eKtab
EN ع
البقاء على قيد الكتابة
Read free sample

البقاء على قيد الكتابة

by عبد العزيز محمد الخاطر

Page 1

مقدمة

أن تكتب في مجتمع لم يعترف بالكتابة بعد كوسيلة اتصال وتعبير عن رأي، كمن يقترف عملا يصعب الحكم على تقييمه وأولويته وبالتالي يهدد بانعزاله، عملاً يثير الارتباك والشكوك والتأويلات، حين يهمس الطيبون من الناس للكاتب ما حد راح ينفعك·· وخلك في حالك

اخترت هذا العنوان البقاء على قيد الكتابة وهو أحد مواضيع الكتاب؛ لأنه يعبر بصدق عن قصتي مع الكتابة في بلدي قطر ، وما حملته تلك القصة من تجاذبات لسنوات بين تشجيع وترهيب ونفور وازدراء وإعجاب وإحباط·

عندما تعتمد الذائقة العامة لتلقي الثقافة في مجتمعنا على الصوت واللفظ المباشر؛ كالشعر والرواية المروية والتحليل الشفهي الانطباعي وسيلة ليس فقط للإبداع وإنما للمكانة الاجتماعية كذلك، تصبح الكتابة بقاء على قيد ليس إلا··· كالبقاء على قيد الحياة، فهو لا يعني بالضرورة نوعية الحياة التي يريدها الشخص أو يتطلع بأن يعيشها، فالكاتب كيان قائم ذاتياً، بمعنى ليس هناك طلب مجتمعي عليه من الأساس· وعليه إذاً أن يتحمل مسؤوليته بشكل فردي، لذلك كان البقاء على قيد الكتابة فقط هو المتاح والممكن وليس الكتابة كحالة وجود وإبداع·

نُشر أول مقال لي في صحيفة الخليج الإماراتية في عام 1993 بعنوان (هموم تنموية)، وبدأت في قطر مع جريدة الوطن 1995 مع بزوغ عهد الشيخ حمد وتوليه زمام الأمور في البلاد ثم مع الشرق القطرية لأعود بعدها للوطن، تخللتها وقفات في محطات العديد من الصحف العربية؛ كالحياة اللندنية والقدس العربي كذلك، والمستقبل اللبنانية والاتحاد الظبيانية· آثرت بعدا هذا كله أن أجمع معظم ما كتبته في كتاب يسجل لمرحله قطريه وعربيه أحداثا وهموما حملت الكثير من التغيير لهذه المجتمعات·

تحمل هذه المقالات النقد للمجتمع القطري والعربي مصحوبا بفرز للتراث وللفكر الديني، ما يسلط الضوء على جوانب خفية وعميقة تهمل عمداً في أعمدة كتاب المقالات، كونها الخيار الأصعب للكاتب·

المقالات أيضاً هي إيماني العميق بهويتي العربية الإسلامية، وقناعاتي الكونية، التي دعتني إلى عدم التنصل من مهمة فرز مكونات التراث، بعيدا عن الدين في حقيقته، وعن العقيدة في ذاتها· فجاءت كتاباتي لتعبر عن رؤى كثيفة لطالما أرقتني، كالاصطفاف خلف صنمية النص···· ذاك الاصطفاف الذي يدور في الظلام ويعرف كيف يقتل جيداً روح النص الأصلية، كان لزاماً علي أن أتساءل بعد كل صلاة، كيف يصلي الناس بلا وضوء··· عندما تصطدم المصلحة الخاصة بالصالح العام، وبعد كل خطبة جمعة، ما علاقة الخطاب بالإنجاز الحضاري للأمة، وكيف تفنى الذات في العقيدة، ولماذا لا تزال عقلية الفداوي تنتج وتستمر رغم ضخامة ميزانيات التعليم، وإلى متى تظل الفتنة في بلادنا قدراً··· ألم يحن الوقت للتخلص من وهم الماضي المكتمل، وأما أن لخطيب المطلق أن يترجل!

عايشت تحولات على جميع هذه الأصعدة، وأعايش اليوم كغيري تحولات كبرى تمثلت فى الثورات العربية، التي خصصت لرؤيتي حولها فصلا، وهي لا تزال في طور التحول والتبلور، وقد حاولت تسخير مقالاتي قدر الإمكان لتلمس بنية السلطة العربية وعلاقتها بالمواطن، فكان للسلطة نصيب وافر من الكتابة التي أنا على قيدها، بينما هي بنية سرطانية تفتك بذاتها أولاً، لتعود الأسئلة فتؤرقني قبل أن أسطرها ··· هل يذهب الاستبداد مع رحيل المستبد؟ ولماذا أخاف على الثورة في مصر؟ وما البديل؟ لربما لنا حياة في الثورة على الذات ومن أجلها ، من أجل إعادة صياغتها مدنياً·

هي وقائع يومية في حالة تسجيل وضبط لحوادث فردية أو أفكار مسيطرة أو أحداث مزلزلة، لقراء لديهم الوقت لقراءة متمهلة، قد يجد البعض في محتواها ورموزها ما يستجيب لذاكرتهم، وقد تكون بالنسبة لقراء آخرين مجرد كتابة مسطرة، لكني أرجو أن يجد القارئ متعه وفائدة·

ختاماً لا يسعني سوى أن أشكر كل من ساعدني وشجعني لإصدار هذا الكتاب، الأستاذة المحامية هلا العلى، التي برغم مهام عملها الحقوقي، أعطت من وقتها لتصنيف مواضيع الكتاب وترتيبها، لإيمانها بأهمية ما تطرقت إليه من قضايا وأفكار، والكاتبة القطرية المبدعة نوره آل سعد التي لم تبخل بجهدها لإنشاء مدونة خاصة بي، وكانت تعلم أنه لن يتسنى لي الوقت لحيازة مدونة تحفظ لي كتاباتي من التبعثر والضياع، أيضا كل الشكر إلى الفاضل ماهر الكيالي، والمؤسسة العربية للنشر والدراسات، العريقة·

عبد العزيز الخاطر - الدوحة - صيف 2011

Page 2

الفصل الاول
في النقد

حول النقد والتعويل عليه

تمثل الحالة النقدية حالة صحية لأيّ مجتمع، ولا يمكن تصور المثقف، أياً كان، سوى أن يكون ناقداً باحثاً عن الأقرب للكمال قدر المستطاع، ولكن النقد ذاته، لكي يسمى نقداً، يحتاج لأن يكون المجتمع نفسه مجتمعاً صحياً يتعافى بالنقد ومع النقد، ويتفاعل معه كذلك بإيجابية وفاعلية، والأمر لا يستوي كما ينبغي إلا في حالة تكامل مكونات المجتمع الحقيقية، من سلطة ومجتمع مدني وآخر أهلي، تدعم جميعها الدولة وتقوي بنيانها·

عندما يتحول النقد إلى حالة من القرف والغثيان والاقتتال، وربما أبعد من ذلك، إلى تشرذم وانطفاء الحالة الإنسانية وبروز المرجعيات الأولى، يدرك المرء أن المجتمع يعاني مرضاً، هو بالضرورة غياب المجتمع المدني ومؤسساته؛ لأنّ السلطة دائماً لا تغيب إلا في حالات نادرة، ولذلك تتأثر الحالة النقدية، ويظهر عليها أعراض المرض، ويمكن إجمالها في التالي:

1- تزايد حمى النقد وتشظيه.

2- يفتقد القوة الدافعة والوسيلة الفعالة (برلمان وصحافة حرة ونقابات مهنية··· إلخ) لكي يتجذر كمطلب شعبي.

3- يتحول إلى هدف بذاته، ويصبح ديدن الجميع، ولكن دون بوصلة واضحة.

4- يدخل الجميع في معارك خادعة للتصفية وتحديد المراكز لإثبات الوجود؛ لشعور الجميع بلا قيمة، لانفصام الواقع وعدم تأثره بذلك.

5- تسود الشخصية الدون كيشوتية الباحثة عن البطوله بأيّ ثمن.

6- يسحب الواقع المنفصم اللغة والثقافة إلى جانبه رويداً رويداً، ليتحول الجميع إلى مجارين مصفقين للموجود حتى على حساب ما كان يمكن أن يوجد أو يتحقــق·

عندما يتحول النقد ليصبح واقعاً بذاته، وينتقل الواقع الفعلي ليبدو حالة ذهنية نحسها ونستشعرها، ونتعامل معها على أساس لا انفكاك، في حين لا نستطيع التأثير فيها أو فيه تنتفي بالضرورة مهمة النقد الأساسية·

ثمـَّة حالة وسطى تعيد التوازن للأمور -أشرت إليها مسبقاً- يتحول معها النقد إلى إجراءات وخطوات ووسائل في اتجاه خيّر· ثمـَّة مستوى وسيط يتبنى أطروحات المجتمع ويتدارسها، ويحولها بعد تبنيها إلى اقتراحات قانونية تصب في مصلحة المجتمع وأفراده· معظم التشريعات المهمة والعظيمة في تاريخ الدول كانت في بداياتها رأياً ونقداً لوضع تلقفته أدوات المجتمع المدني -سواءٌ كانت برلمانات أو صحافة حرة أو نقابات بأشكالها- وتبنته ليتحول بعد ذلك مع الدورة الديمقراطية المعروفة إلى اقتراحات، ومن ثمّ قوانين وتشريعات يشمل تأثيرها الإيجابي ومداها من حيث شموليتها المجتمع بأسره·

ثمـَّةً آليتان لابد من المرور بهما لمجتمعنا، نستطيع معهما تحويل ثرثرتنا الناقدة إلى الطريق الصحيح والفعال، نفعاً للوطن ودعماً للقيادة؛ أولهما تحكيم الدستور واحترامه، وثانيهما ترك بذرات المجتمع تنمو دون تدخل، وتحول الدولة إلى دور المنظم فقط، وابتعادها عن دور الصانع أو الفارض له، لكي يثمر مجلساً نيابياً فعالاً اكتمل نموه أو في طريقه إلى ذلك·

إنّ إرادة الدولة الحقيقية نابعة أساساً من مجموع إرادات أفرادها وعددهم دون استثناء·

Page 3

من نقد السلطة إلى شيطنتها تجليات اليأس العربي من الإصلاح

تتفتق الذهنية العربية وباستمرار عن مظاهر تدل على مدى وعمق الأزمة التي يعانيها المجتمع العربي، وهي أزمة في جوهرها هيكلية، حيث لا توافق ولا رؤية لإمكانية انتقال المأمول إلى الواقع، ولا توافق كذلك بين الأقوال والأعمال·

ففي حين يجري إطلاق العنان للفكر للتعبير عن ذاته، يجري تثبيت الواقع وشل إرادة الفعل اللازمة لتحقق طيف الأفكار، بحيث يبدو الانفصام واضحاً لكل ذي بصيره· فمثلاً يُطرح شعار النقد البناء كتوجه، ويُطالب به كممارسة، ولكنه لا يتحول إلى وسيلة فاعلة ذات تأثير، وإنما يتخذ شكلاً فوقياً، فتكون النتيجة انتقاله إلى مرحلة أخرى متقدمة بعض الشيء، وهي مرحلة جلد الذات، فيتكور المجتمع حول نفسه، فيصبح ذاته الضحية والجلاد، وربما ينتقل الوضع إلى ما هو أسوأ؛ كما نشهد في العديد من المناسبات، حيث الانتقال إلى مرحلة أكثر قتامة وسوداوية، تنبئ عن حالة من اليأس من إصلاح أمراض المجتمع وعوارض السلطة، وهي مرحلة الشيطنة، وهي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها الشتم أو حتى اللعن، والتي قد تتحول من الحالة الفردانية إلى الحالة العامة؛ كالانقضاض على التاريخ وتمزيق أوصاله، تراثاً كان أم مبادئ عامة؛ أم تقاليد ترسخت عبر السنين نهاية ربما بالعقائد والأديان· وهي عرض دال بلا شك على الثبات المذموم المنافي للفطرة السليمة·

لقد مرت الأمة عبر تاريخها بمحاولات عديدة انبرى لها العديد من أبنائها ومثقفيها، اتخذت من هذه الأنماط البكائية الثلاثة، ما بين النقد وجلد الذات والشتم، مرتكزاً أو محوراً ثابتاً، خاصة فيما يتعلق بإشكالية التراث والحداثه كجذر وانتهاءً بالسلطة كقمة لجبل الجليد الدال على أزمة تاريخ هذه الأمة وعدم سريانه، كما الحال لدى الغير من الأمم· فمنهم من رأى بالمزاوجة، ومنهم من رأى بتجزئة التراث وتبيين غثه من سمينه، وآخرون رأوا بالقطع مع الماضي وإعادته إلى المتاحف التاريخية للزيارة فقط، والاتعاظ بالماضي لا أكثر· وللحقيقة فإن أعلى درجات تناول هذا الموضوع يتصل بالسلطة بلا شك، فهي من امتلك وما يزال يملك زمام الأمور منذ فجر تاريخ هذه الأمة، وبالتالي أيّ شكل من أشكال هذه الأنماط البكائية التي أشرت إليها، هي في الأساس موجهة إلى السلطة بشكل غير مباشر، وإن كانت مواضيعها تحتمل أبعاداً أخرى داخل المجتمع وأوصاله، حيث الدم الذي يجري في هذه الأوصال، هو في الأساس مكوناً سلطوياً·

في المجتمعات الصحية يتحول النقد البناّء، عبر آليات معينة، إلى جزئيات مهمة وضرورية للإصلاح والتطوير عبر القنوات المتعددة القانونية المتاحة، بما فيها البرلمانات ومجالس الإصلاح وبناء الاستراتيجيات· فالأصل في النقد أن يكون ذا هدف وله قنوات، وليس حالة ضبابية تسير على غير هدى، فالمجتمع الذي لا يمتلك آليات استيعاب مظاهر وعوامل التغيير والتعبير عن الرأي، لا يستطيع بالتالي ادعاء الحرية والديمقراطية، فالخروجُ بالحرية من تعريفها العام -في مجتمعاتنا عبر التاريخ حيث توضع في مقابلة مع العبوديه إلى معان أخرى جديدة، تحتمل كل أبعاد الإنسانية والفردانية- أمرٌ مهم وضروري وملح للخروج من إشكالية الوصول بالحالة إلى مرحلة شيطنة السلطة وربما المجتمع، وبالتالي استباحة شتمهما وربما الخروج الدموي عليهما·

لقد استعاضت كثيرٌ من الأنظمة عن إيجاد الآليات المناسبة لتأكيد معنى الحرية هذا، بما توفره من وسائل تقنية جديدة في مجال الاتصال، عن طريق القنوات الفضائية والهواء المفتوح· وحيث إن الطبيعة العربية أساساً تعاني الكبت منذ قرون، فكان في مقدمة ما جرى ويجري تناوله وبتركيز مستهدف مكبوتات النفس العربية من جنس وسياسة ودين، وأينعت ثلاثية النقد وجلد الذات والشتم هذه فصولاً طويلة من ألفاظ وكلمات ومصطلحات، شكلت قواميس يتغذى منها مع الأسف الجيل الجديد· وفي الوقت نفسه، ترفعت السلطة عن ذلك، وادعت بأنها تسمح بالحرية وبكل أشكالها لمن هم دونها، بحيث لا يصل الأمر أفقيا إليها، وهذه بالذات صورة جديدة من صور الهجاء، وهو من أهم أغراض الشعر والأدب العربي، وإن كان بتقنية جديدة أكثر تشويقاً وألمع صورة، إن ضغط التحولات على جسد الأمة يجعل منها عرضة للتشويه، وليست صورة حقيقية لقضية التمدن والتقدم اللذين يشهدهما العالم، فاحتكاك كل ذلك الحديث بقديمها البالي، وفي مقدمته السلطة يخرج مسخاً مصاباً بجميع الأمراض النفسية والعقلية، ويجعل من قديمها جديداً في الشكل فقط، وليس المضمون أو المحتوى للخروج من حالة الشيطنة، التي تبيح المحرمات، إلى حالة الأنسنة التي ترقى بالإنسان كأعظم المكرمين في الكون· لابد من إعادة النظر في جميع ما وضع فوق النقد، بشراً كان أم فكراً، وعلينا كذلك الارتقاء بمفهوم النقد وإخراجه من مفهومه الضيق -الذي نعهده- إلى اعتباره إصلاحاً وكشفاً وإضافة، وعدم اعتباره بحثاً عن العيوب، بقدر ما يكون فتحاً لآفاق ورؤى جديدة· لقد آن لثلاثية البكاء العربية -من نقد وجلد للذات وشتم- المرتكزة على مفهوم الشيطنة، أن تختفي بشكلها المعهود، ويصعد بصعودها المجتمع العربي، بما فيه سلطته، إلى الحالة الإنسانية التي لا تضع أحداً فوق النقد والمساءلة تاريخاً كان أم بشراً·

Page 4

إشكالية النقد في مجتمع منجز

الفرق بين التعامل مع الواقع وبناء الواقع نفسه يحدد في اعتقادي وظيفة النقد في المجتمع، المجتمع الذي بنى نفسه يختلف عن المجتمع المُنجز؛ الأول شارك النقد في بنائه، بينما الآخر اكتفى النقد بالإشارة إلى عثراته ومشاكله وتخبطاته· وأقصد بالنقد هنا حركة المجتمع ورؤيته حول حاضره ومستقبله· النقد في الأول حركة بنيوية، بينما في الآخر بنية فوقية، قد تتعمق إذا ما سمح لها، وقد تكتفي بوضعها الفوقي، وتؤرشف في أدبيات المجتمع لا غير· يقوم النقد في المجتمع الأول على المثقف العضوي، بينما ينتزع الصدارة في الثاني المثقف التقليدي، وقد يعاني رديفه الأمرين· في المجتمع الأول الذي بنى إنجازه الصحافة نابعة من المجتمع، بينما في الآخر هي انعكاس للمنجز ذاته· القانون في الأول يسري في أوصال المجتمع لا يستثنى منه وصل دون غيره، بينما في الآخر هو ضمن مشاريع الخصصة التي تعج بها مجتمعاتنا المنجزة· السياسة في المجتمع المبني هي ديناميكيته وحراكه، بينما هي في المجتمع المنجز رجس من عمل الشيطان· المواطن في الأول لبنة من لبناته، بينما في الآخر ضيف يـُنتظر منه خفة الظل وإلا الباب يسع جمل، الكُتّاب في المجتمع الأول عيون وآذان، بينما في الآخر شلة من المتطفلين والزائدين عن الحاجة· الثقافة في المجتمع الأول بناء وهيكل، بينما في الآخر رداء قد يلزم وقد لا يلزم· في الأول الثروة وسيلة، بينما في الآخر غايه وهدف، في الأول المستقبل يسكن القلب، بينما في الآخر الحاضر أحلى ولا شيء غيره· في الأول يجري التغيير بطريقة نقدية ذاتية وكمراجعات، بينما في الآخر يمارس النقد قصفاً في بنية صلدة ليس هو من أجزائها أصلاً · في الأول هو ذاتي الوجود، بينما في الآخر هو مختلق، وربما من لوازم الشرعية في هذا العصر إيجاده· على كل حال، الطريف في عالمنا العربي أنّه حتى في المجتمعات التي بنت إنجازها -كالجزائر مثلاً وغيرها- لم تستطع التعامل مع هذا الإنجاز كجزء أساسي منه، فبقيت مع غيرها سواءٌ بسواء، هذا يطرح سؤالاً حول طريقة بناء الإنجاز ذاته، ومن استغله دون الغير؟ فالمجتمعات التي كافحت لنيل الاستقلال، لم يخطر ببالها يوماً ً أنّها بحاجة لاستقلال آخر من الداخل، فبالتالي كانت حركة هذه المجتمعات الاجتماعية قاصرة على الغير، دون أيّ تأثير فاعل في بناء داخلي، وإلا لاستمرت هذه الحركات في ديناميتها حتى اليوم؛ لأنّ الوقوف عند نقطة معينة دون حراك يجعل منها كتلة، ومع الوقت لا يمكن تجاوزها بسهولة، ومثال الثورة الفرنسية واضح في استمراريتها حتى اليوم·

إنّ بناء المجتمعات عملية مستمرة، والفكر بما فيه النقد جزء من هذا الاستمرار، فإذا ُأنجز المجتمع، وُأغلقت حوله الأبواب تحول الفكر بما فيه النقد إلى زوائد دودية لا تضر إلا إذا التهبت، وليس لها دواء حينئذ سوى الاستئصال·

Page 5

قضايا المواطن عندما يعبر عنها بما يشبه النباح

ثمّة فرق كبير بين النباح وبين النقد أو الطرح البناء، عندما يتحول النقد إلى نباح لا يُصغى إليه، لأنـّه عمل دون بشري ولا يرقى إلى مستوى البشر· البشر يحتاجون إلى النقد البنـّاء بعيداً عن بحة النباح وعلو صوت النابح، ولكن كيف يتحول النقد إلى نباح أو الناقد إلى نابح؟ هنا لابد من الإشارة إلى عاملين: أولهما نفسي معني بكاتب النقد أو الناقد، والآخر موضوعي تقع مسؤوليته على كاهل من يشرف على سياسة الجريدة أو المجلة أو وعاء النقد بصورة أشمل·

العامل الأول: عندما يخلط الكاتب بين مشكلته أو ما يعانيه والقضية المراد طرحها، بشكل واع أو لا شعوري، يتحول النقد -في معظمه- إلى صورة أقرب إلى النباح -الذي ذكرته- لأنّ الكاتب يستخدم ميكانيزم الدفاع عن ذاته، ولو كان من خلال قضية الغير، فالحيادية مطلب صعب في جميع المجالات، ولكنها في مثل هذه الحالة أصعب، خاصة إذا كان المجتمع يحتكر آلياته التاريخية والاجتماعية الخاصة به للتقييم؛ وأصعب هذه الحالات الشعور بالنقص أمام مجتمع قد حـُددت فيه المراتب والمواضع والدرجات مسبقاً، فهو يموضعُ الفردَ في زاوية وموقع محددين لا يستطيع معهما فراقاً؛ فهو هنا (أيّ الفرد ذي الحالة) في حالة دفاع دائم عن نفسه حتى قبل أن يبادر أحد بالهجوم، وكل انتقاد لما يـَكتبُ أو يقول هو طعنة في وجوده، فيخرج النقد من فمه نباحاً لا يمكن أن يرد عليه آدمياً، ويتطلب النزول إلى درجة أقل من ذلك، فيترك بالتالي ليذهب مع الريح·

العامل الثاني: مسؤولية من يضع سياسة الجريدة أو المجلة· والقراء وأصحاب القضايا والشأن عليهم أن يختاروا -والحال هذه- الأكثر استقراراً نفسياً، والأكفأ قلماً، والمنساب اجتماعياً، دونما شعور بالنقص أو الدونية حتى لا يعاني من المجتمع ولا يعاني المجتمع منه، ومن إشكاليات وبواعث نفسه· هذا إذا أردنا أن نرتقي بمستوى الخطاب الناقد في جرائدنا ومجلاتنا، وإلا سنضطر إلى فك رموز نباح ٍ لا يـُستحق أن يرد عليه· فبذلك سنخسر مساحة هي أولى أن تكون للنقد البناء المتداول ضمن النسق الإنساني، ولا يندرج نحو مستويات أقل·

إن قضايا الوطن لا تحتمل النباح ولكنها تحتمل النقد الراشد، والمواطن لا يحتاج إلى سب أو طعن أو استهزاء بالآخر للدفاع عن همومه، ولكنه يحتاج إلى عرض موضوعي مقنع مسند بالأدلة والروح الواثقة والنفس الطويل للحوار، لا إلى دفقة النباح القصيرة التي يجري تجاهلها لقصر نفسها وعجزها·

فالنقد في أساسه يولد نقداً مضاداً إذا افتقد إلى الموضوعية، والمعّول يبقى في أين يكمن الجزء الأكبر من المصلحة العامة، ولدى أي طرف؟ لأنها في حقيقتها (أيّ المصلحة العامة) كلٌ لا يملك الفرد منه إلا جزءاً منظوراً إليه من جانبه، في حين أنّ الآخرين كذلك لهم زواياهم التي يرون بقية أجزائها من خلالها·

على كل حال، الجرأة شيء جميل، ولكن لابد لها وأن تقترن بالصدق والموضوعية، وليس بالتشنج والردود الأشبه بالنباح، لأنها (أيّ الجرأة) في ذلك قد تخرج من الصفة الإيجابية في اقترانها بالإنسان إلى صفة إيجابية أيضاً ، ولكن لغيره من مخلوقات الله·

Page 6

المثقف بين الثبات على المبدأ والطمع في الغنيمة

من الصعب على العربي أن يـُثبت أن موقفـَه -تجاه أيّ قضية في بلده- موقفٌ مبدئي؛ أيّ يقوم على الإيمان بالمبدأ، وليس على أيّ شيء آخر، ومن السهل جداً أن يـُقال له إنه لو أصاب شيئاً من الغنيمة، لتغير موقفه، ولربما انقلب رأساً على عقب، وحده الموقف من العقيدة لدى البعض وليس الكل يمكن أن يكون استثناء· تاريخنا العربي هو تاريخ الغنيمة بامتياز، وتاريخ الولاءات بدرجة مماثلة· لذلك يـُضرب المثل بالمعارضة العربية، عندما يأتي الحديث عن الظرف والانتهازية لا عن الأجندة والمبدأ· إنّ الموالاة والمعارضة في عالمنا العربي، هي لعبة كراسي موسيقية، كل فقرة تنتهي يتغير فيها الكرسي وصاحبه من موقع إلى آخر· لذلك كثير مما يثار في الصحف والمجلات وكثير مما يكتب، لا يخرجُ تقييمه عن ذلك، لو أصابه شيء من الغنيمة، لانتقل إلى الضفة الأخرى، لا يستطيع حتى الصادق إثبات غير ذلك؛ لأنه لم يتعرض للاختبار بعد· قل لي كم وزيراً رفض الوزارة والمنصب! رغم انتقاده للسياسات وتوجهها، فقط في الكويت تـُرفض الوزاره للفوز بكرسي البرلمان، مما يعني غنيمة أكبر· الموقف المبدئي يحتاج إلى بنية تحتية مختلفة تماماً غير متوفرة في عالمنا العربي، ما يفعله العربي هو أداؤه للدور لا أكثر، ومهما كانت درجة تقمصه لهذا الدور، يظل الخروج منه سهلاً وميسراً· العربي صاحب مبدأ من السلطة حتى تلوحَ له أو تغريه الغنيمة التي يقوم عليها عقله السياسي، كما ذكر الجابري رحمه الله· المبدأ من السلطة ليس هو بالضرورة المبدأ من الحياة· تاريخنا شاهد على اعتذاريات مثقفينا وتراجعهم وانخراطهم وعودتهم، وتنكرهم لما قاموا به-والعود أحمدُ- حتى لو لم يتغير السبب أو يزول، ولكن ظروفهم تغيرت إما سلباً وأحيانا كثيراً إيجابياً·

لذلك لا تعبأ العقلية ُ العربية حتى ونحن في عصر ثورة الاتصالات وسرعة وسائل النقل، بما يـُكتب وتفيضُ به الصحف والمنتديات؛ لأنها تدركُ حسب تجربتها الطويلة التاريخية التي عاشتها أو قرأتها تاريخاً أنّ القضية قضيةُ نصيب من الغنيمة لم يتحصل بعد، ولا تكترثُ السلطة كذلك بما يُكتب لأنها تملك الجزرة وتستعملها حين ومتى تشاء· ربما هناك استثناءات عبر التاريخ -بسيطة جداً لا تكاد تذكر- في ثنائية الفرد والسلطة بالذات· لست ممن يؤمنُ بالحتميات، ولكن الخروج منها يتطلب حفراً تاريخياً وخروجاً عن المرجعية التاريخية التي تؤبدها· هل يُعذر العربي عندما يكون موقفـُه زئبقياً حسب ترائي الغنيمة له! ألم يكن متماشياً مع تاريخه الذي يقرأه ماضياً ويعيشُه ويصنعُه معهم حاضراً! وهل يـُلام من ينتقد مثقفي هذا العصر؛ بأنهم وقتيون وحسب مصالحهم! جميعنا ينتقدُ من أجل الصالح العام- الكل يقول ذلك- لكن ماذا إذا انتفى تقابل الصالح العام مع الصالح الخاص! أو ماذا لو ضحكت لك السلطة يوماً، هل تقوى على مقاومة أسنانها الذهبية! أم أنك خارج التاريخ العربي، هذا هو

Page 7

لا نصلح إلا بهم ولا يصلحون إلا بنا

المتأمل لما حصل في مؤتمر الطائف الشهير -في أثناء الاحتلال العراقي لدولة الكويت- من إصرار الشعب الكويتي على إعادة الشرعية للدولة، متمثلة في حكم آل صباح مع اشتراطه بعودة الحياة الدستورية بعد التحرير، والتي كانت -أساساً - نتاجاً لمرحلة من مراحل هذا الحكم، يُدرك أهمية الجزئية الأولى، وهي المطالبة بالحكم السابق وبالعائلة نفسها وبمركزية هذه المطالبة· هل كان بإمكانهم اختيار بديل آخر؟ وهل أفرز تاريخ الكويت بديلاً؟ وهي أكثر دول الخليج حراكاً سياسياً· هل تملك دول الخليج بديلاً عن أنظمتها القائمة اليوم؟ وهل يمكن استبدال القبيلة بقبيلة أخرى اليوم؟ مثل هذه التساؤلات، وبعد الحدث المزلزل، وتماسك الشعب الكويتي خلف قيادته القبلية الشرعية، رغم وجود أطياف وزعامات لتوجهات سياسية راديكالية كويتية آنذاك، كل هذا، يثبت أن تاريخ هذه المنطقة مختلف تماماً عن غيره، وذو طبيعة مختلفة كذلك عمن سواه سياسياً، بمعنى أنه ذو صبغة اجتماعية ودينية يبثُ فيها من مفرداته وأنزيمات بقائه من داخله، وأنّ البعد الاجتماعي والديني هو ما يصوغ البعد السياسي وتشكيلاته بعد ذلك؛ بمعنى أنَّ إفراغ َ السياسة من بعدها الاجتماعي القبلي والديني القائم لا يحولها البته إلى فعل، مهما اكتست من أشكال؛ سواءٌ تكتلات أو جمعيات أو حتى أحزاب، ما دامت الصيغة الراهنة ستعود في مرحلة أو ستكون مطلباً لابد منه في مرحلة الانهيار والتبدد· وكل ما يمكن تحصيله هو تحسين الشروط، بما يجعل المجتمع كله ضمن بؤرة اهتمام هذا الوضع وهذه الشرعية التاريخية القبلية· هذا ما حكته تجربة الكويت· إذاً من المفروض أن تكون العلاجات أو مشاريع الإصلاح لا تبتعد كثيراً عن هذا التوجه حتى النقد والأدب والثقافة -لأنه كما أشرت سابقاً -مجتمع منجز، وما جرى في محنة الكويت يثبت ذلك·

تتميز الكويت هنا عن غيرها من دولنا في توسيع دائرة الإنجاز من خلال المشاركة السياسية· لا مكان للراديكالية في هذه المجتمعات بتكويناتها القائمة حالياً، ولا مكان للفكر الراديكالي كذلك، ولا للاتهامات المصاحبة لهذا الفكر؛ لأنها زبد وطوباوية متخيلة ومستوردة، ولو جاء أو حان الوقت لتطبيقها لأنكرها وتهرب منها أدعياؤها ومرددوها كما حصل في أزمة الكويت·

علـّة المجتمعات الخليجية باطنية، ولا يعالجها إلا هذا التكوين الخليجي التاريخي القبيلة والمجتمع أثبتت محنة الكويت أننا لا نصلح إلا بهم، ولا يصلحون إلا بنا· فالإصلاح إذاً عملية يحتاجها الجميع هم يحتاجونها وأعني الأنظمة، ونحن نحتاجها أعني الشعوب، وهي مساحة قائمة يمكن التقدم فيها أو التأخر بناءً على مسلمات كثيرة، يمكن كذلك استبعاد المعوِّق فيها ما أمكن، سواءٌ كان هذا المعوِّق ديناً أو عرفاً أو ثقافة، وسلم الإنسانية، وطلب المجتمع المستمر، وإمساك زمام الفاعلية ما أمكن، همُ المحدد والمعيار·

التوجه إلى الداخل، والعمل من خلاله، وتقليل جرعة الإيديولوجيا الطوباويـّة التي تصور الخلاص دون حتى تخيل البديل -ناهيكم عن إمكانية إيجاده- تجعل من ثقافة المجتمع في حالة فصام وخصام مع واقعها· أن يتخذ الإنسان موقفاً شيء جيد، فالحياة موقف كما يقولون· ولكن يجب ألا يكون هذا الموقف موقفاً وهمياً كمحاربة طواحين الهواء، علينا التيقن بأن تاريخ هذه المنطقة لم يعرف الفواصل الناقلة والصدمات الانفصالية للوعي، فإنك حين تتكلم اليوم عن قضية معينة تعود لاشعورياً لملامسة أبعادها إلى عمق التاريخ والدين؛ بل إنّ الماضي لدينا هو من يصنع الحاضر، تاريخنا هو تاريخ القبيلة والدين، نعم نريد الخروج من تشعباته، ولكننا أعجز من التخلص منه، وإيداعه متحف التاريخ، فلذلك فإنّ هبة الإيديولوجيات على المنطقة على طول تاريخها، كانت من الهشاشة، بحيث تزول كما يزول الغبار عند أول نزول للمطر·

العديد يكره كلمة خصوصية، ويدعي أن لا خصوصية لجماعة أو لمجتمع فيما يتعلق بالأبعاد الإنسانية الضرورية للمعيشة الكريمة والمساواة، كلام جميل وموافق عليه، ولكن ألا يسمى اتفاق الكويتيين على عودة شيوخهم وقبيلتهم، رغم جل الخلافات بين الطرفين كشرط لتحرير الكويت، وتقديم هذا المطلب لأكبر وأعرق الديمقراطيات القائمة على تبدل السلطة وتجددها المستمر خصوصية، علينا أن نتأمل ما حصل في مؤتمر الطائف الشهير في أثناء الاحتلال العراقي لدولة الكويت، وإصرار الشعب الكويتي على إعادة الشرعية التقليدية، التي قد نختلف ونتخاصم معها، ولكنه تاريخنا وصيغة حياتنا الممكنة والملموسة حتى الآن· علينا أن لا نستحي من الماضي إلا بقدر ما نكون عاجزين عن تطويره، الصورة الكبرى التي يصورها التاريخ لحكم القبيلة -بل ويحترمها- تتمثل في الملكية الدستورية، وهي قمة تطوير الماضي، وذروة سنام الحاضر وإشراقة المستقبل التي لا تغيب·

Page 8

الفصل الثاني
في التراث الديني

التراث بين ضرورة النقد ورهبة التقديسهناك جانبان لتشخيص إشكالتنا مع التراث·

الجانب الأول: نفسي؛ فالتراث بشقيه المادي والمعنوي ذاكرة للأمة، والذاكرة في الأساس قدرة على استرجاع أحداث الماضي، ولكنها قد تحتل -كذلك- الحاضر أو معظمه، إذا ما أصبحت هاجساً، وأصبح الحاضر فضاءً فارغاً ، لا يملؤه شيء يُذكر·

عدم تبلور آلية للتعامل مع هذا التراث بالشكل الذي يجعله ذا نفع، بحكم أنه ماض ٍ يستفاد منه، لا أن يُعاش· وبحكم أنّ الأشياء لا تؤخذ بشكل شمولي؛ غثها وسمينها· وآلية التعامل مع التراث تتطلب عنصرين مهمتين، لتحقيق الغرض المرجو منها؛ وهما: المسافة اللازمة للحكم على الأشياء، والنظرة النقدية، وليس النظرة النوستالجية المتشوقة أو الحانة إلى الماضي، وعدم تحقق هذين العنصرين في تعاملنا مع تراثنا جعله عبئاً على حاضرنا، وشغل يومنا وغدنا·

إنّ دراسة أيّ شيء تتطلب حيادية الدارس أمام الموضوع الذي يراد دراسته، وتتطلب الفصل بين الذات الدارسة، والذات المدروسة· نحن ندرس الماضي والتراث، ونحن نعايشهما بشوق كبير، نلتصق بالماضي حفظاً لذاتنا الضائعة، وخوفاً عليها من الاندثار، نتشوق إلى الماضي وتراثه بحنين يفوق حنين الأم إلى وليدها الرضيع؛ لأنّ الحاضر مرعب، ولا ندرك من أشيائه الكبرى أو الصغرى ذرة ً تطمئننا أو تهدئ من روعنا· أيّة موضوعية نتقصاها بعد ذلك، نحن نذوب في ماضينا، كما يذوب الملح في الماء، وننزوي في أركانه وزواياه، كما ينزوي الخائف من أشعة الشمس أو برد الشتاء·

إنّ انتصار نظرة التقديس للماضي وتراثه على تيار النظرة النقدية الفاحصة له، كان لها الأثر الكبير في تراجع دور هذه الأمة بين الأمم، قد تجنح النظرة النقدية نحو التحامل قليلاً، ولكن لا يمكن الاستغناء عنها بأيّ حال من الأحوال، ما نمارسه اليوم في حاضرنا عندما نحاول استعادة الماضي وتراثه العريق تحت العديد من الشعارات، سواءٌ كانت دينية أو قومية؛ أو غير ذلك هو قمة التقديس لـه· لقد أباد بُول بُوت نصفَ شعبه الكمبودي في محاولة لاستعادة تاريخه، ومزق صدام حسين العراق وجيرانه في محاولة لاستعادة تاريخ نبوخذ نصر وقادسية العرب·

لقد كان اقتحام الحاضر بأسلحة الماضي وبالاً على الأمة، لأننا لم نفرق بين عناصر الزمن الثلاثة؛ الماضي والحاضر والمستقبل· لقد كانت قلوبنا غُلف، ونحن نقف أمام النقد، ونعتبره سَباً وهجاءً؛ لأن قاموسنا اللغوي، لا يعرف كلمة النقد ومليء بأبواب السب والهجاء إلى جانب المدح المبتذل· ننظر كيف كانت وقفتنا مع من أراد أن ينظر ببصيرة إلى التراث ويفرزه فرزاً في الماضي والحاضر، فهناك من جرى تكفيرهم أو طردهم أو قتلهم، أليس كان من الأفضل التحاور معهم، وفتح باب النقاش بدلاً من تكميم الأفواه، وسد الثغور، وترحيل الإشكالية من زمن إلى آخر، ومن جيل إلى آخر!

لقد كان انتصاراً كبيراً للشمولية السياسية والعسكرية التي تـُزهق أرواحنا يومياً، وانهزاماً للكيفية التي لو قـُدر لها، لوضعتنا على خريطة الأمم الرائدة· ما لم يرتفع التراث إلى مستوى النقد، وما لم نضع المسافة المطلوبة بينه وبين حاضرنا وذواتنا المعاشة اليوم، وما لم يكن النقد منهجاً أساسياً يفوق مناهجنا العربية البيانية كلها، لن نستطيع أن نعايش حاضرنا إلا بقدر تدخل ماضينا فيه، وبقدر ما ينعكس عليه من ذلك الماضي والتراث، وسنظل نتحرك في فضاء اليوم بذاكرة الزمن الذاهب إلى غير رجعة·

Page 9

الاصطفاف خلف صنمية النص

ثمّة َ فرق بين الفكر وحامله، حامل الفكر إنسان، والفكر في ذاته، حالة قابلة للتبدل والتغير، ولكن يبقى حامله في جميع الأحوال إنساناً له جميع حقوق الإنسانية، وعليه واجبات يتحملها بصفته كذلك· تعتقد العقلية العربية أنّ عظيم إنجازها الشروع في تصنيف الناس، فذاك ليبرالي، والآخر إسلامي، والثالث حداثي···إلخ، مستعيرة من العصر ثقافته، لابسة جلبابه دونما مشاركة فعالة منها في إثراء هذه الثقافة·

المشكلة كما أراها في عدم اعتماد البعد الإنساني كمركز تنطلق منه مثل هذه التصنيفات· وإنما تتم الاستعاضة عنه بمركزية أخرى استبدادية، تنطلق من الذات المعتقدة بأنها تمتلك الحقيقة الوحيدة، ودون ذلك الخروج أو البعد عنها· حتى في مثل هذا الوضع، نحن في حالة استعارة، وتزوير لتاريخ الغير بصورة يندى لها الجبين، تنسى مثل هذه العقلية العربية أنّ التيارات الفكرية، بأنواعها وأشكالها المختلفة، وفي مواطن نشأتها، قامت أساساً من أجل الإنسان، واستمر منها ما توافق مع ذلك فقط، فالمركزية أساساً إنسانية الطابع، ومن شذَّ عنها سقط وطردته الشعوب من نافذة التاريخ ركلاً بالأقدام، واستمر منها فقط ذلك الذي استطاع أن يعتمد البعد الإنساني في داخل نسقه، الجميع تأنسن، ابتداءاً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، الحراكُ الاجتماعي هناك، المتجهُ نحو مركزية الإنسان، استطاع تحويلها قوة دافعة لبناء المجتمع، وليس لإعاقته وتقسيمه، كما نرى داخل مجتمعاتنا·

لذلك ثمـَّة حالة من الاصطفاف غير الواعي خلف المصطلحات المستوردة نعجز عن تحريكها أو فهمها، في إطارها التاريخي والثقافي، فنصل إلى حالة من الانبهار أمامها، نقدسها بشمولية كبيرة، ويحملها الواحد منا، وكأنها قدرٌ لا فرار منه، الديمقراطية، العلمانية، المجتمع المدني، الحداثة، تاريخية النص، وما إلى ذلك، كلها إفرازاتٌ لجسم آخر مر بتعرجات تاريخية وثقافيــــة لم تشهدْها مجتمعاتنا الضعيفـة، رغم عالميتها وإنسانيتها (أيّ هذه المصطلحات)، وإشكالية مثل الاصطفاف العشوائي والشمولي خلفها، يتمثل في شروط أصحابه ضرورة إخراج ما يحتويه بطن الأمة وجوفها أولاً من كل تراكماته عبر العصور، وإزالة ما علق بهذا البطن وذلك الجوف، حتى نسمح لمثل هذا المصطلحات والمفردات أن تدخل وأن تستقر داخله، وهو الأمر المستحيل؛ لأنّها في الحقيقة، وداخل مجتمعاتها أصلاً، لم تفعل الشيء نفسه، وإنما جاءت نتيجة لتوافقات ثقافية وتاريخية، وليس استئصالاً وقطعاً حاداً مثل ما يتطلب من يصطف خلفها· إنّ (من يصطف خلفها) بالضبط كمن يشترط عليك قبل أن يحادثك أن تحلق لحيتك، أو أن تغير ملابسك، فجمود الأمة من جمود الفهم لحركة التاريخ والتفاعل الثقافي، فمن المعروف أنّ الأمة الإسلامية أمة أسسها نص هو القرآن الكريم، هذه حقيقة لا يمكن، بحال من الأحوال، تجاوزها أو إلغاؤها، وإلا سنخرج من نطاق مفهوم الأمة تاريخياً بالمعنى الإسلامي الشمولي - هذه أمتكم أمة واحدة- وأعتقد بأنّ التشكيك في هذا النص الخالد بين الحين والآخر، لا يخدم قضايا الأمة العربية أو الإسلامية لارتباط مفهومي العرب والإسلام ارتباطاً لا يمكن فصله بحال من الأحوال، واعتماد كل منها على الآخر· فهذا النص ثابت لا يمكن تغييره، ولكن الجزء المتحرك في هذه المعادلــة هو فهمنا لهذا النص، والذي يجب أن يكون حركياً ديناميكياً، وهو أمر لا يتعارض مع مفهوم قدسية النص بأيّ حال من الأحوال، فالأزمة في الأساس، أزمة فهم جامد، وسيادته على غيره من أنواع الفهم الآخر، وليست أزمة نص، فالأجدر العمل على تحريك الفهم لدى العقل العربي والإسلامي، ضمن البيئة المعاشة لتجاوز مرحلة الجمود والتوقف· إنّ انعكاس هذه الإشكالية على واقعنا المعاش المعاصر، أورثتنا مشاكل نفسية، جعلتنا نتبنى ميكانيزمات الدفاع لمحاولة تبرير واقعنا المعاصر· فاستحضار أمثلة من ماضينا المجيد؛ لنرشق بها إنجازات الحضارة الغربية الإنسانية، على وجه الخصوص، هو أسلوب عاجز وخطأ كبير يتمثل باستبدال الحاضر بالماضي، وإلغاء الدور النقل النقدي الذي ترتكز عليه الحضارة المعاصرة·

إنّ دخولنا عصر العلم والاتصالات يظل ناقصاً ما لم تدخله البنية الثقافية أيضاً· وبغير اعتمادنا على العقلية النقدية، والتركيز على خلق مهارات التفكير النقدي في برامجنا التعليمية، سنظل خارج الإطار التاريخي لعصر التقدم، وإن عايشناه على استحياء كمستهلكين وزبائن· فالأزمة عميقة، وعلاجها يتطلب تغييرات في البنى والقوالب الفكرية، وهي أمور في منتهى الصعوبة، ولكنها تصبح حتمية إذا ما أردنا تفعيل الحاضر بدلاً من تقديس الماضي·

بل مع الأسف، تمثل مناهجنا التعليمية تكريساً لهذه الأزمة، حيث لا تزرع الرؤية العقلية النقدية لدى الدارسين، وبالتالي يصبح النقد -وهو سمة إنسانية- ممارسة خاطئة في الظلام، وخلف الأستار، أو بعد فوات الأوان، أو يتحول إلى عواطف جياشة بكائية، وقد ينتج عنها بعد ذلك تصرفات وردود أفعال تزيد من هلاك الأمة· فهل يعقل أن تمر هذه الأمة -على الأقل في عصرها الحديث- بكثير من الأزمات والمصائب، وتـُغلب عاطفتها الجياشة على عقلها النقدي، وتُحمّل بالتالي غيرها مسؤولية فشلها وتراجعها!

إذا كان هناك ثمـَّة ما يمنع من غرس مفاهيم التعليم العصري، الذي يقدم على مبادئ ومفاهيم العقل النقدي في النظام التعليمي العربي لأهداف سياسية، واحتكار المعرفة الكاملة لدى الرموز، وتكريس مفهوم الرعاية الأبوية، وتعميمه على جميع الأصعدة، فإنّ العصر الحالي ضد التقوقع والتشنج والمسايرة القشرية لهذا العصر، المتمثلة في الحوارات وممارسة النقد، من خلال انفتاح الفضاء الإعلامي قسراً على العرب والمسلمين، وهي لا تجدي نفعاً في التعويض عن إصلاح النظام التعليمي، بل إنّ أغلبها اجترارٌ للتاريخ، ورؤية متأخرة للأحداث، تحتمها المراحل العمرية للأشخاص، من حيث المطلوب تعويد النشء الجديد على النقد الهادف البناء·

إنّ عدم تأصل العقلية النقدية داخل النسيج الثقافي العربي جعل الإنسان العربي مرهوناً بالجاهزية الفكرية المستوردة، يعيش بين مرحلتين على طرفي نقيض؛ مرحلة يتطلب منه فيها الصمت والتصفيق، ولو على مضض ومن دون اقتناع، ومرحلة أخرى متأخرة، يصبح فيها خارجاً عن النظام والقانون بمفهوم المجتمع الأبوي· والأدهى من ذلك أنه قد يستعان بـ النص لإثبات خروجه ومروقه، وذلك عود لملامسة جرح الأمة القديــم، الذي لم يلتئم بعد، واصطفاف آخر خلف صنمية المصطلح·

Page 10

العقيدة وغلبة الاجتماعي على الديني

من يعتقد أنّ العقيدة الإسلامية صالحة لكل عصر وزمان، لابد وأن ينفي عنها صفة الانغلاق العقائدي الذي يؤمن به، ويمارسه البعض طوعاً أو كرهاً، وربما بحسن نية ودون إدراك، من يفعل ذلك قد لا يعلم أنـّه بذلك يُعلن محدوديتها وتاريخية نصوصها، ويخرجها من إطار العالمية الذي يسعى إليه عقلاء وفقهاء الأمة الثقاة استجابة لمضمون رسالتها الخالدة·

لو أدرك أولئك أنّ هذه العقيدة ثابتة النصوص، ولكنها تتطلب تطوراً في الفهم، لكي تجاري به العصر لاختلف الوضع واتسعت الرؤى· عندما كانت العقيدة المسيحية تمارس الانغلاق العقائدي، وترفض حتى ما يخرج من مضمونها، اضطر أصحابها إلى عزلها عن الحياة الاجتماعية، بعد حروب دينية وطائفية طاحنه· لا بد إذاً من فهم متجدد يخرج الواقع من الإسقاطات الكلية، التي لا تحتمل سوى القبول أو الرفض· إنّ مشكلة عدم الفهم المشترك بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، فيما يتعلق بتجاوز التصادم المحتوم، كما يتصوره البعض، تكمن في الخلفية الاجتماعية والسياسية لكلا الجانبين، فالمسلمون يمتلكون عقيدة من خصائصها التطور، ولكنهم اجتماعياً عاجزون عن إدراك ذلك، والإجماع عليه وتحقيقه فعلياً، في حين أنَّ الغرب يعتمد فلسفة برجماتية نفعية بعد أن عجزت عقيدته المسيحية ذاتياً عن التطور، فالعجز هنا في المنهج لعدم شموليته، ولكنه هناك عند المسلمين في فهم المنهج ومقاصده· مع أن اتساق المرء أو حتى المجتمعات مع سنن الله في الكون من أخذ للأسباب يكفل له أولها التقدم والتطور، مهما كانت عقيدته أو عقيدتها، ولننظر الآن لردود الأفعال العالمية لعدم إدراكنا أو إجماعنا أو قدرتنا على إبراز صورة العقيدة الإسلامية الحقيقية لغيرنا من مجتمعات العالم، الأمر الذي جعل أصابع الاتهام تتجه إليها لا إلينا كما ينبغي· يشير فوكويانا في مقال له نشر سابقاً في مجلــــــة نيوز ويك الأمريكية إلى أنّ الإسلام هو الحضارة الوحيدة في العالم التي يمكن الجدال بأنّ لديها بعض المشاكل الأساسية مع الحداثة مع إقراره بأنّ الحضارة الإسلامية كانت تتعايش فيها المذاهب المختلفة في ظل نظام المِلل العثماني، في الوقت الذي كانت الحروب الدينية تمزق أوروبة، ولكنه (أيّ الإسلام) تطوّر بصورة معقدة، أدت إلى توليد أشكال أخرى منه، ترفض حتى مبدأ الحداثة الأول المتمثل في قيمة التسامح وفي نفس العدد من المجلة ذاتها، مقال آخر لصامويل هانيتغتون، صاحب مقالة صدام الحضارات الذائعة الصيت، يشير إلى أنّ الزمن الذي نعيشه هو زمن الحروب الإسلامية، سواءٌ البينية أيّ بين المسلمين مع بعضهم البعض، أو بينهم وبين غيرهم من الحضارات والأديان، وهناك عقدان عاشهما العالم تحت رحمة العنف والإرهاب الإسلاميين من عام 1980 إلى عام 2001 ميلادي· ولنا أن نتصور مدى مساهمتنا في صدق هذه المقولة داخلياً عندما ننظر لما يحدث في العراق اليوم·

من المسؤول عن هذه النظرة لدى دوائر الرأي والدراسات في الغرب؟ عن عقيدة يجمع الكل لدى دراسته لها بتمعن وإدراك بأنـّها تجمع خير الدارين، فمن الذي قرن الفقر والجهل بالإسلام داخل الذهنية الغربيــة إذاً؟ من الذي ربط بين التعصب والتطرف والعقيدة الإسلامية؟ ألم يكن ذلك نتيجة للتراكم الاجتماعي بما فيه الفهم القاصر والخاطئ عبر مسيرة هذا الدين العظيم، وإسباغ صفة الديني على الاجتماعي مع مرور الأيام· الناظر يدرك أنّ التطور السلبي كان يجري على الجانب الاجتماعي هذا بصورة متسارعة، أوصلتنا إلى ما نحن عليه من مأزق حضاري في حين إنَّ الفهم المتحرك الذي تتطلبه الشريعة، يبدو وكأنه ُاستبعد، كي يبلغ الجانب الاجتماعي مأربه ومقصده تحت عباءة ورداء الدين، فالعالم الإسلامي جَبلٌ من التراكمات الاجتماعية منذ القرون الأولى، وما نشهده يومياً سوى هزات تعلو وتنخفض لإذابة هذه التراكمات حتى يظهر معدن العقيدة الحقيقي، وعلى الرغم من ذلك، تجد أشدَّ المقاومة ليست هي تلك التي تأتيك من الخارج المنافس، وإنـّما من تلك الانشطارات التي ولدتها هذه التراكمات الاجتماعية، كما أن الفتاوى التي تأتيك من كل حدب وصوب، بما فيها من تضارب، جعلت من المسلم المعاصر مريضاً ليس بسبب ما يعانيه من مرض ظاهر، وإنـّما بسبب كثرة أدعيائه من أطباء·