إن المبدأ الأول في تقدم الأمم هو التزامها تجاه حريتها في غطار مبادئ القانون والقرارات الدولية بحيث تسقط كل الالتزامات التي تتعارض مع كل هذا الالتزام وتبطل . ومن هنا فقد كانت وما زالت قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة إلى ارض الوطن السليب هي من أهم عناوين القضية الفلسطينية . وليس هناك شاهدا اكثر تجسيدا من حالة الشتات واللجوء التي يعيشها الشعب الفلسطيني .
منذ ستين عاما تقريبا يقف العالم متفرجا على هذه المأساة التي حلت بهذا الشعب ويتعامل بازدواجية ويزن بميزانين فيما يخص قرارات الشرعية الدولية . فلماذا لم يطبق على إسرائيل ما يطبق على غيرها على الرغم من أن جميع القرارات تحمل صفة الشرعية الدولية ؟
وإذاكانت القضية الفلسطينية قد سلكت منذ يومها الأول طرقها الصحيحة عبر التزامها القرارات الشرعية الدولية من الناحية النظرية ، فإنها عمليا تعرت نتيجة انحياز دول العالم إلى جانب الدولة المغتصبةوتتهدد اليوم بالتصفية الكاملة بفعل الانحياز الفاضح والدعم اللامحدود والتواطؤ والعجز العربي . وبالرغم من تنازل الفلسطينيون والعرب عن 78 % من أراضي فلسطين فما زالت إسرائيل تخطط وتنفذ أطماعها في التهام ما يمكنها من الـ 22 % المتبقية منها .
وبالرغم من ان اكثرية الشعب الفلسطيني هجرت من البلاد ، فإنها لا زالت تتطلع وتخطط وتنفذ عملية تهجير ما تبقى من الشعب بطرق متعددة كهدم البيوت وجرف الأراضي وتضييق سبل العيش وتمييز ومضايقات لفلسطينيي الـ 48 .
القرار 194 الصادر عن هيئة الأمم عام 1948 شكل مع قرار تقسيم فلسطين 181 شرطا لقبول عضوية إسرائيل في هيئة المم . فالقرارانمتلازمان ن وعلى هذا الأسا فإن قرار حق العودة هو جوهر القضية الفلسطينية التي هي جوهر التي هي جوهر الصراع العربي ـ الصهيوني .
نكبة فلسطين المستمرة وحق العودة المعطل . ففي تشرين الثاني عام 1947 يوم صدور قرار الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين كان عدد الفلسطينيين 1.3 مليون نسمة . وقد ادت الأعمال الحربية التي تلت القرار إلى طرد واقتلاع وتشتيت أكثر من 700 ألف نسمة من سكان البلد الأصليين . وفي نهاية الحرب لم يبق على الأرض التي استولى عليها اليهود وأقاموا فيها دولة إسرائيل سوى 150 ألف فلسطيني . ولجا البعض هربا من الحرب والمجازر التي قامت بها العصابات الصهيونية إلى أجزاء في فلسطين لم تقع في أيدي العصابات والتي أصبحت تعرف فيما بعد بقطاع غزة والضفة الغربية ، لجا البعض الآخر إلى الدول المجاورة لفلسطين : مصر ، الأردن ، سوريا ولبنان .
أدى التدمير واقتلاع السكان من جراء النزاع إلى تمزق النسيج السياسي والاجتماعي الفلسطيني ، وانتقل قسم أخر إلى دولة الخليج العربي بعد إعلان الهدنة وفي وقت لاحق إلى أوروبا ثم إلى أبعد من ذلك لأسباب اقتصادية .
إن اغتصاب الأرض وتشريد وتشتيت الشعب كانت هي الترجمة الفعلية لوعد بلفور الإنكليزي ولإقامة الدولة العنصرية ، وتمكنت إسرائيل عند ولادتها من الحصول على تأييد الدول الكبرى من خلال قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 29/11/1947 ، الذي يوصي ولا يلزم بتقسيم فلسطين إلى دولة ذات حكومة عربية واخرى يهودية . ولكن هذا القرار لم يدع أبدا إلى طرد الفلسطينيين من الدولة اليهودية المقترحة ، وأيضا فإن هذا القرار لم يدع إلى إقامة دولتين عنصريتين إحداهما عربية خالصة والأخرى يهودية خالصة ، ولهذا السبب كانت إسرائيل هي الدولة الوحيدة في تاريخ المم المتحدة التي قبلت عضويتها بشرطين الأول هو قبول التقسيم والثاني هو قبول قرار أخر للأمم المتحدة هو القرار 194 الذي يقضي بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم ..
يقضي القرار 194 بأنه يجب السماح للاجئين الذين يرغبون في العودة إلى أوطانهم والعيش بسلام مع جيرانهم في أقرب تاريخ ممكن . أما الذين لا يرغبون في العودة ، فينبغي التعويض عليهم عن ممتلكاتهم وعما أصابهم من دمار وخراب ، وذلك بموجب القانون الدولي أو بما يتقف ومبادئ العدل .. إلخ .
منذ عام 1948 أصدرت هيئة الأمم المتحدة ما يزيد على 100 قرار تناولت قضية اللاجئين الفلسطينيين كلها لم تنفذ لأن إسرائيل تمكنت بقوى الضغط الصهيونية من كسب الرأي العام الدولي وسط تواطؤ اكثرية دول العالم وتراخي وضعف الدول العربية .
إن حق الفلسطينيين الفردي أو الجماعي بالعودة غلى ديارهم والعيش في وطنهم هو حق طبيعي وأساسي من حقوق الإنسان ويستمد مشروعيته من حقهم التاريخي في وطنهم ، لا يغيره أي حدث سياسي طارئ ولا يسقطه أي تقادم ويستند إلى كونهم أصحاب البلاد الحقيقيين وتكفله مبادئ القانون الدولي والأقليات والمعاهدات الدولية بالإضافة إلى قرارات هيئة الأمم المتحدة وإلى بروتوكول لوزان الصادر عام 1949 الذي تضمن اعتراف إسرائيل بحق الفلسطينيين في العودة ، ناهيك عن القرارين الصادرين عن مجلس الأمن رقم 242 والقرار الصادر بتاريخ 22/10/1973 من حيث التأكيد على ضرورة إيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين .
والمعروف ان هذين القرارين شكلا أساسا للمفاوضات في مؤتمر مدريد يضاف إلى كل ذلك أن حق العودة هو حق غير قابل للتصرقف ولا للتنازل ولا للمساومة ، وهو إجباري معترف به بوضوح في معظم مواثيق حقوق الإنسان الدولية إذ انه يحدد بوضوح المكان الذي يحق للاجء ان يعود إليه ، وثانيا يحدد ان العودة يجب ان تكون بناء على الحق الشخصي لكل لاجئ ولا يستطيع احد ان يحل مكانه أو يتنازل عنه . وهو ثالثا يؤكد الاطار الزمني لعودة اللاجئين أي في أقرب وقت ممكن . وهو رابعا يفرض على إسرائيل التزاما بدخول الفلسطينيين إلى منازلهم ، وهو حق مثل باقي حقوق الإنسان لا ينقضي بمرور ، وهو حق شخصي لا يسقط أبدا إلا إذا وقع كل لاجئ بنفسه وبملئ إرادته على إسقاط هذا الحق عن نفسه فقط .
طيلة خمسة عقود استمرت إسرائيل في الضرب بعرض الحائط لكل القرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان ، وهي قد تمكنت من ذلك بسبب الدعم السياسي اللامحدود لدلو الغرب ، ومؤخرا الولايات المتحدة ، بحيث شهدت العقود الأخيرة هجمة بشعة على حق العودة .
حلم تحرير فلسطين والعودة إليها ـ حلم حقيقي يبدده تواطؤ الحكام العرب وخياناتهم ، بيد أن الحلم بتحرير فلسطين والعودة إليها وخصوصا بعد استعادة الحركة الوطنية الفلسطينية زمام المبادرة بعد عام 1965 وإطلاق العمل الفدائي وشعار تحرير فلطسين في إطار دولة ديمقراطية علمانية ، هذا الحلم لعب دورا مميزا وعاملا فاعلا في تحديد طابع الهوية الفلسطينية .
إن حق العودة قد حافظ على الهوية الفلسطينية وحافظ على وحدة التجمعات الفلسطينية التي لم تندمج في مجتمعات اللجوء بدوافع ذاتيةواخرى خارجة عن إرادتها تتعلق بالدولة المضيفة وحساباتها الداخلية والطائفية . ولكن مع كل المعاناة ، تمكن الفلسطينيون من الإقامة على تخوم العودة وعلى تخوم الحلول السياسية التي تعيد إليهم حقوقهم في الأرض والعودة . وكانوا مادة الحراك السياسي والاجتماعي للتحرير والعودة خلال القرن الماضي .
وبذلك يظهر ان حق العودة هو جوهر القضية الفلسطينية التي هي بدورها جوهر الصراع العربي ـ الصهيوني والقضية المركزية الولى للعرب وإن القفز عنه لا يمثل سوى خطوة أدت وتؤدي إلى إفشال كل التسويات المقترحة والمبادرات المختلفة التي تقدمت بها بعض دول العالم المهتم بإنهاء الصراع في الشرق الأوسط .
لهذه السباب تعمل إسرائيل ومؤيدوها كل جهدهم لإلغاء القرار 194 أو استبداله بقرار أخر لأنه يمثل الدليل القانوني والمادي لحقوق اللاجئين وهي لا تنفك تحاول تقويض هذا الحق عبر تعقيده وتفكيكه وتذويبه وفق خطة غسرائيلية دؤوبة ومبرمجة .
ومع ذلك ورغم الدسائس والمؤامرات الخفية والعلنية فقد ظل الحق العودة حقا لا يجادل فيه احد عى الساحة العربية حتى منتصف التسعينات إذ انه بعد هذا لتاريخ بدأت مماحكات عربية تتذرع بذرائعشتى للتنازل ع هذا الحق في الأعوام 1948 و1967 ، تم الاستيلاء على بقية الأرض ، وتم تشريد اهل الأرض أيضا بطرق غير شرعية بالغتصاب والقتل والدمار ، ولا زالت الشهية مفتوحة لالتهام ما تبقى من الارض وما التهجير المنظم الذي رأيناه في رفح إلا مثالا على ذلك ، طيلة أربعة او خمسة عقود لم يتمكن العدو الصهيوني من تقويض حق العودة وبقي الفلسطينيون ولا زالوا ومعهم كل الشعب العربي طيلة تلك العقود متمسكين بحق العودة ولا زالوا يخوضون هذه المعركة مسلحين بالإرادة والتصميم وبقرارات لشرعية الدولية رغم شراسة العدو الصهيوني . ولكن من المؤسف القول بان الخطر الجدي على حق العودة تمثله المشاريع المشبوهة الصهيو ـ أميركية مع تواطؤ بعض الحكام العرب وصمت البعض الآخر الهادفة إلى تقويض هذا الحق بشكل نهائي . لذلك كانت ولا تزال الحساسيات كثيرة للنظر بتوجس لأي خطوة إسرائيلية ـ أميركية ـ وعربية خوفا من التنازل عن هذا الحق . والجدير ذكره ان الضمانات الميركية الخيرة لإسرائيل تطال سياستها في القدس وعلى أجزاء من أراضي الضفة وعلى رفض عودة اللاجئين إلى إلى ديارهم مما أثار ويثير القلق والخوف على مصير المدينة المقدسة ومصير حق العودة وعلى مصير عملية التسوية التي لا تزال مع الأسف تدغدغ أحلام بعض العرب . ولم تؤدي التطمينات التي قدمت للأردن بعد ان أثارت الضمانات لإسرائيل حفيظة العرب المتمسكين بأحلام التسوية ، فلم تتطرق إلا للعموميات ، وركزت في جوهرها على تطمين الأردن بأن أي حل في المنطقة لن يمس كيانه واستقلاله وسيادته . أما وقد تطرقت رسالة التطمينات هذه إلى خارطة الطريق فمن الواضح ان خارطة الطريق الواردة في الرسالة ليست هي خارطة الطريق التي سلمها وفد اللجنة الرباعية إلى محمود عباس يوم كان رئيسا للحكومة فقد ادخل عليها بوش وشارون بالشراكة والتضامن والتكافل تعديلات جوهرية تناولت يهودية الدولة . لذلك لا عودة للاجئين والتفاوض بشأنهم يكون بالبحث لهم عن مكان سكن دائم وليقدم الفلسطينيون إعلانان صريحا بتخليهم عن حق العودة وثانيا القدس تبقى موحدة وعاصمة أبدية للدولة اليهودية ولا انسحاب إطلاقا من القدس الشرقية والتفاوض حول القدس للبحث بكيفية السماح للمسلمين بالوصول إلى أماكن العبادةفيها ن وليقدم الفلسطينيون إقرارا بتخليهم عن القدس الشرقية وثالثا العودة إلى حدود 4 حزيران 1967 بات امرا غير واقعي لأسباب أمنية ولأسباب ديمغرافية بعد إقامة العشرات من المستوطنات فإسرائيل هي المعنية برسم الحدود الآمنة لها والتفاوض حول الحدود هو لإبلاغ الفلسطينيين بالخارطة الجديدة للضفة الغربية وليقدم الفلسطينيون للإسرائيليين اعترافا ليس بإسرائيل بحدودها الجديدة ، بل بحق لإسرائيل ، أن تكون لها هذه الحدود الآمنة والمعترف بها . إن التعلق بخارطة الطريق بحجة ان اللجنة الرباعية ستعود إليها هو عمل عبثي لا يدل عمليا إلا على العجز وانعدام الحيلة . فخارطة الطريق بصيغتها الأولى لم تحتو أبدا على خطوط عريضة لحل دائم . ولذلك فإن الحل الدائم هو الوارد في رسالة الضمانات الموجهة من صاحب الخارطة إلى شارون . ومن يتمسك بخارطة الطريق هو كمثل الذي يفسر أهداف بوش أفضل من بوش نفسه . وهذا امر يجنب الأنظمة العربية النقاش مع الولايات المتحدة وكسب الوقت ومخداع الرأي العام العربي بأن يبقيها في إطار التفكير في هيمنة الولايات المتحدة الميركية ومصطلحاتها الإسرائيلية . وبهذا الأسلوب ستبقى علاقة النظارم العربي الرسمي تبعيته شبه مطلقة وردود فعله انفعالية وعدمية .
واضحة إذا شروط إسرائيل الجديدة وهي تعبير عن استسلام كامل للعب المتمسكين وحدهم بعملية التسوية بينما غادرها المفاوض الإسرائيلي والراعي الأميركي الذي انحاز انحيازا كاملا إلى جانب الطرف الإسرائيلي ووعده بالضغط على لعرب بكافة الوسائل ليتنازلوا عن حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها موضوع القدس وموضوع حق العودة . وكانه بذلك كان شريكا في وعد بلفور المشؤوم من حيث إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق ، وكذلك من حيث غياب الطرف الفلسطيني صاحب الحق الأصلي عن هذه الوعود وكانه لا علاقة له بما يترتب عليها من إجحاف وظلم هائلين سيلحق به .
وبغض النظر عن الخلفيات الصهيونية ـ الليكودية التي دفعت برئيس أكبر دولة في العالم ليتنازل عن حق لا يملكه وحق يقره القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ، فإن ذلك يبقى مخالفا لإرادة المجتمع الدولي ويهدد الأمن والسلم الدوليين .
التوطين والتهجير إلى بعض دول المنطقة وخارجها ليست مقبولة ودونها إبادة الشعب الفلسطيني برمته . فلا يمكن لأي باحث أو مؤرخ أو كاتب في موضوع فلسطين واللاجئين واستراتيجية الحفاظ على حق العودة إلا ان يشير إلى ما تطرحه الدوائر الصهيونية والأميركية عن مشاريع بديلة لحق العودة كالتوطين في الدول التي تستضيفهم (الأردن ، لبنان) او الهجرة إلى الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها المقطعة الأوصال اوالتوطين في الأرض التي سينتقل إليها الفلسطينيين في النقب او الهجرة إلى دولة ثالثة توافق على استيعاب لاجئين أو اخيرا الهجرة إلى الأراضي الإسرائيلية بما يسمى بلم الشمل .
وكعادتها إسرائيل في ركوب الموجات الأميركية الاستعمارية الهادفة إلى السيطرة على العالم وإلى حماية مصالحها ، فقد سعت منذ ما قبل ولادتها وحتى اليوم إلى كسب تأييد الولايات المتحدة الميركية وتقديم كل انواع الدعم السياسي والمالي والعسكري لها من أجل تنفيذ مخططاتها العدوانية وتوطيد دعائم دولتها العنصرية التوسعية الاستيطانية وفي لعب دورها كاملا ومحاولة السيطرة على منطقة الشرق الأوسط كلها .
ففي منتصف السبعينات استغلت المخطط الميركي الكسنجري الهادف إلى تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلى دويلات صغيرة ضعيفة تدور في فلك إسرائيل . كان لهذا المخطط وظيفتان الأولى توطين الفلسطينيين في البلاد المضيفة خاصة لبنان بعد تقسيمه إلى مناطق طائفية . والثانية هي زرع الفتن والحروب واطماعه البغضاء والحقد بين الدو العربية والشعب الفلسطيني وبهدف نزع البندقية الفلسطينية فيرضخ حينئذ إلى مشروع يبدد حقه في فلسطين .
إذا كانت هذه هي اهداف المخططات الصهيو ـ أميركية الجاري تنفيذها اليوم فكيف يواجهها العرب وما هو السبيل المطلوب لمواجهتها ؟
إن دم وجود مشروع عربي قادر على مواجهة هذه السياسات هو سيطرة نهج التسوية ذاتها ولا مخرجا عمليا منه إلا بخلع قوبها السياسي والفكري والعملي فلسطينيا وعربيا . فهل نحن جاهزون بتني مشروع مواجهة في الظروف الموضوعية الدولية والذاتية العربية ؟
لم يلحق ظلم بشعب في التاريخ كما ظلم ويظلم في كل يوم الشعب الفسطيني . وليس التقاء المصالح بين الولايات المتحدة الميركية وإسرائيل هو وحده سبب العلاقة غير المسبوقة بين دولتين مستقلتين في تاريخ العلاقات الدولية . بل هناك أسباب أخرى هي أبعد وأعمق تصل إلى حد التوحد في النظرة للأمور مبنية على المبادئ والتوجهات التاريخية والعقائدية .
من الثابت ان الدولتين صاحبتا جذور تاريخية متماثلة . فالتاريخ يثبت ان الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل اغتصبتا أرضا وطردتا شعبا وشيدتا بناء يعتمد على الغطرسة والقوة للسيطرة على العالم . الألى ، ابادت شعبا باكمله لتقيم مكانه شذاذ آفاق أتوا من كل حدب وصوب ليغتصبوا الأرض ويقيموا مجتمعا بلا حضارة يعتمد على التوسع . وهي تقود سياسة بربرية متوحشة لا تقيم وزنا للشرائع الإنسانية التي توصلت إليها البشرية . والثانية مدعومة من الأولى اغتصبت أرضا وطردت شعبا لتقيم مكانه شذاذ آفاق جاءوا أيضا من انحاء الدنياليقيموا مجتمعا بلا حضارة اللهم إلا من حضارة القتل والإبادة والتشريد والمآسي ، مجتمعا يعتمد العنصرية والتوسعية وإبادة ما تبقى من الشعب صاحب الأرض الحقيقي .
يسيطر المسيحيون المتصهينون على الإدارة الأميركية بشكل غير مسبوق ، جعل لعلاقة بين الدولتين أكثر حميمية من السابق . فهؤلاء المسيحيون المحافظون الجدد هم في الحقيقة طليعة مسيحيين بروتستانتيين يبلغ عددهم حوالي 70 مليون اميركي يؤمنون بالعهد القديم مما يوضح تماما التزام الإدارة الأميركية الحالية بكل أنواع الدعم السياسي والعسكري والمالي إلى حد اعتبار إسرائيل حليفا استراتيجيا ورديفا للحلف الأطلسي لتلعب دورا طليعيا في منطقة الشرق الأوسط لصالحها ، مما يجعل اميركا أكثر قوة وأمنا .
إن إسرائيل تشكل مرتكزا اميركيا استراتيجيا نجح منذ قام إسرائيل وخاصة بعد عدوان 1967 في كسر حركة القومية العربية ودفع المة نحو الارتماء عند أقدام السياسة الأميركية . ويمكن ملاحظة التحول الذي طرأ على العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية ومؤشره التصاعدي خاصة بعد حرب 1967 وذلك سواء كانت الإدارة جمهورية أم ديمقراطية ، فقد كان هذا التحول هو في نظرة الولايات المتحدة إلى إسرائيل على الدوام ، غير أن الإدارة الحالية فضلت ولا زالت الذهاب إلى أبعد مما هو تقليدي .
كان هذا دائما يترجم نفسه بسياسة أميركية تريد فرض التسوية على العرب على قاعدة التسليم بالتفوق الإسرائيلي وبدوران المنطقة كلها بفلك المصالح الاستعمارية .
أدت تفجيرات 11 أيلول إلى مجيء الجاح الكثر تطرفا في دعم إسرائيل في موقع القيادة في واشنطن معتبر ذلك اليوم إنهاء أي تمايز بينها وبين إسرائيل .
من هنا يمكننا فهم ما جرى ويجري في فلسطين والعراق وفي مشاريع أميركا للشرق الأوسط الجديد الذي يكفل أمن إسرائيل ويطلق يدها الطويلة في المنطقة الهادفة إلى فرض إملاءاتها ومشاريعها بحجة الحرب على الإرهاب وإشاعة الحرية ونشر الديمقراطيةفي البلاد العربية طالما هي أيدت ودعمت أنظمتها الدكتاتورية العميلة لها . ولا تتوقف هذه المواقف عند حدود العلاقة الحميمة مع إسرائيل، بل تتعداها لتشمل غزو العراق وإعادة هيكلة الشرق الأوسط بكامله . فموقف اكثر الأنظمة العربية من الحرب الإنكلو ـ أميركية على العراق قدم للعرب صورة اكثر مرارة عما كان وجرى في نكبة 48 وعما سيجري إذا استمر والقع الحال العربي على ما هو عليه . لقد فتحت مياه وسماء وأرض عربية لجيوش المحتل لتعبر منها إلى العراق لاحتلاله وعودة زمن الاستعمار المباشر تحت وابل من زغاريد عرب أسكرتهم نشوة جيوش التحرير الأميركية لتفيق أمتنا على طعنات خنجر احتلال في العراق يمثل فك الكمشة الآخر للاحتلال الإسرائيلي ولا ادري أين سيزرع في جسد أمتنا خنجر احتلال جديد .
أما بالنسبة لمبادرة الشرق الأوسط الكبير الأميركية ، فالسياسة الرسمية العربية تحاصر نفسها بنفسها ، ولا ادل على ذلك من هذه المبادرة الأميركية فالتراجع تحت ضغط المشاريع الأميركية ـ الصهيونية له نتيجة وحيدة ومنطقية هي فتح الشهية الاستعمارية . لأن الأطماع الاستعمارية لا تقف عند حدود فلسطين والعراق بل تسعى إلى إعادة هيكلة منطقة الشرق الأوسط من خلال إعادة رسم خارطتها الجيو سياسية ، هيكلة تمس وحدة كل قطر كما جرى في فلسطين والجولان السوري المحتل والعراق والسودان ، هيكلة تقسم وتفتت المجتمعات العربية وتعيدها إلى جماعات وقبائل متناحرة على أساس إثني وعرقي وطائفي . كل هذا لتكريس الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية على الشعب العربي وخيراته .
وهكذا يتبين أن فرض مشاريع وقرارات الاصلاح في البلاد العربية وجامعة الدول العربية يشكل مؤشرا خطيرا على اختراق أميركي إسرائيلي كبير بات يهدد بقايا النظام العربي الرسمي . وإذا جاءت قرارات القمة العربية المنعقدة في تونس لتنص على ان الإصلاح المتبنى فيها ينبع من مفاهيمها الثقافية والدينية والحضارية وظروف كل دولة وإمكاناتها ومع متطلبات روح العصر في إطار صيانة هوياتها واحترام تقاليدها الأصلية ، فإنها جاءت وكأنها استجابة للمبادرة الأميركية للإصلاح . وما يدل على ذلك هو ان النظام الرسمي العربي أهم طيلة نصف قرن المطالب والشعارات الإصلاحية التي طالما طالبت بها النخب العربية وستولت عليها . وربما أغلب الظن انهم اتفقوا على برامج يتفقون في ممارساتهم العملية على عدم تطبيقها لأنها بالتأكيد ستطال أنظمتهم وسلطتهم الضيقة .
فاجانا بعض العرب بالتعقيب على منح الرئيس بوش الضمانات المطروحة بأنهم صدموا بموقف الإدارة الأميركية وكان موقف هذه الإدارة أو الإدارات التي سبقتها اتسم يوما ما بالتوازن حيال الصراع في الشرق الأوسط او كان هؤلاء الذين تفاجأوا والذيم\ن صمتوا سعوا حقيقة إلى انتزاع موقف متوازنمن الادارات الأميركية المتتالية والتي بقي دعم العدوانية التوسعية الإسرائيلية ركنا ثابتا في سياستها الخارجية . سخيفة هي السياسات الإقليمية العربية التي تتلطى بقشور ادعاءات الدهشة والمفاجأة والأسف على المواقف الميركية المعلنة واخرها ما أعلن عنه قبل ايام في واشنطن بان وجهة النظر الأميركية في رؤيتها لحل الصراع في الشرق الأوسط وأن شروط وأسس التسوية الدائمةيجب ان تاخذ في الحسبان الوضع القائم على الأرض وشطب حق العودة .
إن اكتشاف اللا توازن في الموقف الأميركي يكون ذا معنى لو اسست عليه سياسة مواجهة تأخرت قرنا ونيف لإعادة التوازن في السياسة الأميركية . ولكنه لن يكون له أي معنى إذا استمرت سياسة الموقف العربي الهابط والضعيف والمائع المتبع اليوم ليواجه ثبات الموقف الأميركي دون الحقوق المشروعة للشعب الفلطسيني والشعب العربي . وهذا بالطبع يتعارض مع سعي الكثير من الأنظمة العربية التي لا ترى هدفا لها إلا اللهاث لوصل حبال الود التي تقطعها الإداراة الأميركية يوميا كمخرج وحيد للحفاظ على إدامة حكمها القاصر عن حماية الحدود الدنيا للصالح العربي المشترك .
أمام هذا الانحياز الأميركي الخطير وغير المسبوق إلى الطروحات الإسرائيلية وأمام هذا المشهد السلطوي العربي لا يجد العرب أمامهم لأسباب موضوعية وذاتية إلا برنامج وشعارات الممانعة إذ لم يعد ممكنا الاستمرار بالمواقف الملتوية المخجلة في التعامل مع جرائم الصهيونية المدعومة من الإدارات الميركية وليس المواجهة الشاملة التي تتطلب ظروفا ذاتية وموضوعية مغايرة لا تتوفر في الأمة العربية اليوم . هذه الممانعة تقوم على الأسس التالبة :
أولا : التمسك بقرارات الشرعية الدولية كأساس لتسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي لأن التمسك بهذه القرارات كفيل بإعادة التوازن للانحياز الأميركي .
ثانيا :التمسك بحق العودة وفقا لقرارات الشرعية .
ثالثا : تقديم الحدود الدنيا من الدعم المادي والسياسي للمقاومة الفلسطينية والتمسك بسيادة العراق ووحدته أرضا وشعبا وإنهاء احتلاله ومنع الاستفراد بسوريا الهدف القادم للعدوانية الميركية والإسرائيلية .
رابعا : إلاق العواصم العربية أبوابها لمكاتب التجارة الإسرائيلية والسفارات والسفراء .
خامسا : الحفاظ على الحدود الدنيا من التنسيق العربي .
سادسا : وضع برنامج إصلاح ديمقراطي ملموس للانفتاح على الجماهير العربية بغية تحصينه في مواجهة الخطط الإسرائيلية الأميركية لتفتيت المجتمعات العربية كمقدمة لبسط الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية على المنطقة .
برنامج الممانعة هذا يجب ان يعبّر عن مصالح الشعب العربي وطموحاته وكرامته بحدودها الدنيا . يجب ان يقول لأميركا كفى دعما لإسرائيل ولتجاهل حقوق العرب في فلسطين . كفى احتلالا للعراق وتقسيم أرضه وشعبه ونهب ثرواته . كفى خداعا بالديمقراطية لتمرير الهيمنة والسيطرة .
إن جورج بوش وإدارته الصهيونية الليكودية هم شركاء شارون في ارتكاب الجرائم الدولية في فلسطين والعراق وهم يتحملون المسؤولية الكبرى في دعم إسرائيل السياسي والمعنوي .
ولكن الأمة العربية والشعب العربي ليسوا كالهنود الحمر . فالمة العربية لها من الحضارة والتاريخ ما يمكنها من مجابهة المشاريع الاستيطانية التوسعية . والشعب العربي تصدى مرارا وتكرارا لكل موجات الغزو والسيطرة والإذلال . لقد تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل طيلة خمسة او ستة عقود من تعطيل قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194 ولكنهما لم يتمكنا من إطفاء جذوة المقاومة العربية لمشاريعهما . وها هي طلائع الشعب العربي المقاوم في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان تهزم كل المشاريع وتصر على المطالبة بتسوية شاملة وعادلة على الأقل ، فما بالك لو يعمم نهج المقاومة في أرجاء الوطن العربي .
إسرائيل والصهيونية ، هما من المواضيع القليلة جدا ، التي تفرض مستوى معين من البحث والمتابعة قد لا تستدعيه بقية المواضيع حتى المعقد منها. يمكن الإشارة إلى جملة عوامل يمكن ان تعقد وتصعب الأمر ، منها التداخل بين الصحيح والكذب في المعلومات المتوفرة عن إسرائيل . يمكن الجزم بأن التضليل يشكل خطا أساسيا ثابتا لإسرائيل . بهذا لا تفعل إسرائيل أكثر من ممارسة ، وإن بشكل موسع ، سياسة التضليل وخداع العدو التي عرفها تاريخ الصراع بين البشر.مما ضاعف من الآثار الضارة للسياسة لها قابلية الفريق العربي ولأسباب جمة ، للاستجابة وترويج أية أخبار عاطلة عن العدو . العامل الثاني ، صعوبة بل استحالة استيعاب هذه المسألة أو تلك ، دون وضعها في مداها الكامل . إن دراسة إسرائيل الاقتصاد لا يمكن أن تتم بشكل سليم ما لم يتوفر فهم دقيق لدور القرار السياسي في صياغة السياسة الاقتصادية . فضلا ع هذا أو ذاك ، مركزية الأمن في مجمل حياة إسرائيل . هذه المسائل برمتها تبقى تفاصيل لا يمكن نظمها ما لم نتعرف على الهدف السياسي الأساسي الذي يجري السعي إليه . يوما ما سنكتشفكم كان خطؤنا جسيما حين سمحنا لأنفسنا بالاستغراق في الشؤون الإسرائيلية الجارية ، متناسين أن الهدف السياسي الأساسي هو ما تحدده الأيديولوجية الصهيونية ودعواتها التوراتية لناجية إقامة إسرائيل الكبرى . العامل الثالث ، التداخل العميق والمستمر بين الصهيونية وإسرائيل من ناحية وبينها وبين الرأسمالية من ناحية ثانية . دون الإلمام بالمستويين معا يستحيل علينا توصيف أو تفسير الكثير الكثير من الأمور . يستوي في ذلك شأن من نوع حقيقة الأوضاع الاقتصادية في إسرائيل ، أو من طراز كيفية تحديد الاستراتيجية العليا أو الأهداف السياسية المطلوب تحقيقها .
بكلمة أخرى ، إن أي فهم للكيان الصهيوني ، لا يمكن أن يكون صحيحا ما لم يكن شاملا ودقيقا . من نافل القول أن شاملا يعني كل الأبعاد ذات العرقة بإسرائيل وتحديدا لناحية العلاقة بين إسرائيل والصهيونية ، وبينهما وبين الرأسمالية . ذلك لا يعني رغبة في توسيع الحديث ، بمقدار ما يعني تأكيد الدور البنيوي لكل من العوامل المشار لها في حياة بعضها البعض . ذلك الدور يختلف تمام الاختلاف عن العلاقات المألوفة بين الظواهر لناحية أن المعيار هو في حدود علاقة الظواهر ومقدار تأثرها أو تأثيرها . في هذا المجال ثمة ضرورة للإشارة إلى عجز الكتابات التي قامت على الفصل بين الصهيونية وإسرائيل أو بين إسرائيل والصهيونية والرأسمالية عن تقديم تحليل ولو متماسك جزئيا للحالة الإسرائيلية الآن .
تنقسم الدراسة إلى تسع أقسام : القسم الأول بعنوان ضرورة وشروط فهم الكيان الصهيوني بشكل أدق وأعمق ، وقد تعرضنا فيه بشكل موجز إلى الضرورة السياسية للمعرفة وكذلك لأسباب الجهل أو التجهيل . فضلا عن ذلك جرى تناول أهمية المعرفة كعامل أساسي وشرط أولي من شروط المواجهة مع العدو .
في القسم الثاني ، جرى تناول تطور وحقيقة الأوضاع الاقتصادية في الكيان الصهيوني . جرى التعرض للأهمية الحاسمة التي كانت لللخارج من بين جملة العوامل المؤثرة في تقرير الأوضاع الاقتصادية . عند الحديث عن الخطة قيد العمل ، اتضح أنها تستهدف إقامة سلسلة قوية حلقتها المركزية عي الصناعة . جرى التوقف أمام الموارد المالية التي تدفقت على إسرائيل وأوجه إنفاقها ، خصوصا ما وجّه منها للاستثمار في القطاعات الانتاجية المختلفة . كذلك جرى التعرض لقوة العمل والعلم في إسرائيل على قاعدة أن وسيلة إسرائيل للتفوق النوعي الذي تسعى له هو عبر أخذها بالخيار العلمي الشامل . لذلك جرى التوقف امام درجة تأهيل وتشغيل قوة العمل المتاحة . من نافل القول الإشراة إلى دور العمل العربي في إسرائيل .
جرى التوقف أمام السوق المتوفرة أمام السلع الإسرائيلية ، إن لناحية توسيع السوق الداخلية أو السوق الخارجية ، ومن خلال وسائل قسرية أو تسهيلات ودية . في هذا القسم أيضا جرى التوقف أمام تطور وسائل الإنتاج المختلفة إن لناحية مترتباتها على إنتاجية العمل أو نسبة إسهام القطاعات المختلفة في الناتج القومي . فضلا عما تقدم ، جرى عرض لدلالات التبدل الذي طرأت على تركيب التجارة الخارجية لإسرائيل .
خصص القسم الثالث للتحولات الاجتماعية وأثرها على تاقضات المجتمع الإسرائيلي . جرى عرض لما شهدته إسرائيل منتناقضات ، وكيفية إدارة إسرائيل لهذه التناقضات والعوامل الفاعلة في هذا ، بما في ذلك مكونات الخيار الإسائيلي تجاه المشاكل الاجتماعية إن لناحية وعي المشاكل أو توفر عوامل حلها . في هذا السياق جرى التعرض لدور المؤسسات في التوفيق بين الحلول ، بحيث تكون الحلول الآنية نوعا من التأسيس لحلول استراتيجية . في ضوء ما تقدم جرى استعراض للتطورات الاجتماعية ذات الدلالة من طراز : تطور نسبة الجامعيين لعدد السكان ، التأهيل العلمي لمجمل السكان ، مستوى التشغيل ، نسبة إسهام المرأة في العمل ، تركيب الأسرة اليهودية والعلاقات العائلية .
نظرا لأهمية ما يسمى بموضوع اليهود الشرقيين وما عداهم إن لناحية المستوى العلمي أو خروج المرأة الشرقية للعمل ، او تطور حجم الأسرة اليهودية . في هذا المجال جرى التوقف أمام دور الدولة في الدمج الاحتماعي ، مع ما للدولة من إمكانيات تساعدها في دورها مختلف المؤسسات من داخلية وخارجية . تجنبا للوقوع في الخطأ الاعتماد على المتوسطات العامة لتطور وضع اليهود الشرقيين . جرى الحديث والمقارنة انطلاقا من وضع اليهود الأفارقة الذين هم الأسوأ وضعا قياسا بالأوروبيين . لنفس الاعتبار ، وإن لهدف معكوس ، جرى التعرض لوضع العرب في إسرائيل مقارنة باليهود الأفارقة . في هذا المجال كان من الضروري التوقف أمام المعيار الذي تقاس بناء عليه الأمور وعند الحديث عن ارتفاع او تدني الأوضاع المعيشية أو الاجتماعية .
إذا تناولنا وضع العرب مقارنة بالأفارقة فذلك لاعتبار هو محاولة البت بأمر الفجوة الاجتماعية في إسرائيل . وإذا كان من حديث عن فجوة ، فأين تقع ؟ بين الشرقيين والغربيين حسب المصطلح الرائج ، أم بين العرب وبين اليهود الأفارقة ؟ وعلى ذلك يمكن القياس . العرض السابق وفر لنا صورة عن موقع العرب في الدورتين الاقتصادية والاجتماعية . عند الحديث عن دورة اقتصادية فهي واحدة وتتسع للجميع ، أما الدورة الاجتماعية فهي في واقع الأمر دورة يهودية ، على هامشها دورة اجتماعية عربية تربطها بالدورة اليهودية قناة يتسرب من خلالها وباتجاه واحد فائض قيمة الدورة العربية . في ضوء ما تقدم ، كان البحث عن التراتبية الاجتماعية التي تنتظم بناء عليها التجمعات المختلفة . في ختام ذا القسم ، كان لا بد من التعرض للمصادر الإضافية للدخل القومي والفردي ومذلم لحقيقة العبء الذي يمثله الاتفاق الأمني على الانفق المدني .
كرس القسم الرابع ل تطور الفكر الاستراتيجي والقدرة العسكرية لإسرائيل ... إن نقطة البدء في الموضوع كانت محاولة تقديم غعادة النظر الجذرية التي طرأت على الاستراتيجية العليا والأمن القومي لإسرائيل . دون استباق للأمور ، يمكن لنا القول أن مفتاح الموضوع برمته كان الجديد الذي دخل على العنوان مح الحديث . لقد جرى تعديل جذري طموح وخطير جدا على مفهوم الهدف السياسي و مفهوم العدو و ميزان القوى و مكونات القوة . تحت عنوان الترجمة العملية للتحول في المفاهيم الاستراتيجية جرى اختبار مدى تطبيق إسرائيل لمخطاطتها النظرية الناتجة عن تحول جذري في مفاهيمها الاستراتيجية الأساسية .
تحت عنوان القدرة العسكرية ، جرى التعرض للمقدمات والأبعاد والشروط التي صنعت تلك القدرة وحددتها الأبعاد التي كان لها دور البعد السياسي الاستراتيجي : لناحية أن إسرائيل ترى أن السلاح المستورد ليس سوى قوة مستعارة ، تحويلها لقوة ذاتية يفرض إقامة صناعة حربية . البعد الثاني الاقتصادي والمني : وهو كيفيه تحقيق البعد الأول ، لناحية ان إسرائيل ترى أن مصدر الموارد أكثر أهمية من كميتها . أي أن تكون القوة العسكرية محصلة لجميع عناصر القوة من اقتصادية وبشرية وعلمية .. إلخ . البعد الثالثهو البعد العسكري للقوة . لهذا البعد : جانب اول هو الطاقة البشرية العاملة في القطاع الأمني كما ونوعا . الجانب الثاني الأسلحة المستحدمة في الجيش الإسرائيلي . في نطاق هذا العنوان جرى التعرض ل مصادر وتعاظم كمية ونوعية السلاح كذلك ل الصناعة الحربية في إسرائيل وهل لها اهمية كمية أم نوعية فيما يتعلق بتعاظم القوى والاستجابة للمعطيات الميدانية . من العناوين التي كان لا بد من التوقف أمامها استخدام البعد الإلكتروني في السلاح وإدارة الحرب ومدى توغل إسرائيل في الثورتين التي يشهدهما العالم على مستوى الذخيرة المحكمة والأجهزة المتطورة للقيادة والقابة والاتصال والاستخبارات . النقطة الأخيرة التي تعرضنا لها في هذا الفصل ، كانت القدرة النووية لإسرائيل في المجالين الأمني والمدني .
في القسم الخامس جرت معالجة التحولات السياسية . النقطة الأولى ، نظرا لأهميتها ، كانت خصوصية العلاقة بين البناء الفوقي والبناء التحتي والمترتبات التي كانت لأسبقية الثاني على الأول . كما جرى تناول الأساس الذي انطلقت منه الإيديولوجية الصهيونية . ذلك كان مدخلا لتناول مسألة العرقة بين الصهيونية وإسرائيل لناحية إمكانية أو استحالة الفصل بينهما . تحت عنوان مستقل نعرض للعوامل الحاسمة في الحد أو استمرارية وتوسيع دور البناء الفوقي في إسرائيل من ضمن سؤالين : هل تؤدي مزاوجة العلم والأيديولوجية الرجعية سوى إلى البربرية ؟ وكيف استمرت الصهيونية عبر إعادة تأسيسها لنفسها ؟
كما جرى التطرق إلى إلى التطور الذي شهده الفكر السياسي ، على الأخص ، لناحية تطور فكرة الكيان الصهيوني وهل إسرائيل الكبرى فكرة مطروحة للتنفيذ راهنا ؟ وفي هذا السياق جرى تناول المفهوم الحقيقي لكيفية ضم المناطق المحتلة 1967 . جرى استعراض التحول الذي طرأ على وزن القوى السياسية والذي يمكن لنا تلخيصه بجملة واحدة هي : وصول الأكثر عنصرية ورجعية وتوسعية إلى مقاليد الحكم في حين لم يحصل راكاح من أصوات الناخبين اليهود في آخر انتخابات إلا على 5.8 آلاف صوت فقط أي ربع ما حصل عليه كاهانا .
من ضمن المفاهيم الصهيونية المستخدمة جرى التدقيق فيما إذا كان التحول في الحياة السياسية نحو اليمين أم نحو اليسار ، وفي هذا السياق كان لا بد من التوقف حول الخلاف بينهما . هل هو على المستوى الأيديولوجي أم على المستوى السياسي فقط ؟ جرى تناول مفهومين سياسيين أساسيين لهما دورهما في صياغة الموقف ألا وهما التطور الذي لحق بمفهومي العدو ، ومفهوم القوة مع ما لهذا التحول من شروط إن لناحية المقدمات أو النتائج . ما تقدم أفسح في المجال لمحاولة المقارنة بين أسلوب عمل إسرائيل مقارنة بأسلوب عمل العرب ، ولمحاولة الإجابة على سؤال هو ما هي الأهداف التي تسعى إسرائيل لتحقيقها ؟
في القسم السادس المخصص لـ الموقف من الشعب والقضية الفلسطينية جرى الحديث انطلاقا من سؤال مضاد هو هل تنفي إسرائيل نفسها ؟ تركز الحديث في أسئلة افتراضية من طراز : معنى اعتراف إسرائيل بقضية فلسطينية . وهل يعني اعترافا بشعب فلسطيني واستطرادا بوطن فلسطيني ، فضلا عن ذلك ماذا يعني اعترافا ولو مجزوء بالقضية والشعب الفلسطيني ؟ هل بإمكان إسرائيل تجاوز مفهومها للخطر لناحية أن أحد ثوابتها ليس السعي لمنع الخطر القائم بل المحتمل أيضا . في هذا السياق كان التساؤل عن رؤية إسرائيل للديناميكية التي ستكون عليها أي صفة جمعية (من جمع) للفلسطينيين وعن الموقف المبدئي من مسألة السيلدة على المناطق المحتلة 1967 . وهل من مشروع واحد ، منذ 1967 وحتى الآن : أقر بمبدأ التنازل عن سيادة إسرائيل على المناطق المحتلة 1967 . في ختام هذا القسم جرى التعرض لجذور النهج الإسرائيلي في التعاطي مع قضايا المناطق المحتلة 1967 خاصة والشعب الفلسطيني عامة .
في القسم السابع جرى تناول سياسة الكيان الصهيوني تجاه المنطقة العربية لناحية السياسة القديمة ـ الجديدة التي لم تتبدل إلا بمقدار قدرة المشروع الصهيوني على تحقيق الهدف من إنشائه . على ذلك كان لا بد من تناول علاقة إسرائيل بالمشروع الرجعي العربي وسمات الدور العسكري لإسرائيل والأبعاد سياسية للأدوار العسكرية . لذلك طرح سؤال عن عن متى بدأت كامب دايفيد وعن حصار بيروت 1982 وتمرير مشروع فهد ولماذا عاد عرب فاس لمصر ؟ العلاقة بين الأسئلة السابقة تفرز سؤالا حول من يقرر الهدف السياسي لحروب إسرائيل ؟ وفي ضوء معرفة الأهداف والجهة صاحبة المصلحة وصاحبة القرار كانت ثمة ضرورة للتساؤل حول من يركض وراء من؟ إسرائيل أم الرأسمالية ؟ الرجعية العربية أم إسرائيل والرأسمالية . فضلا عما تقدم وبناء عليه كان السؤال هل الرجعية العربية شريك من الدرجة الأولى ؟
القسم الثامن مكرس ل السياسة الكونية للكيان الإسرائيل . السؤال الأول حول الموقف المبدئي للصهيونية من التقدمية وعن نتائج 70 عاما من تماهي المشروعين الصهيوني والرأسمالية . واستطرادا لذلك هل الصهيونية خطر على وجود الدولة والشعب السوفييتي ؟ وأية علاقة بين إسرائيل والصهيونية وإعادة إنتاج المسألة اليهودية في الإتحاد السوفياتي . بمجمل ما تقدم ، فرض سؤالا وللمرة الثانية عن إسرائيل والصهيونية ، أية علاقة ؟ لذا كانت حاجة للتعرض إلى أوهام يسارية حول وزن الصهيونية .
ما تقدم أفسح في المجال لسؤال حول العلاقة الواعية بين مركز صهيوني وآخر رأسمالي لناحية هل تمر علاقة الرأسمالية بالصهيونية عبر قناة إسرائيل أم العسكر؟ من نافل القول أن هدف التساؤلات السابقة هو توضيح مقدار صوابية الحديث بين الصهيونية ، بمعزل عن إسرائيل ، رغم تحول الأخيرة لوقع المركز والأولى لموقع الآداة . هذا الحديث يجد تكملته المنطقية عبر سؤال هو هجرة اليهود السوشيات ، هل هي مسألة وجود بالنسبة لإسرائيل ؟
السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو حول اعتبار الفصل بين إسرائيل والصهيونية بتر للتاريخ وتجزيء الظاهرة الواحدة . أليست إسرائيل هي الظاهرة الصهيونية في مرحلة النضج وفي حيز التطبيق . للمساعدة على استكمال معالجة الموضوع قيد النقاش ، جرى حديث حول التفاهم الذ أسس التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل وأميركا . عند الحديث عن التحالف فهو يفسح في المجال لحديث عن تفاهم ، وهذا يعني تقارب الرؤى المختلفة لدرجة التطابق . لذا كان السؤال حول من النتقل لموقع من إسرائيل أم الولايات المتحدة ؟ ليس من قبيل الترف كان طرح السؤال المبدئي حول متى بدأت مشاركة إسرائيل في حرب النجوم ؟ مشاركة الصهيونية وإسرائيل في حرب الفضاء كانت مع أول صهيوني زرع بعد قلع مواطن فلسطيني . تلك البداية التي يجب أن نتمسك بها إذا أردنا وضع الأمور في أبعادها الصحيحة عدم بتر التاريخ أو تجزيء الظاهرة .
القسم التاسع يحاول تقديم نظرة لسياسة المواجهة كمدخل لا بد منه للحديث عن سياسة مواجهة في المستقبل . في هذا المجال سؤال البداية هو ماذا حققت إسرائيل والصهيونية ؟ تكملة للسؤل السابق هل هنالك ما هو أكثر من الفشل الاستراتيجي لإعادة النظر بعيدا عن الانتهازية وقصر النظر ؟ ومن ضمن محاولة الإجابة الدقيقة على أسئلة دقيقة أبرزها من هو العدو ؟ إن الجواب على هذا السؤال يظهر أننا وقعنا في جملة أخطاء ، واحد منها فقط يؤدي إلى كارثة . من يخطئ في تحديد من هو العدو ربما يخطئ في الجواب على سؤال واحد وهو من هم أطراف المواجهة ؟ وماذا بين هؤلاء تحالف مبدئي واعي أم علاقة تكتيكية عابرة ؟ هل كان للعلاقة أن تكون على غير ذلك ؟ الجواب يفرض سؤالا آخر جرت معالجته هو هل تتوفر شروط التحالف الاستراتيجي ؟ للإجابة كان ثمة ضرورة للإجابة على إسرائيل هل هي خطر من الدرجة الأولى على الجميع ؟ في هذا السياق طرح سؤال أخر مضاد هو هل يخوض العدو معركة وجود ؟ انطلاقا من الأجوبة السابقة فقط نستطيع البدء في طرح الأسئلة عن المستقبل .
وإن من كلمة ختامية ، إذا أردنا أن تكون خياراتنا طريقا للوصول إلى أهدافنا ، فإن نقطة البدء هي في احترام القواعد العلمية إن في التحليل السياسي أو النظري في تحديد الأهداف ، أساليب العمل أو التحالفات ودرجة مستواها . إن أي علث أو أوهام أو تجريبية أو أخطاء نظرية وسياسية إن لناحية الرؤية أو التخطيط أو التنفيذ ، ستؤدي لا محالة إلى كوارث وطنية جديدة لا حصر لها .
من نافل القول أن أدنى حدود الواجب الوطني يستدعي منا المعرفة الدقيقة بالعدو الذي نجابه . هذا العدو ، ، الذي فضلا عن أنه يشكل بالنسبة لنا تحديا مصيريا ، يحاول وبنجاح كبير جدا ، معرفة أدق التفاصيل عنا . ولعل هذه المسألة أحد أبرز أسباب النجاحات المتتالية التي حققها علينا خلال القرن الذي انقضى على الصراع العربي الإسرائيلي . إن المعرفة الدقيقة والعميقة بالعدو الذي نجابه ، ليست ترفا يمكن الاستغناء عنه . من خلالها فقط ، نستطيع أن نحدد بدقة ، موقعناوموفع عدونا في خريطة التناقضات الدولية ، طبيعة العدو ، مشاريعه ، اخطاره ، واستطرادا لذلك استراتيجيتنا النضالية ، التي لا بد وأن تكون دائما موزونة بالمعيار الإسرائيلي .
إن السعي لمعرفة دقيقة وعميقة بالعدو الإسرائيلي يفرض علينا أن نتذكر دائما بأن إسرائيل كائن حي ، متحرك ومتحول . إن عدم القفز فوق الحقيقة هو الذي يمنع عنا الاستسلام لانطباعات أو تصورات أو أفكار ، كانت صحيحة ، ولكن الزمن تجاوزها . لعل هذا الأمر ، هو أحد أبرز الأسباب وراء المفاجآت التي حفل بها تاريخ الصراع العربي الصهيوني . كثيرة هي الأسباب وراء محدودية المعرفة بشؤون العدو الذي نجابه . ولعل أخطرها ، تلك التي ترى في تجاهل العدو ، أو تجهيل المواطن العربي بشؤون العدو ، مسألة وطنية . ه1ا التجهيل الذي يتم تحت ذرائع عدة ، ليس أقلها ، المحافظة الكاذبة على معنويات الجماهير . في هذا المنطق قدرا من المعقولية لولا أن معرفة بعض من هم في مركز صناعة القرار لا تتعدى معرفة المواطن العادي .
لسنا في وارد البحث عن أسباب الجهل أو التجهيل بشؤون العدو ، وهي عديدة ومتناقضة ، قدر ما يهنا إعادة التذكير بالحقيقة المعروفة لناحية مصلحة العدو ، أي عدو ، في إشاعة جو من الاسترخاء لدى الخصم ، وفي الوقت نفسه استنفار طاقته إلى أقصى درجة . هذا الوضع يؤدي فيما يؤدي إليه إلى تفاوت في كيفية استغلال الزمن ، الأمر الذي لا بد وأن يفاقم من حجم الفجوة بين الفريقين المتصارعين ، مما يجعل نتيجة المعركة محسومة سلفا . يتصرف العدو بناء للقاعدة المعروفة ، المعززة بوقائع تاريخية لا حصر لها ألا وهي ، قيام العدو بخلق أمر واقع ، ثم البدء فورا في عملية تضليل واسعة ومبرمجة ، تتركز في الحديث عن مشاكله . وفي لحظة تاريخية معينة ، يقوم بخلق أمر واقع جديد ، يعكس واقعا مستجدا لميزان القوى بين إسرائيل وبين الفريق العربي . انطلاقا من الواقع المستجد ، يبدأ الحديث من جديد عن المشاكل ، وهكذا دواليك في عملية تاريخية يزيد معها ميزان القوى جنوحا لمصلحة العدو الإسرائيلي .
لو وضعنا جانبا عملية التضليل الواسعة التي تتم بدافع من سوء النية سواء من قبل الفريق الإسرائيلي ، وأهدافه من وراء ذلك غير خافية ، أو من قبل بعض فرقاء الصف العربي الذين يعفون أنفسهم من القيام بأي عمل ، تحت ذرائع شتى ، لو وضعنا هؤلاء جانبا ، فيجب الاعتراف بأن عملية الجهل والتجهيل بشؤون العدو ، تجد سندا لها في التراث الاجتماعي لغالبية الكتلة الجماهيرية التي تؤسس مواقفها السياسية على قاعدة وخلفية ذهنية غيبية عمادها الأفكار المطلقة من خير وشر ، حق وباطل ، حلال وحرام ، طاهر وفاسد ، إله وشيطان . هذا التكوين الغيبي والمطلق لا يترك مجالا كبيرا لرؤية الإيجابي في الآخر الذي ، وبناء على ما تقدم ، فاسد بالمطلق . ذلك لا يعني عدم وجود حالات اختراق للرؤية المشار إليها ، لكن حالات الاختراق هذه ، لم تشكل يوما السمة العامة ، لطريقة فهم العدو الذي نجابه .
لقد كان من المهام التاريخية للقوى التقدمية من فلسطينية وعربية ودولية ، أن تؤمن فهما علميا ومتماسكا للظاهرة الصهيونية وترجمتها إسرائيل . لكن مع الأسف الشديد ، لم تنجز هذه المهمة . أكثر من ذلك ، فقد جرى حشر القضايا النظرية المبدئية في تكتيكات وقيود سياسية شتى تتنكر لأبسط المسلمات النظرية وفي رأسها تحليل ومعرفة الواقع بهدف تغييره ، وليس الاستسلام له . إذا كان معيار التقدمية وشرطها الأول ، الاحترام العميق للحقيقة المادية والواقع القائم ، فإن شرطها الثاني المستغرق كليا في الشرط الأول ، الالتزام الكامل بتغيير ما هو قائم . وحركة التحرر العربية ، إذا فشلت حتى اللحظة في إنجاز الشرط الثاني ، أي تغيير ما هو قائم ، فإن ذلك عائد بدرجة أساسية للفشل في توفير أساس معرفي صلب للتحدي التاريخي والمصيري الذي نجابه . إن المعرفة الصحيحة وحدها هي التي تضع العدو وكل الشؤون المتعلقة به في نطاق العقل والمنطق . إننا إذ نقبض على سر العدو ، فإننا في الوقت نفسه ، نضع يدنا على جوهر المشكلة التي نعاني منها عند مجابهتها له . بذاك نخرج انتصارات العدو علينا من نطاق الأعجوبة والحتمية ، إلى مستوى الحدث المادي المجرد ، القابل للفهم ،الذي هو نتاج أسباب إمكانية تجاوزها من قبلنا أمر في نطاق الممكن .
إننا في بحثنا عن المنطق الذي يحكم سلوك العدو ، نوفر لأنفسنا معيارا صالحا لقياس مدى كفاءة الرد الذي نوفره لمجابهة تحديه . بكلمة أخرى ، ضرورة أن يكون المعيار الإسرائيلي ماثلا في كل سياساتنا الداخلية والخارجية . نشير لما تقدم من أننا نقاتل حضورا ماديا ، هو في سباق تاريخي ومصيري معنا . نتائج هذا السباق ، تتحدد في ضوء مقدار تطور وتطوير الأدوات التي يمتلكها فرقاء الصراع . على ذلك ، فإن أي بحث في الشأن الإسرائيلي يحصر نفسه في الشق الأمني ، بمعنى القدرة العسكرية ، يبقى فيها قاصرا وناقصا ، لناحية انه لا يتطرق إلا إلى مظهر القوة ، متجاهلا مكونات القوة التي تتسع لتشمل الموارد البشرية والاقتصادية والعلمية . غني عن الإشارة أن الحديث عن الموارد المتاحة ، هو في الجوهر ، حديث عن نوعية ودرجة تشغيل هذه الموارد .
إن طبيعة التحدي الذي يمثله العدو الصهيوني لا يسمح لنا بترف الخطأ أو المعرفة الناقصة . هذه المعرفة التي لا بد وكما أشرنا ان تكون شاملة لمظاهر ومكونات القوة . فضلا عن ذلك ، فإن قدرتنا على إصدار أحكام وتحليلات صحيحة ، رهن إخراج هذه الأحكام والتحليلات من نطاق العموميات والشعارات الحماسية والأحكام العاطفية الجاهزة سلفا . هذا يتم فقط من خلال إخضاع المسائل قيد البحث والمحاكمة إلى معايير علمية توافقت البشرية على صحتها . هذه المعايير التي هي اكثر دقة وروسخا من ان تسمح بالأحكام العاطفية أو السطحية . من البديهي أن نشير غلى أن الواقع المادي هو الذي يحدد مصداقية وصحة الأحكام التي سبق إصدارها .
إذا كان تفوق إسرائيل عسكريا ، محل اتفاق ، فإن السؤال هو حول مدى تناسب أو عدم تناسب القدرة العسكرية مع البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تستند إليها . إن أبسط قواعد المنطق تشير إلى أن تطور البنية العسكرية ، بهذه الدرجة أو تلك ليس بعيدا عن درجة تطور مكونات القوة ، إذ لا يعقل ان تكون القوة العسكرية معلقة في الفراغ او مرتكزة على بنية هشة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي . لاحقا ، ستتبين معنا صحة القاعدة المنطقية المشار إليها لناحية أن العدو قد قام بتطوير شامل لمجمل بنيته ، وإن ميز بهذه النسبة او تلك مؤسسته الأمنية ، نظرا لحساسية الدور الذي تقوم به .
إن قراءة دقيقة لبنية إسرائيل الاقتصادية توفر لنا المدخل الملائم لقراءة حقيقة الأوضاع الإجتماعية والسياسية واستطرادا لذلك سياساته الداخلية والخارجية . غن لناحية تناقضات الطبقة الداخلية ، أو لناحية موقعه ودوره في خريطة التناقضات العالمية ، سواء ما يتعلق منها بالمحيط العربي ، أو سياساته الكونية بشكل عام . من البديهي القول أن توفير أجوبة على المسائل التي سبق طرحها تحدد بدرجة أو بأخرى طرق ووسائل مجابهته أكثر من ذلك الاحتمالات المتوقعة لمسيرة هذا الكيان ومصيره .
العوامل الحاسمة في تقرير الأوضاع الاقتصادية هي : وفرة الموارد الطبيعية ، كفاءة الموارد البشرية ومستوى تأهيلها . حجم الرسملة ، ما يخصص من الموارد الطبيعية والمالية والبشرية لعملية التنمية . برامج ومشاريع التنمية وأخيرا ، الإطار السياسي الذي يشرف على وضع ومراقبة الخطط الموضوعة . يمكن الإشارة إلى أن العلاقة بين العناوين المشار إليها علاقة جدلية وتبادلية لناحية إمكانية الإحلال النسبي لأحد العناصر المتوفرة مكان عنصر أخر أقل وفرة . على سبيل المثال ، المكننة مقابل اليد العاملة ، والاستيراد في حالة النقص المواد الأولية وهذا شأن محكوم بوفرة الرساميل لتغطية الواردات . من جانب ثاني ، القدرة لاحقا على إعادة تصدير المواد الأولية المستوردة بعد تصنيعها وإكسابها قيمة مضافة جديدة . هذه العملية تكتسب قيمتها الفعلية من خلال موقع البلد المعني في السوق الدولية ، ومدى قبوله أو عدم قبوله ، من القوى المهيمنة على الجزء الأساسي من هذه السوق ، أكثر من ذلك شروط القبول به في السوق الإمبريالية .
في وضع إسرائيل من غير الممكن تجاهل الدور الحاسم الذي كان للخارج في توفير نسبة حاسمة من الموارد البشرية وتحديدا عالية التأهيل منها . كذلك السيل المتدفق من الرساميل الذي رفع درجة الرسملة إلى مستوى ما كان للتراكم الداخلي ان يؤمنه . فضل عن ذلك ، وفي الوقت المناسب تقديم تسهيلات تسويقية انتهت إلى شبه اندماج كامل لإسرائيل في السوق الإمبريالية . الأمر الذي يستحق الإشارة أن عملية الاندماج هذه كانت وفق شروط ملائمة جدا ، تمكننا منالقول أنه قد جرى التعامل مع إسرائيل ومصالحها بوصفها من دول المركز وليس من دول المحيط .
دور الخارج في تكوين إسرائيل ، وتوفير الموارد البشرية والاقتصادية لها ، كانت دائما محل جدل تغلب عليه النظرة وحيدة الجانب لناحية التركيز على دور إسرائيل في خدمة الخارج ، وتجنب البحث الجدي في كيفية توظيف إسرائيل للخارج في خدمة مشاريعها الخاصة بها والموازية للمشروع الرأسمالي الحاضر أبدا . بكلمة ادق ، تجاهل حجم وشروط وهدف المساعدات الخارجية والجهة التي تحددها . وفي هذه النقطة تختلف إسرائيل عن أي من الحكومات الدمى في يد الرأسمالية التي توفر لها ما يكفي قيامها بدورها العسكري . في حين أن الأمر بالنسبة لإسرائيل مختلف تماما . وإدراكا منها لأهمية دورها في خدمة المصالح الرأسمالية ، وما يعود على الرأسمالية من جراء هذا الدور ، فإنها ترفض أن تقبض أجرا سقفه احتياجاتها الأمنية المباشرة ، بمعنى الحفاظ على طاقتها العسكرية . وتصر بنجاح على الفصل بين الدور والأجر لصالح الربط بين الأجر ومردود الدور على الرأسمالية . بكلمة أوضح ، الانتقال من موقع الآداة / الأجير إلى موقع الأجير / الشريك ، حيث يرتبط العائد على إسرائيل بإنتاجية الدور الذي تؤديه .
إن نجاح إسرائيل في إرساء علاقتها المالية مع الرأسمالية وفق القاعدة المشار إليها هو نتيجة لتركيز علاقاها السياسية والأمنية والاستراتيجية وفق أكثر الشروط ملائمة لها . فما يسمى المساعدات ، هي وفقا لما تقدم ، أجرا مشروعا تستحق أكثر منه . على ذلك ، لم يعد من مجال للحديث عن إسرائيل العبء ، بل إسرائيل الكنز الاستراتيجي ، والشريك المريح . إن ثياغة قاعدة مقبولة من قبل الطرفين ، تحدد بموجبها المساعدات الرأسمالية لإسرائيل قد شكل الأساس المناسب لفرض قاعدة شاملة للتعامل بين الطرفين . قاعدة مفادها أن إسرائيل في خدمة المشروع الرأسمالي ومصالحه كما تحددها الرأسمالية . وبالمقابل ، فإن الرأسمالية في خدمة المشروع الصهيوني ومصالحه كما تحددها إسرائيل . لاحقا سيجري تناول الأساس الذي قام عليه التفاهم وبالتالي التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والرأسمالية .
إن ما تقدم ، لا يعني أن إسرائيل كانت يوما من الأيام خارج المشروع الرأسمالي إن لناحية الدور الذي كان المشروع الصهيوني مرشحا لتأديته ، في خدمة الرأسمالية ، أو لناحية أن الرأسمالية لم تعر المشروع الصهيوني اهتماما عمليا إلى بعد أن أصبح له مكانه في مخططات الرأسمالية للمنطقة . الجديد هو حجم الدور ونوعية العلاقة التي فرضتها معطيات شتى أسهمت في نقل العلاقة بينهما إلى مستوى الشراكة والتي تستدعي قدرا من الندية ، على الأقل فيما يتعلق بالشؤون والمصالح الإسرائيلية . وفق ما تحددها إسرائيل الأمر الذي أسهم في إبراز أكبر لخصوصية المشروع الصهيوني في سياق المشروع الرأسمالي ، ومن ناحية ثانية إطلاق العنان لطموحات المشروع الصهيوني ، هذه الطموحات التي هي سبب ونتيجة في آن معا لاتساع القاعدة الأمنية والاقتصادية والبشرية التي تستند إليها .
إننا إذ نتحدث عن جديد ، فذلك انطلاقا من الدينامكية الشاملة التي أفرزتها نتائج حرب 1967 ، والتي فرضت عملية إعادة نظر عميقة إن لناحية رؤية إسرائيل لنفسها أو لدورها ، أو لناحية نظرة الآخرين من حلفاء إسرائيل . وبكلمة أدق قبول هؤلاء للجديد في رؤية إسرائيل لنفسها ولدورها . إعادة النطر هذه انطلقت من نتائج حرب 1967 تتالت فصولا لتتبلور نهائيا بعد حرب 1973 والنتائج التي انتهت إليها . أخذت السياسة الجديدة شكل دعوة لتبديل كامل في الاستراتيجية العليا لإسرائيل بعد الدعوة التي أطلقها احد أكبر المنظرين الإسرائيليين إذ دعا إلى تصميم أمني ـ استراتيجي سياسي ينطوي على أصالة كبيرة في مستوى النظرية الأمنية القومية والاستراتيجية العليا القومية . بهدف منح دولة صغيرة وضعيفة من الناحية الكمية ، كإسرائيل قوة الدولة القوية والكبيرة . هذا الوضع الذي لا توفره فقط الطاقة المحتملة لوسائل القتال التي تمتلكها إسرائيل على الفتك حسب تعبير المنظر نفسه . إن القوة الحقيقية ليست القدرة العسكرية فحسب بل كامل السلسلة التي لا تشكل القدرة العسكرية إلا إحدى حلقاتها . لذا جرت الدعوة لتقوية كل حلقات السلسلة إذ أن السلسة كما هو معلوم ليست أقوى من الحلقة الضعيفة فيها . حسب تعبير منظر استراتيجي أخر .
جوهر ما تقدم ، هو ببساطة انتهاء ذلك الزمن الذي اتسع فيه المجال لأحاديث بغض النظر عن نسبة الصحة فيها ، عن إسرائيل المؤسسة العسكرية التي لها دولة في حين أن الطبيعي هو ان تكون دولة لها مؤسستها العسكرية . الحلقة العسكرية كانت ، أقوى حلقات السلسلة ، والحديث / التحول المشار إليه لا يعني أكثر من تقوية الحلقات الأخرى لتصبح بقوة وأهمية الحلقة المركزية ، بكلمة أخرى تركيز القوة العسكرية على قاعدة أكثر رسوخا تتسع لتشتمل على كافة مكونات القوة التي هي في آن معا مكونات الدولة القوية .
ما تقدم كان جزء من إعادة تحديد ، بكلمة أدق تأكيد على المفهوم الإسرائيلي للأمن القومي الذ هو ، من وجهة نظر علمية ، أوسع وأشمل من المدلول المباشر والمبتذل لكلمة الأمن ، والذي ينحصر تقريبا في الجوانب عالعسكرية والاستخباراتية . إنه يتسع ليشتمل فيما يشتمل على الأوضاع الاقتصادية . إن البنية الاقتصادية ، فضلا عن أنها من الناحية النظرية والعلمية ، أحد مقومات الأمن القومي ، فإنها قد أصبحت في العقد الأخير شرطا لازما لمشاريع إسرائيل الأمنية المباشرة ، أي القدرة العسكرية لناحية تحول إسرائيل أكثر نحو تصنيع سلاحها . وهي مسألة ما كان لها أن تتم دون بنية صناعية واستطرادا بنية اقتصادية متطورة جدا . بذلك ، فقد أصبحت التنمية مهمة أمنية ، وأصبح الأمن مهمة تنموية أكثر من أي وقت مضى .
إن المسألة لم تكن يوما مشكلة تحديد الاستراتيجية العليا أو المفهوم الشامل للأمن ، قدر ما كانت تحويل المشاريع والمخططات والمفاهيم النظرية المجردة إلى حقائق علمية . وهذا شأن تقف دونه الموارد المالية والبشرية المطلوبة التي لا تستطيع تأمينها إلا دولة كبيرة وغنية . هذه الموارد التي تدفقت من الرأسمالية إنطلاقا من ضمان الأخيرة لأمن إسرائيل ، ولاحقا قبول الرأسمالية لمفهوم الأمن وفقا لما تتصوره إسرائيل نفسها . على ذلك لم تعد التحويلات المالية من الخارج تستهدف تغطية مشتريات إسرائيل من الأسلحة فقط بل مشاريعها التنموية أيضا .
تركيز الحديث في حقبة ما بعد 1967 ، وما شهدته إسرائيل من تحولات ترتب على التدفق الهائل للموارد الاقتصادية ، لا يعني إفالا لما شهدته من تنمية في الفترة التي سبقت 1967 ، إذ تدفق عليها خلال هذه الفترة أيضا موارد مالية وبشرية هائلة ، مكنت غسرائيل من بناء قاعدة تأسيسية هامة جدا ، شكلت الأرضية الملائمة لمشاريعها اللاحقة والطموحة . أكثر من ذلك ، فإن التجربة الإسرائيلية بعد 1948، لم تبدأ م نالصفر ، إن لناحية الاقتصاد الصهيوني الذي جرى تأسيسه في المرحلة الفاصلة بين 1918 ـ 1948 حيث تقدر الأموال الصهيونية التي دخلت فلسطين خلال تلك الفترة ب 200 مليون جنيه استرليني . أو لناحية الموارد التي عادت على إسرائيل من جراء تهجير عرب فلسطين والتي لا يمكن تقديرها بثمن ، إذ كانت تشكل وطنا ، فضلا عن أنها كانت تكفي لإعالة ما يزيد على ثلاثة أرباع المليون إنسان ، هم عدد الأشخاص الذين هجروا من الأراضي التي قامت عليها دولة إسرائيل سنة 1948 .
إن التركيز والوزن الهام ، الذي أعطي للخارج في تأمين الموارد لإسرائيل يجب أن لا يحجب الدور الذي كان لإسرائيل نفسها على أكثر من صعيد ، ليس أقله الكيفية التي جرى بها توظيف الموارد التي أتيحت لها ، أو حسب تعبير أحد المنظرين الاستراتيجيين في إسرائيل : عدم التصرف بأموال المساعدات بوصفها أموال سهلة المنال . بكلمة أخرى الحرص عليها وعلى كيفية تثميرها . ليس من قبيل الصدف أن قائل هذا الكلام أحد أبرز جنرالات العدو . فكيف تصرفت إسرائيل بالموارد المتاحة لها بما في ذلك أموال المساعدات ؟