Page 1
الجزء الثالث
باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم كان ذلك وله صلى الله عليه وسلم من العمر أربعون سنة وحكى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة
قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم فرجعبها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف
فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان أمرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم فقال نعم لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فاذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك قال فاذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري قال ابن شهاب
Page 2
وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت زملوني زملوني فأنزل الله يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر فحمى الوحي وتتابع ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح يعني عن الليث وتابعه هلال بن داود عن الزهري وقال يونس ومعمر بوادره وهذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي اسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ولله الحمد وانتهى سياقه الى قول ورقة أنصرك نصرا مؤزرا
فقول أم المؤمنين عائشة أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح يقوى ما ذكره محمد بن اسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ما أقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني وذكر نحو حديث عائشة سواء فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة
وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس قال إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده
Page 3
عمره صلى الله عليه وسلم وقت بعثته وتاريخها
قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل القرآن فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة فهذا اسناد صحيح إلى الشعبي وهو يقتضي أن إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين ثم جاءه جبريل
وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فانه قد قال وحديث عائشة لا ينافي هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا ثم وكل به اسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا له وتمرينا إلى أن جاءه جبريل فعلمه بعدما غطه ثلاث مرات فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع اسرافيل اختصارا للحديث أو لم تكن وقفت على قصة اسرافيل
وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين وهكذا روى يحيى بن سعيد وسعيد بن المسيب ثم روى أحمد عن غندر ويزيد بن هارون كلاهما عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وهو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال الإمام
أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني سنين يوحى إليه وأقام بالمدينة عشر سنين
قال أبو شامة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن انتهى كلامه
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله وسلامه عليه وقد ذكر محمد بن اسحاق عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة قال وكان واعية عن بعض أهل العلم قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه وكان من نسك قريش في الجاهلية يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من
Page 4
عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك وهذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل
هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمهم الله وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه وراق ليرقى في حر ونازل وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم
وحراء يقصر ويمد ويصرف ويمنع وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى له قلة مشرفة على الكعبة منحنية والغار في تلك الحنية وما أحسن ما قال رؤية بن العجاج
فلا ورب الآمنات القطن * ورب ركن من حراء منحني
وقوله في الحديث والتحنث التعبد تفسير بالمعنى وإلا فحقيقة التحنث من حنث البنية فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشيء كحنث أي خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأثم وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر أوردها أبو شامة وقد سئل ابن الاعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد فقال لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام قال ابن هشام والعرب تقول التحنث
والتحنف يبدلون الفاء من الثاء كما قالوا جدف وجذف كما قال رؤبة لو كان أحجاري مع الأحذاف يريد الأجداث قال وحدثني ابو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم قلت ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها
وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا وما ذلك الشرع فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم وهو الأشبه الأقوى وقيل موسى وقيل عيسى وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به ولبسط هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم
وقوله حتى فجئه الحق وهو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك الآية وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهي اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزل علي فيه وقال ابن عباس ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ونبئ يوم الاثنين وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه عليه الصلاة والسلام أوحي إليه يوم الاثنين وهذا ما لا خلاف فيه بينهم
Page 5
ثم قيل كان ذلك في شهر ربيع الأول كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد عليه السلام في الثاني عشرمن ربيع الأول يوم الاثنين وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن اسحاق وغيرهما
قال ابن اسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس فقيل في عشره وروى الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر أنه قال كان ابتداء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل في الرابع والعشرين منه
قال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين
وأما قول جبريل اقرأ فقال ما أنا بقارئ فالصحيح أن قوله ما أنا بقارئ نفي أي لست ممن يحسن القراءة وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد لأن الباء لا تزاد في الاثبات ويؤيد الأول رواية أبي نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خائف يرعد ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه فقال له اقرأ فقال محمد صلى الله عليه وسلم ما أرى شيئا أقرأه وما أكتب يروى فغطني كما في الصحيحين وغتني ويروى قد غتني أي خنقني حتى بلغ مني الجهد يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع وفعل به ذلك ثلاثا
قال أبو سليمان الخطابي وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرخصاء أي البهر والعرق وقال غيره إنما فعل ذلك لأمور منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى اليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس كما قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه ويغط كما يغط البكر من الإبل ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد
وقوله فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يرجف فؤاده وفي رواية بوادره جمع بادرة قال أبو عبيدة وهي لحمة بين المنكب والعنق وقال غيره هو عروق تضطرب عند الفزع وفي بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بادلة وقيل بادل وهو ما بين العنق والترقوة وقيل أصل الثدي وقيل لحم الثديين وقيل غير ذلك
Page 6
فقال زملوني زملوني فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة مالي أي شيء عرض لي وأخبرها ما كان من الأمر ثم قال لقد خشيت على نفسي وذلك لأنه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك ولا كان في خلده ولهذا قالت خديجة أبشر كلا والله لا يخزيك الله أبدا قيل من الخزي وقيل من الحزن وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة فقالت إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق وتحمل الكل أي عن غيرك تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله وتكسب المعدوم أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك ويسمى الفقير معدوما لأن حياته ناقصة فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء
وقال أبو الحسن التهامي فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم
عد ذا الفقر ميتا وكساه * كفنا باليا ومأواه قبرا
وقال الخطابي الصواب وتكسب المعدم أي تبذل إليه أو يكون تلبس العدم بعطية مالا يعيش به واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى أي يعطى المال لمن هو عادمه ومن قال ان المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم أو النفيس القليل النظير فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له به علم فان مثل هذا لا يمدح به غالبا وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم
وتقري الضيف أي تكرمه في تقديم قراه واحسان مأواه وتعين على نوائب الحق ويروى الخير أي إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش وقوله ثم أخذته فانطلقت به الى ابن عمها ورقة ابن نوفل وكان شيخا كبيرا قد عمي وقد قدمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله وانه كان ممن تنصر في الجاهلية ففارقهم وارتحل إلى الشام هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش فتنصروا كلهم لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق إلا زيد بن عمرو بن نفيل فانه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا فأبت فطرته الدخول فيه أيضا وبشروه الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه فرجع يتطلب ذلك واستمر على فطرته وتوحيده لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسمها في رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت به إليه فوقفت به عليه وقالت ابن عم اسمع من ابن أخيك فلما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى قال ورقة سبوح سبوح هذا الناموس الذي أنزل على موسى ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى لأنه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى عليهما السلام ونسخت بعضها في الصحيح من قول العلماء كما قال ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وقول ورقة هذا كما قالت الجن يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق إلى طريق مستقيم ثم قال ورقة يا ليتني فيها جذعا أي يا ليتني أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعني حتى أخرج معك وأنصرك
Page 7
فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم قال السهيلي وإنما قال ذلك لأن فراق الوطن شديد على النفوس فقال نعم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن
يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا وقوله ثم لم ينشب ورقة أن توفي أي توفي بعد هذه القصة بقليل رحمه الله ورضي عنه فان مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل
وقد قال الإمام أحمد حدثنا حسن عن ابن لهيعة حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل فقال قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض وهذا إسناد حسن لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا فالله أعلم وروى الحافظ أبو يعلى عن شريح بن يونس عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال يبعث يوم القيامة أمة وحده وسئل عن أبي طالب فقال أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن فقال أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب اسناد حسن ولبعضه شواهد في الصحيح والله أعلم
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبي سعيد الأشج عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة وهذا اسناد جيد وروى مرسلا وهو أشبه
وروى الحافظان البيهقي وأبو نعيم في كتابيهما دلائل النبوة من حديث يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر قالت معاذ الله ما كان ليفعل ذلك بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت له خديجة فقالت يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده أبو بكر فقال انطلق بنا إلى ورقة قال ومن اخبرك قال خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض فقال له لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين قل لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر له ذلك فقال له ورقة ابشر ثم ابشر فأنا أشهد
Page 8
أنك الذي بشر بك ابن مريم وإنك على مثل ناموس موسى وانك نبي مرسل وانك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن ادركني ذلك لأجاهدن معك فلما توفي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني ورقة هذا لفظ البيهقي وهو مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل وقد قدمنا من شعره ما يدل على اضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ فقال ورقة في ذلك أشعارا قدمناها قبل هذا منها قوله
لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لأمر طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا
بما أخبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود قوما * ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تعوجا
فيلقي من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا
فياليتني إذا ما كان ذاكم * شهدت وكنت أولهم ولوجا
ولو كان الذي كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا
أرتجي بالذي كرهوا جميعا * إلى ذي العرش إذ سلفوا عروجا
فإن يبقوا وأبق يكن أمورا * يضج الكافرون لها ضجيجا
وقال أيضا في قصيدته الأخرى * وأخبار صدق خبرت عن محمد
يخبرها عنه إذا غاب ناصح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان هود وصالح
Page 9
وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الحق واضح
ويتبعه حيا لؤي بن غالب * شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن ابق حتى يدرك الناس دهره * فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي * عن أرضك في الأرض العريضة سائح
وقال يونس عن بكير عن ابن اسحاق قال ورقة
فان يك حقا يا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز فيها بتوبة * ويشقى به العاني الغرير المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه * وأخرى بأحواز الجحيم تعلل
اذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت * مقامع في هاماتهم ثم تشعل
فسبحان من يهوي الرياح بأمره * ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها * واقضاؤه في خلقه لا تبدل
وقال ورقة أيضا * يا للرجال وصرف الدهر والقدر
وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها * أمرا أراه سيأتي الناس من أخر
وخبرتني بأمر قد سمعت به * فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره * جبريل أنك مبعوث إلى البشر
فقلت عل الذي ترجين ينجزه * لك الإله فرجي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله * عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا * يقف منه اعالي الجلد والشعر
إني رأيت امين الله واجهني * في صورة أكملت من أعظم الصور
Page 10
ثم استمر فكاد الخوف يذعرني * مما يسلم من حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني * ان سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف يبليك ان اعلنت دعوتهم * من الجهاد بلا من ولا كدر
هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم
وقال ابن اسحاق حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي وكان داعية عن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة كان اذا خرج لحاجة أبعد حتى يحسر الثوب عنه ويفضي الى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله قال فيلتفت حوله عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاء من كرامة الله وهو بحراء في رمضان قال ابن اسحاق وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال
سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل قال فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث قال وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فاذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر رمضان خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قلت ما أقرأ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أقرأ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أقرأ قال فغتني حتى ظننت به الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ماذا أقرأ ما أقول ذلك إلا اقتدا منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم قال فقرأتها ثم انتهى وانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا قال فخرجت حتى اذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فأنظر فاذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني