مقدمة الكتاب
الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه، وباسمه تعالى عليماً حكيماً، والصلاة والسلام على رسوله النبي الأمي رسول الهدى، وعلى آله وصحبه، وسلم.
بُعث الإنسان باحثاً، ومنذ فجر التاريخ، ومنذ عهد آدم، وتكون أول أسرة على الكرة الأرضية، وحيث قتل قابيل أخاه هابيل، واحتار كيف يتصرف بجثة أخيه، وإلى أن بعث الله له غراباً قتل غراباً آخر، وأخذ يبحث في الأرض، فحفر حفرة، ودفن جثته فيها، وقابيل ينظر، ويتعلم كيف يواري جثة أخيه. مصداق قوله تعالى: " فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ " المائدة 31.
إن هذه الآية تؤصل قضية بحث علمي تتعلق بجريمة قتل قانونية، وقضية اقتصادية، وقضية اجتماعية؛ وهكذا البحث العلمي عرفه الإنسان منذ فجر التاريخ.
إن البحث العلمي لا يتعلق بالإنسان فقط – وهكذا سنة الله في خلقه – فكل المخلوقات خلقت باحثة؛ لتسيير حركة حياتها، وضمان استمرارية بقائها، ومنها الحيوانات، والزواحف، والحشرات، والجراثيم، والفيروسات، والنباتات، والجمادات، والمياه، والذرة، والخلية حتى النواة فيها. وبالنسبة للإنسان، وهو أكرم المخلوقــــات، -وهو الذي يعنينا في هذا المقام- فإنه خلق باحثاً، وسيظل باحثاً استمراراً لبقائه عن طريق إشباع غرائزه الثلاثة، والتي بدونها لا تستقيم حركة حياته، وهي غريزة حب البقاء أي التملك، وغريزة النوع أي الجنس، وغريزة التدين أي العبادة. وإزاء تعقد شؤون الحياة اليومية للإنسان سياسية كانت أم معيشية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو علمية، أو ثقافية، أو تربوية، أو قانونية؛ فقد اقتضى الحال، وأضحت الضرورة، والحاجة ماسة لوضع قواعد، وأصول، ومبادئ، وبرامج، وخطط، ووسائل.
ومناهج يجب إتباعها لضبط حركة الحياة الإنسانية:-
1- فبالنسبة للشؤون السياسية: فقد كانت ممارستها سهلة، وتدور حول محور واحد تقريباً، وهو كيفية اختيار الحاكم. أما اليوم فالدساتير تنص على قواعد، وإجراءات عديدة لممارسة السياسة؛ ومنها الشروط التي يجب أن تتوفر في الحاكم، وكيفية اختياره، ومدة ولايته، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالوزراء، والقضاة، ورؤساء الأقسام، وشروط الناخبين، والمرشحين، وغيرها مما يصعب تحديده في هذا المقام.
2- وبالنسبة للشؤون الاقتصادية: فقد كانت ممارستها سهلة، وكان من السهولة بمكان أن تمارس مثلاً عمليات البيع، والشراء، والرهن، والزراعة، والصناعة، والتجارة، وغيرها. أما اليوم فإن الدساتير، والقوانين تنص على ضرورة التقيد بقواعد، وإجراءات، وشروط عديدة لممارسة النشاطات الاقتصادية: كإجراءات التوثيق لعقود البيع، والشراء، والرهن، والتسجيل، والترخيص، والرسوم...الخ.
3- وبالنسبة للشؤون الاجتماعية: فقد كانت تحكمها قواعد، وعلاقات اجتماعية سهلة. أما اليوم فإن الدساتير، والقوانين تنص على قواعد، وإجراءات، وشروط يجب إتباعها حتى تنضبط تلك العلاقات سواءً كان الأمر يتعلق بالزواج، أو الطلاق، أو الإرث، أو الحضانة، أو النفقة، أو وسائل التعامل مع المحاكم النظامية، والشرعية؛ وكذلك تنظيم النشاطات الرياضية: كتكوين الفرق، وشروط اللاعبين، وتنظيم المباريات...الخ.
4- وبالنسبة للبحث العلمي: فقد أصبحت له اليوم قواعد، وأصول، وشروط، وخطط، وعناصر، وخصائص، ومقومات، وأنواع، ومناهج، وغيرها من العناصر التي يجب أن يحيط بها الباحث عندما يتولى إعداد بحثه العلمي. إن إعداد البحث العلمي ليس عملية عشوائية كما يظن البعض، وإنما هي عملية دقيقة، ومحكّمة؛ وعلى اعتبار أن منهجية البحث العلمي تتناول قانون المحاولات الإعدادية، والكتابية المحكّمة، وضمن قواعد، ووسائل، وأساسيات يجب على الباحث إتباعها، وخاصة فيما يتعلق بجمع المادة العلمية، وتوفير المصادر، والمراجع، وصياغة البحث، وترتيبه، وفهرسته؛ وبالنسبة لمختلف العلوم الإنسانية، الأدبية النظرية، أو العلوم التطبيقية، الطبيعية، العملية. وضمن أصول، وقواعد هادية، ومنظمة لفكر الباحث، ومنسقة لذهنه في التناول، والدراسة، والإعداد السليم المحكّم، والدقيق لبحثه العلمي؛ وعلى اعتبار أن النشاط الذهني في البحث العلمي هو أهم، وأعقد النشاطات الفكرية في مختلف ميادين العلوم، والمعارف، وبحيث تبنّت الجامعات، وفي مختلف دول العالم عملية إعداد البحوث العلمية ضمن تكوين المهارات البحثية، والقدرات الذهنية، وخاصة لباحثي الدراسات العليا، وفيما يتعلق بأسس التفكير، والاطلاع، والتحليل، والشرح، والتعليق، والتبحر والتعبير، والاستنتاج، والنقد، وغيرها من قواعد الإعداد السليم للبحث العلمي سواءً كانت أثناء سنوات الدراسة الجامعية الأولى، أو سنوات الدراسات العليا.
ومن أجل تحقيق ذلك، ومساعدة الباحثين في مختلف العلوم قام كثير من أساتذة الفكر البحثي المنهجي في مختلف بلدان العالم، ومنها العربية، والإسلامية بتأليف كتب المنهجية المتعلقة بإعداد البحوث العلمية، ومعظمها كتب مترجمة، وخاصة عن الكتب المنهجية الأوروبية، والأمريكية، وكل كتاب منهجي خاص بعلم من العلوم، وأهمها التربوية والاجتماعية. وكثير منها ينقصه التحديد المتعلق بخطط، وكيفية إعداد البحوث العلمية مما صعب على الباحث ذلك الإعداد.
وتجنباً لصعوبات إعداد البحث العلمي، وتيسيراً، ومساعدة للباحثين في الإعداد بإتباع أقصر الطرق، وأسهلها، وبعيداً عن كل خلل، أو غموض، فقد قمت بتأليف هذا الكتاب "منهجية إعداد البحث العلمي". ومما ساعدني، وسهل عليّ عملي هذا خبرتي التدريسية لمادة مناهج البحث العلمي طيلة عشرات السنين في بعض الجامعات العربية، والإسلامية، وأخص بالذكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، وجامعة جرش الأهلية.
وقد راعيت في تأليف هذا الكتاب أموراً هامة، وعديدة، ورأيتها ضرورية لكل باحث ماجستير، أو دكتوراه، وأهمها:-
الأمر الأول- أنني ركزت على منهجيْ الاستقراء، والاستنباط شرحاً، وتحليلاً؛ على اعتبار أنهما أهم مناهج البحث العلمي على الإطلاق، ويعتبر الجمع بينهما في إعداد البحوث العلمية من أهم خصائص البحث العلمي، وأنه لا مندوحة لكل باحث من فهمهما، والإلمام بهما، وتطبيقهما في، وعند إعداد البحوث العلمية، ومهما كان نوعها.
الأمر الثاني- إن منهجية هذا الكتاب تتناول إعداد البحوث العلمية بالنسبة لجميع العلوم سواء النظرية الإنسانية الأدبية، أو التطبيقية العملية، أو الاقتصادية أو الاجتماعية كإطار عام لمنهجية علمية يستفيد منها جميع الباحثين في جميع الجامعات العربية، والإسلامية مهما كانت تخصصاتهم العلمية، ومهما كانت نوعية الموضوعات العلمية التي يبحثون فيها.
وقد ضمنت الدراسة في هذا الكتاب ثلاثة أبواب:
الباب الأول: مناهج البحث العلمي.
الباب الثاني: إعداد البحث العلمي.
الباب الثالث: إعداد بحث المخطوطة العلمي.
المؤلف
الأستاذ الدكتور غازي عناية
جامعة جرش الأهلية
مناهج البحث العلمي
مقدمة عن نشأة وأهمية منهج البحث العلمي.
الفصل الأول : التعريف بمنهج البحث العلمي.
الفصل الثاني : خصائص منهج البحث العلمي.
الفصل الثالث : أنواع مناهج البحث العلمي.
نشأة وأهمية منهجية البحث العلمي
تنبني هذه الأهمية على كون المنهج العلمي هو الأصل، بل الأساس في البحث، والتقصي للحقائق العلمية، ومن ثم كونه الكيفية، والطريق المحدد الذي يجب أن يسير الباحث عليه في إعداد بحثه.
وتنبني هذه الأهمية أيضاً على أن المنهج العلمي يكوّن الإطار العام للدراسة العلمية الهادفة، والجادة. وهو الأسلوب الأمثل في تقصي الحقائق، والنظريات، والكليات، والجزيئات، والفروع العلمية، ومن ثم هضمها، والإحاطة بها.
إن المسافر يجب أن يلتزم، ويسير، ويختار أقصر الطرق، وأمثلها، وأصحها؛ حتى يصل إلى مبتغاه المكاني.
وكذلك الباحث عليه أن يلتزم بالمنهج الصحيح، والقصير؛ ليصل إلى مبتغاه العلمي. فالمنهج طريق، ومسلك. وهو طريقة استعمال المعلومات، ووضعها في موضعها الصحيح. وهو الطريق السوي، والمسلك النافذ الذي يحكم الباحث، ويلزمه على اختيار الألفاظ، والكلمات، والتعبيرات، والتراكيب، والجمل، والمصطلحات، والأساليب، وربطها ببعضها بإحكام، وبشكل انسيابي يبتعد بها عن كل شذوذ في السياق التعبيري اللفظي.
إن المنهج العلمي أسلوب منظم لا غنى للباحث عنه، ولا انفكاك سواء فيما يتعلق بتنمية مواهبه، وقدراته الذهنية، أو فيما يتعلق بالتعبير عنها.
ومن نافلة القول: الادعاء بأن الأهمية تتأتى من كون المنهج طريقاً لا بد من السير فيه، وهو مسلك لابد من إتباعه في إعداد البحوث العلمية، والمحكّمة، وإلا فلا يمكن من الإعداد، وإن كان غير محكّم، يكون مهللاً، وهزيلاً منهجياً.
إن أهمية المنهج العلمي تتأتى أيضاً من كونه مرتقاً سامياً ترتقي به البحوث العلمية كمالاً، وإتقاناً، وإحكاماً؛ وتكسبه قوة، واحتراماً، وجودة، وجمالاً، ورونقاً.
فالمنهج يُعتبر مقياساً لجودة البحث، وهذه الجودة تتوقف على الالتزام به أي المنهج؛ لأنه ينبني على قواعد، وقوانين، ومضامين، ومؤشرات علمية إجرائية محددة تكسب البحث الدقة، والنظامية، والرونق الرفيع.
لا نبالغ لو قلنا: إن تقييم البحوث العلمية يستند إلى مدى الالتزام بالمنهج المتبع في الإعداد، وليس فقط إلى موضوع البحث، ومدى فهمه، أو هضمه، أو إلى تحديد مشكلته. فالمنهج يصنف بأنه الركن، والعنصر الأول من أركان البحث، وعناصره الرئيسة، إلى جانب الشكل، والموضوع.
وتأصيلاً لأهمية المنهج العلمي، وضرورته في إعداد البحوث العلمية، فقد تعدد، وتنوع هذا المنهج بتعدد، وتنوع العلوم، والمعارف: كونية، طبيعية، تطبيقية، أو أدبية، إنسانية؛ اقتصادية، اجتماعية، قانونية حتى أصبح لكل علم من هذه العلوم منهجيته الخاصة، والمتعلقة به. وحتى أصبح لكل عنصر، أو خطوة من خطوات البحث العلمي منهجيته، أو منهجيتها الخاصة بها.
التعريف بمنهج البحث العلمي
أولاً- التفسير الاشتقاقي اللغوي لمنهج البحث العلمي
يتكون الاصطلاح من ثلاث كلمات هي: كلمة منهج، وكلمة البحث، وكلمة العلمي.
أما كلمة منهج: فهي مصدر بمعنى طريق، مسلك. وهي مشتقة من الفعل نهج بمعنى طرق، أو سلك، أو اتبع. والنهج، والمنهج، والمنهاج تعني الطريق الواضح.([1])
وكلمة البحث: فهي مصدر بمعنى الطلب، التقصي. وهي مشتقة من الفعل بحث. بمعنى طلب، أو تقصى، أو فتش.
وكلمة العلمي: منسوبة إلى العلم، وهي بمعنى المعرفة، والدراية، والإدراك. والعلم يعني الإلمام بالحقيقة، والمعرفة بكل ما يتصل بها؛ بقصد إذاعتها بين الناس.
ثانياً- التعريف الاصطلاحي لمنهج البحث العلمي
وعلى ضوء ذلك يمكننا تعريف منهج البحث العلمي:
1- بأنه «الطريق أو الأسلوب الذي يسلكه الباحث العلمي في تقصيه للحقائق العلمية في أي فرع من فروع المعرفة، وفي أي ميدان من ميادين العلوم النظرية والعلمية» وهو تعريفنا المختار. ([2])
2- وبتعبير آخر فإن منهج البحث العلمي يعرف بأنه «سبيل تقصي الحقائق العلمية، وإذاعتها بين الناس».
3- وعرّفه دكتور عبد الوهاب أبو سليمان بأنه «استعمال المعلومات استعمالاً صحيحاً في أسلوب علمي سليم يتمثل في أسلوب العرض، والمناقشة الهادئة، والتزام الموضوعية التامة، وتأييد القضايا المعروضة بالأمثلة، والشواهد المقنعة دون إجحاف، أو تحيّز»([3]).
4- وقد تأصل اصطلاح المنهج في عصر النهضة الأوروبية. وأصبح يعرف بأنه «طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم».
5- وعرّفه بعض الفلاسفة الأوروبيين بأنه «فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة؛ إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون جاهلين بها، أو من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين».
6- وعرّفه البعض بأنه «الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة».
7- وبأنه «البرنامج الذي يحدد لنا السبيل للوصول إلى الحقيقة» أو «الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم».
8- وعرّفه آخرون بأنه «فن التنظيم الدقيق، والسليم للأفكار الذهنية للعقل البشري، ومن أجل كشف الحقائق المجهولة، أو برهنتها».
9- وبأنه «الأسلوب المتبع لدراسة موضوع معين؛ لتحقيق هدف معين».
10- وبأنه «المبدأ أو القانون، أو القاعدة التي تحكم أية دراسة علمية بالنسبة لأي علم من العلوم».
11- وبأنه «الأسلوب، أو الطريقة أو القاعدة التي تُتّبع في إعداد البحث العلمي».([4])
خصائص منهج البحث العلمي
الأولى- خاصية الاستنباط، والاستدلال
أي استنباط النتائج من المقدمات، والفروع من المبادئ، والجزيئات من الكليات. تستند هذه الخاصية إلى النظر، والتأمل، والتفكر، والتحليل، والاستنتاج، والسرد، والشرح للنظريات، والمبادئ، والقواعد العامة، والقضايا الكلية، والعناوين العامة المعروفة؛ومن ثم الوصول إلى نتائجها، وفرضياتها، وجزئيّاتها، وفروعها.
وتتعلق هذه الخاصية عادة، وبصورة أكبر بالعلوم الإنسانية، والأدبية، والشرعية، والقانونية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.
وتتعلق هذه الخاصية بما يُعرف بمنهج الاستنباط، أو الاستدلال.
الثانية - خاصية الاستقراء، والتجريب
أي استقراء العلوم، والظواهر، والحالات، والأشياء، ومن ثم إجراء التجارب بالنسبة إليها عند الضرورة.
وتستند هذه الخاصية إلى الملاحظة، والمشاهدة، والنظر، والتفحص، والتمعن، والتبحر في الظواهر، وجزئياتها، وفروعها، وفرضياتها؛ للوصول إلى نظرياتها، ومبادئها، وقوانينها العامة. أي التي تنتهي إليها تلك الجزئيات، والفروع.
وتتعلق هذه الخاصية بجميع العلوم تقريباً، وإن كانت بصورة أكبر بالعلوم الطبيعية، والكونية، والتطبيقية: كالطب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء، وعلوم الفضاء. وتتعلق هذه الخاصية أيضاً، ولكن بصورة أقل وضوحاً، بالعلوم الأدبية، والإنسانية، والاجتماعية، والاقتصادية والقانونية حيث لا تخضع دوماً للتجريب داخل المعمل أو خارجه. وتتعلق هذه الخاصية بما يُعرف بمنهج الاستقراء التجريبي، أو العلمي.
الثالثة- خاصية الجمع بين الاستقراء، والاستنباط
أي الجمع بين الملاحظة، والتحليل. فالاستقراء يعني ملاحظة الظواهر، وتفحصها، وتجميع البيانات عنها، وإن أمكن إجراء التجارب عليها داخل المختبر، أو خارجه، ومن ثم الوصول إلى صحة أو عدم صحة الظاهرة. أي إلى النتيجة التي يمكن تعميمها في شكل نظرية، أو قاعدة عامة، أو قانون، أو مبدأ عام، وبحيث يمكن تطبيقها على الظواهر، والحالات الأخرى المشابهة. فالاستقراء يعني ملاحظة الجزيئات، ومكونات، وعناصر الظاهرة ليصل في النهاية إلى النتيجة التي يمكن تعميمها في شكل نظرية كلية، أو قاعدة عامة.
وذلك بمعنى أن الاستقراء يبدأ بالجزيئات ليصل إلى الكليات.
أما الاستنباط: فيعني تحليل النظريات الكلية، أو القواعد العامة إلى أجزائها، ومعلوماتها، وفروعها؛ ليصل بها إلى صحة فرضياتها أي أجزائها، والتي يبدأ بها عادة منهج الاستقراء.
وذلك بمعنى أن الاستنباط يبدأ بالكليات ليصل إلى الجزيئات.
إن الاستقراء يتناول أيضاً النظريات العامة، ولو بصورة أقل. والاستنباط يتناول الجزيئات أيضاً ولو بصورة أقل. وكنتيجة منطقية لهذا التحليل بإمكاننا القول:
إن الاستقراء = الظاهرة + البيانات = نظرية
وإن الاستنباط = نظرية + بيانات = ظاهرة.
وبمعنى أن الاستقراء يقود إلى الاستنباط.
وإن الاستنباط يقود إلى الاستقراء.
فلا بد من الجمع بينهما عندما يُستخدم المنهج العلمي في دراسة الظواهر، والعلوم الكونية، والطبيعية، والظواهر، والعلوم الاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية. وبالتالي لا يمكن للباحث أن يُعد بحثاً علمياً استنباطياً مستقلاً، أو أن يُعد بحثاً علمياً استقرائياً مستقلاً؛ فالتلاحم بين المنهجين لا انفكاك له خاصة أنه يتحقق بالنسبة للعلم الواحد، أو الموضوع الواحد. فمنهج الاستقراء، وإن استند إلى الملاحظة، وبدأ بالجزيئات، والنتائج، والفروع العلمية، فهو يستند إلى التحليل أيضاً، ويتناول الكليات، والنظريات، والمقدمات، والمبادئ العامة.
ونفس الشيء فإن منهج الاستنباط وإن استند إلى التحليل، وبدأ بالكليات، والنظريات، والمبادئ العامة، فهو يستند إلى الملاحظة أيضا، ويتناول الجزيئات، والنتائج، والفروع العلمية.
وكذلك فإن كان منهج الاستقراء هو المستخدم عادة في الملاحظة، ودراسة العلوم الكونية، والطبيعية، والتطبيقية، فإن هذا المنهج قد يُستخدم أيضاً في تحليل، ودراسة العلوم الإنسانية، والاقتصادية، والاجتماعية، ولكن بصورة أقل.
وكذلك فإن كان منهج الاستنباط هو المستخدم عادة في تحليل، ودراسة العلوم الإنسانية، والاقتصادية، والاجتماعية، فإن هذا المنهج قد يُستخدم أيضاً في استقراء، وملاحظة، ودراسة العلوم الكونية، والطبيعية، والتطبيقية، ولكن بصورة أقل تناولاً، ووضوحاً.
ولمزيد من الإيضاح ندعم هذه الدراسة، أو هذا التحليل للجمع بين المنهجيْن بالأمثلة: وبالكونية، والعلمية، والتطبيقية:
أولاً:
1- ظاهرة التمدد بالحرارة. إن منهج الاستقراء في ملاحظته، وتفحصه لها إذا ثبتت صحتها تصبح نظرية، وبعنوان: "المعادن تتمدد بالحرارة" وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها تصبح ظاهرة، وهذه الظاهرة هي مناط منهج الاستقراء.
2- ظاهرة التقلص بالبرودة. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وإذا ثبتت صحتها تصبح نظرية، وبعنوان: "المعادن تتقلص بالبرودة" وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها تصبح ظاهرة. أي يصل بها إلى صحة الظاهرة. وهذه الظاهرة هي مناط منهج الاستقراء.
3- ظاهرة غليان السوائل بالحرارة، وتجمدها بالبرودة. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وإذا ثبتت صحتها تصبح نظرية، وبعنوان: "السوائل تغلي بالحرارة، وتتجمد بالبرودة". والنظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، تصبح ظاهرة. والظاهرة مناط منهج الاستقراء.
4- ظاهرة الكسوف. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وإذا ثبتت صحتها – أي صحة فرضيتها بتوسط القمر بين الشمس، والأرض تصبح نظرية، وبعنوان: "الكسوف هو وقوع القمر بين الشمس، والأرض" والنظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها تصبح ظاهرة. والظاهرة مناط منهج الاستقراء.
5- ظاهرة الخسوف. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وإذا ثبتت صحتها – أي صحة فرضيتها بتوسط الأرض بين الشمس، القمر تصبح نظرية، وبعنوان: "الخسوف هو وقوع الأرض بين الشمس، والقمر". والنظرية مناط منهج الاستنباط. ونفس التحليل يكون بالنسبة للظواهر الكونية الأخرى: كظاهرة المد والجزر، وظاهرة هطول الأمطار، وظاهرة المنخفض الجوي، وظاهرة المرتفع الجوي...الخ.
ثانياً:
بالنسبة للظواهر الاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية:
ندعم هذا التحليل لهذه الخاصية. أي خاصية "الجمع بين الاستقراء، والاستنباط" بالأمثلة الآتية:-
1- ظاهرة انتشار مرض السرطان. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وإذا ثبتت صحة فرضيتها؛ وأن سببها التدخين تصبح نظرية، وبعنوان: "التدخين سبب السرطان" أو "السرطان سببه التدخين". وهذه النظرية هي مناط منهج الاستنباط. وبالتالي فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، فإن ذلك يقود إلى صحة الظاهرة. وهذه الظاهرة مناط منهج الاستقراء.
2- ظاهرة انتشار مرض الايدز. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وإذا ثبتت صحة فرضيتها؛ وأن سببها الجنس المحرم، تصبح نظرية، وبعنوان: "الجنس المحرم سبب مرض الإيدز". وهذه النظرية هي مناط منهج الاستنباط. وبالتالي، فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، فإن ذلك يقود إلى صحة الظاهرة. وهذه الظاهرة مناط منهج الاستقراء.
3- ظاهرة العنف الأسري. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وإذا ثبتت صحة فرضيتها؛ وهي تفكك الأسرة، فإنها تصبح نظرية، وبعنوان: "التفكك الأسري سبب العنف الأسري". وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي، فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، فإن ذلك يقود إلى صحة الظاهرة. وهذه الظاهرة مناط منهج الاستقراء.
4- ظاهرة تفشي الجريمة. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لها، وعلى فرض صحة فرضيتها؛ وهي عدم تفعيل قانون العقوبات، تصبح نظرية، وبعنوان: "عدم تفعيل قانون العقوبات سبب تفشي الجريمة". وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي، فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، فإن هذا يقود إلى صحة الظاهرة. والظاهرة مناط منهج الاستقراء.
5- ظاهرة العنف الجنسي. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لهذه الظاهرة، وإذا ثبتت صحة فرضيتها؛ وهي مشاهدة أفلام الجنس، تصبح نظرية، وبعنوان: "أفلام الجنس سبب للعنف الجنسي". وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي، فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، تقود إلى صحة الظاهرة. والظاهرة مناط منهج الاستقراء.
6- ظاهرة تفشي الفقر. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لهذه الظاهرة، وإذا ثبتت صحة فرضيتها؛ وهي انخفاض الدخول، تصبح نظرية، وبعنوان: "انخفاض الرواتب سبب الفقر". وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي، فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، تقود إلى صحة الظاهرة. والظاهرة مناط منهج الاستقراء.
7- ظاهرة البطالة. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لهذه الظاهرة، وإذا ثبتت صحة فرضيتها؛ وهي العمالة الوافدة تصبح نظرية، وبعنوان: "العمالة الوافدة سبب البطالة". وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي، فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، فإن ذلك يعني صحة الظاهرة. والظاهرة مناط منهج الاستقراء.
8- ظاهرة ارتفاع الأسعار. إن منهج الاستقراء في ملاحظته لهذه الظاهرة، وإذا ثبتت صحة فرضيتها؛ وهي قلة السلع تصبح نظرية، وبعنوان: "قلة السلع سبب ارتفاع الأسعار". وهذه النظرية مناط منهج الاستنباط. وبالتالي فإن منهج الاستنباط في تحليله لهذه النظرية، وإذا ثبتت صحتها، فإن ذلك يعني صحة الظاهرة. والظاهرة مناط منهج الاستقراء.
ونفس الشيء يُقال بالنسبة للظواهر الأخرى: كظاهرة انتشار الخلويات، وظاهرة انتشار اللاقطات الهوائية، وظاهرة الترهل الإداري، وظاهرة ارتفاع، وانخفاض النمو الاقتصادي، وظاهرة ارتفاع، أو قلة نسب المواليد، أو الوفيات. وظاهرة ارتفاع نسب الطلاق، وانخفاض نسب الزواج، وظاهرة ارتفاع أو انخفاض مستوى الأداء في الجامعات...الخ. وتأصيلاً ختامياً لهذه الخاصية نصل إلى النتائج، والحقائق، والمعادلات التالية:
إنّ منهج الاستقراء، وظواهره يقود إلى منهج الاستنباط، ونظرياته. أي أن منهج الاستقراء يقود إلى منهج الاستنباط.
وإنّ منهج الاستنباط، ونظرياته يقود إلى منهج الاستقراء، وظواهره.
أي أن منهج الاستنباط يقود إلى منهج الاستقراء.
وهذا يعني أن المنهج العلمي يجمع بين خاصيتيْ: الاستنباط، والاستقراء.
الرابعة - خاصية الرقمية الحسابية
أي استخدام لغة الأرقام، والحساب في تحليلات المنهج، وملاحظاته للعلوم، والظواهر الكونية، والتطبيقية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية.
ويستند إلى الحقائق العلمية الرقمية، والحسابية. فالمنهج العلمي يستخدم لغة الأرقام، والمعادلات الرياضية، والكمية في تحليله، وملاحظته للظواهر، وفي دراسته لمختلف العلوم سواء الطبيعية، والكونية، والتطبيقية، أو العلوم، والظواهر الاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، ولو بشكل أقل دقة بالنسبة للعلوم الأخيرة بسبب تأثرها بالمؤثرات، والميول الشخصية، والمزاجية. إن المنهج العلمي أسلوب للتفكير المنظم السويّ السليم الدقيق إذا ما استند إلى لغة الأرقام، والبُعد عن الأهواء، فتكون نتائجه في تحليله للظواهر، وتناوله للعلوم أكثر دقة، وأقرب إلى الصحة، بل وقد تتصف نتائجه بالدقة المتناهية.
إن القول بالنسبة لذكاء فلان: يبلغ 80% أكثر دقة، وأقرب إلى الصواب من القول: بأن فلان ذكي. ونفس الشيء، فإن القول: بأن درجة غباء فلان تبلغ 50% أكثر دقة من القول بأنه غبي.
وكذلك فإن القول: بأن درجة حرارة الجو 30 أكثر دقة من القول: بأن الجو حار.
ونفس الشيء فإن القول: بأن درجة برودة الجو 15 أكثر دقة من القول: بأن الجو بارد.
وذلك لأن الفرق بين الجو الحار، والجو البارد أي الفرق بين الحرارة، والبرودة هو فرق في الدرجة، والدرجة رقم رياضي حسابي يمكن حسابه بشكل دقيق، ودقة متناهية؛ وخاصة؛ لتوفر الوسائل التكنولوجية المستخدمة في القياس، والحساب.
ونفس الشيء، وباستخدام المنهج العلمي الرقمي يمكن قياس، وحساب درجات التمدد، والتقلص للمعادن، ودرجات الغليان، والتجمد بالنسبة للسوائل.
وكذلك قياس، وحساب المساحات، والأحجام، والطول، والعرض، وغيرها.
وكذلك، ونفس الشيء بالنسبة للظواهر الاقتصادية، والاجتماعية، ولو بأقل دقة من نظيرتها الطبيعية يمكن قياس معدلات الجريمة، والفقر، والنمو الاقتصادي، والسكاني، ونسب التوالد، والإنتاج، والاستهلاك، والتخلف، والتقدم....الخ. وبالأرقام، والعمليات الحسابية.
وفي أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن انتقل المنهج العلمي الرقمي بالعلوم، والمعارف خاصة الطبيعية، والتطبيقية إلى أقصى درجات التقدم العلمي، والتكنولوجي حيث أن المنهجية الرقمية اتخذت منهجاً سريعاً بالنسبة للمخترعات، والمكتشفات، والمصنوعات، والأدوات العلمية، ومنها: الكهربائية، والتلفزيونية، وأدوات الإرسال، والاستقبال، والخلويات، والكمبيوتر، والصواريخ، والأقمار الصناعية إلى درجة الحكم بأن الأحدث منها هو ذو الطابع الرقمي.
وبالمنهج العلمي الرقمي غزا العلماء الفضاء، وساعدهم بل وأهّلهم على الانتقال بعلم الفلك، والفضاء نقلة نوعية لم يعرف التاريخ مثيلاً لها.
فبهذا المنهج تمكن العلماء من اكتشاف المجرات، والنجوم، والكواكب، والشموس، وقياس أحجامها، ومداراتها، وأبعادها عن بعضها البعض أو عن الأرض، والشمس. وعلى سبيل المثال تم تحديد بعد الأرض عن الشمس ويبلغ 92.5 مليون ميل، وحجم كوكب المشتري الذي يزيد عن حجم الأرض بـ 300 مرة، وحجم الشمس بالنسبة للأرض مليون مرة، وحجم القمر بربع حجم الأرض، وهكذا. وبالمنهج العلمي الرقمي حدد العلماء الأبعاد الأربعة للنقطة، أو الصفر، وهي: الطول، العرض، الارتفاع، والزمن. ويحاولون الآن تحدد الأبعاد المتعلقة بالوتر حيث يأملون، أو يفترضون أن تكون أبعاده أكثر، وبحيث يُفترض أنها تتعدد، وتتنوع أبعاده بقدر تعدد، وتنوع الضربات عليه قياساً على أوتار العود الموسيقي.
الخامسة - خاصية الحيْادية والتجرد
أي من الأهواء، والميول العاطفية، والمؤثرات المزاجية، والشخصية، وغيرها من المؤثرات التي لا تدخل ضمن مكونات، ووسائل المنهج العلمي: كالخبرات الشخصية، والعادات، والتقاليد، وغيرها.
إن المنهج العلمي في تحليله للظواهر الكونية، والطبيعية، وفي دراسته للظواهر الاقتصادية، والاجتماعية ميزانه، بل يجب أن يكون ميزانه في الحكم على الأمور، واستخلاصه للنتائج، والحقائق العلمية العدل، والحق، وليس إتباع الهوى، والميل مع العواطف.
إن المنهج العلمي في حياده، وتجرده لا علاقة له بالصفات الشخصية: كالظلم، والتسيب، والصغر، والكبر، والميول السياسية، والحزبية...الخ.
إن المنهج العلمي يمكن استخدامه من قبل العادل، والظالم، والملتزم، وغير الملتزم، والحاكم، والمحكوم، والفقير، والغني، والمتعلم، والجاهل، وبغض النظر عن صفاتهم الشخصية، والخلقية، وميولهم المزاجية، وأحوالهم النفسية، ومراكزهم الاجتماعية...الخ.
إن استخدام المنهج العلمي السليم من قبل ذوي الاختصاص يجب أن يكون بعيداً عن مثل تلك الصفات، والمؤثرات الشخصية. والتي يمكن أن ينعكس أثرها على النتائج، والحقائق العلمية، فيبتعد بها عن الدقة، والصحة، والصواب، وبحيث يبتعد المنهج العلمي عن تحقيق أغراضه، ونتائجه المرجوة منه.
إن الحيدة، والتجرد تبتعد بالمنهج العلمي عن كل ما يؤثر في أهدافه، والوصول إلى نتائجه، وأياً كانت وسائله: تحليلية، أو تأملية، أو قياسية، أو حسابية رقمية.
إن الحيدة، والتجرد تجعل من المنهج العلمي مقياساً أكثر دقة، وأكثر صحة في تحديده للنتائج، والوصول إليها، ومن ثم تعميمها.
ولمزيد من الإيضاح لهذه الخاصية يمكن القول: إن الباحث الذي يستخدم منهجية التجرد، والحياد يمكنه تجريد الأشياء عن موادها، فيكون أقرب للصواب في حكمه عليها.
إن القول: 7 + 3 + 5 = 15. أكثر دقة، وأقرب إلى الصواب من القول:
7 أشخاص + 3 أشخاص + 5 أشخاص = 15 شخصاً.
إن القول الأول يتفق عليه الجميع، ولا يمكن لأحد أن يناقش في صحته؛ لأنه مجرد عن مواده، وقد يشمل الأشخاص، وغير الأشخاص، والعاقل، وغير العاقل.
بينما القول الثاني قد يناقشه البعض، ويشكك في صحة نتيجته، حيث إن عدم تجرد الأرقام من الأشخاص قد يُلجئ البعض إلى الادعاء بأن نتيجة جمع الأرقام ليست 15. وإنما أكثر من ذلك أو أقل على فرضية إن هناك نساء من الأشخاص حوامل، ويجب أن نحسب الأجنة، وعدم استبعاد الجنين من الجمع الحسابي، أو على فرضية التشكك، فيمن يكون شخصاً.
إن عدم تجريد الشيء من مادته قد يصعّب على الباحث الإحصاء، والتعداد، والحساب، ومن ثم عدم الوصول إلى النتيجة المرجوة، وخاصة إذا كانت إحصائية، أو عددية.
ومثال ذلك: محاولة إحصاء عدد من القرود على شجرة، فبعد ابتداء العدّ قد يقفز عدد عنها، وفي نفس اللحظة يقفز عدد آخر إليها. فيصعب عدها، أو حسابها.
ولمزيد من الإيضاح لأهمية هذه الخاصية يمكن القول أيضاً: بأن الحيادية، والتجرد المنهجي، أو منهجية تجريد الأشياء عن مادتها قد مكنت المختصين من العلماء من الوصول إلى نتائج تتصف بالدقة المتناهية، وخاصة إذا كانت هذه النتائج وصفية، أو تنبؤية، أو رقمية رياضية.
إننا لا نبالغ في القول- وهذه حقائق يعلمها الجميع: بأن منهجية التجرد قد مكنت العلماء المختصين من وضع نظريات علمية، وأرقام حسابية، ومعادلات خطية في منتهى الدقة، ومع أنها قد تكون مستندة إلى دراسات تتعلق بأشياء وهمية غير حقيقية كخطوط الطول، والعرض، كخط الاستواء؛ وبأشياء مفترضة كمداريْ السرطان، والجديْ. فقد استطاع العلماء بناءاً عليها من قياس درجات الحرارة، والبرودة، وكميات هطول الأمطار، ونسب الجفاف، والرطوبة، والتبخر، والتنبؤ بالأعاصير، وسرعة الرياح، واتجاهاتها، وتكوّن المنخفضات، والمرتفعات الجوية المناخية...الخ. وغيرها من الظواهر الكونية، والطبيعية الأخرى.
وبالنسبة للظواهر الاجتماعية: فقد مكنتهم هذه المنهجية - ولو بصورة أقل دقة - من دراسة، وحساب معدلات، وعلاقات بعض الظواهر ببعضها: كالفقر، والجهل، وتعاطي المخدرات بالجريمة. أو العلاقة بين الشذوذ الجنسي، ومرض الإيدز. أو العلاقة بين عدم تربية الأطفال، وتشردهم، وهروبهم من المدارس. أو العلاقة بين الثمار، والمأكولات، وانتشار أمراض السرطان. أو العلاقة بين قلة الدخل، والسرقة. وكذلك معدلات التوالد المرتفعة في المجتمعات الفقيرة. والعلاقة بين الترهل الإداري، وانخفاض مستوى الأداء...الخ.
وبنفس المنهج التجردي الحسابي التقديري، وبالنسبة للظواهر الاقتصادية يستطيع الباحث أن يحسب معدلات الدخل، والإنتاج، والاستهلاك ارتفاعاً، وانخفاضاً. وكذلك معدلات التضخم المالي، وارتفاعات، أو انخفاضات الأسعار. وكذلك معدلات النمو الاقتصادي، وعلاقته بالتدفق النقدي، أو الموارد الطبيعية، والبشرية. وكذلك قياس الفجوات التضخمية، والكسادية، ومعدلات العرض السلعي، والطلب النقدي. وكذلك العلاقة بين مستويات الطلب الكلي النقدي، ومستويات العرض الكلي السلعي،....الخ.
إن منهج التجرد الحياتي يؤهل الباحثين للبحث العلمي الدقيق، والحكم على الواقع، والوصول إلى صحة النتائج، ودقة المعلومات، وفهم الواقع، وهضم قوانينه، وتحليل الظواهر، وفهم فرضياتها، وقوانينها التي تحكمها.
السادسة - خاصية التعميم، والتطبيق.
أي تعميم، وتطبيق النتائج، والقوانين التي يصل إليها استخدام المنهج العلمي في ملاحظته لظاهرة ما على الظواهر الأخرى المشابهة. ويستوي الأمر بالنسبة للظـواهر الكونية، الطبيعية، أو الظواهر الإنسانية، والاقتصادية، والاجتماعية، ومنها القانونية.
أولاً- فبالنسبة للعلوم، والظواهر الكونية، والطبيعية:
فعند استخدام منهج الاستقراء التجريبي، وعند إجراء تجربة بتسخين قضيب معدني كالحديد مثلاً، ونصل إلى نتيجة أنه يتمدد، فإننا نستطيع أن نعمم هذه النتيجة، وبتطبيق نفس التجربة، وبنفس المنهجية بالنسبة للمعادن الأخرى المتشابهة: كالنحاس، والفضة، والذهب، والقصدير... . ونقول: «إن المعادن تتمدد بالحرارة».
وكذلك إذا قمنا بتبريد قضيب معدني كالحديد مثلاً؛ ووجدنا أنه يتقلص، فباستطاعتنا أن نعمم هذه النتيجة بالقيام بنفس التجربة، ونفس المنهجية بالنسبة للمعادن الأخرى المتشابهة: كالنحاس، والفضة، والذهب، والقصدير... . ونقول: «إن المعادن تتقلص بالبرودة».
ونفس الشيء، وباستخدام نفس المنهج العلمي بالنسبة للسوائل: فإذا وصلنا إلى نتيجة أن الماء يغلي بالحرارة، فإننا نستطيع أن نعممها، ونطبقها بالنسبة للسوائل الأخرى: ونقول: «إن السوائل تغلي بالحرارة».
وكذلك فإذا وصلنا إلى نتيجة أن الماء يتجمد بالبرودة، فإننا نستطيع أن نعممها، ونطبقها على السوائل الأخرى، ونقول: «إن السوائل تتجمد بالبرودة».
ونفس الشيء بالنسبة للمنخفض، أو المرتفع الجوي، فإن تكونه نتيجة توفر نسب معينة من الرطوبة, والتبخر, والحرارة, والبرودة, وشدة الرياح، فإن هذه النتيجة نستطيع أن نعممها, ونطبقها على المنخفضات، والمرتفعات الجوية المشابهة الأخرى. وبحيث يمكننا القول: إنه وبتوفر تلك النسب يتكون منخفض، أو مرتفع جوي.
ونفس الشيء بالنسبة للأعاصير: فإن تكونها نتيجة ظروف مناخية معينة، وبنسب معينة: كشدة الرياح، والتبخر، والحرارة، والبرودة، وتصادم التيارات المائية الدافئة مع الباردة، فإن باستطاعتنا أن نعمم، ونطبق نفس النتيجة بالنسبة للأعاصير الأخرى. ونفس الشيء بالنسبة لتكون نقطة الماء من ذرة واحدة من الأكسجين + ذرتين من الهيدروجين، فبإمكاننا أن نعمم النتيجة، وبإجراء نفس التجربة، وبنفس المنهجية، وفي كل زمان، ومكان، وبالتالي نحصل على نفس النتيجة، وهي نقطة الماء.
ونفس الشيء بالنسبة لتصنيع دواء معين، فباستطاعتنا أن نصل إلى نفس الدواء، أي نفس النتيجة بخلط المواد الكيماوية، وبنسبها المحددة. وأن نعممها بإجراء التجربة بنفس النسب، والمنهجية مرة أخرى.
ونفس الشيء بالنسبة "لنظرية أرخميدس:" فإننا نستطيع أن نعمم تجربته، ونطبقها مرات عديدة بإجراء مشابه لتجربته، وملخصها: «أنه إذا غمر معدن في سائل، فإنه يخسر من وزنه بقدر وزن الماء الذي حلّ محله».
وبنفس المنهج العلمي الاستقرائي، بإجراء نفس التجارب يمكن تعميم نتائجها، وتطبيقها على الحالات، والمصنوعات، والأجهزة التكنولوجية، والكهربائية، وغيرها من الأجهزة المشابهة، مثل: تصنيع الكمبيوتر، والتلفزيون، والقمر الصناعي، والصاروخ، وأجهزة الاتصالات، والأدوية، وغيرها.
فإن تصنيع كمبيوتر بطريقة معينة أي منهجية معينة، وبعدد من القطع، والأسلاك، والأجهزة، والأدوات... وغيرها يمكننا أن نصنّع العديد، بل والمئات، والآلاف منها، وبنفس المنهجية، وبنفس الأدوات، وبنفس النوع.
وباستقراء المنهج العلمي المتبع، وإجراء التجارب، وتعميم النتائج، وتطبيقها على الحالات الأخرى المشابهة تمكن العلماء من تشخيص أعداد هائلة من الأمراض، ومن ثم تصنيع أعداد هائلة من الأدوية لعلاجها، والقضاء عليها سواء بالنسبة للدواء الواحد، أو الأدوية العديدة الأخرى، وخاصة المتشابهة.
ولنا التنويه: إن خاصية التعميم، والتطبيق بالنسبة للمنهج العلمي تعني تعميم النتيجة، وتعميم التجربة، وتعميم المنهجية معاً.
ثانياً- وبالنسبة للظواهر، والعلوم الاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، فإن المنهج العلمي يتصف أيضاً بخاصية التعميم، والتطبيق لنتائجه، وقوانينه.
فيمكن تعميم، وتطبيق نتائج التجارب بالنسبة لبعض الظواهر على الظواهر الأخرى المشابهة.فبالنسبة لظاهرة انتشار مرض السرطان مثلاً: فإذا أخذنا عينة من المصابين بمرض السرطان، ووصلنا إلى نتيجة مفادها أن سببه الرئيسي هو التدخين، يمكننا في هذه الحالة أن نعمم النتيجة، ونطبقها على حالات أخرى مشابهة. أي «أن التدخين سبب مرض السرطان».
وبالنسبة لظاهرة مرض الإيدز: فبإمكاننا تعميم النتيجة التي نتوصل إليها، وهي «أن سببه ممارسة الجنس المحرم» ونطبقها على حالات أخرى مشابهة. أي على الآخرين الذين يمارسون نفس العلاقة المحرمة.
وبالنسبة لتفشي ظاهرة العنف الأسري: نستطيع أن نعمم نتيجة العينة محل الدراسة على الحالات الأخرى المشابهة. والقول مثلاً: «بأن سبب الظاهرة يكمن في قلة التربية».
وبالنسبة لتفشي ظاهرة الجريمة بسبب تعاطي المخدرات: يمكننا أن نعمم النتيجة، ونطبقها على متعاطي المخدرات كلهم، أو معظمهم. «وأن سبب الجريمة تعاطي المخدرات».
وبالنسبة لظاهرة تفشي العنف الجنسي لدى المراهقين، فإننا نستطيع أن نعمم نتيجة دراسة عينة منهم، وهي «أن سببها، أو أنها تكمن في مشاهدة أفلام الجنس» ونطبقها على الآخرين الذين يشاهدونها.
وبالنسبة لظاهرة السرقة: نستطيع أن نعمم النتيجة التي نتوصل إليها من دراسة عينة من السارقين على غيرهم ممن يمتهنون مهنة السرقة. ونطبق النتيجة عليهم، وهي «أن الفقر هو سبب السرقة».
وبالنسبة لظاهرة انخفاض سوء الأداء: نستطيع أن نعمم نفس الدراسة التي قمنا بها على عينة ما هذه النتيجة التي «تكمن في الترهل الإداري» ونطبقها على كل مؤسسة تتصف به.
وبالنسبة لظاهرة حوادث الطرق: نستطيع أن نعمم، ونطبق النتائج التي نتوصل إليها؛ والتي تكمن في «أن سببها السرعة» على الحوادث الأخرى. ويشمل تعميم النتيجة، وتعميم التجربة، والمنهجية معاً.
ولكن يمكننا القول: إن خاصية التعميم، والتطبيق تبدو أكثر سهولة، ووضوحاً بالنسبة للعلوم، والظواهر الكونية، والطبيعية؛ نظراً لأن مكوناتها، وعناصرها متجانسة، وطيّعة، ويمكن أن تخضع للتجربة داخل المعمل، وخارجه. وبالنسبة لها يمكن استخدام اللغة الرقمية، والحسابية، والنتيجة واحدة. وباستطاعة كل مختص أن يجري التجارب عليها، وتحصل تلقائياً، وكذلك لا تتأثر بالمؤثرات، والميول، والعواطف، والأمزجة الشخصية، والنفسية، والتي تتأثر بها عادة تجارب الظواهر الاقتصادية، والاجتماعية مما يجعل إجراء التجارب عليها، وتعميم، وتطبيق نتائج تجاربها أكثر صعوبة، وأقل دقة، وصحة.
السابعة: خاصية التنبؤ، والتخمين
أي بالنسبة للظواهر الكونية، والاقتصادية، والاجتماعية المستقبلية.
أولاً- فبالنسبة للظواهر، والعلوم الكونية: واستناداً، واستخداماً للمنهج العلمي تظهر هذه الخاصية جلية واضحة، وأكثر دقة، وخاصة مع تقدم العلوم، والتكنولوجيا، واكتشاف الفضاء، وبالاستعانة بالأقمار الصناعية المتخصصة، والمخصصة لاكتشاف العديد من الظواهر للتأكد من صحتها، ومنها الآن المئات، والآلاف يدور حول الكرة الأرضية بل وحول العديد من الكواكب، ومنها المشتري، والمريخ، وزحل، وغيرها، وكل منها في فلك يسبحون.
وإن استعانة العلماء المختصين بلغة الأرقام، والحساب، والتصوير، أَهّلهم للتنبؤ الدقيق، والتخمين الصحيح لمستقبل كثير من الظواهر، وما ستكون عليه من أحوال حتى بعد العشرات، أو المئات من السنين، وصفتها، ووقت حصولها، وبكل دقة متناهية، وبكل حساب دقيق: كظواهر الخسوف، والكسوف، والضغط الجوي، والمنخفضات، والمرتفعات الجوية، والمناخية، والأعاصير، والانحباس الحراري، والفيضانات، وظهور، واختفاء المذنبات كمذنب هالي...الخ.
ثانياً- وبالنسبة للظواهر الاقتصادية، والاجتماعية - وإن كانت خاصية التنبؤ بالنسبة إليها تبدو أقل دقة، ووضوحاً - فإن استخدام المنهج العلمي مكّن العلماء، ومع التقدم العلمي، والتقني، وأدوات، وأجهزة القياس، والحساب، التنبؤ بالكثير من الظواهر، ومستقبلها، ومن حيث زمن وقوعها، أو معدلاتها، أو قوتها، أو ضعفها مثل: ظواهر تفشي الجرائم، والعنف الجنسي، والجسدي؛ وظاهرة الفقر، والبطالة، والأسعار، والقوة الشرائية للنقد المحلي، والأجنبي؛ ومعدلات التضخم المالي، والكساد؛ ومعدلات الإنتاج، والاستهلاك؛ والنمو السكاني؛ والعرض، والطلب، ومعدلات الزواج، والطلاق، والخلع؛ وغيرها من الظواهر الاقتصادية، والاجتماعية.
الثامنة - خاصية الموضوعية، والواقعية
أي النظرة إلى الأمور، وملاحظة الظواهر، والحالات بالمنهجية النزيهة، والحكم عليها ،وتحليلها كما هي بحسناتها، وسيئاتها، وصفاتها، وواقعها، ودون تدخل للمشاعر، والمؤثرات الشخصية، والميول، والأمزجة، والعواطف الإنسانية، والأهواء، والمشاعر النفسية.
فالموضوعية تعني عدم التحيّز لشخص، والواقعية تعني حيادية التحليل، وبحيث يتوصل إلى نفس النتائج مَنْ يستخدم نفس المنهج.
إن المنهج العلمي في تحليله للنظريات، وفي تفسيره للقواعد، وفي ملاحظته للظواهر إنما يستهدف قبل كل شيء عين الحقيقة العلمية، وحقيقة النتيجة المرجوة سواء ارتضتها نفسيته، أو أبتها، وسواء كانت محل قناعته أم لا. إنما المقصد، والغاية يكمنان في التحقق العلمي، والوصول النتائجي ليس إلا. إن خاصية الموضوعية تُملي على الباحث أن يكون واقعياً، منصفاً، عدلاً في حكمه على الأمور حتى ولو كان الأمر يتعلق بعدوّ، أو غير صاحب، أو على غير دين، أو على غير علاقة حسنة. وكم من مختصين باحثين أخذوا العلوم، وحصلوا على معرفة الحقائق العلمية من أعدائهم. فلا غرو، ولا غرابة، وما دام العلم للجميع، وما دامت الموضوعية إحدى الخصائص اللصيقة بالمنهجية.
إن الباحث في استخدامه للمنهج العلمي يجب عليه أن يترك مشاعره الشخصية، وميوله، وأمزجته العاطفية خارج الدراسة، خارج المعمل، وألا يتركها تؤثر في النتائج التي يجب أن يتوصل إليها. فالمنهجية السليمة تستند بل يجب أن تستند إلى أسباب، وأدلة، وأساليب، ومضامين حقيقية في تقصي المشكلة العلمية موضوع الدراسة كونية كانت أو اجتماعية.
إن الدقة في البحث تعني الدقة في المنهج، والدقة في المنهج تعني الدقة في الحكم، والدقة في الحكم تعني الواقعية، والموضوعية في الدراسة، والشرح، والنظر إلى الأمور، وبخاصية الموضوعية الواقعية، والبعيدة عن الأهواء، والعواطف الشخصية؛ وتُملي على الباحث أن ينصف غيره كما ينصف نفسه. فعليه أن يبتعد عن منهجية الثناء، والمديح لنفسه، كما عليه أن يبتعد عن منهجية القذف، والشتم، والحط من قَدْر الآخرين. وتأصيلاً لهذه الخاصية نقول: رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.
إن المنهجية الموضوعية في، أو حين إعداد البحث العلمي تُملي على الباحث حتى في إنصافه لنفسه أن يبتعد عن عبارات الحمد، والثناء المبتذلة كالقول: بأنني دوماً على حق، وغيري على باطل، وبأنني أجزم، ولا أتنازل، ولنا القول الأكيد الذي لا يناقش،...الخ. وغيرها من عبارات المدح، والثناء. وكذلك أن يبتعد عن عبارات القدح المذمومة عند نقده للآخرين، أو خلافه معهم كالقول: إن أقوالهم تافهة، أو إن أدلتهم لا ترقى إلى أدلتنا، أو إنهم أغبياء، أو متخلفين... وغيرها من عبارات الذم، والقدح غير المقبول منهجياً في، أو عند إعداد البحوث العلمية.
التاسعة - خاصية التنوع، والتعدد
أي تنوع، وتعدد المناهج بتنوع، وتعدد العلوم، والموضوعات، والأبحاث العلمية. وعلى الباحث أن يكون على علم بها حتى يستطيع إتباع المنهج القريب، أو المتعلق بعلمه، أو موضوعه، أو مشكلة دراسته، أو بحثه.
فالمنهج العلمي مؤشر على جودة البحث، من عدمها. وبالمنهج العلمي المتبع تُقيّم البحوث العلمية عادة. فالبحث يكون أكثر دقة، وجودة عندما يكون منهج إعداده أكثر قرباً، وإتباعاً، وتطبيقاً، وتقيداً به.
إن من الصعوبة بمكان أن يضع علماء المناهج منهجاً واحداً ذا قواعد منطقية واحدة يصلح أن يُتّبع بالنسبة للعلوم جميعها. فهي تختلف عن بعضها البعض، وتتنوع. ولذلك يجب أن تتنوع المناهج العلمية تبعاً لها، وتتعدد.
إن العلوم، والظواهر الكونية، والطبيعية، والتطبيقية تختلف في معارفها، وموضوعاتها، وتجانسها، وطبيعتها عن نظيرتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والأدبية، والإنسانية. من أجل ذلك يجب أن تتنوع المناهج العلمية، وتتعدد تبعاً لطبيعة، وتنوع تلك العلوم.
إن التجانس ولو إلى حد ما بين موضوعات العلوم الكونية، والطبيعية قد يسمح بإيجاد منهج واحد يصلح كإطار منهجي عام يُتبع بالنسبة لتلك العلوم كمنهج الاستقراء التجريبي، والمنهج التجريبي. ونفس الشيء بالنسبة للعلوم الأدبية، والإنسانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية قد يسمح الأمر بإيجاد منهج واحد صالح كإطار منهجي عام يُتّبع بالنسبة لهذه العلوم: كمنهج الاستنباط، أو الاستدلال، ومنهج الاستدلال التربوي.
ولمزيد من التأصيل الدقيق لخاصية التنوع، والتعدد، فقد رأى العلماء أيضاً أن لكل موضوع من موضوعات العلم الواحد سواء كان طبيعياً، أو إنسانياً منهجية خاصة به تتعدد أيضاً بتعدد موضوعاته.
فبالنسبة للعلوم الطبيعية: فلكل علم، أو موضوع منهج خاص به: كموضوع علم الحيوان، وعلم النبات، أو الطب، فإن له منهجيته الخاصة به، وكذلك الهندسة، وعلم الحساب. وعلم الفيزياء، وعلم الكيمياء...الخ.
ونفس الشيء بالنسبة للعلوم الإنسانية: فلكلٍّ منهجيته: كعلم القانون بأنواعه: الإداري، وعلم القانون الجنائي، وعلم القانون المدني، والقانون المالي، وعلم الفقه، وعلم العقيدة، وعلم التفسير، وعلم الحديث، فلكل منهجيته المعروفة باسمه...الخ.
وبالنسبة للبحث العلمي الواحد: تتعدد، وتتنوع مناهجه تبعاً لتعدد، وتنوع موضوعاته انطلاقاً من صفحة الغلاف، وانتهاء بصفحة فهرس المراجع، فلكل منهجيته.
إن صفحة الغلاف لها منهجيتها المتعلقة بعناوينها، ومعلوماتها.
وكذلك صفحة الإهداء، وخطة البحث، ومشكلة، وفرضية البحث، وأركان البحث، وعناصره، وخصائصه، ومقوماته، وخطوة اختيار عنوان البحث، وخطوة جمع المصادر، وخطوة جمع المادة العلمية، والمقابلة، والاستبيان، وخطوة صياغة البحث، والاقتباس، والتخريج، وعلامات الترقيم، والخاتمة، وفهرسة المراجع، وترتيب البحث، وترقيمه...الخ. فلكل عنصر من هذه العناصر منهجيته الخاصة به.