eKtab
EN ع
البدو في فلسطين في الحقبة العثمانية
Read free sample

البدو في فلسطين في الحقبة العثمانية

by د. محمد يوسف سواعد

Page 1

المدخل

إن هذا الكتاب يتناول تاريخ البدو في فلسطين في الحقبة العثمانية. إنه يتناول الموضوع منذ الاحتلال العثماني لفلسطين عام 1516، وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى في عام، 1914 والتي مع نهايتها انهارت الإمبراطورية العثمانية.
إن الهدف من هذه الدراسة هو البحث في تاريخ القبائل البدوية في فلسطين في هذه الحقبة التاريخية، والتعرف على مدى قسط البدو في تاريخ فلسطين.
إن هذه الدراسة تتطرق إلى: العلاقات بين القبائل البدوية بين بعضها البعض، العلاقات بين القبائل البدوية المتنقلة، وسكان القرى والمدن، العلاقات بين القبائل البدوية والرحالة الغربيين الذين زاروا فلسطين في هذه الحقبة، العلاقات بين القبائل البدوية والسلطات العثمانية؛ سواء أكان ذلك ضمن السلطة في الولايات، أو العلاقة مع السلطة المركزية في اسطنبول.
كما أن هذه الدراسة تطرقت إلى مدى تأثير القبائل البدوية على الأحداث التي جرت في فلسطين في الحقبة العثمانية.
وقد اعتمد هذا البحث على المصادر التالية:
1. مادة الأرشيف: لقد اعتمدت الدراسة على عدة أراشيف منها: أرشيف وزارة الخارجية البريطانية الموجود في لندن، وأرشيف دولة إسرائيل – إن هذه المادة الأرشيفية احتوت على مراسلات قنصلية، وكذلك على تقارير معينة احتوت على مواد عن البدو ودورهم في تاريخ البلاد.
2. كتب الرحالة الغربيين: إن الحجاج الأوروبيون الذين زاروا فلسطين- البلاد المقدسة- وكذلك الرحالة الذين زاروا البلاد، وكذلك الباحثون الذين أتوا للبحث في فلسطين – (باحثو الآثار، النباتات والطيور وغيرها..) بعد أن أنهوا زيارتهم أو عملهم في فلسطين؛ نشروا مذكراتهم عن فلسطين في كتب ونشرات، فهذه الكتب والنشرات غنية بالمواد عن فلسطين، وإن هذا النوع من الكتب والنشرات؛ يعد توثيقا مهما لتاريخ البلاد. من بين هذه الكتب نذكر: كتب بركهاروت، ديكسون، كندر، لينش، ترسيترام وغيرهم.
3. كتب مذكرات: خاصة مذكرات القناصلة الغربيين الذين عاشوا في فلسطين، على سبيل المثال: جيمس فين، "القنصل البريطاني الذي سكن في فلسطين في الفترة ما بين 1849-1863 والذي نشر مذكراته عن القنصلية البريطانية في هذه الحقبة".
4. نشرات رسمية لوثائق من الأرشيف، مثل: المحفوظات الملكية المصرية التي نشرت من قبل أسد رستم والتي نشر من خلالها الوثائق من الأرشيف المصري عن الحكم المصري في فلسطين وسوريا (1831-1840)؛ وما نشره أوريل هيد، بالنسبة لوثائق من الأرشيف العثماني في اسطنبول.
5. مجلة جمعية البحث البريطانية (P.E.F)، والتي بدأت بالصدور منذ سنوات السبعين من القرن التاسع عشر. إن هذه المجلة غنية بالمواد عن البدو، والتي جمعت عن طريق بحث ميداني، أو على شكل مذكرات، نشرت بهذه المجلة.
6. مصادر ثانوية: وهذه المصادر كثيرة ومتنوعة.
Page 2

مادة الكتاب

إن هذا الكتاب يحتوي على تسعة فصول:
الفصل الأول: إن هذا الفصل يتناول البداوة، الهجرة والاستيطان في فلسطين. وهو يقسم إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: يتطرق إلى تعريف البداوة، أنماطها وأحوالها، كما أنه يتطرق إلى تعريف المجتمع البدوي وتكويناته. القسم الثاني: ويتطرق إلى الهجرات والغارات البدوية إلى فلسطين. فموضع البلد حيث تحدها الصحراء من ثلاث جهات، جعلها تتلقى مؤثرات الصحاري العربية على مر العصور. فإن الصحاري قريبة من البلاد، وتعد خزاناً بشرياً يغذي المناطق المستقرة في فلسطين بالسكان. إن فلسطين كانت على مر العصور عرضة للغارات البدوية والتي أرادت دائماً السيطرة على مناطق الاستقرار. أما القسم الثالث: فإنه يتطرق إلى تعريف القبائل والعشائر البدوية الكبرى في فلسطين في الفترة العثمانية.
الفصل الثاني: ويتناول العلاقة العثمانية – البدوية في القرن السادس عشر. إن هذا الفصل يتطرق إلى بداية الحكم العثماني في فلسطين، حيث اهتمت الدولة العثمانية في هذه الفترة بتسيب الأمن في البلاد، حيث عملت الحكومة العثمانية على تقوية سلطانها، فقد بنت الحصون والقلاع، وأقامت الحاميات العسكرية، وطاردت وعاقبت القبائل البدوية التي كانت تهدد الأمن... ولكن مع انتهاء فترة حكم السلطان سليمان القانوني (1520-1566)، بدأت تظهر بوادر الضعف في الدولة العثمانية، وقد استغلت العشائر البدوية ذلك جيدا، فقد زادوا في تعدياتهم على المناطق المأهولة. وفي فترة الضعف هذه ازدادت التعديات البدوية من خارج فلسطين وخاصة قبائل شرقي الأردن التي غزت مناطق متعددة في فلسطين.
الفصل الثالث: يتناول موضوع البدو والصراعات على الزعامة في فلسطين في القرن السابع عشر. بسبب ضعف الدولة العثمانية ظهرت زعامات محلية جديدة، وقد دارت حروبات بين هذه الزعامات على السلطة في منطقة فلسطين، وهذا الفصل؛ يتناول الحروبات التي دارت بين بيت طرباي وبين فخر الدين المعني. كما يتطرق إلى المعارك التي جرت بين هاتين القوتين وأحلافهم.
الفصل الرابع: يتناول تاريخ الزيادنة وحكمهم في شمال فلسطين في القرن الثامن عشر. إن هذا الفصل يركز خاصة على ظاهر العمر الزيداني الذي استولى على مناطق شمال فلسطين، وأقام بها حكماً مطلقاً.
الفصل الخامس: يتطرق إلى الفترة ما بين وفاة الوالي العثماني أحمد باشا الجزار عام 1804؛ وحتى الاحتلال المصري لفلسطين عام 1831. هذا الفصل يتطرق إلى استيلاء البدو على الحياة في هذه البلاد، هذا الاستيلاء؛ ظهر من خلال الغارات والغزوات البدوية على القرى والمدن الفلسطينية، وكذلك استيلائهم على الطرق الرئيسية في هذه البلاد، وجباية ضريبة الخاوة من كل من عبر عن طريق ديرتهم. إن قمة الاستيلاء في هذه الفترة؛ كان حكم آل ماضي في منطقة الكرمل.
الفصل السادس: هذا الفصل يتطرق إلى تاريخ البدو تحت نظام حكم قوي؛ يتمثل بالحكم المصري (1831-1840)، والذي عمل على كبح قوة البدو. كما أن هذا الفصل يتطرق إلى ردود الفعل البدوية على هذا النظام القوي.
الفصل السابع: هذا الفصل يتطرق إلى أعمال البدو بعد خروج المصريين من فلسطين. وقد جاء ليجيب على السؤال: ما هي مدى نجاعة الحكم العثماني بالتدخل بأعمال البدو؟
الفصل الثامن: هذا الفصل يتطرق إلى تاريخ عقيل آغا الحاسي في فلسطين؛ ما بين 1841-1870، عقيل الذين كان قائداً لقوات شبه نظامية من قبل الوالي العثماني. إن هذا الفصل يتطرق إلى ماهية العلاقة بين عقيل آغا والسلطات العثمانية في تلك الحقبة.
الفصل التاسع: إن هذا الفصل يتطرق إلى ماهية العلاقة بين القبائل البدوية والسلطات العثمانية في نهاية الحقبة العثمانية. إن هذا الفصل يتطرق إلى التنظيمات العثمانية وما مدى تأثيرها على القبائل البدوية وهل هذه التنظيمات أدت إلى كبح جماح البدو وحطت من قوتهم؟
Page 3

الفصل الأول

البداوة, الهجرة و الاستيطان في فلسطين
1. البداوة وطبيعتها

إن البداوة هي العيش في البادية والإقامة فيها؛ في كثير من التنقل من مكان إلى مكان وراء الماء والعشب. وتقوم حياة البدو على تربية المواشي وحمايتها. وكانت تقوم في الأزمان السالفة على هذه الأمور؛ إضافة إلى الغزو والسلب. إن مسرح البداوة هي البادية، ثم ما يليها من أطراف الأقاليم المجاورة. وقد فرضت ظروف البادية وتربية الماشية على البدو حياة خاصة، وأكسبتهم عادات ومميزات خاصة. ومن هنا اختلفت حياة البدوي عن حياة أخيه العربي الحضري. بل إن هناك تفاوتا في سبل الحياة، وفي بعض العادات بين البدو من أصحاب الإبل، والبدو من أصحاب الشياه والماعز. فان أصحاب الإبل يعيشون في قلب الصحراء، في حين أصحاب الشياه والماعز يعيشون في الأطراف؛ بين الصحراء والأرض الخضراء، ولا يدخلون إلى قلب الصحراء بمواشيهم إلا نادرا. وقد عرف عالم الاجتماع الدكتور حليم بركات البداوة بأنها: "نمط متميز يقوم في أساسه على تربية المواشي والإبل والأنعام والرعي والترحال بحثا عن الماء والكلأ؛ تلاءماً مع البيئة الصحراوية أو البادية، فقد نشأ هذا النمط من المعيشة في البادية: (أي البداية أو بدء الحياة في الصحراء)، وتكون تاريخيا نتيجة لتفاعل دائم وعميق ولزمن طويل مع هذه البيئة؛ بانسجام مع اتساعاتها الشاسعة، ومحدودية أو ندرة مواردها وقسوة متطلباتها. إن البيئة الصحراوية هي التي حددت في الأساس حجم الجماعات التي قطنتها، وتوزعها، ونزاعاتها، وأصناف تجمعها، والتنظيم الاجتماعي السائد بين هذه الجماعات، وأساليب معيشتها، وثقافتها: من قيم وعادات ومعتقدات وأعراف، وتعبيراتها عن مكنوناتها الداخلية؛ أكان بالشعر أو السرد القصصي أو الغناء"(1). لقد صُنِّف البدو تقليديا إلى ثلاث جماعات بحسب مدى توغلهم في حياة البداوة. منهم من كان معاشهم في الإبل؛ فهم أكثر ظعنا، وأبعد من القفر مجالا، ويمثل هؤلاء أقصى درجات البداوة. ومنهم من كان معاشه في السائمة مثل: الغنم والماعز والبقر.. وهم أقل توغلا في الصحراء، وأكثر استقرارا واحتكاكا بالمدن والقرى. ومنهم من كان معاشه في الزراعة؛ إذ يمتهنون شيئا منها، فيميلون إلى نوع من الاستقرار. وقد لخص ذالك جبرائيل جبور بقوله: "تتدرج البداوة في سلم طويل؛ أوله يلامس الحياة الحضرية ويتصل بها بين الفينة والفينة اتصالا مباشرا، وأخره ثابت في الصحراء، لا تكاد تزعزعه من وطنه قوة ما... وأنواع البداوة الرئيسية ثلاثة : أولها؛ في أسفل السلم، وهي عريقة ثابتة تقوم على تربية الإبل، وأصحابها سريعو التنقل بين أنحاء البادية وأطراف البقاع المعمورة. ولعل هذه الطبقة هي التي تأنف من الخضوع للسلطة والنظام، وهي التي تأبى الجنوح إلى التحضر إلا مرغمة محرجة... والثانية: بداوة تطورت من الأولى لسبب من الأسباب، فهي متوسطة بين البداوة العريقة والبداوة نصف الحضرية، ويستعين أهلها على عيشهم بالإبل والغنم، ولهذا فهم أقل حركة وانتقالا من أصحابهم أهل البداوة العريقة المذكورين. والثالثة: البداوة نصف الحضرية، وتقوم على تربية الماشية من غنم وماعز وقليل من الإبل. ولأهلها علاقات وثيقة مع الآهلين في القرى المعمورة وفي المدن"(2)
وفي كلام مشابه صنف محمد زهير مشاق البدو من حيث نجعتهم، ونمط حياتهم إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي:
أولا: البدو الرحل الذين يعتمدون على الإبل؛ وتكون نجعتهم قد تبلغ آلاف الكيلومترات سنويا، وهؤلاء يعتزون ببداوتهم، ولا يطيقون حياة الاستقرار.
وثانيا: الشاويَّة والبقّّارة، وهؤلاء هم رعاة الشياه ورعاة الأبقار. ولهم نجعة صغيرة لا تتعدى عشرات الكيلومترات بحسب ما تتحمل حيواناتهم من أغنام وأبقار، وقد يزرعون الأرض بالإضافة إلى امتهانهم الرعي. ويخضع الشاوية والبقارة للأعراف والتقاليد البدوية أثناء نجعتهم في البادية، وإلى الأحكام والقوانين العامة، حين يعودون إلى مراكز استقرارهم.
وثالثا: الفلاحون من العشائر المتحضرة التي استقرت منذ حين بعد أن كانوا بداوة، ومن ثم أخذت عشائرهم تحترف الزراعة بالدرجة الأولى، ورعي الماشية بالدرجة الثانية، ويطلق عليهم اسم "الفلاليح" (3)
وعالم الاجتماع صلاح مصطفى الفوال؛ ّعرف البداوة بأنها(4):
1. البداوة هي نمط الحياة القائم على التنقل في طلب الرزق، ويتوقف مدى الاستقرار على كمية الموارد المعيشية المتاحة من جهة، وعلى مدى الأمن الاجتماعي والطبيعي الذي يتوافر من جهة ثانية.
2. البداوة اصطلاح يطلق على فئة من السّكان يتميزون بخصائص معينة وسلوك خاص ترسمه البيئة بهم، ولا تسمح بإقامة حياة سكانية مستقرة، فالبداوة تعني الترحال وعدم الاستقرار في مكان ثابت طوال العام، إذ تضطر أن تغير مناطق إقامتها من آن لأخر سعيا وراء الغذاء أو الرعي أو التجارة.
3. البداوة سمة من سمات الحياة في البادية، نشأت كرد فعل إيجابي لظروف الحياة فيها.
ولو حاولنا وضع تعريف لظاهرة البداوة لقلنا: إن البداوة هي نمط لحياة مجتمعية، وهي تكيف اجتماعي لظروف البيئة الصعبة والقاهرة التي أحاطت به، وارتكز هذا التكيف على مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والنظم التي مكنته في النهاية من أن يحيا ويستمر في الحياة والعيش.
Page 4
إن ظاهرة البداوة هي إحدى أنماط الحياة التي عرفتها وتعرفها المجتمعات البشرية؛ مثلها مثل ظاهرتي: التريّف والتّحضّر. وإن البيئة تمارس نفوذا لا حد له على المجتمعات البدوية، فهي التي تحدد للبدوي نوع الطعام وكيفية الحصول عليه، وكذلك الملبس والمشرب والمسكن، كما أنها تحدد أيضا حيواناته كمًا ونوعًا، كما أن البيئة تحدد مبدأ تواجد الإنسان في بقعة ما؛ من عدمه، كما تحدد مزاجه النفسي والاجتماعي أيضا.
إن المجتمع البدوي يتكون من قبائل وعشائر؛ والعشيرة كما عرفها صلاح مصطفى الفوال (5): تتكون من اتحاد عدد من الأسر، والتي تشترك جميعها في نسب أو عصابة واحدة، وبدرجة تمكنهم من أن يرجعوا بأصولهم إلى جد واحد مشترك، وكما توجد بينهم مجموعة من الحقوق والواجبات؛ فضلا عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية التي توحد بينهم وتجعلهم يسكنون متجاورين؛ حتى تسهل عليهم من جهة: أمور المدافعة ضد أي عدوان خارجي، ومن جهة أخرى: تنظيم مختلف نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية وفق تقاليد وأعراف، ومن خلال رئاسة أبوية وراثية في معظم الأحوال. إن العشيرة من حيث الحجم قد تكون صغيرة لا تضم عددا كبيرا من الأسر، وقد تكون كبيرة بحيث تتسع لتضم مختلف الأسر التي تقيم في مجتمع محلي بدوي ما، وفي هذه الحالة؛ تكون العشيرة أقرب إلى القبيلة؛ حيث تعتبر وحدة سياسية تكاد تكون مستقلة تماما عن القبيلة. لكل عشيرة رئيس هو شيخ العشيرة، وغالبا ما تكون رئاسته وراثية. أما القبيلة فهي تتكون من عدة عشائر، ولا يشترط في هذه العشائر أن تكون ذات علاقة نسب واحدة، وقد يحدث أن تندمج عائلة أو عشيرة في قبيلة من القبائل، أو تخرج منها لتندمج في قبيلة أخرى؛ تبعاً لظروف محلية مختلفة، منها أن تحل بها هزيمة على يد قبيلة أخرى أقوى منها، فتتعرض للسبي وينفرط عقدها، ومنها من تفتقر إلى وسائل القوة المادية مما لا يسمح لها بالاستقلال القبلي، كأن تجدب مراعيها، وتتناقص أنعامها، فتتشتت عشائرها وتنضوي تحت ولاية قبائل أخرى تمتاز بالقوة والغنى، وتدفع لها الخاوة نظير حمايتها.
تضم القبيلة عدة تنظيمات شكلية تعمل على تأكيد وحدتها وتماسكها الاجتماعي وبالتالي تحافظ على كيانها واستمرار وجودها. وأهم تلك التنظيمات: التنظيم السياسي، حيث يمثل القبيلة رئيس يحظى باحترام الجميع؛ وان كان يشاركه مجلس يسمى "مجلس القبيلة" ويتكون في الغالب من رؤساء العشائر.
إن القبيلة تؤلف وحدة اجتماعية وسياسية واقتصادية متكاملة بالنسبة لزعامة القبيلة وشيخ العشيرة؛ فإن لهما المقام الرفيع بين البدو، فالأمر والنهي بيديهما. إن زعماء القبائل وشيوخ العشائر تمردوا على الدولة العثمانية، ولم تستطع الدولة السيطرة عليهم في كثير من الأحيان، الأمر الذي جعل الدولة العثمانية تشد رجلهم بالحسنى كما سنرى في الفصول القادمة. يمكن القول بأن البداوة هو نمط حياة قائم على التنقل البدوي في طلب الرزق، ويتوقف مدى الاستقرار في منطقة ما على كمية الموارد المعيشية المتاحة فيها من جهة؛ ومدى الأمن الذي يمكن أن يتوفر من جهة أخرى.
البداوة حياة سعي وراء مصادر العيش داخل البيئات البدائية، فلذلك؛ كان في السابق بداوة جمع الثمار، بداوة الصيد، وبداوة الرعي.. وإن معنى ذلك؛ أن البداوة ليست وقفا على الصحراء. وإن كانت الصحراء بظروفها الطبيعية تحتم على ساكنيها البداوة(6).
إن بداوة الرعي هي الصورة التقليدية للبداوة في فلسطين، لقد كانت فلسطين بسبب موقعها الجغرافي مسرح تلاقي مؤثرات الحضارتين: البدوية والزراعية. ولم يخل تاريخ البلاد من فترات التعايش السلمي بين البداوة والاستقرار، وهي الفترات التي كانت فيها حكومات قوية تنشر الأمن في البلاد. فعندما تكون السلطة الحاكمة قوية فإنها تحد من غزوات البدو على المناطق الريفية من جهة، وتساهم بما تنشره من أمن في تشجيع الاستيطان البدوي والاستقرار من جهة أخرى(7).
ولكن في حالات الضعف؛ كما حدث في فترة الدولة العثمانية منذ نهاية القرن السادس عشر، ظهرت الزعامات المحلية الطموحة للانفصال والاستقلال عن الدولة العثمانية، كما سنرى في الفصول القادمة.
ان البدو يعدون مقياسا لقوة السلطة، فالاهتراء الإداري، والوهن العسكري، والضمور الاقتصادي... يعني: سعي البدو للسيطرة على الطرقات، ونهب المناطق المأهولة بالسكان والاعتداء على القوافل التجارية والعساكر.
وقبل التحدث عن مكانة البدو في تاريخ فلسطين في الحقبة العثمانية أود أن أعطي نبذة عن الهجرات البدوية إلى فلسطين قبل تلك الفترة.
Page 5

2. الهجرات والغارات البدوية إلى فلسطين

2.أ. فلسطين في حدود الصحراء

للموقع الجغرافي لفلسطين أثر كبير في منشأ البداوة والاستقرار. فموقع البلاد حيث تحدها الصحراء من ثلاث جهات؛ جعلها تتلقى مؤثرات الصحاري العربية على مر العصور. فان الصحاري قريبة من البلاد، و تعد خزانا بشريا يغذي المناطق المستقرة في فلسطين بالسكان. إن فلسطين كانت على مر العصور عرضة للغارات البدوية والتي أرادت دائما السيطرة على مناطق الاستقرار. وإن النجاح أو الفشل كان متعلقا بشرطين أساسيين :
1. وجود سلطة قوية: فوجود مناطق مأهولة بالسكان بمحاذاة الصحراء؛ كان متعلق بوجود سلطة قوية، لان ذلك يشجع الاستيطان بقرب الصحراء وبدون خوف ، وبالتالي فان ذلك يكون حاجزا بشريا يمنع البدو من الوصول إلى المناطق المأهولة بالسكان. ولكن في فترات انعدام الأمن نتيجة لضعف السلطة المركزية، تسود الفوضى في المناطق، وتزداد قوة القبائل التي تقوم بغاراتها على المناطق المأهولة. وهذه الغارات جاءت من ثلاث مناطق أساسية : من الشرق عن طريق وادي عربة، وعن طريق سهلي بيسان ومرج بن عامر خاصة من جنوبي بحيرة طبريا، ومن الجنوب عن طريق شبة جزيرة سيناء والنقب، ومن الجنوب الغربي عن طريق سيناء والسهل الساحلي
2. ظروف متعلقة بداخل شبة جزيرة العرب: فحدوث تحركات مفاجئة لقبائل كبيرة في داخل شبة جزيرة العرب، كان يزيد من الضغط البدوي على حدود المناطق المأهولة بالسكان في منطقة الشرق الأوسط بما فيها فلسطين. فعندما كانت تحدث تحركات قبلية كبيرة من جنوب وأواسط شبة جزيرة العرب متجهة إلى الشمال؛ فإنها تضغط على القبائل الصغيرة والتي لا تستطيع المقاومة. وهذه القبائل الصغيرة ليس أمامها سوى الهروب إلى جميع الاتجاهات.
2.ب. الهجرات البدوية إلى فلسطين
القبائل البدوية التي عاشت في شبه جزيرة العرب بقسميها، قبائل الجنوب وقبائل الشمال، نزحت على مر العصور خارج الجزيرة العربية، فقد سكنت بعضها في الصحراء السورية وعلى حدود فلسطين. ومن هذه القبائل ما انخرط في حياة البلاد التي وصلتها، وأنشأت فيها حضارات راقية لعبت دورا هاما على مسرح التاريخ، وقد تهيأت الظروف أمام بعض القبائل لإنشاء دول شبة حضرية دامت فترة من الزمن؛ مثل: الأنباط ، الغساسنة، تدمر، و كندة، والحيرة وغيرها. وفي فترة ما قبل الإسلام كانت بلاد الشام تابعة للإمبراطورية البيزنطية، وكانت سلامة الطرق التجارية، وحماية القوافل التجارية من الاعتداءات عليها؛ وخاصة من قبل القبائل البدوية؛ من إحدى سياسات هذه الإمبراطورية. لذلك قربت إليها-الإمبراطورية البيزنطية- القبائل البدوية التي نزلت بلاد الشام، ومدتها بالمال سنويا، مقابل أن تحمي هذه القبائل الحدود والمواقع التي يصعب على الإمبراطورية حمايتها، ودفع هجمات القبائل عنها، وفي بعض الأحيان كانت تشرك هذه القبائل في حروبها الخارجية، وقد أوجد البيزنطيون سياسة اتخاذ هذه القبائل لحروب العرب المناوئين، وبخاصة في الدفاع عن الحدود ضد عدو مراوغ فرّار.
فمثلا: لما وجدت قبيلة تنوخ قد تغلبت على غيرها، ملَّكتها على العرب في بلاد الشام، ثم وردت سليخ، وتغلبت على تنوخ، فملكتها على العرب، ولما وردت غسان وتغلبت على سليخ، ملكتها على البدو في منطقة الشام، وقدمت للأمارة الغسانية الإعانات السنوية (8).
إن فلسطين كانت مكتظة بالسكان في الفترة البيزنطية، وذلك لأنه كان في فلسطين جيش قوي، وذلك لأنه في القرن الرابع الميلادي (313 م) اعترف بالديانة المسيحية بأنها الديانة الرسمية في الإمبراطورية البيزنطية، وبما أن فلسطين هي مهد هذه الديانة؛ فقد اهتموا بها كثيرا وخاصة بنشر الأمن، وقد وقفت الإمبراطورية حاجزا يصعب اجتيازه فترة طويلة من الزمن، أمام تحركات وهجمات القبائل البدوية.
وفي الوقت الذي انتهت فيه الحروب الفارسية- البيزنطية، انهار هذا الحاجز نتيجة تحطيم وإنهاك قوى كل من هاتين الإمبراطورتين بعد الحروب الضاربة التي خاضتها كل منهما ضد الأخرى(9).
جاء هذا الانهيار في الوقت الذي اشتدت فيه الحاجة في شبه جزيرة العرب للتوسع بدافع قلة الموارد، قياسا لعدد السكان المتزايد. والمعروف أن سكان الصحراء في هذه الفترة؛ كانوا يهاجمون ما يحيط بهم من المناطق المأهولة والمناطق الزراعية الخصبة. وفي خلال أل 1400 سنة الأخيرة حصلت ثلاث هجرات بدوية كبيرة من قلب شبه جزيرة العرب، ووصل قسم منها إلى فلسطين (10).
Page 6
الاقتحام الأول: وكان ذلك في القرن السابع الميلادي مع الفتوحات الإسلامية، فبعد ظهور الإسلام؛ اتجهت أنظار العرب إلى خارج جزيرتهم، فانطلق غزوهم إلى فلسطين خاصة، زمن الخليفة أبي بكر الصديق وعمرو بن الخطاب رضي الله عنهما، ومن هنا بدأت القبائل البدوية تنطلق مقتفية أثر الجيوش الإسلامية في حملاتها العسكرية وفتوحاتها في فلسطين. واستوطنت هذه القبائل النازحة وراء الجيوش الإسلامية في سيناء والنقب، واستقر أكثرها في جبال نابلس والشام، والسهول الداخلية مثل: منطقة بيسان، ومرج بن عامر، وفي منطقة البلقاء وحوران والجولان.
الاقتحام الثاني : وكان ذلك في القرن التاسع الميلادي، وجاء ذلك الاقتحام نتيجة تحرك قبيلتي: بنو هلال وبنو سليم، وبشكل مفاجئ من نجد شمالا، من جهة... والضعف الذي ساد المنطقة من جهة ثانية؛ بعد انتقال العاصمة الإسلامية من دمشق في فترة الدولة الأموية، إلى بغداد زمن العباسيين، وأثناء تحرك هاتين القبيلتين إلى الشمال، ضغطت أمامها على قبائل أخرى، وأجبرتها على الهجرة.
الاقتحام الثالث : حدث في الفترة العثمانية؛ لقد بدأ ذلك في نهاية القرن السادس عشر، ووصل ذروته في القرن السابع عشر، هذه الفترة هي فترة ضعف في الإمبراطورية العثمانية. ففي هذه الفترة هاجرت قبائل شمر من شمال نجد إلى الشمال، فضغطت أمامها على قبيلة الموالي في الصحراء السورية (المعروفين بأبو ريشة) وقد سيطرت قبائل شمر على مناطقهم وخاصة في حوران. بعد هذه الهجرة، حدثت هجرة أخرى من قلب شبة جزيرة العرب وهي هجرة قبائل عنزة، وهذه القبائل ضغطت بدورها على قبائل شمر، وطردتها من الصحراء السورية، وسيطرت مكانها على الصحراء السورية. لهاتين الهجرتين كان تأثير كبير على فلسطين، حيث أن هذه الهجرات أدت إلى دخول قبائل بدوية من الصحراء السورية إلى فلسطين، قسما منها خوفا من القبائل الأخرى. ومن هذه القبائل نذكر قبيلة الزيادنة والتي سيطرت في القرن الثامن عشر على منطقة شمال فلسطين بزعامة شيخها ظاهر العمر الزيداني.
3. القبائل والعشائر البدوية الكبرى في فلسطين في نهاية الحقبة العثمانية
هنالك العديد من القبائل التي سكنت في فلسطين في الحقبة العثمانية، منها من ترك فلسطين وهاجر إلى شرقي الأردن والصحراء السورية، ومنها من غير ديرته في داخل فلسطين من منطقة إلى أخرى (أنظر الملحق الذي يبين توزيع القبائل في داخل فلسطين في نهاية الحقبة العثمانية).
وفيما يلي نبذة عن القبائل والعشائر البدوية الكبرى في فلسطين (11).
أ. شمال فلسطين
1. عرب البشاتوة: وأصلهم من الحجاز. لقد هاجروا في البداية إلى العراق، ومن ثم إلى منطقة شرقي الأردن، ومن هناك كانت الطريق قصيرة إلى منطقة بيسان. لقد سكنوا في المنطقة ما بين نهر الأردن ومدينة بيسان.
2. عرب التركمان: أنهم يعدون من العرب المستعربة، إن اسمهم يبين بأنهم ليس عربا من ناحية الأصل. وأنهم ينتمون إلى الشعوب التركية. إن عشائر التركمان قد وُجدوا في بلاد الشام بما فيها فلسطين منذ الحروب الصليبية، حيث أنهم اشتركوا مع المسلمين بطرد الصليبيين من المنطقة. القائدين المسلمين في تلك الفترة: نور الدين زنكي وصلاح الدين، وطنوا جماعات منهم في بلاد الشام. إن تدفق التركمان إلى منطقة سوريا وفلسطين استمر في فترتي المماليك والعثمانيين. والتركمان الموجودون في فلسطين؛ أصلهم من منطقة الأناضول، وعندما حضروا إلى فلسطين؛ سكنوا في منطقة مرج ابن عامر؛ وخاصة في الجزء الجنوبي الشرقي منه، وأيضا في منطقة قيساريا. وتجدر الإشارة بأن قسما منهم سكن في منطقة الجولان. إن تركمان مرج ابن عامر يمثلون ائتلافا لثمانية عشائر وهم : "بني سعيدان، أبناء علقمة (العلاقمة)، بني غراء، بني ظبية (ظبايا)، شقيرات، الطواطحة (عرب أبو زريق)، النغنغية، وعرب العوادين.
3. عرب الحجيرات: أصلهم من منطقة اللجا في سوريا. لقد هاجروا إلى فلسطين على ما يبدو في القرن الثامن عشر. سكن أبناء هذه العشيرة في بعض المناطق في الجليل، القسم الكبير منهم سكن في منطقة كفر مندا، صفورية ورمانة. وقسم منهم سكن في منطقة عكا، وقسم في منطقة سهل البطوف.
4. الزيادنة: هذه القبيلة قدمت من بلاد الحجاز إلى فلسطين في القرن السابع عشر، حيث استوطنوا بداية في منطقة البطوف، ومن هناك بسطوا نفوذهم على منطقة الجليل وقد برز فيهم زعيمهم الأقوى ظاهر العمر، الذي تمكن من بسط نفوذه على شمال فلسطين من سنوات الثلاثين من القرن الثامن عشر وحتى سنوات السبعين منه. حاول العثمانيون مرارا قمع قوة الزيادنة والقضاء على سلطانهم ولكنهم باؤوا بالفشل. وتمكن ظاهر العمر من توسيع نفوذه ليمتد إلى يافا والرملة وغزة وجنوب لبنان كذلك، إلى أن تمكن العثمانيون من قتله والقضاء على سلطانه في آب 1775، ومن ثم تم القضاء على أبنائه من قبل والي عكا احمد باشا الجزار، وبذلك تم القضاء على حكم الزيادنة.
Page 7
5. عرب السواعد : من اكبر العشائر في شمال فلسطين، أصلهم من شبه الجزيرة العربية، وتروي الرواية المتداولة بين أبناء هذه العشيرة، أنهم يعودون بأصلهم إلى بداية الإسلام، وتحديدا: إنهم يدعون بأن الأب الأول للعشيرة هو القائد المسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. حضروا إلى منطقة الشام مع الفتوحات الإسلامية. وسكنوا منطقة الحولة وخاصة في المنطقة المسماة نجمة الصبح. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ هاجر أبناء القبيلة إلى منطقة الجليل، وقد سكنوا في ثلاث مناطق : قسم منهم سكن في منطقة عكا، وقد أطلق عليهم اسم "عرب الرحل"، القسم الثاني سكن في منطقة شفاعمرو وخاصة في المنطقة المسماة "بالحميرة "، القسم الثالث في منطقة جبل الكمانة-وادي سلامة.
6. عرب الصبيح: إن هذه القبيلة استوطنت في الجليل الأسفل الشرقي وخاصة في المنطقة ما بين سهل البطوف، جبل الطور وحطين. إن هذه العشيرة كانت إحدى العشائر القوية والمؤثرة في شمال فلسطين في الحقبة العثمانية. إن أصل هذه العشيرة هو منطقة اللجاة في شمال الحوران. وكانت من حلفاء ظاهر العمر الزيداني عندما استولى على الجليل في النصف الأول من القرن الثامن عشر. وفي منتصف القرن التاسع عشر انضموا إلى عقيل آغا الحاسي قائد القوات الغير نظامية التابعة لوالي عكا وقد كانوا من حلفائه.
7. عرب الصقر: لقد كانوا من بين أقوى العشائر في شمال فلسطين. أصل هذه العشيرة من نجد شمال شبه الجزيرة العربية. لقد أتوا إلى فلسطين على ما يبدو في بداية القرن السابع عشر. منطقة نفوذهم وسلطاتهم كانت الجليل الأسفل الشرقي وسهل بيسان. في القرن الثامن عشر انضمت هذه العشيرة إلى ظاهر العمر الزيداني في بداية الأمر، ولما رأت بأنها لم تستفد من ذلك كثيرا، قررت الابتعاد عنه. وفي عام 1735 حدثت معركة بينه وبينهم، وقد انتصر ظاهر العمر عليهم ففروا من منطقة نفوذهم، وانتقلوا ليسكنوا في منطقة الساحل: "عتليت ويافا". أما ظاهر العمر والذي لم يرد محاربتهم وعداوتهم، فانه قرر مراضاتهم بعد ذلك، وبعدها عادوا ليسكنوا ما بين الناصرة ونابلس (هذه كانت ديرتهم) ولكن هذا لم يمنعهم من أن يبحثوا عن الفرص لكي يتخلصوا من ظاهر العمر، ولكن العشيرة لم تستفد من القضاء على ظاهر العمر عام 1775، لأن وريث ظاهر في ولاية عكا "أحمد باشا الجزار" قد تعامل معهم كما تعامل مع غيرهم بيد من حديد.
8. قبيلة آل طرباي : إن هذه القبيلة ظلت تحافظ على مركزها منذ عهد فترة حكم المماليك وحتى نهاية القرن السابع عشر. وقد تمركزت في منطقة الكرمل، ومن ثم بسطت نفوذها حتى اللجون، ومن ثم إلى جنين وكل مناطق مرج ابن عامر. واحتكرت لنفسها جباية الضرائب من العشائر الصغيرة الممتدة من نابلس وحتى جبال الكرمل. في النصف الثاني للقرن السادس عشر؛ برز زعيمهم عساف الذي عين من قبل السلطان العثماني كمسئول عن أمن شمال فلسطين، وتحددت مهمته بالحفاظ على سلامة القوافل التجارية في المنطقة، إضافة إلى قوافل الحجاج المسلمين والتي مرت من سوريا متجهة إلى الجنوب، إلى منطقة الحجاز. وفي النصف الأول للقرن السابع؛ آلَ الحكم للأمير أحمد بن طرباي، وتزامن ذلك مع عودة المعنيين بقيادة فخر الدين المعني الثاني الذي حاول أن يدخل إلى ارض فلسطين، وبذلك شكل تهديدا مباشرا على ال طرباي الذين تصدوا لهم وأرغموهم على العودة إلى لبنان. وعلى ضوء ذلك تمكن أحمد بن طرباي من السيطرة على مساحات واسعة في وسط فلسطين ومركزها: من حيفا وحتى يافا، وفرض الضرائب على كل من يمر في منطقة نفوذه. وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر خلفه الأمير محمد؛ الذي سكن في خيمة على جبل الكرمل؛ وكانت الأموال تأتي إليه من الضرائب والإتاوات المفروضة على سكان منطقة نفوذه ومن يمر بها. وكذلك من نفوذه وسيطرته على ميناء عكا. فقد أطلق السلطان العثماني يده في منطقة نفوذه هذه مقابل أن يؤدي الأمير محمد مهمته بالحفاظ على أمن المنطقة. ومع اقتراب نهاية القرن السابع عشر؛ بدا الضعف والتراجع يدب في صفوف بيت آل طرباي، لينتهي عهدهم تماما عند مطلع القرن الثامن عشر.
9. عرب الغزاوية: أصل هذه العشيرة من غزة. لقد هاجروا إلى اليمن قبل الاحتلال العثماني، ومن اليمن هاجروا إلى بلاد الشام، حيث سكنوا في البداية في منطقة الحوران، ومن ثم هاجروا خلال القرن السادس عشر إلى منطقة بيسان، حيث سكنوا في شرق وجنوب شرق مدينة بيسان ومن غربي عشيرة البشاتوة.
10. عرب الغوارنة : لقد سكنوا في منطقة الحولة في اثنتي عشرة قرية، المركزية من بينهم كانت الخالصة ( كريات شمونة اليوم ) حيث كان مقر رئيس العشيرة. الاسم أطلق عليهم بسبب سكناهم بمنطقة غور. بعض الباحثون يقولون بان هذا الاسم أطلق على سكان مختلفين سكنوا منطقة الحولة. بينهم سكان حضروا من منطقة بيسان مهاجرين، جاءوا مع جيش إبراهيم باشا عندما احتل فلسطين وسوريا عام 1831. الغوارنة يختلفون عن باقي العشائر البدوية، لقد سكنوا العرش وليس الخيام، واعتاشوا من زراعة الأراضي وتربية الجواميس.
Page 8
11. عرب الفضل : أصلهم من قبيلة بدوية قديمة سكنت في العراق. هاجر عرب الفضل إلى منطقة الجولان في القرن الخامس عشر الميلادي، واستقروا في المنطقة ما بين جسر بنات يعقوب في الجنوب و القنيطرة في الشرق والبانياس في الشمال. لقد استولى عرب الفضل على أغلبية الأراضي في منطقة الجولان وخاصة في منطقة الشمال الغربي للقنيطرة. في فصل الشتاء وصلوا في ترحالهم حتى بحيرة الحولة، وفي بعض الأحيان وصلوا بتنقلهم حتى مرج ابن عامر. ينتمي عرب الفضل إلى الها شميين – عائلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
12. قبيلة آل ماضي : هذه القبيلة أصلها من قبائل الوحيدات – إحدى قبائل صحراء النقب. نزحت إلى شمال فلسطين في بداية القرن الثامن عشر. في بداية القرن التاسع عشر وحتى سنوات الثلاثين منه؛ سيطرت على المنطقة ما بين حيفا وعتليت وصولا إلى الجهة الغربية من جبل نابلس. ولقب زعيمهم في هذه الفترة بشيخ مشايخ جبل نابلس. قبيلة آل ماضي رفضت الاحتلال المصري لفلسطين عام 1831، لقد انضم الشيخ مسعود رئيس القبيلة إلى حركة التمرد ضد الحكم المصري في محاولة لدحره. ولكن المصريين تمكنوا منهم وقتلوا وأسروا الكثيرين منهم. وقسم منهم هرب فارا إلى اسطنبول – العاصمة العثمانية، حيث حظوا بالحماية والاحترام من قبل السلطات العثمانية لوقوفهم إلى جانبهم في محاربة المصريين. وعندما نزح المصريون من فلسطين عام 1840، عين كل من عيسى ( ابن الشيخ مسعود ) حاكما لصفد، وياسين (شقيق الشيخ مسعود) حاكما على غزة، ومحمد الماضي حاكما على حيفا. وفي سنوات الخمسين من القرن التاسع عشر بدا نجم هذه العائلة بالأفول، ورويدا رويدا فقدوا سلطانهم وتأثيرهم في شمال فلسطين.
13. عرب المواسي : وصلت هذه القبيلة إلى فلسطين على ما يبدو من مصر خلال القرن التاسع عشر. في البداية سكنوا في المنطقة ما بين قرية طمرة وإعبلين. حسب الروايات المتناولة بين أبناء عشيرة المواسي –ويقال أنهم من سلالة موسى الكاظم، وقد أتوا من العراق إلى الجزيرة في حلب، ومنها رحلوا إلى الجولان جنوب سوريا منطقة القنيطرة، وسكنوا مع عرب الفضل إلى أن حدث شجار وحرب بين المواسي والفضل وكانت الغلبة لآل الفضل، وهزم المواسي، ورحلوا من الجولان، وسكنوا منطقة طبريا.
14. عرب الهنادي: هذه تكونت وتكتلت في فلسطين خلال القرن التاسع عشر. لقد كان لهم دور كبير في تاريخ فلسطين وخاصة في شمال البلاد، وخاصة منذ سنوات الأربعينيات وحتى نهاية سنوات الستينيات من القرن التاسع عشر. أصل هذه العشيرة من مصر، وأوائل الواصلين من هذه العشيرة إلى فلسطين كان في نهاية القرن الثامن عشر، أتوا لينضموا إلى أحمد باشا الجزار (والي عكا) والذي كانت له علاقات حسنة معهم عندما كان واليا في مصر في منطقة دمنهور. القسم الأكبر منهم أتى خلال القرن التاسع عشر وقد اشتهرت هذه العشيرة بفضل رئيسها عقيل آغا الحاسي، والذي كان الرجل القوي في شمال فلسطين في الفترة ما بين 1840 – 1870 وكان مصدر الأمن في هذه البلاد.
15. عرب الهيب: أصلهم على أغلب الظن من سوريا، و لقد هاجروا إلى فلسطين على ما يبدوا في القرن السابع عشر. هذه العشيرة انقسمت في فلسطين إلى ثلاثة أقسام : أ. العجارمه، وقد سكنوا منطقة الجولان. ب. عطيه، وقد سكنوا في منطقة خربة طوبا (اليوم قرية : طوبا – زنغرية). ج. الرساتمه، وقد سكنوا في منطقة شمال غرب مدينة صفد. إن عشيرة الهيب كانت عشيرة قوية، وقد بسطت نفوذها في الفترة العثمانية على القرى والعشائر البدوية المتواجدة في منطقة صفد-الحولة.
Page 9

ب. منطقة مركز ووسط فلسطين

1. عرب أبو كشك: أصل هذه العشيرة من جنوب فلسطين. وصلوا إلى هذه المنطقة في فترة الحكم المصري لفلسطين (1831 – 1840) وسكنوا شمال نهر اليركون. مصدر معيشتهم كان دمج بين فلاحة الأرض وتربية المواشي وخاصة الجمال والأبقار.
2. عرب الدمايره: أصلهم من قرية دمره في منطقة القدس. وهم من أصل قروي. وقد أخذوا اسم قريتهم كاسم لعشيرتهم. وعندما قامت مستوطنة الخضيرة في المنطقة. كانت هناك صراعات كبيرة بينهم وبين أبناء هذه المستوطنة، وخاصة في نهاية الحقبة العثمانية وخلال فترة الانتداب ألبريطاني.
3. عرب السوالمة: أصلهم من مصر، هاجروا إلى فلسطين في سنوات العشرين للقرن السادس عشر. وكانت العشيرة القوية في منطقة يافا في القرن السابع عشر. لقد حاربوا إلى جانب قبيلة طرباي البدوية في حروبها ضد فخر الدين المعني الثاني - الزعيم الدرزي. وفي القرن التاسع عشر؛ انخفضت سلطتهم واضمحلت.
4. عرب الفقارا: إنهم فرع من عشيرة البلاونة القاطنة في صحراء النقب، التي لها أقرباء في مصر والسودان. وقد سكنوا شمال منطقة وادي الحوراث.
5. عرب النفيعات: لقد أتى أبناء هذه العشيرة إلى المنطقة من جنوب فلسطين. على ما يبدوا كان ذالك في بداية القرن الثامن عشر. حيث سكنوا بداية في منطقة قيساريا. لقد سكنوا في ألمغر وفي خربة البلدة القديمة. وفي فترة متأخرة انتقلوا إلى منطقة وادي الحوارث
ج. منطقة القدس
1. عرب التعامرة: أصل التعامرة من قبيلة حارثة في الحجاز. وصلوا إلى هذه المنطقة في نهاية القرن السادس عشر، وقد سكنوا في البداية في خربة بيت تعمير. في الفترة ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر؛ تحوّل التعامرة من لفيف من عائلات إلى عشيرة بدوية. واستولوا على المنطقة جنوب غرب بيت لحم وحتى البحر الميت.
2. عرب السواحرة: منطقة ديرتهم كانت بين أبو ديس والبقيعة، وحدودها كانت قبر النبي موسى في الشمال، عشيرة العبيدية في الجنوب، جبال القدس من الغرب، والبحر الميت من الشرق. إن عرب السواحرة هم لفيف من عائلات بدوية أصلها من منطقة الكرك من شرقي الأردن ومن منطقة بئر السبع. حضروا إلى هذه المنطقة في بداية القرن التاسع عشر. الاسم أطلق عليهم نسبة إلى اسم القرية المجاورة لهم: "بيت ساحور".
3. عرب العبيدية: ديرة هذه القبيلة كانت بين (دير ثيودوسيوس) في الغرب، والبحر الميت في الشرق. وأبناء هذه القبيلة موجودون في صحراء القدس منذ القرن الخامس عشر الميلادي.
د. منطقة اريحا
1. عرب الكعابنة : يقال: إنهم من سلالة كعب بن زهير الشاعر المشهور في فترة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ديارهم تقع جنوبي نهر الفارعة. قسم منها يسكن شمالي أريحا، في حين أن القسم الثاني تقع ديارهم في منطقة الخليل. والقسم الذي سكن منطقة الخليل منهم، ينفي كل علاقة قربى بينه وبين كعابنة وادي الفارعة. وحتى يؤكدوا الاختلاف، فإنهم يطلقون على نفسهم كعابنة المصفرة. وقد ازداد كعابنة الخليل في القرن التاسع عشر عددا وقوة، وذلك بعد أن انضمت إليهم مجموعات من قبيلة عمر، والذين نزحوا من منطقة شرقي الأردن (منطقة الكرك) وانضموا إليهم.
2. عرب المساعيد: هذه العشيرة سكنت في منطقة وادي الفارعة، لقد أتى أبناؤها إلى هذه المنطقة من شرقي الأردن في القرن الثامن عشر. وهي العشيرة الأقوى في منطقة أريحا.ورئيس العشيرة يلقب ب- "أمير القدس" وقد فرضوا الضرائب والإتاوات على الحجاج النصارى والمارين من القدس إلى الأردن.
Page 10

هـ. منطقة بئر السبع وصحراء النقب

1. قبيلة الطرابين : تقع منازلهم غربي قضاء بئر السبع، وتمتد منازلهم من غربي بئر السبع وحتى سيناء. هذه القبيلة تتألف من عشرين عشيرة:جراوين، أبو غليون، جرادين أبي صعليك، جرادين أبي يحيى، غوالي أبي سته، غوالي أبي الحصين، غوالي أبي شلهوب، غوالي أبي ختله، غوالي أبي بكرة، غوالي أبي عمره، غوالي الزريعي، غوالي العمور، غوالي أبي صهيبان، غوالي النبعات، نجيمات الصوفي، نجيمات ابي عادره، نجيمات أبو صوصين، نجمات القصار، نجيمات الصانع، وحيدات الطرابين، جرادين أبي غليون.
2. قبيلة التياها : سكنوا المنطقة الواقعة بين قضاء الخليل والبحر الميت، وبين أراضي الجبارات والطرابين والعزازمة والسعيدين. ديرتهم كانت من شرق بئر السبع وحتى البحر الميت. هذه القبيلة تتالف من ست وعشرين عشيرة وهي: النتوش، بنو عقبة، جنابيب، حكوك الهزيل، حكوك الأسد، حكوك البريقي، حكوك أبو عبدون، رماضين المسامرة، رماضين الشعور، الرواشدة، الشلاليون، ظلام أبي ربيعة، ظلام أبي قرينات، علامات أبو لبة، علامات أبي شنار، علامات أبي جقيم، عرور، القلازين، تياها قطاطوة، قديرات أبي رقيق، قديرات الصانع، قديرات أبي كف، قديرات الأعسم، بلي، البدينات.
3. قبيلة الجبارات: سكنوا في الشمال الشرقي من مدينة غزة. وهذه القبيلة تتكون من ثلاث عشرة عشيرة وهي : أبو جابر، ارتيمات ابو العدوس، ارتيمات الفقراء، قلازين جبارات، حسنات بن صباح، عمار بن عجلان، جبارات الوحيدي، سعادنة النويري، سعادنة أبي جريبان، جبارات الدقس، سواركة أبي رفيع، ولايدة والرواوعة.
4. قبيلة الحناجرة : سكنوا في الجنوب الشرقي لمدينة غزة. وهذه القبيلة تتالف من اربع عشائر: حناجرة أبو مدين، الحمدات (السميري)، الضواهرة، والنصيرات.
5. قبيلة الأحيوات : سكنوا القسم الجنوبي من وادي العربة، وهم امتداد للحيوات الذين يسكنون صحراء سيناء. إن هذه القبيلة هي من القبائل الصغيرة في المنطقة، وهي تتكون من ثلاث عشائر: أبو خليل، العتايقة ، وأبو قادوم.
6. قبيلة السعيديين : سكنوا في منطقة وادي العربة الممتد ما بين البحر الميت وخليج العقبة. هذه القبيلة تتكون من أربع عشائر: جمايطة، رمامنه، مذكير، وروابضة. وتعد هذه القبيلة من القبائل الصغيرة في هذه المنطقة.
7. قبيلة العزازمة : تقع منازلهم في جنوب قضاء بئر السبع، وتمتد منازلهم من بئر السبع وحتى وادي العربة وحدود سيناء. هذه القبيلة تتألف من عشر عشائر: الزربة، الصواخنة، السراحين، الصبيحات، العصيات، الفراحين، المسعوديون، المربعات، المحمديون، الصبحيون.