة .
2 - تبرير انحراف محمد على :
ذهب بعض المؤرخين إلى تصوير الصدام بين محمد على وبين « الزعامة الشعبية » الفتية ، على أنه صدام بين مرحلتين فى سياق تاريخ واحد : عهد الفوضى والفقر والضعف وعهد النظام واليسر والقوة . ويحملون مرحلة ما قبل محمد على مجمل مساوئ الحكم العثمانى والمماليك . بينما يضعون مرحلة حكم محمد على فترة من التنظيم والقوة ويتغافلون عن غير ذلك . كأنما الشعب لا يعنيهم ؛ بل رضا السيد هو الأهم . ولما كانت وسيلة هذا السيد إلى عهده الجديد هى توفير المال فإنه لم يستطع توفيره إلا « بضبط الحسابات القديمة ، أو فرض الضرائب الجديدة والاعتداء على الحقوق المكتسبة »(40) . ومن هنا جاء إخلاله بالمواثيق التى أخذها على نفسه واصطدامه بالزعامة الشعبية التى اعتبرت نفسها وصية عليه ورقيبة ، مما دعاه إلى التخلص منها .
بيد أن ما فرضه وما نظَّمه واحتكره لم يكن لإزالة « الفوضى والفقر والضعف » ، بل كان تصميمه فى وضع خطط الكشف والضبط والتحقيق ، وحاجته الشديدة للموارد المالية لمواجهة طلبات الجند الألبانى المستمرة والمتزايدة ، ولشراء تأييد رجال الدولة فى إسطنبول لإبقائه فى منصبه ، وتنفيذ خطته لحل مشكلة الأمراء بحملهم على الاستقرار فى القاهرة والجيزة فى عيش هنئ(41) ، لمراقبتهم . والهدف من هذا كله الحصول على القوة التى تمكنه من القضاء على الزعامة الشعبية ، لأنه ببقائها لا يستطيع تحقيق مطامعه فى الحكم والاستمرار فيه . إن أصوله ليست من أصول الشعب ليهمه الشعب أو يشعر بآلامه . فلا ننسى أنه ألبانى .
وصل محمد على إلى مصر بجنسية عثمانية، ولكن بعقل أوروبى، وقد وعى منذ البداية ماذا تعنى الدولة العثمانية بالنسبة إلى أوروبة ، وسيطرتها على مصر بدل المماليك ، وماذا تعنى مصر فى نظر أوروبة ، وماذا تريد أوروبة منها . فقد كتب الضابط بريديه Pridier فى كتابه « عائلة » أن فرنسا أوفدت إلى مصر « ماثيو ليسيبس » عقب خروج الفرنسيين ، لدراسة القوى المتصارعة على الحكم فى مصر ، ولاقتراح الشخصية الجديرة بدعم نفوذ فرنسا . فجاء الاقتراح على شخص محمد على . أما القوى المتصارعة ظاهريًا فكانت إنجلترا ، فرنسا ، الدولة العثمانية ، ولم يكن يحسب أى حساب للعرب أهل البلاد ؛ وجاء فى كتاب بريديه تاريخ أسرة ص 129 :
« كان دولسبس الأداة الأولى لارتقاء محمد على فى مصر ، إذ كانت مهمته البحث فى مصر عن رجل ، قوى الشكيمة ، قادر على ضبط النظام ، بالتغلب على المماليك ، المعارضين للسياسة الفرنسية . فاختار الجنرال محمد على ليرشحه إلى حكومته » .
وهكذا يقرر ، منجن Mengin أول مؤرخ لسيرة محمد على أن قنصل فرنسا العام دروفوتى كان يحرص كل ليلة ، على التسلل إلى مقر محمد على ليطلعه على مجريات الأمور ، ويتداول معه بشأن ما يجب عمله ، وقد أقر فيما بعد الخديوى إسماعيل ، فى منفاه ، هذا الاختيار والدعم اللذين تمتعت بهما أسرته من قبل القوى الأوروبية لارتقائها الحكم فقال :
« أنا من أسرة محمـد على ، ونحن جميعنا نعرف ونقر بدعم فرنســا الذى منحتنا إياه دائمًا» .
هذا ما ورد فى كتاب منجن Mengin أول مؤرخ لمحمد على . لكن هذه الحقائق طمست ولم يعد أحد يتذكرها . وعندما استدعى مؤرخان لبنانيان من الجامعة الأمريكية ببيروت للإشراف على كتابة تاريخ محمد على ، قاما بإسقاط العديد من وثائق تلك المرحلة .
2 - تبرير انحراف محمد على :
ذهب بعض المؤرخين إلى تصوير الصدام بين محمد على وبين « الزعامة الشعبية » الفتية ، على أنه صدام بين مرحلتين فى سياق تاريخ واحد : عهد الفوضى والفقر والضعف وعهد النظام واليسر والقوة . ويحملون مرحلة ما قبل محمد على مجمل مساوئ الحكم العثمانى والمماليك . بينما يضعون مرحلة حكم محمد على فترة من التنظيم والقوة ويتغافلون عن غير ذلك . كأنما الشعب لا يعنيهم ؛ بل رضا السيد هو الأهم . ولما كانت وسيلة هذا السيد إلى عهده الجديد هى توفير المال فإنه لم يستطع توفيره إلا « بضبط الحسابات القديمة ، أو فرض الضرائب الجديدة والاعتداء على الحقوق المكتسبة »(40) . ومن هنا جاء إخلاله بالمواثيق التى أخذها على نفسه واصطدامه بالزعامة الشعبية التى اعتبرت نفسها وصية عليه ورقيبة ، مما دعاه إلى التخلص منها .
بيد أن ما فرضه وما نظَّمه واحتكره لم يكن لإزالة « الفوضى والفقر والضعف » ، بل كان تصميمه فى وضع خطط الكشف والضبط والتحقيق ، وحاجته الشديدة للموارد المالية لمواجهة طلبات الجند الألبانى المستمرة والمتزايدة ، ولشراء تأييد رجال الدولة فى إسطنبول لإبقائه فى منصبه ، وتنفيذ خطته لحل مشكلة الأمراء بحملهم على الاستقرار فى القاهرة والجيزة فى عيش هنئ(41) ، لمراقبتهم . والهدف من هذا كله الحصول على القوة التى تمكنه من القضاء على الزعامة الشعبية ، لأنه ببقائها لا يستطيع تحقيق مطامعه فى الحكم والاستمرار فيه . إن أصوله ليست من أصول الشعب ليهمه الشعب أو يشعر بآلامه . فلا ننسى أنه ألبانى .
Page 7
ولم يذكر المؤرخون فى تلك السنوات التى مرت على مصر ، من قدوم الحملة الفرنسية إلى هزيمة حملة فريزر . لقد تميزت المرحلة بسمات جديدة فى تاريخ البلاد . منهم من اعتبر هذه السنوات تتمة لما قبلها وما بعدها ، أى أنها جزء من التاريخ العثمانى للمنطقة ، لم يحدث فيه أى تبديل فى العلاقات ، قافزًا فوق كفاح الشعب لمواجهة الفرنسيين والمماليك والعثمانيين والإنجليز، مع إن الكفاح ، فى مثل هذه الحالات ، خير وسيلة للتوعية والشعور بالذات .. ، فالأستاذ شفيق غربال لم يقبل بوجود مؤشرات تدل على احتمال ظهور حكم وطنى يحمل وعودًا كثيرة . وكذلك الأستاذ الدكتور حسين مؤنس ، الذى على الرغم من اعترافه بأن السيد عمر مكرم « كان يقبض على زمام قيادة الشعب ويسيطر عليه تمامًا » ، يرى أنه كان « يسعى للإنقاذ ، ولا يريد أن يكون ملكًا أو أميرًا ، إذ ليس هذا من خلق العلماء ولا حماة الشرع . ولا رجال الدين .. فإذا أرادوا تولية أحد على الناس فعليهم أن يولوا على الناس أصلحهم »(42) . وفى هذا التباس بين الدين المسيحى والدين الإسلامى . فالمسلم لم ينفصل عن الحكم إلا فى أواخر العهود العثمانية - إذا ليس فى الإسلام كهنوتًا . والحكم الإسلامى أصلاً هو العروبة لا فاصل بينهما إلا جنس الحاكم والغرامة . وقد لاحظ الشيخ محمد عبده حينئذ « ظاهرة اتجاه رجال الدين إلى الحكـم » فى أواخر القرن الثامن عشـــر ، فلم يعتبرها مخالفة لطبيعة وظيفتهم فى الحكم الإسلامى . إذ قال « إن العناصر جميعها كانت فى استعداد تام لأن يتكون منها جسم حى واحد يحفظ كونه ويــعرف العالم بمكانته »(43) . وفى قول السيد عمر مكرم عندما انعقد المجلس لاختيار محمد على للولاية « ولابد من تعيين شخص من جنس القوم للولاية » . وهذا ما يشـــير إلى التمايز وإلى أنه لا يعتبرهم من طينة أهل البلاد . ويومئذ كانت الثورة على العثمانيين محتدمة ، إذ يذكر الجبرتى أن حجاج الخضرى ، الذى كان يأتمر بأمر السيد عمر مكرم ويخضع لتوجيهاته هو وجماعته ، كان أحد قادة تلك الثورة . فكان يقاتل العثمانيين وينصب لهم الكمائن ويأخذهم أسرى .. وبينما كانت قنابل درويش باشا تُقذف من القلعة .. كان مندوب السلطان العثمانى يحمــل فرمان تولية محمد على ويدخل القاهرة ، فى حماية رجال حجاج وهو يتقدمهم ، على حصانه ، شاهرًا سيفه(44) .
ذلك أن الشعب من خلال مقاومته للفرنسيين ، ومعاناته لما استجد من ظروف لم يستسغ هذه المواقف ، فبدأ يسترد ثقته بنفسه ، ووضعته انتصاراته على طريق الوعى وبدء إدراك ظروف المرحلة دون أن يؤخذ عليه ذلك المظهر الدينى . فالإسلام وشيجة من وشائج العروبة ، بل أهمها لأنه يرتبط بالعرب باللغة والتاريخ والموقع والمبادئ والأفكار والقيم . ولا شك أن ثقله يزداد إذا رفع راية الوحدة العربية ، وتتلاشى تناقضاته . فأثناء الثورة ضد الفرنسيين أطلق العامة على الراية التى أنزلها السيد عمر مكرم من القلعة - مقر الوالى العثمانى - اسم « بيرق النبى » ، وسارت الجموع وراءه تردد : « نصر الله دين الإسلام » وأطلق عبد الرحمن الجبرتى على كتابه فى تاريخ المرحلة : « مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس » . وبعد سنوات سارت جموع الشعب نفسها ، تحت الراية نفسها لإسقاط الوالى العثمانى ، نائب السلطان ، وهى تصرخ : «يا رب يا متجلِّى أهلك العثمانلى ».. وهكذا فمن الوقوف ضد الفرنسيين والعثمانيين ثم الإنجليز إلى محاولة الوقوف فى وجه خطة محمد على قطع الشعب شوطًا بعيدًا على طريق الوعى « القومى ». ذلك أن الشعور بالقومية لا يكتسب اكتسابًا وإنما « هو موجود فى التاريخ باستمرار ، وقد يشتد فتصبح فعاليته أقوى فى التاريخ .. وقد يضعف فتظهر عليه قوى أخرى ، أشد فعالية .. فيتوارى مؤقتًا لتحل محله روابط أخرى ولكن الشعور القومى يظل فى النفوس ، ويكمن فى ضمائر الأمة »(45) .
كان هذا التفتح فى مصر ضمانة للتقدم والاستمرار فيه للتطوير الإيجابى لوثيقتى 12 و 13 مايو (أيار) وإلى مراقبة دائمة للحكم . بل وإلى حكم شــــورى ، وكما يقـــول مؤرخون آخــرون: « كان من الممكن لتلك الزعامة التى بلغت هذا المستوى من النفوذ فى الشعب والصمودفى وجه المغريات والمناعة الأخلاقية أن تتطور لتحتل مكانها السياسى والاقتصادى لتواجه بنجاح التسلل الأوروبى الاستعمارى فى القرن التاسع عشر »(46) . لكن محمد على تآمر على هذه الزعامة فمزق شملها بشتى الوسائل ، فانفصل بذلك عن الشعب ، وهذا ما جعله بالنتيجة يعجز عن تحقيق أى شىء شبيه بما أنجزه الحكم الإقطاعى فى اليابان - رغم تأخر انفتاح هذا الحكم على الحضارة الحديثة بالنسبة لزمن حكم محمد على واحتكاكه بالغرب بما يقرب من نصف قرن . إن محمد على بتنكره للزعامة الشعبية وابتعاده عن الشعب فقد ظل الخوف من العزل يلازمه ، وبالتالى لم يركن لحظة واحدة للشعب ، بل كان ركونه إلى الفئات الغريبة عن الشعب فى مصر ، فى مرحلة سادت العالم فيها النزعات والنهضات القومية ، مما يسر للغرب احتواءه .
لقد جاء كل ما بناه منفصلاً عن الشعب . كأنه لا علاقة له به . وأول من لاحظ ذلك هو الشيخ محمد عبده ، الذى عاصر ثورة أحمد عرابى فكتب : حقيقة أنه « أرغم الأهالى على الزراعة ، ولكن ليأخذ الغلات. لذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيرهم من الهواء الأصفر والموت الأحمر . وقوانين الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك . يقولون إنه أنشأ المعامل ولكن هل حبب إلى المصريين العمل والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم .. يقولون أنه أنشأ جيشًا كبيرًا فتح به الممالك ودوخ الملوك ، وأنشأ أسطولاً ضخمًا أثقل به ظهور البحار وافتخرت به مصر على سائر الأمصار، فهل علَّم المصريين حب التجند، وأنشأ فيهم الرغبة فى القلب وحبب إليهم الخدمة فى الجندية، وعلمهم الافتخار بها؟ لا بل علمهم الهروب منها وعلم آباء الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت »(47) . والملفت أنه لم يُكتب فى «حقيقة حكم محمد على» ، قبل هذه المقالة ولا بعدها إلا بعد ثورة 23 يوليو ، مع العلم أن الوقائع لا تحتاج إلى برهان يكفى فيها العودة إلى الأصول . إلا أن الخوف من سيف الأسرة الحاكمة كان يعقل الألسنة والعقول . وكان لثورة 23 يوليو الفضل بإتاحة الفرصة وكشف الحقيقة التى لم يقرها اليساريون والتقدميون .
ولكن أولئك المؤرخين الذين يتجنون على الحقيقة مراعاة لأسرة محمد على ، لا يستطيعون أن ينكروا أن حظر فرض الضرائب لا يتم إلا بموافقة المشايخ والأعيان كان أحد شروط توليه الولاية . وقد ظل محمد على ملتزمًا برأى المشايخ لا يقطع أمرًا دون مشورتهم ، طالما كان بحاجة إليهم للوقوف فى وجه المماليك والعثمانيين والإنجليز ودعمه لدى السلطان .
ذلك أن الشعب من خلال مقاومته للفرنسيين ، ومعاناته لما استجد من ظروف لم يستسغ هذه المواقف ، فبدأ يسترد ثقته بنفسه ، ووضعته انتصاراته على طريق الوعى وبدء إدراك ظروف المرحلة دون أن يؤخذ عليه ذلك المظهر الدينى . فالإسلام وشيجة من وشائج العروبة ، بل أهمها لأنه يرتبط بالعرب باللغة والتاريخ والموقع والمبادئ والأفكار والقيم . ولا شك أن ثقله يزداد إذا رفع راية الوحدة العربية ، وتتلاشى تناقضاته . فأثناء الثورة ضد الفرنسيين أطلق العامة على الراية التى أنزلها السيد عمر مكرم من القلعة - مقر الوالى العثمانى - اسم « بيرق النبى » ، وسارت الجموع وراءه تردد : « نصر الله دين الإسلام » وأطلق عبد الرحمن الجبرتى على كتابه فى تاريخ المرحلة : « مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس » . وبعد سنوات سارت جموع الشعب نفسها ، تحت الراية نفسها لإسقاط الوالى العثمانى ، نائب السلطان ، وهى تصرخ : «يا رب يا متجلِّى أهلك العثمانلى ».. وهكذا فمن الوقوف ضد الفرنسيين والعثمانيين ثم الإنجليز إلى محاولة الوقوف فى وجه خطة محمد على قطع الشعب شوطًا بعيدًا على طريق الوعى « القومى ». ذلك أن الشعور بالقومية لا يكتسب اكتسابًا وإنما « هو موجود فى التاريخ باستمرار ، وقد يشتد فتصبح فعاليته أقوى فى التاريخ .. وقد يضعف فتظهر عليه قوى أخرى ، أشد فعالية .. فيتوارى مؤقتًا لتحل محله روابط أخرى ولكن الشعور القومى يظل فى النفوس ، ويكمن فى ضمائر الأمة »(45) .
كان هذا التفتح فى مصر ضمانة للتقدم والاستمرار فيه للتطوير الإيجابى لوثيقتى 12 و 13 مايو (أيار) وإلى مراقبة دائمة للحكم . بل وإلى حكم شــــورى ، وكما يقـــول مؤرخون آخــرون: « كان من الممكن لتلك الزعامة التى بلغت هذا المستوى من النفوذ فى الشعب والصمودفى وجه المغريات والمناعة الأخلاقية أن تتطور لتحتل مكانها السياسى والاقتصادى لتواجه بنجاح التسلل الأوروبى الاستعمارى فى القرن التاسع عشر »(46) . لكن محمد على تآمر على هذه الزعامة فمزق شملها بشتى الوسائل ، فانفصل بذلك عن الشعب ، وهذا ما جعله بالنتيجة يعجز عن تحقيق أى شىء شبيه بما أنجزه الحكم الإقطاعى فى اليابان - رغم تأخر انفتاح هذا الحكم على الحضارة الحديثة بالنسبة لزمن حكم محمد على واحتكاكه بالغرب بما يقرب من نصف قرن . إن محمد على بتنكره للزعامة الشعبية وابتعاده عن الشعب فقد ظل الخوف من العزل يلازمه ، وبالتالى لم يركن لحظة واحدة للشعب ، بل كان ركونه إلى الفئات الغريبة عن الشعب فى مصر ، فى مرحلة سادت العالم فيها النزعات والنهضات القومية ، مما يسر للغرب احتواءه .
لقد جاء كل ما بناه منفصلاً عن الشعب . كأنه لا علاقة له به . وأول من لاحظ ذلك هو الشيخ محمد عبده ، الذى عاصر ثورة أحمد عرابى فكتب : حقيقة أنه « أرغم الأهالى على الزراعة ، ولكن ليأخذ الغلات. لذلك كانوا يهربون من ملك الأطيان كما يهرب غيرهم من الهواء الأصفر والموت الأحمر . وقوانين الحكومة لذلك العهد تشهد بذلك . يقولون إنه أنشأ المعامل ولكن هل حبب إلى المصريين العمل والصنعة حتى يستبقوا تلك المعامل من أنفسهم .. يقولون أنه أنشأ جيشًا كبيرًا فتح به الممالك ودوخ الملوك ، وأنشأ أسطولاً ضخمًا أثقل به ظهور البحار وافتخرت به مصر على سائر الأمصار، فهل علَّم المصريين حب التجند، وأنشأ فيهم الرغبة فى القلب وحبب إليهم الخدمة فى الجندية، وعلمهم الافتخار بها؟ لا بل علمهم الهروب منها وعلم آباء الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت »(47) . والملفت أنه لم يُكتب فى «حقيقة حكم محمد على» ، قبل هذه المقالة ولا بعدها إلا بعد ثورة 23 يوليو ، مع العلم أن الوقائع لا تحتاج إلى برهان يكفى فيها العودة إلى الأصول . إلا أن الخوف من سيف الأسرة الحاكمة كان يعقل الألسنة والعقول . وكان لثورة 23 يوليو الفضل بإتاحة الفرصة وكشف الحقيقة التى لم يقرها اليساريون والتقدميون .
ولكن أولئك المؤرخين الذين يتجنون على الحقيقة مراعاة لأسرة محمد على ، لا يستطيعون أن ينكروا أن حظر فرض الضرائب لا يتم إلا بموافقة المشايخ والأعيان كان أحد شروط توليه الولاية . وقد ظل محمد على ملتزمًا برأى المشايخ لا يقطع أمرًا دون مشورتهم ، طالما كان بحاجة إليهم للوقوف فى وجه المماليك والعثمانيين والإنجليز ودعمه لدى السلطان .
Page 8
3 - محمـد على يقضـى على أمل أمـة
بدأ عمر مكرم يبرز فى التعبير عن قوى الشعب الناشئة بطوائفها المختلفة ، وتمثيلها وقيادتها إلى الحد من سلطات المماليك وتعسفهم ، وإلى تقليص السلطة العثمانية وفسادها، وإفسادها وازداد تألقًا فى القيادة لمكافحة استقرار الفرنسيين ولصد الإنجليز ( فى حملة فريزر ) ولإخراجهم وعمل قبل محمد على على تقليم أظافر المماليك . وحينما عجزت البلاد أو بالأحرى تأخرت قدراتها عن إخراج الفرنسيين لم يقبل التعاون ، وآثر الهجرة إلى بلاد الشام مضحيًا بأملاكه وجاهه العريض ، وعندما سار الفرنسيون لاحتلال بلاد الشام وجدوه أمامهم معتصمًا فى قلعة يافا ، فى ثياب بالية ، ممزقة يقاتل مع المجاهدين . لأنه لم يكن يفرق بين مصر والشام . وقد قدر بونابرت أهميته فأراد أن يتقرب به إلى الشعب ، فأشاع خبر العثور عليه سليمًا معافى فى نشرة خاصة وذلك فى 8 مارس ( آذار ) 1799 ، يوم الجمعة غرة شوال1213 هجرى(48) وبعودته إلى القاهرة قاد « ثورة القاهرة الثانية ». وعندما جرى التصالح اشترط الفرنسيون نفيه من مصر. وبعد خروج الفرنسيين قاد حركة الجماهير لإيقاف الوالى أحمد خورشيد عند حده ، بحنكة فائقة حتى تمكن من عزله وتولية محمد على . وقد ذكر جورج دوان أن عدد المسلحين الذين كانوا يأتمرون بأمره أكثر من أربعين ألفًا . وكانوا ينظمون حمايته ويرصدون العدو ويقطعون عليه المدد .. وقد كان يقود الشعب من فوز إلى فوز ضد المماليك والإنجليز والفرنسيين مما بات معروفًا ، حتى لقد وصفه أحد المؤرخين بأنه كان « روح كل ثورة »(49) .
عمـر مكرم فى مواجهـة محمـد على :
كان أهم ما تمثل فى قيادة السيد عمر مكرم هو أخلاقياته ، فى وقت كان الشعب فيه أحوج ما يكون للقدوة النضالية ، فى الصبر ، والنزاهة ،وفى الترفع عن المكاسب الخاصة .. بعد عصور طويلة عزت فيها القيادات المخلصة ، المستقيمة ، الصادقة والثابتة .. أما محمد على فلم يكن يختلف عن طينة كبار رجال العهود العثمانية . بل كان يمثل عبقرية من عبقرياتها فى المناورة وأساليب الالتواء والغدر والمكر و « المكيافيليّة » الدارجة ، الرخيصة للوصول إلى أهدافه فى الحكم . لذلك لم ينجح فى إغراء السيد عمر مكرم بالمال لاستمالته وإرضائه ، ولا استطاع استمالته إلى السلطة فقد أرسل إليه كتخداه أى ( وكيله ) « ليترفق به » ويعرض عليه على قول الجبرتى عطاءًا غير مجذوذ : كيسًا كل يوم(50) « ما يعادل خمسة جنيهات » . كما أن محمد على أراد أن يمتحن فى السيد عمر مكرم الرغبة فى السلطة فعرض عليه أن يكون نائبه حين اعتزم السفر لحرب المماليك فى الصعيد ( إبريل - نيسان - 1806 ) فاعتذر . ففطن السيد عمر مكرم لذلك ، ودس عليه محمد على رجاله يسرون إليه المودة ويتظاهرون بسخطهم على الحكم ويحرضونه على الإطاحة به فرابته هذه الاتصالات ولم يستجب لها(51) .
غير أن محمد على رأى أمامه الطريق واضحًا للنفاذ من تحديات السيد عمر مكرم ومن قيوده ، ذلك أن المشايخ الذين ندبوا أنفسهم لخدمة الشعب منذ أيام طويلة وقاموا بدور الوساطة ، لم يتواروا زمن الفرنسيين . ففطن بونابرت لهم فاستغلهم قبل أن يصلب عودهم فى قيادة الشعب ، وإذ هو عجم عودهم لقى فى فريق منهم الاستجابة للتعاون فسايرهم وسايروه لتعبيد دور الوساطة . فكان من هذا الفريق بعض أعضاء الديوان العمومى ، بل كان الشيخ الشرقاوى نفسه هو رئيس الديوان(52) واختياره القيادات المتيسرة لترويض الشعوب الآخذة بالتفتح ، على ما يريده الحاكم ، للانحراف بها عن المسار الطبيعى ، أصبح وسيلة لكل حاكم أجنبى غير مندمج ولا يريد أن يندمج بالشعب . ولم يغب هذا الأمر عن ذهن محمد على . وكان الدرس الذى حدث مع الوالى أحمد خورشيد ، قريب العهد لم ينساه ، وهو وال عثمانى مثله ، إلا أنه يختلف بإمكاناته العقلية والمادية .
فإذا كان السيد عمر مكرم وهو شيخ مثل أولئك المشايخ ، بل هو أكبرهم ، قد امتنع على مغريات محمد على وترفع ، فإن المشايخ الآخرين لم يمتنعوا . فراح محمد على يغدق عليهم من أعطياته ، فانزلقوا وراء الثروة . ففـــى الجبرتى صفحات طويلة تصف بيوت المشايخ الذى صـــار « بيت أحدهم مثل بيت أحد الأمراء الألوف الأقدمين ، واتخذوا الخدم والمقدمين والأعوان وأجروا الحبس والتعذيب والضرب بالفلكة والكرابيج ، وقدروا حق الطرق لأتباعهم وصارت لهم استعجالات وتحذيرات وإنذارات عند تأخر المطلوب مع عدم سماع شكاوى الفلاحين »(53) .
بدأ عمر مكرم يبرز فى التعبير عن قوى الشعب الناشئة بطوائفها المختلفة ، وتمثيلها وقيادتها إلى الحد من سلطات المماليك وتعسفهم ، وإلى تقليص السلطة العثمانية وفسادها، وإفسادها وازداد تألقًا فى القيادة لمكافحة استقرار الفرنسيين ولصد الإنجليز ( فى حملة فريزر ) ولإخراجهم وعمل قبل محمد على على تقليم أظافر المماليك . وحينما عجزت البلاد أو بالأحرى تأخرت قدراتها عن إخراج الفرنسيين لم يقبل التعاون ، وآثر الهجرة إلى بلاد الشام مضحيًا بأملاكه وجاهه العريض ، وعندما سار الفرنسيون لاحتلال بلاد الشام وجدوه أمامهم معتصمًا فى قلعة يافا ، فى ثياب بالية ، ممزقة يقاتل مع المجاهدين . لأنه لم يكن يفرق بين مصر والشام . وقد قدر بونابرت أهميته فأراد أن يتقرب به إلى الشعب ، فأشاع خبر العثور عليه سليمًا معافى فى نشرة خاصة وذلك فى 8 مارس ( آذار ) 1799 ، يوم الجمعة غرة شوال1213 هجرى(48) وبعودته إلى القاهرة قاد « ثورة القاهرة الثانية ». وعندما جرى التصالح اشترط الفرنسيون نفيه من مصر. وبعد خروج الفرنسيين قاد حركة الجماهير لإيقاف الوالى أحمد خورشيد عند حده ، بحنكة فائقة حتى تمكن من عزله وتولية محمد على . وقد ذكر جورج دوان أن عدد المسلحين الذين كانوا يأتمرون بأمره أكثر من أربعين ألفًا . وكانوا ينظمون حمايته ويرصدون العدو ويقطعون عليه المدد .. وقد كان يقود الشعب من فوز إلى فوز ضد المماليك والإنجليز والفرنسيين مما بات معروفًا ، حتى لقد وصفه أحد المؤرخين بأنه كان « روح كل ثورة »(49) .
عمـر مكرم فى مواجهـة محمـد على :
كان أهم ما تمثل فى قيادة السيد عمر مكرم هو أخلاقياته ، فى وقت كان الشعب فيه أحوج ما يكون للقدوة النضالية ، فى الصبر ، والنزاهة ،وفى الترفع عن المكاسب الخاصة .. بعد عصور طويلة عزت فيها القيادات المخلصة ، المستقيمة ، الصادقة والثابتة .. أما محمد على فلم يكن يختلف عن طينة كبار رجال العهود العثمانية . بل كان يمثل عبقرية من عبقرياتها فى المناورة وأساليب الالتواء والغدر والمكر و « المكيافيليّة » الدارجة ، الرخيصة للوصول إلى أهدافه فى الحكم . لذلك لم ينجح فى إغراء السيد عمر مكرم بالمال لاستمالته وإرضائه ، ولا استطاع استمالته إلى السلطة فقد أرسل إليه كتخداه أى ( وكيله ) « ليترفق به » ويعرض عليه على قول الجبرتى عطاءًا غير مجذوذ : كيسًا كل يوم(50) « ما يعادل خمسة جنيهات » . كما أن محمد على أراد أن يمتحن فى السيد عمر مكرم الرغبة فى السلطة فعرض عليه أن يكون نائبه حين اعتزم السفر لحرب المماليك فى الصعيد ( إبريل - نيسان - 1806 ) فاعتذر . ففطن السيد عمر مكرم لذلك ، ودس عليه محمد على رجاله يسرون إليه المودة ويتظاهرون بسخطهم على الحكم ويحرضونه على الإطاحة به فرابته هذه الاتصالات ولم يستجب لها(51) .
غير أن محمد على رأى أمامه الطريق واضحًا للنفاذ من تحديات السيد عمر مكرم ومن قيوده ، ذلك أن المشايخ الذين ندبوا أنفسهم لخدمة الشعب منذ أيام طويلة وقاموا بدور الوساطة ، لم يتواروا زمن الفرنسيين . ففطن بونابرت لهم فاستغلهم قبل أن يصلب عودهم فى قيادة الشعب ، وإذ هو عجم عودهم لقى فى فريق منهم الاستجابة للتعاون فسايرهم وسايروه لتعبيد دور الوساطة . فكان من هذا الفريق بعض أعضاء الديوان العمومى ، بل كان الشيخ الشرقاوى نفسه هو رئيس الديوان(52) واختياره القيادات المتيسرة لترويض الشعوب الآخذة بالتفتح ، على ما يريده الحاكم ، للانحراف بها عن المسار الطبيعى ، أصبح وسيلة لكل حاكم أجنبى غير مندمج ولا يريد أن يندمج بالشعب . ولم يغب هذا الأمر عن ذهن محمد على . وكان الدرس الذى حدث مع الوالى أحمد خورشيد ، قريب العهد لم ينساه ، وهو وال عثمانى مثله ، إلا أنه يختلف بإمكاناته العقلية والمادية .
فإذا كان السيد عمر مكرم وهو شيخ مثل أولئك المشايخ ، بل هو أكبرهم ، قد امتنع على مغريات محمد على وترفع ، فإن المشايخ الآخرين لم يمتنعوا . فراح محمد على يغدق عليهم من أعطياته ، فانزلقوا وراء الثروة . ففـــى الجبرتى صفحات طويلة تصف بيوت المشايخ الذى صـــار « بيت أحدهم مثل بيت أحد الأمراء الألوف الأقدمين ، واتخذوا الخدم والمقدمين والأعوان وأجروا الحبس والتعذيب والضرب بالفلكة والكرابيج ، وقدروا حق الطرق لأتباعهم وصارت لهم استعجالات وتحذيرات وإنذارات عند تأخر المطلوب مع عدم سماع شكاوى الفلاحين »(53) .
Page 9
مشـايخ الوقـت :
إلا أن الناس العامة لم ينخدعوا بهم . فمنذ أن سعى الشيخ الشرقاوى والمهدى والسرمسى والفيومى بالوساطة بين كليبر وسمعوا بذلك : « .. قاموا عليهم وسبوهم وشتموهم وضربوا الشرقاوى والسرمسى ورموا عمائمهم ، وأسمعوهم قبيح الكلام؛ وصاروا يقولون هؤلاء المشايخ ارتدوا وعملوا فرنسيس ومرادهم خذلان المسلمين ، وإنهم أخذوا دراهم من الفرنسيس »(54) إلى أنهم ارتشوا بمغنى فى الحرب بين أهل البلاد والوافد لا وساطة . كما اقتحم الثائرون منزل الشيخ البكرى فنهبوه لذلك ، وأخرجوه منه مع حريمه وأولاده وساقوه حافى القدمين عارى الرأس فى شوارع القاهرة إلى مقر قيادة الثورة فى الجمالية والجماهير تحيط به وتسبه بأقذع أنواع الشتائم(55) وهى « ثرية » سهلت السبيل أمام محمد على فكان إغراؤهم على التمتع بملاذ الدنيا وهجر عيشة الورع والتقوى مدخله إلى تفريق صفوفهم(56) حتى استفحل أمر الخلاف بينهم على أمور الدنيا ، وراحوا يتسابقون عليها وغابت عن أبصارهم وبصيرتهم الأهداف العامة ، وذهبت جميع المحاولات لإزالة الفرقة بينهم سدى . فقد دعاهم الشيخ عبد الرحمن السجين إلى وليمة بقصد مصالحتهم « فاجتمعوا فى ذلك اليوم وتصالحوا فى الظاهر » ، وأولم لهم قاضى القضاة فتغدوا عنده وصالحهم وقرؤوا بينهم الفاتحة وذهبوا إلى دورهم « والذى فى القلب مستقر فيه » وإزاء ذلك كان محمد على يتنصل من دوره قائلاً « أنا لا ذنب لى .. وإنما ذلك من تفاقمهم مع بعضهم »(57) وهذا ما يفسر وصفهم فى الجبرتى بمشايخ الوقت .
وهكذا لم يستطع المشايخ الصمود على وفاقهم للوقوف إلى جانب السيد عمر مكرم فى وجه محمد على . استهواهم بالمغريات وتسابقوا بالانحراف ، فأمكنه ، غندما طالبوه بالترفق بالناس ، أن يقول لهم : « أنا لست بظالم وحدى وأنتم أظلم منى ، فإنى رفعت عن حصصكم الفرض والمغارم إكرامًا لكم ، وأنتم تأخذونها من الفلاحين » ، أفسدهم فشاركوه بالإفساد . وأخذوا يتصلون به سرًا ، ويتنصلون من العريضة التى وقعوا عليها . بل سرعان ما انفضوا من حول السيد عمر مكرم وانقلبوا عليه . فعندما اجاب السيد عمر مكرم على تلويح محمد على «بالسيف والانتقام» بقوله : « كما أصعدته إلى الحكـــم فإنى قدير على إنزاله منه »(58) ، كان قد أصبح وحيدًا ، غير قادر على ذلك ، ولم تعد الوقعة « زلامية » على حد قول الجبرتى !
وما لبث السيد عمر مكرم أن أدرك ذلك . يذكر الجبرتى أنه قال للمشايخ الذين جاءوا إليه ليقنعوه بالتفاهم مع محمد على مبررين له أعماله - كذا - أليس هو مجرد جور وظلم أحدثه فى العام الماضى وحلف أنه لا يعود لمثلها ، فقد عاد وزاد وأنتم توافقونه وتسايرونه ولا تصدونه ولا تصدعونه ، وأنا الذى صرت وحدى مخالفًا وشاذًا » . وصمد . وأمكن لمحمد على ، والحال هذه أن ينفيه ؛ ومضى إلى المنفى ولم يلن ولم يتراجع .
وبتبديد ريح المشايخ وانطفاء ذكرهم فى العمل العام ، وبنفى السيد عمر مكرم وإبعاده عن التأثير على التصــرفات العامة ، أخلى الطريق أمام محمد على لامتـلاك مصر وحرفها عن أمتها .
إلا أن الناس العامة لم ينخدعوا بهم . فمنذ أن سعى الشيخ الشرقاوى والمهدى والسرمسى والفيومى بالوساطة بين كليبر وسمعوا بذلك : « .. قاموا عليهم وسبوهم وشتموهم وضربوا الشرقاوى والسرمسى ورموا عمائمهم ، وأسمعوهم قبيح الكلام؛ وصاروا يقولون هؤلاء المشايخ ارتدوا وعملوا فرنسيس ومرادهم خذلان المسلمين ، وإنهم أخذوا دراهم من الفرنسيس »(54) إلى أنهم ارتشوا بمغنى فى الحرب بين أهل البلاد والوافد لا وساطة . كما اقتحم الثائرون منزل الشيخ البكرى فنهبوه لذلك ، وأخرجوه منه مع حريمه وأولاده وساقوه حافى القدمين عارى الرأس فى شوارع القاهرة إلى مقر قيادة الثورة فى الجمالية والجماهير تحيط به وتسبه بأقذع أنواع الشتائم(55) وهى « ثرية » سهلت السبيل أمام محمد على فكان إغراؤهم على التمتع بملاذ الدنيا وهجر عيشة الورع والتقوى مدخله إلى تفريق صفوفهم(56) حتى استفحل أمر الخلاف بينهم على أمور الدنيا ، وراحوا يتسابقون عليها وغابت عن أبصارهم وبصيرتهم الأهداف العامة ، وذهبت جميع المحاولات لإزالة الفرقة بينهم سدى . فقد دعاهم الشيخ عبد الرحمن السجين إلى وليمة بقصد مصالحتهم « فاجتمعوا فى ذلك اليوم وتصالحوا فى الظاهر » ، وأولم لهم قاضى القضاة فتغدوا عنده وصالحهم وقرؤوا بينهم الفاتحة وذهبوا إلى دورهم « والذى فى القلب مستقر فيه » وإزاء ذلك كان محمد على يتنصل من دوره قائلاً « أنا لا ذنب لى .. وإنما ذلك من تفاقمهم مع بعضهم »(57) وهذا ما يفسر وصفهم فى الجبرتى بمشايخ الوقت .
وهكذا لم يستطع المشايخ الصمود على وفاقهم للوقوف إلى جانب السيد عمر مكرم فى وجه محمد على . استهواهم بالمغريات وتسابقوا بالانحراف ، فأمكنه ، غندما طالبوه بالترفق بالناس ، أن يقول لهم : « أنا لست بظالم وحدى وأنتم أظلم منى ، فإنى رفعت عن حصصكم الفرض والمغارم إكرامًا لكم ، وأنتم تأخذونها من الفلاحين » ، أفسدهم فشاركوه بالإفساد . وأخذوا يتصلون به سرًا ، ويتنصلون من العريضة التى وقعوا عليها . بل سرعان ما انفضوا من حول السيد عمر مكرم وانقلبوا عليه . فعندما اجاب السيد عمر مكرم على تلويح محمد على «بالسيف والانتقام» بقوله : « كما أصعدته إلى الحكـــم فإنى قدير على إنزاله منه »(58) ، كان قد أصبح وحيدًا ، غير قادر على ذلك ، ولم تعد الوقعة « زلامية » على حد قول الجبرتى !
وما لبث السيد عمر مكرم أن أدرك ذلك . يذكر الجبرتى أنه قال للمشايخ الذين جاءوا إليه ليقنعوه بالتفاهم مع محمد على مبررين له أعماله - كذا - أليس هو مجرد جور وظلم أحدثه فى العام الماضى وحلف أنه لا يعود لمثلها ، فقد عاد وزاد وأنتم توافقونه وتسايرونه ولا تصدونه ولا تصدعونه ، وأنا الذى صرت وحدى مخالفًا وشاذًا » . وصمد . وأمكن لمحمد على ، والحال هذه أن ينفيه ؛ ومضى إلى المنفى ولم يلن ولم يتراجع .
وبتبديد ريح المشايخ وانطفاء ذكرهم فى العمل العام ، وبنفى السيد عمر مكرم وإبعاده عن التأثير على التصــرفات العامة ، أخلى الطريق أمام محمد على لامتـلاك مصر وحرفها عن أمتها .
Page 10
الفصل الثالث : هل كانت بريطانيا تريد أكثر من هذا ؟
خديعـة محمـد على
«إذا أردت أن تصنع أمورًا عظيمة فيجب أن تبقى وسط الرجال لا أن تقف على هاماتهم» .
« مونتسكيو »
محمد على يظهر على حقيقته
المالك الوحيد ، والحاكم المطلق ، والتاجر الوحيد
بالقضاء على خطر الإنجليز فى رشيد ، وعلى إمكان عودة الألفى إلى الحكم الذى لم يكن لمحمد على دور فيه ، ثم بالقضاء على رؤوس المماليك فى « مذبحة القلعة » الشهيرة الذين لم يعد الشعب يأسف عليهم لفشلهم فى مواجهة الفرنسيين .. خلا لمحمد على المجال لمواجهة المشايخ الذين اختاروه للحكم وساعدوه على خصومه وتوسطوا لتثبيته . فأثبت بذلك أنه كان واعيًا للدرس الماكيافيلي . إذ قال لوزيره أرتين الذى كان يترجم له الأمير بمعدل عشر صفحات فى اليوم، بعد اليوم الثالث : « إنى أرى بوضوح أنه ليس لدى ماكيافيلى ما يمكننى أن أتعلم منه ، فأنا أعرف من الحيل فوق ما يعرف . فلا داعى للاستمرار فى ترجمته »(59) ، وهكذا لم يبق أمامه لإكمال خطته إلا تأليب المشايخ بعضهم على بعض ، وتشتيت شملهم فتمكن من استضعاف زعيمهم السيد عمر مكرم ونفيه إلى دمياط فقضى على بدايات المشاركة الشعبية فى الحكم وعلى إمكانية التطور الحقيقى .
وتمشيًا مع انفراده بالسلطة فرض نفسه كمالك فعلى وحيد للبلاد ، وكسيد لمصائرها الحيوية. ففى سنة 1808 ، أى بعد ثلاث سنوات فقط من حكمه أصبح مالكًا لجميع أراضى القطر المصرى. وفى عام 1840 فى آخر أيام حكم الباشا قدرت المساحة المزروعة بـ 906000 ،3 فدان وهو ما يسمح بالقول إن نصيب الفرد الواحدمن الأهالى كان يمكن أن يكون لو وزعت الأراضى كلها قريبًا من فدان طيلة عهد محمد على ( 0.99% )(60) . وقد برر المدافعون عن امتلاك محمد على للأرض على هذا النحو تارة بأن تنفيذ مشاريع الرى المختلفة تقضى أن تكون للدولة السيطرة المطلقة على الأراضى الزراعية، وبالتالى على القائمين بفلاحتها حتى تضمن الموارد المالية الكفيلة بتنظيم عملية الرى وصيانة الجسور والترع(61) .. وتارة أخرى بأن نظام احتكار الأرض معروف فى سائر أنحاء الممالك العثمانية ومعمول به .. أو أحيانًا بأن هذا النظام .. نظام الاحتكار قديم متلائم مع طبيعة الناس من أيام الفراعنة . ألم يعهد إلى يوسف ( عليه السلام ) بعد أن قام بتأويل الرؤيا لفرعون بجمع حاصلات مصر واختزانها لتوزع فى سنى القحط والمجاعة على الأهالى(62) . إلا أن هذه الحقيقة الواقعة لا تنطبق على مجريات الأمور فى عهد الباشا . فإنه لم يحتكر احتراسًا لأيام العسر ، حتى فرعون كان أرحم منه . فالمؤرخون يجمعون على تقدير مقام سيزوستريس بين الشعب فى مصر والإشادة بذكره وتمجيده لأنه خول رعيته حق الملكية .
خديعـة محمـد على
«إذا أردت أن تصنع أمورًا عظيمة فيجب أن تبقى وسط الرجال لا أن تقف على هاماتهم» .
« مونتسكيو »
محمد على يظهر على حقيقته
المالك الوحيد ، والحاكم المطلق ، والتاجر الوحيد
بالقضاء على خطر الإنجليز فى رشيد ، وعلى إمكان عودة الألفى إلى الحكم الذى لم يكن لمحمد على دور فيه ، ثم بالقضاء على رؤوس المماليك فى « مذبحة القلعة » الشهيرة الذين لم يعد الشعب يأسف عليهم لفشلهم فى مواجهة الفرنسيين .. خلا لمحمد على المجال لمواجهة المشايخ الذين اختاروه للحكم وساعدوه على خصومه وتوسطوا لتثبيته . فأثبت بذلك أنه كان واعيًا للدرس الماكيافيلي . إذ قال لوزيره أرتين الذى كان يترجم له الأمير بمعدل عشر صفحات فى اليوم، بعد اليوم الثالث : « إنى أرى بوضوح أنه ليس لدى ماكيافيلى ما يمكننى أن أتعلم منه ، فأنا أعرف من الحيل فوق ما يعرف . فلا داعى للاستمرار فى ترجمته »(59) ، وهكذا لم يبق أمامه لإكمال خطته إلا تأليب المشايخ بعضهم على بعض ، وتشتيت شملهم فتمكن من استضعاف زعيمهم السيد عمر مكرم ونفيه إلى دمياط فقضى على بدايات المشاركة الشعبية فى الحكم وعلى إمكانية التطور الحقيقى .
وتمشيًا مع انفراده بالسلطة فرض نفسه كمالك فعلى وحيد للبلاد ، وكسيد لمصائرها الحيوية. ففى سنة 1808 ، أى بعد ثلاث سنوات فقط من حكمه أصبح مالكًا لجميع أراضى القطر المصرى. وفى عام 1840 فى آخر أيام حكم الباشا قدرت المساحة المزروعة بـ 906000 ،3 فدان وهو ما يسمح بالقول إن نصيب الفرد الواحدمن الأهالى كان يمكن أن يكون لو وزعت الأراضى كلها قريبًا من فدان طيلة عهد محمد على ( 0.99% )(60) . وقد برر المدافعون عن امتلاك محمد على للأرض على هذا النحو تارة بأن تنفيذ مشاريع الرى المختلفة تقضى أن تكون للدولة السيطرة المطلقة على الأراضى الزراعية، وبالتالى على القائمين بفلاحتها حتى تضمن الموارد المالية الكفيلة بتنظيم عملية الرى وصيانة الجسور والترع(61) .. وتارة أخرى بأن نظام احتكار الأرض معروف فى سائر أنحاء الممالك العثمانية ومعمول به .. أو أحيانًا بأن هذا النظام .. نظام الاحتكار قديم متلائم مع طبيعة الناس من أيام الفراعنة . ألم يعهد إلى يوسف ( عليه السلام ) بعد أن قام بتأويل الرؤيا لفرعون بجمع حاصلات مصر واختزانها لتوزع فى سنى القحط والمجاعة على الأهالى(62) . إلا أن هذه الحقيقة الواقعة لا تنطبق على مجريات الأمور فى عهد الباشا . فإنه لم يحتكر احتراسًا لأيام العسر ، حتى فرعون كان أرحم منه . فالمؤرخون يجمعون على تقدير مقام سيزوستريس بين الشعب فى مصر والإشادة بذكره وتمجيده لأنه خول رعيته حق الملكية .