eKtab
EN ع
البحرية الإسلامية في الشعر الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة
Read free sample

البحرية الإسلامية في الشعر الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة

by د. عبد الأمير حسين علوان الخزاعي

Page 1

من الكتاب المسطور الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من القرآن الكريم .

بسم الله الرحمن الرحيم

وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ

[سورة الرحمن، الآية: (24)]

وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ

[سورة إبراهيم، الآية:(32)]

ومن الكتاب المبسوط من حاضرة احتضنتها البحار من الأندلس صفحة من أجمل صفحات الحضارة الإسلامية والإنسانية وأروعها، لوناً وميزةً .

نتوكل على من عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ[سورة الأنعام، الآية: (59)]

Page 2

الإهداء

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ

- صدق الله العلي العظيم-

إلى أهلي العراقيين النجباء الصابرين

إلى مَن غرس فيَّ حب التعلم والمعرفة والدي .

إلى والدتي، إلى أخوتي (رحمهم الله)

إلى عائلتي التي جاهدت معي ...

زوجتي، أولادي، بناتي، أحفادي

إلى كل مخلص يبني الوطن العزيز الجريح حباً وعلماً وعملاً .

Page 3

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ (1)، والصلاة والسلام على نبيه الكريم الذي زويت له الأرض فرأى غايتها، وأبصر نهايتها وأخبر أن ملك أمته سيبلغ ما رآه وينتهي الى حيث قدره الخالق ونهاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه .

البحر مشهد جليل من مشاهد الكون، ومظهر عظيم من مظاهر الحياة، فكما احتضنت أمواجه سفن المسلمين صارت مياهه صفحة مشرقة لشعر البحرية الأندلسية الذي عُدَّ من الفنون الأدبية رفيعة الشأن، وظاهرة تفرد بها شعر الأندلس منذ الفتح بقيادة طارق بن زياد وما نسب إليه : [ من الطويل ]

ركبنا سفيناً بالمجاز مُقيرا

عسى أن يكون الله منا قد اشترى (2)

وحتى سقوط غرناطة وما نسب لأبي البقاء الرندي (664هـ) : [ من البسيط ]

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغرُّ بطيب العيش إنسان (3)

تأتي أهمية الدراسة كونها تمثل صفحة جهادية عظيمة في تاريخ المسلمين، ووثيقة تاريخية عن بطولاتهم البحرية، تعين الباحث على تفسير كثير من الظواهر التي تؤكد عظمة فتح الأندلس الذي كان مشهداً جليلاً ومظاهرة إسلامية لم يستطع الأسبان وأعداء الأمة أن يطمسوا حقيقتها ولن يكتب لهم ذلك .

بعد الفتح – وكما يرى د. علي الكتاني – (تكون شعب جديد مسلم العقيدة عربي اللغة له خاصية متأصلة في بلده، ولم يكن بذلك الفتح الإسلامي غزواً لأمةٍ أخْرَجَتْ أمةً أخرى، أو إجبار أمة على دين ولغة لم يرتضيهما وإنما الشعب الأندلسي هو نفسه اختار الإسلام ديناً واللغة العربية لغة حضارة ورحَّب بالفاتحين المسلمين الأوائل ترحيب المقهور للمنقذ)(4) .

كما أن المعارك البحرية لم تكن حدثاً تاريخياً عابراً فقط، بل أن الحقبة التي عاشتها البحرية الأندلسية شهدت صراعاً عالمياً للسيطرة على البحر المتوسط، ومنذ انتصار المسلمين في معركة ذات الصواري عمل الأوربيون وبكل ما استطاعوا من قوة القضاء على القوة البحرية الإسلامية في هذا البلد .

ولئن اشتهر جانب من الشعر الأندلسي ببكاء المدن، ورثاء الأندلس، وهذا ما يدفع إلى الألم ويبعث على الأسى، يؤجج الأحزان التي حاول التاريخ أن يسدل عليها – وهماً وتصوراً – ستائر النسيان (5) . فقد لمع في سماء الأندلس ما يمتع النفس ويبهج القلب ألا وهو وصف انتصارات البحرية الأندلسية، شأنه شأن وصف طبيعة الأندلس، والموشحات والأزجال .

وأن كان شعر البحرية الأندلسية قد تناثر متفرقاً في أثناء مصادر الأدب العربي، إلا أنني وبحمد الله استطعت أن أضعه في كيان واحد وأوزعه في اتجاهات فرضتها طبيعة الشعر، ذلك أنه تشكيل تاريخي أدبي ثقافي جغرافي، ضم صوراً تنم عن حركة التجديد التي أضافها شعر البحرية الأندلسية في تصوير دقيق، فضلاً عن استيعاب هذا الغرض من الشعر لأغلب التيارات التراثية البحرية وشكل انعطافة جديدة في التراث العربي، لذا وجدت هذا الفن الشعري جديراً بالاهتمام فانصرفت إلى دراسته بحثاً واستقصاءً للخروج برؤى واضحة توقِفُ القارئ العربي على جانب مهم من جوانب جهاد المسلمين في تلك الأصقاع التي رُفِعَتْ فيها راية الله أكبر لثمانية قرون أو تزيد .

Page 4

من الروح الجهادية في البحر وما فيها من أجر كان اختيار موضوع دراستنا تحت عنوان (البحرية الإسلامية في الشعر الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة) ومن بواعث اختيار الموضوع ؛ إغناء المكتبة الأندلسية بهذا اللون من الشعر الذي يُظهر الروح الفدائية والمغامرة البحرية، مما خلفته البحرية الإسلامية في الأندلس، وهو موضوع على قلة مصادره وتشعب مسالكه خُضْنا غماره بتوفيق من الله تعالى وبرعاية من رسوله الكريم محمد الذي بشر بفتح الأندلس، فسار البحث متتبعاً سفن المسلمين وهي تشق عباب البحار وتخوض أهواله، راصداً تلك الملاحم الجهادية البحرية بما جادت به قرائح الشعراء ذلك أن (السفن في البحر تقابل الخيول في البر، بل هنا أوجب وأهم فالمعارك البحرية في جزر متقطعة في البحر يأتيها الأعداء بأساطيلهم من كل حدب وصوب أكثر شيوعاً، لذلك فإن وصف السفن والأسطول أكثر إلفة من وصف الخيل)(6) .

ولاستعراض الفتوحات التي جاءت مصداقاً لما جاءت به الأحاديث النبوية الشريفة، ومواقف الصحابة والتابعين من الفاتحين من قادة ومجندين، وتناولنا في التمهيد الرحلة البحرية من الناحية التاريخية، التي تعنى بانتصارات المسلمين في البحر، وأغفلنا انتصارات العدو، وبما أمدتنا به المصادر والمراجع المتوافرة، على الرغم من قلة الفرص للحصول عليها، لا لندرتها وإنما للظرف الأمني الذي يمر به البلد بشكل عام وبغداد بخاصة، فضلاً عن انقطاع التيار الكهربائي المستمر عن مراكز البحث والسكن .

وكان البحث مثل غيره من الدراسات أكدَّ صفحة مشرقة من تاريخ تراثنا الأدبي وقد أغفله جُلُّ الباحثين ولم أدخر وُكداً في البحث عن هذا الشعر الذي لم يأت قصائد مستقلةً تعين الباحث، بل جاء أبياتاً متناثرة في ضمن قصائد المديح أو مقطوعات قصيرة في موروثنا الأدبي .

لم يكن البحث يسيراً أو تعتوره بعض الصعاب بل كان موضوعاً تجرعناه مراً نمتد معه لثمانية قرون ملأى بالأحداث، ولا ريب في أن قلة الأخبار وندرة المصادر كانت العقبة الكأداء، وظروف أخرى حالت دون ملء فراغات مهمة فيما بين تلك الأحداث ولعل صعوبات مثل هذه هي التي أبعدت كثيراً من الباحثين عن البحث فيه .

تكون البحث من مقدمة وتمهيد وأربعة فصول، أما التمهيد فقد وقفت فيه وقفة تاريخية شاملة في تسليط الضوء على سير معارك الجهاد الإسلامية في الأندلس منذ الفتح وما أعقبه من غزوات ودفاع عن الثغور والحدود إلى صد هجمات الأسبان المتكررة حتى سقوط غرناطة واقتصرت على المشهور من الحملات الجهادية البحرية، التي توافرت عليها المصادر، والتي كان للشعر فيها حضور، واكتفيت بذلك عما سواه لأنه من مهمة المؤرخين .

أما النصوص الشعرية التي صاغت تلك الملاحم الجهادية والوقائع الحربية البحرية الدامية وما صاحبها من مشاعر وخلجات فقد كنت أبحث وأنقب عنها في أثناء قصائد المديح أو الرثاء (كمن ضاع في الترب خاتمه)، وكانت مهمة عسيرة لعدم استقلال تلك النصوص في غرض أو باب خاص، كما الحال في أبواب الشعر الأخرى وأغراضه فقد تناولتها في الفصل الثاني وسأعود إليها لاحقاً .

وقد تضمن الفصل الأول مفهوم البحرية في اللغة والتاريخ والتراث العربي، وزعته على أربعة مباحث تناول المبحث الأول ؛ البحر لغة واصطلاحاً وفي التاريخ والجغرافية ومفاهيم أدبية، والمبحث الثاني تضمن البحر في التراث العربي قبل الإسلام، فيما تضمن المبحث الثالث البحر في القرآن الكريم، ثم البحر في التراث العربي الإسلامي في المبحث الرابع .

أما الفصل الثاني فقد تناولت فيه شعر البحرية الإسلامية في الأندلس .

ووزعته على أربعة مباحث هي : لمحة تاريخية عن شعر البحرية الإسلامية في الأندلس ومدى تأثره في شعر البحرية في المشرق في المبحث الأول. أما المبحث الثاني فقد تناولت فيه شعر البحرية في الأندلس منذ الفتح عام (92هـ) حتى نهاية حكم الطوائف عام (493هـ) وجعلت هذه الحقبة الزمنية في مبحث واحد، كي استطيع أن أشغل مساحتها بنصوص شعرية مناسبة، وأفردت مساحة واسعة لأحد الشعراء البارزين بنماذج شعرية حتى تنماز هذه الحقبة من لاحقاتها، وهذا منهج اتبعته في المباحث جميعها، وقد يرد نص لشاعر أندلسي مدح فيه أميراً أو خليفة من عدوة المغرب وذلك لأن الأندلس قد ضمت إلى المغرب وأصبح القطران قطراً واحداً في نهاية حكم الطوائف في دولة المرابطين والموحدين، والمصادر الأندلسية لا تفرق بين الأندلس والمغرب ولا تضع حدوداً بين عدوة المغرب وعدوة الأندلس لتمازج هذه العناصر (7) .

وكان المبحث الثالث خاصاً بعصر المرابطين والموحدين من (493هـ- 668هـ) لأن هذين العصرين يشكلان وحدة موضوعية في بحثنا على الرغم من اختلافهما سياسياً، ويحتوي المبحث الرابع على شعر البحرية في مملكة غرناطة (665هـ- 898هـ) لأنه يشكل منعطفاً أدبياً ذا ملامح خاصة .

أما الفصل الثالث فتناول مضامين شعر البحرية الأندلسية، فكان المبحث الأول يخص المضامين التقليدية، أما المبحث الثاني فتناول (الرهبة من البحر)، وتناول المبحث الثالث (الحياة والموت) بينما تناول المبحث الرابع : المعارك والتعبئة العسكرية البحرية .

أما الفصل الرابع فتناولت فيه (الدراسة الفنية)، فكان المبحث الأول للنسيج اللغوي (اللفظ والمعنى والأسلوب)، والمبحث الثاني تناولنا فيه المعجم الشعري (لغة الشعر، والاقتباس والتضمين) أما المبحث الثالث فتناول الصورة الشعرية أما موسيقى الشعر فقد تناولها المبحث الرابع .

ومن نافلة القول أن أذكر أن مصادر تناولت شعر الحرب في الأندلس أو الحياة الأدبية فيها إلا أنها لم تتناول شعر البحرية موضوع دراستنا – إلا في صفحة أو بعض صفحات – ومنها ما يرد في محتوياتها ذكر لشعر البحرية وكأن هذا النوع من الشعر خارج دائرة الحياة الأدبية الأندلسية على أنهم ذكروا أغراضاً وأبواباً لا تستحق الذكر، وأن ذكرت نصوص لشعر البحرية الأندلسية فتذكر لغرض الاستشهاد التاريخي فقط .

واذكر من المراجع التي أفدت منها ما تناوله د. مصطفى الشكعة في كتابه (الأدب الأندلسي موضوعاته وفنونه) وكتاب (الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة) للدكتور أحمد هيكل، وكتاب (الأدب الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة) للدكتور منجد مصطفى بهجت، وما كتبه د. مصطفى محمود الحلوة في كتيبيه: (ابن خفاجة والبحر) و(البحر في الشعر الأندلسي) وكتاب (أدب البحر) لاحمد محمد عطية .

أما الرسائل الجامعية التي تناولت الأدب الأندلسي فقد تناول بعضها (البحرية الأندلسية) بشكل سريع إلا أنها توقفت طويلاً عند شعر الحروب البرية .

وإن وجدت صعوبة بالغة في اختيار برنامج البحث إلا أني اعتمدت المنهج التحليلي الذي يعتمد النص أساساً للكشف عن الدلالات والمضامين، ولم أغفل لضرورة البحث المنهج النفسي أو التاريخي في أحيان أخرى .

ليس بوسع هذا البحث أن يدعي الكمال، ومن ثُمَّ فإن هناك جوانب كثيرة تحتاج بحثاً واستقصاء وبحثي هذا يشكل خطوة أولى لشعر البحر في التراث العربي الحربي كما أنه يوسع دائرة البحث لدراسة شعر البحرية العربية الإسلامية في المشرق.

يظل البحث مديناً لأصوات كثيرة من أساتذتي وزملائي أسهمت في إخراجه على صورته، ولا يسعني هنا إلا أن أشكر كل من له الفضل في إبداء الرأي والتوجيه وأن كان لابدَّ من التخصيص فاستميح الجميع عذراً كي أخص أستاذي الدكتور عباس مصطفى الصالحي المشرف على الرسالة والذي تابع فكرة الموضوع ومنذ أيام السنة التحضيرية، ولم يبخل عليَّ من وقته وجهده في إعانتي على إتمام الأطروحة وشكري وتقديري لقسم اللغة العربية أساتذة وموظفين في كلية التربية – ابن رشد- جامعة بغداد- الذي تقبلني طالباً في رحابه في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وتقديري إلى القائمين على مكتبة كلية التربية – ابن رشد – لما أبدوه من مساعدة جزاهم الله خيراً، والشكر موصول إلى القائمين على المكتبة المركزية لجامعة بغداد .

أرجو الله أن أكون قد وفقت في عملي هذا في جمع جزء من التراث العظيم لأمة الأندلس المتناثر في المصادر والمضان، واسأله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل العلمي المتواضع لخدمة لغة القرآن الكريم قبولاً حسناً .

وماتوفيقنا إلا بالله عليه توكلنا وعليه فليتوكل المتوكلون .

ومن الله تعالى التوفيق

المؤلف

Page 5

التمهيد

انتصارات البحرية الأندلسية منذ الفتح حتى سقوط غرناطة

يَتَعيَّن علينا ونحن ندرس تاريخ انتصارات البحرية الإسلامية في الأندلس، تعرف المراحل التاريخية بأحداثها السياسية التي تعاقبت على شبه الجزيرة الأيبيرية المتمثلة في الفتوحات الإسلامية التي استمرت ثمانية قرون بدءاً بحملة طارق بن زياد من يوم الاثنين الموافق الخامس من رجب سنة (92هـ*، نيسان 711م) وحتى سقوط غرناطة في (الثاني من ربيع الأول سنة 897هـ، الثاني من كانون الثاني 1492م)(8)، والتي كان للسفن والأساطيل البحرية الأثر المهم في الحفاظ على الانتصارات والدفاع عن الأندلس وقواعدها، وصدِّ هجمات الفرنجة، منذ انتصار طارق بن زياد وعبوره البحر إلى الأندلس إلى هروب ملك غرناطة وعبور البحر من الأندلس والفرق شاسع بين (إلى) و (من) .

الأندلس تعرف باللغة اليونانية (إشبانيا) وإن أول من اختطها (بنو طوبال بن يافث بن نوح) سكنوا الأندلس في أول الزمان، وقيل اسمها في القديم : (إبارية) ثم سُميِّت بعد ذلك (باطِقَة)، ثم سُميِّت (إشباينا) وسُميِّت بعد ذلك بالأندلس من أسماء الأندليش الذين سكنوها وسُمِّيتْ بجزيرة الأندلس لأنها شكلٌ مثلث، تضيق من ناحية شرق الأندلس حتى تكون بين البحر الشأمي والبحر المُظلم المحيط بالأندلس، ويحيط بها البحر من جهاتها الثلاث (9) .

جارى شعر البحرية الأندلسية الفتوحات الإسلامية وتفاعل معها، ورجوعنا إلى التاريخ في التمهيد لا، لتحديد نشأة شعر البحرية عند الشعراء العرب، وتأثر الأندلسيين بهذا النوع من الشعر، ذلك أن قافلة شعر البحر الذي عنى بوصف السفن والأساطيل والمعارك البحرية تمتد إلى العصر الجاهلي، حيث امرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم، وبشر بن أبي خازم الأسدي، وصولاً إلى العصر الإسلامي، حيث مسلم بن الوليد، والبحتري، وابن الرومي، ومهيار الديلمي، والسري الرَّفاء، وبشار بن برد، وأبو نواس(10)، لذا فأن الشعر الأندلسي جاء مع الفاتحين وعبر مع طارق بن زياد .

لكن أرى أن الحدث التاريخي في بحثنا هو مادة أساسية، لأنه العلة التي دفعت الشعراء إلى النظم في هذا الغرض الجديد في ثوبه الأندلسي، القديم في تراث الأمة العربية، هذا التاريخ الذي توزع على عصور عدة، اختلف الباحثون في تحديد مراحله، وفي أسماء تلك المراحل، وأذكر ما أختاره الدكتور منجد مصطفى بهجت، لأنه يمثل الرأي الأكثر شيوعاً في المصادر الحديثة، وقد أجملها الباحث في خمسة عهود هي(11) :

1-عهد الفتح والولاية ( 92 – 138هـ) .

2-العهد الأموي (الإمارة، والخلافة، والحجابة، والفتنة) (138- 399هـ) .

3-عهد ملوك الطوائف والمرابطين (400 – 540هـ) .

4-عهد الموحدين ( 540- 620هـ) .

5-عهد دولة بني الأحمر في مملكة غرناطة (635- 897هـ) .

والبحث في البحرية الإسلامية في الشعر الأندلسي يسير في اتجاهين، الأول: هو البحث في شعر البحر عند العرب مراعاة للتسلسل الموضوعي في مسيرة البحث، وقد تناول الفصل الأول هذا الاتجاه، أما الاتجاه الآخر فهو ظهور – وليس نشأة – هذا النوع من الشعر في الأندلس، فقد نقل عبد الرحمن الداخل قافلة الشعر العربي إلى الأندلس مع نخبة من الأمراء والقادة الفاتحين من الشعراء أو متذوقي الشعر منهم، وما أبدعه الشعراء في وصف المعارك البحرية بقيادة موسى بن نصير وعبد الرحمن الغافقي أي منذ بداية الفتح حتى مطلع القرن الثالث الهجري، فقد لفت انتباهنا قلة النصوص الشعرية في البحرية الأندلسية، وسبب ذلك يعود إلى انشغال مسلمي الأندلس بالفتوحات أولاً، وما رافقها من المنازعات الداخلية، ومقاومة الأسبان، وإخماد الفتن ثانياً، وأرى أن ما ذهبنا إليه يكون رداً على أن ما ذهب إليه المستشرق الهولندي دوزي وهو يسوغ قلة النصوص بقوله : بأن العرب لم يكتبوا التاريخ في القرنين الأولين ذلك أنهم كانوا يعتمدون على الروايات الشفهية لقوة ذاكرتهم في حفظ الوقائع والسنين فلم يكن بهم حاجة إلى كتب مدونة، وكانوا يختارون التأليف في الديانة، وكان التأليف في غيرها مكروهاً (12).

Page 6

لهذا ندرت الكتابة في التأريخ في حكم أمراء بني أمية بالأندلس، وكان لهذا كله الأثر الكبير في غياب أو ضياع الكثير من هذا النوع من الشعر، فضلاً عن كثرة شهداء المسلمين في معركة (بلاط الشهداء) و(الغزو النورماندي).

وقبل متابعة رحلة الأحداث التاريخية للبحرية الأندلسية لابدَّ لنا من أن نتساءل، ما بواعث هذه الحملات الجهادية فيما وراء البحار وأهدافها بعيداً عن مركز الخلافة الإسلامية، والإجابة عن هذا التساؤل نجدها في أحاديث الرسول الكريم محمد : إن (أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوْجَبُوا)(13)، وهذا ما يؤكد أن أجر الجهاد في البحر عظيم جداً، وحديث آخر للرسول الكريم : (إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإنَّ أمتي سَيَبْلُغ مُلكها ما زُوِيَ لي منها)(14) .

إنَّ لأحاديث الرسول الكريم الشريفة الأثر الكبير في التحفيز على الحملات الجهادية الأندلسية التي قادها أوائل المسلمين، فتحوا الأندلس حباً في الجهاد والاستشهاد في سبيل نشر مبادئ الدين الحنيف، فضلاً عن صدقهم. وفاتحوها هم ثاني الجماعتين اللتين أشاد بهما رسول الله ، وهي من معجزاته في فضل الجهاد في البحر، وما بشر به الخليفة الثالث عثمان بن عفان (15)، ويرى شكيب ارسلان في أحاديث الرسول الكريم : (فإنه ما مضت سنوات قلائل حتى ضرب الإسلام بجرانه من العراق وفارس والشام ومصر وأفريقية... ثم من افريقية أغار العرب على أسبانيا ... إلى أن بلغوا فرنسه وصارت جميع قارة أوربا تحت خطر استيلائهم )(16)، إلا أن بعض المستشرقين يرون في الأهداف والبواعث التي دفعت العرب في فتوحاتهم في الأندلس وتوغلهم حتى جنوب فرنسا، ما هي إلا بواعث مادية للحصول على الغنائم وحباً في التوسع، يذكر ذلك د. عبد الواحد ذنون، وكان ردُّهُ على هذه التهمة مناسباً إذ يقول: (تهمة خطيرة قُصِد بها تشويه التاريخ العربي الإسلامي، فلم يكن الهدف مادياً، بل كانت هناك غاية نبيلة أهم من ذلك بكثير وأبعد أثراً ألا وهي نقل مبادئ الحضارة العربية الإسلامية المستمدة من قيم السماء السمحة إلى البلاد المفتوحة... أما الغنائم والمكاسب المادية فهي تحصيل حاصل ونتيجة طبيعية من نتائج الحروب)(17)، وتأكيداً للبواعث النبيلة ما نقل عن الأمير (عقبة بن الحجاج السلولي) أنه كان رجلاً يتقد حمية على الإسلام، ويرى في الجهاد قرة عينه، وأنه اختار إمارة الأندلس حباً بالجهاد والرباط (18) .

أما ما ذهب إليه الأستاذ غرسيه غومس ؛ من أن الإسلام (أعطى الأندلس الشعر القديم، شعر القصائد الذي نشأ في الصحراء)(19)، في إجابته على تساؤله: ماذا أعطى الأندلس الإسلام ؟ وماذا أخذ الأندلس من الإسلام ؟ (20) .

أرى أن الأستاذ (غرسيه غومس) وما (له من فضل عظيم في تعريف جمهور الأسبان بمآثر العرب وآدابهم وهو لا يكف عن دراسة هذا التراث ونشر آثاره أو ترجمتها وتحليلها بملكة الأديب الناقد العالم الدقيق)(21)، كان عليه ألا يغفل ما قدمه الإسلام للأمة الأندلسية وللغرب من قيم وتعاليم عاشها مسلمو الأندلس ثمانية قرون، ولو كان استبدل كلمة (الإسلام) بالفاتحين لكان مناسباً ذلك أن الإسلام لم يكن بحاجة إلى الإزجال والموشحات التي ذكر الأستاذ (غومس) من أن الأندلس قدمتها للإسلام .

نبدأ الرحلة التاريخية مع القائد طارق بن زياد والقائد موسى بن نصير بعد انتصار الأول على لذريق في (معركة وادي لكه) أو (وادي بكه)22* في (8 رمضان سنة 92هـ)، (تموز 711م) وعبور الثاني إلى أسبانيا في (رمضان 93هـ، 712م) ومسيرته الظافرة وصولاً إلى طليطة والتقائه بطارق بن زياد (23)، حيث وضع الأثنان (خطة لافتتاح ما بقي من أسبانيا ثم زحفا نحو الشمال الشرقي واخترقا ولاية ارجوان (الثغر الأعلى) وفتحا سرقسطة وطرّكونة وبرشلونة وغيرها من المدائن والمعاقل))(24)، وهذا ما أشار إليه المؤرخ الأمريكي (سكوت) في أمر فتح الأندلس كما أورده عبد الله عنان : (في أقل من أربعة عشر شهراً قضى على مملكة القوط قضاءاً تاماً، وفي عامين فقط وطدت سلطة المسلمين فيما بين البحر الأبيض المتوسط وجبال البرنية ولا يقدم لنا التاريخ مثلاً آخر اجتمعت فيه السرعة والكمال والرسوخ بمثل ما اجتمعت في هذا الفتح)(25) .

وتسجيلاً تاريخياً لما انفردت به الأندلس من مسيرة ساعدت على ازدهار الروح الجهادية البحرية فيها امتزاج النزعات الدينية بحب الجهاد، وأية تلك الروح الجديدة تمثلت بإنشاء قواعد بحرية عديدة صارت فيما بعد مراكز أمامية للأسطول العربي في البحر الأبيض المتوسط الذي (لم تسبح للنصرانية فيه ألواح))(26) .

ونتابع الرحلة التاريخية التي بدأناها مع طارق بن زياد، وموسى بن نصير، بمسيرة أمير الأندلس عبد الرحمن الغافقي (سنة 114هـ) إلى شمال الأندلس مخترقاً ولاية أرجوان، ودخوله فرنسا بعد معركة عنيفة نشبت على ضفاف نهر الرون، ثم عبوره نهر الجارون ووصوله مسافة ميل عن باريس ثم ارتداده غرباً إلى ضفاف اللوار ليتم فتح هذه المنطقة ثم يقصد عاصمة الفرنج ويفتح نصف فرنسا الجنوبي (27)، وهذا ما دعا (أدوارد جيبون) إلى التسليم بقوة الأسطول البحري العربي، يقول : (وقد كان اقتحام مثل هذه المسافة يحمل العرب إلى حدود بولونيا وربى اسكتلندا فليس الرَّين بأمنع من النيل أو الفرات، ولعل أسطولاً عربياً كان يصل إلى مصب التايمز دون معركة بحرية، بل ربما كانت أحكام القرآن تدريس الآن في معاهد اكسفورد، وربما كانت منابرها تؤيد لمحمد صدق الوحي والرسالة)(28) .

وفي سنة (180هـ- 793م) أنشأ عبد الرحمن الداخل دوراً لصناعة السفن في مراسي طرَّ كونه وطرطوشة وقرطنجة وأشبيلية وألمرية وغيرها، وذلك بعد اقتطاعه الأندلس عن الخلافة العباسية وتصديه لبحريتها، وفي سنة (193هـ- 806م) اكتسح الأسطول الأندلسي جزيرة كورسيكة وهزم أسطول (يبين بن شارلمان) ملك إيطاليا بعد تدمير الأسطول وأسر الكثير من الرجال ذوي النفوذ(29)، إلا أن عظمة هذا الأسطول ما كان لها أن تستمر بعد نكبة (بلاط الشهداء) إذ انشغلت الأندلس بمنازعاتها الداخلية، وقيام أمبراطورية عظيمة موحدة الكلمة هددت المسلمين ونازعتهم السيادة والنفوذ (30) .

ونتابع مسيرة البحرية الإسلامية في انتصاراتها تارة، وفي اخفاقاتها بحسب قوة حكامها أو ضعفهم لنصل إلى عهد عبد الرحمن بن الحكم الذي تسلم السلطة سنة (206هـ) وعرفت الأندلس في عهده خطر الغزوات النورمانية البحرية التي كان من مفاجآتها المروعة ما حمل حكام الأندلس على الاهتمام بأمر الأسطول وتحصين البحرية ببناء سور عظيم وإنشاء دار عظيمة لصناعة السفن الحربية الكبيرة فكانت نواة الأسطول الأندلسي الذي بلغ مئتي سفينة في عهد عبد الرحمن الناصر (31)، وفي سنة (207هـ - 820م) (سار أسطول إسلامي من تركونه وغزا سردانيه فجاء أسطول مسيحي لأجل الدفاع عنها فتغلب الأسطول الإسلامي وأغرق المسلمون ثمانية مراكب، وأحرقوا مراكب كثيرة))(32) ومن ثغر طرَّكونه والجزائر الشرقية خرج الأسطول الأندلسي سنة (221هـ) إلى مياه فرنسا الجنوبية وكان من أثرها قيام مجمعات عربية إسلامية في بروفاس وأنحاء أخرى من جنوب فرنسا وشمال إيطاليا (33) .

وتستمر انتصارات البحرية الأندلسية وتهاجم مرسيليا ويستولي أسطول المسلمين على جزيرة صقلية وفي سنة (233هـ) غزا العرب روما وفي سنة 234هـ توجهت قوة بحرية لغزو أكبر جزائر البليار (34)، وكان نتيجة لهذه الانتصارت اضطرار الملك شارل الأصلع ملك فرنسا طلب الصلح بعد أن غزا العرب مرسيليا سنة 235هـ (35) .

لهذه الانتصارات التي حققها المسلمون كان شعور الفرنج على الرغم من انتصارهم في موقعة بلاط الشهداء *، ومعارك أخرى تتلخص في أن المسلمين قوة لا تقهر وأنهم على امتداد دولتهم يستطيعون زج طاقات بشرية غير محدودة .

ويرى العلامة (دوزي) أن انتصارات المسلمين في فتوحاتهم ما هي إلا معجزة: (وأي معجزة أروع وأعجب من أن ترى شعباً كان إلى زمن قليل في غاية الخمول، ثم ظهر إلى الدنيا فجأة، وظل يتقدم بسرعة لا مثيل لها ... ويتنصر على قطر بعد قطر، فتدين له البلاد بالطاعة والولاء وتقبل على دينه من كل حدب وصوب راضية غير مكرهة)(36) .

ويرى أن كثيراً من المسيحيين آمنوا بالإسلام عن عقيدة وإيمان، ويرى في انتصارات الرسول وفتوحات المسلمين التي لم تقف عند حد دلالة على معجزة هذا الرسول (37) .

ونذكر تاريخ البحرية الأندلسية في عهد عبد الرحمن الناصر (300-350هـ) وانتصارته بكل فخر واعتزاز، وقد خلدها ابن عبد ربه (328هـ) في أرجوزته المشهورة البالغ عدد أبياتها 443 بيتاً، يقول في بعض غزواته سنة 301هـ (38) : [ من الرجز ]

Page 7

سِبحانَ مَنْ لم تحوه أقطارُ

ولم تكن تدركه الأبصارُ

ومنها في المديح يقول :

لو خايل البحر ندى يديه
لغاض أو لكاد أن يغيضا

إذا لجت عفاته إليه (39)
ولاستحى من بعد أن يفيضا

ويذكر غزوته الثانية (سنة 301هـ) (40) :

ثم غزا في عُقب عامٍ قابل
ولم يدع ريَّة والجزيرة
حتى أناخ في ذرى قرمونه

فجالَ في شذونة والساحل
حتى كوى أكلبها الهريرة
بكلكلٍ كمدرةِ الطاحونة

ويتقدم أسطول الناصر (41) (300-350هـ) بقيادة أمير البحر عبد الملك بن سعيد بن أبي حمامة وقوامه أربعون مركباً منها عشرون من الجرافات التي تحمل النفط والآلات البحرية، وعشرون أخرى تحمل الرجالة المقاتلة، وعدة رجاله من الجند ألف رجل، ومن البحريين ألْفَا رجل، من ثغر المرية ويهزم الفرنج في مدينة بالش ويحيط المسلمون براً وبحراً بمدينة أنيش ويحرقوا مراكبها، ويتقدم الأسطول إلى مدينة برشلونة ويقتل قائد الأفرنج (بليط) ثم يعود الأسطول إلى مراسيه في المرية سنة 324هـ(42) .

ويتولى الحَكَم بن الناصر، وبعد تهديد الفاطميين سنة (353هـ) الإشراف على أعمال تحصين الأسطول بنفسه في ثغر المرية التي كانت أعظم قواعد الأسطول الأندلسي إذ بلغ عدد القطع الراسية يومئذٍ ثلاثمائة قطعة (43) .

ونصل إلى غزوات المنصور بن أبي عامر (44) (366هـ- 399هـ)، إذ بلغ شغفه بالجهاد حداً أنه كان يتولى القيادة في سائر غزواته بنفسه، وزادت غزواته على الخمسين وقد مثلت عنوان جهاد مستمر كان يرمي إلى غاية عسكرية وسياسية فطنة هي تحطيم العدو ونشر مبادئ الإسلام في إسبانيا ومن معاركه التي أعدَّ لها أسطولاً بحرياً ليضرب الأفرنج في صميم معقلهم وفي صميم زعامتهم الروحية بغزو جليقية في سنة (387هـ) وتظهر في هذه المسيرة قوة البحرية الأندلسية وانتصاراتها فقد اخترق الأسطول أسبانيا الغربية وقد فِرَّتْ جموع غفيرة من الفرنج إلى الجزائر المقابلة (وكانت عظيمة استبشر بها المسلمون، وقرَّتْ نفوسهم، واهتزت لها أسبانيا من أقصاها إلى أقصاها) (45)، ونظم ابن دراج القسطلي(421هـ)في تهنئة المنصور بهذه الغزوة(غزوة شنتياقة)أو(شنت ياقب)46*.

قصيدة منها (47) : [ من البسيط ]

اليومُ أنكصَ إبليسٌ على عقبه
وحَلْبَةُ الدين والإسلام عاطِفَةٌ

مُبرَّءاً سَبَبُ الغاوين من سَببه
عليك كالفَلَك الجاري على قطبه

ويسجل التاريخ أروع صور البطولة في سنة (389هـ) في غزوة المنصور (نافار) ومواصلة الجهاد في العام التالي وصولاً إلى عاصمة (سرقسطة) من دون أن يجرؤ أحد من الفرنج على الوقوف في سبيله (48)، ويورد محمد عبد الله عنان في ضوء هذه الانتصارات قول المؤرخ الأسباني (منديث بيدال) معلقاً على عصر المنصور: (عاش الإسلام في أسبانيا أروع أيامه وأسطعها وانتهى نصارى الشمال إلى حالة دفاع كانت مقرونة بالمحن، ولاح كأنهم لم يعيشوا إلا لتأدية الجزية والسلاح والأسرى والمجد للخلافة الأموية)(49) .

ويقول ابن الخطيب عن هذه الانتصارات : (ونَصَرَ الله المسلمين نصراً ما سُمِعَ بأعظم منه، واستشهد في هذه الوقيعة من صفوف المدوَّنة وغيرهم أزيد من سبعمائة رجل وذلك (سنة 390هـ) ))(50) .

ونصل إلى النصف الأول من القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، عقب انهيار الخلافة الأموية، والدولة العامرية واستحالت الأندلس إلى أشلاء ممزقة وولايات متباعدة متخاصمة حيث قامت على انقاضها دول عديدة هزيلة هي دول الطوائف، وبعد أن التجأ الأندلسيون إلى أخوانهم المسلمين في عدوة المغرب، وانقاذ الأندلس بعد مجيء جيوش المرابطين سنة (479هـ- 1086م) تم دخول المرابطين ثانيةً لا، لنصرة الأندلس وإنما لاحتلالها وضمها إلى دولة المغرب تحت الحكم المرابطي لعدم قدرة المعتمد بن عباد (51) دفع ضرر ملك قشتالة، مما اضطره إلى عبور البحر لمقابلة يوسف بن تاشفين (52) أمير المرابطين ليستنصره بنفسه للجهاد وإنقاذ الأندلس (53)، وبعد استجابة زعيم المرابطين (بدأت الجيوش المرابطية تعبر البحر من سبتة تباعاً إلى ثغر الجزيرة، وما كادت السفن تتوسط ماء مضيق جبل طارق تتقدمها سفينة يوسف، حتى نهض الزعيم المرابطي ومدَّ يديه نحو السماء قائلاً: (اللهَّم إنْ كنت تعلم أن جوازي هذا خيراً وصلاحاً للمسلمين فسهل عليَّ جواز هذا البحر) (54) .

ومن شرق الأندلس تظهر مسيرة خيران العامري (421هـ) وإخضاعه مدينة مرسيه وانتزاعها من أفلح الصقلبي سنة (405هـ) وغَدَت المرية منذ ذلك الحين قاعدته الرئيسة، ويسجل أبو عمر بن دراج القسطلي هذه الأحداث بقصيدته المشهورة(55) : [ من الطويل ]

لكَ الخيرُ قدْ أوفى بعهدكَ خيران
إليك شحَنَا الفُلكَ تهوَي كأنها

وبشراك قد آواك عزُ وسلطان
وقد ذعرت عن مغرب الشمس غربان

وننتقل إلى مجاهد العامري (401-411هـ) أكبر زعماء العامريين وقد نشأ وتربى في عهد المنصور بن أبي عامر (326-392هـ)، وكان فيما يبدو بحاراً مجرباً، ويرى أن مملكته الساحلية دانيه والجزائر الشرقية، وأملاكه البحرية تقتضي أن يكون اعتمادها على الأساطيل قبل كل شيء، لذا جَدَدَ دار صناعة السفن وأعاد للأسطول البحري عافيته، إذ استطاع في مدة قصيرة أن ينشئ أسطولاً كبيراً وغدت دانية فيما بعد أعظم مركز للأساطيل الأندلسية، وعلى يديه تم فتح سردانيه سنة (406هـ) بعد أن حَشَدَ أسطولاً قوامه مئة وعشرون سفينة (56)، ويذكر عنان بأنه من أذكى الملوك وأعظم بحارة عصره: (أن مجاهداً كان من أذكى ملوك الطوائف ... وقد رأينا مما ذكرناه في غزوة ميورقة وغارات مجاهد البحرية على الشواطئ الفرنسية والإيطالية إن مجاهداً كان كذلك بحاراً من أعظم بحارة عصره، وكان من أكثرهم تمرساً بالحروب والغارات البحرية ))(57).

وإن ذهب العلامة (دوزي) إلى أن مجاهداً من أعظم القراصنة في عصره، أرى أنه لم يكن قرصاناً، وإنما كان مجاهداً مدافعاً عن وطنه (58) .

والأفرنج يسمون مجاهد العامري ؛ موجيت Mujet وكان اسمه يلقي الرعب في سكان كورسيكا وسردانية وبيزه وجنوه، وكانت غارات المسلمين على سواحل فرنسا تتوالى ولا تغيب إلى أن اشتدت قوة فرنسا البحرية (59) .

وفي تاريخ المسيرة البحرية يظهر يوسف بن تاشفين (510هـ) وهو يعبر البحر إلى الأندلس للمرة الثالثة (483هـ) لا، لنصرة الأندلسيين وتعزيز قوتهم البحرية ولا دفاعاً عن المسلمين وإنما ليقضي على أمراء الأندلس وعلى دولهم المنحلة المفككة وليستولي على غرناطة ثم على اشبيلية للقضاء على دولة بني عباد (60) .

أذكر وصفاً للسفن التي أُعدّتْ لنقل المعتمد بن عباد، لا وصفاً لانتصارات الأسطول الأندلسي، ذلك بعد سيطرة المرابطين ونفي المعتمد إلى إغمات في المغرب: (سارت السفن من أشبيلية في نهر الوادي الكبير في طريقها إلى العدوة في مناظر تذيب القلب حزناً وأسىً وضَجَّت جموع الشعب الغفيرة التي احتشدت على ضفتي النهر لوداع المعتمد بالبكاء والنواح )(61) .

ويؤرخ أبو بكر ابن اللبانة (507هـ) شاعر المعتمد لهذا الحدث في قصيدة طويلة منها (62) : [ من البسيط ]

والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا
سارتْ سفائنهم والنوح يتبعها
كم سال في الماء من دمعٍ وكم حملت

من لؤلؤ طافيات فوق أزباد
كأنها إبل يحدو بها الحادي
تلك القطائع من قطعات أكباد

Page 8

وأن عَبَرَ طارق بن زياد المضيق في أربع سفن فاتحاً الأندلس، وأحرق
-كما يُروى- سفنه بعد عبوره - والله اعلم -، فإن سفن معز الدولة سنة (484هـ)، لم تعد للفتح والانتصار وإنما أُعدَّت للهزيمة والفرار، فقد (بادر الأمير معز الدولة باتخاذ أهبة الفرار، ثم ركب في أهله وأمواله في ثلاث سفن أعدها لذلك وأحرق السفن الباقية خشية المطاردة واستطاع مغادرة المرية قبل أن يطوقها المرابطون في رمضان (484هـ- 1091م) )(63) .

ونتجاوز كثيراً من انتصارات الأسطول المرابطي لنصل إلى نتائج معركة الزلاقة التي أدت إلى أن ينعم المسلمون بعدها بحياة جديدة في إسبانيا امتدت إلى أربعة قرون، ومهدت السبيل لسيطرة المرابطين على الأندلس وجعلت منها ولاية مغربية زهاء مئة وخمسين عاماً (64) .

وننتقل إلى انتصار الموحدين على المرابطين سنة (541هـ)، إذ سار الموحدون لاحتلال أشبيلية وحاصرتها من البحر سفن الأسطول الأندلسي، وسرعان ما اقتحم الموحدون المدينة وفرَّ المرابطون، واستولى الموحدون على غرناطة بدون حرب وقد حاصروا المرية براً وبحراً بمشاركة أسطول سبته الموحدي وأرغمت المرية على التسليم سنة (552هـ) وعادت إلى سلطان المسلمين بعد أن أحتلها الفرنج عشرة أعوام(65).

وتشير مسيرة البحرية الأندلسية إلى عبور الخليفة عبد المؤمن إلى الأندلس سنة (555هـ) بعدِّها جزءاً لا يتجزأ من الأمبراطورية التي نذر الموحدون أنفسهم عليها، وقد سجل عبد المؤمن انتصاراته وفتح الأندلس وتسلم غرناطة بدون قتال، يقول (66) : [ من الطويل ]

ولَمَّا قَضينا بالمشارق أمرنا
وأشرقت الشمسُ المنيرةُ فوقنا
أشرنا بأعناق المطي إليكم

وتمَّ مراد الله في كل مطلب
وأصبحَ وجهُ الأرض غير مُحَجَّب
فطار بها شأو السرور بمغرب (67)

ثم أمر الخليفة عبد المؤمن بتحصين قاعدة جبل طارق وعبر إليها بعد اكتمال بنائها وأمر باستدعاء الشعراء وكان يوماً عظيماً من أيام الشعر والشعراء، ومن القصائد التي أعجب بها عبد المؤمن قصيدة الشاعر ابن جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد، منها (68) : [ من الطويل ]

تَكَلَّم فقد أصغى إلى قولك الدهرُ
ورُمْ كلَّ ما شئتهُ فهو كائن
وحَسْبكَ هذا البحر فألاً فإنه

وما لسواك اليوم نهيّ ولا أمرُ
وحاول فلا برٌّ يفوت ولا بحرُ
يقبل تراباً داسهُ جيشك الغمرُ

وتصل مسيرتنا التاريخية إلى انهيار الأندلس وسقوط قواعدها الكبرى عند ذاك تحول الدفاع عن أمة الأندلس إلى معارك داخلية وصراعات شخصية، بل إلى مصانعة وتسليم إلى الفرنج، مما دعا الأمير محمد بن يوسف بن هود إلى الانضمام تحت راية الخلافة العباسية، وكان يعمل على تحرير الأندلس من الموحدين ومن عدوان الفرنج، وفعلاً حصل ابن هود على مرسوم توليته على الأندلس من الخليفة المستنصر بالله العباسي سنة (630هـ) بعد التاريخ هذا توالت حوادث سقوط القواعد الكبرى،ففي سنة (633هـ) سقطت قرطبة عاصمة الخلافة القديمة وكبرى قواعد الأندلس بدخول الجند القشتاليين بعد أن حكمها المسلمون منذ افتتاحها سنة (92هـ)(69)، ثم سقوط بلنسية الذي ما كان ينفع فيه استصراخ ابن الابار (ت 658هـ) 70*، للسلطان الأندلسي الأمير أبي زكريا الحفصي لنجدتها، في قصيدته المشهورة.

ومنها قوله : [ من البسيط ]

أدْرِك بخيلك خيلَ الله أندلسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست

إن السبيل إلى منجاتها درسا(71)
فلم يزل منك عـز النصر ملتمسا

وفي سنة (646هـ) تسقط حاضرة الأندلس العظمى أشبيلية بعد أن حكمها المسلمون منذ افتتاحها على يد موسى بن نصير، وسقوط اشبيلية بعد قرطبة يُعدُّ تصفية نهائية لسلطان الأندلس، ونذيراً لسقوط سائر القواعد، ولاسيما قواعد الغرب التي أصبحت معزولة عن بقية القواعد الأندلسية (72) .

بعد هذه الضربات الشديدة لسلطان الموحدين في الأندلس، تظهر مملكة إسلامية جديدة في جنوب الأندلس هي مملكة غرناطة ويرجع قيامها في جنوب الأندلس إلى عوامل جغرافية وتاريخية (واستحال الوطن الأندلسي الذي كان قبل قرن يشغل نصف الجزيرة الأسبانية إلى رقعة متواضعة هي مملكة غرناطة)(73)، وفي رثاء الأندلس نظم الشاعر أبو الطيب صالح بن شريف الرندي (684هـ) مرثيته الشهيرة (74): [ من البسيط ]

لكل شيء إذا ما تمَّ نقصان

فلا يُغَرُ بطيب العيش إنسان

تولى ولاية مملكة غرناطة، محمد بن يوسف بن الأحمر سنة (635هـ)، بعد حوادث عديدة، وكان من غرائب القدر أن هذه المملكة الإسلامية الصغيرة استطاعت أن تعيد لمحة من مجد الأندلس الذاهب، وأن تسهر على تراث الإسلام في الأندلس زهاء مئتي وخمسين عاماً أخرى (75) .

وبخصوص البحرية الإسلامية الأندلسية في مملكة غرناطة فقد اجتاح أراضي قشتالة السلطان أبو يوسف المنصور بعبوره إلى الأندلس للمرة الرابعة وزحفه إلى أراضي النصارى عام (684هـ) وخضوع ملك قشتالة إلى شروط المنصور، وفي سنة (713هـ) تولى السلطان أبو الوليد إسماعيل عرش غرناطة واستولى على مدينة بيّاسة الحصينة سنة (724هـ)، واسترد ولده أبو عبد الله محمد بن الأحمر سنة (733هـ) مضيق جبل طارق بعد بقائه في حكم النصارى (24) عاماً (76) .

ظهرت مملكة غرناطة بمظهرٍ من القوة لم تعرفه من قبل وذلك في أثناء حكم الغني بالله سنة (768هـ) حيث توالى زحف المسلمين على معاقل العدو وتم تحرير بعض المدن آخرها مدينة جيان، وسار الغني بالله سنة (769هـ) إلى الجزيرة الخضراء وحاصرها وأرغم النصارى على إخلائها (77) .

من هذا العصر المليء بالسؤدد والرخاء، انتقل متجاوزاً ملوكاً تعاقبوا على حكم غرناطة بين قوي وضعيف إلى الفصل الأخير من الصراع بين النصرانية والإسلام في إسبانيا، ولم يكُ ثمةَ شك في نتيجة هذا الصراع الذي أعد له الأفرنج العدة الحاسمة، بلدٌ إسلامي هو البقعة الباقية من دولة عظيمة يحيط به العدو كالموج من كل صوب، كان هذا موقف غرناطة آخر الحواضر الإسلامية بالأندلس وتم حصار غرناطة لمدة سبعة أشهر في صيف (896هـ-1491م)(78).

دبَّ اليأس في قلوب الناس جميعاً ونضبت الأقوات والمؤن، واشتد البلاء بالناس وغاض كل أمل في تلقي الأمداد من عدوة المغرب، وأصبح الشعب لا يقوى على تحمل ويلات الدفاع ولم يبق سوى التسليم أو الموت واتفق الجميع على وجوب التسليم، وانتهى الأمر بملك غرناطة أبي عبد الله الزغيبي ووزارئه والقادة إلى اختيار التسليم بعد مفاوضة ملك قشتالة وينقل محمد عبد الله عنان: (ولما رأى الزغيبي أبو عبد الله أن مدينة غرناطة لا تستطيع دفاعاً... ونزولاً على رغبة السواد الأعظم من الشعب ... أرسل يطلب الهدنة من الملكين الكاثوليكيين لكي يستطيع خلالهما أن يتفاهم على شروط الصلح التي يمكن التسليم بمقتضاها))(79) .

تم تسليم غرناطة وأطلقت المدافع تدوي في الفضاء ثم انطلقت فرقة الرهبان ترتل صلاة (الحمد لله) (The Deum Laudamus) على أنغام الموسيقى وهكذا كان كل ما هناك يؤكد الصفة الصليبية العميقة لهذه الحرب التي شهرها الأفرنج على الأمة الأندلسية وعلى الإسلام في إسبانيا في 2 ربيع الأول عام (897هـ 2 يناير عام 1492م) .

أُختم هذه المأساة المروعة بموقف أبي عبد الله الزغيبي بعد أن تم تسليم مفاتيح الحمراء إلى الملك فرناندو، فقد أشرف على منظر غرناطة فوقف يسرح بصره لآخر مرة في هاتيك الربوع فانهمز في الحال دمعه وأجهش بالبكاء، فصاحت به أمُّه عائشة (أجل فلتبكِ كالنساء ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال)وتذكر الرواية التاريخية الإسبانية كما يرويها محمد عبد الله عنان أن تلك الأكمة التي كانت مسرحاً سُمِيَّت باسم شاعري مؤثر (زفرة العربي الأخير)
El Ultimo suspiro delmoro واستطيع أن أعدَّ هذه المأساة نتيجة طبيعية لسوء تصرف حكام الأندلس منذ عهد الطوائف وحتي دولة بني الأحمر في غرناطة، وتكالب الحكام على السلطة والزعامة أو الانغماس في اللهو والمجون(80)، فضلاً عن كثرة الصراعات التي امتدت طويلاً بين المسلمين والفرنجة، وكان لهذه المأساة المروعة الأثر البالغ في قلوب الشعراء والأدباء (وانسكبت في عواطفهم الآلام والمواجع، ونظروا إلى تقلب الأحوال بعين التشاؤم)(81) .

إلا أن هذه المحنة الغامرة لم تثر وحي الشعر ذلك أن دولة الشعر الأندلسي كانت قد انهارت منذ زمن بعيد، وتحطمت الأقلام وعقدت المحنة كل لسان، ومع ذلك فقد صدرت في رثاء أمة الأندلس الإسلامية نفثات قوية تهز أوتار القلوب .

وإذا كُنَّا قد أسهبنا في هذا العرض التاريخي فشفيعنا في ذلك رسم صورة واضحة عن الأسطول الإسلامي (البحرية الأندلسية) تعين على تتبع مراحل قوة الأسطول في أُمة الأندلس، ومن هذا التاريخ ننفذ إلى موضوع دراستنا في الأندلس من أوسع أبوابه، (البحرية الإسلامية في الشعر الأندلسي) في معارك الجهاد ليكون مفتاحاً آخر لمعرفة هذا التاريخ .

Page 9

الفصل الأول : مفهوم البحرية في اللغة والتاريخ والتراث العربي

المبحث الأول: البحر لغة واصطلاحا ومفاهيم أدبية وجغرافية.

المبحث الثاني: البحر في التراث العربي قبل الإسلام

المبحث الثالث: البحر في القرآن الكريم

المبحث الرابع: البحر في التراث العربي الإسلامي.

Page 10

المبحث الأول : البحر لغةً واصطلاحاً ومفاهيم أدبية وجغرافية

إذا ذكر البحر فلا بد من ذكر السفن والمراكب، مع أن القرآن الكريم يقرن بينهما في أكثر من موضع؛ كقوله تعالى في سورة إبراهيم: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ (82) وقوله في سورة إبراهيم: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ(83) وقوله تعالى في سورة الإسراء: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ(84) ومن هنا يقتضي موضوعنا استحضار مفهوم البحر والسفن والفلك لغةً واصطلاحاً، ومفاهيم أدبية وتاريخية وجغرافية فقد تناول ابن منظور مفهوم البحر لغةً، يقول:

بَحَرَ: البَحْرُ: الماء الكثير، ملحاً كان أو عذباً، وهو خلافُ البَرِّ، سمي بذلك لعمقهِ واتساعهِ، قد غلب على الملح حتى قل في العذب، وجمعه أبحر وبحور وبحار. وماءٌ بحرٌ: ملح، قل أو كثر (85). وسمي البحر بحراً لسعته وانبساطه، ومنه قولهم أن: فلاناً لبحرٌ أي واسع المعروف؛ قال: فعلى هذا يكون البحر للملح والعذب (86).

وقد أجمع أهلُ اللغة أن اليَمَّ هو البحر. وجاء في الكتاب العزيز: فأَلْقِيهِ في اليَمَّ؛ قال أهل التفسير: هو نيل مصر. والمنقول عن السهيلي وابن سيدة: وكل نهرٍ عظيم بحْر. الزجاج: وكل نهرٍ لا ينقطع ماؤه فهو بحر. قال الأزهري: كل نهر لا ينقطع ماؤه مثلُ دجلة والنيل وما أشبههما من الأنهار العذبة الكبار، وسميت هذه الأنهار بحاراً لأنها مشقوقة في الأرض شقاً. ويسمى الفرس الواسع الجري بحراً (87)؛ ومنه قول النبي عندما ركب فرساً لأبي طلحة، فلما رجع قال: (وجدنا فرسكم هذا بحراً)، فكان بعد ذلك لا يجارى (88).

والعرب تسمي المدن والقرى: البحار. وفي الحديث: وكتب لهم ببحرهم؛ أي ببلدهم وأرضهم وبنات بحرٍ؛ ضربٌ من السحاب. (وكانت أسماء بنت عميس يقال لها البحرية لأنها كانت هاجرت إلى بلاد النجاشي فركبت البحر، وكل ما نسب إلى البحر، فهو بحري)(89).

أما الصغاني، فيأتي بمعانٍ للبحر منها:

البحرةُ: المنخفض من الأرض، ويقال للروضة: بحره، وقال الليث إذا كان البحر صغيراً؛ قيل له: بحيرة، ويقال للحارات والفجوات: البحار.

وقيل البحار: الارياف. وذو بحار: أرض سَهْلةٌ تحفها جبال.

والباحر: الكذاب، والباحر: الفضولي. وأَبْحَر الرجلُ: إذا اخذه السِّلُّ، وأبحر: إذا اشتدت حمرة آنفه. وأبحرَ، إذا صادف إنساناً على غير اعتماد وقصد لرؤيته. وأبحرت الأرض، إذا كثر مناقع الماء بها. والبحار: الملاح. والبحارة: الجماعة والبحور من الخيل: الذي يجري فلا يعرق، ولا يزيد على طول الجري إلا جودة (90).

وجاء في المعجم الوسيط: (بَحِرَ) – بَحَراً: رآى البحرَ ففرق ودهش. و –أكثر من الشرب فأصابه داء البحر. (البحري): الملاح و – كل منسوب إلى البحر (91).

وجاء في المنجد؛ البَحْرُ: ج أبحُر و بحور و بِحَار تصغيره (أُبيْحرِ: الماء الملح. (البحر المحيط) هو المحيط بالقارات الخمس (92).

أما (البحر هو جهنم) فهذا حديث شريف فيه معنى البحر: جهنم أو النار(93)، وبعد تأمل للحديث الشريف رجعت إلى الآية الكريمة:وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (94) والآية الكريمة: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (95)، فمعنى (البحر المسجور)، (أي الموقد، من السجر، وهو إيقاد النار في التنور، وقد روي أن البحار تسجر يوم القيامة فتكون ناراً )(96).

أما الآية الكريمة:وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ أي: (أوقدت فصارت ناراً تضطرم)(97).

وبهذا المعنى والرسول لا ينطق عن الهوى يكون معنى البحر، جهنم، أو النار كما جاء في الحديث الشريف.

أما مفهوم البحر اصطلاحاً جغرافياً فـ(هو جزء من محيط يكون مسطحاً مائياً واسعاً، يتصل بهذا المحيط كالبحر المتوسط والبحر الأحمر والأسود، وبحر الشمال)(98).

ومفهوم السفن والفلك كما أوردها ابن منظور يقول: سَفَنَ: السَّفْنُ: النشر. سفن الشيء يسفنه: قشره (99).

والسفينة الفلك لأنها تسفن وجه الماء أي تقشره، وقيل لها سفينة لأنها تسفن الرمل إذا قل الماء. قال: ويكون مأخوذاً من السفن وهو الفأس التي ينحت بها النجار. وقيل سميت السفينة سفينة لأنها تسفن على وجه الأرض أي تلزق بها، قال ابن دريد: سفينة فعيلة بمعنى فاعلة كأنها تسفن الماء أي تقشره والجمع سفائن وسفن وسفين. قال عمرو بن كلثوم:

ملأنا البر حتى ضاق عنا

وماء البحر نملؤه سفينا (100)

والسفان صانع السفن وسائسها. وحرفته السفانة ابن السكيت: السفن والمسفن والشفر أيضاً قدوم تقشر به الاجذاع.

والسفن: جلدٌ أخشن غليظ كجلود التماسيح يكون على قوائم السيوف. أبو عبيد: السوافن الرياح التي تسفن وجه الأرض كأنها تمسحه. والسفينة: اسم وبه سمي (عبد) أو (عسيف) متكهن كان لعلي بن ابي طالب. وأخبرني أبو العلاء أنه إنما سمي سفينة لأنه كان يحمل الحسن والحسين أو متاعهما، فشبه بالسفينة من الفلك. (101) أما فلك: الفلك (102): مدار النجوم والجمع أفلاك وفَلَكُ البحر: موجه المستدير المتردد. وقال أبو عبيد: وقال بعض العرب الفلك هو الموج إذا ماج في البحر فأضطرب. والفلك موج البحر. والفلك: جاء في الحديث أنه دوران السماء. والفلك: اسمٌ للجمع؛ قال سيبويه: وليس يجمع. والفلك، بالضم: السفينة تذكر وتؤنث وتقع على الواحد والأثنين والجمع، قال الله تعالى في التوحيد والتذكير: في الفلك المشحون، فذكر الفلك وجاء به موحداً، ويجوز أن يؤنث واحده كقوله تعالى: جاءتها ريح عاصف، وقال: وترى الفلك فيه مواخر، فجمع، وقال تعالى: والفُلْك التي تجري في البحر، فأنَّثَ ويحتمل أن يكون واحداً وجمعاً، وقال تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ(103) فجمع وأنَّث فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر وإلى السفينة فيؤنث، وقال الجوهري: إذا جعلت الفلك واحداً فهو مذكر لا غير، وإن جعلته جمعاً فهو مؤنث لا غير (104).

وزاد صاحب المعجم الوسيط على معاني السفينة. (السفانة): اللؤلؤة، ويقال للإبل سفائن البَرِّ (105).

ومفهوم الأبحار، فهو: (ركوب البحر على سفينةٍ أو نحوها، وهو أمر عريق في القدم)(106).

ويرى الكاتب أن الذي ساق الإنسان إلى ركوب البحر رؤيته سير الأشجار أو جذوعها على ظهر الماء؛ فحاول حينئذٍ صنع شيء يتخذه من الخشب ليركبه ويسير به على الماء، تحدياً لما رأى، وقد انتقل الأبحار إلى طور النشوء البين، منذ أن أوحى الله إلى نوح (107) في قوله تعالى: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ (108)،

أمْا اشتقاق كلمة البحرية؛ فقد آشتق العرب كلمة (البحرية) من البحر، وهي كلمة تطلق على جميع السفن التي تملكها الدولة لغرض الحرب أو التجارة(109). وهذا ما جاء في المعجم الوسيط: (البحرية) عده الدولة في البحر من سفن وغواصات وطائرات وجنود ونحو ذلك (110).

أما مفهوم (أدب البحر) اصطلاحاً، فيقصد به (الأدب الذي يستهدف التعبير عن عالم البحار والذي يكون البحر موضوعه الرئيس... وهو أدب هام يشكل جزءاً أساسياً من تراث البشرية، وحضارتها فيضم الأسطورة والملحمة والشعر والحكاية الشعبية وأدب الرحلات البحرية والقصة والرواية)(111).

ولنا مع نشأة السفن وركوب البحر وقفة يتوضح من خلالها؛ أول من صنع السفينة، وأول من ركب البحر، في هذا يقول أحمد بن ماجد: (أول من ركب البحر، وأول من رتب أسبابه، وأول من صنع السفينة، نوحٌ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، بإشارة من جبريل عن الباري ، وقد رتب السفينة على صفة خمسة أنجم من بنات نعش الكبرى)(112) ويذكر الكاتب (فلما أستوت السفينة وتعلمت الناس صنعة السفن على جميع سواحل البحر في جميع الأقاليم التي قسمها نوح بين أولاده يافث وسام وحام – وهو آدم الثاني – فصار كل يعمل السفن في البحران والخلجان وأطراف البحر المحيط، حتى انتهت الدنيا لعصر بني العباس. فكان استقامة ملكهم ببغداد، وهي عراق العرب، وكان خراسان جميعه لهم) (113) وقد نظم ابن ماجد ارجوزة سماها بـ(حاوية الاختصار في أصول علم البحار) يبدؤها بـ [البسملة و الحمد له] بعدها يقول:[من الرجز]

يا أيها الطالب علم اليم
في العلم والهيئة والحساب

إليك نظماً يا له من نظم (114)
وما هو استنبط للصواب

وعلى ما ورد في القرآن الكريم من نظريات جغرافية لنا وقفه مع كراتشكوفسكي وبعض النظريات الجغرافية في البحر، وكان لها عند علماء الغرب اهتمام كبير، فقد جاء في كتاب (تاريخ الأدب الجغرافي ) لعل النظرية القائلة بوجود بحرين تكاد تكون أعسر مشكلة في الأدب الجغرافي على الإطلاق، وقد وردت الإشارة إليها أكثر من مرة في القرآن الكريم وإن هذين البحرين يفصل بينهما برزخ يمنع تمازجهما وسرعان ما ظهرت الفكرة القائلة بأن المراد من هذا هو البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي بخليجه الذي يتمثل في البحر الأحمر وأن البرزخ المقصود هو برزخ السويس)(115) وقد ذكر المؤلف تفسير الآية القرآنية مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (116).

يقول: (أشار القرآن إلى أن أحد هذين البحرين (عذب) وأن الآخر (ملح)(117) ويذكر تفسير جديد للمستشرق فنسنك يقول: (فهو يلاحظ أن الآيات القرآنية المتعلقة بهذين البحرين تفترض وجود محيط سماوي، وهي فكرة متداولة بين الساميين الغربيين western semites وعرفها محمد ولو بصورة مبهمة))(118)
ويورد المؤلف أيضاً رأياً آخر لأحدهم يقول: (وقد بنى مجيك Mzik تفسيره على آية في القرآن [الكريم] لم تكن قد اجتذبت حتى تلك اللحظة أنظار الباحثين في نظرية البحرين ففي الآية 18 يدور الكلام على (مجمع البحرين) حيث ذهب موسى باحثاً عن (الماء الحي))(119).

وفي موضع آخر من القرآن – كما ذكر المؤلف – غلب فيه الجانب البلاغي دفع إلى ظهور نظرية عن البحار السبعة لم تلبث أن انعكست في الأدب الجغرافي وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (120) من الواضح جيداُ إن الإشارة إلى البحار السبعة تمثل بدورها – كما يرى المؤلف – ترجمة دقيقة لحكمة عبرية (121)، إلا أن المؤلف سرعان ما يعترف بحقيقة ما جاء في القرآن الكريم، يقول: (بيد أن هذا لم يمنع بقية الجغرافيين، بل وأحياناً العلماء الأوربيين من الكلام عن سبعة بحار مختلفة في القرآن)(122).

فإن حارتِ النظريات في قدرة الله في ذكر (سبعة بحار) و(كلمات ربي) فليعلم أصحاب تلك النظريات وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (123) وهم لا يعلمون مفاتيح خزائن الغيب (لا يعلمها إلا هو) ولا علم لأحدٍ من خلقه بشيءٍ من الأمور الغيبية التي أستأثر الله بعلمها، وهذا ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم)(124) وهذا ما حدا الجغرافيين والعلماء الأوربيين إلى الكلام في نظرية القرآن الكريم عن سبعة بحار.

أما مفهوم السفينة وركوب البحر في المنظور الأدبي نثراً وشعراً، فننتقل من صورة السفينة125* كوكباً (126) إلى صورتها وقد رديت بالقار، يذكر النويري: (وكأن العشاريات وقد رديت بالقار، وحليت باللجين والنضار، عرائس منشورة الذوائب، مخضوبة الحواجب، موشحة المناكب،.... أو طواويس أبرزت رقابها ونشرت اجنحتها وأذنابها، وكأنها إذا جدت في اللحاق، نوافر نعام، أو حوافل أنعام، أو عقارب شالت بالإبر أو دهم الخيل واضحة الحجول والغرر)(127) وينتقل إلى وصف المجاذيف: (وكأن المجاذيف طير تنفض خوافيها أو حبائب تعانق حبائب بأيديها)(128) وزاد في وصف السفينة يقول وهو يشبهها بجواد (....جواد يقطع البحر سبحاً، ويكاد يسبق الريح لمحاً، لا يحمل لجاماً ولا سرجاً، ولا يعرف غير اللجة سرجاً، فلله من جواد له جسم وليس له فؤاد، يخترق الهواء ولا يرهبه ويركض في الماء ولا يشربه)(129).

أما المقري فيرى في ركوب البحر وأهواله، يقول: إلى أن ركبنا البحر، وشاهدنا من أهواله... فسمعنا للجبال صفيراً، وللرياح دوياً عظيماً وزفيراً، والموج يصفق لسماع أصوات الرياح فيطرب بل ويضطرب، فكأنه من كأس الجنون قد شرب، والشراع في قراع مع جيوش الأمواج التي امتدت منها الأفواج بالأفواج، ونحن قعود كدود على عود. إلى أن يقول: إذا البحر وحده لا كمي يقارعه ولا قوي يصارعه ولا شكل يضارعه.(130)

وللبحر وركوبه وسفنه معانٍ في لغة الأدب شعراً منها: [ من السريع ]

وزاخرٌ ليسَ لهُ صولةٌ
فهو إذا ما سكنت ساكنٌ

إلاّ إذا ما هَبَّتِ الريحُ (131)
كأنما الريح له روح

وينقل النوري نصاً طويلاً لأحد الشعراء في البحر والسفن منه: [ من الخفيف ]

لم نزل مشفقين مذ قيل:سارت
أصلها البر وهي ساكنة في البحر

بك دهمٌ قليلة الأوضاحِ (132)
سكنى اقامة لا براَحِ

هي في الماء وهي صفر من الماء
وثراها في اللجِّ ذات جناحين
والداتٌ مولَّداتٌ بلا حلِ
شرعها البيض كالغمامات في الصيف

سوى نفح موجها النضَاحِ
وان لم تكن بذات جناحِ
نكاحٍ ولا حرام سفاحِ
صحاحاً منها وغير صحاحِ

فإذا البحر صالَ صالوا عليه
يكثرون الصياح حتى كأن السفن

بمواضٍ تمضي بغير جراحِ
تجري من خوف ذاك الصياحِ

وفي البيتين الأخيرين يشبه الشاعر الجنود داخل السزفينة ويقصد بهم الملاحين.