eKtab
EN ع
الاتحاد الأوروبي كظاهرة إقليمية متميزة
Read free sample

الاتحاد الأوروبي كظاهرة إقليمية متميزة

by د. مخلد عبيد المبيضين

Page 1

مقدمة

لقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين تجارب متنوعة هدفها تحقيق التكامل والاندماج الإقليمي في مناطق متنوعة من العالم، ولكن التجربة الأوروبية هي وحدها التي استطاعت أن تفرض نفسها، وأن تحتل موقعا فريدا ومتميزا بين جميع هذه التجارب. ويرجع هذا التميز إلى عدة أسباب، من أهمها: حجم الإنجازات التي حققتها التجربة الأوروبية، وكذلك خصوصية المنهج المستخدم في بناء العملية التكاملية ذاتها. ويكاد يجمع معظم الباحثين والمتخصصين، إن لم يكن جميعهم، على أن تجربة التكامل والوحدة في أوروبا تعتبر أهم وأنجح تجارب التكامل الإقليمي على الإطلاق، وأغناها بالدروس المستفادة. وذلك لأن هذه التجربة قد أكدت وبالدليل الواضح المستمد من الممارسة العملية، على أن نقل نمط العلاقة بين مجموعة من الدول المتجاورة إقليميا وغير المتجانسة ثقافيا، من حالة التشتت والصراع إلى حالة التعاون والتكامل وصولا إلى الوحدة، هو أمر ممكن، بشرط توافر ظروف وعوامل دولية وإقليمية ومحلية خاصة. وبخاصة بعد أن استطاعت هذه التجربة أن تبتكر من الأدوات والتقنيات والآليات ما مكنها من مواجهة عوامل وظروف التنافر وعدم التجانس، والتي كانت قد أفشلت الكثير من محاولات التكامل والاندماج الإقليمي في العديد من مناطق العالم، سواء من سبقت التجربة الأوروبية أو جاءت بعدها.

ولقد تطورت هذه التجربة الأوروبية في التعاون والتكامل الإقليميين على مدى أكثر من نصف قرن إلى أن أصبحت على مشارف وحدة سياسية تضم غالبية الدول الأوروبية. وقد كانت هذه التجربة الحديثة في ختام حركات توحد بين العديد من الولايات الأوروبية سواء بالتراضي أو بالضم القهري الذي تسبب في حروب متتالية، التي كان أكثرها قسوة الحربين الكبيرتين واللتان امتدت نيرانهما إلى العالم كله. وقد اجتهد عدد من المفكرين في صياغة ما يرونه أفضل السبل إلى تحقيق وحدة أوروبية. فتطور التجربة قد أفرز أوضاعا جديدة تفتح أبوابا أخرى للتحليل ولاختلاف الرأي.

فلقد تمكن الاتحاد الأوروبي من إنجاز كل ما أمكن تحقيقه، وذلك بفضل بنية مؤسسية وتنظيمية جعلت منه نظاما سياسيا وقانونيا ذا طابع مميز وخاص؛ فهو فاعل دولي له خصائص وسمات فريدة، يشكل ظاهرة ونظاما سياسيا وقانونيا يختلف عن كل أشكال النظم السياسية والقانونية المعروفة عن الفاعلين الدوليين. فهو لا يشكل دولة، وإن كان نظامه السياسي والقانوني يتصف ببعض الخصائص التي لا توجد إلا في الدول الفدرالية أو التعاهدية. وليس هو بمنظمة دولية حكومية، وإن كان نظامه السياسي والقانوني يتسم ببعض السمات والخصائص التي لا توجد إلا في المنظمات الدولية الحكومية، وليس هو بالطبع منظمة دولية غير حكومية، لأنه كيان دولي حكومي قام باتفاق إرادي بين الدول والحكومات الأوروبية المختلفة. وذلك بعد ظهور أشكال ومؤسسات مهمة للتعاون والاعتماد المتبادل بين الوحدات الدولية، وكذلك ظهور الكثير من المسائل والقضايا التي يتطلب حلها أشكالا متعددة من التعاون الدولي.فنحن هناء أمام ظاهرة إقليمية متميزة، تدعى الاتحاد الأوروبي، الذي يعد ثمرة هذا الجهد الأوروبي المتواصل منذ أكثر من نصف قرن.

أهداف الدراسة وأهميتها:

تنبع أهمية دراسة الاتحاد الأوروبي كظاهرة إقليمية متميزة من عدة مبررات كان لا بد من الحديث عنها، وكما يلي؛ أولا: تعد تجربة الاتحاد الأوروبي من أكثر التجارب التكاملية والاندماجية([1]) الإقليمية نجاحا. فدراستها مطلوبة من أجل التعرف على العوامل والأسباب التي ساهمت في تحقيق هذا النجاح على المستويين الداخلي والخارجي. ثانيا: وجود بعض النقص في الأدبيات العربية، التي تناولت الحديث عن هذه الظاهرة الإقليمية غير واضحة المعالم في جوانبها المختلفة. فالحاجة كبيرة إلى دراسة موضوعية للتجربة الأوروبية بكل أبعادها المختلفة، علما بأن معظم الدراسات العربية التي تناولت تجربة التكامل والوحدة في أوروبا، قد تبنت، على الرغم من قلتها، مواقف وأحكاما، متأثرة إلى حد كبير بالطابع العقائدي أو الأيديولوجي، وأدت أيضا إلى الترويج لمواقف متطرفة وأحيانا متناقضة. لذا فإن الأمر يتوجب المزيد من البحث والدراسة. ثالثا: محاولة التعرف على خصوصية هذه الظاهرة ومميزاتها على الرغم من عدم نضجها والغموض الذي يعتريها في بعض جوانبها الهيكلية، حتى كتابة هذه الأسطر. رابعا: محاولة الوصول إلى العبر من هذه التجربة لتعميمها والاستفادة منها، وبخاصة في ضوء التحولات العالمية التي ظهرت منذ أواخر القرن الماضي التي ما زالت مستمرة حتى أيامنا الحاضرة.

ويبرز هدف الدراسة الأساسي من خلال تلك الاعتبارات السابقة، بالوقوف على تميز الظاهرة الإقليمية الأوروبية المتمثلة بالاتحاد الأوروبي في أبعادها التنظيمية والهيكلية، وكذلك في أهميتها كمتغير في النظام والنسق الدولي وكفاعل اقتصادي وسياسي يحاول أن يصبح قطبا دوليا فاعلا.

Page 2

أهمية الظاهرة الإقليمية في النظام الدوليوعناصر تميز الاتحاد الأوروبي كظاهرة إقليمية

يناقش هذا الفصل مبحثين؛ المبحث الأول يتحدث عن أهمية الظاهرة الإقليمية في النظام الدولي، أما المبحث الثاني، فيناقش عناصر تميز الاتحاد الأوروبي كظاهرة إقليمية.

Page 3

المبحث الأول : أهمية الظاهرة الإقليمية في النظام الدولي

لقد كتب الكثير عن الظاهرة الإقليمية([2]) باعتبارها تعبير عن موقف جماعي مستمد من عدة دول، من أجل تحقيق مصالحها وحل مشاكلها بسبب العجز لدى الدولة الواحدة عن القيام بذلك. وقد وضح ذلك بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك بعد تأسيس عصبة الأمم، والتي تم إدخال نظامها الأساسي في معاهدة فرساي 1919، التي تعد حدا فاصلا في العلاقات الدولية، وذلك باعتبارها "أول منظمة عالمية ذات صفة سياسية"، تسعى لتحقيق السلام بواسطة الحق والأمن الجماعي([3]). وقد تجاوز عدد المنظمات الإقليمية الثلاثمائة بعد زيادة نمو هذه الظاهرة، بنمو واتساع الوظائف التي تقوم بها بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أيامنا الحاضرة.

ترتبط الإقليمية بمفهوم الإقليم كركن أساسي من أركان الدولة، باعتباره إطارا جغرافيا لممارسة اختصاصات يحددها القانون، على الرغم من اختلاف الإقليمية الجديدة عن مفهوم الإقليمية الذي ذاع صيتها وانتشر في ستينات القرن الماضي، وذلك لغلبة الطابع الاقتصادي([4]).

وكما يقول بعض المختصين، فإن الإقليمية في الواقع العملي لم تشهد النور إلا في القرن التاسع عشر؛ حيث أوجد الوفاق الأوربي The Concert of Europe نواتها الأولى. أما في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، فقد كان اتحاد الدول الأمريكية Pan American Union أكثر الصيغ تعبيراً عنها. فالولايات المتحدة الأمريكية كانت وراء منظمة الدول الأمريكية التي وجدت فيها ترجمة عملية لنظرية مونرو القائلة بأن "أمريكا للأمريكيين" ولكن بوجهها الصحيح: "أمريكا للولايات المتحدة الأمريكية فقط"، وهي حتى اليوم تقوّم هذه المنظمة وتلجأ إليها وفق معيار خدمتها لمطامعها ومصالحها في القارة الأمريكية([5]). وفي المقابل، فيوجد من يرى أن التوجهات المبكرة للإقليمية قد ظهرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة التي قامت أساسا على فكرة التكتل وتقسيم العالم إلى كتلتين. وكما يقول الباحث علاوي محمد لحسن: "لقد خرجت نزعة الإقليمية من رحم هذا التقسيم (تقسيم العالم إلى كتلتين) " ([6]).

أما التنظيم الدولي العالمي الذي شهده العالم في عصبة الأمم، فقد انطلق في الأصل من تجمع إقليمي أوروبي بدأ بالوفاق الأوربي واستمر في نظام لاهاي السياسي واللجان الدولية التي أشرفت على إدارة الأنهار الدولية كالراين والدانوب، عندما كان العالم المتمدن مقصوراً على القارة الأوربية، ثم عليها وعلى الولايات المتحدة من دون غيرهما من الأقاليم التي كانت مجرد مناطق نفوذ ومستعمرات للدول التي أسمت نفسها دولاً متمدنة Civilized Nations([7]).

ويعزو البعض أسباب انتشار المنظمات الإقليمية إلى عدة ظروف ومعطيات دولية كانت قد ظهرت خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها؛ كان من أهمها مسائل التحرر القومي والتحرر من ربقة الاستعمار، وقضايا أخرى؛ فقد وجدت هذه المنظمات كتعبير عن الهوية القومية مثل منظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية. أما الإقليمية الجغرافية فهي تعنى التجاور الإقليمي في رقعة جغرافية واحدة كتجاور مصر والسودان وهو ما تعبر عنه بوضوح منظمة الدول الأمريكية ومنظمة الوحدة الإفريقية. وقد وجد البعض الأخر كتعبير عن المصلحة الوطنية أمثال وكالة الطاقة الدولية ومنظمة الدول المصدرة للنفط. ونوع أخر من المنظمات وجد من أجل تدعيم التعاون وفق حدود الانتماء الحضاري والثقافي كمنظمة المؤتمر الإسلامي([8]). فمنظمة الأمم المتحدة التي تعد المنظمة الأم لكافة المنظمات الدولية، من حيث سمو ميثاقها ألأممي في القانون الدولي العام، ومن حيث عضويتها المفتوحة لكافة الدول المستقلة, فإنها تهدف إلى أهداف كبرى تهم الأسرة الدولية مجتمعة، تتمثل بما يلي([9]):

1- ­ حفظ السلم والأمن الدوليين.

2- ­ تحقيق التعاون الدولي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة.

3- ­ الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب بلا تمييز بين البشر.

Page 4

وبذلك فقد أصبح النظام الدولي يعتمد في حركته على تعامل واسع النطاق يحدث من خلال المجموعات الإقليمية، مما يدلل على "أهمية الظاهرة الإقليمية في تشكيل حركة ومعالم النظام العالمي" ([10]).

وقد أوضح ذلك الباحث عبد الفتاح الرشدان بقوله: "انطبع النظام الدولي بشبكة من المنظمات والأنساق وأخذت تشكل التجمعات والمنظمات الإقليمية واحدة من أهم سمات المجتمع الدولي المعاصر. وذلك نتيجة الترابط والاعتماد المتبادل... بين الدول، وأخذت التنظيمات الدولية والإقليمية تكبر ويتسع دورها بقدر ازدياد الانصهار والتكامل الدولي... وبقدر التشابك والتداخل في العلاقات الدولية في كافة المجالات السياسية والإستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية" ([11]). وهذا ما يوضحه كذلك الباحث إسماعيل صبري مقلد، بقوله: إن هذه العلاقات تقوم، "على أساس من التقارب الإيديولوجي أو المذهبي، أو وحدة الاتجاهات السياسية، أو الالتفاف حول مجموعة من الأهداف المشتركة"([12]). وقد شهد العالم مؤخرا نشاطا واسع النطاق على صعيد تكوين التكتلات الاقتصادية الإقليمية سواء في إطار ثنائي أو شبه إقليمي أو إقليمي، أو تجمعات لا تكتسب صفة الإقليمية المباشرة، وإنما تجمع بين مجموعة من الدول ذات التفكير المتشابه غير نطاق جغرافي متسع تحده المحيطات؛ فمثلا في الأمريكيتين ظهرت السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية (NCMSA) عام 1991، كذلك إنشاء منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) سنة 1994 ([13]).

ومن الممكن أن ندلل على تأثر النظام الدولي بهذه الظاهرة من خلال الحديث عن الأمور التالية([14]): 1-القانون الدولي في غالبية قواعده أوروبي المنشأ؛ بمعنى أنه كان قانونا إقليميا نشأ في ظل الهيمنة الأوروبية، وقد تم نقله فيما بعد إلى المجال الدولي.

2- لقد تمخضت الكثير من القواعد القانونية الدولية عن العرف الإقليمي، ومن أمثلة تلك القواعد المتعلقة بتنظيم الحرب والحياد وقانون البحار. هذا علاوة على دور المنظمات الإقليمية في تطوير القانون الدولي.

3- دور وأهمية التنظيمات أو الحلول الإقليمية لمواجهة المشاكل الدولية، وذلك في عدة حالات؛ ومن أهمها صعوبة تحقيق فكرة الأمن الجماعي عن طريق هيئة الأمم المتحدة، مما أدى إلى سعي الدول إلى وضع ترتيبات إقليمية للأمن مثل الأحلاف العسكرية المختلفة، وكذلك معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1950 بين دول الجامعة العربية. وكذلك فإن بعض المشاكل الدولية يتم مناقشتها والتفاوض حولها من خلال المجموعات الإقليمية. وكما قال أحد الباحثين، "ولعل الاتجاه نحو الإقليمية (Regionalism) الذي انعكس في قيام تكتلات اقتصادية يمثل نوعا من التأمين ضد الحدة المتزايدة للمنافسة الدولية([15]) (1).

وعلى الرغم من أهمية هذه الظاهرة الدولية، فإن ميثاق عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة لم يضعا على وجه التحديد تعريفا محددا للإقليمية، مع أن الميثاق الأخير كان قد أقر إنشاء المنظمات الإقليمية في المادة 52 من فصله الثامن، وكما يلي: "ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام تنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين ما يكون العمل الإقليمي صالحا فيها ومناسبا ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائما مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها".

ومن جهة أخرى، فقد اختلف الفقه بخصوص تعريفه للمنظمات الإقليمية، وذلك بسبب تنوع المعايير التي يبنى عليها كل اتجاه في تعريفه لهذه الظاهرة؛ فقد ينظر إلى هذه الظاهرة من منظور جغرافي يتطلب قيام رابطة جغرافية بين الدول المنظمة للمنظمة الدولية عن طريق الجوار الجغرافي أو المجال المكاني. وكذلك قد يتم الأخذ بمعايير واعتبارات أخرى سواء أكانت سياسية أو حضارية أو مذهبية أو عرقية أو اقتصادية...الخ. وهنالك من يعرف المنظمة الإقليمية بطريقة جامعة، كالباحث محمد شوقي عبد العال، يقول: هي "هيئة دائمة نشأتها، بمعاهدة دولية، مجموعة من الدول المتجاورة جغرافيا والمرتبطة فيما بينها بروابط التاريخ والمصالح والأهداف المشتركة لتنمية علاقاتها المتبادلة والحفاظ على السلم والأمن في منطقتها" ([16]). وها هو الباحث المعروف كارل د.دوتيش يقول إن مصطلح المنظمات الدولية المتخصصة يقتصر على ما يسمى عادة "بالمنطقة"، "وهو تعبير غامض، والمنطقة عبارة عن عدد قليل من الدول يجمع بينها بعض الروابط الجغرافية والثقافية والتاريخية، أو تربطها بعض العلاقات الاقتصادية والمالية، أو تجمعها مبادئ الحرية السياسية وما أشبه ذلك من الأنظمة الاجتماعية، أو مزيج من كل هذا" ([17]).

وقد انطلق شمعون بيرس، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، من المنطلق المكاني في حديثه عن مفهوم الإقليمية، وذلك في مجال الاقتصاد الإقليمي، عندما قال إن هذا الاقتصاد ينطوي على خطوات تدريجية لإقامة جماعة تشبه إلى حد كبير الجماعة الأوروبية، "لقد كان بين الأمم الأوروبية الغربية عداء تاريخي...، وقد استطال هذا العداء ... في بعض الحالات، قرونا أكثر من النزاع بين البلدان العربية وإسرائيل. غير أن هذه الأمم الأوروبية لم تنف حق جارها في الوجود"([18]). وكأنه يطالب بضرورة تحقيق وحدة اقتصادية إقليمية خاصة بمنطقة الشرق الأوسط، يكون لإسرائيل فيها دورا رياديا في هذه المنطقة الزاخرة بالأحداث.

وبعد القيام بتحليل المحاولات المختلفة لتعريف المنظمات الإقليمية، فقد لوضحت عدة أمور، ومن أهمها([19]):

1- كل تعريف يهدف إلى وضع معيار أو يتضمن العدد الأكبر من المنظمات بين جوانبه. لذلك فإن معيار التجاور الجغرافي، على سبيل المثال، وإن كان صادقا في حالات معينة (منظمة الدول الأمريكية ومنظمة الوحدة الإفريقية...)، فإنه لا يمكن الأخذ به مثلا لمنظمة الدول المصدرة للنفط.

2- إن المنظمة الإقليمية تتضمن توافر عنصرين متداخلين؛ أحدهما يسبق الآخر ويبرره. أما بالنسبة للعنصر الأول، فيتحقق بوجود رابطة ما من روابط التعاون أو التضامن؛ حضارية، ومكانية، واقتصادية، وأمنية، ومذهبية... بين عدد معين من الدول التي تحدد لدى وجودها والتمسك بها إنشاء منظمة إقليمية. ولكن أحيانا لا تقتصر الرابطة على عدد معين من الدول، ولكنها تشمل كل الدول، فنكون هنا أمام إيجاد منظمة دولية عالمية وليست إقليمية. ومن النتائج المترتبة على ذلك، أن المنظمة الإقليمية محدودة العضوية. وبمعنى آخر، فإن المنظمة الإقليمية تعد منظمة جزئية وليست عالمية، وهذا هو العنصر الثاني الضروري لقيام المنظمة (محدودية العضوية).

وبناء على ما تقدم يمكن تعريف المنظمة الإقليمية، بأنها "تلك المنظمة الجزئية التي لا تضم في عضويتها إلا عددا محدودا من الدول، نظرا لوجود رابطة تضامن محددة تجمع فيما بينها. فمحدودية مضمون رابطة التضامن تؤدي إلى محدودية نطاق العضوية في المنظمة الإقليمية" ([20]). وبذلك تعد الإقليمية regionalism وسيلة من وسائل التعاون الدولي المخطط له، يقوم على الوحدة الإقليمية لمجموعة الدول الداخلة فيه، وغالباً ما تعرض بديلاً من العالمية الشاملة التي تعتبر وسيلة من وسائل التعاون الدولي المنظم قوامه وحدة المشكلةالإنسانية لمجموعة الدول الداخلة فيه فالإقليمية والعالمية يعدان غير الوظيفية التي تعد من وسائل التعاون الدولي المنظم قوامه طبيعة المشكلة الإنسانية لعدد الدول المنظمة إليه([21]).

ومهما يكن الأمر، فإن الكثير من الباحثين والدارسين يحددون عدة معايير تقام عليها الإقليمية، في محاولة لتعريفها، ومتضمنة اتجاهات عدة ومختلفة للإقليمية، وحسب البعد الذي يقوم عليه، وكما يلي([22]):

1- الإقليمية ذات البعد الجغرافي، التي تقوم على رابطة النطاق المكاني أو الجوار الجغرافي.

2- الإقليمية ذات البعد المذهبي أو السياسي، التي تقوم على قاعدة الجمع بين عدد معين من الدول قد لا يربط بينها تجاور جغرافي، وإنما يجمع بينها سياسة أو مذهب معين. وقد يكون "الاتحاد من أجل المتوسط" الذي أقره الاتحاد الأوروبي عام 2008 (اجتماع بروكسل 13-14 مارس)، كمنظمة إقليمية تهدف إلى تحقيق السلام والاستقرار والازدهار والتنمية بمنطقة المتوسط، كمثال على هذا النوع من الإقليمية([23]).

3- الإقليمية ذات البعد المطلق، التي لا تقوم على أساس محدد وإنما يدخل في نطاقها كل منظمة لا تتجه بطبيعتها نحو العالمية، بل يقتصر نطاق عضويتها على مجموعة محددة من الدول لها قاسم مشترك، قد يكون جغرافيا أو سياسيا أو مذهبيا.

4- الإقليمية ذات المذهب الحضاري، التي تقوم على أساس الرابط الجغرافي مع توافر عوامل أخرى تدعمه، وتكون ذات بعد حضاري تقوم على وحدة اللغة أو الثقافة أو التاريخ.

وبناء على ذلك المنطلق، فإن العناصر الضرورية لقيام المنظمة تقوم على ما يلي([24]):

أ- عنصر التجاور بين الدول الأعضاء في المنظمة؛ بمعنى الانتماء إلى منطقة جغرافية واحدة.

ب- عنصر التضامن بين هذه الدول؛ بمعنى وجود دول تشترك كرابطة وحدة المصالح العسكرية والسياسية، وكذلك وحدة المصالح الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ج- العمل المشترك من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وذلك عن طريق الأجهزة التي تكفل ذلك، وتلتزم بالتعاون في الكثير من المجالات.

د- التقاء أهداف ومبادئ المنظمة الإقليمية مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة، والتعاون فيما بينها.

وبخصوص فعالية المنظمات الدولية، فهناك اتجاه يقول إن المنظمات الدولية الإقليمية، التي تحتفظ فيها الدول الأعضاء بسيادتها كاملة، وعندما يكون الهدف من وجودها اختياري، أقل فاعلية من تلك التي تعطى سلطة فوق الدولة، مثل السوق الأوروبية المشتركة قبل عام 1993، والاتحاد الأوروبي منذ عام 1993.

أما بالنسبة للاتجاه الآخر، والذي يعد ردا على الاتجاه الأول، فيرى أن الأمر لا يتوقف فقط على مدى السلطات أو الاختصاصات الممنوحة للمنظمة الإقليمية بقدر ما يتوقف على إرادة الدول الأعضاء نحو تدعيم عمل المنظمة وتقرير رابطة التضامن فيما بينها. ويتساوى في ذلك المنظمات التي تقوم على التعاون الاختياري أو التي تستهدف مجرد التنسيق بين أعضائها أو التي يتحكم فيها سلطة فوق قومية.

فالبعض يحدد المقصود بالفعالية، بأنها قدرة المنظمة على تحقيق أهدافها، وحماية أمن أعضائها في مواجهة الآخرين ومحاولة تذليل العقبات التي تعترضها، وعدم الفعالية معناه فشل المنظمة في تحقيق أهدافها لأي سبب([25]).

وفي هذا السياق، يمكن ترديد القول بأن فعالية أي منظمة دولية تتمثل في قدرتها على التأثير الإيجابي في نطاق عملها، وفي المحيط الذي تعمل به وفيما يتعلق بجوانب أساسية ثلاثة، وهي: "1-تحقيق الالتزام بأهداف ومبادئ المنظمة وبما ترسيه عبر مسيرة حياتها من أعراف وتقاليد تحكم نشاطها ومواقفها وأساليب تعاملها مع مختلف القضايا والمشكلات التي تعرض لها، 2-إرساء قواعد التعاون والعمل الجماعي بين الدول الأعضاء وتوسيع نطاقه بشكل مستمر، 3-القدرة على حفظ السلم والأمن في النطاق الذي تعمل فيه المنظمة"([26]).

وعلى أية حال، فإن فعالية المنظمة الإقليمية لا تتوقف على مدى الاختصاصات أو الصلاحيات الممنوحة لها، بقدر ما تتوقف على رغبات وإرادات دولها في اتجاهها نحو مساندة الأعمال التي تقوم بها المنظمة، وتعزيز رابطة التضامن بين هذه الدول، سواء المنظمات التي تقوم على التعاون الاختياري يكون هدفها التنسيق بين أعضائها، أو التي تمنح سلطات فوق الدول كمنظمات الجماعة الاقتصادية الأوروبية([27]).

ولقد توصلت بعض المنظمات الإقليمية إلى مراحل أخرى من النمو سواء من حيث عدد الدول الأعضاء أو من حيث مجال النشاط أو كليهما معا، "وقد تكون المنظمات التي تكونت في أوروبا ألغربيه بعد الحرب العالمية الثانية من أهم وأكبر المنظمات الإقليمية..." ([28]).

ومهما يكن الأمر، فقد تم اللجوء إلى نظريات التكامل والنظريات الاندماجية لتفسير ظاهرة الإقليمية التي تعزز وتنتشر في كافة مناطق العالم، والتجربة الأوروبية تمثل نموذجا لنجاحها. علما بأن نظريات التكامل قد مثلت في حالات متعددة مرجعا يعتمد عليه من أجل تطوير ميادين تعاون دولية وإقليمية مثل الفلسفة التي كانت وراء إنشاء المنظمات الدولية المتخصصة بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك الحال بالنسبة لقرار إنشاء الجماعة الأوروبية في بداية خمسينيات القرن الماضي، التي تعد من أهم التجارب التكاملية نجاحا في العلاقات الدولية المعاصرة. أما فيما يتعلق بالمنظمات الإقليمية ودورها في ظل النظام التعددي التوافقي، فمن الممكن القول، إذا لم تطور هذه المنظمات من أنشطتها واختصاصاتها لكي تتخلص من فكر وأيديولوجية وأداء الحرب الباردة وما تلاها، فإنه من الممكن أن يتم تهميشها أكثر فأكثر. فيجب عليها التحول إلى مفاهيم التنمية الشاملة، وذلك بتحولها وانتقالها من مفهوم الأمن الاستراتيجي إلى الأمن والأمان الإنساني.

Page 5

ولكن التحديالذيواجهته، ولاتزال، السيادةالوطنيةلكثير من الدول يتمثلفيالنزعةالإقليميةالتي تظهر أحيانا وتختفي أحيانا أخرى. وتتجسدهذهالنزعةفيإنشاءتجمعاتإقليميةمندمجةشمال- شمال،وشمال جنوب،وجنوب بجنوب ذات صبغةتجارية بحتة (مناطق للتجارة الحرة) أو ذات صبغة تجارية-اقتصادية أو ذاتصبغةتجارية-اقتصادية-نقديةمتكاملة. حقيقة أن هذه التجمعات الإقليمية لا تمس بسيادة الدول الشريكة فيها لأنها قائمة في الأساس على أشكال من الاندماج الاقتصادي لاالسياسي. وكما يقول الباحث الشاذلي العياري، وبكلمة أخرى، " ليسهناك دول أو حكومات إقليمية موحدة ترعى برامج التعاون المشترك ضمن التجمعات المعنية. إلا أن التباين الذي يميز البلدان الشريكة من حيث بنياتها الاقتصادية أو من حيث كثافاتها السكانية أو من حيث سعة أسواقها الاستهلاكية أو من حيث قدراتها التنافسية بخاصة في التجمعات التي تضم أقطارا شمالية متقدمة وأقطارا جنوبية متخلفة كثيرا ما يؤول إلى تناقض بين المصالح الوطنية وبالتالي إلى صدام بين القرارات والخيارات الوطنية"([29]).

وعلى أية حال، فيمكن القول، إن الإقليمية لم تكن ناجحة تماماً حتى في أن تكون سنداً للعالمية، وهي أضعف من أن تكون بديلاً عنها. على الرغم من قول البعض بأن المنظمة الإقليمية تعد ظهيرة للمنظمة الدولية العالمية([30]).

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، كمنظمة إقليمية فوق قومية، فقد كان قبل كل شيء مشروع فكري تبلور في أذهان مفكرين وحكماء وفلاسفة وفقهاء ورجال قانون ومصلحين اجتماعيين، قبل أن يتحول إلى مشروع سياسي تسهم في بنائه مؤسسات تحظى بدعم رؤساء الدول والحكومات وقطاع كبير من النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مختلف الدول الأوروبية. وهذا المشروع لم يظهر فجأة في صورة نص متكامل قابل للتطبيق على أرض الواقع. بل تبلور تدريجيا وعلى مدى عقود طويلة من خلال رؤى فكرية في البداية اختلفت دوافعها وأهدافها، بحيث شكلت هذه الرؤى مخزونا أخذت منه النخبة السياسية عندما بدأت الظروف العالمية والإقليمية والمحلية تنضج، حتى دخلت معاهدة ماستريخت حيز التنفيذ في الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1993.

فأضحى الاتحاد الأوروبي مؤسسة دولية أو منظمة دولية يضم 27 دولة، تأسس بناء على معاهدة ماستريخت التي وقعت عام 1992، ولكن العديد من أفكاره موجودة منذ خمسينات القرن المنصرم. ويقوم على مبادئ نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية، لتبقى هذه المؤسسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة. فهو ليس اتحادا فدراليا، حيث إنه يتفرد بنظام سياسي فريد من نوعه في العالم. وله نشاطات عديدة على اعتبار أنه سوق موحد ذو عملة واحدة هي اليورو الذي تبنت استخدامه 13 دولة من أصل الـ 27 الدول الأعضاء، هذا إضافة إلى سياسة زراعية مشتركة وسياسة صيد بحري موحد. وقد احتفل في مارس/آذار 2007 بمرور 50 عاما على إنشاء الاتحاد بتوقيع معاهدة روما. فيعد الاتحاد الأوروبي أبرز النماذج للتكتلات الإقليمية في العالم المعاصر لكنه يتأرجح بين حالات اندماج وحالات تنافس، كما سنرى لاحقا. وكما يقول الباحث الشاذلي العياري: فإنه من" المناسب هنا أن نستأنس بالتجربة الإقليمية الأوروبية الرائدة التي تعتبر نموذجا متكاملا لتماشي الاندماج الموفق من جهة ومثالا ذا دلالة للجدلية القائمة بين السيادة الوطنيةومايمكنأننسميه بـ ''عولمة إقليمية''من جهة ثانية" ([31]) (1).

Page 6

أولا:تميز التجربة التكاملية الأوروبية

تعد التجربة التكاملية الأوروبية تجربة فريدة ورائدة سواء من حيث التنظير أو من حيث التطبيق. إضافة إلى اتصافها بقدر كبير من التنوع، وشهودها العديد من التطورات البعيدة المدى في بعديها؛ الأفقي (الجغرافي) والذي ما يزال يحتفظ بحيويته وجاذبيته، والبعد الرأسي الذي يسمح بدرجات متباينة من العمق بالنسبة لأوجه التكامل المختلفة([32]) (1). كما يعد من عناصر تميزها التنافس الواضح بين المداخل الموسسية المختلفة، الذي استقر، في نهاية الأمر وبشكل سريع على مفهوم الجماعة الاقتصادية الدائمة التطور، مع فتحه الباب على مصراعيه أمام ما يسمى بالتكامل المرن الذي يسمح بدرجات متفاوتة من عمق التكامل وباختلاف النطاقات الأفقية ضمن نفس الإطار المؤسسي.

فالسلطات التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي تتسع كثيرا كلما تعلق الأمر بالأنشطة الخاصة بالسياسات التجارية والمالية والاقتصادية، وتضيق كثيرا كلما تعلق الأمر بأنشطة تخص السياسة الخارجية والأمن والشرطة والقضاء. وهذه السلطات هي سلطات فعلية وليست شكلية، وترتب حقوقا وواجبات والتزامات حقيقية ليس فقط في مواجهة الدول الأعضاء، ولكن في مواجهة الأفراد والجماعات. وكانت العديد من النزاعات القانونية التي فصلت فيها محكمة العدل الأوروبية خلال ستينيات القرن الماضي قد حسمت مسألة الشخصية القانونية للجماعة الأوروبية بشكل لا يقبل الجدل، بحيث أصبح من المسلم به أن الاتحاد الأوروبي يتمتع بشخصية دولية مستقلة لها طبيعة قانونية خاصة، نستطيع إجمال أهم سماتها وخصائصها وملامحها، فيما يلي([33]) (1):

1- يعد الاتحاد الأوروبي كيانا قانونيا وسياسيا له بنية مؤسسية مستقلة عن الدول الأعضاء، وتؤدي وظائف ومهام تستهدف في المقام الأول تحقيق مصلحة أوروبية عامة تمس المجتمعات الأوروبية، أفرادا وجماعات على المستوى ذاته، وبحسب التصورات الواردة في المعاهدات الأساسية.

2- لقد تنازلت الدول الأعضاء طواعية وبشكل دائم عن جانب من سيادتها أكبر مما تعودت الدول أن تتنازل عنه لصالح المنظمات الدولية الحكومية التقليدية، وذلك لتمكين هذا الكيان من ممارسة مهامه وتحقيق الأهداف والطموحات التي حملته إياه قوانينه الأساسية.

3- لقد تبلور نظام قانوني لهذا الكيان مستقل عن النظام القانوني لكل دولة عضو على حدة، وذلك نتيجة تنازل الدول الأعضاء له عن جانب من سيادتها.

4- قدرة هذا النظام القانوني على أن يتخذ من القوانين والقواعد والقرارات والإجراءات، ويصدر من التعليمات ما هو قابل للتطبيق المباشر داخل جميع دول الأعضاء بدون استثناء. وكانت النتيجة ترتيب الالتزامات والحقوق ليس فقط في مواجهة الدول الأعضاء، وإنما في مواجهة المواطنين والأفراد والجماعات الذين يعيشون داخل حدود هذه الدول.

5- تكون الأولوية للقوانين الصادرة عن الاتحاد الأوروبي على القوانين المحلية للدول الأعضاء في حالة التعارض، وعليه فلا يمكن إلغاء أو تعديل القوانين الأوروبية بقوانين محلية.

ومما يجب ذكره هنا أن ما يصدر عن الاتحاد الأوروبي في شكل قواعد واجبة التطبيق تعتبر ملزمة للدول الأعضاء وقابلة للتطبيق الفوري والمباشر دونما حاجة إلى إجراءات إضافية لنقلها إلى النظم القانونية المحلية، وما يصدر عن الاتحاد في صورة توجيهات فهي، وإن كانت ملزمة أيضا، إلا أنها ليست قابلة للتطبيق الفوري المباشر، "ويمكن لكل دولة أن تطبقها وتنقلها، بطريقتها الخاصة، إلى نظامها القانوني الداخلي" ([34]) (1).

ومن ناحية أخرى، فإنه ما يميز الاتحاد الأوروبي أيضا هو الطابع الديمقراطي للاتحاد الأوروبي، الذي يجب أن يفهم في إطار خصوصية النظام السياسي لهذا الكيان، كونه أقرب إلى شكل المنظمة الدولية الحكومية منه إلى شكل الدولة. ويتجلى مبدأ الديمقراطية على أفضل ما يكون في القواعد والأحكام المكتوبة والعرفية، التي تنظم شروط العضوية. فتقتصر عضوية الاتحاد الأوروبي على الدول ذات النظم السياسة الديمقراطية. وكما هو معلوم، فإن دولا مثل أسبانيا والبرتغال واليونان لم تقبل كأعضاء في الجماعة الأوروبية إلا بعد انهيار النظم الشمولية فيها وقيام نظم سياسية ليبرالية على أنقاضها. وكذلك لم ينفتح الاتحاد الأوروبي على دول أوروبا الشرقية ويبدي استعداده لقبول عضويتها إلا بعد انهيار نظمها الشيوعية وانتصار النظم الليبرالية فيها. وكذلك الحال بالنسبة لتركيا التي ما زالت الكثير من العقبات تعترض انضمامها، ومنها عدم اكتمال مقومات الديمقراطية فيها.

وكما هو معروف، فإن أي منظمة دولية لا تستمد شرعية سلطتها من إرادة عامة يبلورها "عقد اجتماعي" مفترض يتم إبرامه بين الحكام والمحكومين، كما هو الحال بالنسبة إلى الدولة، وإنما من اتفاق سياسي إرادي مقنن في صورة "معاهدة" يتم إبرامها بين دول مستقلة ذات سيادة. ومع ذلك فقد حرص الاتحاد الأوروبي أن يؤكد طابعه الديمقراطي المميز والفريد من خلال عدد من الخصائص والسمات التي ميزته عن غيره من المنظمات الدولية التقليدية، ومن أهمها([35]) (1):

1- حرص الاتحاد الشديد على أن تكون حكومات الدول الأعضاء نفسها منتخبة انتخابا حرا يعبر عن الإرادة الشعبية كشرط أولي وأساسي من شروط العضوية نفسها.

Page 7

2- حرصت الدول الأعضاء على استفتاء شعوبها مباشرة على أي تعديلات جوهرية يتم إدخالها على المعاهدات الأساسية أو حين تعقد معاهدات جديدة تعدل من مسار الوحدة الأوروبية، وبمعنى عدم الاكتفاء بتصديق السلطة التشريعية، وذلك ضمانا لاستمرار التأييد الشعبي لمسيرة وإيقاع الوحدة الأوروبية.

3- الحرص على أن تتضمن البنية المؤسسية للاتحاد برلمانا أوروبيا منتخبا بالاقتراح المباشر تتأكد سلطاته وتتوسع صلاحياته بانتظام.

4- محاولة إشراك جماعات المصالح ومؤسسات المجتمع المدني وممثلي السلطات المحلية في بعض آليات صنع القرار، وذلك من خلال اللجنة الاقتصادية والاجتماعية ولجنة الأقاليم.

وما يميز الاتحاد من جهة أخرى، هي تلك الفلسفة التي تحكم طبيعة العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبين الدول الأعضاء فيه، والتي تختلف عن تلك التي تحكم العلاقة بين المنظمات الدولية التقليدية والدول الأعضاء فيها، من زوايا عدة؛ فقد نجح الاتحاد الأوروبي العثور على صيغة توفق بين سمتين أو خاصتين متعارضتين، لا بل متناقضتين أيضا تقوم عليهما العلاقات بين الدول، وهما: الصيغة الأولى؛ خاصية السيادة، التي تخول الدول الصغيرة قبل الكبيرة حق المطالبة بأن تعامل على قدم المساواة وأن تكون لها الحقوق نفسها وعليها الواجبات نفسها. والصيغة الثانية، هي عدم المساواة الفعلية بين قدرات وإمكانات الدول، وتنعكس نفسها في حرص الدول الكبيرة على التمتع بمزايا ومراكز قانونية تتناسب مع قدراتها وإمكاناتها الحقيقية. وقد جرت عملية التوفيق تلك باستخدام عدد من التقنيات والآليات المستحدثة والمبتكرة.

فمن ناحية، قبلت الدول الأعضاء مبدأ التناسب بين أوزانها التصويتية وأوزانها الفعلية، مما يعني الإقرار بعدم المساواة بين هذه الدول في بلورة وصنع السياسات المشتركة. ومن ناحية أخرى، فقد قبلت هذه الدول الأخذ بمبدأ التمييز بين الأغلبية المطلوبة لاتخاذ القرارات حسب نوعية الموضوعات المطروحة للتصويت واشتراط الإجماع بالنسبة إلى القرارات التي تمس سيادة ومراكز الدولة، مما يعني الإقرار بمبدأ المساواة بين الجميع في الأمور الحيوية. وبالتالي تكون الدول الأعضاء قد قبلت أن تتنازل عن جزء من سيادتها أو صلاحياتها أو اختصاصها لصالح المؤسسات الاتحادية في قضايا معينة، بينما تحتفظ لنفسها بكامل سيادتها في قضايا أخرى، مع الإيمان والتسليم في الوقت نفسه بضرورة التوسع والنقل التدريجي للصلاحيات من نطاق السيادة الفردية للدول إلى نطاق العمل التكاملي أو الاندماجي الذي تمارسه المؤسسات المشتركة للاتحاد، وذلك بطريقة منظمة ومدروسة. وتعكس البنية المؤسسية للاتحاد هذا التباين في المراكز القانونية للدول الأعضاء، وكذلك في عمليات صنع القرار وآليات التصويت. لكن موجة التوسع الأخيرة في العضوية ربما تخل بهذا التوازن وتجعل من عملية البحث عن نظام بديل أكثر تحقيقا للعدالة، قضية صعبة وهي موضع خلاف([36]).

ومن عناصر التمييز كذلك، أن البنية المؤسسية للاتحاد الأوروبي تضم ثلاثة أنواع من المؤسسات؛ المؤسسات الرئيسية لصنع القرار وتحتوي المجلس (بشقيه المجلس الأوروبي على مستوى القمة ومجلس الوزراء) والمفوضية والبرلمان، والمؤسسات والهيئات الرقابية، التي تضم: محكمة العدل الأوروبية، جهاز المحاسبات (أو محكمة المراجعين)، والأجهزة والفروع الأخرى التي بدورها تنقسم إلى قسمين؛ المؤسسات والأجهزة الاستشارية المعاونة وتشمل اللجنة الاقتصادية والاجتماعية ولجنة الأقاليم، والمؤسسات المستقلة ذات الطابع الفني وتشمل البنك المركزي وبنك الاستثمار وغيرهما.

ولقد عكست البنية المؤسسية تلك تباين واختلاف المراكز القانونية للدول من خلال تباين المقاعد المخصصة لها في بعض الأجهزة والفروع (وكما أسلفنا، فللدول الأربع الكبرى؛ مقعدان في المفوضية، ومقعد واحد لبقية الدول، أما في البرلمان، فالمقاعد مختلفة تتراوح بين 99 لأكبرها، وهي ألمانيا، وستة مقاعد لأصغرها، لوكسمبورغ. وكذلك الحال، بالنسبة لللجنة الاقتصادية والاجتماعية ولجنة الأقاليم التي يتراوح عدد المقاعد فيها بين 24 لكل من الدول الأربع الكبرى، و6 للكسمبورغ. أما بالنسبة لآليات صنع القرار، فإنها تعكس ذلك التباين؛ فللدول الأعضاء أوزان تصويتية مختلفة في المجلس بالنسبة للموضوعات التي تتخذ فيها القرارات بالأغلبية الموصوفة، وتتراوح هذه الأوزان بين 10 بالمئة للدول الأربع الكبرى، اثنين للكسمبورغ. وقد تغيرت نسب توزيع هذه المقاعد والأوزان بعد دخول الدول العشر الجديدة في الأول من أيار/ مايو 2004 كما سنرى فيما بعد.

ومن ناحية أخرى، فيلاحظ أن النظام السياسي للاتحاد الأوروبي يختلف عن النظام السياسي للدول من زوايا متعددة؛ فإذا كان بالإمكان اعتبار مبدأ فصل السلطات والتوازن بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، هو المعيار المحدد للطبيعة الديمقراطية للنظم السياسية على وجه العموم، فإننا سنجد أن هذا المعيار ليس واضحا تماما في النظام السياسي للاتحاد الأوروبي؛ يبدو وكأن هذا النظام ينطوي لأول وهلة على فصل واضح بين السلطات. فيوجد سلطة تنفيذية (ممثلة في المجلس والمفوضية)، وسلطة تشريعية (ممثلة في البرلمان)، وسلطة قضائية (ممثلة في محكمة العدل الأوروبية). وهذا الفصل ما زال شكليا إلى حد كبير، أو في مراحله الجنينية على الأقل، "ذلك أن الخلط والتداخل بين طبيعة وصلاحيات السلطات القائمة، وبالذات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، يبدو واضحا إلى درجة يتعذر معها القول بأن الاتحاد الأوروبي هو نظام سياسي يقوم على الفصل والتوازن الحقيقي بين السلطات"([37]).

فالسلطة التنفيذية موزعة بين المجلس (الشق الأوروبي والشق الوزاري) من جهة، والمفوضية من جهة أخرى، حيث ينفرد كل منهما بمنطقة صلاحيات خاصة، مع وجود منطقة صلاحيات مشتركة في الوقت نفسه. فالمفوضية ليست هيئة منتخبة ولكنها هيئة معينة من جانب حكومات الدول الأعضاء. ومع كل ذلك فإنها تمارس عملها في استقلال شبه كامل عن مجلس الوزراء، وبالنتيجة فهي سلطة لها سمات بيروقراطية خاصة تجعلها أقرب ما تكون إلى حكومة "موظفين" منها إلى حكومة "تمثيلية"، بمعنى حكومة بالمعنى السياسي للكلمة. وما زال المجلس يمارس صلاحيات تشريعية واسعة على الرغم من التزايد المطرد للدور التشريعي للبرلمان. وأما السلطة الوحيدة المستقلة التي تمارس دورها في استقلال فهي السلطة القضائية ممثلة في محكمة العدل الأوروبية.

أما المجلس، فكان يتمتع بسلطات وصلاحيات تمكنه من أن يصبح في النهاية هو صانع القرار والمحدد الرئيسي للقواعد العامة وللوائح والضوابط التي تشكل في مجملها القانون الواجب التطبيق على الجماعة الأوروبية. وكما يقال، فصحيح أن نطاق السلطات والصلاحيات المخولة للبرلمان الأوروبي أخذت تتسع، بشكل تدريجي ومطرد جعل منه شريكا فعليا في عملية صنع القرار، ولكن كفة المجلس ما تزال حتى الآن، هي الأرجح والأكثر ثقلا. فالمجلس، مثلا لا يكتفي باقتراح مشروع ميزانية الاتحاد، وإنما يشارك كذلك مع البرلمان الأوروبي في إقرار هذه الميزانية.

ومن زاوية أخرى، يجب ملاحظة أن البرلمان الأوروبي (حتى الآن) لا يتمتع بسلطات تشريعية حقيقية. وعلى ما يبدو فإن سلطاته تبدو رقابية أكثر منها تشريعية، بمعنى أن جوهر السلطة التشريعية ما يزال في أيدي المجلس والمفوضية معا. وإذا كانت المفوضية تبدو (ولو من الناحية النظرية) مسؤولة أمام البرلمان الأوروبي، فإن المجلس ليس، ولا يمكن أن يكون كذلك. وأيضا من ناحية أخرى، كانت معاهدة نيس قد سعت في الوقت نفسه، وبسبب الزيادة المتواصلة في عدد المفوضين، لتوسيع سلطات وصلاحيات رئيس المفوضية ليكون له حق مطالبة أي من الأعضاء بتقديم استقالته وقبولها بعد موافقة هيئة المفوضين على ذلك. وقد عد هذا الإجراء مكملا وضروريا للمبدأ الذي أقرته معاهدة روما، واستقر بعد ذلك في كل المعاهدات التالية، مما يجعل المفوضية مسؤولة سياسيا أمام البرلمان. وطبقا لهذا المبدأ، فقد أصبح للبرلمان الأوروبي، وبأغلبية ثلثي المشاركين في التصويت والأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، الحق في سحب الثقة من المفوضية، وهو ما أكد عليه (مشروع) الدستور أيضا.

ومن مجالات التميز بالنسبة للتجربة الأوروبية، هو محاولة ممارسة الدور المستقل على الساحة الدولية (في سياستها الخارجية): لقد تمتعت الجماعة الأوروبية منذ نشأتها (تأسيسها) بشخصية قانونية دولية مكنتها من ممارسة دور مستقل على الساحة الدولية. ولكن هذا الدور طرأ عليه تحول كبير سواء من حيث طبيعته ومضمونه، أو من حيث طريقة ممارسته والنهوض به. وقد توافق هذا التحول مع تطور العملية التكاملية والاندماجية نفسها. وقد بقي الدور الخارجي للجماعة الأوروبية قاصرا إلى حد كبير، وعلى مدى سنوات طويلة نسبيا، على إدارة العلاقات التجارية مع العالم، ثم أخذ نطاق هذا الدور يتسع تدريجيا ويمتد ليشمل، إضافة إلى إدارة العلاقات التجارية للجماعة، جوانب أخرى من العلاقة مع العالم الخارجي إلى أن بدأت تظهر للاتحاد الأوروبي ملامح "سياسة خارجية" تحاول جاهدة أن تغطي جوانب العلاقات الدولية.

وعلى أية حال، فإن عملية التحول من "إدارة العلاقات التجارية" إلى "إدارة الشؤون الخارجية" كانت ولا تزال عملية صعبة وشاقة تتسم بالبطء وتحيط بها الكثير من العقبات. وبالتالي، فهي عملية ما تزال جارية فلم تكتمل بعد، لأنها لم تحقق هدفها النهائي وهو الوصول بالاتحاد الأوروبي إلى الوضع الذي يجعله قادرا على رسم وتنفيذ سياسة خارجية موحدة يقوم بها باسم الدول الأعضاء وبالنيابة عنهم، بما في ذلك سياسة الدفاع والأمن. فدول الاتحاد الأعضاء ما تزال تحتفظ بمعظم الصلاحيات التي تمكنها من رسم وتنفيذ سياساتها الخارجية في استقلال شبه كامل، وبخاصة فيما يتعلق بمسائل الأمن والدفاع. وبالنتيجة فإنه توجد سياسات خارجية متعددة لهذه الدول، لا بل قد تتعارض في كثير من الأحيان. ومن هنا يمكن القول إنه مازال أمام الاتحاد الأوروبي طريق طويل صعب وشاق قبل أن يصبح قادرا على الحلول مكان الدول الأعضاء في إدارة العلاقات الخارجية لهذا الاتحاد، وهو الشيء الذي من الصعوبة ادعاؤه بأن له سياسة خارجية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. ومع ذلك كله، من الممكن التمييز، في ظل هذه المرحلة الراهنة من تطور عملية التكامل والاندماج الأوروبي، بين ثلاثة مستويات مختلفة لصنع وتنفيذ السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي([38]):

1- المستوى الأول، يتعلق بالمجالات التي يمارس الاتحاد الأوروبي بخصوصها "سياسة خارجية موحدة" يديرها منفردا نيابة عن جميع الدول الأعضاء ولحسابهم، ومن خلال مؤسسات مشتركة تحل محل الدول وتمثلها على الصعيد الدبلوماسي الخارجي، وتشمل تلك المجالات في الوقت الراهن كافة الأمور ذات الصلة بالتجارة الدولية والصيد البحري.

2- المستوى الثاني، يتعلق بالمجالات التي يمارس الاتحاد الأوروبي بخصوصها "سياسة خارجية مشتركة" يديرها بالتعاون مع الدول الأعضاء وبالتنسيق بينها، ولا تتخلى الدول عن صلاحياتها بالكامل في هذه المجالات، لتعهد بها إلى الاتحاد كي يديرها هو منفردا باسمها ولحسابها، لكنها إما أن تتقاسم معه الصلاحيات، أو تحتفظ بها لنفسها مع الالتزام بضوابط وقيود تحددها المؤسسات التكاملية. وتشمل تلك المجالات الآن أمورا كثيرة يتسع نطاقها باستمرار حتى أصبحت تغطي في الوقت الحاضر معظم مجالات السياسة الخارجية والأمن.

3- المستوى الثالث، يتعلق بالمجالات التي يترك أمر إدارتها بالكامل للدول الأعضاء دون أن يتدخل الاتحاد الأوروبي. ومن الطبيعي أن يضيق نطاق هذه المجالات ويتآكل على نحو مطرد مع اتساع المجالات التي يشملها المستويان الأول والثاني. وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي أصبح يدير شبكة من العلاقات المؤسسية مع دول العالم لم تكف عن الاتساع حتى أصبحت تشمل الآن معظم، إن لم يكن جميع دول العالم والمنظمات الدولية العالمية والإقليمية، بطريقة أو بأخرى.

ومهما يكن الأمر، فإن التحولات التي طرأت على النظامين الإقليمي والأوروبي منذ سقوط جدار برلين لم تسهم فحسب في حث الاتحاد الأوروبي على رسم وتنفيذ سياسة خارجية وأمنية مشتركة، ولكنها فرضت عليه أيضا أن يعيد ترتيب الأولويات على جدول أعماله. فأولويات السياسة الخارجية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي قد تم ترتيبها، وكما يلي: تأمين عملية التوسع شرقا وجنوبا، ومحاولة إعادة صياغة جديدة لدور ومهام حلف شمال الأطلسي، والمساهمة في إعادة صياغة نظام دولي جديد يلعب في الاتحاد الأوروبي دورا سياسيا يتلاءم مع دوره ومكانته الاقتصادية، كما سنرى لاحقا.

Page 8

ثانيا: تميز النظام السياسي والقانوني للاتحاد الأوروبي

يعد الاتحاد الأوروبي في الأصل منظمة سياسية اقتصادية، بينما كانت الأمور العسكرية والدفاعية مرتبطة بحلف الناتو، الذي لم يكن التدخل سهلا عليه في هذا الصراع، نظرا للاختلافات بين أعضائه الرئيسيين، وعلى رأسهم فرنسا. وهو ما سمح بدخول الولايات المتحدة على الخط والتدخل عسكريا لوقف تلك الحروب والنزاعات المسلحة في المنطقة، وفي الوقت نفسه أعطى لها الفرصة لكي يكون لها تواجد عسكري في بعض دول منطقة البلقان. وعلى الرغم من شعور أوروبا بأهمية دور الولايات المتحدة ومن خلال قيادتها لحلف الناتو في حماية من أوروبا، إلا أنها لا ترغب في أن يصبح حليف الأمس منافسا لها غدا على أرضها الأوروبية([39]).

وبالتالي، فإن الاتحاد الأوروبي يعد فاعلا دوليا من طبيعة خاصة، فهو يشكل نظاما سياسيا وقانونيا يختلف عن كل أشكال النظم السياسية والقانونية ذات المعالم الواضحة للفاعلين الدوليين في المجتمع الدولي؛ فهو ليس بدولة، وإن كان نظامه السياسي والقانوني يتسم ببعض الخصائص والسمات التي لا توجد إلا في الدولة الفدرالية. وهو كذلك ليس بمنظمة دولية حكومية، عامة أو متخصصة، وإن كان نظامه السياسي والقانوني يتصف ببعض السمات والخصائص التي لا توجد إلا في المنظمات الدولية الحكومية. وهو أيضا ليس منظمة دولية غير حكومية، على اعتبار أنه كيان دولي حكومي نشأ باتفاق إرادي بين الدول والحكومات.

ولأن الاتحاد الأوروبي مازال يسير في حالة من التطور والتحول، فإن نظامه السياسي والقانوني ما زال في طور التشكيل، فلم تتحدد ملامحه النهائية حتى الآن. فهو في مرحلة تطوره الحالية أكثر من منظمة دولية، لأن بعض مؤسساته تتمتع في مجالات معينة بسلطة حقيقية أعلى وأقوى من سلطة الدول الأعضاء، وتستطيع اتخاذ قرارات ملزمة وقابلة للتطبيق الفوري والتلقائي داخل الدول الأعضاء، لكنه أقل من دولة لأنه لم يؤد إلى ذوبان أو اضمحلال الدول المكونة له أو حتى إضعافها سياسيا أو قانونيا. وعلى الرغم من أن ملامح النظام السياسي للاتحاد الأوروبي أصبحت أكثر وضوحا بعد إعداد مشروع الدستور، والذي لم يطبق حتى الآن، فإنه لا يماثل الدساتير الموجودة في هذه الدول.

كذلك فإن العلاقة بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي بعضها مع بعض من جهة، وبينها وبين المؤسسات المناظرة لها في الدول الأعضاء من جهة أخرى، لم تزل تتسم ببعض الغموض وعدم التحديد. وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه الخصائص والسمات والملامح الخاصة نفسها على مؤسسات الاتحاد الأوروبي وعلى آليات صنع القرار فيه، وأن تضفي على المحاولات الرامية إلى دراستها وتحليلها قدرا كبيرا من التشابك والتعقيد. ومن الممكن إلقاء الضوء على طريقة عمل هذه المؤسسات للوقوف على تميزها، من خلال ثلاثة منظورات متباينة؛ منظور النشاط، منظور المنهج والآليات المستخدمة في تحقيق الأهداف والوظائف المطلوبة منها، ومنظور السلطات والصلاحيات التي تتمتع بها هذه المؤسسات، وكما يلي([40]):

1- منظور النشاط: كما أسلفنا، فإن حركة التكامل الأوروبي قد بدأت بقطاع الفحم والصلب، قبل أن تمتد عبر عملية توسع على الصعيد الرأسي، لتشمل قطاعات أخرى مثل الطاقة النووية والاقتصاد والتجارة. ثم تنتقل من نطاق التكامل القطاعي إلى تكامل السياسات بدءا بالسياسة الزراعية فالسياسات المالية والنقدية، ومرورا بالسياسات الخارجية والأمن، وقبل أن ينتهي بها المطاف لتشمل أخيرا قضايا الأمن الداخلي والقضاء والشرطة وغيرها. وبسبب عدم تجانس معدلات سرعة وآليات التكامل والاندماج بالنسبة لكل القطاعات والسياسات، فقد أصبح النظام الأوروبي يقوم من حيث طبيعة الوظائف والأنشطة التي يمارسها في مرحلة تطوره الراهنة على قاعدة تقوم على ثلاثة أعمدة:

العمود الأول: مجموعة الأنشطة التي تخضع لعملية تستهدف توحيد ودمج السياسات؛ وتتضمن الأنشطة التقليدية للجماعات الأوروبية الثلاث (الفحم والصلب، والطاقة النووية، والجماعة الاقتصادية (التي كانت أنشطتها قد اتسعت لتشمل القضايا المتعلقة بالاتحاد الجمركي والسوق الموحدة، والسياسات الزراعية والهيكلية والتجارية)، والأنشطة الجديدة التي تم إضافتها إليها بالتدريج، أمثال الأنشطة المتعلقة بموضوعات المواطنة الأوروبية، شبكات الطرق والمواصلات والاتصالات الأوروبية، حماية المستهلك، الصحة، البحث العلمي والبيئة، السياسة الاجتماعية، اللجوء السياسي، الحدود الخارجية، الهجرة وغيرها من الفعاليات والأنشطة.

العمود الثاني: مجموعة الأنشطة التي تستهدف بلورة سياسة خارجية وأمنية مشتركة. وتتضمن هذه الأنشطة المتعلقة بتحديد المواقف تجاه القضايا والمشكلات الدولية المختلفة، عمليات حفظ السلم، حقوق الإنسان، المساعدات المقدمة إلى الدول غير الأعضاء في مختلف المجالات. كذلك تشمل سياسات الدفاع والأمن، وقضايا نزع السلاح، والإنفاق العسكري، وسياسات الأحلاف والتخطيط الاستراتيجي وغيرها من السياسات.

العمود الثالث: مجموعة الأنشطة التي تستهدف تنسيق السياسات الداخلية، وبخاصة في مجالي القضاء والأمن الداخلي، وتتضمن الأنشطة المتعلقة بتحقيق التعاون بين السلطات القضائية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وبخاصة السلطات العاملة في إطار القوانين المدنية والجنائية، وتحقيق التعاون بين أجهزة الأمن والمؤسسات المحلية على وجه العموم وبخاصة تلك المتعلقة بمكافحة عمليات تهريب المخدرات وتجارة الأسلحة، وبمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وبمكافحة الجرائم المتعلقة بالطفولة والتجارة غير المشروعة في البشر.

2- منظور المناهج والآليات المستخدمة: من خلال تتبع التطور التاريخي للاتحاد الأوروبي، يمكن ملاحظة الأسلوب الذي اعتمده، والذي يقوم أسلوب المزج بين منهجين مختلفين في تحقيق أهدافه، وهما؛ أ-منهج التكامل والاندماج، ب-منهج التنسيق والتعاون.

فمنهج التكامل والاندماج يستهدف توحيد السياسات وربما المؤسسات أيضا؛ يتعامل مع قضية أو مسألة الوحدة من منظور وظيفي له خصائص وسمات معينة، ومن أهمها:

1- المرحلية والتدرج: تقوم هذه المرحلة على الاعتقاد بأن توحيد السياسات بين كيانات مستقلة وقائمة بذاتها هي عملية معقدة وصعبة تتطلب جهدا ووقتا، ومن المفروض أن تتم على مراحل زمنية مبرمجة ومخططة قد تطول أو تقصر بحسب درجة وطبيعة تعقد المشكلات واختلاف السياسات.

2- الحركة من أسفل إلى أعلى وليس العكس: بمعنى بدء العملية التكاملية أو الاندماجية بمجموعة محددة من الأنشطة والمؤسسات ذات الطبيعة الفنية، ثم التوسع التدريجي، أفقيا ورأسيا، إلى أن تتحقق الوحدة السياسية أو الاندماج الكامل في نهاية العملية.

3- نقل السلطات والصلاحيات: وذلك عن طريق إيجاد سلطة مؤسسية أعلى من سلطة الدول لكي توضع عدة قطاعات يراد إدخالها أو إدراجها في نطاق العملية التكاملية أو الاندماجية للدول التي تقبل الدخول في هذه العملية. مما يعني تنازل هذه الدول عن جزء من سلطانها وبشكل تدريجي لصالح هذه المؤسسات المشتركة.

Page 9

أما المنهج الثاني: مفهوم التنسيق والتعاون: يعد التنسيق والتعاون على المستويين العالمي والإقليمي سمة مميزة لعالمنا المعاصر، والذي شهد ثورات متتالية في مجالات المواصلات والاتصالات والمعلومات. فعالم النصف الأخير من القرن العشرين، قد شهد ظهور منظمات دولية عالمية وأخرى إقليمية، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية (أصبحت تسمى الاتحاد الإفريقي) والاتحاد الأوروبي، تؤكد على أهمية التنسيق والتعاون بين أعضائها في عدة مجالات مختلفة.

يعد مفهوم التنسيق والتعاون من أكثر المفاهيم شيوعية في أدبيات العلاقات الدولية منذ ظهور المنظمات الدولية في بداية القرن العشرين، حيث تؤكد مواثيق المنظمات الدولية على التنسيق والتعاون؛ فميثاق عصبة الأمم يؤكد في ديباجته، على سبيل المثال، على فكرة التعاون بين الدول الأعضاء، بأن هدف الدول الأعضاء يتمثل في دعم وتطوير التعاون الدولي، وكذلك على اعتبار أن التعاون يعد هدفا رئيسيا لهذه المنظمة([41])، أما فكرة التنسيق، فقد جعلها الميثاق ضمن الأهداف الأساسية للمنظمة الدولية([42]).

وكذلك الحال بالنسبة للمنظمات الإقليمية، فإنها لا تشذ عن هذه القاعدة، فتقام في الأساس على التنسيق والتعاون في المجالات السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية الثقافية، أو جميع هذه المجالات. وقد زادت أهمية التنسيق والتعاون بدلا من الحرب بين الدول مع ظهور وتشكل المنظمات الدولية والإقليمية منذ بداية القرن العشرين عموما، وبعد الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص.

فمنهج التنسيق والتعاون، يستهدف إزالة التعارض بين السياسات القائمة، فيتم اللجوء إلى مسألة الوحدة من منظور التعاون القائم على الاختيار الحر بين وحدات مستقلة ومتساوية في السيادة. فتحدد كل وحدة بإرادتها نطاق ومجالات العمل المشترك واضعة برامجه وجداوله الزمنية وحرية كاملة ولتقرر ما إذا كان يفترض عليها استكماله والاستمرار فيه وزيادة سرعة تلك الحركة والإيقاع أو تجميدها كلية. وفي حالة اختيار الدولة لهذا المنهج، فهي في العادة ترفض التنازل عن أي جزء من سلطاتها لصالح أي مؤسسة مشتركة أعلى منها.

والمراقب المتفحص والدقيق يلاحظ أن الاتحاد الأوروبي قد جمع بين هذين المنهجين في آن واحد ومزج بينهما في نظام بالغ الدقة والتعقيد؛ لقد اعتمد المنهج التكاملي والاندماجي بخصوص الأنشطة التي تدخل ضمن النوع الأول، واعتمد منهج التنسيق والتعاون بخصوص الأنشطة التي تدخل ضمن النوعين الثاني والثالث، مع الاتصاف بقدر كبير من المرونة التي تسمح له بحرية الحركة والنقل التدريجي للأنشطة من المجالات التي تخضع لمنهج التنسيق والتعاون إلى المجالات التي تخضع لمنهج التكامل والاندماج([43]).

3- منظور السلطات والصلاحيات: كما أسلفنا، فإن الاتحاد الأوروبي يتمتع بشخصية قانونية مستقلة عن الشخصية القانونية للدول الأعضاء، وهي شخصية من طبيعة خاصة ومختلفة عن تلك التي يتمتع بها الفاعلين الدوليين الآخرين؛ فليست شخصية مكبلة بالقيود المفروضة على المنظمات الدولية الحكومية التقليدية، ولا هي شخصية مطلقة الحرية بالقدر نفسه المعترف به للدول، لكنها شخصية دولية من طبيعة خاصة تجمع بين بعض سمات وملامح الشخصية القانونية الدولية الممنوحة للمنظمات الدولية الحكومية التقليدية، وبعض سمات وملامح الشخصية الدولية الممنوحة للدول؛ حيث تتمتع بعض مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وبخاصة عندما تتخذ قراراتها في إطار ما تقوم به من أنشطة اقتصادية وتجارية، بسلطات وصلاحيات تمكنها ليس فقط من أن تصبح في موقف أقوى في مواجهة الدول الأعضاء، وإنما كذلك من الاحتكاك والتفاعل المباشر مع مصالح المواطنين والجماعات في الدول الأعضاء، والقيام بترتيب حقوق والتزامات مباشرة لصالح هؤلاء المواطنين وتلك الجماعات.

ومما هو جدير ذكره، أن الاتفاقيات المعمول بها في إطار الجماعات الأوروبية لا تتضمن تفويضا عاما للسلطة يتيح للمؤسسات الأوروبية المشتركة القيام بالأعمال التي تراها ضرورية لتحقيق الأهداف التي نشأت من أجلها، لكنها تتضمن تفويضا بسلطة معينة لأداء أعمال محددة، تمارسها مؤسسات الاتحاد الأوروبي من خلال، أو تحت إشراف ورقابة، الدول الأعضاء. ولكن نطاق هذه السلطة، حتى بالنسبة إلى الأنشطة التي تدخل في إطار الجماعات الأوروبية (النوع أو العمود الأول)، قد يتسع كثيرا بالنسبة إلى بعض القطاعات أو الموضوعات، مثل المواصلات والسياسة الزراعية المشتركة وحركة العمالة، وقد يضيق بالنسبة إلى موضوعات أخرى. كذلك، تتمتع المؤسسات الأوروبية المشتركة بسلطة "تقديرية" تمكنها من التدخل واتخاذ القرار عندما يكون ذلك ضروريا ولازما لتحقيق الأهداف المتضمنة في الاتفاقيات، هذا إضافة إلى السلطات الخاصة الممنوحة لها، والتي تخولها لها حق التصرف والعمل نيابة عن الدول في أمور محددة. وكذلك، فإن هذه المؤسسات بسلطات "ضمنية" لاتخاذ إجراءات إضافية تمكنها من ضمان الممارسة الفعلية والكاملة والدقيقة لسلطاتها المنصوص عليها صراحة في الاتفاقيات.

ولما كانت السلطات التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي تتسع كثيرا، كلما تعلق الأمر بالأنشطة الخاصة بالسياسات التجارية والمالية والاقتصادية، وتضيق كثيرا كلما تعلق الأمر بأنشطة تخص السياسة الخارجية والأمن والشرطة والقضاء. فإن هذه السلطات هي في جميع الأحوال، سلطات فعلية وليست شكلية، وترتب حقوقا وواجبات والتزامات حقيقية ليس فقط في مواجهة الدول الأعضاء، ولكن في مواجهة الأفراد والجماعات أيضا.

وقد كان مشروع الدستور المقترح للاتحاد الأوروبي، قد حاول إدخال قدر أكبر من الوضوح إلى قضية توزيع الاختصاصات والصلاحيات بين الاتحاد والدول الأعضاء بالتفرقة بين ثلاثة مجالات؛ الأولى، تلك التي يتمتع فيها الاتحاد بسلطات وصلاحيات واختصاصات أصيلة (مثل السياسة النقدية وقوانين المنافسة والتجارة الخارجية). والمجال الثاني، تلك التي يمارس فيها الاتحاد صلاحياته بالاشتراك مع الدول الأعضاء (مثل الموصلات والهجرة وقوانين اللجوء). أما المجال الثالث، فهي تلك التي تنفرد بها الدول (الثقافة والتعليم والرياضة).

هذا وقد فصلت محكمة العدل الأوروبية في بعض النزاعات القانونية خلال ستينات القرن الماضي لتحسم من خلالها قضية الشخصية القانونية للجماعة الأوروبية على نحو لا يقبل الجدل. وبناء على ما سبق، فقد أصبح من المعترف والمسلم به، وبخاصة بعد صدور العديد من الأحكام القضائية المماثلة، أن الاتحاد الأوروبي يتمتع بشخصية دولية مستقلة لها طبيعة قانونية خاصة، يمكن الحديث عن أهم سماتها وملامحها وكما يلي([44]):

أ- يعد الاتحاد الأوروبي كيان قانوني وسياسي له بنية مؤسسية مستقلة عن الدول الأعضاء، بحيث تؤدي هذه البنية وظائف وأعمال ومهام تستهدف في المقام الأول تحقيق مصلحة أوروبية عامة، ومصلحة المجتمعات والجماعات الأوروبية جميعها، وكما ورد في المعاهدات الأساسية بحسب التصورات الخاصة بذلك.

ب- من أجل تمكين هذا الكيان الجديد من ممارسة مهامه وتحقيق أهدافه وطموحاته بمقتضى قوانينه الأساسية، فقد تنازلت له دول الأعضاء طواعية وبشكل دائم عن جزء من سيادتها أكبر مما اعتادت عليه الدول أن تتنازل عنه لصالح المنظمات الدولية الحكومية التقليدية، وكذلك في مجالات وأنشطة كانت الدول تحرص في السابق حرص شديدا على الاحتفاظ بها لنفسها لتمارس حقوقها السيادية الكاملة عليها.

ج-لقد ترتب على هذا الكيان المستقل من جهة، وتنازل الدول الأعضاء له عن جزء من سيادتها يتسع باستمرار من ناحية أخرى، تبلور نظام قانوني خاص بالاتحاد الأوروبي مستقل كلية عن النظام القانوني لكل دولة عضو على حدة.

د- لقد أصبح لهذا النظام القانوني المستقل القدرة على أن يتخذ من القوانين والقواعد والقرارات والإجراءات ويصدر التعليمات ما هو قابل للتطبيق المباشر داخل جميع الدول الأعضاء دون استثناء، مما يرتب حقوقا والتزامات ليس فقط في مواجهة الدول الأعضاء، وإنما في مواجهة المواطنين والأفراد والجماعات الذين يعيشون داخل حدود هذه الدول.

هـ- تعد القوانين الصادرة عن الجماعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي) لها الأولوية على القوانين المحلية. وبالنتيجة لا يمكن إلغاء أو تعديل القوانين الأوروبية بقوانين محلية، وفي حالة التعارض بين الاثنين تكون الأولوية لصالح القوانين الأوروبية. ومما يجب هنا ذكره، أن ما يتم إصداره عن الاتحاد الأوروبي على شكل قواعد واجبة التطبيق تعتبر ملزمة للدول الأعضاء وقابلة للتطبيق الفوري والمباشر ودون الحاجة إلى إجراءات إضافية لنقلها إلى النظم القانونية المحلية. أما ما يصدر عن الاتحاد في صورة توجيهات، فهي وإن كانت ملزمة أيضا، إلا أنها ليست قابلة للتطبيق الفوري المباشر، فيمكن لكل دولة أن تطبقها وتنقلها بطريقتها الخاصة، إلى نظامها القانوني الداخلي.

أما بالنسبة للنظام السياسي للاتحاد الأوروبي، من المتعارف عليه أن لكل تنظيم سياسي دستور يحدد طبيعته وأهدافه والمبادئ التي يقوم عليها والقواعد التي تحكم العلاقة بينه وبين مؤسساته وهيئاته الداخلية من جهة، وبين هذه الهيئات والمؤسسات بعضها مع بعض، من جهة أخرى. ومن الممكن أن يكون الدستور مكتوبا في وثيقة، أو على شكل قواعد عرفية مستقرة، بمعنى أنها تكون غير مكتوبة.

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لم يكن للاتحاد الأوروبي دستور مكتوب في وثيقة شاملة واحدة تحمل هذا الاسم. ومع كل ذلك، فإنه من السهل العثور على الأحكام الدستورية التي تحدد العلاقة بينه وبين وحداته التكوينية، ممثلة في الدول الأعضاء، من ناحية وبين مؤسساته الداخلية مع بعضها البعض، من ناحية أخرى، في وثائق عديدة متنوعة، من أهمها؛ الاتفاقات والمعاهدات المنشئة أو المكملة، وبعض القرارات أو الأدوات القانونية الصادرة عن مؤسسات الاتحاد نفسه. هذا إضافة إلى، القواعد التي أصبحت كعرف من خلال الممارسة. وقد تم صياغة المشروع الخاص بالدستور، ولم يقر في شكله النهائي. وعلى أية حال، يمكن القول أن الاتحاد الأوروبي يقوم على مبدأين رئيسيين تؤكد عليهما كل المعاهدات والاتفاقيات، وهما: الديمقراطية وحكم القانون. ويشكل هذان المبدآن القاعدة الأساسية التي تحكم وتنظم طريق عمل الاتحاد الأوروبي، في علاقاته الداخلية، أي بالدول الأعضاء، أو في علاقاته الخارجية، أي بالدول غير الأعضاء.

وفيما يتعلق بمبدأ سيادة القانون، فيمكن ملاحظته في عدة أمور على مستوى الممارسة أو القواعد والمبادئ العامة الواجبة التطبيق؛ ومن أهمها تأكيد التزام الدول الأعضاء والتزام مؤسسات الاتحاد نفسها بالعمل وفق القواعد القانونية المنظمة للعلاقة بينها، وبضرورة اللجوء أو الاحتكام إلى محكمة العدل الأوروبية عند الاختلاف حول تفسير هذه القواعد مع الالتزام بتطبيق ما يصدر عن هذه المحكمة من فتاوى وأحكام. ومن المفروض أن يفهم الطابع الديمقراطي للاتحاد الأوروبي في إطار خصوصية النظام السياسي لهذا الفاعل الدولي، على اعتبار أنه أقرب إلى شكل المنظمة الدولية الحكومية منه إلى شكل الدولة.

فكان تميز هذه التجربة سواء عندما توقفت في مرحلها المختلفة عند حد التعاون في مجالات محدودة أو ما دفعه الطموح للقفز مباشرة نحو مراحل متقدمة من التكامل، وسواء منها ما تمسك بهدف الوحدة السياسية منذ البداية، أو ما اكتفى بقدر من الاتحاد الاقتصادي على أمل أن يمهد الطريق إلى وحدة سياسية في نهاية الأمر. وهنا تظهر بعض قضايا التميز لهذه التجربة، ومنها جدلية العلاقة بين التكامل والتعاون، وثانيهما مسألة التدرج في تحقيق التكامل أفقيا أو رأسيا([45]). وإذا أخذت بالمنهج المرحلي للتكامل، فإنها أوضحت العلاقة بين المراحل وبين العناصر المؤسسية والعلاقة بينها، وكذلك كشفت عما يعنيه الامتداد الأفقي (الجغرافي) لهذه العناصر والعلاقات. هذا وقد وضح الإطار المؤسسي للتجمع الأوروبي الشديد التعقيد بضمه مجموعة من الهياكل المؤسسية، ومن ضمنها الجماعة التي تحولت إلى اتحاد أوروبي، وتتضمن هذه الهياكل عددا من المكونات تتضمن([46]):

أولا: التعاقدات التي تبنى بواسطتها عملية التكامل، والمؤسسات التي تتكون منها، وما يصدر عن هذه المؤسسات من أدوات بواسطتها وظائفها التكاملية؛ فتشمل التعاقدات، أ-المعاهدات المنشئة للتجمع قد وضح فيها هذا الأمر؛ لقد تميزت الجماعات التي بهدف التكامل القطاعي أو الاقتصادي الكلي بأنها قامت على أساس المعاهدات، أولاها (في باريس) كانت معاهدة قانونية الأجل، في حين كانت معاهدة الجماعة الأساسية (وهي الجماعة الاقتصادية - روما) إطارية وبينما أقيم مجلس أوروبا الذي أوريد له أن يبني تكاملا سياسيا على أساس معاهدة (لندن)، فإن رابطة التجارة الحرة (الإفتا) ومنظمة التعاون الاقتصادي قامتا على أساس اتفاقيتي استوكهولم وباريس. وعلى الرغم من أن معاهدة الجماعة الاقتصادية اشتملت على حوالي 250 مادة، فإن هذه المواد اقتصرت على تحديد تفاصيل المرحلة الأولى للتكامل التي أقامت اتحادا جمركيا ووضعت أسس السوق المشتركة([47]).

ب- دمج الجماعات: لقد ميز التجمع الأوروبي بين أجهزة التكامل وأجهزة التعاون، ولم يكن تواجدهما معا أمرا مرفوضا بحجة كونه يمثل تضاربا في الإطار المؤسسي يقتضي العمل على إجراء دمج، يؤدي بالضرورة إلى تغليب مفهوم التعاون على مفهوم التكامل، كما حدث في التجربة العربية، على عكس من ذلك، فإن الدمج الذي حدث جرى بين الجماعات العاملة من أجل التكامل، وكان الأسلوب إليه هو معاهدة للدمج، انصبت في الأساس على توحيد المؤسسات الرئيسية للجماعات.

ج- تعديلات المعاهدات: لقد تطلب تطور العملية التكاملية سواء بتوسيع العضوية أو الانتقال إلى مراحل متقدمة من التكامل، إلى إدخال تعديلات على المعاهدات السابقة، وذلك عن طريقين؛ الطريقة الأولى، إقرار الجماعة لقانون يتفق عليه الأعضاء يشمل التعديلات المطلوبة، وما تتضمنه من تغيير في مواد المعاهدة. أما الطريقة الثانية، عقد معاهدة جديدة يصادق عليها وفق إجراءات تشريعية للدول الأعضاء تحتوي مواد تشمل نصوص جديدة يتم إضافتها إلى المعاهدة السابقة أو تنسخها أو تعدلها.

د-المواثيق والاتفاقيات: وهو لجوء التنظيمات الإقليمية التي تفتقد السلطة فوق الوطنية إلى استصدار تشريعات وطنية في بعض الأمور التي يراد إلزام الدول الأعضاء بها، من خلال اتفاقيات دولية لا تصبح نافذة إلا بتصديق الدول عليها حسب قواعدها الدستورية. وكما أسلفنا، فإن مجلس أوروبا قد لجأ إلى هذا الأسلوب بحيث تجاوز ما صدر عنه 160 ميثاق أو اتفاقية، وكان من أهمها وعلى رأسها الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان والميثاق الاجتماعي الأوروبي اللذين أقرتهما الجماعة الأوروبية ثم أدمجتهما في معاهدتها عند تعديلها.

ثانيا: المؤسسات: تتميز التجربة الأوروبية بتعقيد إطارها المؤسسي؛ يؤدي تعدد التنظيمات إلى قيام مؤسسات ذات وظائف متماثلة. وقد تطورت معالجة هذه الظاهرة في نطاق تنظيمات التكامل من خلال معاهدة الدمج التي وحدت المؤسسات المتناظرة، وإن استمد كل منها وظيفة لكل جماعة من المعاهدة الخاصة بها. كذلك فقد أدى تطور سيطرة الجماعة على جانب من موارد الدول الأعضاء ومن سلطاتها إلى تغيير الهياكل المؤسسية من حيث التكوين والوظائف، وبما يتعلق الأمر بالتنظيم التكاملي، وهو الاتحاد الأوروبي، الذي يضم ثلاثة أنواع من المؤسسات؛ النوع الأول، والذي يشمل تلك المؤسسات المسؤولة عن أداء شؤون الجماعة، وهي البرلمان والمجلس والمفوضية ومحكمة العدل ومحكمة المراجعين.

أما بالنسبة للنوع الثاني، فيشمل الأجهزة المعاونة للمؤسسات الرئيسية عن اتخاذ وتنفيذ القرارات وتشمل اللجنة الاقتصادية والاجتماعية ولجنة الأقاليم، اللجنة الاستشارية للنقل، لجنة التنسيق، اللجنة النقدية، اللجنة الاقتصادية والمالية، لجنة السياسة الاقتصادية، لجنة المندوبين الدائمين، لجنة التوفيق، ولجنة التقصي المؤقتة. وأما بالنسبة للنوع الثالث، فهي الأجهزة المسؤولة عن مهام يتفق على أدائها بصورة مشتركة، وتتضمن بنك الاستثمار الأوروبي، الصندوق الاجتماعي الأوروبي، صندوق الإرشاد والضمان الزراعي، صندوق الاندماج، صندوق التنمية الإقليمية، صندوق التعاون النقدي الأوروبي، المعهد النقدي الأوروبي، البنك المركزي الأوروبي ونظام البنوك المركزية. ويوجد مؤسسات لكل هذه الأجهزة، وإن كان بعضها تديره مباشرة المفوضية الأوروبية.

ثالثا: الآليات: تتضمن هذه الآليات عدد كبير من الأدوات والوسائل التي تنفذ من خلالها أهداف الجماعة ثم الاتحاد فيما بعد، وعلى رأسها وأهمها برامج العمل (والتي غالبا ما تكون لفترات زمنية محددة)، وكذلك من هذه الآليات ما يتم خارج الإطار الرسمي، كالقطاعات القطاعية التي أقيمت من أجل التعبير عن مواقف الأطراف التي تمثلها من الأنشطة التكاملية. هذا إضافة إلى موقع المواطنين في مختلف دول الجماعة من تلك الأنشطة. ومن هذه الأنشطة، موازنة الجماعة، البرامج، الشبكات الأوروبية، الاتحادات، التعاون والتكامل...الخ.

Page 10

ثالثا: توافق منظور الدول الأعضاءإلى البعد الإقليمي وعملية التوازن بين البعدين الإقليمي والقطري

إن التوجه الاتحادي لم يتخذ موقفا معاديا لما هو قطري يتهم القطرية بأنها عقبة في وجه التجمع الإقليمي (القومي)، على الرغم من أن القوة الدافعة باتجاه التكامل الأوروبي كانت الرغبة في بلوغ مرحلة إقامة دولة اتحادية تذوب في نطاقها الكيانات القطرية؛ فقرار الالتحاق بالتجمع الإقليمي بني أساسا على تقديرات الأقطار لمصالحها الذاتية، والتي تتفاوت فيما بينها، كما تغيرت مع الزمن، وعلى الشعور بتوافق الأهداف التي سيطرت عليها الرغبة في تحقيق السلام والرفاهية للشعوب. ومما ساعد على ذلك هو كثافة العلاقات بين الدول الأوروبية، بما فيها العلاقات التجارية والتي كانت عاملا محددا للانتماء إلى الجماعة أو رابطة التجارة الحرة. وبمعنى آخر، فإن الحافز إلى التكامل لم يكن الرغبة في تقوية تبادل تجاري ضعيف، بل الحرص على دعم وتنمية تبادل قوي أصلا، وبخاصة في مجالات مستلزمات الإنتاج. فكان الحرص على تلافي وتجنب ويلات الحروب عاملا هاما في موقف الدول الآخذة بمنهج الحياد من الانضمام للجماعة. ومن ناحية أخرى، فإن تقارب الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف الدول الأوروبية قد أدى إلى اتجاه الجماعة نحو التوسع. وبهذا، فقد بقيت القاعدة الأساسية وهي تزايد التقارب بين الغايات النهائية للدول المعنية، وبخاصة تلك التي تتعلق بالعلاقات فيما بين هذه الدول ومع العالم الخارجي([48]).

وقد سيطر هدف الوحدة منذ البداية على التحرك الأوروبي نحو التكامل، إذ ارتبط بالهدفين المشتركين الأساسيين وهما السلام والرخاء. وكان ذلك بتعدد المداخل الذي قاد إلى الأهداف المشتركة. ولكن المدخل الاقتصادي قد فرض نفسه لعدة اعتبارات، من أهمها؛ الاعتبار الأول، أن الصراعات العسكرية ارتبطت في الأساس بعوامل اقتصادية قد اتخذت في بعض الأحيان شكل حروب اقتصادية. والاعتبار الثاني، هو الحاجة الماسة إلى التعاون من أجل إعادة بناء ما دمرته الحرب العالمية الثانية. وهو ما كان هدفا أوروبيا بقدر ما كان هدفا أمريكيا. وقد مثل ذلك مدخلا إلى تحقيق التعاون الإقليمي المحدود كما رشحته نظرية التكامل التي جرى الأخذ بها. وبالتالي، فإن أوروبا كانت تنظر إلى تحقيق هدف مرحلي يجب أن يقترن بالعزم على تحقيق هدف نهائي، قد بقي بالنسبة إلى أوروبا هو تحقيق وحدة اقتصادية تقود إلى وحدة شاملة.

وعلى أية حال‘ فإن المنهج التبادلي للتكامل يستند إلى ما تدعيه النظريات الشائعة في مجال الاقتصاديات الدولية من أن مجرد تحرير الأسواق (للمنتجات وعناصر الإنتاج) كفيل بالتقريب بين مستويات التقدم ومعدلات الدخول في الدول الآخذة بحرية التجارة، على المستوى الإقليمي أو العالمي. ولكن التجربة العملية قد برهنت وأثبتت غير ذلك ؛ وبخاصة بعد أن أدى توسع عضوية الجماعة إلى تزايد التفاوت نتيجة انخفاض مستوى التقدم في دول الجنوب الأوروبي، أو وجود أقاليم قليلة النشاط والسكان في الدول الواقعة الأطراف في أقصى الشمال الأوروبي، لا بل أن السياسة الزراعية المشتركة، وما أعطيت من نسبة عالية من موارد الجماعة، يذهب الجزء الأكبر منها لأغراض الإرشاد الزراعي، يشير إلى أن هناك حاجة إلى توجيه جانب هام من العمل المشترك للأغراض الهيكلية. وعلى الرغم من أخذ الجماعة بالحرية الاقتصادية، فإن احتياجاتها في المراحل الأولى إلى تسريع التنمية قد أدى إلى تولي الجماعة عمليات التنبؤ الاقتصادي والاهتمام ببنك الاستثمار.

هذا وقد ساد تصور في ثمانينات القرن الماضي كان يرى بأن تقاعس المسيرة التكاملية الأوروبية مرجعه استمرار القيود أمام حركة التدفقات الاقتصادية عبر الحدود، وهو ما أدى إلى اعتماد القانون الموحد كأساس لبناء سوق موحدة وليس سوق مشتركة ظنا بأن إزالة القيود المتبقية أمام حركة السلع والخدمات وعناصر الإنتاج يساعد على إعطاء دفعة جديدة في النمو الاقتصادي والذي كان قد تعثر سبعينيات القرن الماضي. غير أنه سرعان ما بان فلسفة حرية السوق لا تكفي بحد ذاتها، وأنه لا بد من سياسات مشتركة تعالج الجوانب الهيكلية.ومن ناحية أخرى، فإن محاولة تعزيز قدرات الأعضاء الجدد الأقل تقدما على اللحاق بالقدامى قد أدى إلى الاهتمام بالأدوات الهيكلية والإقليمية. وبناء على ذلك، فقد اكتسبت الصناديق الهيكلية أهمية خاصة، وتطلب الأمر تحقيق توازن بين الجوانب الهيكلية المتعلقة بالزراعة والجوانب التي تعالج أوجها أخرى لتخلف مناطق من إقليم الجماعة، وحظي ما يسمى بـ "الاندماج الاقتصادي والاجتماعي" بوزن خاص على مدى تسعينيات القرن الماضي. وكان معنى ذلك، ليس فقط إدراك عدم كفاية المنهج التكاملي القائم على حرية السوق، بل قبول الدول الأعضاء إكساب الجماعة سلطات أوسع في مجالات كانت متروكة أساسا للحكومات القطرية.

وعلى أية حال، فإن من عناصر تميز التجربة الأوروبية هي عملية التوازن بين البعدين الإقليمي والقطري؛ لقد راعى بنيان التجمع التكاملي التوازن بين البعدين القطري والإقليمي وتطوير هذا التوازن عبر الزمن. ومع توسع العضوية، في البداية كان معظم القرارات تتخذ بالإجماع، مما اكسب الأقطار ممثلة بالمجلس قوة كبيرة، ولكن صعوبة تحقيق الإجماع في كل الشؤون (الأمور) تطلب تعديل أساليب العمل حتى لا تصاب الجماعة بالشلل. وقد لعب المجلس الأوروبي (يتكون من رؤساء الدول والحكومات) دورا هاما في إيجاد حلول لعدة مشاكل استعصت على الوزراء، وكذلك اللجوء إلى الحوار حول القضايا الخلافية حتى بلوغ نقاط اتفاق قبل القيام باتخاذ قرار بخصوصها. ومع تقدم السير في التكامل، فقد أمكن نقل عدد متزايد من موضوعات القرارات من النطاق القطري إلى النطاق الجماعي. مما فتح الطريق أمام إمكانية أن يتجاوز التكامل نطاق العلاقات الاقتصادية إلى مجالي السياسة الداخلية والخارجية، وذلك ضمن نفس الإطار المؤسسي بدلا من الأخذ بفكرة إقامة كيان مستقل لكل من الثلاثة، وذلك مراعاة لتفاوت قواعد اتخاذ القرارات في كل منها.

فالقضية ليست مجرد وجود تقارب في الأوضاع الاقتصادية بيم مجموعة من الدول لتمكينها من السير في مراحل التكامل وفق المسار الذي ترسمه النظرية التقليدية للتكامل، ولكن الأهم من ذلك هو حدوث توافق في الأهداف وتوفر مشاعر بالجماعة على أساس من التقارب الثقافي المرتبط بالقيم الأساسية والأهداف النهائية. وبالتالي يتولد استعداد لتقديم الموارد وبذل الجهود من أجل تحقيق مزيد من التقارب فيما بينها. وكذلك تحدث مقاصة بين الأعباء والمنافع المعنوية والمادية، وتتضافر جميع الجهود من أجل خلق الأسس التي تجعل لإزالة العوائق أمام الحركة في الأسواق عائدا متماثلا يدفع جميع الأطراف إلى المشاركة فيها والاستفادة منها.

وبالتالي (ومن هنا) نجد أنه بينما قامت فلسفة القانون الموحد على استكمال عمليات إزالة العوائق وإقامة سوق موحدة وليست فقط مشتركة، فإن الفلسفة التي قامت عليها عملية الاتحاد من خلال معاهدتي ماستريخت وأمستردام قد اعتمدت على الأخذ بسياسة هيكلية مصحوبة بتعزيز قدرات الصناديق الهيكلية، واعتماد سياسة اجتماعية تعطي دورا أعلى للجماعة في مجال كان مركزا أساسا بيد الدول. فبينما يكثر الحديث عن تراجع الدولة أمام مؤسسة السوق، فإن التجربة الأوروبية تشير إلى اتجاه مغاير اكتسبت فيه السلطة الجماعية وزنا أكبر في نفس الوقت الذي بلغت فيه الجماعة مرحلة الاتحاد الاقتصادي والنقدي، إضافة إلى شمول النواحي السياسية.

ونخلص إلى القول، بأن من عناصر تميز التجربة الأوروبية أن التكامل الإقليمي يتطلب اتفاقا مبدئيا يقوم على فكرة إقامة وحدة على نحو تدريجي بدءا من تحرير التدفقات الاقتصادية وعلى رأسها التبادل التجاري([49]). ولكن هذا التحرير ثبت أنه بحد ذاته لا يكفي. كما أنه أصبح أقل فاعلية في ظل التقدم الكبير الذي أحرزه العالم في حركته نحو التحرر الاقتصادي. ومن ناحية أخرى، فإن التجربة تشير إلى أنه على الرغم من التقدم الذي تحرزه الدول الآخذة بنظام السوق سواء في أوضاعها الاقتصادية أو في تطور وتشابك أسواقها، فإن العوامل الدافعة إلى التنمية تبقى متوقفة على ما يتم من إنجازات في المجالات الهيكلية، الاجتماعية والإقليمية والتكنولوجية.

ومن ناحية ثالثة، فإن اتساع سلطات المؤسسات التكاملية يرتبط بضرورات تطور العمل التكاملي أكثر من مجرد تولد استعداد عند الدول لإكساب مؤسسات الجماعة مزيدا من السلطة فوق القومية (الوطنية). وقد ساعد على ذلك اعتماد الجماعة الأوروبية مبادئ التفويض والتناسب التي تقصر سلطات الجماعة على المجالات التي يكون العمل الجماعي فيها أفضل من القطري، شريطة إتمامه بأقل الأساليب تحديدا لسلطات الحكومات الوطنية. ومع كل ذلك، فإن الاقتراب من الوحدة الاقتصادية لم يجعل الدول تندفع نحو وحدة سياسية، فاكتفت بعمل مشترك تحافظ فيه على سياداتها القطرية([50]).