توطئة
تتناول دراسات هذا الكتاب القيمة المعرفية والإجرائية للبلاغة. قد تختلف الموضوعات والإشكالات التي تنظر فيها، ولكنها في النهاية تروم هدفا موحّدا يتمثّل في ما يمكن أن تقدمه البلاغة من إمكانات التفكير في الخطاب وتحليله ونقده.
لقد صدرت هذه الدراسات عن تصور يرى في البلاغة اليوم نظرية في النص تنافس غيرها من نظريات النص الأخرى، وتقدم نفسها بوصفها المعرفة الجديرة بالاهتمام لما أصبحت تحظى به مجمل الخطابات التداولية (الدينية والسياسية والإشهارية..) من تأثير في عموم الناس. ولأجل ذلك اتجهت مجموعة من الدراسات هنا إلى استثمار هذه النظرية في تحليل نصوص تنتمي إلى أنواع خِطابية مختلفة كالرحلة أو الخبر أو الشعر، أو تحليل مكونات بلاغية من قبيل صور الأسلوب.
ولما كانت البلاغة علما عتيقا متجذرا في التراثين اليوناني والعربـي (والإنساني بشكل عام)؛ فقد عمدت بعض الدراسات في هذا الكتاب إلى العودة إلى هذين التراثين لإعادة قراءتهما واستثمار ما فيهما من إمكانات معرفية وإجرائية تسهم في تدعيم النظرية البلاغية المعاصرة. فالعودة إلى البلاغة القديمة بقدر ما تنطوي على رغبة الاكتشاف من خلال ما يستجد في عالمنا من أسئلة، فإنها تنطوي أيضا على رغبة في تعميق الفهم لما نعيشه ونفكر فيه اليوم. فالحاضر والماضي يتبادلان التأثير. وتمثل هذا التوجه في البحث الدراسات التي ضمّها القسم الأول من الكتاب.
ولما كان المقصود بالبلاغة اليوم-بوجه عام- المعرفة بالإقناع والحجاج في التواصل والتخاطب، فإن معظم دراسات القسم الثاني من هذا الكتاب صدرت في صياغة إشكالاتها عن مفهومات ومبادئ هذه البلاغة في تحليلها للخطاب بشكل عام والخطاب بأنواعه المخصوصة (الشعر والخبر والرحلة)، أو بأجزائه (الصور البلاغية) أو بأفعاله (التصفيق بوصفه مظهرا من مظاهر الاستجابة البلاغية التي ينتجها الخطاب).
ولما كان هذا الكتاب قد بُني في الأصل على أعمال ندوة علمية نظمتها فرقة "البلاغة وتحليل الخطاب" بكلية الآداب تطوان بالمغرب بتاريخ 13-14 ماي 2013 تكريما لرائد من رواد البحث البلاغي في الثقافة العربية المعاصرة هو الدكتور محمد العمري؛ فقد اختص القسم الثالث بتقديم مشروعه البلاغي الذي شرع في تشييده منذ أواسط الثمانينات.
وفي واقع الأمر يُعَدُّ هذا الكتاب-بشكل من الأشكال- إحدى ثمار هذا المشروع الذي شكّل وعي جيل من الباحثين البلاغيين المشاركين هنا. ولأجل ذلك فالأسئلة التي تثيرها دراساته ليست سوى إعادة صياغة ومناقشة للأسئلة التي أثارتها كتابات محمد العمري ومازالت تثيرها حتى هذه اللحظة. من ذلك إعادة تحديد مفهوم البلاغة، وإعادة قراءة التراث البلاغي العربـي في ضوء الأسئلة المستجدة في حقل النظرية البلاغية المعاصرة، وإعادة صياغة بعض مفهومات البلاغة ومكوناتها، وربط البلاغة بتحليل الخطابات الحية، وغيرها من الإشكالات التي سبق لمحمد العمري أن نظر فيها في كتاباته.
إن "البلاغة والخطاب" هو الكتاب الثاني الذي تقدمه فرقة "البلاغة وتحليل الخطاب" إلى القارئ العربـي، بعد كتابها الأول: "بلاغة النص التراثي: مقاربات بلاغية حجاجية"؛ وإذا كان الكتاب الأول هو محاولة لتقديم مقاربات بلاغية حجاجية لأنواع خطابية من التراث العربـي القديم كالخطبة والقصيدة والوصية والمفاخرة والخبر والخطاب النقدي، فإن هذا الكتاب هو محاولة للنظر في المبادئ والمرتكزات التي تقدمها البلاغة لتحليل الخطابات، آملين أن يسهم في تنمية البحث في البلاغة بشكل خاص وفي حقل تحليل الخطاب بشكل عام.
محمد مشبال
فرقة البلاغة وتحليل الخطاب
كلية الآداب تطوان
القسم الأول
البلاغة تراثٌ ممتدٌّ
البلاغة العامة في حوار الرصد والتنظير من الشعر إلى الخِطاب
محمد العمري
تقديم: الموضوع والإطار
من أوليات نظرية التلقي في بعدها التاريخي أننا نُعيدُ اكتشافَ الماضي من خلال أسئلة الحاضر وبدائله المعرفية، كما نـزداد معرفة بالحاضر من خلال إرهاصاته ومَخاضاتِه الماضية. هذه الآلية المعرفية هي التي تُفسر إعادة الاعتبار العلمي للتراث السردي العربـي، وعلى رأسه ألف ليلة وليلة، والمقامات والتراث الصوفي، فضلا عن كثير من أشكال التعبير الفني، مثل الوشم والتشجير والتختيم...الخ. وفي هذا الإطار أعدنا قراءة التراث البلاغي التداولي الذي دخل عليه الضيم في سياق ثقافي نكوصي: أعدنا مثلا توجيه قراءة كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وأعدنا توجيه قراءة أعمال الفلاسفة في قراءتهم لكتاب فن الشعر لأرسطو...الخ. وهذه العملية لا تتم إلا عَبْرَ إعادة المفهمة والتدليل والتنسيق والتنقية من الشوائب الزمكانية لصالح أُفْقٍ معرفي كوني. وطبيعة هذه العملية التدرجُ واكتشافُ الشيءِ مما يليه.
تذكَّرْتُ هذا المبدأ المنهاجي، وأحاولُ الآن التذكيرَ به وتثمينَه تمهيداً لإعادةِ تدليلِ نصٍّ مَررتُ به، قبلَ اليومِ، دونَ أن أكتشف موقعه من النسق الذي كنتُ أبْنيه، والحالُ أنه لبنةٌ لها موقعُها فيه[1].
بعد صُدور كتاب البلاغة العربية أصولُها وامتداداتُها، وبعد مساهمتي، جُهدَ الـمُستطاع، في إبراز البعد التداولي للبلاغة العربية تنظيرا وتطبيقا، أعدتُ اكتشافَ "المحاورةِ" السابعةِ من ليالي الإمتاع والمؤانسة لأبـي حيان التوحيدي في المفاضلة بين البلاغة والحساب. أقول "أعدتُ اكتشافَها" لأني تلقَّيْتُها، هذه المرة باندهاش، وقد مررتُ بها قبلَ ذلك- كما مر بها مؤرخو البلاغة والنقد الأدبـي الذين عرضوا لأبـي حيان- دون أن تثير انتباهي: اعتبرتُها، كما اعتبروها، مجردَ مماحكةٍ متحذلقة، أو تمرين إنشائيٍّ مما يفتعلهُ الكُتَّاب وأصحاب المقامات لإبراز مهارتهم طلبا لحظوة أو وظيفة أو عطاء. اليوم أنظر إلى مرافعة أبـي حيان بدهشةِ من ظفر بقلادة ذهب في كومة تراب، وأتأسف لأني لم أقدِّرها حق قدرها عند بناء الفصل المخصص للبيان والخطابة من كتاب البلاغة العربية. فقد كان هذا الامتداد- لو كُشف عنه النقابُ- سيُغني مشروع الجاحظ، وذلك بإخراج الخطابية (بلاغة الإقناع) من الأفق الشفوي الذي نَظَرَ منه الجاحظ ونَظَّر له، ومن الأفق المعرفي المنطقي الذي حشرها فيه ابن وهب، إلى أفق الإنشاء وسياسة الدولة. فهذا هو الأفقُ الذي رصده أبو حيان وهو يرافع من أجل بلاغة جديدة أشبه بنظرية التواصل والإقناع الحديثة، بلاغة قوامها الاستمالة والإقناع. بلاغة تتكامل مع الحساب وتتعاضد مع الحكمة. بلاغة تستحق عنواناً حديثا مثل: البلاغة والسياسة، قوة الخطاب وخطاب القوة[2]. وقد قادني هذا النص إلى إعادة النظر في نصين آخرين مهمين، أحدهما صريح النسب إليه والثاني نَسبَه إلى أستاذه أبـي سليمان المنطقي.
أبو حيان هو أنجبُ تلاميذ المدرسة الجاحظية رؤيةً وأسلوباً؛ تكمنُ قوتُه، مثلَ قوة الجاحظ، في رصد البلاغة وتتبع مواطن حضورها، وليس في تنظيرها وتحديد سرها وماهيتها، وإن كان الجاحظ قد حاول التنظير في حدود ما سمح به الرصيد المعرفي لعصره الذي ما زالتْ تُهيمنُ عليه الشفوية، كما بينا في قراءتنا النسقية لكتاب البيان والتبيين، نسق الجاحظ كامن، أما أبو حيان فيبدو مُفكِّكا مضادا للنسق.
نحاول في هذه الدراسة إعادة الاعتبار لعملية الرصد التي قام بها أبو حيان، وهذا لن يكون دالا وناجعا إلا بإدراجها في نسق تاريخ البلاغة العربية، من جهة، ودمْجها في مشروعنا الحالي لبناء بلاغة عامة من جهة أخرى. ولتحقيق هذين الغرضين سنضيفُ فقرة ممهدة تذكر بتفاعل الرصد والتنظير في مسار البلاغة العربية، وفقرةً خاتمة مبلورة ترسم الخطوط العامة لتصورنا الحالي الذي يجد فيه رصْدُ أبـي حيان مكانا فسيحا، وهو مبني على التفاعل بين التراث العربـي والغربـي القديم والحديث. وبذلك ستتكون هذه الدراسة، بعد هذا التقديم، من ثلاثة مداخل بمثابة خطوات:
1) حوار الرصد والتنظير في البلاغة العربية، 2) بلاغة القوة وقوة البلاغة، في مرصد أبـي حيان، 3) خطاطةٌ أولية لبلاغة عامة.
1- حوار الرصد والتنظير في البلاغة العربية
حين نتحدث عن الرَّصْد والتنظير لا نود أن يقع في ذهنِ القارئ أننا نُشبِّه عمليةَ تكوين المعرفة البلاغية بعملية اكتشاف كوكب منـزوٍ في ركن من الفضاء؛ تنتهي العملية باستكمال خطوات الرصد (الملاحظة) والافتراض والاختبار وصولا إلى التعرف على الكوكب، بل نقصد أن عملية الرصد في البلاغة شبيهة باستكشاف الفضاء بكل مجراته. صحيح أن البداية كانت ملاحظةً ورصداً خالصيْن، ولكن انطلاق التنظير لم يوقف عملية الرَّصْد، بل حفزها وأجَّجَها. سارت عملية الرصْد والافتراض والاختبار وبناء النظرية جنبا إلى جنب في مد وجزر إلى اليوم، وستبقى كذلك إلى أن يكف الإنسان عن الإبداع والنـزاع، أي عن الكلام.
نقصد بالتنظير عملية البحث في الهوية وما يحيط بها من وضع الأسماء وتحديد المفاهيم، والبحث في العلاقات والفروق، أي في البنيات، وكيفية الاشتغال والآثار المترتبة عنه (الوظائف). أما الرَّصْد في المجال البلاغي فيتعلق بملاحظة الوقائع، ملاحظة تميز بعض صيغ الكلام عن المستوى الاستعمالي العادي المطرد. وهذا يتم عبر استراتيجيتين: 1- الاستكشاف من الداخل، 2) والاستكشاف من الخارج.
1-1- الاستكشاف من الداخل، وهو نوعان: سابق على عملية التنظير (ما قبل النظرية)، ولاحق لها مسترشد بها (المواكب للنظرية).
1-1-1- ما قبل النظرية
إذا نظرنا إلى تاريخ البلاغة العربية سنجد أن ملاحظةَ تميُّزِ بعضِ صِيغ التعبيرِ، وانـزياحِها عن المعتاد المستعمل عند عامة الناس، حدثَ وسُجِّلَ في الذاكرة قبلَ عصر التأليف، وقبل أولِ محاولة لتقعيد اللغة، وهذا أمرٌ طبيعي: وقع ذلك قبل مجيئ الإسلام، واستمر بعده. وقد عُبِّر عنهُ بالانفعال أولاً (بحركات وردود فعل طربا أو إعجابا)، ثم بمحاولة الوصف والتشبيه والاستعارة من المجالات المحسوسة: السبك، الترصيع، الحلاوة، الطلاوة... وقيل: القشيب والخشيب ...الخ، عدم المعاضلة بين القول، أي سلامته من الالتواء.
وأصحابُ هذه المزايا القولية كانوا متميزين بين عامة الناس؛ منهم شعراء، أي يشعرون بما لا يشعر به غيرهم، ومنهم خطباء، أي مقتدرون على مواجهة الخطوب وتضميد الجراح، وإطفاء نار الحرب، وسل الضغائن. ولكل هؤلاء ارتباط بعلم السحر والكهانة والأرواح والشياطين، قَبلَ أن يُكتشفَ سرُّهم وتوصَف صناعتهم.
والجديد الذي طرأ في عصر الكتابة والتأليف، أي بعد قرنين من ظهور الإسلام، هو القيامُ بعملية تجريد أولية: نَعْتُ ما تكررَ من الصور، ورصده من التعابير الخاصة المتميزة في عدة مواقع (في قول فلان، وقول فلان، وقول فلان...الخ) بنعتٍ واحد، أي إعطاؤه اسماً واحدا: هذا تشبيه، وهذه استعارة، وذاك تجنيس، وهذا طباق...الخ. والأصل في ذلك أن يُنعتَ تعبير ما بصفة من الصفات ثم تعمم على كل ما يشترك معه في النعت والصفة.
1-1-2- مواكبة الملاحظة للتنظير
قلنا في مناسبة سابقة، بل في أكثرَ من مُناسبة، أن البلاغة مفهوم تاريخي[3]، أي أنه يتغير ويتطور ساعيا لاستيعاب كل الصور والتجليات "المرصودة" عصرا بعد عصر. تلك الصور التي كرَّسَ التاريخُ استعمالَ البلاغة (ورافدها وفروعها، وبدائلها: فصاحة، بديع، بيان، براعة...) وصفا لها. فكُلما تطورتِ الحياةُ، وتفاعلت الحضارات ظهرت خطاباتٌ جديدة (المقامات، الخرافات، الترسل...الخ)، واقتضى الأمرُ تأطيرَها نظريا، فتوسع مجال البلاغة مستفيدا بدوره من تلاقُح الحضارات. وهذا ما وقع في المجتمع العربـي، فبعدَ عصر الشعر، وبعد العصر الذهبـي للخطابة، جاء عصرُ الكتابة، ففَتح أمام البلاغة آفاقا جديدة، كما سنرى مع أبـي حيان.
1-2- الاستكشاف من الخارج
بعد المرحلة الانطباعية الذوقية التي سبقت مرحلةَ طرْح سؤال الماهية، بل وقبل نهايتها، بدأت أولى عمليات الاستكشاف من الخارج[4]. بدأت هذه العملية مع محاولة تقعيد اللغة العربية، حيث تمردت عباراتٌ وصيغٌ عن القياس المطرد، مع وجود هذه الصيغ المنـزاحة عن المعيار في نصيْن لا يمكن أن ينسبا إلى الخطأ: الشعر العربـي وما إليه من مأثورُ كلامِ فصحاء العرب، والقرآن الكريم الذي جاء بلسان عربـي مبين لكي يفهمه العرب على سَنَنِهم اللغوي وتقاليدهم الخطابية. فعندَ هذه النقطة، ولتجاوز هذه المعضلة، فتح النحاةُ واللغويون بابَ الاتساع في اللغة (سيبويه)، والمجاز في القرآن (أبو عبيدة) والضرورة في الشعر. وتكاثرت هذه المواد، من قبيل لائحة المجازات التي سردها أبو عبيدة في مستهل كتابه غريب القرآن.
1-3- التقاء المسارين:
في خطوة لاحقة، بل وموازية، جُمعت النعوتُ والأسماءُ المتحصِّلة من العمليتين في صفةٍ مشتركة حسب زاوية نظر الـمُسمِّي: فالشاعرُ الناقدُ (ابنُ المعتز) سماها "مُحسناتٍ"، وسمى ما اعتُبر عند غيره جديدا بِـ"البديع"[5]، والنحوي (مثل سيبويه وأبـي عبيدة) الذي شغله نسقُ اللغة الطبيعية ومعيارُها المطرد، أو رد الشبهة عن القرآن الكريم، سماها "توسعا" في اللغة و"مجازا قرآنيا"، أي طريقا ثانويا. فما اعتُبر تحسيناً وبديعاً عند الشاعر الناقد رصده النحوي والمفسر باعتباره توسعا في اللغة، ومجازا[6]. الشاعر الناقد نظر من زاوية جمالية إبداعية والنحوي نظر من زاوية وظيفية معيارية[7]. وهاتان الزاويتان هما الاستراتيجيتان الكبيرتان في تفسير الظاهرة البلاغية، وستدخلان لاحقا في حوار مع نظرية المحاكاة الأرسطية[8].
وتوالت النعوت فقيل: هذا بديع، وهذا بيان، وهذا تصوير، وهذه براعة، وهذه فصاحة، وهذه بلاغة. وتصارعت هذه النعوت على الاستيلاء على الموضوع كله، فكانت الغلبة، في آخر المطاف لكلمة بلاغة، ليبدأ السؤال: ما هي البلاغة؟ وهل هناك بلاغة واحدة أم عدة بلاغات؟ وتوقفت "الفصاحة" عن منازعتها على المركز بفعل قوة مشروع الجرجاني وترجيح السكاكي له على مشروع ابن سنان المنافس له، كما بينا في كتاب البلاغة العربية..
ابنُ المعتز شاعرٌ أولاً، أي منشئٌ/بليغٌ، حاول أن يَصفَ صنعتَه وصنعةَ مُجايِليه، أي أن يصبح بلاغيا/ناقدا، وسيبويه نحوي، أي مضاد للبلاغة باعتبارها انـزياحا عن قواعده، اضطر لتحصين مملكته النحوية بفتح قوس "خارج "القاعدةِ" والخطأ معا؛ يَضمُّ كلَّ الانـزياحات: كل ما لا يطرد للقياس، مما تستحسنه العرب، أو تستسيغه، فهو توسُّع في اللغة، أو مجاز. فالعرب أحرارٌ، ككل الأمم، في أن يفعلوا بلغتهم ما يشاءون. وكان الخليل، شيخُ سيبويه وأستاذه، قد جعل الموسيقى مدخلا إلى عالم أسرار الشعر وبلاغته، فاكتشفَ نظامَه الهيكلي الذي تتنـزل فوقه وتتفاعل معه المكونات اللغوية المختلفة: الأوزان، التي سميت بحورا.
بعد هاتين اللحظتين الاستكشافيتين: لحظةِ الانطباع الجمالي (الاستكشاف من الداخل)، ثم لحظة الانـزياح النحوي (الاستكشاف من الخارج)، سيبدأ انفصالُ البلاغيِّ (أي الواصف) عن البليغ (أي المنشئ)، سينفصل الناقد عن الشاعر: في البداية كان الشاعر (اِمرؤ القيس مثلا)، ثم ظهر الشاعر الناقد (النابغة، ابن المعتز)، ثم استقل الناقد عن الشاعر (ابن طباطبا، وقدامة خاصة)[9]. هذا في المسار الجمالي، أما في المسار الانـزياحي فسيخرج البلاغيُّ الـمُنظرُ تدريجيا (عبر تفسير القرآن وفقه اللغة) من عباءة النحوي النسقي (من سيبويه إلى أبـي عبيدة وابن جني، ليصل، بعد ذلك، إلى الجرجاني) مطعما أسئلةَ النحو بأسئلة علم الكلام بعد تجريب نظرية المحاكاة.
قصور نظري
قبل أن أهتم بالتأريخ العام للبلاغة العربية قادني البحثُ عن "الموازنات الصوتية"، في الاتجاهات الكبرى للبلاغة العربية، إلى ملاحظةِ حضور تلك الموازنات بقوة في عملية الرصد، وغيابها، أو التقليل من شأنها في عملية التنظير. ولأن عملية الرصد استمرت في سجلات "البديعيات" (ترصد وتسمي الصور في غير نسق)، كما استمرت في كتب النقد التطبيقي التي هيمنت عليها الخصومات والشروح، فإنني لم أجد حرجا في الحديث عن "بلاغة الرَّصْد"، و"بلاغة التنظير"[10]. ولذلك عَوَّلتُ على بلاغة الرصد في إبراز دور الموازنات الصوتية في الشعرية العربية. إذْ سجلتُ وقتَها أن الموازنات الصوتية هي مَظنَّةُ شعريةِ %75 من المنظوم العربـي القديم[11]. والسبب في قصور التنظير الماهوي عن استيعاب كل الـمَرصُود البلاغي هو انطلاقُ أكبرِ النظريات البلاغية من خارج السؤالِ الشعري/النظمي، أو البلاغي أصلا، أي من خارج عاصمة البلاغة التي لم تُكتشفْ بَعدُ، من جهة، وهيمنة نظرية المحاكاة على التنظير، من جهة أخرى، وذلك بحصرها عمليا في التشبيه والتمثيل والاستعارة. وأنصعُ دليل على ذلك إقصاءُ الموازنات الصوتية من مشروع أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز تحتَ ضغْطِ الهَمِّ الإعجازي، وكذا من نظرية البيان لهيمنة الهم المعرفي الإقناعي المقامي[12]....الخ.
ولم تجد خطاطة قدامة بنجعفر من يطورها إلى أن جاء حازم في لحظة الانحسار فبقي اجتهاده خارج القراءة. أما التنسيقات التي مارسها بعض البديعيين بعد ذلك فقد كانت شكلية، لم تنطلق من سؤال الهوية البلاغية للخطاب[13].
من الملاحظ أن الأجوبةَ الأولى عن السؤال المباشر: ما البلاغة؟ كانت تقييمية بما مضمونه: "البلاغة عند..."، أو نوعية: "البلاغة في[14]..."، وحتى حين ترِد عبارة: "البلاغة هي..." فكثيرا ما يَنْظرُ المنظِّرُ من زاوية اهتمامه، أو من خلال مهيمنةٍ تُهيمن على عصره (الشعر، الإعجاز، البيان والإقناع...) فيُعمِّم صِفةَ الخاص على العام[15]. هذا ما فعله الجرجاني حين جعلَ سر أسرار البلاغة في تفاوتِ التراكيب في التعبير عن المعاني، وجعل سِدرة منتهى هذا التفاوت في الجمع بين أعناق المتنافرات في ربقة[16]. وعندما لاحظ أن هذا التعريف، إن صدق على نماذج وقمم من الشعر العباسي قوامُها البناءُ على التشبيه والمجاز، فإنه لا يصدق على القرآن الكريم استأنف البحثَ عنها في خواص تراكيب الكلام بحسب المقاصد هذه المرة. وكان الجرجاني قد جعلَ التدليلَ على إعجاز القرآن مرمًى وغايةً؛ كانَ بيانُ مَناطِ المزية التي تحدى بها القرآن بلاغة العرب شاغله الأول.
في المحاولة الأولى (في الأسرار) استثمر التأويل العربـي لنظرية المحاكاة الأرسطية، وفي المحاولة الثانية (في الدلائل) اتكأ على النحو وعلم الكلام، على ابن جني والقاضي عبد الجبار المعتزلي. هذه معاناة الجرجاني، بل محنتُه، التي أعطتنا أعمقَ الأفكار التي جاءت بها البلاغة العربية وأدقَّها.
هذا في حين وجد حازم سِرَّ البلاغة في النسق الذي يُفاعلُ التخييل والتصديق، الشعر والخطابة، ولم يبق أمامه لكي ينخرط في آخر صيغ الحوار الذي يشغلنا الآن، في القرن 20 و21، سوى أن يقترح الاسمَ الذي يدل على القصيدة والخطبة في آن، ويعطي صفة الخطاب الذي ينتمي إليه مسمى هذا الاسم. وهذا ما سنحاوله في الفقرة الثالثة من هذه الدراسة.
في رُفْقة الجرجاني، وفي تعقب خطواته، وهو يقلب أرض البلاغة بالأسئلة، نلتقط الدرر والجواهر، وفي التحليق مع حازم فوقَ ضباب المنطق والشعر وسُحبهما نكتشفُ خارطةً بالأبيض والأسود، مفتاحُها مكتوبٌ بخط رقيق مائل، لا يكاد يُرى، وإذا رُئي لا يكاد يقرأ. وقد التقط الكثير من الناس بعضَ جواهر الجرجاني ووضعوها في أكياس لا تشبهها، ولكنهم لم يهتدوا أصلا لقراءة مفتاح خريطة حازم- رغم إضاءاته وتنويراته- فلم يحتفظوا من كتابه إلا بنسخة مبتورة بدون مقدمة، وهو المصيرُ نفسه الذي سبق أن لقيه كتابُ في الشعر لأرسطو.
2- بلاغة القوة وقوة البلاغة، في مرصد أبي حيان
بين عصر الاستكشاف الجمالي والانـزياح النحوي (من الجاهلية إلى أوائل القرن الثالث الهجري تقريبا) وعصر السؤال المركزي: ما البلاغة؟ أي ما سرها، أو أسرارها؟ (القرن الخامس مركزا) تدخَّل عاملان جديدان ساهما في الانتقال من الشفوية إلى الكتابية، هما عنصر المثاقفة وهيكلة الدولة وتعقد بنيتها المدنية. هذا هو عصر أبـي حيان التوحيدي، (القرن الرابع الهجري)، وهو نفسه عصر أبـي سليمان المنطقي، وعصر عميدي النثر العربـي أبـي الفضل ابن العميد[17]والصاحب بنعباد.
رحلتُنا هذه المرة ليست مع صاحب البديع عبد الله ابن المعتز ومن سار على دربه من البديعيين، ولا من استثمر سجلات "صوره" من الإعجازيين، ولا مع صاحب البيان، أبـي عمرو الجاحظ، ومن حَوَّلَ مجراه من البيان إلى نظرية المعرفة (ابن وهب)، أو فكك نسَقَه وحوَّله إلى قِطع غيار (جمهور البلاغيين والنقاد)[18]، ولا مع صاحبِ الأسرار والدلائل وقُرائه (السكاكي وشراحه) المعجبين بمنحاه النحوي الدلالي، أو معارضيه (ابن سنان) الذين اختاروا نموذجا صوتيا، وليست مع حازم وبلاغته المعضودة بالمنطق المستثمر لقراءة الفلاسفة العرب للتراث الأرسطي. هذه الرحلات رَحَلْناها ووصفناها بتركيز أحيانا وتفصيل أحيانا أخرى، حسب الحاجة، في كتاب: البلاغة العربية أصولُها وامتداداتها، وفي الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية والممارسة الشعرية. رحلتنا هذه المرة مشوقة لأنها في أرض بِكْر، رحلتنا مع كاتب متفلسف، وشاهد متيقظ على عصر لم يكن راضيا عنه، مع كاتب متمرد، خطب وُدَّ عصره بالعقل والمعرفة والكرامة فانتهى بإحراق كتبه. رحلتنا مع صاحب مثالب الوزيرين، مع صاحب البصائر والذخائر والهوامل والشوامل، مع صاحب المقابسات والإمتاع والمؤانسة، رحلتنا مع أبـي حيان التوحيدي وشيخه أبـي سليمان المنطقي. لم يحضر قطُّ أبو حيان في المشاريع والمنجزات والمفاهيم التي عرضْناها في الكتب الأكاديمية، وما كان له أن يحضر في ذلك الجو الأكاديمي الجاف، لأنه ليس أكاديميا، وليس منظرا مؤثرا في تاريخ البلاغة، بل هو شاهدٌ على انتشار مَملكتها[19]، وبلوغها مدى سطوتها وتوسعها، حين كانت في قمة ازدهارها، وهو مَعنيُّ بالدفاع عنها والحِرص على حدودها وتخومها، لأن عيشه ووجاهته منها وإليها. رَصدَ أبُو حيان قوةَ البلاغة وانتشارَها من خارج صراعات مُنظريها الذين يحاول كل منهم أن يحصرها في مجال اهتمامه واشتغاله أو رؤيته الفلسفية، رصدها أبو حيان من زاوية حضورها وانتشارها وفعاليتها في الحياة. قد يتبادر إلى الذهن أنه دافع عن البلاغة وسعى لتوسيع خارطتها وإعلاء قيمتها لكونها مملكتَه التي يقارعُ بها المنافسين الذي يسعون لجعل الحظوة في غيرها. ربما يكون هذا الاعتبارُ حاضرا ومحمسا للانخراط في نقاش كان قائما، لم يفتعله افتعالا. هذا ما سيتأكد منه القارئ بالرجوع إلى كتاب صبح الأعشى، يقول القلقشندي متحدثا عن قلعتين تتصارعان على النفوذ:
"على أن الكتابة وإن كثرت أقسامُها وتعددت أنواعها، لا تخرج عن أصلين هما: كتابة الإنشاء، وكتابة الأموال وما في معناهما على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى"[20].
ثم يرسم حدود كل منهما:
""فأما كتابة الإنشاء فالمراد بها كل ما رجع من صناعة الكتابة إلى تأليف الكلام وترتيب المعاني: من المكاتبات والولايات والمسامحات والإطلاقات ومناشير الإقطاعات والهدن والأمانات والأيمان وما في معنى ذلك ككتابة الحكم ونحوها.
وأما كتابة الأموال فالمراد بها كل ما رجع من صناعة الكتابة إلى تحصيل المال وصرفه وما يجري مجرى ذلك ككتابة بيت المال والخزائن السلطانية، وما يجبى إليها من أموال الخراج وما في معناه، وصرف ما يصرف منها من الجاري والنفقات وغير ذلك، وما في معنى ذلك ككتابة الجيوش ونحوها مما ينجر القول فيه إلى صنعة الحساب.
"ولا شك أن لكل من النوعين قدراً عظيماً وخطراً جسيماً، إلا أن أهل التحقيق من علماء الأدب ما برحوا يرجحون كتابة الإنشاء ويفضلونها ويميزونها على سائر الكتابات ويقدمونها؛ ويحتجون لذلك بأمور"[21].
"الأمور" التي يحتجون بها هي المزايا والمطالب البلاغية التي سيحدثنا عنها أبو حيان.
أما المناسبة المباشرة لمرافعة أبـي حيان فمن الراجح أن تكون واقعةً حقيقية ما دام هو يصف ما جرى في مجلس من مجالس مسامراته للوزير ابن العارض في حياة الأخير، وفي محضر آخرين. فقد جعلَ فرصتَه لذلك ادعاءَ أحد الكتاب المعروفين (ابنُ عُبيد) أن أرضَها ضيقة ونفعَها قليل، وطبيعتها رخوة...الخ. وحتى لو لم يوجد هذا الطاعن فقد كان يجب أن يخلقه أبو حيان لكي يعرض على لسانه التهم الموجهة للبلاغة في عصره من طائفة التقناويين الذين كانوا، ولا يزالون، لا يرون طائلا من العلوم الإنسانية جملة.
2-1- دور البلاغة في الحياة
2-1-1- لائحة الاتهام
قال أبو حيان مسترجعا ما جرى في الليلة السابعة:
"ولما عدتُ إليه [أي إلى الوزير صاحب المجلس] في مجلس آخر، قال: سمعتُ صُياحك اليوم في الدار مع ابن عبيد، ففيم كنتما؟"
"قلتُ: كان يذكر أن كتابة الحساب أنفعُ وأفضلُ وأعْلقُ بالـمُلك، والسلطانُ إليه أحوجُ، وهو بها أغنى من كتابة البلاغة والإنشاء والتحرير، فإذا الكتابة الأولى جد، والأخرى هزل؛ ألا ترى أن التشادق والتَّفيهُق والكذبَ والخداعَ فيها أكثرُ؛ وليس كذلك الحسابُ والتحصيلُ والاستدراكُ والتفصيلُ.
"قال [ابن عبيد]: وبعد هذا فتلك صناعةٌ معروفة بالمبدأ، موصولةٌ بالغاية، حاضرة الجدوى، سريعة المنفعة؛ والبلاغة زخرفة وحيلة، وهي شبيهة بالسراب، كما أن الأخرى شبيهة بالماء.
قال: ومن خساسة البلاغة أن أصحابها يُسترقعون ويُستحمقون[22]؛ وكان الكُتاب قديماً في دُور الخلفاء ومجالس الوزراء يقولون: اللهم إنا نعوذُ بك من رَقاعة المنشئين، وحماقة المعلمين، وركاكة النحويين. والمنشىءُ والمعلـمُّ والنحوي إخوة وإن كانوا لِعَلاَّتٍ؛ والآفة تشملُهم، والعادةُ تجمعُهم، والنقصُ يغمُرهم، وإن اختلفتْ منازلُهم، وتباينتْ أحوالُهم.
... وبعدُ، فمصالحُ أحوال العامة والخاصة مُعلقة بالحساب؛ على هذه الجديلة والوتيرة يجري الصغارُ والكبارُ والعِليةُ والسفلة، وما زال أهل الحزم والتجارب يحثون أولادهم ومن لهم به عناية على تعلم الحساب، ويقولون لهم: هو سلة الخبز. وهذا كلام مستفيض".
"ومن عبَّر عما في نفسه بلفظٍ مَلحونٍ، أو محرف، أو موضوعٍ غيرَ موضعه، وأفهم غيره، وبلغ به إرادته، وأبلغ غيره، فقد كفى؛ والزائد على الكفاية فضلٌ، والفضلُ يُستغنى عنه كثيراً، والأصلُ يُفتقرُ إليه شديداً، ..."[23]. لمفهمة مآخذ ابن عبيد، وتسهيلا لفهم ردود أبـي حيان عليها نعيدها إلى مفاهيم عامة دالة:
المجال
القيمة
الصفة
الصورة
الحساب
متسع
ضرورة
الصلابة
الماء
البلاغة
ضيق
فضلة
الرخاوة
السراب
هذه أهمُّ التُهم الموجهة للبلاغة في سياق المقابلة بينها وبين التقنوية التي انتدبَتْ الحساب لتمثيلها[24]. وقد ردها أبو حيان بطريقة تبينُ ضيقَ أُفْق التقناوي الذي يرى العالم من ثقب باب حرفته. وسنبلور أجوبته حول نقط تلخصها وتبنيها:
2-1-2- مرافعة أبي حيان
استبعدنا ردوده على بعض المآخذ الجزئية غير المنتجة بلاغيا، من قبيل اتهام البلاغيين والمعلمين والنحاة تهما مناطها بجهات أخرى غير البلاغة.
2-1-2-1- البلاغة باتساع الإمبراطورية.
بدأ أبو حيان بِردِّ تُهمة ضيْق مجال البلاغة ليبين أن هذه التهمة تنم عن عدم استيعاب المنتقد لمفهوم البلاغة. فقد أخطأ ابنُ عبيد حين حصر البلاغة في ديوان الرسائل، ولو كانت محصورة فيه فعلا لكان صادقا، كما قال أبو حيان. ونظرا لأن جوابَ أبـي حيان المتعلق باتساع المجال هو الذي يخدم غرضنا في البحث عن بلاغة
عامة، ونظرا لحداثة جوابه فإننا سنورده كاملا. قال:
"قلتُ: أيها الرجلُ، قولُك هذا كان يُسلَّمُ لو كان الإنشاءُ والتحريرُ والبلاغةُ بائنةً مِنْ صناعةِ الحسابِ والتحصيل والاستدراك وعمل الجماعة وعقد المؤامرة[25]. فأما وهي متصلة بها وداخلة في جملتها ومشتملة عليها وحاوية لها، فكيف يَطَّرِدُ حكمُك، وتُسلَّم دعواك؟"
ثم قرعه بسؤال إنكاري: "ألا تعلـمُ أنَّ أعمالَ الدواوين التي ينفرد أصحابُها فيها بعمل الحساب فقيرةٌ إلى إنشاءِ الكُتب في فنون ما يصفونه ويتعاطونه[26]؛ بل لا سبيل لهم إلى العمل إلا بعد تَقدِمة هذه الكتب التي مدارها على الإفهام البليغ والبيان المكشوف والاحتجاج الواضح، وذلك يوجدُ من الكاتب الـمُنشىء[27]الذي عِبْتَهُ وعَضَضْتَه، وهذه الدواوين معروفة، والأعمال فيها موصوفة؛ وأنا أحصيها لك كي تعلم أنك غالطٌ وعن الصواب فيها منحرف".
وذكر له ثمانية دواوين[28]، كما ذكر ما لكل ديوان من "توابع"، ومنها: "باب العين والمؤامرات، وباب النوادر والتواريخ، وإدارة الكتب ومجالس الديوان".
ومازال أبو حيان يرصد حضور البلاغة في كل الجهات (الدواوين) والزوايا (أبوابها) حتى حضرت في ذهنه صورة الشمس والقمر اللذين يمتد نورهما إلى كل الجهات والزوايا، فبدا له ابنُ عبيد، وهو يعيب البلاغة بالزخرف، أشبهَ بِمَن "عاب القمرَ بالكَلَف، والشمسَ بالكُسوف".
بل إنه لَـ"يلزم كاتبَ الحسابِ [نفسَه] أن يعرف وُجوهَ الأموال، حتى إذا جباها وحصلها عَمِل الحسابُ أعمالَه فيها، فلا يمكنه أن يَجبـي إلا بالكتب البليغة، والحُجج اللازمة، واللطائف المستعملة...إلى غير ذلك من الأمور المحتاجة إلى المكاتبات البالغة على الرسوم المعتادة والعادات الجارية، كعهد ينشأ في إصلاح البريد وتقسيط الشرب، وكتاب في العمارة وإعادة ما نقص منها، وفي حزر الغلة والدِّياس". (نفسه).
2-1-2-2- البلاغة ليست فضلة
قال أبو حيان:
"فإن قلتَ: "هذا كله مُستغنىً عنه" كابرت وبَهَتَّ، لأن مَدارَ المال ودُرُورَهُ، وزيادتَه ووُفورَهُ على هذه الدواوين التي إما أن يكون حظ البلاغة فيها أكثر، وإما أن يكون أثر الحساب فيها أظهر، وإما أن يتكافآ. فعلى جميع الأحوال لا يكون الكاتب كاملاً، ولا لاسمه مستحقاً، إلا بعد أن ينهض بهذه الأثقال، ويجمع إليها أصولاً من الفقه مخلوطة بفروعها، وآيات من القرآن مضمومةً إلى سعته فيها، وأخباراً كثيرة مختلفة في فنون شتى لتكون عُدة عند الحاجة إليها، مع الأمثال السائرة والأبيات النادرة؛ والفقر البديعة؛ والتجارب المعهودة، والمجالس المشهودة، مع خط كَتِبْر مَسبوك، ولفظٍ كوشيٍ محوك؛ ولهذا عَزَّ الكاملُ في هذه الصناعة، حتى قال أصحابُنا: ما نظن أنه اجتمع هذا كله إلا لجعفر بنيحيى... أفلا ترى كيف غَرِقَ الحسابُ في غِمار هذه الأبواب؟". (نفسه).
يبدو وكأن أبا حيان يتحدث عن إمبراطورية الإعلام والتواصل في العصر الحديث، في هيمنتها على كل المجالات، وتسخيرها لكل الكفاءات والإمكانيات المعرفية والفنية، حيث يؤدي امتلاك الإنسان بالبلاغة إلى امتلاك السلطة والثروة، والعكس بالعكس. والبليغ في هذا المجال ليس مجرد مزخرف للقول، بل هو صاحب رصيد معرفي يستوعب الأدوات اللغوية والشرعية والثقافية بمفهومها الواسع. هذا هو المفهوم الذي غاب عن التقناوي القديم ويغيب حاليا عن بعض التقناويين المحدثين، وبعض منظري النقد الثقافي خاصة.
ومن البين أن التسليم بالردين السابقين (1 و2) كان كافيا لإبطال ما تبقى من حجج ابن عبيد، إذ ظهر من رد أبـي حيان أن الرجل تحدث في موضوع لم يكن يعلم طبيعته وحدوده، ومعنى ذلك أن أبا حيان سلك طريق سحب البساط. ومع ذلك فضل الاستمرار في تفنيد دعاوى ابن عبيد. لقد أعاد أبو حيان هنا تعريف البلاغة من خلال وظيفتها في الحياة.
2-1-2-3- الصلابة والرخاوة
يرى أبو حيان، بحق، أن المفاضلة بين البلاغة والحساب غيرُ مناسبة، لأنهما متكاملان: يستفيد كل منهما من طبيعة الآخر المختلف عنه، بل إن الحساب مفتقر إلى البلاغة قبل اشتغاله وبعد الانتهاء من عمله، فبدونها لن يجد ما يَحسِب، وبدونها لن يجد كيف يصرِّف نتائج حساباته، فالبلاغة، بخلاف الحساب، تعتمد التلطف والاستدراج حسب الإمكان والأحوال:
"[فلو] ظن ظان بأن مدار الملك على الحساب [فهو] صحيح، ولكن بعد بلاغة المنشىء: لأن السلطان يأمر وينهى، ويلاطف ويخاطب، ويحتج ويُنصف، ويُوعد ويعد، ويُضمِّن ويُمنِّي، ويُعلق الأملَ، ويؤكد الرجاء، ويحسمُ المادةَ الضارةَ، ويُذيق الرعيةَ حلاوةَ العدل، ويُجنبهم مرارة الجور، ثم يجبـي"[29].
"فإذا جبى احتاج إلى الحساب حتى يكون بالحاصل عالماً، ثم يتقدم بتوزيع ذلك على الحساب حتى يكون من الغلط آمناً، فانظر إلى المنـزلتين كيف اختلفتا؟ وكيف حصلت المزيةُ لإحداهما؛ ولو أنصفتَ لعلِمتَ أن الصناعة جامعةٌ بين الأمرين، أعني الحساب والبلاغة؛ والإنسانُ لا يأتي إلى صناعة فيشُقُّها نصفين ويشرِّف أحدَ النصفين على الآخر"[30].
يُذكر السجال العنادي الذي بدأه التقناوي، في هذه المحاورة، بالسجال العنادي بين الحقيقة الفلسفية وسلطة البلاغة التي دارت بين أفلاطون وسقراط وبين السفسطائيين، بين ما يعتقد من صلابة الفلسفة ويقينية نتائجها، ورخاوة الخطابة واحتماليتها، مع وجود فارق جوهري وهو أن أبا حيان لم يجعل البلاغة في عناد أو تنافٍ مع الحساب، بل جعلهما متكاملين، بل صناعةً واحدة حين يتعلق الأمر بتدبير الشؤون المدنية. وهذه نظرة متقدمة تصور المنحى الفكري لأبـي حيان الذي يرجح الحوار والإقناع عندَ الجباية وعند توزيع الحصيلة المالية للدولة. وبذلك يتوج أبو حيان المنحى الحواري الإنساني الذي بدأه الجاحظ، وهذا أحد أسرار إعجابه به، وأحد نتائج ملازمته لأبـي سليمان المنطقي، كما هو سر محاصرته حيا وميتا.
هذا التصور الحضاري للبلاغة هو الذي جعل أبا حيان يستعمل عبارة قوية إزاء اتهام البلاغة بالهزل (مثل: "بِئْسَ ما سولت لك نفسك..."!). فابن عبيد لم يقف عند الجهل بموضوع البلاغة حين حصرها في نطاق ضيق، بل أضاف إلى ذلك الجهل بجوهرها وطبيعتها، والوظيفة التي تؤديها في الحياة:
"وأما قولك: "إحدى الصناعتين هزلٌ والأخرى جد"! فَبئْسَ ما سوَّلتْ لك نفسُك على البلاغة! هي الجد، وهي الجامعة لثمرات العقل، لأنها تُحقُّ الحقَّ وتُبطل الباطلَ على ما يجب أن يكون الأمرُ عليه؛ ثم تحقيق الباطل وإبطال الحق لأغراض تختلف، وأغراض تأتلف، وأمورٍ لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير وشر، وإباءٍ وإذعان، وطاعةٍ وعصيان، وعدلٍ وعدول، وكفر وإيمان. والحاجةُ تدعو إلى صانع البلاغة، وواضعِ الحكمة، وصاحب البيان والخطابة؛ وهذا هو حد العقل والآخر حَدُّ العمل".
ولكي يبين للمنكر المعتد بتقنيته أن هَزْلَ البلاغة جِدٌّ، لسَعه بسخرية خفية قائلا: "وكفى بالبلاغة شرفاً أنك لم تستطعْ تهجينَها إلا بالبلاغة، ولم تهتدِ إلى الكلام عليها إلا بقوتها! فانظر كيف وجدتَ في استقلالها بنفسها ما يُقلها ويُقِل غيرها؛ وهذا أمر بديع وشأنٌ عجيب".
وهذه سخرية قاسية عند أولي الألباب، سبق إليها أبو حيان، وقد كنا ننسبُها لبعض الدارسين الغربيين الذين ردوا على المنادين بموت البلاغة بأن البلاغة لا تُطرد إلا ببلاغة أخرى، لا تنكمش بلاغة إلا لتنتشر بلاغة أخرى، والبلاغة هي البلاغة، فمن يقدح في البلاغة يُعرب عن جهله بها. البلاغة هي رائحة الإنسان مبدعا ومقارعا، وهجاؤها كهجاء الدواء والماء؛ لما قد يصدر عن سوء استعمالهما، أو عن العجز عن التحكم فيهما، فإن صَدرَ عن وعي مكتوم بأهميتها كان مجرد احتيال أصولي يريد احتكارها لنفسه وحده. واستعمال البلاغة في نصرة الحق تعلو دائما على استعمالها في الباطل؛ قد تكون للباطل جولة بسبب أعطابٍ تصيبُ بعض الجماعات والمجتمعات، ولكنه سرعان ما ينفضح وينهزم أمام البلاغة نفسها.
2-2- ملامح بلاغة عامة
لقد وُفق أبو حيان في رصد حضور البلاغة وفعلها في تنظيم حياة الإنسان رَصْداً دقيقا يؤهلُه لأن يكون مستشارا في التواصل لرئيس دولة في العصر الحديث. ومن الأكيد أن البلاغة التي تشتغل في هذا المجال الحيوي مركبةٌ: فهي وإن كانت أميلَ إلى التداول لغلبة الحجاج عليها فإنها تستعملُ كلَّ إمكانيات الفهم والإفهام والاستمالة والاستدراج والترغيب والترهيب، وهذا لا يتحقق إلا بدعم آليات التصديق بكل وسائل التخييل[31]. وقد رصَدَ الوظائف العامة للبلاغة في نص مفتوح جاء في سياق الحديث عن وظائف العلوم في كتاب المقابسات، نحاول هنا مَفهمَته وتنسيقه: قال:
"... وكذلك البلاغة التي قد علم صاحبها وطالبُها ما ينتهي إليه، ويقف عليه، من تنميق لفظ (1)، وتزويق غرض(2)، وتغطية مكشوف(3)، وتعمية معروف(4)، وإحضار بينة(5)، وإظهار بصيرة(6)، واختصارات(7)، وتقليق بات(8)، وتأليف شارد(9)، وتسكين مارد(10)، وهداية متحير(11)، وإرشاد متسكع(12)، وإقامة حجة(13)، وإرادة برهان(14)، واستعادة مزيد(15)، وتلطيف قول في عتب(15)، وتسهيل طريق في إعتاب(16)، وتهنئة مسرور(17)، وتسلية محزون(18)، وتلهية عاشق(19)، وتزهيد راغب (20)، ونَضْح عن عِرْض(21)، وحسم مادة من طمع (22)، وقلب حال عن حال حتى تضم بها أمور منتشرة(23)، وتندمل بها صدور منفطرة(23أ)، وتتسق بها أحوال متعاندة(23ب)، وتستدرك بها حسرات فائتة(23ج)، وتخمد نيران ملتهبة(23د)"[32].
يبدو عملُ أبـي حيان هنا شبيها، من جهة، بعمل المتذوقين الأوائل الذين اختاروا أبياتاً ومقطوعاتٍ من الشعر، وجُملا أو فقرات من الأمثال والحكم والخطب، لإحساسهم باحتوائها على مزية غير متاحة في الكلام العادي المتداول، وشبيه، من جهة ثانية، بعمل أصحاب البديعيات التي سَمَّتْ هذه المختاراتِ من الصور. فهو يقف بين العمليتين ينظر في المختارات (أبيات، مقطوعات، خطب، أمثال، حكم، توقيعات، رسائل وتوجيهات...الخ) فلا يوردها بنصها ولا يُسميها إلا نادرا، بل يذكر وظيفتها[33]. والنادر المقصود نجده في رقم (7) وفي رقم (23). فـ"الاختصار" و"قلب حال على حال..." إجراءان تنتج عنهما أحوال على نحو ما فصل في (23أ)، و(23ب)، و(23ج)، و(23د). ويمكن مناقشة (1)، و(2) من هذه الزاوية: هل هما إجراءان أم وصف للإجراء؟ الأكيد أنهما ليسا من الأحوال الوجدانية الحجاجية.
والنتيجة التي نريد بيانها هي أن الأغراض البلاغية المذكورة (في قوله: "ما ينتهى إليه") لا تنتمي إلى مستوى واحد من السلم الحجاجي، إذ جمعَ فيها بين الإجراءات والوظائف، الأسباب والنتائج. ويمكن توضيح ذلك بهذه الصيغة:
(1)+ (2)+ (7)+ (23) تؤدي إلى (3)، (4)... إلى باقي الأرقام.
وبعبارة أخرى: التزويق والتنميق الناتجان عن "الاختصارات" و"القلب" ...الخ، يؤديان إلى تأليف شارد، وتعمية معروف، وتسكين مارد... الخ. وقِسْ على ذلك وأنت تناقش تَذبذُبَ بعضِ "الأغراض" بين الإجراءِ وثمرتِه.
ومن الإنصاف أن نسجل أن التوحيدي يعرف أنه لا يَنظُر، هنا، في جوهر البلاغة وسرِّها، فلدفع هذا الوهم علق على ما قدمه عنها وعن العلوم الأخرى التي ذكرها في نفس السياق، ومنها الحساب والهندسة والهيئة قائلا: "وليس هذا القدر آتيا على حقائقها، ولكنه مشير إلى موضع المسألة والبحث عنها"[34]. لقد رصد وأشار بالإصبع إلى موضع الغرض.
الأكيد أن الأمثلة "البليغة" غيرُ قابلة للحصر لأنها بنتُ الإنشاء والإبداع وثمرة القرائح، ولذلك فمهمة عملية "التجريد" الموالية للجرد أن تعيدها إلى عدد محدود، وكلما أوغلنا في التجريد كلما قل العدد، أو- على الأقل- حُدِّدَ القطبان اللذان تندرج فيهما أو تتردد بينهما هذه الوظائف، أي كلما اقتربنا من "السر" والبنية الخفية. ومزية أبـي حيان كامنة، مرة أخرى، في الاكتفاء بعملية الرصد، ولكنها عملية في مستوى حدة ذكائه وامتلاكه لذرات اللغة:
سنحاول، مع ذلك، عقلنة نتيجة رصده لما "تنتهي إليه البلاغة"، أي ما تعود إليه: لقد نظر، في تتبعه هذا، إلى أدنى درجات السلم الحجاجي حيث يبدو الكلام مجرد زخرف (أو تزويق) (1، 2) مزيتُه في لفظه وما يثيره من وجدان أو إحساس جمالي مطرب أو مُرهب، وهي مزية بلاغية لا لبس فيها، بدليل أن أباحيان تحدث كثيرا، في مكان آخر، عن بلاغة الخط[35].
فعند هذا القطب الأقصى عرف الشعر العربـي إنتاجا، عبَّر عنه النقاد تنظيرا حين جعلوا "التشبيه" (وهو صورة بلاغية) و"الوصف" (وهو تقنية أسلوبية تعتمد التشبيه أيضا) غرضين شعريين قائمي الذات إلى جانب الأغراض الأبرز مضمونا، الموسومة بالخطابية، مثل المدح والهجاء[36]. فهذا القطب اللفظي الوجداني هو سدرة منتهى الشعر، ومحط أزمته، ومنطلق أسئلته الحارقة من القديم إلى اليوم، حيث تظل الشعرية مرهونة بالتباس معنى الشعر بلفظه، لا ينفصل عنه إلا فقد قدراً من معناه بقدر ذلك الانفصال. على أن الزخرف قد يكون وسيلة إيهامية استهوائية واستدراجية معطلة للكفاءة النقدية، وهذا هو المعنى الذي أعطاه شاعر عباسي كبير عالم بأسرار الصناعة للزخرف الذي يصبح شعرا، وهو ابن الرومي حين قال[37]:
في زُخرفِ القَوْل ترجيحٌ لقائلهِ
والحقُّ قد يَعتريه بعضُ تغييرِ
تقولُ: هذا مُجاجُ النحل تمدحَهُ،
وإن تعِبْ قلتَ: ذا قَيْء الزنابير
مدحاً وذماً، وما جاوزْتَ وصفَهما،
سحرُ البيان يُري الظلماءَ كالنور
فالزخرف تجاوزَ هنا الحِليةَ اللفظية، الترصيعية والتجنيسية، التي هيمنتْ على معنى الزخرف في العصور المتأخرة، الزخرف بهذا المعنى إجراء دلالي إقناعي استهوائي، قوامه الألفاظ المناسبة للغرض.
ثم رسم القطبَ الآخرَ المقابلَ حيث تلامس البلاغةُ منطقةَ البرهان (13، 14)، وقد والى بين "الحجة" و"البرهان" بما يوحي بالتراتبية، وإن كان الفرق بينهما في عصره ليس بنفس الحدة التي هو عليها في عصرنا الحالي، كما تحدث أيضا عن "إحضار البينة" (5).
الزخرف والتزويق/////////////منطقة تداخل//////////////البينة والحجة والبرهان
يمكن فهم المجال الذي يتحرك فيه هذا الأديب الفيلسوفُ الـمُعاني لأسئلةِ عصره، المستوعبُ لنصوصه وخطاباته، باستحضار قول الشاعر المطبوع البحتري متضجرا من المعايير البلاغية التي طغت عليها العلماوية غير المتفهمة لطبيعة الشعر الوجدانية التي لا تسعفها اللغة العادية فتلجأ إلى التكثيف اللفظي الذي يراه غير الشعراء زخرفا زائدا:
والشّعرُ لَمْحٌ تَكفي إشَارَتُهُ،
وَلَيسَ بالهَذْرِ طُوّلَتْ خُطَبُهْ[38]
حين نستقصي الوظائف الموجودة بين القطبين (1، 2)، أي قطب التخييل، و(13، 14)، أي قطب التصديق، سنجد أن باقي الوظائف تقترب من هذا القطب أو من ذلك، أو تتداخل بينهما، حسب المذاهب الأدبية والأجناس الخطابية. وقد لا حظنا في مناسبة سابقة مبكرة أن الخطابة توسعت في عصر ازدهارها حتى نافست الشعر في بعض أغراضه المحفظة له، مثل التعزية[39]، أما قيام الشعر بالوظائف البلاغية فأمر قديم ومعروف قبل عصر الكتابة. قد تقول لي: هل كان أبو حيان واعيا بهذه الخطاطة؟ وجوابـي إليك هو: من حسن الحظ أنه لم يكن مستحضرا لأية خطاطة مسبقة، بل كان ذهنُه منصرفا إلى كل المنتج الإنشائي والوصفي الذي انتهى إليه في القرن الرابع الهجري. وهو منتج يختلط فيه الإنشاء بالوصف، والإنجاز بالملكة، وهذا ما سيظهر في الخطوة الموالية التي طرح فيها السؤال الماهوي المباشر: ما البلاغة؟
2-3- إذن ما البلاغة عند أبي حيان؟
رصد أبو حيان البلاغة في الحياة، على المنوال الموصوف في (2-1) و(2-2)، فلاحظَ افتقارَ جميع مناحي التعامل المدني (بين الدولة والمجتمع) إليها، حيث تهيمن وظيفة الاستدراج والإقناع وترجيح العدل والخير...الخ، ثم رصدَ فعلَها من خلال النصوص والخطابات والتنظيرات، فوجدَ وظائفَها كثيرة عديدة، تداخلتْ فيها الأداة والملكة والأثر، ذكر 23 منها، تمتد بين قطبين، كما بينا. وعندما حاول الانتقال من المعاينة الميدانية لحقل عمل البلاغة إلى استكناه بنيتها في ذاتها، أي الانتقال من الرصد إلى التنظير، لم يجد أمامَه غيرَ جُزر مبعثرة في بحرها الواسع. ولعله استعظم التنظير لمجال بهذا الاتساع والتنوع فأوكل المهمة إلى أستاذه أبـي سليمان المنطقي، فأجابه:
"البلاغة ضروب: فمنها بلاغة الشعر، ومنها بلاغة الخطابة، ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل، ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة البديهة، ومنها بلاغة التأويل"[40].
وعلى الرغم من أن هذا التعريف ليس غريبا- من الناحية الشكلية- عن طريقة أبـي حيان الشذرية التفتيتية التي تُقدم المعنى في أوجُهٍ متعددة، وبصور مختلفة، بقطع النظر عن درجة السُّلم الحجاجي الذي تنتمي إليها الأجزاء، فإننا نحترم نسبته لأبـي سليمان خلافَ ما ذهب إليه مَنْ نسبه لأبـي حيان[41].
وقد خص كل ضرب من هذه الأضرب بتعريف قصد منه بيانَ خصوصياته. ونحن لن نهتم بتلك التعاريف والأوصاف، لأن التصنيف مختلٌ بشكل لا يمكن أن يُكسبَها هويات مستقلة. فالاختلال واضح- بالنسبة إلينا- في عطف المثل على الخطابة، والحال أنه أداة من أدواتها، وفي عطف النثر عليها وهو جنسُها الأعلى، وفي عطف البديهة على كل ذلك، وهي من ملكات وكفاءات الخطابة والشعر على حد سواء. هذه الحدود واضحة لنا، وللبلاغيين المختصين، ولكنها غيرُ واضحةِ بالنسبة لمن لم يستوعب بنية البلاغة الأرسطية ذات الجناحين: الشعري والخطابـي[42].
فهذا التصنيف يخلط بين الكفاءات وبين تجلياتِها اللغوية: فالعقل والبديهة والتأويل قِوىً وكفاءات (بقطع النظر عن الرتب)، في حين أن الشعر والخطاب والنثر والمثل تجليات (بقطع النظر عن الرتب) تظهر فيها هذه الكفاءات باختلاف مواهب الأفراد وممارساتهم.
كان هذا "الخلط"، إن صح أن نسميه بهذا الاسم، ممكنا في ذلك العصر، لأسباب لا يتسع المقام لشرحها. ويكفي أن نُشيرَ إلى أن صاحب هذا التصنيف كان يُحس بالبعدين (الكفاءة والتجلي) في وصفه لهذه البلاغات. يتجلَّى ذلك في تفسيره لبلاغة البديهة حيث قال: "والبديهة قدرةٌ رُوحانية، في جِبِلَّةٍ بَشريَّة، كما أن الرَّويةَ صورةٌ بشرية، في جِبلةٍ روحانية"[43]. إن عمل أبـي سليمان هنا عمل رصدي وليس تنظيريا.
ولمحاولة تفهم هذا التصنيف نقول: الجُزر التي كان يرصُدها أبو سليمان أو أبو حيان، أو هما معا، هي: جزيرة البديع ونقد الشعر (بلاغة الشعر)، جزيرة البيان (الجاحظي) والمناظرات (بلاغة الخطابة)، وجزيرة الكتابة وتحرير الرسائل (بلاغة النثر)، وجزيرة الوعظ والحجاج والمناظرة (بلاغة المثل)، وجزيرة التفسير والتأويل واستنباط الأحكام (بلاغة التأويل)، وجزيرة تحرير القضايا العلمية والفلسفية (بلاغة العقل)، وجزيرة ظواهر القدرة على الارتجال والحاجة إلى تعميق النظر مما سماه القدماء الطبع والصنعة (بلاغة البديهة، وبلاغة الروية)... وهكذا يمكن أن نتصور الطريقة التي رصدا بها مجالَ اشتغالِ البلاغة باعتبارها أداةً للتواصل والتأثير وكفاءاتٍ ضرورية لحياة حضرية قائمة على التبيين والاستمالة والاستدراج قبل الحساب وبعده.
وليس في منحى الخلط بين الكفاءة والإنجاز غرابةٌ عن مفاهيم ذلك العصر، بل هو إجراء مستساغ في ضوءِ التداخل بين مفهومين للبلاغة: البلاغةُ باعتبارها إنشاءً، أي عملَ البليغ، والبلاغةُ باعتبارها وصفاً، أي عملَ البلاغي. وأبو حيان يتحدث عن البليغ أكثرَ من حديثه عن البلاغي. وقد ظهر هذا النـزوع أيضا عند المتحدثين عن الفصاحة، فقد تحدث ابن سنان عن فصاحة اللفظ مفردا ومركبا، كما تحدث عن فصاحة المتكلم، أي عن كفاءته النطقية وسلامة مخارجه، وهو ينظر هنا لتراث الجاحظ الذي كانت الخطابة الشفوية مَتْنَهُ وموضوعَ تطبيقه. وهي تتضمن النص والأداء.
إن عدم الحسم في هذا النسق يؤدي إلى الخطأ في تقويم تصور أبـي حيان، والتمييز بين موضع تَجْليَته وتفوُّقه، ومكان قصور تصوره النظري. فهو راصد وليس منظرا، ورصده خارج إطار نظري كان أقوى وأعمق من رصد بلاغيين كبار كانوا سجناء تصورهم المسبق[44]. وقد انكشفَ الخللُ حين تصدى لبيان خصوصيات كل بلاغة بما لا يتسع المقام لذكره وتتبعه[45]. كما ظهر قصوره في الفقرة التي خصصها للبلاغة من رسالته في العلوم[46]. ولذلك فالبحث عن نظرية بلاغية عند أبـي حيان من خلال تعريف أستاذه لأضربها تشغيبٌ لا طائل منه.
وما دام لم يُكوِّن تصورا نظريا خاصا به يصف الإمبراطورية التي اكتشفها ويرسم حدودها، تصورا ينطلق من نواة معينة سلفا، كما وقع للجرجاني وابن سنان مثلا، فإنه ظل منفتحا على تعريفات أخرى أوردها حسب السياق، ومتطلبات المقامات. ومن ذلك قوله في المقابسات:
"فأما البلاغة فإنها زائدةٌ على الأفهام الجيدة بالوزن والبناء، والسجع والتقفية، والحلية الرائعة، وتخير اللفظ، واختصار الزينة، بالرقة والجزالة والمتانة، وهذا الفن لخاصة النفس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام، والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذوي الفضل بتقويم البيان"[47].
وهو هنا يقف عند عتبة الإشكال الذي وقف عندهُ الجاحظ طويلا ردا على العتابـي، الذي اعتقد أن البلاغة تتحقق بمجرد وصول المعنى بأي طريقة كان الوصول، حتى ولو كان الكلامُ مَعدولاً عن أصله. ويمكن أن أقول الآن بأن هذه الإشكالية هي التي جعلت الجاحظ يخرج من نظرية البيان التي لخصها في الفهم والإفهام إلى ساحة البلاغة حيث تُرصد المزية والزيادة.
حصيلة "رَصْدِ" أبي حيان:
أما بعد، فإن الرصد العام الذي قام به أبو حيان للبلاغة انطلاقا من نواة التفاعل المدني بين الدولة، كأداة، والشعب، كموضوع، مُهمٌّ مِنهاجيا، لأن هذا التفاعل سيمتد، كما عليه الحال اليوم، في كل الاتجاهات، ويستعمل كل الوسائل الداخلة في التواصل والتفاعل البشري من شعر وخطابة ونحو ومنطق...الخ، مُهمٌّ منهاجيا لأنه غير مرتبط- بخلاف تصورات المنظرين الأساسيين- بخلفيات فلسفية أو اعتقادية (أشعرية أو اعتزالية، بخلق القرآن أو قدمه)، ولا فنية مذهبية (عمود الشعر وبديعه)، بل هو مرتبط بِـ"الفعل"، بِـ"الأثر". مرتبط بحضور البلاغة وفعلها وتأثيرها في جميع المجالات...الخ
مهم بالنسبة إلينا نحن الباحثين عن بلاغة عامة قادرة على استيعاب جميع البلاغات الخاصة، قادرة على بيان فعالية "الإنشاء" نظما كان أم نثرا، قصيدا كان أم موشحا، خطابة كان أم كتابة، سردا أم حوارا مسرحيا أم كتابة سينمائية...الخ.
3- خطاطة البلاغة العامة
قلنا في مناسبة سابقة، بل في أكثر من مناسبة، أن البلاغة مفهوم تاريخي، أي يتغير ويتطور ساعيا لاستيعاب كل الصور والتجليات المرصودة عصرا بعد عصر. تلك الصور التي كرس التاريخ استعمالَ البلاغة (وبدائلها: فصاحة، بديع، بيان، براعة...) وصفا لها، وقلنا أيضا أن هذا التبدل في الألوان والأشكال لا يعفي من البحث عن السر المشترك الذي خولها تلك الصفة، كما خول الناس صفة إنسان على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم وتطورهم من حال إلى حال، اعترفنا بِدَارْوِينَ أم لم نعترف به...
الصفة المشتركة بين "المختلفات" تكون دائما ملتبسة خفية، ولذلك تصبح محلَّ نـزاع وأخذ ورد. وهذا ما حذا بالباحثين عنها من القدماء إلى استعمال كلمة "السر" في التعبير عنها. و"السر" يتأرجح بين مفهومي "الخفاء" و"السبب" المؤثر. وقد سميت الأسبابُ أسراراً لأنها ليست ظاهرة للعيان في أكثر الأحوال. ومن هنا جاء عنوان "سر صناعة الإعراب"، لابن جني، و"أسرار البلاغة"، للجرجاني، و"سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي.
البحث عن سر هذه الصناعة لا بد أن ينطلق من النواة (البنية/النسق/الطبيعة) المشتركة بين الخطابات التي وُصفت بهذه الصفة، وحين نصل إلى تلك النواة تندمج الخطابات في بعضها (فلا نعود نتحدث عن الخطاب المنظوم والمنثور، ولا عن القصيد والسرد والحوار (المسرحي)، بل نتحدث عن الخطاب التخييلي، ولا نتحدث عن الخطاب الحواري الاستشاري، ولا عن المناظرات والمفاوضات، بل نجمل كل ذلك في الخطاب التداولي (التصديقي).
وحين نلاحظ أن الخطابين (التخييلي والتداولي) يلتقيان في الاحتمال: بفعل الخيال الذي يجعل النص (المخيل) منغلقا على نفسه، مفتوحا للقراءة والتأويل، وبفعل المقامية التي تجعل موضوع التداول متنازعا بين طرفين، أو مرهونا بمدى تقبله من قِبَل الـمُتلقي مهما قَوِيتْ صِدقيتُه، وعَلَتْ حُجَّته،- حين نلاحظ انفتاح التخييلي بحسب "وجدان"[48]المؤول، وارتهان التداولي بموقف المخاطب، نقول: هذا كله خطاب احتمالي مؤثر. وحين نفحص المسافة التي يمتد فوقها هذا الخطاب الاحتمالي سنجدها، كما وجدها أبو حيان، شاسعة، تغطي نصف النشاط الإنساني: غير التقني وغير العبثي.
وإذا كان أبو حيان قد أعطانا صراحةً سقفَها الحجاجي حيث يتلاشى الاحتمال في مستوى التلقي الطبيعي للإنسان، وهو ممثل بالحساب، أي المنطقة البرهانية (التي تكتمل بالبعد التجريبـي المخبري)، فإن تحليل الوظائف التي تَحدثَ عنها جعلنا نحدد بسهولة العتبة الدنيا التي يتضاءل فيها الاحتمال والتأثير تدريجيا بتضاؤل المعنى، وهيمنة الزخرف والتزويق، أي التشكيل. وقد رفض أن يكون الزخرف خاليا من الدلالة، فهو إذن العتبة الدنيا الداخلة في البلاغة، وما دونها عبث بدون معنى. وهذه العتبة الدنيا هي التي حددها بول ريكور بالهذر. وهي منطقة تثير نقاش دارسي العلاقة بين الفن والجنون. وهو نقاش مؤجل عندنا لحين التعرف على الحدود غير المتنازع عليها. فكثير من الكسالى الذين ساقهم القدر ومتطلبات العيش والوظيفة إلى إمبراطورية البلاغة ما زالوا يرفضون الخروج من سخونة مَرْبِض مهده لهم شراح السكاكي في زاوية معتمة من نظريته، وما تزال البلاغة رهينة بينأيديهم.
3- خطاطة أولية لبلاغة عامة
سنحاول رسم خريطة أولية تساعد طلاب البلاغة على دخول معمعة البحث عن بلاغة عامة، بلاغة للمجتهدين الذين يُكمِّلون بما آتاهم الله من نعمة العقل، ولا نبالي بالكسالى الذين يغلبهم النعاس حين يجابهون مثل هذا النظر.
كنتُ أتمنى أن أجدَ مصطلحات معروفة رائجة، غير أن اقتحامي مجالَ البحث انطلاقاً من أنساق حديثة ومحاورة التراث العربـي من خلالها دون وسيط فرضَ علي أن أقترح عددا من المصطلحات، منها ما هو جديد، ومنها ما هو قديم اقتضى تشغيلُه إعادةَ تعريفه ليستجيب لمتطلبات نسق تتجاوب أطرافُه دون لبس أو تداخل. لا شك أن القارئ قد لاحظ أن التراث البلاغي العربـي غني بالمواد الصالحة لبناء صرح بلاغي يستجيب لمتطلبات الأنساق الحديثة في الموضوع. ولكن توقُّفَ النظرِ في هذه البلاغةِ قروناً جَعلَ وصْلَها بمستجدات البحث في الميدان يتطلب إعادة مد الجسور بين جزرها، وتدليل ما فقد دلالته عبر عصور الاختزال والتقزيم. ولو جمع بين رَصْدِ أبـي حيان وتنظير حازم مُبكِّراً لحصلنا على بلاغة عامة منذ زمان.
نبدأ من أول الهرم، من كلمة بلاغة وعلاقتها بكلمة ريطوريك (rhétoric, rhétorique) القادمة إلى النسق المعرفي الحديث من النسق المنطقي الأرسطي(rhétorikè)[49]. لقد رأينا مع أبـي حيان أن كلمة بلاغة تشمل كل أنواع الخطاب المرن المستدرج بين الزخرف اللفظي والمعنوي والخطي، أما في البلاغة الغربية فإن كلمة ريطورية تؤدي معنيين كبيرين:
فالمعنى الحديث الشائع، غيرَ مقيد بإضافة أو نعت، يُطابق المعنى العربـي، ويعني البلاغة العامة التي تتناول جميع الخطابات، والبلاغات الخاصة بكل خطاب (بلاغة الشعر بلاغة السرد بلاغة الصورة...الخ.).
أما المعنى الثاني للريطورية فهو المعنى المنحدر من تفريق أرسطو بين البويتيك والريطوريك، بين فن الشعر (أو في الشعر) وفن الخطابة (Techné rhétoriké).
لم تطرح البويتيك مشكلا، في الظاهر، لأن الدراسات الشكلانية الحديثة، كما صاغها ياكوبصون، رسخت مصطلح شعرية مقابلا لها. وأصبحت الشعرية عامة للمخيلات كلها منظومة كانت أم منثورة. أما الريطورية الأرسطية فقد بقيت خارج الحسم، وزاد من تعقيد أمرها إعادة صياغتها حديثا لتدل على نظرية الإقناع تحت اسم البلاغة الجديدة، كما هو الحال عند بيرلمان ومدرسته.
بخلاف المترجمين والشراح القدماء الذين تنبهوا إلى أن ريطورية أرسطو لا تطابق مفهوم بلاغة ولا خطابة، فعربوا اللفظين حينا وتحدثوا عن الصناعة حينا[50]، فإن الدارسين المحدثين حسموا الأمر وانـزلقوا إلى هذه الجهة أو تلك، فمنهم من استعمل لفظ بلاغة بدون تقييد، ومنهم من استعمل لفظ خطابة، ومنهم من تردد بينهما[51].
ومن حق القارئ أن يتساءل الآن: ماذا فعل العربُ في المقاربة بين تصورهم الشمولي للبلاغة وبين هذا التصور الأرسطي الذي يشطر الموضوع شطرين، هل نَمَّوْا كلَّ كتابٍ على حده أم دمجوهما؟
برغم وجود تلخيصات، وتخليصات، وتبييئات، لكل من الكتابين فإن قراءة الفلاسفة للكتابين كانت متأثرة بهيمنة الشعر على التنظير البلاغي العربـي- حتى في محاولتهم استخراج بلاغة القرآن. ولذلك حَوَّلُوا كتاب "فن الخطابة" إلى قِطَع غيار استعملوها في ترميم كتاب فن الشعر ليستوعب الشعر العربـي ذي النفس الخطابـي البعيد عن التراجيديا. وقد شرحنا هذه العملية التحويلية في فصل كامل من كتاب البلاغة العربية.
اليوم، ونحن نحاور التراث العالمي، لم يعد بالإمكان الاستمرار في هذا الغموض، فقد يَحْدثُ أن تَرِدَ كلمةُ ريطوريك بالمعنيين في نفس الكتاب، وهذا كثيرٌ حين يُحالُ على عدة مدارس، وعدة مؤلفين (مجموعة مي، وبيرلمان مثلا)، حينئذ يقع القارئ العربـي الذي يتلقى الترجمة، أو أي كتابة في الموضوع في عمياء.
للخروج من هذا الخلط انْتهيْت، بعد عِقدين من التَّهيُّب والتردد، إلى اقتراح مصطلح "خطابية" مقابلا لريطورية أرسطو، وتركت كلمة بلاغة لتدل على المعنى الحديث للريطورية. وهذا الاقتراح ليس غريبا عن بنية النسق الخَطابـي، بل هو منسجم ومتسق مع مقابله أي النسق الشعري: شعرية وخَطابية. أما كلمة خطابة فتدل
على المنتَج الإنشائي، أي على صنيع الخطيب (orateur, rhètôr)، أو النصوص الخطابية.
فالبلاغة باعتبارها العلم الذي يتناول الخطاب الاحتمالي المؤثر تنقسم إلى "شعرية" تتناول كل المخيلات، وخطابية تتناول كل "المصدقات" (أو التداوليات). وهذا كله على افتراض "الادعاء". فهذا المصطلح (الادعاء) الذي استقر عليه الجرجاني في تفسير الانـزياحات الشعرية الدلالية، بعد أن استبعد مفهوم "النقل" لقصوره، صالحٌ أيضا، وبنفس القوة، لتفسير احتمالية التصديق. فالخطيب، أيُّ خطيب، إنما يَدعي الصدق، وعليه أن يُقنع المتلقي بذلك، وإلا بقي خطابه معلقا في التداول، والشاعر يدعي أن ما يقول "صَرْحٌ من خيال"، ولكن المتلقي قد يجد فيه من الصدق ما يجعلُه يُحاكمه أمام القضاء[52].
عندَ هذه النقطة من البناء نصبح في حاجة إلى اسم "النص الافتراضي" الجامع، النص الذي تعود إليه كل النصوص التخييلية والتصديقية/التداولية؛ النص الذي يجمع القصيدة والنثيرة والموشحة والزجل والقصة والرواية والمسرحية... والخطبة، والمناظرة، والمفاوضات، والحوارات ...الخ؟
المسألة أهون هنا، سنعود إلى ربط الاتصال بأبـي حيان التوحيدي الذي جعل الإنشاء مطلبا لكل مناحي الحياة باعتباره عمل البلغاء الذين يضبطون إيقاعها. الـمُقصِّد والوشاح والزجال والقاص والروائي والخطاط وكاتب السيناريو والحوار والخطيب والمناظر...الخ، هؤلاء كلهم منشؤون، ومنتوجهم "إنشاء". ونحن كنا منشئين في المدرسة المغربية إلى أن جاء "مرشد" تربوي لا يرى أين يضع رجله فغير "الإنشاء" بِـ"التعبير" إيذانا بنـزولنا درجات في مستوى الخلق والإبداع، فنـزلنا عند رغبته، ونـزلنا[53].
هذا اقتراحٌ لتجاوز أهمِّ عَقبةٍ تفقُ في وجْه بناء بلاغة عامة تُعيد للبلاغة كلَّ أراضيها، وتعطيها الحق في تأسيس عاصمة يُرجع إليها، هناك النواة المتمثلة في الموضوع، وهو كل "خطاب احتمالي مؤثر"، وهناك شبكةٌ من المصطلحات تمثل هذه النواة. وما بعد ذلك مجرد خانات يملؤها المشتغلون بالبلاغات الخاصة بما تَوَلَّدَ عن حاجياتهم الـمِنهاجية.
بهذا المعنى تمتد البلاغة بين المجاز والحوار: المجاز فسحة وسَعَة في ذهن الإنسان؛ يُمكنه من رؤية الأشياء في أكثر من صورة، ويحول الحروب إلى فرجة ومهارة ورياضة، وحين يضيق بجد يسخر من كل صور تصلبه. والحوار فسحة من الاحتمالات مع الآخرين، فالدخول في حوار ضرورة مدنية. المجاز يؤول ويؤول إلى صورة، والحوار يؤول ويؤول إلى حجة. البلاغة صورة وحجة.
الصورة والحجة
تلافيا لتكرار ما بيناه في كتاب البلاغة الجديدة لن نخوض هنا في التداخل بين الشعر والخطابة، بين التخييل والتداول، ولكن الذي لا بد منه، ونحن نضع أحجارَ تحفيظ الملكيات فوق إقليمي البلاغة، هو تجميعُ كل تقنيات التخييل وأوجُهِه و"نُكته" تحت مصطلح واحد. وقد رأينا أن أنسب المصطلحات المتاحة هو مصطلح "الصورة" ترجمة لِـfigure [54]، وتجميعُ كلِّ تقنيات التداول تحت مصطلح واحد لا خلاف عليه فيما يبدو، هو مصطلح "الحجة" ترجمة لِـargument. فبدون هذا التجريد لا نستطيع أن نتحدث عن تلك التقنيات مجتمعة متقابلة. وكلمةُ تقنياتٍ التي نستعملُها هنا ليست كلمة عابرة، بل سيفهم القارئ قيمتها حين يجدنا نقول في سياقات أخرى، نظرية وتطبيقية: بلاغة الحوار أخلاق وتقنيات[55].
وما دمنا نسلم بتداخل الإقليمين فسيكون من واجبنا أن نبحث كيف تتقوى الصورة (مثل الاستعارة والسخرية ...) حتى تصير حجة رادعة، وكيف تلين الحجة وتتنازل عن وثوقيتها ويقينها حتى تصير صورة مخيلة، وكيف تضطرب بعض الصور (مثل التمثيل) بطبيعتها بين الصورية والحجية. وما طبيعة الدور التلييني المساعد الذي تلعبه جميع الصور في التهييئ للإقناع؟
بدون تدقيق هذا المبحث سيظل البحث عن حجاجية الشعر وشعرية الخطابة سطحيا وقشوريا، وذلك هو واقع ما أنجز في الموضوع إلى الآن، بل أكثره حشو خارج الإشكال.
وفي هذا السياق يظل تصنيف أرسطو للخطابة إلى مشاجرية واستشارية ومحفلية (تحسين وتقبيح) مهما، باعتبار المحفلية أقربَ إلى التخييل منها إلى التصديق، أو هي واقعةٌ بينهما. وقد اهتم كيبيدي فاركا كثيرا بهذه المنطقة في كتابه الخطابية والأدب[56].
لا بد من نواة ونسق، وإلا فَلْنكُفَّ عن الحديث عن "البلاغة" على الإطلاق، أو عن "بلاغة عامة"، ولْنكْتفِ بأن يَدْعوَ كلٌّ منا ما يشتغل به بلاغة بدون تحديد. أما من جعل همَّه بناء بلاغة عامة تستحق اسم البلاغة بدون تقييد فما عليه- إن لم يستسغْ هذا الـمُقترحَ- إلا أحد أمرين:
1- أولهما، تقديم ما يثبت عدمَ وجود مُشكلٍ من الأساس في ترجمة كلمة ريطورية rhétorique)) وما يتفرع عنها، مثل: auditoire (بجوار situation وcontexte)، وconviction (بجوار persuasion)، وfigure (بجوار image) ...الخ.
2- والثاني، الاعتراف بأن هناك مشكلا حقيقيا، وتقديم مقترح بديل أو معدل لما نقترحه، وسنكون سعداء بتبنيه كلا أو جزءا إن وجدناه أجدى وأنفع. وسيتيح المقترحان، أو المقترحات، للباحثين إمكانية المفاضلة والاختيار، والبقاء للأصلح، المهم ألا نستمر في زرع الفوضى والخلط، واستعمال الفيتو في غير محله.
تأملات في محاورتي أفلاطون جُورْجْيَاسْ وفِيدْرْ
محمد الولي
تعتبر محاورتا أفلاطون، جُورْجْيَاسْ[57]وفِيدْرْ[58]، من المصادر المركزية، حتى لا نقول المصدر المركزي الأول، في تاريخ البلاغة أو الخطابة في الغرب. وإذا كان أرسطو قد حاز عصا السبق في حلَبة اهتمام المتأخرين، فإن قراءة المحاورتين السابقتين تبين أن الكثير من الأفكار المركزية في خطابته مبثوثة في تلابيب هاتين المحاورتين الخالدتين. هذا التحويل المؤقت للبوصلة قد يساعدنا على ضبط أدق للمحطات الأساسية الفاصلة في تاريخ هذا العلم.
الخطابة عند اليونان، شأنها شأن الفلسفة، وليدة النظام الديموقراطي الأثيني. حيث كان كلُّ شيء، خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، يتقرر بإرادة المواطنين الأحرار الذين كانوا يمارسون هذه الحرية في المؤسسات الديموقراطية الثلاث، أي التجمع الشعبـي الذي يجتمع فيها كلُّ المواطنين لاتخاذ كل القرارات التي تهم المواطنين، والمحكمة الإيلِّيَّة التي كانت تعرض عليها أهم الجرائم التي تتعلق بمحاسبة الفاسدين من أهل السلطة أو الاستراتيجِّيين، والمجلس الحاكم، أو مجلس الخمسمائة الذي كانت تسند إليه أمور تنفيذ الاختيارات التي تقررت في التجمع الشعبـي. إن هذا يعني أن الممارسة السياسية مقصورة على المواطنين الأحرار وممنوعة عن العبيد، الذين كانوا يشكلون حوالي ثلاثة أرباع السكان، كما منعت عن الأجانب والنساء، وعمَّن لم يبلغوا سن الرشد، أي دون سن الثامنة عشْرة، وعمَّن كانوا يعتبرون لقطاء.
فإذا كانت كل التدابير السياسية وليدة التداول أو التشاور الذي يساهم فيه كل المواطنين الأحرار، فإن هؤلاء كانوا في قبضة من يمتلكون المهارة الخطابية، ففي النهاية تُتَّخذ القرارات بعد الاستماع إلى من يخطبون دفاعاً عن هذا الاختيار أو ذاك. لهذا تحولت الخطابة إلى بضاعة، بل إلى برنامج تعليمي باهظ الثمن لمن يريد تعلمها. يقول هُنْرِي- إِيرِينِي مَارُو:
"إننا نشهد، بعد أزمة النظام الطُّغياني في القرن السادس قبل الميلاد، أغلب الحواضر اليونانية، وخاصة الحاضرة الديموقراطية أثينا، تعيش حالة من النشاط السياسي المكثف: لقد أصبحت ممارسة السلطة، وإدارة شؤون الحاضرة الاهتمام الأساسي، والنشاط الأكثر نبلاً وتشريفاً عند الإنسان اليوناني، والمسعى الأسمى أمام طموحه. يتعلق الأمر بالنسبة إليه باكتساب هذا الأمر والتفوق والفعالية. إلا أن هذا لم يكن مطلوباً بواسطة الرياضة وحياة الأناقة [...] بل كان مطلوباً بواسطة النشاط السياسي. لقد وضع السوفسطائيون برامجهم التعليمية في خدمة هذا النموذج الجديد للفضيلة السياسية"[59].
إلا أن هذا التسليط للضوء على الدور النافذ لمعلِّمي الخطابة، أي السفسطائيِّين، لا ينبغي أن يغيِّبَ عن أذهاننا المقاومة الشديدة التي كانت تنصبها في وجههم الفلسفة. يقول لَاوسْبِيرغ:
"إن البرنامج التربوي للخطابة وتطلعَها إلى أن تكون أيضاً صناعةً نظريةً ذاتَ قيمة مستقلة، قد كانا السبب في تعرُّضِ الخطابة لمقاومة الفلسفة. ففي الوقت الذي يعتَبِر فيه الفلاسفةُ، اقتداءاً بأفلاطون، الخطابةَ صناعةً غير جديرة بالاهتمام، بل الأكثر من ذلك، لقد اعتبروها مجردَ عادةٍ [...]، فإن الخطباء المترسِّمِين لخطوات إيزُوقْراطْ لا ينسبون إلى الفلسفة إلا دوراً تربوياً في تكوين الخطيب الكامل [...] الذي ينبغي له، بعد ذلك، أن يعالج بدقةٍ، واعتماداً على مناهج خاصة، المسائل الجدلية للفلسفة [...].
بل إن الخطباء يصِلون إلى حد اتهام سقراط المناهض للخطابة بكونه قد تعمَّدَ تقوِيض الوحدة القديمة بين الخطابة والفلسفة"[60].
هذا العداء للخطابة ناشئٌ عن تخوف الفلاسفة من استفحال تأثيرها في التدبير السياسي، خاصةً وأن المؤسسات السياسية مُشْرعَةُ الأبواب أمام مشاركة العامة، ولا شيء يحمي هذه المؤسسات من الآثار الهدامة لمشاركةِ العامة والإمساك بمقاليد الحكم. فحينما يكون التباري، بل التسابق، مفتوحاً بين الفلاسفة والخطباء، لأجل امتلاك مقاليد السلطة، فلا شك أن الخطباء يكونون مرشحين، بسبب نوازعهم الشعبية، بل الشعبوية، ومجاراتهم لأهواء حشود الدهماء، أكثر من الفلاسفة للفوز بمواقع النفوذ السياسي، خاصة وأن الفلسفة، هي من حيث التعريف خطابُ خاصةِ الخاصةِ، خطابٌ ينفر نفوراً جذرياً من أهواء ومعتقدات العوام.
أعتقد أن هذا هو موضوع محاورتي جُورْجْيَاسْ وفِيدْرْ لأفلاطون. فلنبدأ بالأولى، التي اشتهرت بكونها مخصصة للخطابة، ولهذا فقد تم تفريع عنوانها جُورْجْيَاسْ بـ"حول الخطابة". الخطابة هي الموضوع المركزي، لا الوحيد في هذه المحاورة الخالدة. الخطابة هنا معروضة على نقد لاذِعٍ، إلا أن السياسة تنال نصيبها من هذا النقد، وربما كانت هي المستهدف الرئيسي، لأنها هي المستفيدة من الخطابة وبها تؤمِّن دوامها ونفوذها. هذا النقد للخطابة يجد تبريره في الحرج الذي تسببه للفلسفة، التي هي موضوع دفاع سقراط في هذه المحاورة. هذان، إذن، هما القطبان الرئيسيَّان لهذه المحاورة. إلا أن هذين الطرفين المتنازعين يتوفران كل واحدٍ على حدةٍ على من يتولى الدفاع أو الاتهام، أو هما معاً. لقد تكلف سقراط بملف الدفاع عن الفلسفة واتهام الخطابة، في مواجهة درامية أمام بقية المحاورين وهم جُورْجْيَاسْ وبُولُوسْ وكَالِيكْلِيسْ، الذين تكلفوا بالدفاع عن الخطابة. يمثل سقراط طرفاً في هذا النـزاع، ويمثل الآخرون الطرف الثاني. وبهذا فقد نازل سقراط بشكل متناوب كلّاً من جُورْجْيَاسْ فبُولُوسْ ثم كَالِيكْلِيسْ. يتصدر هذه الجوْلات الثلاث مدخلٌ يتمُّ فيه تقديم المساهمِين. وتنتهي المحاورة بحديث سقراط مع نفسه، وتختم بسرد أسطورة يرويها هو نفسه، وهي تتعلق بما يؤول إليه، المدافعون عن العدل، والمقترفون للظلم في الدار الفانية.
1. سقراط وجُورْجْيَاسْ
يوجه سقراط في بدايات المحاورة سؤالاً إلى جُورْجْيَاسْ متعلقاً بهويته المهنية وبالصنعة التي يجيدها. فيجيب جورجياس: "الخطابة، ياسقراطْ". وبهذا يحدِّد سقراط هويَّة محاوره باعتباره "خطيباً"؛ ويعترف جُورْجْيَاسْ بأنه معلِّمُ خطابة أيضاً. ثم ينصرفان إلى تحديد موضوع الخطابة، عبر أسئلة يوجهها سقراط إلى جُورْجْيَاسْ، الخبير بهذه الصنعة ومعلمِها.
موضوع الخطابة، في نظر جُورْجْيَاسْ "هو أهم الشؤون الإنسانية وأفضلها"[61]. إلا أن هذا الجواب لا ينفي التساؤل من جديد، إذ إن أفضل الشؤون قد تكون، في رأي سقراط، هي الصحة أو الجمال أو الثروة المكتسبة بغير الغش. يوضح جُورْجْيَاسْ هذا الشأن الأسْمَى فيشير إليه بالإسم:
"إنني أتحدث عن سلطة الإقناع، المعتمِدَة على الخطابات، إقناع القضاة في المحكمة وأعضاء مجلس الحاضرة ومجموع المواطنين في التجمع الشعبـي، أي باختصار أقصد إلى سلطة الإقناع في أي اجتماع للمواطنين. وفي الواقع فإذا كنت تمتلك مثل هذه السلطة فإنك ستجعل من الطبيب عبداً، ومن المدربين الرياضيِّين عبيداً، أما بالنسبة إلى صاحب المال، فإننا على علمٍ أنه لا يجمع المال لنفسه، بل لك أنت الذي تجيد الكلام وإقناع الحشود"[62]. يستنتج سقراط من كلام جُورْجْيَاسْ كونَ "الخطابة توَلِّدُ الإقناع"[63]، ذلك الإقناع الذي هو وليد كل جهودها ومهمتها الأساسية.
ومع ذلك فهل تنتهي الأمور عند مجرد الإقناع، بعيداً عن قيمة ومحتوى هذا الإقناع؟ إنه لا يكتفي بهذا التحديد السابق، لأنه يقتصر على تعيين المقامات الثلاثة للخطابة، أي التجمع الشعبـي ومجلس الحاضرة والمحكمة. ومع أن سقراط يمعن في طلب مزيدٍ من التوضيح والتقصي واستيفاء الموضوع، فإن جُورْجْيَاسْ لا تخذله الوسيلة فيحيط بالموضوع من زوايا أخرى، تركز على تحديد الخطابة ليس بسياقاتها بل بمحتوياتها، ذاهباً إلى "أن موضوع الخطابة هو العدل والظلم"[64]. هذا أمر مهم جداً؛ موضوع الخطابة هو العَدل والظُّلم، ولكن ضمن المقامات السابقة. ورغم هذا يظل سؤال مهمٌّ عالقاً. فبأي شيء تتميَّز الخطابة التي تهتم بالعدل وبالظلم؟ هل نستعين بالخطابة لفهم جوهر العدل والظلم؟ الشيء الذي يمكن أن تتقاطع فيه الخطابة مع التشريع. لا شك أن غرض الخطابة في هذا الشأن غير غرض التشريع. هنا يبادر سقراط بشكل استباقي، فيخاطب جورجياس:
"فهل تريد أن نُسلِّمَ بوجود نوعين من الإقناع، أحدهما يُحدِث الاعتقاد لا المعرفة، والآخر يولِّدُ المعرفة"[65]. وبطبيعة الحال يوافق جُورْجْيَاسْ على هذا التقدير.
واعتماداً على هذا، ما هو الموقع الذي تحتله الخطابة من بين هذين الموقعين. "من بين هذين النوعين من الإقناع، ما هو الإقناع الذي تحدثه الخطابة في المحاكم وفي غيرها من التجمعات التي تهتم بالعدل والظلم؟ فهل هو الإقناع الذي يسمح بالاعتقاد لا المعرفة، أم الإقناع الخاص بالمعرفة؟"[66]. يجيب جُورْجْيَاسْ بقوله: "الأكيد، ياسقراط أنه الإقناع الذي يولِّد الاعتقاد". يستنتج سقراط خلاصة هذا الكلام بقوله: "إن الخطابة هي إذن، حسب ما يبدو، مولِّدة الاعتقاد؛ إنها تبعث الاعتقاد بأن العدل والظلم هما هذا وذاك، إلا أنها لا تولِّد معرفةً بهما [...] وفي كل الأحوال، فلا يمكن، في حيّزٍ زمني قصيرٍ تعلِيم حشدٍ من الناس والخلوص به إلى اكتساب معرفة في مسائل بالغة الأهمية"[67].
هذا النُّزوعُ المتأصل في الخطابة والمتمثِّلُ في إحداث الإقناع، لا المعرفة، هو الذي يجعل الخطيب يَبُزُّ العالِمَ، ليس في الأمور التي تعتبر من أرومة إقناعية وحسب والتي تند عن المعالجة العلمية أو التقنية، بل حتى في الأمور التي تعود إلى اختصاص العالِمِ. إن الأمر الذي يهمنا هنا هو أن الخطابة قد تَتطاوَل على مجالات واقعة في دائرة اختصاصات علمية معلومة. من قبيل الاختصاصات المقصورة على الطب. الخطابة التي يدافع عنها جُورْجْيَاسْ هنا تنتهك هذه المجالات وتضيِّق الخناق على تخصصات علمية داخل نطاقاتها ومجالاتها. لعل النص التالي مما يلقي الضوء على هذا الاختراق للحدود.
"سقراط: [...] حينما نبادر إلى عقد اجتماع المواطنين لأجل انتقاء الأطباء، أو بُناةِ السفن أو أية مهنة أخرى، فهل نلتمس لهذا الغرض رأيَ الخطيب؟ لا، إذ من البديهي أنه ينبغي في كل حالةٍ اختيار الاختصاصي الأفضل. وكذلك إذا تعلق الأمر ببناء الأسوار أو تشييد الموانئ ومستودعات الأسلحة، فلا تطلبُ هنا أيضاً استشارة الخطباء، بل رأي المهندسين المعماريِّين. وبالنسبة إلى اختيار قادة الجيش، أو بتنظيم الجيش المتهيئ للمعركة أو التخطيط للاستيلاء على موقع من المواقع الاستراتيجية، فالمطلوب هنا هو طلب رأي الاختصاصيِّين في الاستراتيجية العسكرية، وليس رأي الخطباء.- ماذا أنت قائلٌ ياجُورْجْيَاسْ في كل هذا؟ [...]
جورجياس: الأكيد أن ما سأحاول فعله، ياسقراط، إنما هو أن أكشف بكل وضوحٍ، القوة الجبارة للخطابة.
[...] الخطابة تتمتع بامتلاك كل الكفاءات الإنسانية، وبالتحكم فيها! [...] لنفترض أن خطيباً وطبيباً قد تقدَّما إلى أية حاضرة، وتناقشا أمام الشعب المجتَمِع، أو أمام أي تجمع في موضوع مَنْ مِنَ الإثنين يستحق اختياره كطبيبٍ، فإن لا أحد سيلتفت إلى الطبيب، وأن الرجل المتمكن من الخطابة سيتم اختياره إذا شاء. ولنفترض أيضاً أن المقابلة يمكن أن تتحقق بين الخطيب وبين أي اختصاصيٍّ، وسيكون الفوز دائماً من نصيب الخطيب، بسبب قدرته على الإقناع. وإن ذلك يعود إلى ألَّا وجود لأي موضوعٍ لا يستطيع الخطيب التحدثَ فيه، أمام الجمهور، بشكل أقدر على الإقناع من أي اختصاصيٍّ. آه، ما أعظم قوة هذه الصنعة الخطابية!"[68].
لا شك أن هذه الثقة المفرطة، تبرَّر بشيءٍ واحدٍ وهو مخاطبة العوام الذين يهضمون بسهولة ما يعرض عليهم من المعارف الرائجة في شكل خطابـي. وهؤلاء العوام ينتابهم التبرم والتضايق بمجرد مباشرة الحديث معهم بلغة أهل الاختصاص.
وعلى كل حال فإن هذا التداخل بين الخطابة والطب ليس حالة فريدة؛ فهذا المختص في الفكر اليوناني لُويْدْ يؤكد: "لم تعرف أثينا هذا التداخل بين الطبيب والسفسطائي وحسب، وهما معا محاضران عموميان، ولكن عرفت أيضاً تداخلاً بين الطبيب والسياسي: فحينما يلتمس الأول تعيِينه كطبِيبٍ عموميٍّ، فلا شكَّ أنه يحتاج أحياناً، شأنه شأن الثاني، إظهار قدراته الإقناعية أمام جمهورٍ عريض من عديمي الاختصاص"[69].
هو هذا المشكل هنا؛ لا يفوز السوفسطائي على التقني إلا في الأمور غير التقنية، وفي حضرة العوام الذين يرجحون هذه الكفة أو تلك. أما في المحافل التخصصية فلا مكان لعديمي التخصص ناهيك عن ذوي المعارف العامة التي تجري على كلِّ لسان.