eKtab
EN ع
الأزمة المالية العالمية
Read free sample

الأزمة المالية العالمية

by د. محمد عبد الشفيع عيسى

Page 1

1- الأزمة المالية العالمية.. وأي تغير في السياسات..؟

الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصادات الرئيسية في العالم، وفي مقدمتها الاقتصاد الأمريكي، منذ يوم (الاثنين الأسود)، في الخامس عشر من سبتمبر- أيلول 2008، ليست وليدة ذلك اليوم، ولم تتفاعل بين عشية وضحاها، ولكن بوادرها قائمة منذ عام 2005على الأقل؛ وعلاماتها المتتالية كانت واضحة للعيان.

وكانت البداية من أكبر اقتصاد منفرد في العالم، الاقتصاد الأمريكي، فيما يسمى بأزمة الرهن العقاري.

ومن المعروف أن الاقتصاد الحديث يعيش على الائتمان، وعلى ما يسمى بالنقود الائتمانية. وفي الاقتصاد الأمريكي بالذات، تنشط سوق الائتمان المصرفي، والموجهة لقطاع الاستهلاك بالذات، إذ يشكل الاستهلاك قرابة 75% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نحو40% في العديد من الاقتصادات الآسيوية الناهضة. ويفسر ذلك بارتفاع ما يسميه الاقتصاديون بالميل للاستهلاك في الاقتصاد الأمريكي، أي نسبة الاستهلاك للناتج. أما الادخار فتتكفل به جاذبية السوق الأمريكية، بالمعنى الواسع، للمستثمرين الأجانب، من جهة أولى، حيث يحلو للمراقبين وصفه بأنه أكبر اقتصاد مدين في العالم.

ومن جهة ثانية تتكفل به الموازنة الفيدرالية، حيث تزيد قيمة الديون العامة أو الحكومية التي تتحمل بها الحكومة الأمريكية على الصعيد الاتحادي بالذات، لتمويل النفقات الإضافية، سواء على الصعيد العسكري، أو على صعيد تجديد هياكل البنية الأساسية، وضخ السيولة في الأسواق لمواجهة الركود.

من أهم شرائح الائتمان في الاقتصاد الأمريكي، الائتمان المقدم بغرض حيازة أو تملك المساكن، من خلال ما يسمى نظام الرهن العقاري. وتقدم المصارف هذا الائتمان (أو القروض العقارية) وعلى رأسها أكبر مصرف في الولايات المتحدة وهو (بنك أوف أميريكا). وهناك (حائط للصد) من وراء البنوك، يتمثل في المؤسسات المالية العملاقة، التي تقدم السيولة والضمانات أو (التأمين) للبنوك، مثل (ميريل لينش).

ومن خلف المؤسسات المالية العملاقة، يأتي (حائط الصد الثاني) وهو مؤسسات مالية أكثر (تعملقا) تقدم الضمانات على الضمانات.! أو التأمين على التأمين.! وتتعامل هذه المؤسسات في تريليونات الدولاراًت، في أمريكا خاصة، وعلى امتداد المعمورة بأركانها الأربعة عامة، وبالذات في دول الاتحاد الأوربي وآسيا. ومن أهم هذه المؤسسات (فاني ماي) و(فريدي ماك).

ونتيجة لارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية، فيما يتجاوز سعر الفائدة الأساسي المحدد من قبل (مجلس الاحتياط الفيدرالي) بما لا يقل عن 2%، ونظراً لسياسة (المحافظين الجدد) على امتداد ولايات الرؤساء ريجان وبوش الأب وبوش الابن، فقد زاد العبء الضريبي النسبي على الطبقات الوسطى والفئات محدودة الدخل، كما تقلصت النفقات الاجتماعية المخصصة من الموازنة الاتحادية من أجل تغطية النظم التأمينية التقليدية للطبقات والفئات المذكورة، مما أثقل كواهلها إلى حد كبير، وخاصة في ظل تفاعل مخاطر التضخم.

Page 2

لذلك كله، واجه أفراد الطبقات الوسطى صعوبات متزايدة في رد الديون المترتبة على الاقتراض الممنوح لتغطية النفقات الاستهلاكية والعقارية. ومن هنا نشأت أزمة الائتمان والرهن في القطاع السكني والعقاري بالذات. وتفاقم عجز المدينين المباشرين، وأعقبه عجز المدينين غير المباشرين، أي المصارف والكبرى منها.

ومن العجز عن السداد للأقساط وأسعار الفائدة نجمت مشكلة سميت بالقروض منخفضة الرتبة من حيث التصنيف الائتماني، وشيئاً فشيئاً أصبح يطلق عليها الديون المعدومة.

وأخذت تتداعي حوائط الصد وخطوط الدفاع. وظهر ذلك جليا في الأزمة التي عانتها مؤسسة بير ستيرنز، والتي كانت على وشك إعلان الإفلاس في مارس الماضي، وتقدمت الحكومة الأمريكية لإنقاذها في ذلك الوقت، حينما تقدمت بالضمان اللازم للديون. لقد كان هذا بمثابة بدء التداعي الخطر لحائط الصد الأول. وفي منتصف أكتوبر (تشرين أول) الجاري، حدثت مقدمات التداعي لحائط الصد الثاني، وهي مؤسسات التأمين والضمان على مؤسسات التأمين والضمان..! وتمثل ذلك في أزمة مؤسستي (فاني ماي) و(فريدي ماك)، اللتين تتعاملان في قروض منخفضة الرتبة (أو ذات المخاطر) في القطاع السكني والعقاري بقيمة تتجاوز خمسة تريليونات من الدولاراًت: (5,3 تريليون). وقد هبت الحكومة الأمريكية لتمثل حائط الصد الثالث أو (خط الدفاع الأخير) عن النظام المالي الأمريكي- بل والعالمي، فقامت ببسط سيطرتها على هاتين المؤسستين، بصورة مباشرة وصفها البعض بالتأميم..!

وعلى إثر ذلك وقعت الواقعة على واحد من أكبر المصارف الأمريكية المانحة للقروض العقارية وذات الديون المعدومة وهو بنك (ليهمان براذرز)، والذي يتحمل ديونا خطرة بمقدار 60 مليار دولار، وفشلت صفقة إنقاذه المقترحة لشرائه بواسطة بنك أوف أمريكا وبنك باركليز البريطاني، كما رفض "مجلس الاحتياط الفيدرالي" (بمثابة البنك المركزي للولايات المتحدة) مساعدته بضمان قروضه، فما كان منه إلا أن تقدم بطلب لإشهار إفلاسه، حيث وضع نفسه تحت مظلة قانون الإفلاس في الولايات المتحدة، للعمل تحت إشراف قضائي، ريثما يتمكن من حل مشكلات تعثره في السداد مع دائنيه أو ضامنيه..!

ومع تهاوي بنك ليهمان – رابع أكبر مصرف أمريكي- برزت نذر تفاقم الأزمة جلية. ومعها بالضبط، تهاوت مؤسسة ميريل لينش – حائط صد من الطراز الأول- فتقدم بنك أوف أمريكا بشرائها، بمبلغ 50 مليار دولار.. وإلا فالبديل هو شفا الكارثة المحدقة..!

وأخيراً، وبتاريخ 23 سبتمبر (أيلول) أعلن "مجلس الاحتياط الفيدرالي" موافقته على طلب مصرفي (جولد مان ساكس)، و(مورجان ستانلي)، بالتحول إلى شركتين قابضتين تعملان تحت إشراف المجلس المذكور، وتحت رقابة الحكومة الأمريكية، وفق قواعد مصرفية صارمة، بما يتيح للمصرفين الحصول على قروض ائتمانية مضمونة من الحكومة، مما يحفظ استمرارهما، بعد أن فشلا في تحقيق صفقة للاندماج مع كيانات مالية أكبر.

وهكذا، فإن المثير في الأزمة المالية الراهنة هو الدور الجديد الذي تقوم به (الدولة) ممثلة في الحكومة الاتحادية الأمريكية، والحكومة البريطانية، والأجهزة الحكومية المختصة في اليابان والدول الأوربية. وفي الولايات المتحدة بالذات، بدأت تتضح علامات الدور الجديد للدولة والحكومة. فقد وضعت ملامح صفقة إنقاذية للمؤسسات المالية والمصرفية بقيمة تريليون دولار تقريباً. وتمثل ذلك في تعهد الحكومة بتقديم مقترح شامل للكونجرس للحصول على تفويض بإنفاق مبلغ يتراوح بين 700 و900 مليار دولار، تلعب الحكومة بمقتضاها دور (الضامن الأخير) – خط الدفاع النهائي- كتأمين للصناديق والمؤسسات والمصارف العاملة في حقل الإقراض العقاري والسكني. وتوفر من هذا المبلغ أكثر من 250 مليار دولار لدى (مجلس الاحتياط الاتحادي) تم التصرف في نحو 70 مليار دولار منها كدفعة معجلة. وفي نفس الوقت قامت المصارف المركزية في الدول الصناعية بضخ أو التعهد بضخ سيولة مقدرة بنحو 180 مليار دولار- منها 40 مليار من (بنك انجلترا) – بمثابة المصرف المركزي البريطاني- و40 مليار من المصرف المركزي الأوربي، و50 مليار من المصرف المركزي الياباني و10 مليار دولار من كل من المصرف المركزي السويسري والكندي.

Page 3

وإلى جانب دور الحكومات ومصارفها المركزية، هناك المسعى المشترك للمنظومة المصرفية للدول الصناعية، حيث قامت عشر مصارف كبرى، من أصل أمريكي وأوربي، بتأسيس صندوق لمواجهة المخاطر بقيمة 70 مليار دولار.

وتردد أن صناديق الاستثمار السيادية في منطقة الخليج العربي، ومؤسسات مالية ومصرفية خليجية أخرى، قد تكون على استعداد لضخ ما يقارب تريليون دولار (تبدأ بنحو 200 مليار دولار في الفترة الأولى) لشراء أصول مخاطر القروض العقارية الأمريكية، وخاصة لكل من فاني ماي، وفريدي ماك، واللتين تحوزان أكثر من 5 تريليون دولار كديون عقارية، من إجمالي قيمة الرهونات العقارية الأمريكية البالغة نحو 12 تريليوناً([1]). وتجدر الإشارة، بالمناسبة أيضاً، إلى أن صناديق الاستثمار السيادية الخليجية تستحوذ على نصف موجودات الصناديق السيادية في العالم، البالغة قيمتها نحو ثلاثة تريليونات دولار، يتوقع وصولها إلى حوالي 11 تريليونا بحلول عام 2013([2]).

ولكن من أين تمول الحكومة الأمريكية تكلفة الإنقاذ الكلية.؟

كما ذكرنا للتو، فإن الصناديق الاستثمارية في الخليج خاصة من المملكة العربية السعودية والكويت وأبو ظبي، وربما في العالم كله (38 صندوقاً، منها 30 صندوقا عائدة للدول النامية ذات الموارد المالية الكبيرة) يمكن أن تسهم في العملية برمتها. ولكن هذا لا يعفي الولايات المتحدة من العبء، وسوف تقدم،، في الفترة الراهنة، ثلث قيمة الصفقة الكلية على الأقل (300 مليار تقريباً). وهذا التصرف يواجهنا بدلالة مهمة من ناحيتين: من ناحية أولى، سوف يتحمل دافعو الضرائب الأمريكيون، في التحليل النهائي، الشطر الأكبر من التكلفة الكلية (700 مليار دولار حسب بعض التقديرات الحكومية الأمريكية)،. ولما كانت الحكومة الأمريكية في ظل إدارة بوش قد صممت حزمة من السياسات الضريبية المرتكزة على زيادة حجم الاستقطاعات والخفض من المكلفات الضريبية للشرائح العليا من الدخل والثروة، فمعنى هذا أن الفئات الوسطى سيقع عليها العبء الأكبر من تكلفة الإبقاء على النظام المالي الأمريكي الراهن.

ومن ناحية أخرى، فإن الشطر المقترض بواسطة الحكومة، والممول من جانبها، سوف يكون من شأنه مفاقمة العجز في الموازنة الاتحادية وزيادة مقدار الدين العام المحلي ونسبته للناتج المحلي الإجمالي، وربما زيادة العجز في الحساب الجاري والمزيد من الضغط على الدولار.

ويبقى النظام المالي الأمريكي على حاله، من حيث الإفراط في السيولة، وتوجيهها للأغراض (غير المنتجة) في الاقتصاد الحقيقي بالمعنى العلمي، حيث تنصب على إعادة الإقراض المالي، وعلى تمويل الائتمان الاستهلاكي والعقاري والسكني، دون تحقيق (قيمة مضافة) موازية للزيادة في كميات النقود... ليس على مستوى الاقتصاد الأمريكي فقط، ولكن على المستوى العالمي كله. وتكون النتيجة هي تشجيع تكوين كتل (ديناصورية) من الأموال الهائمة التي تظل تدور حول أسواق المال في العالم، من أسهم وسندات، على مدار الساعة، تدور في شبه (حلقة مفرغة) تستثمر النقود لتحصل على المزيد من النقود. ويؤدي ذلك إلى تمويل موجات تضخمية قادمة، وتبديد موارد كان يمكن استخدامها لتوسيع الطاقات الإنتاجية في العالم واستئصال الفقر من الجذور.

ثم أن هذا كله يغذي (الميول المضاربية) على الأموال والأوراق المالية وعلى بيع وشراء الموارد الطبيعية والمواد الغذائية، في صفقات (آجلة) تنشر الذعر في أرجاء الاقتصاد العالمي بدون وجه حق، كما يحدث في حالة النفط.

فإلى أين..؟

لقد بدأت الحكومة الأمريكية اتجاها مهما، هو تفعيل تدخل الدولة في الأسواق، وسوف توجه جانباً من صفقة إنقاذ النظام المالي إلى تطوير مشروعات للبنية الأساسية، تولد فرص التشغيل وزيادة الدخول، على مستوى الاقتصاد، في مسعى لمواجهة الركود. وكانت هذه الحكومة قد قامت بشيء قريب من ذلك، أوائل عام الأزمة، حينما قامت بضخ ما يقرب من 150 مليار دولار على شكل رد نقدي لمستحقاًت ضريبية على الفئات الوسطى ودون الوسطى، لتشجيع الإنفاق، ومواجهة شبح الركود، ومواجهة مارد (التباطؤ)، انطلاقا ًمن المستهلكين.

و لكن ها هي الحكومة الأمريكية تقوم بالحد الأقصى من الجهد المنتظر منها، من خلال انتهاج سياسة، أقل ما توصف به أنها تبدو، ولو في الظاهر على الأقل، تدخلية نشطة، من النمط (الكينزي)، وحيث لا تترك تفاعلات الأسواق على عواهنها، من خلال قوى العرض والطلب، لفشلها في تحقيق التوازن الاقتصادي بصفة تلقائية، كما يقول دعاة (قوى السوق) وخاصة من أنصار (الليبرالية الجديدة).

ولكن فرض السيطرة الحكومية على مؤسستي فاني ماي وفريدي ماك، ثم مورجان ستانلي وجولدمان ساكس، لا يمكن اعتباره من قبيل التأميم، ولا يمكن اعتباره، من ثم، بمثابة مقدمات لانتهاج سياسة ذات ملامح (اشتراكية)، كما يدعي بعض المراقبين، بل ولا يمكن اعتباره بمثابة نوع من التخلي عن (قواعد اللعبة الرأسمالية).

أقصى ما يمكن قوله، إنه ضرب من التجديد في استخدام أدوات السياسة المالية والنقدية، لمواجهة مخاطر ماثلة أو متوقعة، داخل النظام الرأسمالي نفسه. ولكن لا نتوقع أن يصل الأمر، في الفترة الراهنة على الأقل، إلى ما يشبه السياسة التي انتهجها فرانكلين روزفلت لمواجهة (الكساد العالمي الكبير) في الثلاثينات من القرن المنصرم، من خلال ما سمي (السياسة الاقتصادية الجديدة) –نيو ديل- حسب نظرية كينز، بالانتقال من سياسة (الدولة الحارسة) إلى (الدولة المتدخلة).

ومن يدري.؟ فقد يفعل باراك أوباما شيئاً قريبا مما سبق أن فعله فرانكلين روزفلت..!

Page 4

2- خطوة إلى الأمام..خطوتان إلى الخلف..؟

حزمة الإنقاذ المالي الأمريكية في الميزان

تفاعلت الأزمة المالية العالمية في عقر دار المركز الرأسمالي المسيطر، الولايات المتحدة الأمريكية، بصورة (دراماتيكية)حقاً في وقت وجيز، وإن تكن مقدماتها ظاهرة للعيان لأعوام عديدة، كما أشار جوزيف ستيجلتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، وهو ما كان يدعو إلى التنبه بصورة أدق، من جانب صانع القرار الأمريكي.

والمثير في الأمر، كما لاحظت (الإيكونوميست)([3])- أن مركز الأزمة لم يكن في النظام المصرفي الرسمي، وإنما في المنظومة المصرفية غير الرسمية، إذا صح هذا التعبير.

وتمتد هذه المنظومة من مجموعات التمويل (مثل ميريل لينش التي أفلتت من الانهيار بشرائها من قبل "بنك أوف أمريكا" في 17 سبتمبر 2008) ومؤسسات التأمين (وخاصة "المجموعة الأمريكية الدولية" AIG والذي أنقذتها الحكومة الأمريكية بقرض يقيمة 85 مليار دولار) وشركات الرهن العقاري (فاني ماي وفريدي ماك واللتين فرضت الحكومة سيطرتها عليهما) والمصارف الاستثمارية (مثل ليهمان براذرز الذي رفضت الحكومة الأمريكية إنقاذه فتفجرت الأزمة بإعلان إفلاسه في 16 سبتمبر 2008)، وكل من جولدمان ساكس ومورجان ستانلي اللتين وافقت الحكومة على تحولهما من مصرفين استثماريين إلى شركتين قابضتين لإنقاذهما من السقوط في 21 سبتمبر)، والمؤسسسات المالية التي رعتها الحكومة (مثل بير ستيرنز التي أنقذتها الحكومة الأمريكية مبكرا في مارس الماضي)، وصناديق التحوط..إلخ.

انهار هذا البنيان الهائل، ليس بين عشية وضحاها على كل حال. فهذا الانهيار وليد الفلسفة (الليبرالية الجديدة) القائمة منذ مطلع الثمانينات من القرن المنصرم، على إطلاق العنان للقطاع الخاص وآلية السوق. وهو ليس أي قطاع خاص..! فهي الشركات العملاقة (الديناصورية) التي هيمنت على الاقتصاد الرأسمالي المتقدم في مركزه الثلاثي (أمريكا الشمالية، وأوربا الغربية، واليابان) وعلى ملحقاًت هذا الاقتصاد (في شرق آسيا) وعلى تخومه البعيدة –وراء البحار فيما كان يسمى "العالم الثالث"- ثم مدت نطاق هيمنتها منذ مطلع التسعينات، على الاقتصاد العالمي بأكمله لتضم المجموعة السوفيتية السابقة، وخاصة أوربا الشرقية، وما تبقى من بلاد العالم الثالث التي كانت تمتعت بعلاقات خاصة مع الاتحاد السوفيتي. هكذا إذن أصبح النظام الرأسمالي الدولي نظاما عالميا، وإن شئت فقل، أصبح هو (النظام العالمي)، بل صار نظاما كوكبيا يتربع على عرش الكرة الأرضية جميعاً.

سيطرت هذه الشركات (عابرة الجنسيات) على الإنتاج الدولي من خلال الاستثمارات المباشرة، تنقل المصانع إلى خارج (المركز) ومعها التكنولوجيا ورأس المال، وإن تكن التكنولوجيا أقل تطورا، وأعلى كلفة، وأكثر إضرارا بالبيئة البشرية. وسيطرت البنوك عابرة الجنسيات، وشركات ومؤسسات التمويل الخاصة العملاقة من الغرب، على حركة المال والسيولة، في العالم المتقدم والشطر الأكبر من العالم الأقل تطورا- تساندها "مؤسسات بريتون وودز" التي ولدت في عام 1944 في تلك المدينة الأمريكية الصغيرة، وهي صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي. ولحق ببريتون وودز، منظمة التجارة العالمية منذ 1994.

Page 5

فهذا الهيكل الاقتصادي الضخم هو الذي يتولى إدارة النظام الاقتصادي العالمي. وهو يدير ذلك النظام منذ الثمانينات بالذات، وفق فلسفة القطاع الخاص والسوق (الحرة). فلا غرو، أن تعملقت الشركات والمؤسسات المذكورة، بنيةً وأدوارا، في غيبة من الرقابة والإشراف والتنظيم. وكيف تخضع للرقابة والإشراف والتنظيم، وهي التي تتولى الرقابة والإشراف والتنظيم للاقتصادات المتقدمة والنامية والناهضة جميعاً، وتتفرغ لإملاء الدروس على أولئك الآخرين، حول ضرورة الإذعان لأوامر السوق التي لا ترد، ولمصالح القطاع الخاص الكبير، (التي تتوافق بالضرورة مع مصالح المجتمع..!؟ )، من خلال اليد الخفية التي تكلم عنها آدم سميث عام 1776في كتابه الموسوم (بحث في أسباب وطبيعة ثروة الأمم).

وقد تم انتقاء جمل وفقراًت من سِفر آدم سميث العظيم، لتوافق هوى الأفراد (لا الأمم) ولتخدم تراكم الرأسمال (وليس بناء الثروة) وتحديد الأجور (بدلا من وضع مستوى الأجور وفق تكلفة المعيشة وقيمة العمل).

ومنذ وقت قريب، وقعت أزمة شركة (أونرون) عام 2002 وانهيارها، بفعل غياب الرقابة الحقيقية على حساباتها وحسابات الشركات العملاقة الأخرى. وكان ذلك الانهيار بمثابة (جرس إنذار) لوضع نظم رقابة فعالة، وتطبيقها بصرامة عبر الزمن، وهو ما لم يحدث.

و من قبلها الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، والتي وقعت بسبب غياب الرقابة والتنظيم على حركات رؤوس الأموال عبر الحدود، وانفلات أسواق المال، والتوسع المفرط في استثمارات "الحافظة المالية" على حساب القطاعات المنتجة في داخل (الاقتصاد الحقيقي)، وفوضى أسعار الصرف، وجمودها أحياناً، وتلاعب المضاربين وشركات المضاربة الرأسمالية الدولية الكبرى.

ولماذا نذهب بعيداً، وهذه أسعار النفط تعلو وتهبط، بفعل تلاعب المضاربين في أسواق البيع الآجل، دونما رقابة أو توجيه أو تنظيم، ودون نظام للجزاءات والعقوبات، أو المحاسبة الضريبية الصارمة، كما لاحظ وليد خدوري بشأن "أسواق النفط في ظل أزمة الاقتصاد العالمي"([4]). ويلقون باللائمة صباح مساء على الدول المنتجة للنفط، داعين إياها إلى زيادة الإنتاج، وتجاوز الحصص، مصداقا لقول الشاعر العربي القديم (رمتني بدائها وانسلّت)..!

وحسناً فعلت معظم هذه الدول، خاصة في الخليج العربي، إذ تضع موازناتها العامة على أساس سعر افتراضي تقديري للنفط لا يتجاوز في الغالب أربعين دولاراً للبرميل، حتى تجنب أنفسها بعض العواقب المحتملة في حال انخفاض الأسعار. ولكن هذا لا يعفي الدول ذات الفوائض من تبعات الأزمة الراهنة، جرّاء انخفاض قيمة الأسهم التي تتملكها في حصص الشركات الأمريكية المتعثرة، إذ قدرت الخسائر التي لحقت بالمستثمرين الأجانب في الولايات المتحدة في الفترة الأولى للأزمة، وفق بعض المصادر، بنحو700 مليار دولار، تمثل 26% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في أسهم الشركات الأمريكية. فضلا عن خسائر في الرهن العقاري على امتداد العالم- خارج أمريكا- بمقدار 550 مليار دولار (مقابل 300 مليار في الولايات المتحدة)([5]).

Page 6

والآن ما هو مضمون خطة الإنقاذ الأمريكية وتبعاتها؟

إن الخطة الأصلية قام بإعدادها رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي بيرنانك ووزير الخزانة هنري بولسون. ويشير البعض إلى استلهامهما لفلسفة (نيوديل) – السياسة الجديدة – لفرانكلين روزفلت في معالجة الكساد العظيم للثلاثينات من القرن المنصرم، والقائمة بدورها على نظرية الاقتصادي البريطاني الكبير، اللورد كينز، في كتابه (النظرية العامة في التوظف والفائدة والنقود) بشأن حث التدخل الحكومي عن طريق سياسة الإنفاق العام والضريبة وأسعار الفائدة- أي استخدام أدوات السياسة النقدية والمالية لمواجهة إخفاقات الأسواق وأخطاء المشروعات- وذلك على النقيض من رؤى الاقتصاديين التقليديين (أو الكلاسيك) والتقليديين المحدَثين، (أو النيوكلاسيك) بشأن أن السوق تصحح نفسها وأن اقتصاد المشروعات الخاصة ليس بحاجة لدور ما من الحكومة.

ولكن الخطة الأصلية تلك، لم تحمل بصمات كينزية حقيقية، واحتاج الأمر إلى معارضة صارمة من الديموقراطيين في الكونجرس الأمريكي بمجلسيه (الشيوخ والنواب) ليتم وضع "لمسات" ذات طابع كينزي يعيد لليبرالية شيئاً من وجهها (الطيب) أو (المتسامح)، في مواجهة الوجه الكالح "لليبرالية الجديدة" التي حمل رايتها – في الحقل السياسي- "المحافظون الجدد" من أنصار التاتشرية والريجانية سابقاً، و"البوشية" حديثاً، إن صح أن تكون هناك وصفة (بوشية) حقاً.

وهكذا خرجت خطة الإنقاذ إلى النور بعد جهد جهيد، إذ رفضها النواب، ثم أقرها الشيوخ، ووافق النواب على الصيغة المعدلة أخيراً في 3/10/2008.

إن التكلفة الإجمالية البالغة ما بين700 و900مليار دولار، كان سيتم إنفاقها لشراء أصول المؤسسات المتعثرة في قطاع الرهن العقاري، أو إعادة شراء القروض المعدومة، بقيمة 300 مليار دولار تقريباً،، مع حزمة من الإجراءات تتضمن رفع الحد الأدنى للضمان الحكومي للودائع المصرفية، وتعديل أسلوب الاقتراض والرهن بهدف "تصعيب" إشهار إفلاس المدينين الصغار المتعثرين في السداد، بحيث يسمح باحتفاظ الملاك بمساكنهم - بالإضافة إلى جملة حوافز ضريبية للممولين أو دافعي الضرائب الصغار والمتوسطين بقيمة 150 مليار تقريباً، وأيضاً: فرض نظام للرقابة متعدد الدرجات على المؤسسات المالية، خاضع للاستكمال المؤسسي بتشريع لاحق.. وأخيراً: تقنين مكافآت نهاية الخدمة لكبار المديرين.

ويرى البعض أن الحكومة لن تتحمل بالضرورة القيمة الإجمالية للتكلفة المذكورة - من باطن المكلفين بالضريبة- نظراً لاحتمال سداد جزء من القروض بالفعل، وارتفاع قيمة الأسهم للشركات المتعثرة مستقبلا، وبالتالي ارتفاع قيمة القروض التي أعيد بيعها عن طريق إصدار سندات من جانب مصارف الاستثمار المعنية لصالح شركات التأمين والرهن العملاقة.

بيْد أن الثقة غير متوفرة في إمكان التعافي السليم والسريع للنظام المالي الأمريكي.

والدليل على ذلك هو رد الفعل السلبي، والمتشائم على أقل تقدير، للمتعاملين وأسواق المال في الولايات المتحدة نفسها، وفي أوربا وآسيا، ومنطقة الخليج العربي. فقد حدث تراجع عام لقيم الأسهم في مؤشرات البورصات الكبرى، والاتجاه النزولي لمؤشر داو جونز الأمريكي بالذات. ويعكس ذلك خشية الأسواق من عدم القدرة على تنفيذ خطة الإنقاذ المالي، وعدم نجاعتها إن قدر لها التطبيق بالفعل.

ولا عجب في ذلك. فالولايات المتحدة، برغم تكيفها مع انخفاض سعر صرف الدولار لتشجيع الصادرات - والارتفاع الطفيف لهذا السعر وخاصة في مواجهة اليورو - وبرغم خفض سعر الفائدة من نحو 4% إلى نحو 1% لمواجه شبح التباطؤ والركود (ولا نقول الكساد)، برغم كل ذلك فإن التكلفة المقدرة بسبعمائة مليار سوف تضاف إلى عجز في الوازنة الاتحادية الأمريكية بمبلغ يتراوح بين 400 و700 مليار دولار أخرى، وعجز في الحساب الجاري بنحو 62,2 ملياراً، ومديونية إجمالية تجاه الدائنين الأجانب - خاصة في مجال إصدرارت السندات - بنحو 3 تريليون دولار..!

Page 7

فالعلل كامنة إذن في بنيان الاقتصاد الأمريكي، ولكن لديه موارد استراتيجية عظمى، منها: قوة "العملة الخضراء"، واستخدامها كعملة احتياطي دولية كبرى من قبل المصارف المركزية والمؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف، وتسوية المعاملات الدولية في سلع استراتيجية بهذه العملة (خاصة النفط)- ومنها التفوق العلمي والتكنولوجي الكاسح للولايات المتحدة في مواجهة كل من أوربا واليابان، منذ مطلع التسعينات، وارتفاع القدرة الابتكارية ومعدلات الإنتاجية. والأهم من كل ذلك: جني منافع اقتصادية غير محدودة من وراء احتلال مركز القيادة في هيكل النظام الدولي القائم – كقطب وحيد أو شبه وحيد، ولو مؤقتاً- مما يتيح لهذه الدولة الحصول على موارد طبيعية وطاقوية تحتاج إليها، وموارد مالية، بل وبشرية أيضاً، بتكلفة مقبولة من وجهة نظر المصالح الاقتصادية.

إن كل ذلك قد مكّن الولايات المتحدة من الاستمرار بنموذج نموها الفريد، القائم على الاستهلاك أساساً (نحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي)، وليس على الادخار والاستثمار الذاتي- ومؤدى ذلك تشجيع الائتمان المصرفي الموجه لاقتناء وحيازة السلع الاستهلاكية المعمرة من قبل الأفراد (مساكن- سيارات – أجهزة منزلية ومعدات ترفية). ومن هنا تقبع أزمة الإقراض العقاري الراهنة: حيث تزايد الإقبال على الاقتراض في ظل انخفاض أسعار المساكن، مع الإعفاء من دفع الأقساط لمدة ثلاث سنوات، والاكتفاء بالفوائد خلالها- واتخاذ المساكن كرهون قابلة للبيع بعد إفلاس ملاكها المفترضين.. وبعد ذلك، وتحت وطأة الأقساط واجبة السداد، وارتفاع تكلفة الفوائد المتراكمة، عجز الملاك المدينون عن السداد، وبدأت الدائرة تدور..!

القمة الأوربية

انعقدت قمة أوربية مصغرة يوم 4/10 في ظل الرئاسة الفرنسية الدورية للاتحاد الأوربي، ضمت فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، وحققت إنجازا رمزياً، ولكنها أخفقت من وجهة النظر الموضوعية. فقد أقرت ضرورة العمل من أجل رأسمالية صحيحة، وأضاف الرئيس الفرنسي: (غير قائمة على المضاربات). ولكن القمة كان معروضا عليها مشروعان، لم تتفق على أي منهما: مشروع فرنسي بتأسيس صندوق لمساعدة المؤسسات الأوربية المتعثرة بقيمة 300 مليار دولار، ومشروع بريطاني بإنشاء مخصص بقيمة 12 مليار دولار لذات الغرض. ولم تتحمس ألمانيا لفكرة الصندوق والمخصص المالي، وشقت طريقاً خاصاً بها لمعالجة الأزمة في جوانب معينة، إلى جانب بعض الدول الأخرى أعضاء الاتحاد الأوربي من غرب وشمال أوربا، وخاصة من حيث الضمان الحكومي لكامل الودائع المصرفية، بدون هامش معين، كما فعلت الخطة الأمريكية.

وانعقدت القمة الأوربية الكاملة للاتحاد الأوربي يومي 15 و16 من شهر أكتوبر - للنظر في وضع رد أوربي مشترك على الأزمة. وانعقد بالفعل اجتماع تحضيري لوزراء المالية بوم 6/10 مؤكدا الحاجة التي عبرت عنها القمة الرباعية بشأن إصلاح قواعد النظام المالي، وداعياً إلى العمل من أجل استقرار الأسواق وتوجيه البنك المركزي الأوربي لمساعدة المصارف المتعثرة (عند الضرورة) "فقط"، في دعم لوجهة النظر الألمانية السابقة، فيما يبدو، من حيث عدم إعطاء (صك على بياض) للمؤسسات المالية ذات العلاقة، [دون أن تكون هناك ضوابط كافية تحكم سلوكها وأداءها في تعاملها ونشاطاتها الائتمانية]([6]):

فما حدود الأفق..؟

على الأجل القصير، تجلى التنازع بين اتجاهين: اتجاه الإدارة الأمريكية الداعي إلى التركيز سريعاً على تخفيف الاحتقان في الأسواق، لخدمة الحملة للانتخابية للمرشح الجمهوري ماكين، مع القيام بإجراءات ذات طبيعة رمزية مثل الرضوخ لمطلب بمحاكمة قيادات بعض المؤسسات المنهارة بتهمة (الاحتيال) فيما يبدو أنه اتهام بإلحاق خسارة متعمدة في الأصول الخاصة بهذه المؤسسات، على الورق، للحصول على الدعم الحكومي اللازم.

وهناك الاتجاه الآخر الذي تزعمه سياسياً، بعض قادة الحزب الديموقراطي، بشأن التأكيد على مسئولية الجمهوريين عن المأزق الراهن، والإعراب عن المخاوف من المعالجة المبتسرة للأزمة الراهنة.

هل هو امتداد للتنازع الدائم، ضمن لوحة السياسة الأمريكية منذ نشأتها، بين (الليبرالية الطيبة) الداعية إلى تحسين توزيع الدخول ومراعاة محدودي الدخل والطبقات المتوسطة والأقليات، من خلال تدخل الحكومة، وبين (الليبرالية الشرسة) التي تصطف إلى جانب القطاع الخاص الكبير والشركات ذات الحول والطول، وتشجع الاتجاه الامبراطوري والمغامر في السياسة الخارجية..؟

ربما كان الأمر كذلك. ولكن من المؤكد، أن زمان الرأسمالية ما يزال ممتداً في الأفق الآتي على المستوى العالمي العام، طالما لم يتشكل البديل الحقيقي على المستويين: الوطني والعالمي، ولم تنضج ظروفه الموضوعية بصورة حقيقية. وهناك تغيرات كبيرة تترى في الموازين التاريخية خلال السنوات القليلة الأخيرة، في غير مصلحة الرأسمالية العالمية.

Page 8

3- سحابة عابرة، أم فيضان مدمر..؟

أم زلزال متوسط القوة"..؟

والرأسمالية الأمريكية إلى أين..؟

أسئلة معقدة تتردد على كل الألسن وتلوكها الأفواه:

· هل أن الأزمة المالية العالمية الراهنة تمثل سحابة عابرة سرعان ما تنقشع، أم هي فيضان مدمر ومتطاول يكتسح الجميع- أم هي أمر آخر؟.. وهل تمس عدواها بلدانا أخرى، وإلى أي مدى..؟

· وما الفرق بين هذه الأزمة والأزمات الأخرى التي شهدها النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي خلال ما يقرب من قرن مضى، من حيث رد الفعل العام ووصفة العلاج..؟

· وهل هي نذير بأفول الرأسمالية أم بشير تصحيح وتصويب لمسارها العام..؟ أم لا هذا ولا ذاك.؟

هذه الأسئلة مترابطة، يأخذ بعضها برقاب بعض، في صلة لا تنفصم. فأين الحقيقة؟

فلنبدأ بمحاولة الإجابة على السؤال الأول.

إن هذه الأزمة أزمة كبيرة وعميقة حقاً، وذات أثر سلبي لا ريب فيه على الاقتصاد العالمي، وخاصة الاقتصاد الرأسمالي المتقدم. وقد ذكر المدير العام لصندوق النقد الدولي، الفرنسي: دومينيك شتراوس- كان، أن الجهاز الفني للصندوق يتوقع هبوط معدل النمو في الدول المتقدمة خلال النصف الأول من 2009 من 3% إلى صفر في المائة، وانخفاض معدل النمو العالمي الإجمالي من 5% إلى 3%. أما رئيس البنك الدولي، الأمريكي: روبرت زوليك، فقد أقر بالهبوط المقدر من قبل صندوق النقد الدولي، فيما يبدو، وإن ذكر أن العالم ليس مقبلاً على فترة ركود، طالما أن الاقتصاد العالمي سوف ينمو بمعدل 3%، إذ الركود - في رأيه- يتحقق وقوعه حينما يكون معدل النمو بالسالب - أي دون الصفر. ولكن انخفاض معدل النمو في رأيه سيكون المتضرر منه هي الدول النامية، بما فيها بعض الدول المنتجة للنفط وخاصة في (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) – أي الدول العربية أساساً- والتي ستعاني موازناتها المالية من المصاعب بفعل انخفاض محتمل في أسعار وعوائد النفط، إثر انخفاض مستويات الطلب على الطاقة في الولايات المتحدة وسائر الدول الصناعية من جرّاء الأزمة. أما المتضرر الأكبر - في تقدير البنك الدولي- فهي البلاد الفقيرة، وخاصة الأكثر فقراً، حيث يتوقع انحدار 44 مليون نسمة إلى هاوية الفقر الشديد، وخاصة من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.

Page 9

هي أزمة حقيقية إذن، وشاملة أيضاً. إنها ليست مجرد سحابة عابرة، كما أنها أقل من "فيضان مدمر". ولكن هل تطال الجميع...؟

تختلف تضاريس الأزمة بين المجموعات الدولية الاقتصادية المختلفة، وداخل الدول المنفردة ضمن كل مجموعة.. إنها أشبه بالزلزال "متوسط القوة".. ومركز الزلزال هو الاقتصاد الأمريكي بالذات، تليه دائرة الاتحاد الأوربي الذي تتميز اقتصاداته بالعلاقة التفاعلية القوية مع الاقتصاد الأمريكي، بفعل قوة التشابك بين المؤسسات الغربية "متعددة" الجنسيات، وعابرة الجنسيات بتعبير أدق، بما في ذلك المؤسسات المالية على صعيد المصارف التجارية والاستثمارية، وأسواق الأسهم والسندات والمشتقات المالية، وشركات التأمين. وتلي الاتحاد الأوربي، دائرة اليابان، حيث عانت مؤسساتها المالية والتأمينية من خسارة القيمة السوقية للأسهم في الأسواق المالية الكبرى، ولو بحكم "أثر العدوى"، ومن ثم مواجهة شبح الإفلاس. كما تتزايد معاناة الاقتصاد الياباني بفعل انخفاض الطلب الأمريكي والأوربي على الصادرات، وهي المحور المحرك لعجلات الاقتصاد الياباني.

أما الدول النامية فيتفاوت الأثر فيما بينها، تبعا لدرجة انفتاح الاقتصاد على الخارج، تجارياً (تصديراً واستيراداً) ومالياً (بالاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، والقروض التجارية والميسرة)، وتبعا لدرجة "تحرير" المعاملات المالية (دخول وخروج رأس المال) خاصة في البورصات وأسواق المال، والمدى الذي تصل إليه الرقابة وفرض الضوابط، فيما يتعلق بالدخول والخروج، بما في ذلك مثلاً: التعامل على المشتقات المالية في أسواق المال الخارجية وإصدارات الأوراق المالية والسندات بالعملة المحلية والأجنبية و(شهادات الإيداع الخاصة) على بعض الأسهم المحلية ذات التداول في أسواق المال الخارجية، ومدى تواجد البنوك الأجنبية في النظام المصرفي المحلي.

ويشار في هذا السياق إلى أن صانع السياسة المالية والنقدية في جمهورية مصر العربية مثلاً، استحدث في الأعوام الأخيرة قواعد تشريعية سمحت بمزيد من "تحرير حساب رأس المال"، بما في ذلك التعامل على المشتقات المالية في البورصات المحلية، وفتح المجال أمام مشاركة الأجانب في عمليات سوق المال وتحقيقها نسبة مرتفعة نسبياً في أسواق التداول بما يتراوح بين 6% و50% بين الفترات المختلفة،بما يفتح الباب أمام أعمال المضاربة على الأسهم، خاصة مع السماح بخروج أصل رأس المال والأرباح، بدون قيود تقريباً، مع تدبير المقابل للجنيه بالعملة الأجنبية من سوق الصرف المحلي. يضاف إلى ذلك:إصدار السندات بالدولار وبالجنيه المصري في أسواق المال الأوربية، والتداول على بعض الأسهم المحلية في أسواق أجنبية بمقتضى شهادات إيداع خاصة. كما سمح المشرّع في مصر أيضاً بالمشاركة الأجنبية في تملك مصارف مصرية عامة وخاصة، بل وإقامة فروع محلية كاملة لبنوك أجنبية. ومؤدى كل ذلك، تيسير انتقال عدوى الأسواق المصابة إلى داخل الاقتصاد وسوق المال في مصر بسهولة نسبية.

وكذا يتفاوت أثر الأزمة المالية العالمية على الدول المختلفة، تبعا لمدى توفر سياسات للتحوط المالي، وهو ما يجد له أمثلة إيجابية من دول (مجلس التعاون الخليجي) التي أمعنت في بناء الاحتياطيات بالعملات الأجنبية، وتأسيس الصناديق السيادية وصناديق "الأجيال المقبلة"، بالإضافة إلى إعداد الموازنات العامة السنوية للحكومة، كموازنات تقديرية لعامٍ مقبل، وفقا لأسعار منخفضة للنفط، وبأقل كثيراً من المستويات السائدة في الأسواق العالمية، بما يعطي مرونة أكبر لصانع الساسة المالية. وعلى الجانب الآخر (ذي الطابع السلبي) يذكر اتساع نطاق تعاملات الصناديق السيادية للدول الخليجية- خلال الأعوام الأخيرة- في أسواق المال الأجنبية، خاصة الأمريكية، بما في ذلك مشاركات في "رأس المال السهمي" Equity Capital للمؤسسات المالية، وشراء السندات الحكومية طويلة الأجل وأذون الخزانة قصيرة الأجل، وعمليات الإقراض لمؤسسات يتعامل بعضها على القروض العقارية نفسها.

وأخيراً، يتفاوت أثر الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المحلي، طبقاً لدرجة الاعتماد والتبعية الخارجية، من خلال استقبال المعونات الأجنبية، نقدية وعينية وتقنية، كما في حالة البلدان الفقيرة و(الأقل نمواً). إذ من المتوقع أن تقل انسيابات الأموال المخصصة للمعونة للبلدان المذكورة، في ظل تباطؤ، أو ركود الاقتصاد في الدول المانحة، ونقص رؤوس الأموال، وشح السيولة.

Page 10

هذا كله عن السؤال الأول من الأسئلة الواردة في صدر هذا الحديث: سحابة أم فيضان؟ وهل تمس الجميع، وإلى أي مدى؟ ونأتي إلى السؤال الثاني: ما الفرق بين الأزمة الراهنة والأزمات السابقة، لا من حيث المسببات، ولكن من حيث "وصفة العلاج" وأثرها المتوقع.؟

بدأت ملامح الأزمة المالية في الولايات المتحدة، في التكشف تدريجياً خلال العامينالسابقين على انفجار الأزمة. وبعد (فترة تأخير) طويلة نسبياً، بدأت خطوات العلاج في الولايات المتحدة، بطيئة ومتثاقلة، منذ 16 مارس من العام 2008 من خلال مساعدة الحكومة الأمريكية لصفقة شراء أول مصرف متعثر في الولايات المتحدة (بير ستيرنز) من قبل مصرف جي بي مورجان.

وبعد (صمت) لصوت الأزمة لمدة ستة شهور، أوشكت مؤسستا فاي ماي وفريدي ماك على الإفلاس، فقامت الحكومة الأمريكية بفرض السيطرة المباشرة عليهما، من خلال شراء أغلبية الأسهم، فيما أطلق عليه مصطلح (التأميم)، يوم 7 سبتمبر. وفي 14- 15 سبتمبر تكشفت أزمة نقص السيولة لدى بنك (ليهمان براذرز) رابع أكبر بنك في الولايات المتحدة وفي 17 سبتمبر طلب البنك حمايته من الدائنين بوضعه تحت مظلة "قانون الإفلاس" بعد أن رفضت الحكومة إنقاذه، وكانت قيمة معاملاته في الديون المتعثرة، من خلال (صفقات مقايضة الديون المتأخر تحصيلها) قد بلغت نحو 700 مليار دولار: (613 ملياراً بالضبط). ولكن في نفس اليوم تقريباً، وبعد مأساة طلب شهر إفلاس المصرف السابق، قامت الحكومة بإنقاذ شركة التأمين العملاقة التي كانت ضامنة لمعظم صفقات ذلك المصرف بالذات، وهي (إيه آي جي) - المجموعة الأمريكية الدولية. وكانت هذه المجموعة قد تراكمت عليها قيمة بالغة الارتفاع لعمليات (مقايضة الديون) بنحو 440 مليار دولار، وتمثلت (القشة التي قصمت الظهر) في عجزها عن الوفاء بالتزامات بلغت قيمتها 14 مليار دولار من وثائق التأمين. فلم يكن بد من إنقاذها، لسبب مهم وهي أنها كانت (بمثابة جداًر الأمان الأخير في سوق عمليات مقايضة الديون)([7]).

وقد تفاعلت نُذُر الأزمة أصلا من خلال سوق عمليات مقايضة الديون، وتجارة المشتقات المالية، أي إصدار أسهم وسندات وأوراق مالية أخرى مدعومة بالرهونات العقارية، كشكل من أشكال الضمان، أو التأمين على الديون المتعثرة وغير محققة السداد. وكان تضخم قيمة هذه العمليات وراء انفجار الأزمة أخيراً، إذ بلغت قرابة 62 تريليون دور، وإن انخفضت إلى 55 تريليون دولار، بفعل التدخل الحكومي.

وقد لا يعلم الكثيرون أن أزمة (الكساد العالمي الكبير) والتي استمرت قرابة خمس سنوات (1929-1933) مضت بدون علاج حقيقي حتى شارفت على النهاية، بعد أن استنزفت قوى الاقتصاد الغربي والأمريكي، في دورة قاسية من "دورات الأعمال" المتعاقبة، والمعروفة في تاريخ الرأسمالية العالمية. فالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، صاحب (السياسة الجديدة) ذات الجوهر "الكينزي"- التدخلي، لم يتولّ المنصب الرئاسي إلا في أول يناير 1933، وبدأت (دورة) لحكم الحزب الديموقراطي لمدة عشرين سنة، على أيدي روزفلت وترومان، حتي مجيء الرئيس (الجمهوري) العتيد، دوايت أيزنهاور، في أول يناير 1953.

ويتمثل جوهر "السياسة الجديدة" لروزفلت في استخدام أدوات السياسة النقدية والمالية للتغلب على الركود ومعاودة الانتعاش عبر التعافي التدريجي، الذي استكملت حلقاته بالدور النشيط للجهاز الاقتصادي خلال الحرب العالمية الثانية، مصحوبا بالدور القيادي للإنفاق الحكومي في المجالين: المدني والعسكري.

وما أدوات السياسة النقدية للحكومة سوى سعر الفائدة وسعر الصرف و"منْح الائتمان". وما أدوات السياسة المالية للحكومة سوى أدوات الميزانية: الإنفاق العام، من جهة أولى، والضريبة، و"الضريبة السلبية" أي الدعم والإعانات، من جهة أخرى.

وعن طريق خفض معدلات الفائدة يتم تشجيع الاقتراض وإقامة المشروعات الاستثمارية، تدعمها سياسة تيسيرية في مجال تقديم القروض للمبادرين والمنظمين وأرباب المشروعات. وعن طريق خفض سعر العملة الوطنية في مواجهة العملات الأجنبية، يتم تشجيع الصادرات وكبح نمو الواردات، بالاستفادة من ارتفاع مرونة الجهاز الإنتاجي إزاء تغير سعر العملة (علماً بأن هذا الشرط، أي مرونة الجهاز الإنتاجي، غير متوفر في البلاد النامية-"غير الناهضة"- ولذلك لا يؤدي خفض العملة، في حد ذاته، إلى أثر إيجابي لحفز الصادرات في تلك البلاد).

وعن طريق النفقات الحكومية الموجهة إلى زيادة حجم التشغيل من خلال التوسع في مشروعات البنية الأساسية بالذات، يتم خلق فرص العمل وتوليد الدخول. وينتج عن ذلك ذلك، زيادة إنفاق الأفراد على الاستهلاك (ويؤدي هذا بدوره إلى زيادة "مضاعفة" في الدخل القومي، في نهاية المطاف، من خلال ما يسمى في علم الاقتصاد بأثر "المضاعف") وكذا زيادة إنفاق الرواد المبادرين وأصحاب رأس المال، على الاستثمار في المشروعات الجديدة (ويؤدي هذا بدوره أيضاً إلى زيادة "مضاعفة" نهائية في الدخل القومي عن طريق ما يعرف بأثر "المعجّل" أو "المسرّع").

وعن طريق الضريبة والإعانات يتم "التمييز الإيجابي" لصالح المشروعات الإنتاجية المحققة لزيادة التشغيل وتسريع دورة خلق الدخول، ولصالح أصحاب الدخول المحدودة.

هذه الوصفة العلاجية المتكاملة والقائمة على تفعيل قوة التدخل الحكومي، لم تجرب إذن بشكل حقيقي إبان اندلاع أزمة الكساد الكبير، وكانت هناك "فترة تأخير" مقدرة بعدة سنوات – برغم سبق بلورتها، على المستوى النظري، منذ عام 1926 تقريباً، من خلال أعمال المفكر الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز.

فأين هذا مما جرى خلال الفترة الأخيرة، حينما هرع كل من وزير الخزانة (بولسون) ورئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي (برنانكي)، لوضع وصفة أولية، جرى استكمالها من خلال مجلسي الكونجرس، لتكتسي ملامحها "الكينزية" خلال أيام معدودات.