eKtab
EN ع
الاستشراق ومناهجه في الدراسات الإسلامية
Read free sample

الاستشراق ومناهجه في الدراسات الإسلامية

by د. سعدون الساموك

Page 1

المقدمة

المنهج هو الأسلوب أو الطريق التي يتبعها كاتب أو مُنظِّر أو مؤلف في مسألة معينة..ومناهج المستشرقين هي الأساليب التي اتبعها المستشرقون في عرض العلوم الاستشراقية إلى الأوروبيين تارة وإلى الشرقيين أنفسهم تارة أخرى..

فمما لاشك فيه أن المستشرق الذي يدرُس تاريخنا ويقلب أوراقنا وينشغل في تراثنا، يتصور للأسف الشديد – أنه هو القادر على إفهامنا ماضينا، وكأننا مجموعة من الأغبياء غير قادرين على أن نستوعب ماضينا فنكون بحاجة إلى من يقوم بهذا العمل نيابة عنا. وذاك ادوارد سعيد يقول بأن الشرقي أُقصي من مكانه ليقوم المستشرق بتمثيله نيابة عنه ليقول ما يجب أن يقوله الشرقي أو ما يجب أن يفعله. والأنكى من ذلك أن هناك من بين الشرقيين من يقر بذلك. فنجد الكثير من أساتذتنا وأئمة مساجدنا، من يستشهد بقول المستشرق مهما بلغ في مستواه. والكثير من المستشرقين غير قادرين على هضم اللغة العربية، فكيف يصل إلى مرتبةٍ يستشهد بقوله وهو قاصر عن فهم اللغة مهما بلغ به الرقي العلمي؟

ولا أريد أن أظلم بعض المستشرقين ممن كانت لهم أيادٍ بيضاء معنا، فبعضهم قد خدم الشرق بالبحث والتمحيص بتجرد وعلمية. وهم عدد لا بأس به من العلماء. إلاّ أن الحديث يجري عمن يتستر وراء موجهيه من مخابرات الغرب أو كنائسه أو مجالسهِ الكنسية صاحبة المصلحة في الإساءة إلى تراث الإسلام.. وكذلك اليهود الصهاينة ممن نصبوا أنفسهم محاربين للإسلام وأهله حرباً لا هوادة فيها ولا أمل في المسالمة له أو لأهله مهما كانت إدعاءاتهم بذلك.

لذلك سنحاول في هذا الكتاب أن نستعرض الاستشراق معنىً ومراحل تاريخية مرّ بها، ومن ثم أهدافه التي لم نجد غيرها وخاصة في معالجته للإسلام وعلومه، ثم نخوض في مناهجه الكثيرة. في عرض اللغة العربية والقرآن الكريم والسنة النبوية والفقه الإسلامي والعقيدة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي ومن ثم عرضهم للعلوم عند العرب مع تلخيص بما وجدناه في مناهجهم تلك..

وكان لابد أن نستعرض مواطن الاستشراق لنجد الغث والسمين، والجيد والطالح من الآراء والطرق أو الأساليب التي تستعرضها كل دولة من الدول التي تعاملت مع الاستشراق وصولاً إلى الاستشراق في الأرض المحتلة "فلسطين" والتي هي بيننا في الشرق، إلا أن معظم سكانها الآن مهاجرون من البلدان الأوروبية الغربية والشرقية، فكان فيهم من يهتم بهذا العلم ويستمر في اهتمامه هذا، لنرى ماذا يريد هذا العالم من علمه في بلاد كانت قاعدة هذا العلم.

وبعد هذا، سنمر على الجامعات والمعاهد الاستشراقية في كل البلدان التي تهتم بالاستشراق. وما تتخصص به من دراساته العديدة. ونختم دراساتنا هنا ببعض الرموز الاستشراقية التي عنت بهذا العلم واتجاهاتهم ومناهجهم وما خلفوه في إصدارات فيه.

إنه دراسة من الدراسات العديدة في مجال الاستشراق. لابد أن نكون قد عرضنا فيه البعض مما هو مهم فيه وأصبح المتخصصون فيه لا بأس بإعدادهم، وما نقدمه الآن هو إضافة لما قدموه.. علماً بأننا من أوائل من اشتغل في هذا العلم ودرسناه على مدى سنين طويلة في جامعة بغداد والمعهد العالي للمؤرخين العرب في بغداد وفي جامعة الكوفة وفي معاهد عراقية أخرى وجامعة السابع من ابريل في ليبيا إضافة إلى الجامعة الأردنية ضمن مادة الثقافة الإسلامية. راجياً من الله العلي القدير أن يوفقني في الاستمرار بعرض المادة هذه وخدمتها لأنها جزء من خدمة الإسلام العظيم وهو هدفي الأقصى إن شاء الله. وأرجو أن أكون قد وفقت في عرضها وأفدت بها من شاء الاستفادة والحمد لله.

- المؤلف -

Page 2

تعريف الاستشراق

الاستشراق علم  يدرس لغات الشرق وتراثهم وحضاراتهم ومجتمعاتهم وماضيهم وحاضرهم.. ويدخل ضمن معنى الشرق أية منطقة شرقية، لكن (المصطلح) يعني هنا ماله علاقة بالدراسات العربية أو اللغات التي تؤثر فيها العربية كاللغات الفارسية والتركية.. وقد بدأت الدراسات تتسع وتستقل حتى أصبح لكل منطقة من المناطق تسميتها فبدأ بعضهم يدعو دراسة اللغة العربية وشؤون العرب بالدراسات العربية ويدعو المستشرقين المتخصصين بالعربية بـ (المستعربين).

Page 3

أما المراحل التي مرّ بها الاستشراق فيمكن توزيعها على الشكل التالي:

أولاً: المرحلة المبكرة

وهي المرحلة التي نقل الكنسيون فيها علوم الكنيسة وفلسفة اليونان من حاضرة العرب (بغداد) وغيرها من البلدان العربية إلى روما حيث كانت الكنيسة في احتضار فكري..

وكانت هذه المرحلة قد بدأت منذ وقت مبكر في تاريخ الإسلام فكان أعظم ما قام به العرب إلى جانب نشرهم الإسلام وتأليفهم في علومه المختلفة، قيامهم بترجمة آداب وفلسفات العالم وخاصة اليونانية والرومانية والهندية والفارسية، ومناقشتها والرد عليها، فكانت علوم الكنيسة، من العلوم التي تناولوها بالترجمة والنقد والمناقشة.. ولاشك في أن بعض الفلاسفة المسلمين قد استفادوا من الفلسفة اليونانية ومزجوها بالفكر الإسلامي وجعلوا من بعض فلسفات الإسلام محاكية لليونانية. ولكن – وبدون أن نبخس حق هذا المزيج الفكري الفريد – لابد أن نعود إلى القول بأن الفكر الإسلامي لم يكن بحاجة بذاته لهذه الفلسفة، فلقد آمن الناس به بدونها وانتشر قبل معرفتها ولا يعود لها أي فضل على الإسلام، فإن كان هناك من فضل، فالفضل هو للإسلام على أمم الغرب، فبدون هذه الترجمات وبدون الفلسفة الإسلامية التي حاكت فلسفة اليونان. لم يكن لدى الكنيسة في روما قدرة على ترجمة آثارها اليونانية والرومانية وخاصة في العصر الذي أطبق الجهل فيه على شعوب أوروبا. وقد وفد على حاضرة المسلمين – بغداد – وكذلك غيرها، عشرات من كتاب الكنيسة لينهلوا من علوم الإسلام ويصلوا إلى المؤلفات اليونانية ومناقشات العرب المسلمين عليها ليترجموها بعدئذ إلى لغاتهم وخاصة اللاتينية، لغة الكنيسة آنذاك لتعتمدها في نشر أفكارها ويمكن عد رحلاتهم هذه كموجة استشراقية أولى بالمعنى الذي نقصده، فقد تعلموا خلالها العربية ونقلوا علومها إلى شعوبهم. إلا أنهم نقلوا أفكاراً مشوهة عن العرب والمسلمين، وصوروا نبيهم ودينهم أبشع تصوير فصوروا الرسول (ص) كاردينالاً منشقاً على البابوية طمع في كرسيها فلما خابت آماله ادعى النبوة، ولصا «وقاتلا وزير نساء وكافراً وساحراً ودجالاً وخائناً وفاجراً» وشيطاناً وإرهابياً يشيع الموت وينشر الدمار، وداعية إباحية اتخذ من شيوعية المرأة وسيلة لهدم الكنيسة المسيحية وفضائل الأخلاق([2]).

وصوروا الإسلام مزيجاً مشوهاً مستقى من أصول مسيحية ويهودية تلقاها الرسول (ص) من أساتذته أحبار اليهود ورهبان النصارى وقسسهم وصوروا الإسلام أيضاً بصورة زندقة بل "منبع الزندقات" وفرقة منشقة عن الكنيسة. وصوروا القرآن الكريم بأنه كتاب يناقض بعضه بعضاً وغير منسجم في أفكاره وغير منتظم فيما يحويه وكل ما فيه يخالف العقل ويعوق الفكر "أما المسلمون فهم وحوش وأبناء شياطين وأهل لواط ومشركون يعبدون مجمعاً من الأصنام".

وكانت معظم هذه الصور قد دونها القديس يوحنا الدمشقي الذي عاش في العصر الأموي في دمشق، وبعضها في رسالة منتحلة نشرها مؤلف يدعي أنه كان مسلماً وارتد عن الإسلام وآمن بالمسيحية، اسمه عبد المسيح بن إسحاق، وكان المستشرقون من المبشرين المسيحيين قد أعادوا نشرها في القرن التاسع عشر بلندن([3]) - وذلك لتخدم أغراضهم في الطعن بالأمة العربية وتراثها المقدس. ولقد ساعدهم ذلك الدس والافتراء على تأجيج حقد الشعوب المسيحية على العرب والمسلمين فضلاً عن أحداث أخرى استغلتها الكنيسة لتزحف بشعوبها نحو البلاد العربية في حرب صليبية كان لها هدفان:

الأول: تهديم معالم الإسلام وإنهاء دوره الذي طغى على دور الكنيسة آنذاك.

الثاني: إيجاد مستمرات في الأراضي العربية ينقلون إليها مراكز حكمهم بعد أن اشتد الصراع فيما بين أمراء وملوك أوروبا وما بين بابا روما على السلطة. وقبل أن ننتقل إلى المرحلة الثانية من مراحل الاستشراق لابد من التنويه إلى أن دراسات الغربيين لأحوال الجزيرة العربية أو الشرق قد سبقت عصر الصليبيين بكثير، وحسب آراء المؤرخين، فقد عثر على كتاب لمؤلف غربي مجهول اسمه (الطواف حول البحر الأرتيري) يعود حسب رأي الدكتور جواد علي إلى نهاية القرن الأول للميلاد([4]).

وظهرت معلومات مفصلة عن الخليج العربي عن (فلافيوس اريان) اليوناني في مؤلفاته عن حملات الإسكندر في الخليج العربي، كما أن المؤرخ (سترابو) الذي رافق حملة ليوس غاليوس سنة (25) للميلاد – وكان الغرض منها السيطرة على اليمن وطرق تجارتها – قد تحدث في مؤلف له عن مدن العرب وقبائلهم ووصف أحوالهم التجارية والاجتماعية والاقتصادية([5]). وليست محاولات البرتغاليين لاستعمار المنطقة العربية والسيطرة على التجارة في الخليج عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر فيما بعد، بخافية على أحد. فقد سبقتها "حركة نشطة يطلق عليها اسم حركة الاستكشافات الجغرافية وهي حركة استكشافات علمية في ظاهرها من أجل الوصول إلى المناطق المسيطرة على طريق الهند التجاري، ولكنها في واقعها وبما استطاع روادها من جمع معلومات جغرافية واجتماعية واقتصادية مفصلة عن المنطقة، مهدت السبيل وقدمت العون الكافي للقائد البرتغالي البوكيرك في أثناء توغله العسكري في منطقة الخليج العربي وغزوه عدداً من المراكز فيها غزواً عسكرياً مضطهداً عرب المنطقة بوحشية. وكان هدفه من ذلك إضعاف هيمنة العرب التجارية والاستحواذ على مصادر التجار والثروة في الخليج العربي"([6]).

وعلى كل حال فالمجال لا يسع ذكر كل المساهمات الغربية في وصف المناطق العربية وسكانها سواء أسبق ذلك الأمر الحروب الصليبية أم بعدها، مما ساعد كثيراً في التوجه نحو البلاد العربية وغزوها واضطهاد سكانها.

ويميل بعض المؤرخين إلى عد تلك المساهمات جزءاً من حركة الاستشراق الغربية([7]) أما آخرون فلا يعدونها حركة استشراق بالمعنى العلمي الذي اصطلح عليه([8]). وعلى أية حال فأن تلك المساهمات لا يمكن إغفالها حيث كانت البداية لحركة استشراقية أعمق وأغزر دخلت مرافق الحياة العربية والإسلامية وكان لها تأثيرات بالغة الأهمية سنأتي على ذكرها.

Page 4

ثانياً: مرحلة التبشير

فهي المرحلة التي يتفق جميع المؤرخون على أنها حركة (استشراق) بالمعنى العلمي الذي اصطلح عليه والتي بدأت بشكل واضح في نهاية القرن السابع عشر. وقد خدم فيها المستشرقون أغراضاً شتى. حيث قد نشطت الكنيسة في إرسال أعضائها إلى مناطق عديدة في أفريقيا وآسيا، وبخاصة في المناطق العربية، كشمال أفريقا وسوريا ولبنان وبعض مناطق الجزيرة.. وكان عملهم ناجحاً في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي أكثر من المجال الديني. فالمسلمون لا يعطون آذاناً دينية صاغية للمبشرين وبالتالي فقد أفلس رجال الكنيسة الغربية في تحويل المسلمين إلى مسيحيين مما جعلهم ينقمون عليهم وينقلون تراثهم إلى أوروبا بصورة مشوهة لا تعكس الحقيقة وجعلوا الأوروبيين ينظرون إلى العرب المسلمين نظرات فيها حقد وازدراء بعد أن صوروهم لهم بصور مختلفة وألصقوا بهم نعوتاً مغايرة لما يتصفون به.

وكان وجود المبشرين في الأراضي العربية فرصة كبيرة لهم لتطوير إمكاناتهم اللغوية. حيث تمكنوا من دراسة العربية الأم فضلاً عن اللهجات المحلية واشتغل المهتمون منهم بالتراث العربي فبرز كثيرون منهم في المجال الاستشراقي.

ومن قدماء المبشرين المستشرق الانجليزي هنري بريدو الذي ألف كتاباً عن الرسول الكريم، وكان كاهناً في نورويج ببريطانيا ستة (1681 م). وسيمون اوكلي المستشرق الانجليزي، مؤلف كتاب تاريخ العرب بجزأين، قسيس سوانسي بكمبرج في انجلترا عام (1720) وجاجنير المستشرق الفرنسي الذي ألف كتاباً عن حياة الرسول (ص) معتمداً (المختصر في أخبار البشر) لأبي الفداء، طبعة عام (1723م).

ومن المحدثين المبشر المستشرق جاك جومييه والأب لويس كارديت أستاذ اللاهوت والفلسفة في معهد تولوز بفرنسا، والأب لامانس والأب صموئيل زويمر الأمريكي... وغيرهم.

ولابد من التذكير بأن كثيراً من المبشرين الذي أفلسوا دينياً في المناطق العربية وبخاصة المستشرقين منهم قد قدموا خدمات جليلة إلى الغرب، حيث نقلوا لهم وبدقة كل ما درسوه في الشرق من صفات لأخلاق العرب، والعوامل الاجتماعية التي تحيط بهم وبحياتهم الاقتصادية والمؤثرات السياسية والثقافية وكل ما يمكن الاستعمار من الدخول فيه من الثغرات، وبمعنى آخر، فقد كان استشراق المبشرين عاملاً مهماً لدراسة (الطبيعة) التي يحتاج الاستعمار لمعرفتها عن الوطن العربي، هذا من جانب ومن جانب آخر، فقد جلب المبشرون من المستشرقين، أخلاق الغرب وثقافته وحضارته، وكان التصاقهم بالشعب العربي أو بطوائف منه، قد فتح الأذهان على الغرب مما جعل لوجودهم بين العرب أثراً في تغلغل الثقافة الغربية وانتشارها وهي من العوامل المساعدة على دخول الغرب كله إلينا بعدئذ.

ويمكن أن تلخص دور أولئك المبشرين من المستشرقين في ثلاثة أمور:-

الأول: إن دراساتهم قد كونت صورة مشوهة عن الإسلام في أوروبا وكانت تستمد موادها الأولية من مصادر سبقهم إلى كتابتها المستشرقون الأوائل الذين ذكروا دورهم أثناء وبعد الحروب الصليبية..

الثاني: أن تلك الدراسات قد كونت شكلاً منهجياً وإطاراً فكرياً في أوروبا عدّها جميعهم مسلمات وحقائق على الرغم مما توصل إليه كثيرون من نقائض لها في بحوثهم.

الثالث: تعتيم أجواء الاستشراق بحقد دفين على الإسلام والأمة العربية بالذات على الرغم مما تدعيه تلك الدوائر من التجرد والموضوعية والعلمية.

ولقد ضربنا أمثلة على الإساءة إلى تراثنا، سواء إلى مقدسات أمتنا أو إلى عظمائها وكذلك في قدرات الأمة العربية على النهوض فهم يأخذون من الأمور والصور شكلياتها دون أن يدرسوا الأسباب التي أدت إلى بعضها، فحين يتكلمون عن نساء النبي (ص) يصفون النبي زيراً للنساء وداعية للإباحية وذلك بإقراره تعدد النساء فيصفون ذلك التعهد شيوعية للمرأة اتخذها النبي (ص) وسيلة لهدم الكنيسة المسيحية وفضائل الأخلاق.

متناسين أن تعدد الزوجات كان موجوداً في القرن المسيحي الأول ومنعته الكنيسة في القرن الثاني، وكان أوغسطين مؤرخ الكنيسة يهاجم (ترتوليان) أحد أعمدة الكنيسة في القرن الأول لاتخاذه إحدى عشرة امرأة له.

ولم يقف حدود الهجوم على شخص النبي (ص) وإنما تعداه إلى القرآن الكريم فراحوا يصفونه بأنه مستقى من أصول مسيحية ويهودية تلقاها النبي (ص) من أحبار اليهود والرهبان. وإذا جاءوا إلى تفسير آياته يترجمون الكلمات التي تحتمل أكثر من معنى في لغاتهم إلى المعنى الذي يتفق وأهدافهم التبشيرية دون الرجوع إلى تفسير المفسرين المسلمين للاستفادة من المعاني التي ذكروها([9]).

وقد أشرنا إلى بعض الملاحظات التي أساء بها المستشرقون إلى أمتنا العربية ووصفوها بالعجز. ففي محاضرة ألقاها الفيلسوف (رينان) في جامعة السوربون في 29 آذار 1882 زعم أن الإسلام يقف بوجه العلم والفلسفة وحرية التفكير وأنه يعرقل أي تقدم علمي أو فكري لأنه – على حد زعمه – دين غيبة وخوارق. وقال رينان: "أن الإسلام دين جبري وإيمان استسلامي وادعى أن الفلسفة الإسلامية مسخت الفلسفة اليونانية وشوهتها، وأن العرب لا يملكون عقلاً فلسفياً". أما سبب ظهور البحث العلمي والفلسفة عند العرب أبان العصور الوسيطة فعزاه رينان إلى الأجانب الذين دخلوا في الإسلام([10]).

إن أفكار رينان تلك، يلمسها المرء في كل المدارس الاستشراقية، فالمستشرقون يتغنون بفضل الرومان والكنيسة الغربية والفرس على الفكر العربي ويعزون إليهم تقدمه.

Page 5

ثالثاً: مرحلة الاستعمار

وهنا لابد من التقرير بأن المستشرقين جميعاً قديمهم وحديثهم خدموا بشكل أو بآخر أغراض الاستعمار. فقد سبق أن أشرنا إلى ظهور مؤلف عن البحر الأرتيري منذ القرن الميلادي الأول، ثم إن هناك دراسات عن الواقع العربي في عصر الصليبيين شهدت حملات نابية شديدة على الإسلام والتراث العربي برمته. وهناك دراسات اجتماعية وسياسية وإستراتيجية صاحبت الحملات البرتغالية إلى الخليج العربي والبحر الأحمر. وعندما بدأت أوروبا بالانتعاش الاقتصادي، وصارت لها الأساطيل الحربية القوية، بدأ ملوكها بإرسال علمائها إلى الأقطار العربية لدراسة أوضاعها وتراثها. وقد صاحب ذلك حملة قوية لتعلم العربية، حتى نادى رجال الكنيسة أنفسهم بفتح مراكز لتعليم العربية في جامعات أوروبا المختلفة، والتي بدأت بالتوسع. وكانت الكنيسة – هي الأخرى – قد تطوعت لخدمة الأغراض الاستعمارية وذلك بإرسال بعثاتها لدراسة الأوضاع في المشرق والمغرب العربي والكتابة إلى الدوائر المعنية في بلدانها للاستفادة منها.

وبدأت البعثات الدبلوماسية تؤدي دورها الاستشراقي أيضاً فكثير من أعضائها وقناصلها كانوا من العاملين في حقل الاستشراق وكتبوا عن العرب الشيء الكثير، فكان (بوكون) قنصلاً لفرنسا في (حلب) و(كلرمهون) قنصلاً لفرنسا في القدس ثم في الاستانة و(بوتي) الذي كتب عن المدينة الإسلامية قد عيّن من قبل الإدارة الفرنسية في المغرب الأقصى([11]).

وهناك (كاتافاكو) قنصل فرنسا في دمشق والذي كتب شرحاً باللغة الفرنسية عن (تعاليم الطائفة النصيرية). وكان هناك آثاريون قد عملوا في الآراضي العربية وعينوا بمناصب دبلوماسية. فكشف (لوفتوس) مثلاً موقع نينوى وعثر على بقايا قصر آشور، فانتخب بعدئذٍ عضواً في مجلس العموم البريطاني ثم وكيلاً لوزارة الخارجية([12]).

وكان الأب جوسين والأب جاك جوميه والأب صموئيل والأب لويس كارديت، قادة للحملات التبشيرية ذات الطابع السياسي والذين كانت الدوائر الاستعمارية تزودهم بنفقات بحوثهم ومعيشتهم في الشرق العربي.

وهكذا فنحن نجد أن المستشرقين يخضعون بأعمالهم الاستشراقية إما إلى التبشير فيحاولون أن يعكسوا أفكارهم مشوهة، فإذا توفر فيها بعض أخلاص فإن أدوات المستشرقين الفكرية تقصر عن طبيعة العرب والمسلمين.

وإما أنهم يتأثرون بوجهات النظر الاستعمارية فيخدمونها عن طريق مباشر أو غير مباشر فيسيئون عن عمد إلى كل ما هو عربي وإسلامي([13]).

Page 6

أهداف الاستشراق

ويمكن حصر أهداف المستشرقين في دراساتهم العربية والإسلامية في أمرين:

الأول: أن يتعرفونا فتكون معرفتهم بنا صورة ينقلونها إلى بلدانهم وشعوبهم تلك الصورة التي تشكل مجموعة من المعرفة الحضارية والنفسية والتاريخية والثقافية. فكانت تلك المعرفة عبارة عن إرث عظيم، يندر أن يتعرفوه عند غيرنا. حيث كان العرب والمسلمون يعيشون عالماً متحضراً لم تعشه الشعوب الأخرى. لأن الشعوب التي عاصرت شموخ الحضارة العربية الإسلامية كانت تغط في نوم وجهل كبير. ويشكل ذلك الإرث الذي وجدوه مؤلفات ومخطوطات فيها كل ما يريدون معرفته عن مدة تعد من أعظم عصور الحضارة الإنسانية، إلى جانب قيم موروثة يصعب انتزاعها من الشعب العربي في أية مدة زمنية يعيشها. والتفاف بين الحاضر والماضي يصعب فكه.

الثاني: أن تعاد إلينا تلك الصورة التي كونوها عنا بعد أن ركزوا على الماضي منها فقط، ففصلوا الحاضر عنها متقصدين خلق هوة سحيقة تفصل بين ذلك الماضي وبين الحاضر الذي أهملوه. ولا يمكن فصل هذه الأهداف عموماً عن خبث وذكاء الاستعمار الغربي منذ نشوئه فهما أصحاب هدف مشترك.

جاء كثير من المستشرقين كما جاء المستعمرون من قبلهم – ومن بعدهم أيضاً إلى ماضينا العظيم. فدرسوه وشكلوا له الجمعيات المختلفة وتحت عطاءات علمية مكثفة ومدعمة بقدر كبير من مساعدات المخابرات الغربية، وذلك للاهتمام بنقطة تصوروا أنها تشكل نقطة يريدون من خلالها أن يصطادوا بالماء العكر، فدفعوا بآلاف الباحثين ليدرسوا تلك النقطة – أي الماضي­­ – فينقلبوا في زوايا مكتبتنا وتحت أراضينا، جاعلين منه عملاً راحوا يتطاولون في بنيانه، فتمكنوا بجهودهم المضنية أن يقنعونا بجدية اهتمامهم به. فرحنا نزداد به التصاقاً أكثر مما كنا عليه قبلهم. حتى باتت جامعاتنا وصحفنا ووسائل إعلامنا لا تتحدث إلا عن ذلك الماضي، وبمعنى آخر، لقد جعلونا نعيش ذلك الماضي.

أما الحاضر، فقد قصدوا إلى زرع أوهام له في أعماقنا إذ جعلوا الكثير من عملائهم على المستويات السياسية أو الثقافية – في فترات التحرر القومي في مطلع هذا القرن وإلى زمن قريب جداً، تقول لنا: أننا لا نملك من الحاضر شيئاً، فالصناعات قد تطورت في الغرب. والعلوم قد شقت طريقها في الغرب. وكل ما يمت إلى الإنسان اليوم، تجده في حياة الغرب وثقافته وأدبه. وحتى ماضي العرب المجيد نجده في حاضر الغرب أما العرب، فقد قصد الجميع إلى زرع الاعتقاد في نفس المثقف العربي، بأن لديهم ماضياً يتغنون به. وليس هنالك ما يقال عن شيء اسمه الحاضر فحاضرهم في الغرب، يستهلكون ما يقوله وما يفعله وما يقدمه الغرب فقط، وحتى ماضيهم فلم يعودوا يقولون فيه شيئاً إلا بعد أن يقول الغرب رأيه فيه. كان الاستشراق يريد منا ذلك. وأصبح كثير من أساتذتنا وعلمائنا يعتدون بأمر المستشرق ويقارنون بين ما يحكمونه وما يرويه المستشرق. فيكون كلام المستشرق هو القول الفصل والحكم فيما يروونه.

لقد هدف الغرب إلى استعمار عقولنا قبل أن يغزوا أرضنا نعم. فقد كانت هناك ولا تزال "ثقافة غربية تتسلل إلى عقل إنساننا في هذه المنطقة بأساليب مباشرة وغير مباشرة لتوجيهه لمصالح الغرب"([14]) وبهذا الطريق. هدم المستشرق ذلك وأذل علمنا، لأنه أخضع كل علومنا لمقاييسه هو. وصوره وأطره هو تحت اسم البحث العلمي الرصين وطرق البحث الجديدة والنظرة العلمية المجردة. فاستطاع بطريق ذلك أن يستعمر ماضينا إلى حدٍ ما، كما استعمر حاضرنا. لذلك فإن أعمالهم الخبيثة قد اتجهت إلى ما يأتي:-

1. بعد أن نجحوا في شدنا إلى الماضي فقط راحوا يشككون به، ويزيفون بعضاً من حقائقه تزييفاً يرفضه أي مفكر. وقد برز بينهم من يكشف ذلك التزييف دفاعاً عنا، يثبت من خلال ذلك، إخلاصه وعلميته إلا أنه يمرر من خلال ذلك أمراً أهم وأقوى.

2. أن يغلبوا أموراً ليست ذات قيمة تاريخية على حقائق ثابتة بطريق تحقيق مخطوطات لم تنل عناية الماضي فجعلوا لها حاضراً درسوا من خلاله الماضي فنشرت دواوين وأشعار وفلسفات طائفية وأراء فقهية متهافتة لم يلتفت ذلك الماضي الزاهر لها. فجعلوا حولها أطراً "لدراسات اجتماعية سياسية وأخرجوا من خلالها نظريات لتحليل الفرد العربي والمجتمع العربي ربما لا تصل إلى مرتبة القبول فجعلوا منها حقائق راحوا يبنون عليها، فأصبحت بمرور الأيام بديهيات يعتمدها الغربي في بحوثه وكأنها حقائق ثابتة. ونجحوا في أن يجروا الكثير من أبنائنا للأخذ بها مقاييس لدراسة ذلك الماضي العظيم كما أن هناك" الهاء لعامة الناس عن الأمور الجدية والمفيدة الأساسية في حياة المجتمع ومستقبله وطرح القضايا الجانبية على أنها أساسية والترويج لها"([15]).

Page 7

3. وبعد أن أثبتوا عظمة الماضي، نسبوه إلى غيرنا – ولعل هذا من أخطر ما يشددون عليه – فالفرس والهنود والرومان واليونان كانوا – في رأيهم – أصحاب فضل على ذلك الماضي فبدون حضاراتهم لم تكن لنا حضارة عظيمة أو مجد تليد.

كانت الشعوبية تريد ذلك فيما مضى. والغرب قد تبنى هذا الأمر من بعدها. فكتب فيه النظريات الكثيرة. وكثير من علمائنا يتغنى بتلك النظريات فيقول أن "العرب تمكنوا أن يهضموا العناصر الغربية التي اختاروها من حضارة اليونان والرومان ويتمثلونها ويدخلوها في نسيج حضارتهم الزاهي الألوان المتناغم الألحان، بحيث وفقوا بين العقيدة الإسلامية وهذه العناصر الغربية توفيقاً مدهشاً دللت عليه حيوية الحضارة العربية الإسلامية طوال العصور الوسيطة الأولى".

وهذا الكلام أخف بطبيعة الحال من أن يقال عن الحضارة العربية الإسلامية أنها مسروقة ومستقاة من الحضارات الأخرى كما يردد ذلك كثير من المستشرقين ذوي الاتجاهات الدينية والسياسية المعروفة.

وسواء أكان تردد الكلام بصيغته الأولى بحسن النية أم بصيغته القاسية الثانية، فإن ذلك الكلام يسيء إلى الحضارة العربية والتراث العربي والإسلامي. لأن "الفكر الإسلامي قد تشكل أساساً قبل الاتصال بالفكر اليوناني أو الفارسي أو الهندي"، فما جاء به العرب كان مميزاً، وبقيت سمات تفصل ما بين حضارة العرب وحضارة الفرس أو ما بين حضارة الروم واليونان فإن كانت هناك تأثيرات متبادلة فذلك أمر طبيعي حيث أن الحضارة هي ثمرة الجهد الإنساني. لكن غلبة الحضارة العربية وانتشار الفكر الإسلامي جعل الفكر الشعوبي يتأجج حقداً عليها منذ الأيام الأولى للحركة الإسلامية. فهل هنالك مثلاً تأثير للعمارة الفارسية أو اليونانية على مباني بغداد؟ وهل كان دور العرب في الرواية والكتابة يعتمد تأثيرات الفرس واليونانيين؟ بل الأدهى من ذلك، ألم يكن العرب هم الذين ترجموا كتب اليونان وأعطوها إلى أوروبا بعد أن عجزت من ترجمتها لتنتفع بها؟

هل تأثر محمد (ص) بأحد حين أسس دولته في المدينة وجعل لها دستوراً كان يعد أول دستور في التأريخ؟

ألم يكن هناك شعراء وأدباء في الجاهلية؟ وهل احتفظت أية حضارة بشعر أبنائها كما حفظها العرب إلى اليوم الحاضر؟ وآلاف الكتب والمؤلفات منذ العصر الإسلامي الأول وحتى نهاية العصر العباسي الأول. ألا تثبت أصالة الحضارة العربية والإسلامية؟

قد يرى بعضهم آثار الفلسفة اليونانية قد اختلطت مع الفكر الإسلامي ويعبر عنها بتأثير الفكر اليوناني؟ فلنأخذ الجبر والقدر مثالاً، والسؤال هنا: ما قيمة الجبر والقدر وما قيمة أية فلسفة دون الأصل–الإسلام-؟ سواء تداخل الأصل مع الفلسفة اليونانية والفكر المسيحي أم لم يتداخل؟ ما قيمة كل ذلك دون الإسلام – الأصل -؟

أليس كافياً أن تزول تلك الفلسفات ويبقى الأصل لمن يردد بأن العرب قد نهلوا وهضموا الغريب والجيد من الحضارات وأدخلوها في حضارتهم. ويبقى الأصل لمن يردد بأن العرب قد نهلوا وهضموا الغريب والجيد من الحضارات العالمية وأدخلوها في حضارتهم بأنّ مميزات كل حضارة واضحة وترديد ذلك الكلام ضرب من العبث أو تطاول على الحقيقة.

وحين نتحدث عن حضارة العرب (المميزة) نحتاج بطبيعة الحال إلى بضعة أمثلة تؤكد أصالتها. أفلم يكن العرب قد أوجدوا منطق (الاستقراء) – وهو غير منطق أرسطو القياسي، فالعرب – إلى جانب اهتمامهم بالبحوث الفلسفية والدينية – قد اهتموا بالعلوم التي تستند إلى مناهج الاستقراء فاستخدموا في دراستها الملاحظة، ومارسوا التجريب واستعملوا الآلات التي صنعوها يومذاك وعنهم أخذتها أوروبا في عصر النهضة([16]).

كان الحسن بن الهيثم (ت سنة 430 هـ) يلاحظ الظواهر الحسية الجزئية ويعمد إلى التجريب الذي يدعوه (الاعتبار). فيصل بهذه الطريق إلى الحقائق ويصوغ القوانين العامة نتيجة مزاولته التجربة في دراسته. ويكون ابن الهيثم قد سبق الفيلسوف الانجليزي (فرنسيس بيكن) بستة قرون في توصيته بضرورة إتباع منهج (الاستقراء) وتنوع التجارب وتكرارها لتحاشي الوقوع في الخطأ([17]).

ولقد نقلت العلوم العربية شيئاً آخر إلى أوروبا, شيئاً كانت تفتقر إليه عبقرية اليونان إلى حد ما. لقد لقنت العلوم العربية درساً مهمّا، هو أن الدراسات الفيزياوية والتجريبية تتطلب مثابرة مستمرة وصبراً في المشاهدات والملاحظات (النتائج العلمية) قبل الانتهاء إلى نظريات عامة وبينت العلوم العربية في مجال الفلك والفيزياء وفي فروع الكيمياء والتنجيم أيضاً كيف تقوم أسس المنهج الوضعي للدراسات، ذلك المنهج الذي بلغ به جاليليو وبيكون المجد في العصر الحديث"

كما أن كثيراً من المقالات الأصلية لجابر بن حيان في الكيمياء قد نقلت إلى الغرب وعد (بيرتلو) في كتابة " الكيمياء في العصور الوسيطة" جابر بن حيان أعظم كيماوي في تلك العصور.

واستفاد ديكارت من أسلوب الشك العلمي من أجل الوصول إلى الحقيقة للغزالي فقد قارن الكاتب الفرنسي شارل سومان بين نبذ من مؤلفي ديكارت (رسالة الأسلوب) أو (التأملات في الفلسفة الأولى) وبين مقاطع من كتاب الغزالي (المنقذ من الضلال) "وتوصل من هذه المقارنة إلى أن ديكارت قد اطلع على كتب الغزالي وعنه أخذ أسلوب الشك العلمي من أجل الوصول إلى الحقيقة".

أما ابن خلدون فلا يزال علماء الاجتماع في العالم يشيدون بآرائه ويعدونه عالم الاجتماع الأول . فقد قال عنه المستشرق استيفانو كلوزيو: (أليس ابن خلدون باستنباطه أن لتقدم الزمن لمرافق الحياة ولشروط المعاش ومقوماته فعلاً كبيراً في نشأة الطباع واكتساب الملكات الجديدة، دالاً على بعد نظره ونفاذ بصيرته.

وما هذه الحقيقة إلا مبدأ أساس في علم الاجتماع يعود الفخر في تقريره إلى المؤلف المسلم قبل الفلاسفة الوضعيين وعلماء النفس العصريين بقرون متطاولة، أما الشريعة الإسلامية فقد عدها الكثيرون مصدراً من مصادر القانون العصري في المعاملات.

وفي مجال العلم والعلماء فهل كان في دول الحضارات آنذاك عدد يحصى أكثر من علماء العرب. فقد أصبح عدد الأطباء في القرن الرابع الهجري كما أحصاه (لكلير) في كتابه (تاريخ الطب العربي) أكثر بكثير من الأطباء الذميين.

هذا فضلاً عن الأدباء والشعراء والمؤلفين والمترجمين وعلماء الدين وغيرهم ممن أشبعتنا الكتب العربية والعالمية ذكراً لهم ولمنجزاتهم العلمية. وبعد، فهل يجوز القول بأن الحضارة العربية لم تكن لتكون بهذا الشكل لولا تأثير الحضارات العالمية المحيطة بها آنذاك؟

لقد سلط المستشرقون أضواء كثيرة على هذا المفهوم حتى أن ذلك أصبح من الأمور البديهية عند الغربي. والأنكى من ذلك أنها قد أصبحت (بديهية) عند المتأثرين بالمستشرقين من علمائنا وكتابنا.

فلقد دأب الاستشراق منذ نشأته على سلب حقنا في تصوير حضارتنا فرسم لنا صورة مشوهة عنها تبدو في حقيقتها رائعة، لكن التعمق بها يظهر لنا زيفاً كبيراً. فلقد أريد للاستشراق أن يكون أسلوب مخاطبة للإنسان الغربي" يحكي ما يجب أن يقال عن الشرق في المجتمعات الغربية ويساعد في إكساب تقييم المستعمرين للشرق مقام الحقيقة.

ولكن ذلك الأسلوب قد بات أسلوباً لبعض باحثينا ليشاركوا في تزييف حقيقة تراثنا.

Page 8

تمهيد

دراسة في واقع الاستشراق

لقد كان للمستشرقين، مناهجهم في كل المباحث الإسلامية، وقد آثرنا الاهتمام بالجوانب التي ذكرناها. لقد ذكرنا منهجيتهم في اللغة العربية وفي القرآن الكريم والحديث الشريف والعقيدة الإسلامية والمباحث الأخرى. وقد وجدنا في دراساتنا أن المستشرقين كانوا يجانبون الصواب في الكثير من تلك المواقف. وقارنا ما بين "الحقيقة" التي يعرضها الإسلام وما بين مواقفهم التي بنيت أكثرها على خلفية ذهنية سبق أن كونوها عن كل جانب من جوانب الإسلام، ونحن نقول الحقيقة لكوننا ننتمي إلى الإسلام عقائدياً. وأننا نعتقد أن الله هو الذي أنزل هذه الرسالة، وطالما كان كل شيء من "الله" فأنه الحق. وما يقال غير ذلك، فهو مجانبة للحقيقة أو تطرف واضح.

وقد كان للدكتور عبد القهار العاني أستاذي وزميلي في تأليف كتاب "مناهج المستشرقين" الذي يُدرَّس في جامعة بغداد أراءً في منهجية بعض المستشرقين وقد آثرت أن استعين ببعض آرائه التي استقاها من مصادر قيمة واعتمدت على مصادر أخرى، كان من بينها كتاب "الفكر الاستشراقي" للدكتور محمد الدسوقي حيث وجدت في بحثه نقاطاً تعضد أفكار الدكتور عبد القهار العاني، وموضوع "السيرة النبوية" للدكتور سلطان العكايلة من محاضرات في الثقافة الإسلامية الذي يدرس في الجامعة الأردنية وكتاب المستشرقون والمناهج اللغوية للدكتور إسماعيل عمايرة، فهي تعبر عن مواقفي تجاه هذه المنهجيات التي استعرضتها. فالمنهج كما هو معلوم، الطريق أو الأسلوب الذي تعرض فيه الفكرة. سواء في طريقة العرض أو الأسلوب الكتابي والذهني للمستشرق تجاه قضية ما، لذلك سنجد هنا عرضاً لكلتا الحالتين، الإيجابية والسلبية تجاه أية دراسة من الدراسات التي ذكرناها. راجياً أن أكون قد وفقت إلى ذلك.

Page 9

أولاً: المستشرقون واللغة العربية

قبل الدخول إلى مناهج المستشرقين في الدراسة الإسلامية. لا بد من التعريج على مناهجهم في اللغة العربية والتي اهتموا بها اهتماماً كبيراً تبين من خلالها اهتمامهم بالتفريق بين لغة المدن والقرى والبوادي واستخدموا هذه الأسس في التفريق بين الطوائف الدينية كالنصرانية واليهودية.

لقد اهتم المستشرقون بدراسة اللهجات العامية إلى جانب اهتمامهم باللغة العربية فلا تكاد تخلو جامعة من جامعات الغرب التي خصصت بأقسام الاستشراق في تخصيص شطر من دراستها لدراسة اللهجات. ويعتني المستشرقون بشكل خاص بالظواهر النادرة فيفردون لها البحوث المتخصصة في وصفها واستيعابها وتسجيلها تاريخياً.

وكانت للمستشرقين زوابع كثيرة للدعوات العامية وخاصة في الفترات التي كثر فيها المبشرون في العالم الإسلامي والعربي لغرض التنصير (بداية القرن الماضي) ولا زالوا يغذون هذه الدعوات لتقويض العربية والتركيز على دراسة اللهجات المندثرة كالأمازيغية في شمال أفريقيا والقبطية والنوبية في مصر وغيرها كثير.

وقد جعل المستشرقون لدراسة العربية واللهجات المحلية مناهج حصرها الأستاذ إسماعيل احمد عمايرة بستة مناهج هي:

1- المنهج المعياري الذي يعني بالدراسات النصية التي ترمي إلى فهم النص من خلال المعايير المستقاة منه بغرض الوقوف على معناه.

2- المنهج التاريخي وهو المنهج الذي يهتم باللغة المكتوبة التي دونت في وثائق حتى لو لم تكن حية منطوقة. وهو منهج لا يغفل المنطوق.

3- المنهج المقارن وهو جزء من المنهج التاريخي في دراسة اللغة وهو يتميز عن المنهج التاريخي بعنايته ببحث الظاهرة اللغوية في أكثر من لغة.

4- المنهج الوضعي والذي يدرس اللغة المنطوقة فقط، فهو يحتفي بدراسة اللهجات ويهتم بواقع الظاهرة اللغوية وليس بتاريخ تطورها. لذلك كان تركيز أصحابه على وصفها من خلال واقعها المنطوق وليس من خلال الوثائق المكتوبة لأن قواعد الإملاء والكتابة لن ترقى إلى وصف الظاهرة اللغوية.

5- المنهج التقابلي الذي يعتني بالموازنة بين اللغات والفرق بينه وبين المنهج التاريخي. والمنهج التاريخي يوازن بين اللغات بقصد التأصيل والوقوف على جوانب التطور أما المنهج التقابلي فانه يقصد التعليم ومعرفة المشكلات التي يعاني منها الدارس الذي يرغب في اكتساب لغة جديدة بأيسر السبل وذلك بمعرفة المشكلات التي يعاني منها الدارس يرغب في اكتساب لغة جديدة بأيسر السبل وذلك بمعرفة المشكلات التي يواجهها في اللغة الجديدة.

6- المنهج الإحصائي: ويهتم هذا المنهج بالوقوف على الظواهر اللغوية الأكثر شيوعاً في اللغة الواحدة.

وعلى الرغم من اختلاف المناهج وكثرتها لدراسة اللغة العربية واللهجات المحلية، إلاّ أن اللهجات لم تحل محل اللغة الأم، بل أن الذي حصل هو التقريب ما بين اللهجات والفصحى وذلك بفعل الدراسات اللغوية الكثيرة وتوسع الجامعات في البلدان العربية وإصرار العرب في كل مكان على إحلال فكرة التفاهم فيما بينهم والاستمرار على المحافظة على اللغة العربية الأم.

إن الاستشراق يتهم الأدب العربي بضعف أو فقدان التجربة الإنسانية الصادقة، فالمستشرقون في منهجيتهم تجاه اللغة العربية التي يبتني الاستشراق والاستعراب عليها يتصفون بعدم الدقة والإنصاف في دراستهم لها، ويعزوها الدكتور محمد حسين هيكل إلى عدم تمكنهم من الإحاطة بأسرارها([18]). كما أن المستشرقين بقدر إساءتهم فهم العبارات، فإنهم يضعون النصوص في غير مواضعها ويحملونها ما لا تطيق ألفاظهم وما لا تدل عليه معانيها.

والاستشراق يلح دائماً على أن العربية لا تصلح لغة للعلم المعاصر، وأن قواعد نحوها وصرفها عسيرة، وأن على المسلمين أن يتخلوا عن هذه اللغة الصحراوية لأن تمسكهم بها سيحول دون نهضتهم وإسهامهم الإيجابي في تطوير الحضارة وسعادة البشرية.

وما يهم دراستنا في هذه المناهج أنها خلف إبراز الدعوات لإحلال العامية محل العربية التي هي لغة القرآن وبالتالي لغة الأمة التي تعهد الباري بحفظها –أي اللغة ومن ثم الأمة– بقوله تعالى +إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.."([19]) صدق الله العظيم.

مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلامية

إن نظرة واحدة إلى ما جاءت به كتابات المستشرقين ودراستهم أنهم قد اتبعوا مناهج محدودة منها:

1. المنهج التاريخي: وهو المنهج الذي يهتم بالوثائق والمخطوطات والمفروض أن هذا المنهج يوازن ما بين الموجودات من المعلومات بقصد التأصيل، لكن إتباع هذا المنهج قد انجرفوا وراء المنهج الذاتي الذي سنتحدث عنه فخلطوه بالمنهج التاريخي الذي جعل من منهجهم ذاتياً أكثر منه تاريخياً.

2. المنهج الاستقرائي أو القياس، والذي بني على قواعد مميزة كان من المفروض أن تضبط عملية استنباط النتائج والمبادئ من الأحداث التي رويت ضمن المنهج العلمي السردي ليحميها من الوهم وشهوة الإرادة النفسية، إلا أن ذلك لم يحصل ولم تبتن المعلومات التي سردها إتباع هذا المنهج على البناء التاريخي. لأنها كما ذكرنا في النقطة الأولى تداخلت مع المنهج الذاتي الأكثر شيوعاً. فكان أصحاب هذا المنهج قد ابتعدوا عنه قليلاً.

3. المنهج الذاتي.. وهو المنهج الذي يقحم المستشرق فيه نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني –المسيحي أو اليهودي- والسياسي في تفسير الأحداث وتعليلها والحكم على إبطالها وإتباع هذا المنهج يجعلون الدين خاضعاً للمقاييس العلمية التي تبعد الغيبيات والوحي عن سير الأحداث الإسلامية.

وقد ألتفّ المستشرقون جميعاً حول هذا المنهج، وحتى أصحاب المنهجين التاريخي والاستقرائي، فإنهما قد خلطا مناهجهما بالمنهج الذاتي، فلم نجد الموضوعية والفهم الحقيقي للإسلام بين سطورهم. والحقيقة فإن المستشرقين في الدراسات الإسلامية جميعهم يمكن وضعهم ضمن أصحاب المنهج الذاتي فهم طالما يسبغون على كتاباتهم وإحداثها نزاعاتهم الشخصية والدينية والتي تجعل مواضيعهم الإسلامية تبتعد عن الأصالة الموضعية. وجميع من سنذكرهم من مستشرقين في مختلف العلوم التي سنذكرها يتميزون بالذاتية التي أفقدت موضوعهم الأصالة والموضوعية.

Page 10

ثانياً: المستشرقون والعقيدة الإسلامية

يحاول الكثير من المستشرقين أن يسبغ ما يراه وما يعتقده على المسلمين دون فهم للإسلام وحقيقة الإسلام. وكما سبق أن ذكرنا بأن المستشرق إما أن يكون ملحداً أو يهودياً أو نصرانياً، فهم لا يعرضون آراء القرآن الكريم أو السنة النبوية – كما هي موجودة في عقول المسلمين – وإنما يستعرضونها من خلال فهمهم هم لتلك المواضيع. فيقول أحد المستشرقين في تفسير قوله تعالى (وَإِلَى الله الْمَصِيرُ) "النور / 42 ، خاطر/ 18" (أن إله الإسلام جبار مترفع، بينما إله المسيحية عطوف متواضع ظهر في صورة إنسان هو الابن الإله، فعقيدة التثليث المسيحية قربت بالإنسان في الإله، وعقيدة التوحيد الإسلامية باعدت بينهما وجعلت الإنسان خائفاً متشائماً([20]).

يقول المستشرق اليهودي (كولدتسيهر): "من العسير أن نستخلص من القرآن نفسه في العقيدة موقفاً متجانساً خالياً من التناقضات. فالتوحيد مذهب ينطوي على النقائض العسيرة الفهم. أما التثليث فمذهب واضح في فهم الإلوهية([21]).

يتساءل الدكتور محمد الدسوقي بقوله: "أليس هذا شيئاً عجيباً، هذا اليهودي الذي يدّعي أنه مؤمن بالوحدانية وينكر عقيدة التثليث يوازن هنا بين ما يدعو إليه القرآن من الإيمان بإله واحد وبين مذهب التثليث عند النصارى، ويرى أن هذا المذهب واضح على حين أن ما قرره القرآن ينطوي على النقائض العسيرة الفهم. إن هذا الكلام الذي يلقى على عواهنه يحكم على هذا المستشرق بالتضليل والنفاق، لأنه لو كان صادقاً بينه وبين نفسه فيما يذهب إليه، فإنه يكون مؤثراً للمسيحية بعد تحريفها على اليهودية وهو ما لم يصرح به، فهو إذن يتخذ ما يقوله ذريعة لكسب ود المسيحيين وعطفهم من أجل نصرة المبادئ الصهيونية التي تعكسها بروتوكولات حكماء اليهود، فهو النفاق وليس البحث العلمي النزيه".

والقس (زويمر) يرى أن المسلمين وإن كانوا موحدين، فإن الههم ليس إله قداسة ومحبة. إن (زويمر) يعتبر من أخطر المبشرين المحدثين، وما يراه جهل واضح، لأن من يتمتع بقدر قليل من العقل إذا تلا القرآن الكريم فإنه يجزم لا محالة بأن المسلمين يؤمنون بالله الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء([22]).

أما بالنسبة للإلوهية عند المسلمين فيقول الدكتور الدسوقي فيها: إن المسلمين لا يؤمنون بإله خاص بهم، ولكنهم يؤمنون بالله الواحد الأحد، رب السموات والأرض وما فيهن، فما صدر عن هذا القسيس بهتان لا مثيل له، ومن عجب أن يرتدي إنسان ثياب العلماء ثم يردد هذا الهراء".

نرى من هذه الأمثلة أن الطريق الذي انتهجه المستشرقون في نظرتهم إلى الإلوهية في الإسلام تعتمد:

1. عدم النزاهة والعلمية.

2. هيمنة المفاهيم الكنيسة على عقول المستشرقين من النصارى.

3. روح التعصب الذي يبعد عن الموضوعية.

4. نزعة التشويه والتضليل.

5. النفاق الذي يردده بعض المستشرقين – أمثال كولدتسيهر بقصد إمرار الدعوات التي تتستر خلف هذه الدعوات.