Page 1
تقديم:
تفجرت الأزمة المالية الاقتصادية العالمية في شهر أيلول/ سبتمبر من عام 2008 في الولايات المتحدة الأمريكية وهي الأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد قادت هذه الأزمة إلى تداعيات خطيرة كالانهيارات المالية الضخمة في الولايات المتحدة والتي أصابت العديد من المؤسسات المالية والبنوك وشركات التأمين والبورصات وشركات الرهن العقاري في الولايات المتحدة ومن ثم انتقلت آثارها وتداعياتها إلى معظم دول العالم مثل دول الاتحاد الأوروبي والصين واليابان.وعلى الفور قامت الحكومة الأمريكية بالتدخل السريع من أجل إنقاذ بعض المؤسسات المالية التي أعلنت إفلاسها. وكذلك قامت أيضاً بتأميم أهم شركتين للرهن العقاري وهما "فاني ماي" و "فريدي ماك" وإدماج بعض البنوك مع بعضها البعض لتلافي الإفلاس. وبهذا التدخل نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد خرقت القواعد الأساسية لأيديولوجية الليبرالية الجديدة والتي تؤمن باقتصاد السوق الحرة وعدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية. وقد توهم رواد المدرسة الليبرالية الجديدة من "ميلتون فريدمان" والمحافظين الجدد في أمريكا وبريطانيا على أنهم قادرون على فرض ونشر مفاهيم الليبرالية الجديدة المنفلتة بالإكراه والاحتلال والعدوان العسكري وخاصة في الأجزاء المتعلقة منها باقتصاد السوق وتقليص دور الدولة في الاقتصاد إلى الحدود الدنيا والإذعان إلى آليات السوق القادرة على تعزيز أحادية العولمة الأمريكية وسيطرتها على مقدرات العالم.
ويعبر الكثير من الاقتصاديين إلى أن أسباب الأزمة المالية الاقتصادية العالمية الراهنة ترجع إلى طبيعة النظام الرأسمالي حيث أن هذه الأزمة قادت إلى إفلاس الكثير من البنوك العملاقة في الولايات المتحدة والعالم وخلقت فوضى عارمة في أسواق المال وانهارت البورصات وهذا ما يدل على فشل ونهاية عصر "الرأسمالية" التي تحقق معظم أرباحها الخيالية المصطنعة على أساس المضاربات، كما أنها تدير أموال وأنشطة العالم الاقتصادية بعقلية المقامرين في كازينوهات القمار وأن أسواق المال تحكمها نفس قواعد المقامرة التي تديرها المافيات وهذا ما ينطبق على قواعد اقتصاد السوق والاقتصاد الحر. بالإضافة إلى ذلك فإن طبيعة التناقضات الملازمة لنمط الإنتاج الرأسمالي والتي تظهر وبصورة دورية في شكل أزمات فيض الإنتاج حيث أن الإنتاج يسير بدورات يجتاز عبرها المراحل المتتالية وهي الإنعاش والرواج والسخونة والأزمة والكساد وهذا واقع حتمي في النظام الرأسمالي.
وتمتاز أزمة فيض الإنتاج الرأسمالية بالدخول المنخفضة وإنشاء البطالة وهذا ليس بسبب انخفاض الإنتاج المادي بل على العكس فإنه يزداد بصورة تفوق بكثير القوة الشرائية المتوفرة مما يؤدي إلى انخفاض النشاط الاقتصادي لأنه لم يعد ممكناً بيع المنتجات.
إن أزمة فيض الإنتاج تؤدي إلى خفض في قيمة المنتجات وإفلاس العديد من المؤسسات وهذا ما يؤدي إلى انخفاض قيمة الرأسمال الإجمالي وفي هذه الحالة إذا لم تتمكن القوى الطبقية النقيض أو البديل اليساري الديمقراطي من تغير النظام الرأسمالي نفسه فإنه سيحاول إعادة معدل الربح ونشاط التراكم إلى الصعود.
وبالرغم من كبر حجم الخسارة المالية التي سببتها الأزمة الراهنة إلا أنها حتى هذه اللحظة لم تستطع تراكم عوامل الانهيار الكلي للنظام الرأسمالي الإجمالي العالمي وخاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذان يملكان أكثر من ثلثي الناتج الإجمالي العالمي ولكن هذه الأزمة ستدفع وتحدث المزيد من التفكك والتأزم في الاقتصاد الرأسمالي بصفة عامة وفي منظومة العولمة الرأسمالية وأدواتها وأيديولوجيتها الليبرالية الجديدة بصفة خاصة.
المؤلف : علي أبو شرار
تحريراً في : 20/6/2011
Page 2
الأزمة الاقتصادية المالية العالمية
مقدمة
بدأت الأزمة العالمية الراهنة في أيلول من عام 2008م وكثر التحدث عنها والاهتمام بها في الأوساط الحكومية والشعبية والسياسية والأكاديمية في جميع أنحاء العالم وهذا ما يدل على انتشارها في معظم اقتصاديات دول العالم وعلى عمق تأثيرها وتعدد أوجهها المالية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ومما لا شك فيه، أنه منذ حصول أزمة الكساد الكبير العالمية عام 1929م، وقعت أزمات قاسية في سنوات 1975م، 1982م، 1991م، إلا أن الأزمة الحالية هي الأعمق وبالتالي فإن الخروج منها لن يكون سريعاً وخفيف الثمن.ظهرت الأزمة الحالية في سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل مركز الرأسمالية العالمية. وبعد ذلك انتقلت الأزمة إلى مراكز رأسمالية أخرى في أوروبا واليابان وفي كل مكان في العالم توجد فيه أسواق للأوراق المالية واستثمار لرؤوس الأموال وتجارة دولية وهذا ما أدى إلى دخول كل من روسيا والصين والدول النفطية والدول النامية في الأزمة. ومن المعروف أن الأزمة الحالية انبثقت من الولايات المتحدة والتي تعتبر مركز النظام الرأسمالي وتمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم.
إنه ليس من المبالغة القول أن أمريكا هي القاعدة لنظام الاقتصاد الدولي وأن العولمة بمكوناتها الثلاثة التجارية والمالية والتكنولوجية لعبت دوراً في ربط اقتصاديات دول العالم ببعضها البعض وعليه فإن انهيار مالية الولايات المتحدة أدى إلى انهيار النظام الاقتصادي الدولي، وسبب هذا الانهيار هو تراجع الاقتصاد الإنتاجي أمام الاقتصاد الافتراضي والخدمي في الولايات المتحدة، حيث أرباح حيتان المال لا يقابلها إنتاج مادي، والقروض على أنواعها لا تقابلها ضمانات وافية. وعليه فإن انتقال الأزمة من القطاع المالي إلى قطاع الاقتصاد العيني (الاقتصاد الحقيقي المنتج) أمر محتم وذلك للارتباط الوثيق بين القطاعين وهذا ما يؤكده الركود الحاصل في اقتصاديات الدول الصناعية وانتقال أثاره السلبية إلى الاقتصاد العالمي.
ومع انتقال العالم من عالم ثنائي القطبية إلى عالم أحادي القطبية من حيث نمط الإنتاج وتكريس سيادة اقتصاد السوق وثقافة التعددية السياسية، وظهور قوى اقتصادية واعدة وجديدة (الصين، الهند، البرازيل) تمكنت من الاستفادة من هذه التحولات التي رافقها تطور تكنولوجي سريع منذ الثمانينات من القرن الماضي حيث ساعد على انتقال العالم من التدويل إلى العولمة، فيما قامت الليبرالية المطلقة بفرض آلياتها حسب رؤيتها ومنطقها تاركة حرية الحركة للقطاع التمويلي في تسير وتمويل الأنشطة الاقتصادية وذلك بدون رقابة وضوابط. والأزمة المالية الاقتصادية الحالية (2008-2009) هي ثاني كبريات أزمات الرأسمالية وأولى أزمات العولمة، وهي وليدة لجميع التحولات التي أشرنا إليها بالإضافة إلى التوجهات الريعية والربح السريع.
ومن الواضح أيضاً أن سوء توزيع الثروات والمداخيل في الولايات المتحدة وأوروبا أوقف دور العامل الاقتصادي والاجتماعي في تنشيط وزيادة الطلب على الإنتاج. بالإضافة إلى صعود اقتصاديات الدول الصاعدة والواعدة مثل الصين والذي أدى إلى وجود فائض في ميزان مدفوعاتها وكذلك تزايد وفرات فوائض البلدان النفطية كنتيجة لارتفاع أسعار النفط وهذا ما قاد إلى تقسيم بلدان العالم الاقتصادي إلى قسمين: بلدان ذات فائض، وبلدان ذات عجز، وعليه فإن هذا التقسيم قاد إلى ظاهرة الاستدانة المفرطة على مستوى الدول، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت أكبر دول مدينة في العالم بعد أن كانت أكبر دولة دائنة في العالم. وعليه فإن هذه الأمور أدت إلى خلق الظروف المناسبة لظهور الأزمة المالية العالمية.
ورافقت الفوضى المالية والاقتصادية اللتين أديتا إلى وقوع الأزمة الحالية فوضى سياسية فعلى سبيل المثال وفي عهد إدارة الرئيس بوش الابن قدمت حكومته نفسها على أنها القوة الوحيدة في العالم المسئوولة عن قضايا الحرب والسلام، وأنها أيضاً القوة الوحيدة التي يحق لها تصنيف الدول بين ديمقراطية وديكتاتورية، وأنها الدولة الوحيدة القادرة على تصنيف شعوب ودول العالم ما بين قوى الخير وقوى الشر. كما قامت إدارة بوش الابن بخوض حروب اعتمدت في تمويلها على الاقتراض من الخارج وليس من دافع الضرائب الأمريكي. وللعلم فإن إدارة الرئيس كلينتون انتهت في عام 2000 وفي الخزينة الأمريكية فائض يقدر بمبلغ 246 مليار دولار، فيما عانت الخزينة من عجز بلغ 656 مليار دولار بعد سنة من غزو العراق في عهد الرئيس بوش الابن.
وفي ظل الأزمة الحالية في أمريكا والدول المتأثرة بها توقفت البنوك عن القيام بوظائفها التقليدية (أي بتمويل المشاريع) وانتقلت الأزمة من القطاع المالي إلى قطاع الاقتصاد العيني وهذا ما أدى إلى خفض الإنتاج في قطاعات العقار والإنتاج الصناعي مثل صناعة السيارات على سبيل المثال. وبديهيا فإن هذه الأوضاع قادت إلى ارتفاع معدل البطالة وانتشار الفقر وانخفاض الطلب وظهرت علامات الانكماش وأفلست وانهارت مصارف كبرى وشركات عملاقة ومؤسسات مالية عريقة وشردت ملايين العائلات وتم اقتلاعهم من بيوتهم، كما وانخفضت أسعار النفط والمواد الأولية التي تصدرها الدول النامية. وعندما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من السوء طلب القطاع المالي (البنوك) وكذلك الأجهزة المعنية بالشؤون الاقتصادية في الدول المعنية بالتدخل لإنقاذ الأوضاع المتردية التي أحدثتها الأزمة، وبذلك يمكن القول أن اقتصاديات هذه البلدان رجعت إلى الوضع الكينزي والذي كان سائداً في الثلاثينيات من القرن الماضي وبعد الحرب العالمية الثانية حتى مطلع السبعينات من القرن الماضي. وكانت هذه الفترة فترة ازدهار يمر بها النظام الرأسمالي في الدول الصناعية المتقدمة, حيث كانت هذه الدول تسترشد في رسم سياستها المالية والاقتصادية بالنظرية الكينزية والتي ترتكز على تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق في زمن الركود. فأقامت هذه الدول دولة الرعاية والازدهار في ظل اقتصاد السوق الاجتماعي ولكن بدرجات متفاوتة. وعندما عجزت هذه النظرية في معالجة أزمة الركود التضخمي في مطلع السبعينات قامت الليبرالية الاقتصادية الجديدة بتوجيه أصابع الاتهام إلى تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية لأي بلد وأعلنت أن نظام السوق الحرة هو أفضل نظام اقتصادي وهو الكفيل بتحقيق الكفاءة في الإنتاج والعدالة في توزيع الدخل. ومن جهة أخرى فإن الليبرالية الجديدة تتكون من تحالفات سياسية لثلاث تيارات وفي ثلاث مجالات مختلفة:
1) في المجال الاقتصادي كان هناك تيار اليمين المحافظ ويدعو هذا التيار إلى إعادة الرأسمالية الأمريكية إلى ما سماه وضعها النقي أي قبل تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي.
2) في المجال السياسي كان يوجد تيار المحافظين الجدد والذين سعوا إلى صياغة وتشكيل العالم وفق نظم جديد يكرس الهيمنة الأمريكية عليه.
3) في المجال الاجتماعي كان يوجد تيار اليمن المسيحي والذي كان يهدف إلى إبقاء المجتمع الأمريكي مجتمعاً مسيحياً وإلى تماسك الأسر الأمريكية وإلى الزيادة من سيطرة الكنيسة.
Page 3
أما التياران الأخيران فيربطهما حلف قوي مع الحركة الصهيونية وإسرائيل. واستطاع هذا التحالف المكون من التيارات الثلاثة من بسط سيطرته على المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومنظمة التجارة الدولية ومجلس الأمن الدولي.
وقد استطاع هذا التحالف الثلاثي في مطلع الثمانينات وفي عهد الرئيس ريغان أن يحدث تغيرات وتطورات هامة في داخل الولايات المتحدة من خلال العوامل الثلاثة التالية:
1) خصخصة بعض المرافق العامة مثل المرافق التي تخص الأمن في المرافئ والمطارات وغيرها وتكريس الحق الفردي للملكية الفكرية.
2) إلغاء الضوابط التي تنظم نشاط الأسواق المالية ورفع جميع القيود التي تنظم عمل المؤسسات المالية.
3) تبني العقيدة العسكرية للحروب الاستباقية.
وقد ساهمت هذه العوامل الثلاثة في إحداث تغير في بنية الاقتصاد السياسي في المجتمع الأمريكي مما زاد من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتهديد الطبقة المتوسطة. بالإضافة إلى ذلك ارتفعت وتيرة المقامرات المالية في الداخل والمغامرات العسكرية في الخارج.
وفي عهد الرئيس ريغان وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي شهد الاقتصاد الأمريكي أزمة بيوت الادخار والإقراض حيث أعلن 747 بيتاً من تلك البيوت إفلاسها وكان السبب الرئيسي للإفلاس هو رفع القيود والمراقبة عن الأسواق المالية وهذا ما أعطى حرية العمل لصناديق الادخار والإقراض فتصرفت وكأنها بنوك تجارية تعمل بدون رقابة.
وبدأ عقد التسعينات من القرن الماضي بركود اقتصادي انتهى بوقوع حرب عاصفة الصحراء التي عادت على الاقتصاد الأمريكي بفوائد كثيرة حيث دفعت دول الخليج العربي كامل تكاليفها وفق التقديرات الأمريكية.
أما إدارة الرئيس كلينتون الديمقراطية فقامت بإعادة الاستقرار المالي للاقتصاد الأمريكي وذلك عن طريق خفض الإنفاق العسكري وهذا ما أدى إلى القضاء على العجز في الميزانية الأمريكية وبالتالي تم تقليص الاقتراض من الخارج. وكذلك قامت إدارة الرئيس كلينتون بدور طليعي في معالجة الأزمات النقدية في كل من أوروبا في الأعوام (1992-1993). وفي أمريكا اللاتينية (1994-1995) وشرق أسيا (1997-1999) ولكنها جيرت تلك الأزمات لصالح الرأسمالية الأمريكية.
إن التفسير الحقيقي للأزمة يجب أن لا يقف عند الجوانب المالية والاقتصادية بل من الأفضل أن يتعداها إلى جوانبها السياسية والثقافية والاجتماعية.
ومن الواضح أن جذور الأزمة الحالية تكمن في أمور ترجع إلى طبيعة النظام الرأسمالي وسلبياته الكثيرة ومنها ما يلي:
- تطور المجتمع الصناعي إلى مجتمع معلوماتي حيث يظهر نمط جديد من الرأسمالية وهي الرأسمالية المعلوماتية بالإضافة إلى ذلك الانتقال من الرأسمالية التنافسية إلى الرأسمالية الاحتكارية. أما الرأسمالية المعلوماتية فتعني الانتقال من التركيز على الإنتاج المادي إلى التركيز على إنتاج العلامات والصور والأوراق مستعينة في تحقيق ذلك بالتطور الهائل في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وهذا ما دفع الدول الصناعية المتقدمة إلى الإقلاع عن بعض الصناعات إما بسبب تلوث البيئة أو عدم وفرة الأيدي العاملة.
- تسعى السياسات المالية والاقتصادية التي تنتهجها واشنطن والتي تمثل مركز الرأسمالية العالمية إلى تحرير الأسواق والتجارة الخارجية وحركة رؤوس الأموال وذلك بدون رقابة وشفافية. وكذلك ممارسة واشنطن لسياسة حكومة الحد الأدنى وهذا يعني خفض الإنفاق العام وعدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. ورافق ذلك ازدياد في حجم المعاملات المالية والنقدية في المراكز الرأسمالية العالمية وبين بعضها البعض، وقد شكلت هذه المعاملات 95% من مجموع المعاملات الاقتصادية العالمية وهي غير خاضعة للرقابة والشفافية أيضاً. ومن بين السياسات النقدية المتبعة في الولايات المتحدة زيادة الإصدار النقدي للدولار حيث تستغل الرأسمالية الامريكية كون الدولار عملة رئيسية تستخدم في تسوية المعاملات المالية الدولية وموجود في جميع أنحاء العالم وذلك من أجل تحميل جهد الملايين من البشر بأوراق مالية لا تساوي إلا كلفة طباعتها والمقصود من هذا هو حصد بلايين الدولار لصالح الشركات متعددة الجنسية وأثرياء العالم وأمريكا على حساب الملايين من الشعوب الفقيرة وهذا ما يثبت قاعدة عريضة من قواعد النظام الرأسمالي وهي استغلال الإنسان للإنسان.
وقد استطاع هذا التحالف الثلاثي في مطلع الثمانينات وفي عهد الرئيس ريغان أن يحدث تغيرات وتطورات هامة في داخل الولايات المتحدة من خلال العوامل الثلاثة التالية:
1) خصخصة بعض المرافق العامة مثل المرافق التي تخص الأمن في المرافئ والمطارات وغيرها وتكريس الحق الفردي للملكية الفكرية.
2) إلغاء الضوابط التي تنظم نشاط الأسواق المالية ورفع جميع القيود التي تنظم عمل المؤسسات المالية.
3) تبني العقيدة العسكرية للحروب الاستباقية.
وقد ساهمت هذه العوامل الثلاثة في إحداث تغير في بنية الاقتصاد السياسي في المجتمع الأمريكي مما زاد من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتهديد الطبقة المتوسطة. بالإضافة إلى ذلك ارتفعت وتيرة المقامرات المالية في الداخل والمغامرات العسكرية في الخارج.
وفي عهد الرئيس ريغان وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي شهد الاقتصاد الأمريكي أزمة بيوت الادخار والإقراض حيث أعلن 747 بيتاً من تلك البيوت إفلاسها وكان السبب الرئيسي للإفلاس هو رفع القيود والمراقبة عن الأسواق المالية وهذا ما أعطى حرية العمل لصناديق الادخار والإقراض فتصرفت وكأنها بنوك تجارية تعمل بدون رقابة.
وبدأ عقد التسعينات من القرن الماضي بركود اقتصادي انتهى بوقوع حرب عاصفة الصحراء التي عادت على الاقتصاد الأمريكي بفوائد كثيرة حيث دفعت دول الخليج العربي كامل تكاليفها وفق التقديرات الأمريكية.
أما إدارة الرئيس كلينتون الديمقراطية فقامت بإعادة الاستقرار المالي للاقتصاد الأمريكي وذلك عن طريق خفض الإنفاق العسكري وهذا ما أدى إلى القضاء على العجز في الميزانية الأمريكية وبالتالي تم تقليص الاقتراض من الخارج. وكذلك قامت إدارة الرئيس كلينتون بدور طليعي في معالجة الأزمات النقدية في كل من أوروبا في الأعوام (1992-1993). وفي أمريكا اللاتينية (1994-1995) وشرق أسيا (1997-1999) ولكنها جيرت تلك الأزمات لصالح الرأسمالية الأمريكية.
إن التفسير الحقيقي للأزمة يجب أن لا يقف عند الجوانب المالية والاقتصادية بل من الأفضل أن يتعداها إلى جوانبها السياسية والثقافية والاجتماعية.
ومن الواضح أن جذور الأزمة الحالية تكمن في أمور ترجع إلى طبيعة النظام الرأسمالي وسلبياته الكثيرة ومنها ما يلي:
- تطور المجتمع الصناعي إلى مجتمع معلوماتي حيث يظهر نمط جديد من الرأسمالية وهي الرأسمالية المعلوماتية بالإضافة إلى ذلك الانتقال من الرأسمالية التنافسية إلى الرأسمالية الاحتكارية. أما الرأسمالية المعلوماتية فتعني الانتقال من التركيز على الإنتاج المادي إلى التركيز على إنتاج العلامات والصور والأوراق مستعينة في تحقيق ذلك بالتطور الهائل في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وهذا ما دفع الدول الصناعية المتقدمة إلى الإقلاع عن بعض الصناعات إما بسبب تلوث البيئة أو عدم وفرة الأيدي العاملة.
- تسعى السياسات المالية والاقتصادية التي تنتهجها واشنطن والتي تمثل مركز الرأسمالية العالمية إلى تحرير الأسواق والتجارة الخارجية وحركة رؤوس الأموال وذلك بدون رقابة وشفافية. وكذلك ممارسة واشنطن لسياسة حكومة الحد الأدنى وهذا يعني خفض الإنفاق العام وعدم تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. ورافق ذلك ازدياد في حجم المعاملات المالية والنقدية في المراكز الرأسمالية العالمية وبين بعضها البعض، وقد شكلت هذه المعاملات 95% من مجموع المعاملات الاقتصادية العالمية وهي غير خاضعة للرقابة والشفافية أيضاً. ومن بين السياسات النقدية المتبعة في الولايات المتحدة زيادة الإصدار النقدي للدولار حيث تستغل الرأسمالية الامريكية كون الدولار عملة رئيسية تستخدم في تسوية المعاملات المالية الدولية وموجود في جميع أنحاء العالم وذلك من أجل تحميل جهد الملايين من البشر بأوراق مالية لا تساوي إلا كلفة طباعتها والمقصود من هذا هو حصد بلايين الدولار لصالح الشركات متعددة الجنسية وأثرياء العالم وأمريكا على حساب الملايين من الشعوب الفقيرة وهذا ما يثبت قاعدة عريضة من قواعد النظام الرأسمالي وهي استغلال الإنسان للإنسان.
Page 4
وفي هذا الإطار تبلورت السياسة الاقتصادية لإدارة الرئيس بوش الابن وهي امتداد لسياسة الرئيس ريغان في ثمانينيات القرن الماضي وتركزت في داخل الولايات المتحدة حول النقاط التالية:
1- خفض الضرائب عن الشركات والأغنياء.
2- خفض الإنفاق على المجتمع.
3- السماح للمصارف والائتمان بمزاولة أنشطتها دون رقابة.
وبعد أحداث سبتمبر 2001 أعلن بوش الابن حربه الطويلة على الإرهاب واحتل العراق وأفغانستان ولكن المقاومة في هاتين البلدين كبدت نظامه خسائر فادحة وتكلفة مالية باهظة تعتبر من أحد العوامل التي قادت إلى وقوع الاقتصاد الأمريكي في فخ الأزمة المالية الحالية.
- في السابق قمنا بتفسير الأزمة من جوانبها المالية والاقتصادية والسياسية وفي هذه الفقرة نكمل تفسيرها من الناحية الثقافية. وبمعزل عن الدوافع الأخلاقية والإنسانية فإن الثقافة تنطلق من اعتقاد الإدارة الأمريكية أنها صاحبة الحق المطلق في فرض سياساتها وبرامجها على العالم وغير مهتمة بمصالح الشعوب والشرعية الدولية، ولذلك فإن هذه السياسة تتحول إلى وحش كاسر يفترس كل من يقف في طريقه وهذه هي ثقافة القوة وعرض العضلات وقد سيطر على ثقافة الرأسمالية الأمريكية توجهان رئيسيان وهما:
1) تم دمج القوتان الاقتصادية والعسكرية الأمريكيتان في إطار عسكرة العولمة وذلك من أجل فرض الثقافة الأمريكية على شعوب العالم.
2) سيطرة الجشع والمنفعة المادية على جميع المظاهر والسلوك اليومي للأمريكيين وعلى علاقات الرأسمالية الأمريكية بدول العالم.
- إن الأزمة الحالية ليست الأولى أو الأخيرة بل سبقها الكثير من الأزمات وتتفاوت حدة هذه الأزمات عن بعضها البعض حسب الظروف والمعطيات. ولكن ما يميز الأزمة الحالية عن غيرها، الآثار العميقة التي ستتركها على الاقتصاد العالمي وذلك بسبب الزيادة الكبيرة في حجم المعاملات المالية، سابقاً كانت هذه المعاملات تغطي عمليات الإنتاج والتجارة. أما الآن فقد وصل حجمها إلى أرقام خيالية، تزيد على ألفي تريليون دولار في السنة، علماً بأن النتاج المحلي العالمي لا يتجاوز 44 تريليون دولار. وعليه فإن هذا إذا دل على شي فإنه يدل على تعرض النظام الرأسمالي الاحتكاري إلى أزمة هيكلية حقيقية وصلت فيها التناقضات إلى حدودها العليا وفي ظل عولمة مالية ومن خلال التغيرات الجارية.
- إن هذه الأزمة الحالية سواء كانت أزمة مالية أو اقتصادية هي أزمة عالمية وذلك لأنها تخطت حدود الاقتصاد الأمريكي وأثرت سلباً في الاقتصاد الأوروبي والأسيوي والصيني والإفريقي والعربي وبصريح العبارة لقد أثرت على معظم اقتصاديات دول العالم. وهذه الأزمة العالمية لا يمكن أن تكون وليدة ظروف طارئة خاصة في الاقتصاد الأمريكي بل هي أزمة اقتصادية بالأساس وهذا يعني أنه يوجد خللاً جسيماً في نموذج الرأسمالية المعولمة والذي طبقت أسسه في العقود الأخيرة وفي جميع أنحاء العالم وذلك بفضل موجات العولمة المتدفقة وتحت ظل ورعاية مذهب "الليبرالية الجديدة" الذي روجت له الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بل وفرضته على الدول النامية دون الأخذ بعين الاعتبار لظروفها الخاصة. ولكن من الخطأ الظن أن، الخلل الذي واكب النموذج الرأسمالي طرأ حديثاً، لأن التحليل النقدي للموقف قادنا إلى نتيجة بأن هذا الخلل صاحب النموذج الرأسمالي منذ نشأته. ومن أحد المشاكل الرئيسية في النظام الرأسمالي هي السوق والتي يترك لها تنظيم نفسها بنفسها وفق آلية العرض والطلب كما ذهب إلى ذلك أنصار الرأسمالية الأوائل أو وضع قيود على حرية السوق المطلقة وإذا اتفق على وضع هذه القيود على حرية السوق المطلقة فما هي طبيعة هذه القيود وما هي الآليات التي تتخذ من أجل تنفيذها على أرض الواقع. وقد عالج هذه الإشكالية المفكر الاقتصادي الشهير "كارل بولاني" في كتابه "التحول الكبير عام 1942" حيث قدم عن السوق نظرية متكاملة من حيث النشأة التاريخية والوظائف الاقتصادية وطريقة العمل. ونظراً للنزعات الاشتراكية للكاتب فقد تحفظ على فكرة حرية السوق المطلقة التي روج لها وتبعه في ذلك مفكر أمريكي هو "جوزيف شومبيتر" مؤلف كتاب "الديمقراطية والاشتراكية والرأسمالية" والذي صاغ عبارة شهيرة عن الرأسمالية مفادها (إن الرأسمالية تحمل في ذاتها بذور فنائها لأن التناقض الجوهري الكامن فيها هو جماعية عملية الإنتاج من ناحية وفردية الاستحواذ على الفائض من ناحية أخرى) وهذا يعني أن عملية الإنتاج التي يشارك فيها آلاف العمال والمهندسين والفنيين يذهب فائض الإنتاج المتحقق منها إلى أيدي قلة من الملاك الرأسماليين أو مديري المشروع أو البنوك.
1- خفض الضرائب عن الشركات والأغنياء.
2- خفض الإنفاق على المجتمع.
3- السماح للمصارف والائتمان بمزاولة أنشطتها دون رقابة.
وبعد أحداث سبتمبر 2001 أعلن بوش الابن حربه الطويلة على الإرهاب واحتل العراق وأفغانستان ولكن المقاومة في هاتين البلدين كبدت نظامه خسائر فادحة وتكلفة مالية باهظة تعتبر من أحد العوامل التي قادت إلى وقوع الاقتصاد الأمريكي في فخ الأزمة المالية الحالية.
- في السابق قمنا بتفسير الأزمة من جوانبها المالية والاقتصادية والسياسية وفي هذه الفقرة نكمل تفسيرها من الناحية الثقافية. وبمعزل عن الدوافع الأخلاقية والإنسانية فإن الثقافة تنطلق من اعتقاد الإدارة الأمريكية أنها صاحبة الحق المطلق في فرض سياساتها وبرامجها على العالم وغير مهتمة بمصالح الشعوب والشرعية الدولية، ولذلك فإن هذه السياسة تتحول إلى وحش كاسر يفترس كل من يقف في طريقه وهذه هي ثقافة القوة وعرض العضلات وقد سيطر على ثقافة الرأسمالية الأمريكية توجهان رئيسيان وهما:
1) تم دمج القوتان الاقتصادية والعسكرية الأمريكيتان في إطار عسكرة العولمة وذلك من أجل فرض الثقافة الأمريكية على شعوب العالم.
2) سيطرة الجشع والمنفعة المادية على جميع المظاهر والسلوك اليومي للأمريكيين وعلى علاقات الرأسمالية الأمريكية بدول العالم.
- إن الأزمة الحالية ليست الأولى أو الأخيرة بل سبقها الكثير من الأزمات وتتفاوت حدة هذه الأزمات عن بعضها البعض حسب الظروف والمعطيات. ولكن ما يميز الأزمة الحالية عن غيرها، الآثار العميقة التي ستتركها على الاقتصاد العالمي وذلك بسبب الزيادة الكبيرة في حجم المعاملات المالية، سابقاً كانت هذه المعاملات تغطي عمليات الإنتاج والتجارة. أما الآن فقد وصل حجمها إلى أرقام خيالية، تزيد على ألفي تريليون دولار في السنة، علماً بأن النتاج المحلي العالمي لا يتجاوز 44 تريليون دولار. وعليه فإن هذا إذا دل على شي فإنه يدل على تعرض النظام الرأسمالي الاحتكاري إلى أزمة هيكلية حقيقية وصلت فيها التناقضات إلى حدودها العليا وفي ظل عولمة مالية ومن خلال التغيرات الجارية.
- إن هذه الأزمة الحالية سواء كانت أزمة مالية أو اقتصادية هي أزمة عالمية وذلك لأنها تخطت حدود الاقتصاد الأمريكي وأثرت سلباً في الاقتصاد الأوروبي والأسيوي والصيني والإفريقي والعربي وبصريح العبارة لقد أثرت على معظم اقتصاديات دول العالم. وهذه الأزمة العالمية لا يمكن أن تكون وليدة ظروف طارئة خاصة في الاقتصاد الأمريكي بل هي أزمة اقتصادية بالأساس وهذا يعني أنه يوجد خللاً جسيماً في نموذج الرأسمالية المعولمة والذي طبقت أسسه في العقود الأخيرة وفي جميع أنحاء العالم وذلك بفضل موجات العولمة المتدفقة وتحت ظل ورعاية مذهب "الليبرالية الجديدة" الذي روجت له الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بل وفرضته على الدول النامية دون الأخذ بعين الاعتبار لظروفها الخاصة. ولكن من الخطأ الظن أن، الخلل الذي واكب النموذج الرأسمالي طرأ حديثاً، لأن التحليل النقدي للموقف قادنا إلى نتيجة بأن هذا الخلل صاحب النموذج الرأسمالي منذ نشأته. ومن أحد المشاكل الرئيسية في النظام الرأسمالي هي السوق والتي يترك لها تنظيم نفسها بنفسها وفق آلية العرض والطلب كما ذهب إلى ذلك أنصار الرأسمالية الأوائل أو وضع قيود على حرية السوق المطلقة وإذا اتفق على وضع هذه القيود على حرية السوق المطلقة فما هي طبيعة هذه القيود وما هي الآليات التي تتخذ من أجل تنفيذها على أرض الواقع. وقد عالج هذه الإشكالية المفكر الاقتصادي الشهير "كارل بولاني" في كتابه "التحول الكبير عام 1942" حيث قدم عن السوق نظرية متكاملة من حيث النشأة التاريخية والوظائف الاقتصادية وطريقة العمل. ونظراً للنزعات الاشتراكية للكاتب فقد تحفظ على فكرة حرية السوق المطلقة التي روج لها وتبعه في ذلك مفكر أمريكي هو "جوزيف شومبيتر" مؤلف كتاب "الديمقراطية والاشتراكية والرأسمالية" والذي صاغ عبارة شهيرة عن الرأسمالية مفادها (إن الرأسمالية تحمل في ذاتها بذور فنائها لأن التناقض الجوهري الكامن فيها هو جماعية عملية الإنتاج من ناحية وفردية الاستحواذ على الفائض من ناحية أخرى) وهذا يعني أن عملية الإنتاج التي يشارك فيها آلاف العمال والمهندسين والفنيين يذهب فائض الإنتاج المتحقق منها إلى أيدي قلة من الملاك الرأسماليين أو مديري المشروع أو البنوك.
Page 5
وبعد وقوع الأزمة الحالية في عام 2008م عقدت المؤتمرات على مستوى القمة وعلى مستوى الرسميين الحكوميين ورجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال والشركات والباحثين الأكاديميين وذلك من أجل تفسير الأزمة والحد من سلبياتها وإيجاد الحلول الممكنة لمعالجتها، أجمع رؤساء كل من الدول الأوروبية الكبرى ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا بالإضافة إلى رؤساء روسيا والبرازيل وفنزويلا على أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل الدور الأساسي في نشوء الأزمة وتعاظمها. ولكنهم لم يتفقوا على خطة عمل لإيقاف الأزمة وعلاجها ولا يوجد عندهم نية بإيجاد مخرج من الأزمة بمعزل عن الولايات المتحدة.
أما النظام الاقتصادي الرأسمالي الأمريكي الذي تتبناه أمريكا وتبشر به في العالم فقد أثبت فشله بعد وقوع الأزمة الحالية التي كبدته ثمناً باهظاً. فالثقة في أمريكا أصيبت بخيبة أمل من وجهتي النظر المالية والاقتصادية وعليه بدأ العالم في السعي للبحث عن نظام بديل للنظام الرأسمالي الفاشل.
وفي إطار البحث عن حلول وتسوية للأزمة تم اتخاذ العديد من الإجراءات في العديد من الدول الصناعية المتقدمة وتحت ضغط من الولايات المتحدة والإجراءات هي التالية. ضخ كميات من السيولة النقدية، خفض معدلات الفائدة، شراء أصول المصارف والشركات المتعثرة، ضمان ودائع الأفراد، وتشديد الرقابة على عمل المؤسسات المالية.
ولكن هذه الإجراءات والمعالجات لا تمس جوهر المشكلة بل تعالج مظاهرها وعليه فقد تعالت أصوات تنادي بوضع أسس لقيام نظام عالمي جديد. فعلى سبيل المثال دعى الرئيس الفرنسي ساركوزي إلى اعتماد آلية أممية أوروبية تحديداً لمعالجة الأزمة وقال أيضاً أن الأزمة تعني انتهاء عصر الأسواق المالية الحرة، بينما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني غوردن براون يرغبان في خلق آليات وطنية لمعالجة الأزمة. وكذلك طالب وزير المالية الألماني الولايات المتحدة بأن تعترف بأنها لم تعد القوة الاقتصادية العظمى في العالم. وكذلك تعالت أصوات في داخل الولايات المتحدة من اقتصاديين وسياسيين بارزين ولهم وزنهم في الساحة يدينون فيها النظام الاقتصادي الأمريكي ويحملون المسؤولية للإدارة الأمريكية على النتائج المترتبة على هذه الأزمة.
وفي هذا السياق قال الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في ندوة البنك الوطني الكويتي الدولية في شهر تشرين الثاني 2008: (إن أحد أهم أسباب الأزمة المالية الحالية التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي والتي ألقت بظلالها على دول العالم أجمع، يرجع إلى أن 90% من الأرباح التي تم جنيها في السنوات الأخيرة ذهبت إلى 1% من الأمريكيين فقط). وكما قال الرئيس كلينتون أيضاً إن المشكلة تكمن في (أن سنوات الرضا التي شهدها الاقتصاد الأمريكي لم تفلح في إيجاد الكم المطلوب من فرص العمل، ولم تحقق الرفاهية للجميع).
إن ما ذكر أعلاه في الفقرة السابقة يؤكد فشل النظام الأمريكي وسياساته على الصعيدين الداخلي والخارجي. وعليه فإن ما يحدث اليوم من وقوع أزمات نقدية ومالية واقتصادية لهو تعبير عن مخاض عالمنا المعاصر الذي سينجب عالماً آخر، أكثر عدالة ورشداً في تنظيم سلوك بني البشر في نواح شتى من حياتهم. ولذلك فإن نجم القيادة الأمريكية للعالم بدأ في الأفول بعد أن تربعت على قمة النظام الدولي ومؤسساته في منتصف الأربعينات من القرن الماضي وكانت آنذاك تنتج 40% من مجمل الإنتاج العالمي أما الآن فقد انخفض إنتاجها ليصل إلى 20% من مجمل الإنتاج العالمي بالإضافة إلى ذلك فإن ماليتها العامة قد تدهورت مع تعثر وإفلاس كبرى مؤسساتها الاستثمارية والمصرفية. ولذلك فإن الولايات المتحدة لا تستطيع تقديم معالجة فعالة للأزمة الاقتصادية بمفردها. ولا بد من الذكر أيضاًً بأن هناك قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والتي يكاد أن يصبح اقتصادها الأكبر في العالم. وأن الدول العربية التي تنتج النفط تمتلك مجتمعة أكبر احتياطي من النفط في العالم وكذلك أيضاً أكبر فائض بعد الصين من الأموال المودعة أو المستثمرة في مصارف أمريكا وأوروبا والصناديق السيادية. ومن المحتمل أن تكون فوائض الأموال العربية الضخمة المصدر الأول التي ستلجأ إليه الولايات المتحدة للحصول على بلايين الدولارات التي تحتاجها لمعالجة أزمتها المالية المستعصية.
أما النظام الدولي ومؤسساته التي تسيطر عليها الولايات المتحدة مثل مجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي فإنها وفي ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية السيئة لا تمثل توازنات هذا العصر وتغير موازين القوى فيه، وهي غير قادرة على حل المشاكل العالمية، وعليه فقد أصبح من غير الجائز أن تمتلك الولايات المتحدة وحدها حق النقض في البنك الدولي وأن تحتكر إدارته ومن غير الجائز أن تهيمن أوروبا على حاكمية صندوق النقد الدولي ومن غير الجائز أيضاً أن يكرس البنك والصندوق الدوليان نفسيهما لخدمة مصالح الهيمنة الأمريكية في العالم. ومن غير الجائز أيضاً أن يكون مجلس الأمن مركز السلطات ومصدر القرارات الدولية وهذا فيه تهميش للجمعية العامة للأمم المتحدة التي يجب أن تقوم بهذه المهام. ومن غير المعقول أيضاً أن تحتكر خمس دول حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
أما النظام الاقتصادي الرأسمالي الأمريكي الذي تتبناه أمريكا وتبشر به في العالم فقد أثبت فشله بعد وقوع الأزمة الحالية التي كبدته ثمناً باهظاً. فالثقة في أمريكا أصيبت بخيبة أمل من وجهتي النظر المالية والاقتصادية وعليه بدأ العالم في السعي للبحث عن نظام بديل للنظام الرأسمالي الفاشل.
وفي إطار البحث عن حلول وتسوية للأزمة تم اتخاذ العديد من الإجراءات في العديد من الدول الصناعية المتقدمة وتحت ضغط من الولايات المتحدة والإجراءات هي التالية. ضخ كميات من السيولة النقدية، خفض معدلات الفائدة، شراء أصول المصارف والشركات المتعثرة، ضمان ودائع الأفراد، وتشديد الرقابة على عمل المؤسسات المالية.
ولكن هذه الإجراءات والمعالجات لا تمس جوهر المشكلة بل تعالج مظاهرها وعليه فقد تعالت أصوات تنادي بوضع أسس لقيام نظام عالمي جديد. فعلى سبيل المثال دعى الرئيس الفرنسي ساركوزي إلى اعتماد آلية أممية أوروبية تحديداً لمعالجة الأزمة وقال أيضاً أن الأزمة تعني انتهاء عصر الأسواق المالية الحرة، بينما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني غوردن براون يرغبان في خلق آليات وطنية لمعالجة الأزمة. وكذلك طالب وزير المالية الألماني الولايات المتحدة بأن تعترف بأنها لم تعد القوة الاقتصادية العظمى في العالم. وكذلك تعالت أصوات في داخل الولايات المتحدة من اقتصاديين وسياسيين بارزين ولهم وزنهم في الساحة يدينون فيها النظام الاقتصادي الأمريكي ويحملون المسؤولية للإدارة الأمريكية على النتائج المترتبة على هذه الأزمة.
وفي هذا السياق قال الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في ندوة البنك الوطني الكويتي الدولية في شهر تشرين الثاني 2008: (إن أحد أهم أسباب الأزمة المالية الحالية التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي والتي ألقت بظلالها على دول العالم أجمع، يرجع إلى أن 90% من الأرباح التي تم جنيها في السنوات الأخيرة ذهبت إلى 1% من الأمريكيين فقط). وكما قال الرئيس كلينتون أيضاً إن المشكلة تكمن في (أن سنوات الرضا التي شهدها الاقتصاد الأمريكي لم تفلح في إيجاد الكم المطلوب من فرص العمل، ولم تحقق الرفاهية للجميع).
إن ما ذكر أعلاه في الفقرة السابقة يؤكد فشل النظام الأمريكي وسياساته على الصعيدين الداخلي والخارجي. وعليه فإن ما يحدث اليوم من وقوع أزمات نقدية ومالية واقتصادية لهو تعبير عن مخاض عالمنا المعاصر الذي سينجب عالماً آخر، أكثر عدالة ورشداً في تنظيم سلوك بني البشر في نواح شتى من حياتهم. ولذلك فإن نجم القيادة الأمريكية للعالم بدأ في الأفول بعد أن تربعت على قمة النظام الدولي ومؤسساته في منتصف الأربعينات من القرن الماضي وكانت آنذاك تنتج 40% من مجمل الإنتاج العالمي أما الآن فقد انخفض إنتاجها ليصل إلى 20% من مجمل الإنتاج العالمي بالإضافة إلى ذلك فإن ماليتها العامة قد تدهورت مع تعثر وإفلاس كبرى مؤسساتها الاستثمارية والمصرفية. ولذلك فإن الولايات المتحدة لا تستطيع تقديم معالجة فعالة للأزمة الاقتصادية بمفردها. ولا بد من الذكر أيضاًً بأن هناك قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والتي يكاد أن يصبح اقتصادها الأكبر في العالم. وأن الدول العربية التي تنتج النفط تمتلك مجتمعة أكبر احتياطي من النفط في العالم وكذلك أيضاً أكبر فائض بعد الصين من الأموال المودعة أو المستثمرة في مصارف أمريكا وأوروبا والصناديق السيادية. ومن المحتمل أن تكون فوائض الأموال العربية الضخمة المصدر الأول التي ستلجأ إليه الولايات المتحدة للحصول على بلايين الدولارات التي تحتاجها لمعالجة أزمتها المالية المستعصية.
أما النظام الدولي ومؤسساته التي تسيطر عليها الولايات المتحدة مثل مجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي فإنها وفي ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية السيئة لا تمثل توازنات هذا العصر وتغير موازين القوى فيه، وهي غير قادرة على حل المشاكل العالمية، وعليه فقد أصبح من غير الجائز أن تمتلك الولايات المتحدة وحدها حق النقض في البنك الدولي وأن تحتكر إدارته ومن غير الجائز أن تهيمن أوروبا على حاكمية صندوق النقد الدولي ومن غير الجائز أيضاً أن يكرس البنك والصندوق الدوليان نفسيهما لخدمة مصالح الهيمنة الأمريكية في العالم. ومن غير الجائز أيضاً أن يكون مجلس الأمن مركز السلطات ومصدر القرارات الدولية وهذا فيه تهميش للجمعية العامة للأمم المتحدة التي يجب أن تقوم بهذه المهام. ومن غير المعقول أيضاً أن تحتكر خمس دول حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.
Page 6
الفصل الاول
إطلالة تاريخية اقتصادية تمتد من أزمة الكساد الكبير (1929)حتى الأزمة الاقتصادية الحالية
الأزمات الدورية:
إنه من المعروف منذ انطلاق الرأسمالية، وهي تحمل في ثناياها الأزمات، فالتطور الرأسمالي الحاصل في الدول الصناعية الرأسمالية لا يشبه الخط المستقيم الصاعد ولكن يأخذ شكل حركات شبيهة بالتموجات وهذا ما يعرف بالدورات الاقتصادية ويرجع هذا إلى سبب التناقض بين جماعية العملية الإنتاجية وفردية الملكية على أدوات الإنتاج وكذلك فردية الملكية على فائض الإنتاج. ويعكس هذا التناقض نفسه على تناقض آخر يتمثل في الاختلاف الحاصل بين نمو القدرة على الإنتاج ونمو القدرة على الاستهلاك أي الاختلاف بين العرض والطلب. وكما هو معروف فإن الهدف الرئيسي الذي يحرك أسلوب الإنتاج الرأسمالي هو السعي نحو تعظيم الأرباح. وهذا ما يدفع بالرأسماليين إلى تطوير العملية الإنتاجية فنياً وتكنولوجياً لزيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الأرباح إذا وجد الإنتاج أسواقاً، فوجود أسواق تصريف الإنتاج معناه الرواج وفقدان هذه الأسواق معناه الأزمة.وبالرغم من أن الأزمات الدورية هي سمة من سمات المسار التاريخي للنظام الرأسمالي منذ نشأته إلا أن الرأسمالية استطاعت أن تشق طريقها بقوة في مراحلها الأولى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وأن تحقق تقدماً ضخماً في وسائل الإنتاج وزيادة كبيرة في الدخول والتوظيف والاستثمار والنمو وذلك بسبب العوامل التالية:
1- انتشار أسلوب الإنتاج الرأسمالي: نشأ النظام الرأسمالي في بريطانيا وفرنسا ثم ألمانيا وبعد منتصف القرن التاسع عشر انتشر في معظم دول القارة الأوروبية وبعد ذلك انتشر في الولايات المتحدة وكندا وروسيا واليابان. وبهذا التوسع المتنامي للرأسمالية عبر أقطار العالم تمكنت الرأسمالية الأوروبية من حل أزماتها الاقتصادية والتخفيف من تناقضاتها الاجتماعية وذلك عن طريق هجرة مواطنيها إلى تلك المناطق أو تصدير السلع ورؤوس الأموال.
2- قامت الدول الرأسمالية بغزو بلدان في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية واستعمارها وجعلها بلدان تابعة لها. وهذا ما أتاح الفرصة لهؤلاء المستعمرون من القيام بنهب ثروات هذه البلدان وتزويد البلدان الرأسمالية بالمواد الأولية وبالمواد الغذائية بأسعار منخفضة كما مثلت أسواق هذه المستعمرات منافذاً هامة لتصريف فائض الإنتاج السلعي القادم من الدول المستعمرة الغاصبة وبأسعار عالية وهذا ما أتاح الفرصة لهم من تحقيق أرباح ضخمة وتحسين أجور العمال في بلدانهم الرأسمالية وزيادة طاقاتهم الاستهلاكية والتخفيف من وطأة الأزمات الدورية.
3- استطاعت الرأسمالية أن تخفف من حدة أزماتها الدورية من خلال حركة التقدم الفني والمخترعات التكنولوجية التي كان يتم التوصل إليها من حين إلى آخر وهذا ما أدى إلى ارتفاع مستمر في الدخل والتوظف.
وعلى الرغم من أن العوامل السابقة أدت إلى التخفيف من حدة الأزمات الدورية. وأنها ساعدت من وقت لآخر على حفظ التوازن المضطرب للنظام الرأسمالي إلا أنها لم تمنع بالمطلق من حدوث أزمات وذلك لأن التناقض الرئيسي في النظام الرأسمالي بقي قائماً دون تغير، وهو الصراع بين اتجاه توسع تراكم رأس المال اللامحدود وبين الإمكانات المحدودة لنمو الاستهلاك والطلب الفعلي وعليه فإن الأزمة بقيت جزءاً عضوياً في بنية النظام الرأسمالي.
Page 7
الدولة والأسواق
وفيما يتعلق بعلاقة الدولة بالأسواق في سياق تطور النظام الرأسمالي فقد شهدت هذه العلاقة أطواراً وتقلبات على امتداد القرنين الماضيين من تاريخ الرأسمالية العالمية. في البداية وفي القرن التاسع عشر سادت تعاليم المدرسة الكلاسيكية وطروحات رائدها أدم سميث الذي اختصر العلاقة بين الدولة والأسواق بتعبير مختصر "دعه يعمل دعه يمر" وهذا ما يكرس الغلبة المطلقة لحرية الأسواق. ولكن هذه الحقبة التي تميزت بتكرار الأزمات الدورية الحادة والتي أبدع كارل ماركس في وصفها وتحليلها انتهى بها المطاف في عام 1929 بوقوع الانهيار الأكبر في الأسواق وهذا ما مهد الطريق إلى ظهور حقبة في تاريخ التطور الرأسمالي وهي الحقبة الكينزية.وبعكس السياسة التي انتهجتها المدرسة الكلاسيكية من تكريس الغلبة المطلقة لحرية الأسواق طالبت المدرسة الكينزية بإيجاد نوع من التوازن ما بين دور الدولة ودور الأسواق حيث أنيط إلى الدولة بموجبه بدور اقتصادي واجتماعي واسع النطاق. وفي الحقبة الكينزية سجلت معدلات نمو مرتفعة نسبياً وتقدم في مستوى الرفاه الاجتماعي عموماً. واستمرت هذه الحقبة حتى أواسط سبعينات القرن الماضي حيث بدأ دورها في الأفول التدريجي وذلك بسبب التناقضات الداخلية في النظام الرأسمالي وميل معدلات الربح فيه للانخفاض وخاصة في أزمة الركود التضخمي التي تلت ارتفاع أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي. وهذا ما قاد إلى بروز حقبة جديدة تمتد جذورها إلى الأفكار الرأسمالية التي سبق أن سادت في القرن التاسع عشر بتأثير من فكر آدم سميث. فكانت العودة إلى حرية الأسواق وحرية حركة رؤوس الأموال وإعادة هيكلة الأنظمة الضريبية والحد من تدخل الدولة. وخضعت هذه التوجهات إلى تأثير من الطروحات الاقتصادية الرائجة آنذاك كالتاتشرية والريغانية وغيرها من المدارس الاقتصادية التي كانت تقف بجانب حرية الأسواق بقوة وحزم مثل المدرسة النقدية، المدرسة الحدية، اقتصاد جانب العرض، ومدرسة شيكاغو.
المنظرون العظام:
ولا بد من الذكر أن ثلاثة رجال عظام في التاريخ الاقتصادي وهم أموات ولكنهم يتناوبون على حكم العالم من قبورهم وخاصة في أزمته الكبرى الراهنة وهم: جون ماينارد كينز، ميلتون فريدمان، وكارل ماركس.ولنبدأ مع كينز (1883-1946) يدعو كينز إلى الموازنة بين دور الدولة ودور الأسواق ويرفض بشدة أن اليد الخفية للأسواق قادرة لوحدها على معالجة الأزمات للرأسمالية ويدعو الحكومات إلى التدخل من خلال الإنفاق العام السخي لبعث النمو مجدداً. ولم يكن هدف كينز تغيير النظام الرأسمالي بل إصلاحه وبقي آخر حياته يندد بالماركسية ويدعو الرأسماليين إلى إعطاء اقتصاد السوق جرعة أخلاقية اجتماعية ومن أهم أنصار كينز الحاليين الرئيس الأمريكي أوباما والرئيس الفرنسي ساركوزي والكثير من القادة الأوروبيين.
في المقابل يأتي تلميذ كينز السابق فريدمان (1912-2006) والذي بدأ حياته الاقتصادية كينزياً وانتهى إلى ليبرالي متطرف يدعو إلى تقليص دور الدولة إلى الحدود الدنيا وفي نفس الوقت دعم جهود القطاع الخاص للتقدم والازدهار وفي الستينات من القرن الماضي تقدم بسياسات اقتصادية بديلة أطلق عليها اسم "النقودية" نادت بإعطاء الحرية للقطاع الخاص ، وحذر الحكومة من التدخل للحد من البطالة وتحسين الأحوال المعيشية للفقراء. ومن أبرز أتباع فريدمان رونالد ريغان، وتاتشر والديكتاتور بينوشيه وقادة أوروبا الشرقية بعد عام 1989.
كارل ماركس (1818-1883)اعتبر ماركس أن التناقضات الداخلية للرأسمالية ستؤدي إلى نهايتها وذلك من خلال الصراع الطبقي الذي سيولد مكانها نظام اشتراكي جديد كما ولدت الرأسمالية من رحم النظام الإقطاعي.
ويشترط ماركس أن تحدث الثورات الاشتراكية في البلدان التي نضجت فيها الرأسمالية وليس في الدول المتأخرة.
إن آدم سميث ودافيد ريكاردو ومالتوس أسماء لامعة ومؤسسة لاقتصاد السوق ولأفكار التبادل الحر بين الدول في عصر الثورة الصناعية البورجوازية. ويمكن اعتبار ريكاردو الأب الروحي للتبادل الحر فقد استنتج من خلال استناده إلى أعمال آدم سميث ومن خلال ملاحظته لحركة الأسواق أن كل الأمم لديها مصلحة مؤكدة في الانخراط في التجارة الدولية. على أن تتخصص كل دولة في إنتاج السلعة التي يتوفر لها فيها ميزة نسبية في إنتاجها ومن ثم يتم التبادل الحر بين البلدين فيحقق كل منهما مكسباً وزيادة في إنتاج السلعة التي تخصص في إنتاجها. والواضح أن السوق الرأسمالي العالمي يستند في نشأته على نظرية وطنية وهكذا قامت بريطانيا بإلغاء قوانين الحماية عام 1846م استناداً إلى تشخيص ريكاردو.
Page 8
المراكز الاقتصادية في العالم:
في القرن الثامن عشر انتقل المركز الاقتصادي العالمي من أمستردام إلى لندن التي أصبحت تشكل المعقل الحقيقي للرأسمالية واتسمت هذه الفترة اجتماعياً بتحكم الطبقة البرجوازية، وتكنولوجيا بظهور الاكتشافات العلمية المتتالية والتي ساهمت في رفع حجم الإنتاج وهذا ما قاد إلى الظاهرة الإمبريالية حيث تم احتلال الدول واستعمارها وذلك من أجل تصريف إنتاج الدول الصناعية في أسواق مستعمراتها واستغلال ثرواتها الطبيعية فكانت الهند من أولى الدول التي احتلتها واستعمرتها إنجلترا. وفي عام 1844 وقعت أزمة مالية في لندن التي كانت تعتبر مركزاً عالمياً من النواحي السياسية والاقتصادية والصناعية فقامت الدولة بالاستفادة من هذه الأزمة فقررت فرض رقابة نقدية تشترط أن لا يتم إصدار أوراق نقدية دون غطاء من الذهب وخولت إلى البنك المركزي صلاحية الإشراف على النشاطات البنكية وبذلك عاد إلى سوق "السيتي" المالي في قلب العاصمة البريطانية دوره الريادي. ومع نهاية القرن التاسع عشر بدأت المراكز الاقتصادية وبشكل تدريجي بالانتقال إلى الولايات المتحدة وذلك بفضل استقطابها للأموال ولليد العاملة الأوروبية وظهور تكنولوجيا جديدة أدت إلى تطور ونمو سريعين. ففي سنة 1890م أعلنت العديد من البنوك البريطانية إفلاسها واحداً تلو الآخر وكان من نتائج هذه الأزمة أن انتقل موقع الريادة من انجلترا ألى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أصبحت بوسطن مقر للقرار الاقتصادي ونيويورك مقراً للقرار المالي. وبهذا اصبحت الولايات المتحدة مركزاً رئيسياً للنشاطات الاقتصادية وموقعا متقدما للتطور التكنولوجي في مجالات الطاقة (الكهرباء) والنقل (السكة الحديدية) ومنطلقا لكل الأزمات الكبرى.عرف القرن العشرون أول أزمة ه في عام 1907 وكانت نتيجة لتكثيف الجهود الاستثمارية في قطاع السكك الحديدية في الولايات المتحدة والذي انخفض مردوده المادي فتأثر الاقتصاد الأمريكي بأكمله من تداعيات هذا الانخفاض. وكذلك انخفض سعر النحاس انخفاضا حاداً وهو المادة التي تدخل في صناعة أسلاك الكهرباء. وانتهزت الدولة حالة الانكماش في الطلب والإنتاج وأعلنت عن تأسيس مؤسسة الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي) وهذا ما ساعد على إعادة تنظيم النشاط البنكي فيما بدأ الدولار يحل محل الجنيه الإسترليني كعملة رئيسية في تسوية المبادلات الدولية.
Page 9
أزمة الكساد الكبير عام 1929:
وفي بداية سنة 1926م بدأت بعض المؤشرات التي تنبأ بوقوع الأزمة في الظهور وهذا ما حدث في سنة 2007م حيث وقعت الأزمة الحالية في أيلول 2008م. ومن هذه المؤشرات بداية تقلص الطلب في قطاع العقارات حيث لم تحرك الدولة ساكناً، ثم تبعه ارتفاع في سعر المحروقات، ثم تفاقمت مديونية العائلات حيث أصبحت عاجزة عن سداد دونها وتأزمت الأوضاع عبر ارتفاع كبير في معدل الفائدة. وفي يوم 28 تشرين الأول\ أوكتوبر من عام 1929م انخفض مؤشر داو جونز في نيويورك بمقدار 10% فأطلق سماسرة السوق على ذلك اليوم بـ "الاثنين الأسود" لأن الكثير منهم باعوا أسهمهم بخسارة. ولكن السوق المالية واصلت انهيارها يوم الثلاثاء 29 تشرين ثاني / نوفمبر عام 1929م فأطلق على ذلك اليوم ايضا "الثلاثاء الاسود" وكان نسبة انهيار وتراجع السوق خلال يومين فقط تساوي 23% وفي نهاية الاسبوع الذي بدأ في تشرين الثاني / نوفمبر عام 1929 انهار مؤشر داو جونز بأكثر قليلاً من 40% مقارنة بمستواه في شهر أيلول \ سبتمبر من العام نفسه (1929م) وهكذا انخفضت قيمة الأسهم فكرست بذلك انهيار السوق المالي. وعليه فان الذي حصل هو أن الاقتصاد الأمريكي مر بتراجع عادي وهذا يعتبر من أحد مظاهر الرأسمالية وذلك عندما يحدث اختلال في التوازن بين القطاعات الاقتصادية المختلفة لأسباب كثيرة. وبدلاً من استخدام أدوات الإنعاش المعروفة كخفض نسبة الضرائب وزيادة مستوى السيولة حدث العكس. حيث ارتفعت الضرائب ارتفاعاً بسيطاً ولكن السيولة انخفضت بمقدار الثلث في نهاية تشرين ثاني مقارنة بما كانت عليه في بداية أيلول من عام 1929م وهذا انخفاض كبير في مؤشر مهم وحيوي ينبأ بأن النشاط الاقتصادي تحيط به صعوبات جمه مثل خفض الإنفاق وتقليص فرص العمل وانخفاض الإنتاج وانخفاض الأسعار الذي يؤدي إلى إفلاس مزراعين ومصنعين ومقدمي خدمات بما فيها الخدمات المالية.وخلاصة القول أن تراجع الاقتصاد الأمريكي في عام 1929م تحول إلى كساد عالمي أوشك أن يوصل الشيوعيين إلى سدة الحكم في أوروبا (ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا) لو لم يسبقهم النازيون والفاشيون إلى ذلك.
إن أسباب أزمة 1929م نقدية بالدرجة الأولى ومالية من الدرجة الثانية ولم تسببها آلية العرض والطلب التي أطلق عليها آدم سميث "الأيدي الخفية" لقد كان متوفراً لدى الاحتياطي الفيدرالي والذي أسس في عام 1913م جميع الأدوات المعروفة للاقتصاديين لرفع مستوى السيولة الكفيلة بإيقاف تحويل التراجع الاقتصادي المؤقت في أمريكا فقط إلى كساد هائل بدأ في أمريكا ومن ثم انتقل إلى بقية دول العالم.
لقد أصبحت البنوك في هذه الأزمة غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها وإرجاع الودائع إلى أصحابها وكذلك توقفت عن القيام بتمويل المشاريع وانتقلت الأزمة من مجالها المالي إلى مجالها الاقتصادي العيني فانخفض المستوى الإنتاجي ابتداء من صناعة السيارات وكذلك انخفض الطلب أيضاً.
ولذلك قامت الدولة باتخاذ إجراءات ضرورية لإنقاذ الأوضاع الاقتصادية المتردية من إفلاس محقق. ولم تكن الاقتصاديات الدولية مترابطة مع بعضها البعض كما هو الحال اليوم ولم تكن أنظمة الصرف مرنة أو عائمة. فاتفقت جميع الدول على خفض قيمة العملات واستخدام السياسات الحمائية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية السيئة.
وجاء رد الفعل الأول على الأزمة من بريطانيا التي أقرت بفقدان عظمتها ومن ثم أوقفت تحويل الجنيه الإسترليني إلى ذهب وأحدثت منطقة الجنيه الإسترليني والتي كانت تضم إنجلترا ومستعمراتها آنذاك وكان الهدف من هذا التجمع هو التآزر حول وجود عملة موحدة وهي الجنيه الإسترليني ونظام التبادل المشترك بين دول المجوعة وعليه يمكن القول أن إنجلترا خرجت من موقع الهيمنة إلى موقع الانزواء.
ولكن أهم إنجاز فرضته معالجة الأزمة الاقتصادية في الثلاثينيات من القرن الماضي هو ما حدث في الولايات المتحدة باعتبارها المصدر الذي انطلقت منه الأزمة والمركز الرئيسي للرأسمالية في العالم حيث أخرجت هذه المعالجة إلى حيز الوجود أولوية تدخل الدول في معالجة الأزمة. وفي عام 1932م تم انتخاب الرئيسي الأمريكي الإصلاحي فرانكلين روزفلت وجاءت فترة حكمه في خضم أزمة الكساد الكبير فقام بإجراءات عديدة على الصعيد الاقتصادي كان أولها مضاعفة الإنفاق على الأشغال العامة في كافة البلاد مثل بناء الطرق والجسور والموانئ البحرية والمطارات ووضع برامج اجتماعية تصب في مصلحة المواطن مثل برامج التقاعد، وبرنامج علاج متقاعدي القوات المسلحة وبرامج بدل البطالة وضمان الودائع التي لا تزيد على مئة ألف دولار وتشكيل هيئات للرقابة المالية. فزيادة الإنفاق أدت إلى زيادة مستوى السيولة وأحاديث الرئيس الأسبوعية من خلال الراديو كانت تدخل الثقة والطمأنينة إلى نفوس الناس، وإذا رجعت الثقة التي لا يقف عثرة في طريقها تدني مستويات السيولة، استعاد أي اقتصاد صناعي انتعاشه ونشاطه ومع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939م انتهى الكساد وارتفعت الدخول وتقلصت البطالة.
ومن الطبيعي أن يمر الاقتصاد الأمريكي الذي نما بنسب كبيرة من عام 1937م حتى عام 1950 بتراجع مؤقت وهذا ما حدث في عهد إدارة الرئيس أيزنهاور والذي فاز في انتخابات الرئاسة الأمريكية في تشرين ثاني عام 1952م. والذي شرع في بناء الطرق في الولايات المتحدة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها وهذا ما أدى إلى رفع مستوى السيولة والقضاء على التراجع الاقتصادي المؤقت.
إن دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية قاد إلى تحريك اقتصادها وإنعاشه وخاصة في قطاع الإنتاج حيث ارتفع إنتاج الحديد والفحم المادتين الضروريتين لإنتاج المعدات الحربية. ولذلك أصبحت الولايات المتحدة تمتلك فائضاً من السلع والعملة وهذا ما ساعدها على التحكم في مجريات الأمور بعد الحرب وتربعت على قمة العالم سياسياً واقتصادياً.
Page 10
الأوضاع الاقتصادية أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها:
من المعروف أن الصراع في الحرب العالمية الثانية كان يجري بين دول الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة ودول المحور (اليابان وألمانيا) وفي النهاية انتصر الحلفاء على المحور وكان يجري على الساحة أيضاً مواجهة عقائدية بين المد الليبرالي بزعامة أمريكا والمد الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي حيث جرى على أثره تقسيم مناطق النفوذ بين الطرفين والمثال على ذلك أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية. وفي أثناء سنوات الحرب جرى حوار يتناول الجانب الاقتصادي بين الولايات المتحدة وانجلترا وخاصة الاجتماع الذي عقد بين الطرفين في عام 1941م من أجل إقرار نظام نقدي جديد لأن الممارسات النقدية والحمائية التي نتجت عن أزمة الكساد الكبير أدت إلى وقوع الحرب العالمية الثانية، وقد عكس الحوار بين الدولتين عن المنافسة بينهما وسعيهما لإيجاد ظروف تعاونية اقتصادية لضمان استمرارية عملية السلام بين الدول. وقد وضع جدول الحوار بين الدولتين كل من "كينز" العالم الاقتصادي الإنكليزي ويمثل بريطانيا و "وايت" وزير الخزانة الأمريكي ويمثل أمريكا وتوصلت المحادثات بين الطرفين إلى عقد مؤتمر بريتون وودز" عام 1944م الذي خرج بقرار إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وخرج المؤتمر أيضاً بوضع أسس نظام نقدي عالمي على أساس ثبات معدل الصرف وارتباط الدولار بالذهب لكي يصبح عملة رئيسية في العالم.وعكست هذه القرارات طبيعة توازن القوى السياسية والاقتصادية بعد الحرب، فأمريكا كانت تملك 80% من احتياطي الذهب وأول قوة صناعية في العالم واستطاعت أمريكا بفضل الفائض المالي والسلعي أن تقدم جزءاً كبيراً منها إلى الدول التي دمرتها الحرب مثل بلدان أوروبا الغربية واليابان. وأن تمول مشاريع إعمار البنية التحتية في دول أوروبا الغربية من خلال مشروع "مارشال". وأصبحت "وول ستريت" مركز النشاط التمويلي الرئيسي في العالم وذلك على حساب لندن التي أصبحت تابعة لها. وهكذا استطاعت الولايات المتحدة والدولار من فرض سيادتهما على النشاطات الاقتصادية والمالية مدة ثلاثين سنة وخلال هذه العقود الثلاث نمت اقتصاديات الدول الغربية نمواً جيداً رافقه ارتفاع في مستوى الإنتاجية والتشغيل.
ومع مرور السنين بعد الحرب العالمية الثانية استطاعت بعض الدول ونخص بالذكر كل من ألمانيا واليابان من بناء قواعد إنتاجية قوية وفعالة وأصبحت قوتين تصديريتين أساسيتين حيث تجمع لديهما فوائض مالية أسهمت في تقوية عمليتهما المارك والين وفي نفس الوقت زاد عجز الميزانية في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع النفقات العسكرية نتيجة لتمويل حرب فيتنام وسباق التسلح بين أمريكا والاتحاد السوفيتي وبرنامج غزو الفضاء.
وفي أوائل عام 1971م طالبت ألمانيا بتحويل احتياطاتها الخارجية من الدولار إلى ذهب في الوقت التي كانت تعاني فيه الولايات المتحدة من نقص حاد في احتياطاتها من الذهب وهذا ما دفع الرئيس نيكسون إلى اتخاذ قرار في 15 آب 1971م يقضي إلى عدم قابلية تحويل الدولار إلى ذهب وهذا نقيض للقرار الذي اتخذ في "بريتون وودز" عام 1944م وهكذا تحولت أسعار الصرف من أسعار صرف ثابتة إلى أسعار صرف عائمة. وتزامن مع هذا القرار ظهور ظروف سياسية شجعت الدول المنتجة للنفط للمطالبة برفع أسعار الكميات المصدرة من البترول وتغير العلاقات بينها وبين شركات الكارتل. والسبب وراء قيام الدول بهذه الخطوة هو تدهور قدرتها الشرائية كنتيجة لانخفاض قيمة الدولار بسبب قرارات نيكسون والتداعيات التي أفرزتها حرب أكتوبر عام 1973م.
ومع مرور الزمن حدث تغير في توازن القوى بين الدول المتقدمة فتصاعد إنتاج اليابان وألمانيا في قطاعات إنتاجية مختلفة وبالأخص في صناعة السيارات وفي نفس الوقت ارتفعت مديونية الولايات المتحدة لتصل إلى أكثر من احتياطياتها من العملات وأصبحت اليابان المقرض الأول للولايات المتحدة بفضل الفوائض المتوفرة لديها وتقوم الصين حالياً بنفس الدور الذي قامت به اليابان.
لا بد من الذكر أن أحداث عرفها العالم ووقعت في الثمانينات من القرن الماضي وكان لها تأثير كبير على سير النشاطات الاقتصادية العالمية ومنها الثورة الإيرانية التي وقعت عام 1979م وأدت إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط عام 1980م وثانيهما الانفتاح الاقتصادي في الصين في سنوات حكم (دينغ هياو بينغ) عام 1979م وثالثهما انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989م.