eKtab
EN ع
الإستطلاع ودوره في التاريخ العربي الإسلامي لغاية 23هـ ـ 645م
Read free sample

الإستطلاع ودوره في التاريخ العربي الإسلامي لغاية 23هـ ـ 645م

by د. خالد محمد عبّاس الجبوري

Page 1

الإهداء

إلى سيد الأنبياء والمرسلين . . . سيدنا محمد ﷺ . . .

إلى الذين يعملون الخير في سبيل الله تعالى. . .

إلى. . من سهرت عليَّ الليالي وغرست في نفسي حب الدراسة والمثابرة وحب عمل الخير . . . أمي تغمدها الله برحمته

الى . . الذي شمله قول الرسول ﷺ «إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، او عمل ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ... أبي رحمه الله

إلى أخوتي وأخواتي . . . أدباً واحتراماً

إلى زوجتي العزيزة وولديَّ . . . حباً ووفاءً

أهدي ثمرة جهدي المتواضع هذا

Page 2

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ وعلى اله وصحبه الطاهرين. وبعد فإن الكتابة في موضوع الاستطلاع يعد من أكثر موضوعات البحث التاريخي شغفا وحبا لعقول الباحثين لاعتماده على التحليل المنطقي الذي يقود بدوره إلى استنتاجات تكون أساسا لقرارات صناع القرار وفي مختلف النواحي وقد قيل قديما أن المعرفة المسبقة هي السبب الذي يمهد للقائد الحكيم سبيل دحر العدو.

خلق الإنسان وفي فطرته نزوع إلى معرفة المجهول وهذه من نعم الباري عز وجل على الانسان الذي خلقه في اكمل وأحسن صورة ﴿ لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم ﴾ [التين:4]. وهذا ما جعل الانسان في حالة متواصلة من التفكير والتأمل والإبداع لكشف الاسرار التي تحيط به سعيا للحصول على المعرفة المسبقة التي هي تعني جمع المعلومات وبشكل خاص عن طريق الاستطلاع بوساطة العيون والطلائع والكمائن وغيرها من وسائل الاستطلاع المتاحة وبحسب الظرفين الزماني والمكاني.

وعلى مستوى الانسان العربي، فان تداول المعلومات عملية يمارسها العربي بحكم اوضاعه الاجتماعية وظروفه الاقتصادية والسياسية، وقد بلغت عنايته بها حدا من الاهمية ظهرت في اشعاره وأمثاله بما يؤكد اهتمام الانسان العربي بمعرفة تفاصيل الارض التي يعمل عليها وعُدَّ جهله بها بمثابة قتله وبالعكس عندما يكون عارفا بها يكون قادرا على قهرها «قتلت ارض جاهلها وقتل ارضا عالمها». وعندما انبثق نور الاسلام تطورت قدرات العرب في مجال الاستطلاع وظهر ذلك جليا في المعارك التي قادها الرسول القائد rوالمعارك التي دارت في العهد الراشدي ولا سيما ضد الامبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية وهذا التطور في مجال الاستطلاع كان اساسه نابع من خلال الاحتكاك مع جيوش الفرس والروم.

تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه محاولةً جادةً لإبراز جوانب الاستطلاع في التاريخ العربي الاسلامي وبشكل خاص حروب المسلمين في العهد النبوي والعهد الراشدي وبالتحديد منذ هجرة الرسول الاكرم ﷺ في العام الاول للهجرة وحتى العام الثالث والعشرين للهجرة، وفي نطاق جغرافي يتحدد بمنطقة الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام ومصر، باختيار معارك معينة جرى التركيز عليها لأهميتها التاريخية وبروز دور الاستطلاع فيها، وبما يشكل ردا على الادعاءات والتشكيك وتشويه الحقائق التي اعتاد عليها الكثير من الاجانب ولاسيَّما الغربيون منهم والذين صوروا هذه الحروب بأنها غزوات خالية من نواحي الابداع والفن الحربي المتطور. ناكرين ما جاءت به مدرسة الرسول القائد ﷺ وأصحابه الكرام من الذين بنوا ثم قادوا الجيوش العربية الإسلامية وقهروا أعظم امبراطوريتين كانت سائدة في ذلك الوقت من مبادئ وقواعد عسكرية وإبداعات أذهلت القيادات العسكرية لتلك الامبراطوريات وأغنت الفن الحربي الانساني بزيادات مهمة، وهذا ما دعاني لاختيار هذا العنوان لأنني لم اجد من بحث هذا الموضوع بشكل علمي من قبل.

تم اعتماد المنهج الوصفي التاريخي لما يتطلبه تسلسل الاحداث والوقائع المختلفة واخذ عامل الزمن بنظر الاعتبار باعتماد اسلوب التحليل المنطقي للحدث بما يوصل إلى الحكم الصحيح على نتائجه في تلك الحقبة الزمنية. وبالمنهج التحليلي يمكن التوصل إلى ما يعنيه الحدث والوقوف على الابعاد المؤدية اليه والنتائج المتمخضة عنه. كما تم اعتماد المبدأ المحايد في بيان ما تحقق من النتائج الايجابية او السلبية للطرفين في المعارك دونما الانحياز العاطفي لأحد الجانبين في المعركة.

لقد توزعت الاطروحة على ثلاثة ابواب، وفي الباب الاول بحثت في مفهوم الاستطلاع وأهميته العامة ومواصفات عناصره، بثلاثة فصول، اما الفصل الأول فكان مخصصا للاستطلاع لغة واصطلاحا اذ تطرقت إلى بيان الاصل اللغوي لهذا المصطلح ومدلولاته ومنهجية استعماله مستندا ابتداءً على ما جاء بالقرآن الكريم من ايات بشأنه وآراء فقهاء الاسلام وعلماء اللغة والنحو وما تبع ذلك من شعر ونثر. ثم تناول البحث الاستطلاع اصطلاحا في مختلف المجالات ولاسيما في المجال العسكري وتفرعاته المختلفة المستعملة في الوقت الحاضر.

وفي الفصل الثاني تم بحث الاهمية العامة للاستطلاع، وفي هذا الفصل جرى التطرق إلى المحاور المختلفة التي برز فيها دور الاستطلاع في العلوم الفقهية والأصول الفلسفية ثم بحثت الاكتشافات الجغرافية وموضوع الابحاث العلمية ثم بعد ذلك تم تناول اهمية الاستطلاع عسكريا وبشيء من التفصيل.

وأما الفصل الثالث فقد خصص لعناصر الاستطلاع والشروط الواجب توافرها بها، اذ بحثت مواصفات العيون والطلائع والكمناء والمواصفات الخاصة بالرسل، وكل هذه المصطلحات تحتاج إلى اشخاص ذوي مؤهلات خاصة ومحددة ليكونوا لائقين للعمل في مجال الاستطلاع فضلاً عن وجود شروط عامة مشتركة. وجرى التطرق إلى اسلوب التعامل مع هذه العناصر.

اما الباب الثاني فقد بحثت فيه مسيرة الاستطلاع عبر التاريخ في ثلاثة فصول، كان الفصل الاول يتناول الاستطلاع والأنبياء وقمت بتحليل الوقائع الاستطلاعية مع الانبياء عليهم السلام منذ خلق سيدنا ادم ومرورا بسيدنا نوح وإبراهيم وموسى حتى النبي عيسى على رسولنا وعليهم اجمعين الصلاة والسلام مستندا في ذلك على ما جاء بالقرآن الكريم. من ايات كريمة بصدد ماله علاقة بالاستطلاع وتحليل ذلك في كل حالة على حدة.

اما الفصل الثاني فبحثت فيه الاستطلاع الذي مارسه القادة التاريخيون في زمن المصرين القدماء وعلى عهد ملوك الدولة الأكدية والآشورية في العراق القديم ثم ما جرى في معارك الإسكندر المقدوني مع الفرس من قتال في العراق وبروز دور الاستطلاع في ذلك، وما حدث لهنيبال في محاربة الرومان وما وقع للزباء في جانب الاستطلاع. وتناول الفصل الثالث الاستطلاع قبيل ظهور الاسلام وتجسد ذلك فيما يسمى بأيام العرب وما برز فيها من دروس استطلاع مهمة تدل على الفطنة والذكاء وقد تم اختيار نماذج من هذه الايام مورس الاستطلاع فيها بشكل متميز يدل على القدرات العربية في مجال الاستطلاع والحصول على المعلومات واختتم هذا الفصل بالإشارة إلى معركة ذي قار وما برز فيها من دروس بما له علاقة بالاستطلاع.

اما الباب الثالث فقد بحثت فيه عن التطبيقات العملية لدور الاستطلاع في العهد النبوي والعهد الراشدي وضمَّ على فصلين.

اما الفصل الاول فقد تناولت فيه الاستطلاع في عهد الرسول القائد ﷺ ودوره في مواجهة القبائل العربية واليهود في معارك بدر واحد والخندق وفتح مكة.

وتناول الفصل الثاني الاستطلاع في العهد الراشدي ودورهِ في محاربة المرتدين وعمليات فتح العراق والشام ومصر وما برز فيها من عبقريات عربية اسلامية تجسدت في اجتياز خالد بن الوليد لبادية الشام في عملية عسكرية منظمة قل نظيرها في التاريخ العسكري إذ اخترق خالدٌ بادية الشام في حركة سريعة وخاطفة غير مكشوفة واستطاع مباغتة عدوه الجيش البيزنطي وخلق حالة من الصدمة والاضطراب في صفوفه. والإبداع البارز في معركة نهاوند وفتح مصر باستعمال ولأول مرة ما يسمى بالأدبيات العسكرية المعاصرة بالدفاع السيار في هاتين المعركتين الحاسمتين.

Page 3

الاستطلاع لغةً

من اجل التعرف على مفهوم الاستطلاع في اللغة والاصطلاح، لابد لنا من بيان الأصل اللغوي والتاريخي لهذا المصطلح ومدلولاته ومنهجية استعماله.

فالاستطلاع مشتق من الفعل طَلَعَ يَطلُعُ ومطلَعاً ومطلِعاً: طَلَعَت الشمس والقمر والفجر والنجوم، تطلُعُ طُلوعاً ومطلعَاً ومطلِعاً فهي طالعة، وهو أحد ما جاء من مصادر فَعَل يَفعل على مفعِل، ومطلَعاً بالفتح لغة وهو القياس، والكسر الأشهر([1]). والمطلع: الموضع الذي تطلع عليه الشمس، وهو قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ﴾ [الكهف:90].

أما الآية الكريمة: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر:5]، فإن الكسائي([2]) قرأها بكسر اللام. وكذلك روي عن أبي عمرو([3]) انه قرأها بكسر اللام.

 

أما ابن كثير([4]) ونافع([5]) وعاصم([6]) وحمزة([7]) فإنهم يقرؤون مطلع بفتح اللام: ﴿ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ .

ويقول الفراء([8]): ان اكثر قارئي القرآن يجمعون على فتح اللام في «مطلع» لأنه أقوى في قياس اللغة العربية من اذ أن «المطلع» معناه «الطلوع» أما «المطلع» فمعناه الموضع الذي تطلع منه الشمس، ولكن العرب بقولهم: «طلعت الشمس مطلعاً» بكسر اللام إنما يقصدون المصدر وليس الموضع الذي تطلع منه الشمس، ويقول الفراء أيضاً أن وزن الفعل الثلاثي المجرد من الباب الأول «فتح ضم» مثل خَرَج يخرُجُ ودَخَل يدخُل وطَلَع يطلُع فإن الاسم من مصدره يكون بفتح العين أي بفتح اللام في طَلَع فيكون مطلع وليس مطلِع وهو المفضل عند العرب، ما عدا بعض الشواذ من الأسماء الاتية: مسجد (سَجَد يسجَد) مغرِب (غَرَب يغرُب) مشرِق (شرَق يشرٌق) مسقِط (سقَط يسقُط) مرفِق (رفَق يرفُق) مفرِق (فَرَق يفرُق) مجزر (جَزَر يجزُر) المسكِن) (سكَن يسكُن)، المنسِك (نسَك ينسُك) المنبِت (نبَت ينبُت)، المطلِع (طَلَع يطلُع) اذ اجتمع رأي العرب على جعل العين علامة الاسم، وفتح العين علامة المصدر([9])أما الأزهري([10]) فيقول: يحدث في لغة العرب ان تحتل الأسماء مواقع المصادر وتنوب عنها ومثال ذلك: ﴿ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ اذ أن «المطلع» هو اسم يقصد به المصدر (طلوع)، حاله حال المطلَع (أي المصدر). ويستشهد على ذلك برأي الكسائي والفراء([11]).

يقول قسم من البصريين ومنهم الزجاج([12]) (وهو قول مأخوذ عن سيبويه)([13]) (المطلع والمطلع) جائزان ومعناهما موضع طلوع الشمس. ويقال: «اطلعت الفجر اطلاعاً» أي نظرت إليه حين طلَع الفجر. وقال (الازهري): «نسيم الصبا من اذ يُطلعُ الفجر». ويوم طلعته الشمس أي طلَعت منه الشمس. وفي الدعاء: «طلعت الشمس ولا تطلع بنفس أحد منا» عن اللحياني([14])، أي لا مات واحد منا مع طلوعها، أراد: ولا طلَعت فوضع الآتي منها موضع الماضي. واطلَع لغة في ذلك، قال رؤبة([15]): «كأنه كوكب نجم أطلعا»([16])، والألف في نهاية كلمة (أطلعا» من مجاز الشعر. وطلاع الأرض ما طلعت عليه الشمس وطلاع الشيء ملؤه، اذ قال الخليفة عمر بن الخطاب t وهو على فراش الموت: «لو أن لي طلاع الأرض ذهباً»، وطلاع الأرض ملؤها كما في هذا القول: «طلاع الأرض ملؤها حتى يطالع أعلاها فيساويه([17]). ومعنى يطلع هنا يبلغ. وقد جاء في الحديث: «جاءنا رجل به بذاذة([18]) تعلو عنه العين([19])» فقال هذا خبر من «طلاع الأرض ذهباً» أي يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل.

قال أوس بن حجر([20])، واصفاً قوساً وغلط معجسها([21]) الذي علا الكف:

كتوم([22]) طلاع الكف لا دون ملئها

ولا عجسها عن موضع الكف أفضلا

Page 4

هذا وقد روى لنا الليث([23]) من باب الاستشهاد بأن القول (طلاع الأرض) الذي يقصد به عمر t ما طلعت عليه الشمس من الأرض وهو قول أبي عبيد([24]).

وطلع علينا فلان من بعيد أي قدم إلينا من بعيد. وطلعته أي رويته. ويقال: حيا الله طلعتك([25])، أي عسى الله أن يشرح صدرك وفرحك، وهو من قبيل الدعاء.

وطلع يطلع طلوعاً وأطلع الرجل على القوم أي هجم عليهم وهي مقتبسة عن سيبويه([26]). وطلع عليهم اتاهم. وطلع عليهم غاب عنهم وهو من الأضداد. وطلع عنهم أي غاب أيضاً عنهم، وطلعة الرجل أي شخصه وما طلع منه. وتطلعه: نظر إلى طلعته نظر حب أو بغضة أو غيرها. وفي الخبر عن بعضهم: تطلعه العين صورة. وطلعَ وطَلَعَ طلوعاً (الجبل): رقية وعلاه (بالكسر والفتح). وفي حديث السحور: «لا يهدينكم([27]) الطالع، يعني الفجر الكاذب».

طلعت سن الصبي: بدت شباتها([28]). كل باد من علو طالع. وفي الحديث: هذا يسر قد طلع اليمن أي قصدها من نجد([29]). وأطلع رأسه: أشرف على شيء، كذلك اطلع واطلع غيره وأطلعه، والاسم الطلاع. واطلع على باطن أمره: (من باب افتعل)، واطلعه على الأمر: علمه به. والاسم الطلع. وفي حديث ابن ذي يزن([30]): قال لعبد المطلب([31]): أطلعتك طلعه أي اعلمتك به. والطلع بالكسر: اسم من اطلع على الشيء إذا علمه. وطلع على الأمر يطلع طلوعاً واطلع عليهم اطلاعاً وأطلعه وتطلعه: علمه، وطالعه إياه فنظر ما عنده قال قيس بن ذريح([32]):

كأنك بدع([33]) لم تر الناس قبلهم

ولم يطلعك الدهر فيمن يطالع

وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ،فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ [الصافات:54-55] ومعناه هل انتم تحبون أن تتطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار، أي أن المسلم اطلع فرأى قرينه في سواء الجحيم أي في وسط الجحيم([34]).

وجميع قراء القرآن الكريم متفقون على قراءتها: ﴿قال هل أنتم مّطّلعون،فاطّلع ﴾. واستطلع رأيه: نظر ما هو رأيه. طالعت الشيء: اطلعت عليه. وطالعه بكتبه: اطلع عليها، وتطلعت إلى ورود كتابك. الطلعة: الرؤية اطلعتك على سري، وقد اطلعت من فوق الجبل واطلعت بمعنى واحد. واطلعت في الجبل اطلع طلوعاً معناها أدبرت فيه حتى لا يواني صاحب. وطلعت عن صاحبي طلوعاً إذا دبرت عنه. وطلعت عن صاحبي إذا أقبلت عليه. قال الأزهري: «هذا كلام العرب»([35]).

وقال أبو زيد([36]) في باب الأضداد ما يلي: «طلعت على القوم أطلع طلوعاً إذا غبت عنهم حتى لا يروني، وطلعت على القوم طلوعاً إذا أقبلت عليهم حتى يروني».

قال ابن السكيت([37]): «تكون هذه العبارة صحيحة عندما نأخذ حرف الجر «على» بمعنى «عن» و«من» مستشهداً على ذلك بقوله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿([38]) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ،الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ [المطففين:1-2] معناها إذا «اكتالوا على الناس ومن الناس».

واطلع الرامي أي جاز سهمه من فوق الهدف. وقد جاء في حديث كسرى([39]): أنه كان يسجد للطالع، والطالع هو السهم الذي يجاوز الهدف ويعلوه. وقد عقب الازهري على ذلك قائلاً: «إن الطالع من السهام هو السهم الذي يقع وراء الهدف ويعدل بالمقرطس([40]). ومعنى قول كسرى أنه كان يسجد للطالع أي انه كان يخفض رأسه إذا شخص سهمه فارتفع عن الرمية. وكان يطأطئ رأسه ليقوم السهم فيصيب الهدف.

وامرأة طلعة: امرأة تكثر التطلع. يقال: امرأة طلعته قبعة([41])، امرأة تنظر ساعة ثم تختبئ([42]). يقال: «اطلعني طلِع امرك». ويقال أيضاً: «طلع الاكمة» أي ما إذا علوته منها رأيت ما حولها. ويقال: «نخلة مطلعة» أي نخلة مشرفة على ما حولها طالت جميع النخيل وكانت اطول من سائرها. ويقال: فلان طلاع الأنجد: أي غالب للأمور. وفلان طلاع الثنايا وطلاع انجد إذا كان يعلو الأمور فيقرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه. والأنجد: جمع النجد، وهو الطريق في الجبل وكذلك الثنية([43])، يقال: «فلان طلاع الثنايا» أي ركاب المشاق([44]). وطلع هذه الأرض، أي بلغها. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾ [الهمزة:7]. أي التي يبلغ المها ووجعها إلى القلوب فتحرقها([45]). والاطلاع هو البلوغ. قال الاصمعي([46]): «وما تمنيت من مال ولا عمر إلا بما سر نفس الحاسد الطلعة»([47]).

والاستطلاع بمعنى الاستشراف، كقول متمم بن نويرة([48]) t:

لاقى على جنب الشريعة لاطئاً([49])

صفوان([50]) في ناموسه يتطلع([51])

والطليعة هم القوم الذين يبعثون لمطالعة خبر العدو. وتستعمل كلمة «الطليعة» سواء للمفرد والجمع، وطليعة الجيش هو نفر من الجيش يبعث ليطلع طلع العدو. والطلع هو اسم هذا النفر من الجيش الذي هو طليعة وهو مشتق من اطلع. وفي الحديث: «إنه إذا غزا بعث بين يديه طلائع». وهؤلاء الطلائع هم قوم يبعثون ليطلعوا طلِعَ العدو([52])، (كالجواسيس» جمع جاسوس، ومشتقة من فعل جسَّ([53]).

والتجسس: اللمس باليد كالاحتساس، والحواس. قال اللحياني: تجسست فلاناً من فلان أي بحثت عنه، كتحسست، كقوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف:87]. وقيل: التجسس (بالجيم) أن يطلبه لغيره، والتحسس (بالحاء) أن يطلبه لنفسه أي يقوم به شخصياً بينما (بالجيم) أن يقوم به شخص أخر.

والطلائع أحدهم يدعى طليعة. ويمكن أن تطلق كلمة طليعة على الجماعة أيضاً كما يقصد بالطلائع الجماعات أيضاً. ويقدم الأزهري أمثلةً أخرى تضم هذه الازدواجية منها: الربيئة([54]) والشيقة([55]) والبغية([56]) وثلاثتها تعني الطليعة، كل لفظة منها تصلح للواحد والجماعة، واستطلع رأيه أي نظر ما عنده وما الذي يبرز عليه من أمره. واطلعتك على سري أي اظهرته لك وأعلمتك به. واطلع رأسه إذا اشرف على شيء والاسم من الإطلاع: طلاع، كسحاب، والطلوع: ظهور على وجه العلو والتملك كما في الكشاف. ويقال: أنا اطالعك بحقيقة الأمر، أي اطلعك عليه، وهو مجاز كما في الأساس. وكذا قولهم: طالعني بكتبك، واطلعت من فوق الجبل، واطلعت بمعنى واحد([57]). واستطلع: استخبر، استقصى عن الشيء فتش وبحث. واطلع على: فحص شيئاً، نفذ إلى الصميم، أي إلى عمق الشيء. وطلع: مقدار، كمية. وطلعة: مرة واحدة. ومطلع (بكسر اللام) ومطلَع (بفتح اللام) جمعها مطالع: المشرق، مطلع الشمس، محل بزوغ الشمس. مرتفع من اذ يمكن الرؤية إلى بعيد: مرقب العسس، مرصد الحرس، أو مربأ الرقباء، برج المراقبة، وطوالع الجيش: رواد القوات العسكرية([58]).

وفي اللغة الإنكليزية، فإن كلمة Reconnoiter([59]) تعني يستطلع، يستكشف، يعاين، يقدر، يمسح، يبحث عن تفاصيل أمر ما، ينقب. الذهاب إلى اقصى حد من البحث والاستقصاء والتحقق، لا سيما فيما يخص العدو وقواته وأسلحته وما يخص طبيعة ارضه وتضاريسها. وكلمة RECONNAISSANCE تعني الاستطلاع يتم بوساطة مجموعة من الأشخاص أو الكشافين، وقد تعتمد هذه المجموعة على السير على الاقدام أو باستعمال الآليات أو الطائرات أو الزوارق لمعرفة مواضع العدو والكشف على طبيعة أرضه ومعالم منطقته (كالبحيرات والأنهار والجبال الخ..) والاستطلاع بالقوة، باستعمال قوة عسكرية كافية للمقاومة والتصدي لأي عدو ممكن مواجهته([60]).

وفي اللغة الألمانية، ان كلمة «AUFKLAREN» تعني كشف، أوضح استطلع، استكشف، فهم، نور، اطلع على، وهي بصيغة الفعل. وكلمة: «AUFKLARUNG» فهي تعني «توضيح»، (استنارة»، (إطلاع»، «استطلاع»، «استكشاف». اما كلمة «AUFKLARER» فإنها تعني: «كشاف»، «مستكشف»، «مستطلع»([61]).

Page 5

الاستطلاع اصطلاحاً

1- ربَّ أفضل مفتاح للوصول إلى ينابيع الاستطلاع البدائية وأصولها هو الرجوع إلى الاحلام والرؤى.

يحدثنا القرآن الكريم عن رؤيا أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم u عندما رأى في المنام وهو يذبح ابنه اسماعيل u وكيف أنه همَّ بذبحه تنفيذاً لما استطلعه في الحلم، وإخبار ابنه اسماعيل بذلك، الذي شجعه على تنفيذ أمر الله عز وجل:﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات:102].

وفي قصة النبي يوسف مثل أخر على الاستطلاع من خلال الأحلام فلقد رأى يوسف في حلمه أحد عشر كوكباً من كواكب السماء خرت ساجدة له، كما رأى أيضاً الشمس والقمر ساجدة له مع الكواكب، وقال المفسرون أن الكواكب الأحدى عشر كانت اخوته والشمس والقمر أبواه. وكانت سنه إذ ذاك اثنتي عشرة سنة. وبين هذه الرؤية واجتماعه بأبيه وإخوته في مصر اربعون سنة([62]). ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ [يوسف:4].

اتفق المفسرون على ان رؤى الأنبياء هي وحي من عند الله، كما ذكر ذلك ابن عباس t([63]).

2- فيما يخص الأشخاص العاديين، فإن العقل الباطن يكون في اثناء النوم الطبيعي مفتوحاً لكل طارئ من الخواطر وكثيراً ما يكون مشغولاً آنذاك بمهمة التنفيس عن رغبات صاحبه المكبوتة. ويقال ان ابن سينا الفيلسوف المشهور كان إذا صعبت عليه مشكلة توضأ وصلى ثم نام فيرى حل تلك المشكلة في احلامه. ويروي مثل هذه القصة عن ديكارت([64]) فهو قد اكتشف كشوفه العظيمة وهو نائم في فراشه صباحاً حسبما قيل.

أما فيما يخص المستر (وليم جيمس) سكرتير المالية الأسبق في الولايات المتحدة، فإنه قد اعتاد أن يضع ورقاً وقلماً بجانب فراشه ليسجل به ما قد تكشف له الأحلام من حلول لمشاكله الكثيرة. ويحدثنا ابن خلدون أنه استعمل دعاء معيناً قبل النوم سماه «حالومية» فاطلع بها في نومه كما قال على أمور كان يتشوق إليها. ويعلل ابن خلدون هذه الحالومية في النائم تعليلاً نفسياً يقارب التعليل الحديث، فهو يقول: «... وإنما هذه الحالوميات تحدث استعداداً في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كان أقرب إلى حصول ما يستعد له»([65]).

3- يقول (ستيل) في كتابه (الحاسة السادسة): «... إن فارساً وجواده قد توغلا في إقليم قفر متسع الرقعة وقد اشتد بهما الظمأ، فترك العنان لفرسه يسير كما يشاء، فاتجه الفرس إلى موقع ماء كان على بعد اثني عشر ميلاً منه. وسبب ذلك أن الصورة الذهنية لهذا الماء الذي وصل إليه قد اوجدت في مخ الحصان موجة طولها كطول الموجة المنبعثة من الماء فأنساق نحو المصدر الذي تنبعث منه هذه الامواج».

كما يحكى عن «هانيبال» القائد القرطاجي الذي هزم الرومان كانت له مقدرة على قراءة فكر خصمه ومعرفة خططه. فيضع لها ما ينسفها. وكذلك «رومل» القائد الألماني المشهور في الحرب العالمية الثانية كان يؤمن بالحاسة السادسة ويستعملها في إدارة المعارك. فبينما كان قواد الانكليز يدققون ويحققون في كل خطوة يخطونها ويحسبون لكل أمر حسابه، كان رومل يباغتهم بضربة قاصمة لا تدخل في قائمة الحساب ولا تعرف تدقيقاً وتحقيقاً([66]).

4- يقع ضمن مصطلح الاستطلاع، السحر والتنجيم، ودور الكهنة والمنجمين في تحقيق الانتصارات للقادة والملوك. فعندما هزم (كورش)([67]) ملك الفرس البابليين في عهد ملكهم (بلشصر)([68]) اذ أقام حصاراً حول مدينة بابل كما أشار عليه كهنة (بل مردوك)([69]) سراً. فأمر جنوده بدخول مدينة بابل من دون قتال مستفيداً من اتفاقياته السرية مع هؤلاء الكهنة، فنجح في ذلك. وكان سبب نجاحه هذا هو استطلاعه كوامن الضعف في مملكة بابل من خلال الكهنة إذ استخدم ممارساتهم الطقسية المشحونة بالكراهية والبغضاء ضد ملكهم والتي هي أعمال سحرية([70]).

5- الاستطلاع كاصطلاح عسكري هو جهد موجه في الميدان لغرض جمع المعلومات عن العدو ومنطقة القتال لخدمة هدف استطلاع المعرفة. وتستعمل العناصر الاتية عناوين رئيسة فيه: العدو، الأرض، الطقس([71]).

وهذا يعني جمع المعلومات على مستوى التعبئة للقادة والآمرين، وكذلك على مستوى العمليات التي تتحدد في ميدان المعركة.

اما على المستوى السوقي (الاستراتيجي) فيكون من صلاحية القيادة العامة والدولة ضمن مذهب الفكر العسكري الغربي.

أمّا وجهة نظر المذهب العسكري الشرقي، فإنها تذهب إلى ابعد من ذلك فتدخل ضمن مفهوم الاستطلاع، والموقف السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي المعادي، فضلاً عن فقرات العدو، الأرض والطقس.

ويوضح ذلك مفهوم الاستطلاع المعتمد لدى الجيش المصري: (هو جميع الإجراءات التي تتخذ بوساطة القيادات للحصول على المعلومات التي تخص ما يأتي:

أ- القوات المسلحة للعدو.

ب- طبيعة مسرح العمليات المستقبلية.

ج- الموقف السياسي والاقتصادي والاجتماعي للعدو([72]).

Page 6

وعملية الاستطلاع تشمل جمع المعلومات وإيصالها إلى الجهة المختصة لتقوم بتحليلها وصولاً إلى معرفة قوة العدو ونواياه ومن ثم توزيع ذلك على الجهات المستفيدة. ويرى الفريق الركن محمد فتحي أمين «أن الاستطلاع واجب يتخذ للحصول على المعلومات بوساطة الرصد البصري أو طرق الكشف بما له علاقة بفعاليات العدو الحقيقي أو العدو المحتمل أو الحصول على المعلومات التي تخص الأنواء الجوية أو المياه الجوفية أو الخواص الجغرافية لمنطقة معينة»([73]) ونرى أنه يمكن عَدّ الاستطلاع هو جميع الإجراءات التي يتخذها القادة والآمرون وهيئات الركن وتنفذ بوساطة وحدات الاستطلاع العام والاستطلاع الاختصاصي للصنوف المختلفة للحصول على المعلومات الخاصة بالعدو والأرض والطقس لمنطقة القتال وتعتمد على مبادئ مهمة هي (السيطرة المركزية) والاستثمار المنظم، وان تكون هادفة وموقوتة، وتحقق التواصل والأمن مع الانسيابية المستمرة، يرافق ذلك الاستنتاج المنطقي([74]).

وقد يكون من الممكن في ضوء التجربة وتيسر قدر من المعلومات من تصور اعمال العدو المحتملة بشكل عام. لكن تبقى المعضلة قائمة ازاء الاسئلة التقليدية (متى يشرع العدو بأية قوة وبأي اتجاه) وهذا ما يتم الحصول عليه من خلال وضع العدو تحت المراقبة المستمرة بوساطة عناصر الاستطلاع التي تناط بها مسؤوليات وأهداف محددة لمختلف الاعماق.

6- ولما كان الاستطلاع بهذه الدرجة من الأهمية بالنسبة للقادة والآمرين في صناعة قراراتهم، فلابد من مراعاة أسس الاستطلاع الآتية([75]).

أ- تتبع مكان وتنقل أهداف الاستطلاع دائماً. وهذا يعني بضرورة تحرك عناصر الاستطلاع وفقاً لحركة هدف الاستطلاع وليس تبعاً لمكان وتنقل القوات الموالية. وقد يكون هدف الاستطلاع قطعات معادية أو عوارض أرضية أو منطقة ما. يجب أن يسمح لعناصر الاستطلاع بأقصى حرية للعمل.

ب- الأخبار بجميع المعلومات بدقة تامة. يحرص المستطلع للحصول على معلومات تستعمل في انتاج معلومات المعركة ولأجل أن تكون هذه المعلومات ذات فائدة للقائد فإنه يجب أن يتسلمها في الوقت الذي يستفاد منها. وأن تكون دقيقة في الإجابة على الأسئلة: ماذا؟ (بضمنها كم العدد؟) وأين؟ وماذا يعملون؟ يجب أن يخبر جميع أفراد الاستطلاع المعلومات الإيجابية والسلبية كافة بكل سرعة ودقة إلى مقرهم الأعلى.

ج- تجنب الاشتباك الحاسم. تحصل عناصر الاستطلاع على المعلومات بوساطة التملص حيثما كان ذلك ممكنا. ولكنها تقاتل عند الضرورة فقط للحصول على المعلومات المطلوبة. يجب عدم تعريض واجب الاستطلاع للخطر بالقتال مع العدو.

د- إدامة التماس مع العدو. يحصل على التماس بالعدو بأسرع ما يمكن عند القيام بواجب الاستطلاع للحصول على معلومات تخص قوات العدو.

هـ- يجب إعطاء الموقف بسرعة عند الحصول على التماس مع العدو أو عند الاصطدام بمانع أرضي، فعلى عناصر الاستطلاع القيام بما يأتي:

أولاً: إخبار المقر وبالوسيلة المناسبة.

ثانياً: تنفيذ الاستطلاع لكشف أماكن العدو وقوته وتأليفه ومواضعه.

ثالثاً: يجب على آمر مجموعة الاستطلاع أن ينتخب مسلكاً للعمل بعد استطلاعه لموضع العدو إذ يستطيع الحصول على أكثر ما يمكن من المعلومات.

7- وبعد هذا العرض لأسس الاستطلاع لابد من التعرف على تصنيف الاستطلاع في تاريخنا المعاصر. ويمكن تقسيم الاستطلاع بحسب المستويات التعبوية والعملياتية والسوقية (الاستراتيجية) ومن خلال ذلك تحدد المسؤوليات، فيقسم الاستطلاع إلى أربعة مستويات هي: استطلاع المعركة، والاستطلاع القريب، والاستطلاع المتوسط، والاستطلاع البعيد. وما يأتي تعريف موجز لكل منها([76]):

أ- استطلاع المعركة:

هو الجهد الموجه لجمع المعلومات عن العدو وأرض المعركة القريبة وينفذ من عناصر استطلاع الفوج أو ما يعادله والذي هو بتماس مع العدو قبل المعركة مباشرة وفي اثناءها عن طريق المراصد([77]) أو دورية الاستطلاع، والغرض من استطلاع المعركة هو تحديد أماكن مقاومات وتأليف قوات العدو التي بالتماس وكذلك عن الاحتياط الفوري القريب الكائن خلف التماس، والحصول على معلومات عن الأرض، ويكون عمق هذا النوع من الاستطلاع لغاية (3) ثلاثة كيلومترات.([78])

ب- الاستطلاع القريب:

هو الجهد الموجه من عناصر الاستطلاع في مستوى اللواء لجمع المعلومات عن منطقة الحركات التعبوية الحالية وينجز عادة في وحدات المدفعية في الوقت الحاضر وبقية الوحدات المقاتلة. تكون مسؤولية فصيل الاستطلاع في مستوى اللواء لجمع المعلومات عن العدو وحتى عمق (8) كيلومترات من الحافة الأمامية عن طريق فتح (1-2) مرصد ودفع (1-2) دورية استطلاع ودفع دورية قتال([79]) واحدة بهدف مراقبة خطوط العدو الأمامية المعقبة واحتياطات العدو ذات التأثير على المعركة بحجم اللواء ومناطق انفتاح المدفعية والأسلحة السائدة والمقرات ضمن عمق العمل المحدد بـ (8) كم. اما مسؤولية الاستطلاع بمستوى الفرقة فهي جمع المعلومات عن العدو وحتى عمق (20) عشرين كيلو متراً من الحافة الأمامية من خلال فتح (3-4) مراصد على الجبهة وبالعمق ودفع (2-3) مجموعة استطلاع عميق([80]) ودفع (2-3) دورية استطلاع بهدف المراقبة لمناطق التحشد التعبوي المعادي والاحتياطات، والمقرات التعبوية مناطق المدفعية وأية أهداف ضرورية ضمن منطقة العمل.

ج- الاستطلاع المتوسط:

هو جهد جمع المعلومات عن العدو أو عن طبيعة الأرض الواقعة خارج نطاق الخطة التعبوية مباشرة وعلى عمق (30-40) كيلو متراً من الحافة الأمامية وعليه تكون من مسؤولية كتيبة استطلاع الفيلق من خلال فتح (6-8) مرصد على الجبهة وبالعمق ودفع (6) ست مجموعات استطلاع عميق مع دفع (6-8) دوريات استطلاع بهدف مراقبة مناطق التحشد العملياتية الرئيسة ومقرات القيادة والسيطرة وشقق النزول للسمتيات وأية أهداف استطلاع أخرى حيوية، ويمكن إجراء الاستطلاع من عناصر الاستطلاع بوساطة الطائرات السمتية.

د- الاستطلاع البعيد:

يجري في المناطق التي تقع خارج ساحة التعبئة وعلى مسافة أكثر من مدى عمل عناصر استطلاع الفرقة والفيلق.

8- وسائل الاستطلاع الحديثة في جمع المعلومات: لقد تطورت وسائل الاستطلاع تبعاً للتقدم الحضاري الذي حققته البشرية في المجالات كافة وشهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين قفزات هائلة في وسائل الاستطلاع ويمكن إلقاء نظرة على ذلك من خلال السمات الرئيسة لهذه الوسائل وكما يأتي:

أ- الاقمار الصناعية.

ب- المركبات الفضائية المأهولة.

ج- منظومات القيادة والسيطرة والإنذار المبكر المحمولة جواً.

د- الطائرات الاستطلاعية.

أ- الاقمار الصناعية:

إن أروع ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة هو عملية تسخير الأقمار الصناعية التي تدور حول الكرة الأرضية في مدارات محددة وبارتفاعات معينة لأغراض المراقبة الدقيقة لكل ما يدور فوق سطح الأرض وفي باطنها وفي أعماق البحار ومن العمليات الاستطلاعية التي تقوم بها الأقمار الصناعية هي:

1- الاستطلاع التصويري: تزود الأقمار الصناعية بأرقى وأحدث ما وصلته التكنولوجيا في مجال صناعة معدات التصوير عن بعد فهي تمتاز بالحساسية الفائقة وبزيادة في أمد البؤري مع متحسسات للأشعة تحت الحمراء لها القابلية على تغطية مناطق شاسعة جداً ومن ارتفاعات تصل إلى حدود (250) كم مع قابلية على إدامة المراقبة والتصوير للأجسام المتحركة والثابتة التي لا يزيد حجمها عن (3) ثلاثة أقدام. وباستطاعة الأقمار الصناعية من التقاط صورٍ واضحة لأعمدة الإنارة في الشوارع. إن الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية ترسل لحظة التقاطها إلى اجهزة استقبال في مراكز أرضية محددة أماكنها على الأرض بشكل دقيق جداً وتستعمل هذه المراكز الحاسبات الإلكترونية التي تقوم بدورها بتسلم المعلومات الرقمية لبيانات الصور على شكل نبضات لاسلكية تترجم على الحاسبات وتحول إلى صور حقيقية لغرض الاستفادة من معلوماتها. وقد تطورت أجهزة إرسال الصور من الأقمار الصناعية إلى المراكز الأرضية باستعمال أشعة الليزر التي تزيد من سرعة الإرسال إلى مئات المرات من الموجات اللاسلكية التي من المحتمل أن تكون غير واضحة.

2- مراقبة التجارب النووية بالأقمار الصناعية: تستعمل الدول الكبرى بعض الأقمار الصناعية بشكل خاص لأغراض مراقبة التجارب النووية من خلال تسجيل النشاط الإشعاعي في الفضاء إذا كان التفجير فوق الأرض أو حتى لتسجيل النشاط النووي في باطن الأرض أو تحت الماء كما أن هذه الأقمار الصناعية لها القابلية أيضاً على مراقبة أي نشاط عسكري أو إطلاق للصواريخ وذلك من خلال الاستعمال المنظور للأجهزة المتحسسة للإشعاعات الحرارية الصادرة من المعدات العسكرية أو الصواريخ بمقارنتها مع الأشباح الأخرى على الأرض أو في الفضاء وتسجيلها كأفلام حرارية.

3- الرصد الجوي بالأقمار الصناعية: يقوم قسم من الأقمار الصناعية بالتخصص بقضايا الرصد الجوي ومراقبة الظروف المناخية للكرة الأرضية وذلك من خلال مسح شامل لمساحات شاسعة من الأرض والتنبؤ بأمور الطقس والتحذير من العواصف والأعاصير وإجراء دراسات شاملة على الظروف المناخية لأي جزء من الأرض وبحقب مستقبلية لغرض الاعتماد عليها في إعداد الخطط التنموية كالزراعة وغيرها.

4- التجسس بالأقمار الصناعية: تمتلك دول عديدة لهذا النوع من الأقمار الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. إلا أن الأولى قد استغلت الفضاء الخارجي استغلالاً ذي كفاية في زرع أقمارها الصناعية التجسسية التي تجمع لها المعلومات عن أي مكان على سطح الأرض فهي مزودة بكاميرات خاصة متطورة وأفلام حساسة وأجهزة تقوم بتحويل الصور إلى إشارات كهربائية تبث إلى الأرض وتستلم من محطات منتشرة في أماكن متعددة على الأرض وتصب جميعها في مركز رئيس مسيطر على هذه الأقمار تابع للسلاح الجوي الأمريكي ومقره في ولاية (كاليفورنيا) اذ تستلم المعلومات التجسسية في هذا المركز ويجري تحليلها واستخراجها كمعلومات ترسل إلى الجهة المستفيدة منها ولدى الولايات المتحدة الأمريكية أقمارٌ صناعية تجسسية لكل وكالة من وكلاتها المعلوماتية فمثلاً لوزارة الدفاع الأمريكية أقمارٌ تجسسية تعمل لصالحها فقط فضلاً عن الأقمار الصناعية الأخرى التي تعمل لوكالة المخابرات الأمريكية (CLA).

5- المواصلات بالأقمار الصناعية: تأخذ في الوقت الحاضر المواصلات بالأقمار الصناعية أهمية كبيرة في العالم فهناك شبكات من الأقمار الصناعية تدور في مدارات معينة ضمن ارتفاعات مختلفة تختص فقط بالمواصلات وهذه الأقمار ترتبط بمراكز أرضية مجهزة بحاسبات إلكترونية ضخمة لغرض السيطرة وتوزيع المعلومات حسب نوعها والجهة التي تستفيد منها. تقوم الأقمار الصناعية بخدمات كبيرة ضمن هذا الاختصاص ففي طريقها يتم تبادل المعلومات ضمن شبكة الحاسبات الإلكترونية الدولية (الانترنيت) التي يتم عن طريقها تبادل المعلومات التي تخدم مجالات كثيرة لخدمة البشرية فضلاً عن انه عن طريق الاتصالات بالأقمار الصناعية تعمل منظومة (GLOBAL POSITIONING SYSTEM) التي يرمز لها (G. P. S) وهي منظومة تحديد الأماكن الكونية التي عن طريقها يمكن إيجاد الاحداثيات لأي جسم على سطح الأرض وتحديد موقعه لغاية أقل من (1) متر واحد وهذه المنظومة لها استعمالات مدنية وعسكرية كثيرة جداً في الوقت الحاضر فقد دخلت ضمن منظومات توجيه الأسلحة عن بعد واستطاعت ان تؤمن دقة إصابة عالية لهذه الأسلحة كما أن هذه المنظومة لها فوائد مدنية كثيرة أيضاً وأن مبدأ عملها ببساطة يستند إلى نقطة تقاطع الأشعة المرتدة في أكثر من قمرين صناعيين تمثل مكان الجسم وتزداد دقة تحديد الموقع كلما كان عدد الأقمار الصناعية التي ترتد فيها الإشارة المنبعثة من الجسم الذي يراد تحديد موقعه أكثر وهكذا. ومن المفيد ذكره في هذا المجال أن الأقمار الصناعية الآن تتم السيطرة عن طريقها على وسائل خاصة في الدول المتقدمة اذ حققت هذه الدول قفزة كبيرة في هذا المجال([81]).

10- المركبات الفضائية المأهولة([82]): من المركبات المأهولة مركبة (مير) الروسية وهي من مخلفات الاتحاد السوفيتي وقد زارها عدد ليس بالقليل من رواد الفضاء. ولابد أن تكون لهذه الزيارات مهمات استطلاع عسكرية. ومن الواضح أنه مهما كانت إمكانية العاملين في مراكز المراقبة الأرضية فإنها لا تتمكن من الحصول على المعلومات بالقدر الذي يكون فيه الإنسان المكان والمدار نفسه ويوجه تلك الأقمار ذات التقنية العالية جداً للحصول على متطلبات تلك المراكز ورغباتها.

11- منظومات القيادة والسيطرة والإنذار المبكر المحمولة جواً: طائرات مخصصة لأغراض الإنذار المبكر عن طائرات الضرب للعدو والسيطرة على عملية التوجيه الراداري لطائرات التصدي وقد تضاف إليها منظومات لغرض الاستطلاع الإلكتروني ومنها (E-2c وE-3) الأمريكية والنمرود البريطانية و(126-Tu) الروسية، وهذه الطائرات عبارة عن رادارات مطورة محمولة جواً على هذه الطائرات المخصصة لهذه الغاية. كما يمكن أن تقوم هذه المنظومات برصد القواعد الجوية المعادية ومراقبة التمارين والمناورات ذات الأهمية وكشف تحركات الأهداف البحرية، والأهداف الأرضية ذات الأهمية السوقية([83]).

12- الطائرات المستعملة للاستطلاع السوقي: وهي طائرات مصممة خصيصاً للاستعمال في دور الاستطلاع السوقي التي تتمكن من القيام بالاستطلاع في أعماق بعيدة وعلى ارتفاعات عالية جداً متجنبة الدفاعات الجوية وهي مزودة بأجهزة تصوير ومعدات ذات تقنية عالية جداً وحساسة اذ يمكنها التقاط الصور ليلاً ونهاراً ومنها:

أ- الطائرة (U. 2). طائرة أمريكية الصنع استطلاعية تجسسية وهي بعيدة المدى، ودورها القيام بأعمال التجسس والتصوير الجوي السوقي من ارتفاعات عالية وبدقة كبيرة. مداها يزيد على (4000) ميل وعلى ارتفاع (90000) قدم.

ب- الطائرة بلاك برد (SR-71). طائرة أمريكية الصنع استطلاعية تجسسية، تحلق على ارتفاع (80000) قدم وتصل سرعتها إلى اكثر من ثلاثة أضعاف سرعة الصوت ومداها يزيد على (3000) ميل.

ج- طائرة ميك 25. طائرة روسية الصنع وتعد الطائرة الاستطلاعية الرئيسة في روسيا للقيام بمهام الاستطلاع السوقي سرعتها تعادل ما يقارب ثلاثة أضعاف سرعة الصوت. مداها (1650) كم أقصى ارتفاع (80000) قدم([84]).

13- يتضح مما تمت الإشارة إليه في تصنيف الاستطلاع في العصر الحديث أن عملية الاستطلاع تتكون من حلقات متعددة تؤلف بمجموعها سلسلة منتظمة تؤمن متطلبات القادة والآمرين سواء في مرحلة قيامهم بالاستحضارات للمعركة وصناعة قراراتهم أو عند تطور صفحات المعركة من خلال معلومات حلقات الاستطلاع التي أهمها استمرارية وضع العدو وفعاليته تحت المراقبة لتأمين المعرفة المبكرة بنوايا العدو وتجنب مباغتته لنا.

Page 7

الفصل الثاني : الأهمية العامة للاستطلاع

إن غاية كل استطلاع بصورة عامة هو جواب عن سؤال ذي صلة بأمر مجهول. خلق الإنسان وفي فطرته نزوع إلى معرفة المجهول. وهذه نعمة من لدن الباري عز وجل كي لا يكون الإنسان جامداً إذ لا يدري عن مكونات ذاته وما يحيط به من أسرار بل يصبح ذا ديناميكية مستمرة في المبادرة والإبداع. إذ يأمر الله تعالى البشر بالتأمل والتفكر بما يحيط بهم في هذا الكون العريض ليكشفوا عن بعض ما قدر فيه وفي ذوات أنفسهم من مقادير.

كما ورد في القرآن الكريم ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53].

إنه وعد الله لعباده –بني الإنسان- أن يطلعهم على شيء من خفايا هذا الكون ومن خفايا أنفسهم على السواء. وعدهم أن يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. هذا الدين وهذا الكتاب وهذا المنهج. ولقد صدقهم الله وعده، فكشف لهم عن آياته في الآفاق، من خلال القرون الأربعة عشر التي تلت هذا الوعد وكشف لهم من آياته في أنفسهم وما زال يكشف لهم في كل يوم عن جديد.

لقد عرف البشر أن أرضهم التي كانوا يظنونها مركز الكون ان هي إلا ذرة صغيرة تابعة للشمس وعرفوا أن الشمس كرة صغيرة منها في الكون مئات الملايين وعرفوا طبيعة أرضهم وطبيعة شمسهم. وعرفوا الكثير عن مادة هذا الكون الذي يعيشون فيه. عرفوا أن أساس بناء هذا الكون هو الذرة وعرفوا أن الذرة تتحول إلى شعاع وعرفوا إذن أن الكون كله من إشعاع في صور شتى هي التي تجعل منه هذه الأشكال والأحجام. وعرفوا الكثير عن كوكبهم الأرضي الصغير. وعرفوا أنه كرة أو كالكرة وعرفوا أنه يدور حول نفسه وحول الشمس، وعرفوا قاراته ومحيطاته وأنهاره وكشفوا عن شيء من باطنه وعرفوا الكثير من المخبأ في جوف هذا الكوكب من الأقوات. ولم تكن فتوح العلم والمعرفة في اغوار النفس بأقل منها في جسم الكون. فقد عرفوا عن الجسم البشري وتركيبه وخصائصه وأسراره الشيء الكثير. عرفوا عن تكوينه وتركيبه ووظائفه وأمراضه، وغذائه وتمثيله، وعرفوا عن أسرار عمله وحركته ما يكشف عن خوارق لا يصنعها إلا الله. وعرفوا عن النفس البشرية شيئاً أنه لا يبلغ ما عرفوه عن الجسم لأن العناية كانت متجهة بشدة إلى مادة هذا الإنسان وآلية جسمه أكثر مما كانت متجهة إلى عقله وروحه([85]). وهكذا نرى أن هذا المنهج الاستطلاعي يقع في فطرة الإنسان القائمة على البحث والتقصي المستمرين لكشف الأسرار والوقوف على حقائقها والذي يمكن عده منهجاً استطلاعياً معرفياً.

يتناول القرآن الكريم هذا الموضوع مرةً أخرى حاثاً الإنسان على التفكر للوصول إلى أسرار الكون عن طريق الاستطلاع المعرفي لتدبر عظمة خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار من ظلام إلى نور ومن نور إلى ظلام، إن هي إلا شواهد وبينات لأصحاب العقول يدركون أن خلقها لم يأت عبثاً بل جاء عن حكمة ربانية هادفة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ،الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:190-191]. إن هذا التعبير في هذه الآية القرآنية الكريمة يرسم لنا صورةً حيةً من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون بالليل والنهار ومشهد السماوات والأرض ومشهد اختلاف الليل والنهار لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا. لو تلقيناه كمشهد جديد تتفتح عليه العيون أول مرة، لارتعشت له رؤانا ولاهتزت له مشاعرنا ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تناسق لابد من يدٍ تنسق ووراء ما فيه من نظام لابد من عقل يدبر ووراء ما فيه من أحكام لابد من ناموس لا يتخلف وأن هذا كله لا يمكن أن يكون خداعاً ولا يمكن أن يكون جزافاً ولا يمكن أن يكون باطلاً. ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع أن نعرف أن الليل والنهار ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس ولا أن تناسق السماوات والأرض مرتكز إلى (الجاذبية) أو غير الجاذبية. هذه فروض تصح أو لا تصح، وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجيبة الكونية واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها([86]).

تأسيساً على ما تقدم وتأكيداً على أن الإنسان مجبول بفطرته على حب المعرفة وكشف أسرار الكون، نجد أن في مسيرته عبر التاريخ تطلع مستمر ومتجدد لحل ألغاز ما يحيط به من الكائنات.

اذ نرى الإنسان تارةً يبحث في العلوم الفقهية وطوراً في الأصول الفلسفية، ومرةً في الاكتشافات الجغرافية وأخرى في الأبحاث العلمية وأخرى في الجانب العسكري.

Page 8

العلوم الفقهية والاستطلاع

لقد احتلت العلوم الفقهية مكانةً بارزةً في التاريخ العربي الإسلامي وصولاً إلى دقة تفسير ما جاء في القرآن الكريم ودقة وصحة الحديث النبوي الشريف اذ نجد أن رواة الحديث الشريف أمضوا وقتاً طويلاً ومعاناة شديدة من أجل معرفة دقة وصحة هذه الأحاديث الشريفة قاطعين المسافات الطويلة من بلد إلى بلد متجشمين عناء السفر من أجل الحصول على الحديث المتواصل كما فعل الإمام البخاري([87]) رحمه الله. وقد قال عن نفسه: ما وصفت في كتابي (الصحيح) حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وقال بكير بن نميرة: كان محمد بن اسماعيل يصلي ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة فلما قضى صلاته قال انظروا أيش هذا الذي أذاني في صلاتي فنظروا فإذا الزنبور قد ورمه في سبعة عشر موضعاً ولم يقطع صلاته([88]). وهذا ما يدلل على درجة خشوعه وورعه عند قيامه بتأدية الصلاة. وقال الغريري: سمعت محمد بن أبي حاتم وراق محمد بن إسماعيل قال: سمعته يقول ذاكرني عمرو بن علي بحديث فقلت لا اعرفه فسروا بذلك وصاروا إلى عمرو بن علي فقالوا له ذاكرنا محمد بن اسماعيل بحديث فلم يعرفه. فقال عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث([89]).

وقال عبد الله بن احمد بن حنبل: سمعت أبي يقول ما اخرجت خراسان مثل محمد بن اسماعيل. وقال الفضل بن العباس الرازي: رجعت مع محمد بن اسماعيل مرحلة وجهدت الجهد على اجيء بحديث لا يعرفه فما أمكنني. وقال صالح بن يسار: سمعت نعيماً بن حماد يقول محمد بن إسماعيل فقيه هذه الامة. وقال الحاكم: سمعت أبا الطيب يقول سمعت ابن قريحة يقول ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث الرسول ﷺ ولا أحفظ من البخاري([90]).

مما تقدم نرى أهمية ومنزلة البخاري رحمه الله في دقته وجهوده غير الاعتيادية في التمحيص والتحقق في تثبيت أحاديث الرسول ﷺ. وما شهادات الذوات الذين مرَّ ذكرهم إلا دليلاً على عبقرية وتميز محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله. وبذلك يستحق هذا الرجل الأمين المنزلة التي يتمتع بها على مر العصور بما له علاقة بالأحاديث النبوية الشريفة. وهذه هي إحدى الممارسات الاستطلاعية التي ساعدت على فرز الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الموضوعة.

ومن رواة الحديث النبوي الشريف الثقاة هو مسلم([91]). حصل لمسلم في كتابه (صحيح مسلم) حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله إذ أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن اسماعيل، وذلك لما اختص به في جمع الفرق وجودة السياق والمحافظة على اداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية. قال شيخه محمد بن عبد الوهاب الفراء: كان مسلم من علماء الناس وأوعية العلم([92]).

وهكذا نجد أن الإمام مسلم قد خدم الفقه الإسلامي شأنه شأن الإمام البخاري. فكلاهما يعدان من المصادر التي يعول عليها للأحاديث النبوية الشريفة. وكان عملهما يمثل نوعاً من الاستطلاع الفقهي كلفهما وقتاً طويلاً وجهداً متميزاً في السفر والتحقق في جمع هذه الأحاديث النبوية الشريفة التي تأتي منزلتها بعد منزلة القرآن الكريم.

Page 9

s,الأصول الفلسفية والاستطلاع

إن اصول الاستطلاع الفلسفي تنطلق من البحث في وجود الله الباري ووحدانيته. فلو قال أحدهم أن هنالك الهين، ينتج عن هذا احتمالان: الاحتمال الأول أن هذين الالهين متفقان في الخلق، إذن فهما إله واحد. الاحتمال الثاني، أنهما مختلفان وهذا يناقض فعل الخلق، لأن لو أن أحدهما أوجد لأفنى الآخر، وهذا يناقض الشيء المخلوق فعلاً. إذن كلا الاحتمالين يؤديان إلى التوحيد. (فإن قال قائل: فما ننكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فعل قديمين؟ قيل: أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير وتمام الخلق. فقلنا: لو كان المدبر اثنين لم يخلُ من اتفاق أو اختلاف. فإن كانا متفقين فمعناهما واحد، وإنما جعل الواحد اثنين من قال بالاثنين. وإن كانا مختلفين كان محالاً وجود الخلق على التمام والتدبير على الاتصال، لأن المختلفين فعل كل منهما خلاف فعل صاحبه، بأن احدهما إذا أحيا أمات الآخر، وإذا أوجد أحدهما أفنى الآخر. فكان محالاً وجود شيء من الخلق على ما وجد عليه من التمام والاتصال)([93]).

وقد قال عز وجل في محكم كتابه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء:22]. وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون:91].

Page 10

الاكتشافات الجغرافية والاستطلاع

تعد الاكتشافات الجغرافية من الأنشطة الاستطلاعية اذ أن المكتشفين الجغرافيين بجهودهم التي يبذلونها في أغراض منها اكتشاف مناطق جديدة من الكرة الأرضية والإحاطة بطبيعة التضاريس بما فيها من جبال ووديان وأنهار وبحار وصحارى وغيرها. وما يتعلق بأحوال السكان وظروف بيئاتهم المختلفة. وكانت رحلاتهم الجغرافية مليئة بالمغامرات ومحفوفة بالمخاطر لعدم تيسر الاتصالات آنذاك بينهم وبين قواعد انطلاقهم، ومن هؤلاء الجغرافي الشهير الادريسي([94]). نشأ محمد بن محمد بن عبد الله الادريسي في أصحاب (روجار) الفرنجي صاحب صقلية وهو روجار الثاني (Rojer II).

وكان الادريسي من كبار الجغرافيين العالميين معروفاً برسمه لخارطة العالم القديم. فضلاً عن ذلك كان الادريسي أديباً وشاعراً وظف شعره في خدمة الجغرافية، وهذه بعض الأبيات من شعره يصف رحلاته ومغامراته الجغرافية:

ليت شعري اين قبري

ضاع في الغربة عمري

لم ادع للعين ما تشتاق

في برِ وبحري

لم اجد جاراً ولا داراً

كما في طي صدري

فكأني لم أسر إلا

بميت أو بقفر([95])

ومن الجغرافيين المشهورين أبن بطوطة([96]) المعروف بالرحلات الكثيرة التي قام بها، وظل يجوب أقطار الأرض، منذ أن كان في سن الثانية والعشرين حتى أشرف على الخمسين. وقد زار خلال رحلاته معظم أجزاء العالم القديم المعروف آنذاك ما عدا القسم الأوربي، مما حقق له تفوقاً على جميع رحالة القرون الوسطى.

ولا يكاد يدانيه في اتساع رحلاته سوى (ماركو بولو) الرحالة البندقي المشهور. وقد قطع في رحلاته نحو مئة وخمسة وسبعين ألف ميل والتي تساوي مئتين وثمانين ألف كيلو متر. وقد ساح في جزيرة العرب شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً فزار نجداً والحجاز والبحرين وعمان وحضرموت واليمن وطاف في أرجاء العراق ومصر وبلاد الشام وأقطار المغرب العربي وساحل أفريقيا الشرقي وتجول في بلاد فارس والأناضول وأواسط آسيا وتركستان والحوض الادنى لنهر الفولغا. وكاد يشد الرحال إلى سيبريا لولا اعتقاده بقلة الجدوى من ذلك. ثم اتجه إلى أقطار الشرق الاقصى، فأقام في بلاد الهند زمناً ثم تجول في الساحل الجنوبي الغربي للهند. ومكث ما ينيف على عام ونصف في جزر المالديف. ثم تنقل بين جزر الهند الشرقية، وزار الملايو ورحل إلى جنوب الصين. ولما عاد إلى موطنه بعد غيبة قاربت الثلاثين عاماً، حن إلى السفر ثانيةً فقام برحلة قصيرة إلى الاندلس. ولم يكد يستقر في فاس بعض الوقت حتى عبر الصحراء الكبرى متجهاً إلى السودان. وقد امتاز ابن بطوطة عن بقية الرحالة بإدلائه أحكاماً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل بلد مر به، عن خبرة ومعرفة([97]).

نستنتج مما ذكر آنفاً أن ما قام به الرحالة أبن بطوطة يقدم مثلاً عملياً على تنفيذ الاستطلاع الاستراتيجي لما غطته رحلاته من بقاع واسعة في مشارق الأرض ومغاربها. ولابد من تثمين هذا الجهد الاستثنائي عالياً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المدة التي استغرقتها رحلاته وما توصل إليه من معلومات ثمينة ولو أننا لا تتوافر لدينا تفاصيل عن الوسائل التي استعمالها في أسفاره وعن مرافقيه الذين شاركوه في هذه الرحلات لتسهيل مهمته في تحقيق هذا الإنجاز العظيم. ومن جملة الصعوبات المحتملة هي كيفية معرفته بتلك البلدان من اذ الطوبوغرافيا وأحوال السكان والتي تعتمد أساساً على إلمام عميق بلغات تلك الأقوام.

ومن الجغرافيين المشهورين عالمياً هو (كريستوف كولومبس) مكتشف أمريكا. هو من أعظم رجال البحرية. ولد سنة 1451م وتوفي سنة 1506م. ان كريستوف كولومبس لم يكن يهدف من رحلته أن يبرهن أن الأرض كروية، ولا كان يريد اكتشاف أمريكا، بل كان يحاول بكل سهولة أن يجد طريقاً بحرياً قصيراً للوصول إلى بلاد الهند. كان كولومبس يتوقع أنه لو سار مسافة أربعة آلاف وأربعمئة كيلو متر غرباً بمحاذاة جزر كاناري للوصول إلى الجزر اليابانية فلربما عدَّه سكانها الاصليين رئيساً لهم واتخذوه زعيماً. لقد قدر كولومبس خطأ حجم الكرة الأرضية وعرض المحيط الأطلسي. لقد بدأ رحلته من إسبانيا في الثالث من آب عام 1492، وبعد تسعة أيام وصل جزر الكناري، وثم اتجه غرباً. وفي العاشر من تشرين الأول من السنة نفسها وافق طاقمه على مواصلة الإبحار لمدة ثلاثة أيام.. وبعد ثمان وأربعين ساعة رست سفنهم على ساحل خليج (فرناندس) وبذلك أصبح كولومبس مالكاً لعالم جديد. لكنه اعتقد أن ذلك المكان هو جزيرة من الجزر الهندية القريبة من اليابان أو الصين. لقد عرف الناس خلال ثلاثين سنة أن كولومبس كان على خطأ من اذ اعتقاده أنه وصل اليابان أو الصين بينما هو قد اكتشف قارة جديدة هي أمريكا وهي ما عرف فيما بعد بالعالم الجديد([98]).

إن رحلة كريستوف كولومبس هي مثل فريد من نوعه عن مكتشف يكتشف قارة كبيرة بالصدفة. بالنسبة له كان يريد أن يجد طريقاً قصيرة للوصول إلى الهند فوجد نفسه فجأة في عالم جديد تطؤه قدم أجنبية لأول مرة في التاريخ. وهذا يمثل إنجازاً استطلاعياً ضخماً رغم كون المستطلع لم يكن يقصد البحث عن هذا الهدف بالذات.