eKtab
EN ع
البناء والإنتماء - الجزء الأول
Read free sample

البناء والإنتماء - الجزء الأول

by عبد اللطيف الحرز

Page 1
مقدمة

حكمةٌ وتمرّد المنزلة الثالثة في الفقه الأخلاقي

إيضاح منهجي

تعرفنا في كتاب «الفقه الأخلاقي، نقد ثقافة الحشد والفضيلة الناقدة» المقدمات النظرية للفقه الأخلاقي. في حين كان كتاب «نهج تطوير الذات» بعض شروط الخروج من عطالة الذات وتجديد العزم لكسب أخلاق أخرى تُعيد الحياة في العروق اليابسة لإرادة الحرية والتقدم. في التعايش مع الحياة على أنها حقيقة أخلاقية يعني كون حقيقة الأخلاق حياةً للتعايش. فلا الهزيمة ولا التخلّف ولا الرذيلة، عبارة عن سبب، هذه ليست أسباباً يجب كبتها أو إجراء حملة تطهير بالفتوى، أو التكفير، أو القتل، أو النفي، بل هي نتائج، والنتائج مسبوقة بمقدمات هي التي أدت إلى عطالة الذات وشلل الأمة. ومن هنا حينما يهتم الفقه الأخلاقي القائم على الضمير والعدل وحب الكمال والحرية بصفتها تربية، بالعقائد، فهو لا يهتم بها بصفتها معادلةً رياضيةً يتذاكى التلاميذ في سرعة حلها على سبورة ثابتة على حائط الوراثة القديم. الفقه الأخلاقي يقرأ هذه العقائد ويدخل في سجاليات الملل والنِّحل والطوائف والمذاهب، بكونها سلوكيات مسؤولة عن تطبيق العدل الشرعي والطبيعي، لا بد من وزنها بميزان الضمير وحب الجمال والحرية. لذا مهما كانت أدلة هذه العقيدة أو تلك، سليمة منطقياً، أو عميقة تحليلياً، فهي لا قيمة لها من وجهة نظر الفقه الأخلاقي إذا ما ناصرت البشاعة أو كانت وسيلة للقمع والقهر، حيث تنقلب البحوث العقائدية قديماً وحديثاً من بحث ونظر في أدلة الإقناع إلى ضرب من سيكيولوجية العدوان والخصومة والتشهير، وهو أمر يتطلب موقفاً اعتزالياً ذا روح جديدة. فالعدل الذاتي سبحانه وتعالى لا يتم الوصول إليه بالظلم والجور، والجمال المطلق جلّ شأنه لا تكون البشاعة فقهاء لشريعته ولا علماء لمعارفه، وإن تشبّهوا بذلك أو اعتاشوا من بيع بضاعة مختومة بزيف المشابهة. وهذا هو سبب انقلاب الدين من تجربة فرح وبهجة، حيث كان يبتدئ بلقاء النبي الوحي والله، إلى تلويث الدين بكونه تجربة في الألم. حتى كأن الإيمان والأخلاق والتقوى عبارة عن إكراهات شيزوفرانية، فيكون كلّ شيء عدواً للإنسان: النفسُ عدواً، الجسدُ عدواً، الشهوة عدواً، الراحةُ عدواً، الكلام عدواً، الاختلاط عدواً، الكدّ وطلب المعاش عدواً.. إلخ ولا ندري مَن تبقى في الوجود وفي الحياة يمكننا حتى مجرد التصور أنه يمكن أن يكون الصديق؟!.

في حين أننا أدركنا في كتاب «الفقه الأخلاقي» وفي كتاب «النقاء والارتقاء» أن التوازن في الحياة الروحية ملازم للإصلاح الاجتماعي. حيث يحقق الأخلاقي الفقهي منعرج التديّن المسؤول لموقع الإنسان في الحياة ومسؤولية الحياة كموقف تقديس إلهي ومصلحة بشرية، ويكون التدين بهذا جزءاً من معاناة التأويل وتوقّد التطوير والتجدد، الفقه الأخلاقي هو بداية الدرب لشفاء الميتافيزيقا الدينية عموماً والإسلامية خصوصاً، الشفاء من ذهنية التجريد والانعزال والارتياب في الأنا والآخر والفكر الطبقي المُضمَر.

ففي حقيقة الصفات الحسنة لا تثبت في الروح وتكون منازل ومقامات في النفس الإنسانية إلّا من خلال الاحتكاك بميدان الحياة العامة حيث الكي بنيران الاحتياجات الضرورية والثانوية، وعندئذ تتم عملية المراقبة والمحاسبة فقط، ثم ضبط مقدار رقي الإنسان في سُلّم المعنويات، وهذا يعني أن الصداقة هي الأصل وهي القاعدة، وأن العداوة فرع واستثناء لا يُقاس عليه، لأن السالك يتعامل مع الوجود لكونه عطاء الله سبحانه، ولأن الموجودات كافة هي تجليات الحكمة في الخير والاختبار، فما لم يتعلمه القلب بالقراءة يتعلمه بالتجربة، وما لم يتعلمه بالسهولة والرّفق والنعيم، يتعلمه بالحرمان والمشقة، وكل هذا جميل لكون الصبر عليه والتعلم منه يعني الاقتراب من شمس الحقيقة. فالنفس والشهوة والجسد والحياة هي كلها أصدقاء وليست أعداء، فالعداوة لها شرط واحد هو الابتعاد عن الحق وهو مستحيل لكونه أقرب إلينا من حبل الوريد. وهكذا يبقى الفقه الأخلاقي أميناً في رؤيته بعدم الفصام بين الواقع والمسؤولية، بين العلم والتجديد، بين الدين والحضارة، بين الحق والحرية. حيث يستمر المسير في أشعة العقائد في تطوير حياة الإنسان، وبين مصير اليوم الموعود بالسعادة حيث الانتقال من أخلاقيات مجتمع الضيق إلى أخلاقيات مجتمع السّعة، حيث يكون الحكم الإلهي قنطرة لإعلاء قيمة الإنسان والرقي إلى الأفضل في الوجود.

ويأخذ الإنسان العجب من قدرة أجيال كاملة في تكرار بحوث معروفة واجترار مفاهيم موروثة، حتى غدت الكتابة في العقائد مراكمة لتكرار فوق تكرار، بلغ به حد التطاول والسرقة. هذا ما نجده لدى ابن تيمية والعلّامة الحلي وصولاً إلى العلّامة المجلسي وصدر المتألهين والعلّامة الطباطبائي (وما بالك بكتب صغار الباحثين وعمائم المنابر وأمثالهم!)، حيث غدت كتابات هؤلاء سرقة كتب بأكملها بطريقة وقحة؛ فمن جانب تتحول الكتابة إلى لصوصية ومن جانب يقوم المؤلف السارق نفسه بالاستهزاء لكون الآخر مختلفاً معه عقائدياً، وهذا ما نجده واضحاً في موقف صدر المتألهين من الرازي، وموقف محمد حسين الطباطبائي من الغزالي. فكلاهما يسرق صفحات بل كتباً كاملة، ولا يتم ذكر اسم المؤلف الأصلي بالمرة في حالة عدم القدرة على الإيتاء بجديد. لكن ما أن يتم العثور على هفوة أو خطأ حتى نجد ملّا صدرا والطباطبائي (وقبلهما ابن تيمية والعلّامة الحلي) يذكران الأسماء صراحة!. وهو أمر يقتضي إعادة بناء البحث التاريخي وفق المتابعة التاريخية وليس العقلية البرهانية. فمن قبل فعل هذه الممارسة اللاأخلاقية كاتب أخلاقي كبير وعارف شامخ!، نعم الأول كان أبا حامد الغزالي مع الاسماعيلية فهو قد سرق تعاليمهم وبحوثهم في العقليات والروحيات والسياسات، لكنه في الوقت ذاته كان يشنع عليهم نصرة لمذهب النظامية الرسمية التي كان هو موظفاً في بلاطها. والثاني هو ابن عربي الذي كرر ممارسة الغزالي في إعادة مخطوطات الإسماعلية والشيعية، في قضايا الروحنة ونقد نظرية المعرفة، وفي الوقت نفسه شبههم بالخنازير!!. فالتخندق الوظيفي للفقيه والمتصوف والشاعر، كانت تنتهي حتى بأروع الانجازات الإبداعية الأخلاقية إلى انتكاسات استحواذ عنيف وهجاء في شراسة التنكيل بالمخالف، والسبب هو البُعد الخدمي للموظف في التراث القديم، وهي المشكلة التي لا تزال سارية في أداء مثقفنا المعاصر).
Page 2
ولكون الأدلة الاعتقادية معروفة ومشهورة ويسيرة مطالعتها اليوم، فضلاً عن الكثرة الكاثرة من الكتب المتشابهة والمُكررة، لم نجد ضرورة أو حاجة إلى طرحها بصياغة أخرى، فهذا تطويل للطريق، وهو في النهاية ليس سوى تحذلق يرفضه الفقه الأخلاقي في رؤيته لمسألة الكتابة. فاكتفينا بإعادة تقسيمها تقسيماً جديداً ومختلفاً كي نقوم بقلب تربتها وحرثها من أجل غرس وعي أخلاقي مختلف، خصوصاً وأننا وجدنا جملة من الباحثين بلغوا سعة من البال طويلة ومقداراً كبيراً من الصبر، في جمع المادة العقائدية والفلسفية بوسائلهم البسيطة قبل ظهور أدوات المعرفة الحديثة، ولم يعد لنا سوى إعادة تقسيمها كي تتناسب وحاجة جيلنا المعاصر وهموم راهنه القائم. ومن بعدُ الانتهاء إلى خلاصة نقدية كجسر للتجاوز والتخلص من التكرار، كي يتم الجمع ما بين جرأة النقد وأصالة المصدر. حيث يكون للفقه الخلاقي موقف من كل دليل ومفهوم ومنهج باعتبار أن البحث الكلامي مستند في مرجعيته الأولى إلى الفطرة والفطرة ذاتها هي السند الأخلاقي الأول. فليس هناك عقائد منحرفة أو خاطئة، وإنما هناك عقائد لم تعرف كيف تكون صحيحة. وبهذا يكون الموقف الأخلاقي هو احتضان المختلف والمغاير مهما كان، من أجل تحقيق النقد الذاتي والارتقاء من كدورات الاشتباه والشهوة، إلى رحابة الحق والحقيقة. وهذا الترابط في فكرة التوحيد والمرجعية الأخلاقية، هو ما ظل غائباً في طرح فكرة التوحيد، سواء في علم الكلام القديم، أو من قبل الفقهاء المعاصرين الذين انشغلوا بالتوحيد كبلاغية لغوية وليس كبحث معرفي مُستدل (كما هي حال محمد تقي المدرسي في كتابه: التوحيد يتجلى في الحياة ) حيث تقرأ في كتبهم عن التوحيد كل شيء من مواعظ وقصص وسياسة وغير ذلك لكن لا تقرأ شيئاً عن التوحيد! أو من الشيوخ المعاصرين (كما هي حال الألباني في كتابه : التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام) حتى تحوّل التوحيد إلى تخشب في القلب وكراهية للاختلاف ودموية في السلوك، حيث تم نسيان مجاهدة النفس والاشتغال في إبادة الآخرين تحت أكذوبة الجهاد.

نحن هنا، إذن، لا نقارب أدلة التوحيد من بعد الابستمولوجيا والمعرفة المحضة، فهذا لا علاقة له ببحث الأخلاق. وإنما نقاربها على ضوء ما تبناه السيد محمد الصدر من تعريف الأخلاق، فهذا هو المصحِّح لإدخال جملة من البحوث العميقة في الكتاب التي هي في بعدها، في الأصل، وفي الأبستمي لا تناسب المستوى المتوسط الذي بُنيت عليه بحوث فقه الأخلاق. وعلى ذلك فنحن سوف ننقل أدلة التوحيد وبعض مناقشاتها، ثم إبداء بعض ملاحظات موقف الفقه الأخلاقي، من زاوية كون مطلبنا هو التزكية. وهذا يعني أننا بالفعل نقبل عدداً كبيراً من هذه التنظيرات التي ننقدها هنا، لكن من زاوية نظر أخرى تكون مرتبطة بالأبستمولوجيا وبالمعرفة المحضة. وقد اعتمدنا جملة من الاقتباسات المطولة من كتب العقائد والأخلاق والعرفان، لأنّ الدرس الشفهي في الأصل قراءة في هذه الكتب ثم التعليق عليها، بما يتناسب والروح الخصبة لرؤى السيد محمد الصدر في الملاحظة والمنهج والنقد. وهو منهج يتخذ من الدين مجابهةً مع واقع حيث التنظيرات العقلية، تعليم روحي يعتمد الوجدانيات أساس فهم التجربة الشخصية والاجتماعية للمعنويات والماديات معاً. فالتعليم في الروح هو جزء من فهم حقيقة الوجود الحيّة، وفهم ما هو واقع هو مقدمة للتربية لصنع كفاءة تمكين تحقيق ما يجب أن يكون. فالنقودات النظرية والإشراقية الذوقية كلاهما يدان تصنعان فاعلية الخروج على الصورة السائدة للبحث العقائدي والفقهي والأخلاقي، لكونها خروجاً على الفكر العاجز، إلى صياغة توحيدية أخرى قوامها الإيمان بالإرادة والقدرة على أنها جزء من معطيات القرب الإلهي؛ فالانتصار في الحياة هو التخلق بالأسماء الإلهية باعتبار أن الإيمان هو العمل. وعلى وفق هذا حصرنا المادة الموضوعية لتراث السيد المولى محمد الصدر، في التوحيد والشِّرك التي تُمثل إما المقدمات المُضمرة في نص فقه الأخلاق، وإما جزءاً جزء من النتائج المُتفرعة منها. وبالتأكيد إنه لا يمكن تقييم منجز الصدر الثاني هذا ما لم يتم وضعه في نسق الكتابات الأخرى قديمة وحديثة، وهذا ما صنعناه في هذا الكتاب وهو الأمر الذي يُفسِّر تكرار التطرق إلى مادة تراثية معروفة.

ونحن، سواء على صعيد المنهج أو على صعيد الاستنتاج، أو على صعيد اختيار النصوص وتوزيعها، لا ندعي أننا قد بلغنا نهاية الأفكار ولا نهاية الحكمة أو مُنتهى الدراية في الفهم والاستيعاب؛ كل الموضوع هو فتح صفحة في كتاب غير مقروء، وتأمل جوانب من المعارف، الكتب فيها كثير والعمل فيها قليل. ويسعدنا كل ناقد يوضح لنا هفواتنا وأخطاءنا، فالقارئ هو الكاتب مُراجعاً، والكاتب هو القارئ جامعاً، فلا فرق بين الكاتب والقارئ، بين الناقد والمنقود، سوى الأسبقية بالتحية والسلام، والثواب هو لمن بدأ ولمن أعاد التحية بمثلها أو بخيرٍ منها.

وعليه فكل خطأ فوزره يقع على كاهلي وحدي بما يمثله من قصور ذاتي أو تقصير موضوعي غير مقصود، وكل صواب فهو من حسنات مدرسة التجديد الكبرى بجناحيها محمد باقر الصدر ومحمد الصدر، التي نأمل أن تكون إعادة قراءتها وسيلة إنجاد من جُب التخلف والاستبداد والقهر، لكون المؤمن لا ينحني إلا لقاهر واحد وإلا وقعنا في الشّرك والتعددية في العبادة والخضوع، وهو ما حاصل في الواقع والفعل. فمتى نخرج من توحيد القيل والقال إلى التوحيد بالجُهدِ والحال؟!. ألم يطرح القرآن التوحيد أساساً لكل عمل صالح حيث التوحيد مرجعية سلوكية ومنطلق كلّ المفاهيم والرؤى، وليس مطالعة مُسلية في كتاب، أو كراهية وعنصرية مذهبية تكرارية على المنابر، فكيف حدث الفصام بين القرآن وكلمته، بين المؤمن ويقينه؟!. لقد انفصم الحوار بين المؤمن والقرآن، فانقطع التواصل بين الإيمان والواقع. هكذا بات الحال: نظريات مُقدسة وممارسات غائبة!.

نعم الروح روح يهوذا والكلام كلام المسيح، يهوذا في الروح، ومسيحيٌّ في الكلام. معاوية في المعشر وفي السوق وفي العمل وفي الإدارة، وعليٌّ في المسامرة. شمرٌ في النهار حيث التطبيق والعمل، وحسينيٌّ في الشّعار وفي اللسان، حيث الدين لا يُكلّفنا سوى بعض الحركات الرياضية والكلام. ننتمي إلى الأشرار في الجوهر، وإلى الأخيار في المظهر. فالنقاء الذي تهديه السماء يتحول إلى وباء عن طريق تحويله إلى عملة نقدية يكون الدين فيها قابلاً للبيع والشِّراء. وكما قال بعض أئمة الروح والعلم: الصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان.

نعم أسماؤنا مُثقلة بهويات الدين والمذهب، والمسميات مُثقلة بأطماع المال والمنصب، لقد خرجنا في تعاملنا مع الله ومع أنفسنا ومع الحياة، عن الأدب، فها نحن ننتقل من تعبٍ إلى تعب. فهل يُمكن بعد هذا أن تتم نهضة بدمٍ متحجر، نهضة كهذه، ليست سوى جثة من الأفكار، ذهنيات ميتة. فالتجديد في رؤى الدين لا ينسجم مع الغفلة ولا يتضاد مع الجمال، قد تلوك القلوب والأفواه الدين، لكن ليس ديناً من يلوك قلباً. كيف إذن يتسم مجتمع ما، بكونه مسلماً وقيمه مبنية على منطق الجريمة، وكون القوة، في البدن أو المال أو المنصب، هي السلطة، هي القانون، هي المثل الأعلى. ثمة خصومة مع الإصلاح، خصومة يراد لها أن تكون وراثية، نوعاً من العوق النفسي والذهني لكل ما يتعلق بالفرح والتقدم والاستمتاع بالوجود واعتبار الصحة النفسية الخطوة الأولى لمعرفة التوحيد والتخلص من الشّرك حيث أخلاقيات البطالة والتشوه الاختياري.

آه يمضي فينا منطق الغاب، والكل صيّاد والنقد وحده هو الفريسة، لذا ينتقل المثقف الحرّ المستقل، من جرحٍ إلى آخر ومن هزيمة إلى أخرى، ومن عزلة إلى أشد، تعِبٌ هو القلب في جدولة المحنة وكيف يرتاح من كانت راحته الكتابة؟!.
Page 3
من النفس المطمئنة إلى النقد المطمئن

من المُشتركات المُهمل بحثها، بين قضية الصح والخطأ، حيث علم المنطق، وقضية الحسن والقبيح، حيث مسؤولية التزكية وعلم الأخلاق، وقضية التفكيك والتجاوز، حيث علم النقد، مسألة (الحذر). ففي العلم والمدارات الثلاثة، ثمة احتراز ويقظة من الوقوع في شباك قضية تناقض القضية التي نطلبها ونرغب في الوصول إليها. هنا آفات المنهج، وهناك آفات السلوك، وهنالك آفات الفهم. وبين هذه الآفات هناك مشاكل وعقبات الواقع، فيكون على سالك الحقيقة أن يقطع أسفاراً أربعة وأشواطاً أربعة من أجل الوصول إلى فلاح اللقاء والوصول.

ووجود العقبة أمر مُربك لا مُبهج، ومُحزن لا مُفرح. هناك حقيقة قبل وصولنا إليها وهناك مثال ونموذج قبل اتصافنا وتخلقنا، وهناك قضية قبل فهمنا ووعينا. وقديماً تم تصوير هذه المسألة لشدة الانفعال بها وحساسيتها بكونها وجوداً آخر من قبيل مُثل أفلاطونية كان ينشدها المُثقف القديم. يقول السيد محمد الصدر رحمه الله((1)) في بعض وجدانياته وتأملاته:

لمــاذا ينزل الإنسان نحـو

التراب بـأول الميـلاد باكي

ومـا هذا سوى فهم لمـا فـي

ديار الناس مـن خطر العراكِ

بدنيـا ذات تـدلـيس وغـدرٍ

ومكرٍ واشتهـاءٍ واشتــراك

وغش تنـفر الأطبـاع منـه

وسقـم قـد يـؤدي للهـلاك

فكيف يجيء فرد نحـو دنيـا

ويهمـل عالماً بالحب زاكـي

وكـان به منيخاً مستريحــاً

من اللأواء دومـاً والحـراك

ضمين الرزق لم يحمل هموماً

نظيفاً لم يـغش ولـم يحـاكِ

فخلّف عالماً بالعطر يطفــو

وجـاء لعـالمٍ بالسوء واكـي

ولـو هان الزمان لكـان أمراً

ولكن المنيــة مــن وراك

بمـا فيها من الأخطار تحـدو

جميع الناس فيـها بـاشتراك

فابن الأرض سوف يعود فيهـا

وتنغلق المضاحك والمبـاكي

وينغلق التراب علـى سجيـن

بـجرم يديـه يحكم بالهـلاك

ونقلته لــدى سجـن لسجـن

ومـن حـلم لحلم. ما وراك؟

لقد أكل الطعام طوال دهـر

وصار أكيل طعـم للمساكـي

فذا يبكي مـن الدنيا دوامـاً

ويبكي قبره رغم البواكــي

فحـق ينزل الإنسان نحــو

التراب بـأول الميلاد باكـي

ولا يرجو مجيراً مـن دموع

تحط كأنهـا سيــل السفاك

ومـن دفع البلا بفنــا فناء

ومن رفع الشقا بديار زاكـي

سوى نفح من الرحمن يأتـي

لنفسٍ كي ترى فيهـا عـلاك

هناك النور بالإبصار يسمـو

حباك الله منــه واصطفـاك
Page 4
إن مدارج السالكين ليست في حقيقتها سوى قصة الإنسان مع نفسه. في حين الأدلة والبراهين، هي قصته مع غيره. في مدارج السالكين يحاور نفسه من خلال الآخرين، وفي الأدلة والبراهين هو يحاور الآخرين بواسطة نفسه. لكن افتقاد عنصر اليقظة المُناسب، وتمازج الغايات، يؤدي إلى إفقار مشترك بين الأمرين، فهو إن أراد نفسه وقع في الآخرين، وإن طلب الآخرين وقع في غربة النفس.(وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ).

مدارج السالكين أو منازل السائرين هي بذاتها قد تتحول إلى حجاب حاجز عن السلوك، قد تتحول إلى غيتو ذهني أو خطابي يمنع السير. تماماً مثل فقيه أو مثقف، يفرح بتأليف كتاب ويخسر نفسه. ومن هنا تحول الوجود إلى نظرية الوجود (كما في كتاب العلامة الطباطبائي: أصول الفلسفة) بينما الوجود هو الحياة موضوع استنباط النظرية التي انقلبت لدى هؤلاء وصارت تتحكم في الوجود. وبما أن فهم الوجود كان أساس فهم التوحيد لدى فلاسفة الكلام وعلمائهم، فقد تم تحويل التوحيد إلى نظرية وقضية ذهنية تماماً مثل الوجود. لذا نجد أبو البركات البغدادي مثلاً، في كتابه المعتبر في الحكمة الإلهية يذكر مسائل الزمان والجوهر والعرض ضمن مسائل الإلهيات بالمعنى الأخص، وهو ما سوف يكرره العلامة الطباطبائي مرة أخرى في الجزء الثاني من كتابه أصول الفلسفة والمذهب الواقعي. تحول الوجود إلى تأملات مُنعزلة، والتوحيد إلى كتاب!.

لا بد لكسر هذه الدائرة المفرغة من «نفح الرحمن» كي يتحقق «النور بالإبصار» فيكون البصر بصيرة، بصفة وعي بمكنون النفس. وتكون البصيرة بصراً، بصفة وعي بحقيقة العالَم. فنحن نُضحي ببعض وقتنا ومالنا وصحتنا وجهدنا من أجل بلوغ التثقف بالأشياء، نثقفها؛ أي لا أن نُصيبها فقط، بل نخترقها، ونتجاوزها فتكون هي جزءاً من استخداماتنا لا أن نكون نحن جزءاً من استخداماتها. كذلك نمنح جزءاً من الأشياء ومن أنفسنا كي نكوّن شخصية مُتماسكة مع نفسها، في مسيرة ارتقائية تطمح إلى معالي الأمور وليس توافهها، أن ننال من شجرة الحياة الثمرة، وليس الحشائش المُتيبّسة التي تتلاعب بها رياح خريف الوعي الإعلامي، أو ربيع التجديد السياسي للنهب، أو صيف صراع الصخب الديني. فإذا العمر ينقلب كله إلى شتاء يتيبس فيه العقل وتصفرّ فيه العاطفة، نمنح جزءاً من الذات كي نتجاوز الذات «صدقة تطهرهم وتُزكيهم بها». فالإنسان «ابن الأرض» كبذرة صالحة مستقبلها تفتح الجمال، ومنازل السعادة العليا. ولا يكون ابن الأرض انتهاء لكون ذلك مصير البذور المُصابة والميتة.

وفي قصيدة السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر، المذكورة آنفاً، نجد ذلك الاهتمام المُبكر بمسألة الولادة الثانية للإنسان، بعيداً عن طريقة في الحياة تكون نهايتها هي الموت مرتين. يبدو محمد الصدر هنا متأثراً بقصيدة الشيخ الرئيس ابن سينا، هناك نكهة أفلاطونية من ذلك الغصن الذي تم اقتطاعه من الشجرة، فإذا هو لا ينشد سوى الحزن وشكوى الفراق، ذلك الناي الذي صوره فيما بعد جلال الدين الرومي واقتبسه منه جبران خليل جبران. لكن القطع تمّ والغربة حاصلة فكيف الطريق، وبمَ التعلل؟!. لا يبقى هنا سوى التسليم بالأمر ومحاولة التغلب عليه لأنه هو قدر إلهي، الحب أمر بالابتعاد فيكون امتثال البُعد قرباً.

وإذا كنا نستفيد من قوله تعالى في وصف مقام النبي موسى عليه السلام:(إِنَّ مَعِيَ رَبِّي)حيث استخدام صفة من الصفات الفعلية، وصيغة حضور الأنا الفردية. فقوة موسى هي في حضور الله بالنسبة إليه وعنايته به. بخلاف وصف القرآن لحالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، حيث استخدام اسم الله الجامع، وصيغة الجمع، فقوة النبي هي في حضور الله للجميع وعنايته بالناس كافة.

كذلك نحن نستشعر هذه الـ(نا) في فلسفتنا واقتصادنا وفي محاورة الآخر في اليوم الموعود وما وراء الفقه. المبدع هنا يسافر بين قارات العلم، يبحث عمن يشاكله في العبقرية ودقة المعلومة، بعيداً عن سطحيات مجتمع الانغلاق والتخلف الذي يُفكر فقط في هواجسه الذاتية الضيقة.

ورغم بكائية قصيدة محمد الصدر وتكرارها لصوت وعظي تقليدي، فإننا نلاحظ حضور الأمل في أشد حالات النفس جزعاً، نفس كسبت الطمأنينة بالأخلاق الصالحة، والنقد الواثق المطمئن بوعي مسالك النقد والفهم وقراءة منهجية لمشاكل الحياة وأزمة العصر. إذ إن ابتعادك عن ديار العطر تكون مضاعفة فيما لو توقفت عن المناشدة، وهنا يكون حتى التذكر، حتى الشكوى والبكاء، محاولة لاسترجاع زمن العطر، فعلامة المُحبّ الحقيقي عدم نسيان حبيبه. ومن عشق شيئاً تكرر ذكره له. كأن محمد الصدر هنا يتأفف من محيط المؤسسة الدينية الذي كان طالباً مجرداً فيه. نستشعر ألمه في شم نتانة روائح الموتى في تمثيل الدين والسياسة والمجتمع. إنه يقرّ بأن عالم الطيب بعيد عنه، لكنه لا يستسلم لأيدي الموتى التي تسحبه نحو قبور المال والشهرة والأكل بالدين، حرقة قلب ترفض أن تكون المحنة تبريراً للاستسلام، فتكون الخطايا جزءاً من العطالة((2)). تخيل عالم العطر، تمني الابتعاد عن العمل المشابه للجماعة، كلها أحاسيس الذات المُبدعة للعبقري الذي يشعر أن المحيط أصغر من أن يحتويه. وكيف يُمكن احتواء من هويته الأمل ومطلوبه التغيير وزاده العزم؟!.
Page 5
عناصر البحث المشترك :جدل الفكر مع الذات

العلم اهتمامات وأهمية

جدل الفكر مع الذات هو ذاته البحث القديم في شروط اليقظة والعزم والتوبة، وحينئذٍ فهو ليس سفراً من الأسفار الأربعة القادمة حيث ينتهي بحث العقائد بمطلب الأخلاق، من خلال الوصول إلى بحث الصفات الذاتية الفعلية التي منها صفة الحكيم. فيتفرع البحث إلى بحث الحسن والقبح هل هما عقليان أم شرعيان، وهل العدل الذي هو لازم الحكمة ذاتي أم غير ذاتي، وهذا أمر يشمل كل الأخلاق هل هي ذاتية أم لا. وقضايا الثواب والعقاب ومنطقية كونهما خالدين.

كما ينتهي بحث العقائد من العقليات إلى النقليات، من بحث أدلة ثبوت الله وصفاته، وهي أدلة عقلية، إلى بحث صفات القرآن وثبوت النبوة والإمامة الخاصة «أي مصداق النبوة والامامة، وليس ذات فكرة النبوة، أي تحديد أن النبي هو محمد بن عبدالله، وأن الإمام هو عليّ بن أبي طالب»، وإلى الحديث عن شكل الجنة والنار، وهل هما موجودان الآن، وكلها بحوث نقلية في الأصل.

في حين البحث الأخلاقي ينتهي بمطلب العقائد، حيث ينتهي بحث منازل السائرين بمنزلة التوحيد. وإلى بحث قضايا الفناء، والتجرد النفسي التام، وكلها بحوث في أصلها عقلية. وسوف يبلغ اختلاط البحوث قمته في العصور المتأخرة في بحث الولاية التكوينية للأئمة، حيث يتداخل البحث التفسيري، حيث اللغة والأخبار، مع العرفان، حيث الفلسفة والحدس. كما هو حال التناقض في معالجة هذه القضية بين السيد كمال الحيدري والسيد محمد حسين فضل الله.

وعلى أية حال يشترك كلٌّ من البحث العقائدي والبحث الأخلاقي، بتقديم مقدمة في أهمية العلم في كتب الأخلاق، ونقد السفسطة في كتب العقائد والفلسفة. وكلا البحثين رغم اختلافهما الظاهري، هما بحث واحد. فبحث أهمية العلم هو بحث نقض السفسطة لكن من خلال نقل الأحاديث والأخبار الوعظية. وبحث نقض السفسطة هو بحث أهمية العلم لكن من خلال التحليل العقلي.

وأصل بحث نقض السفسطة هو بحث المعتزلة في الثقة بالعقل في فهم الشريعة، ورد علماء الشيعة على الأشعري القائل بعدم وجود قانون السببية. وهذا الأمر استمر في البحوث الكلامية حتى «إحقاق الحق» للتستري، وفي البحوث الفلسفية حتى «أصول الفلسفة والمذهب الواقعي» و«نهاية الحكمة» للعلامة الطباطبائي، و«فلسفتنا» لمحمد باقر الصدر، و«اليوم الموعود» لمحمد محمد صادق الصدر.

البحث الفلسفي والعقائدي يرى في هذه الخطوة، مقدمة موضوعية تقوم عليها مسائل العلم الأخرى، لكوننا إذا لم نثبت أن ثمة واقعية هناك، فلا يمكن إثبات أي صفة لها، هل هي وجود أم ماهية، هل هي جوهر أم عرض، واجبة أم ممكنة وهكذا. في حين البحث الأخلاقي يرى في هذه المسألة خطوة في طريق الوعي بالذات والهجرة من دار النفس، إلى الوعي بالعالم والجهاد السلوكي في معرفة الوجود الحقيقي الذي سوف يتبين فيه أن معرفتنا بكونها واقعية ليست سوى ظل له وليس هو الواقعية الحقيقية. وهذا هو السبب الذي جعل البحث الفلسفي ينتهي إلى بحث عرفاني كما حصل في كتاب الحكمة المتعالية لصدر المتألهين الشيرازي. وكما جعله السيد محمد الصدر القسم الأعلى لتقسيم مراتب التوحيد في كتابه فقه الأخلاق.

على ذلك يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في مدخل كتابه نهاية الحكمة:

«إنا معاشر الناس أشياء موجودة جداً ومعنا أشياء أخر موجودة ربما فعلت فينا أو انفعلت منا كما أنا نفعل فيها أو ننفعل منها.

هناك هواء نستنشقه وغذاء نتغذى به ومساكن نسكنها وأرض نتقلب عليها وشمس نستضي‏ء بضيائها وكواكب نهتدي بها وحيوان ونبات وغيرهما.

وهناك أمور نبصرها وأخرى نسمعها وأخرى نشمها وأخرى نذوقها وأخرى وأخرى.

وهناك أمور نقصدها أو نهرب منها وأشياء نحبها أو نبغضها وأشياء نرجوها أو نخافها وأشياء تشتهيها طباعنا أو تتنفر منها وأشياء نريدها لغرض الاستقرار في مكان أو الانتقال من مكان أو إلى مكان أو الحصول على لذة أو الاتقاء من ألم أو التخلص من مكروه أو لمآرب أخرى.

وجميع هذه الأمور التي نشعر بها ولعل معها ما لا نشعر بها ليست بسدى لما أنها موجودة جداً وثابتة واقعاً فلا يقصد شي‏ء شيئاً إلا لأنه عين خارجية وموجود واقعي أو منتهٍ إليه ليس وهماً سرابياً فلا يسعنا أن نرتاب في أن هناك وجوداً ولا أن ننكر الواقعية مطلقاً إلا أن نكابر الحق فننكره أو نبدي الشك فيه وإن يكن شي‏ء من ذلك فإنما هو في اللفظ فحسب. فلا يزال الواحد منا وكذلك كل موجود يعيش بالعلم والشعور يرى نفسه موجوداً واقعياً ذا آثار واقعية ولا يمس شيئاً آخر غيره إلا بما أن له نصيباً من الواقعية».
Page 6
في حين عالجت مدرسة الصدر القضية كقضية اشتباك مع التيارات المعاصرة في نظرية المعرفة، فتمّت مناقشة قضية الواقعية والحقيقة عند نقد النظرية الديالكتيكية في الفكر، وكان ذلك محوراً أساسياً في كتابي «فلسفتنا» و«اليوم الموعود». وفي كتابي «بحوث في علم الأصول» للصدر الأول، و«منهج الأصول» للصدر الثاني. وقد تم تخصيص بحثين في فلسفتنا، الأول حول نظرية العلية، في وسط الكتاب، والثاني حول نظرية الإدراك، وذلك في نهايته. وعلى الرغم من الصبغة الأكاديمية في «فلسفتنا» إلا أنه يستبطن رؤية أخلاقية، حيث كان مبحث العلية يمثل قضية فهم العالم، في حين مبحث الإدراك، يمثل قضية فهم الذات. الأول قراءة الوجود. والثاني قراءة الإنسان.

في حين تكون مباحث فلسفتنا واليوم الموعود، في مناقشات نظريات الفيزياء والكيمياء الحديثة، نوعاً من تجديد الخطاب الفلسفي القديم الذي كان يدور حول مباحث الجوهر والعرض، والوجوب والإمكان، ونظرية البصريات والطبيعيات القديمة، والجزء الذي لا يتجزأ. تكون مباحث ضرورة الروحانية والأخلاقية نوعاً من تجديد الخطاب في مسائل العاطفة ومبحث النفس الفلسفي الذي هو قراءة المشاعر والأحاسيس في الفكر القديم. البحوث الأولى هي قراءة الطبيعة والمنهج العقلي. وهو ما سوف يعود إليه السيد محمد محمد صادق الصدر في كتابه (أشعة من عقائد الإسلام).

والبحوث الثانية قراءة الإنسان ومسائل العشق والعرفان والذوق والأدب. ومجموع البحوث يكشف تجديد مدرسة الصدر لقضية مصالحة العقل مع القلب التي كانت محل اعتناء السهروردي، ثم تجددت المحاولة في مدينة النجف على يد السيد حيدر آملي، ومنه دخل نسق ابن عربي إلى الحوزة العلمية، وهنا نضع أيدينا على موضع محمد الصدر في خريطة تاريخ السالكين التي ذكرنا بعض معالمها في كتاب «من العرفان إلى الدولة». إذ إن فقه الأخلاق يرى مسائل الشريعة بعين القانون والتقنين، وإن كانت قائمة على كون الشريعة مسألة نقلية. ويرى الأخلاق بعين الانظباط العقلي والعقلاني، وإن كانت قضايا الأخلاق قضايا وجدان وشعور. وهكذا يتم الجمع ما بين قضايا الفرد وقضايا المجتمع. وما بين النظر والعاطفة. مابين النقل والإبداع.

وفي خاتمة الجزء العاشر من كتاب «ماوراء الفقه» يختتم السيد الشهيد محمد الصدر، كتابه بملحقين أحدهما نظري عن أصول الدين. والثاني عملي هو الكذب في القول والسلوك. ليكون ذلك تتويجاً لربط الفكر بالعمل والجهد الفكري بالجهد العملي. وقد بين السيد محمد الصدر هناك موقفه من القسمة الشهيرة لعلم أصول الفقه وبين بإيجاز بعض إشكالياته الجديدة في هذا المضمار:

(أصول الدين وفروع الدين مجموع مفاهيم يتعلمها الصغار ويؤمن بها الكبار، كأهم نقاط رئيسية في الدين الإسلامي كله.

فكلنا يعرف أن أصول الدين خمسة: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة وميعاد يوم القيامة. وفروع الدين عشرة: الصلاة والزكاة والخمس والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائهم.

والكلام الآن عن أصول الدين، وقد قسمها لنا سلفنا الصالح إلى قسمين: أحدهما: أصول الإسلام وهي ثلاثة منها هي: التوحيد والنبوة والمعاد. بحيث أن من أنكرها أنكر الإسلام. وثانيهما: أصول المذهب وهي الباقي من الخمسة من حيث أن من أنكرها أنكر المذهب ولم يخرج عن الإسلام.

وبالرغم من صحة كل هذه المفاهيم الخمسة ودخلها الأساسي في الدين، إلا أنها تواجه بعض الإشكالات الجانبية، مما يحسن أن نعرضه ونحاول الإجابة عنه.

الإشكال الأول: إن هذا الترتيب الخماسي مما لم يرد من الكتاب والسنة إطلاقاً. ولا نعلم انتسابه إلى أحد المعصومين سلام الله عليهم. أو أن واضعه هو بعض علمائنا من السلف الصالح.

وكل ما لم يرد في الكتاب والسنة، فهو ليس بحجة. وإذا كان صادراً عن غير المعصومين، فهو ليس بحجة أيضاً.

وجواب ذلك: إن هذا الإشكال لو تمّ، فإنما هو إسقاط للترتيب الخماسي المعهود. ولا يمكن أن يكون إسقاطاً للمفاهيم نفسها، بعد أن تم البرهان عليها في «علم الكلام» وهو علم العقائد الإسلامية، ببرهان صحيح كامل.

والظاهر أن بعض الأذكياء من سلفنا الصالح، أدرج هذه الأمور بهذا الترتيب اللطيف من أجل تسهيل حفظها وإدراكها لأكبر قاعدة واسعة من الناس. وهذا أمر فيه مصلحة وليس فيه مفسدة، وليس لنا إلا أن ندعو له بكل خير.
Page 7
الإشكال الثاني: إن عدداً من الأساسيات في الدين لم يندرج بوضوح في هذه الخمسة، سواء من أصول الإسلام أو من أصول المذهب. كوجود الله سبحانه وعلمه وقدرته، والنبوة العامة يعني الإيمان بنبوة الأنبياء السابقين، بعد أن يكون المراد من النبوة في الخمسة هو النبوة الخاصة يعني الإيمان بنبوة نبي الإسلام «ص». وكذلك الإيمان بالقرآن الكريم.

وكذلك الإيمان بأهمية فاطمة الزهراء سلام الله عليها، والإيمان بعصمة المعصومين سلام الله عليهم. وبأنهم مصدر التشريع. والإيمان بغيبة الإمام المهدي عليه السلام، وأنه يظهر في المستقبل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وجواب ذلك من وجهين:

الوجه الأول: إن هذا الذي شرحناه وإن كان مهماً جداً في الدين أو في المذهب، إلا أن تلك الخمسة أهم منه، أو هي الرئيسية في المجموع المذكور. وقد اختاروها لتسهيل تناولها وحفظها، وليس فيها إنكار للمفاهيم الأخرى الضرورية، والعياذ بالله. وإنما يجب الإيمان بهذه الخمسة وبغيرها على السواء.

الوجه الثاني: إن كل هذا الذي شرحناه في الإشكال مما لم يتم بيانه في الخمسة، يمكن اندراجه ـ بشكل أو بآخر ـ فيها نفسها.

فوجود الله سبحانه وتعالى وصفاته يمكن إدراجها في التوحيد، والنبوة العامة داخلة في مفهوم النبوة. إذ يمكن أن نفهم منها الأعم من النبوة العامة والنبوة الخاصة. يعني الإيمان بسائر الأنبياء بمن فيهم نبي الإسلام صلى الله عليه وآله.

وكذلك يندرج القرآن الكريم، والإيمان به ضمن معنى النبوة، لأنه مما جاء به نبي الإسلام «ص»، وكذلك يندرج فيها الإيمان بحب فاطمة الزهراء سلام الله عليها، فإنها بنت النبي المصطفى صلى الله عليه وآله. أو أنها تندرج في الإمامة من حيث أنها أم الأئمة، وأن أهميتها الإلهية لا تقل عنهم. فهي مثل أحدهم، ولو لم تكن امرأة لكانت فعلاً واحداً منهم. ولكن خلقها الله سبحانه كامرأة لتؤدي دوراً غير الدور الذي يؤديه الرجال.

وأما الإيمان بعصمة المعصومين «ع» فهو يندرج في مفهوم الإمامة أكيداً، كما أن الإيمان بالمهدي يندرج فيها أيضاً. لأنه الإمام الثاني عشر منهم سلام الله عليهم.

ومهما يكن من أمر فإننا إن وجدنا الوجه المنطقي لاندراج الأمور الأساسية الأخرى في هذه الخمسة، فهو المطلوب. وإلا كان علينا الإيمان بالجمع، وإن زادت على خمسة، كما أشرنا في الوجه الأول. ويكفينا ما كررنا من أن من جمعها بهذا الشكل إنما أراد الوضوح والتسهيل على الناس لا أكثر ولا أقل. ولم يُرد إنكار العقائد الأخرى. لكن يكون عندئذ من الواجب على المفكرين المتشرعين أن يقوموا بتفهيم ذلك إلى سائر الناس على أحد هذين الوجهين).

وفي ذلك كان السيد الصدر الثاني من السباقين في طرح مشكلة استحالة تعميم الاجتهاد في أصول الدين لأفراد المجتمع كافة، كما أنه من المتشددين في بيان كون الدين ليس اصطلاحات وإنما هو تطبيقات، لذا لا قيمة لكل الدروس العرفانية والفلسفية التي جرفت علم الكلام وصعدت به في تعجيمات لغوية على حساب الوضوح الحركي في تنظيم المجتمع المسلم، وفي إنقاذ الإنسان المؤمن من ذل التبعية والانسحاق تحت وطأة الحاجة المعيشية والتعليمية؛ هنا يكرر الصدر الثاني الموقف الذي تعرفنا عليه في كتابنا (الفقه الأخلاقي) حول وسطية الدرس العرفاني بين الرفض والقبول :

(ان هناك سؤالاً ملحاً عن الاعتقاد بأصول الدين يلتفت إليه الكثيرون يحسن عرضه والجواب عنه. وحاصله: أن الفقهاء قالوا: إن التقليد في أصول الدين ممنوع، لأنه منهي عنه بصراحة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). وقوله عز وجل (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). وقوله (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ). وفي آية أخرى (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)وإنما التقليد خاص بفروع الدين، وما يخص الفتاوى العملية. وأما شموله لأصول الدين فلا. بل لا بد لكل فرد أن يكون مجتهداً في الاعتقاد بهذه الأصول. فإن الاجتهاد ضد التقليد، لأن الفرد إما مجتهد وإما مقلد ولا ثالث لهما. فإذا جرى المنع من التقليد تعين الاجتهاد.

مع العلم أننا إذا التفتنا إلى الأكثرية الكاثرة في المجتمع من متوسطي الثقافة والعقلية والمتدينين فيها، يستحيل عليهم عادة أن يدركوا أو يستوعبوا البراهين على أصول الدين لكي يكونوا فيها مجتهدين ومحققين. بل هذا متعذر عند الغالبية بأي من مقدماته وتفاصيله ناهيك عن الجميع. فكيف الحال بمن لا يقرأ ولا يكتب، ولم يمر على القرآن الكريم ولا السنة الشريفة ولا المصادر الرئيسية في الدين. ونحوهم بعض النساء العاطلات اللاتي لا يفهم منهن الكلام ولا يعرف لهن مرام.

ومثل هؤلاء الناس عاجزون جزماً عن الاجتهاد في أصول الدين. وتكليف العاجز مستحيل عقلاً. إذن، فتكليفهم بذلك مستحيل. إذن، فكل من الاجتهاد والتقليد في أصول الدين منسدّ بابه في وجوههم. مع العلم أنها واجبة عليهم إجمالاً، ولا يحتمل سقوطها عنهم لأن ذلك يعني خروجهم عن الدين وهو ممتنع. فما العمل بعد انسداد كل الاحتمالات؟
Page 8
وجواب ذلك: إنّ الشيء الذي يمكن التنزل عنه نظرياً في هذا الصدد هو وجوب الاجتهاد مع العجز عنه أكيداً، إلا أن هذا لا يعني جواز التقليد. بل يمكن أن ننتقل إلى حالة ثالثة هي الاطمئنان إلى صحة أصول الدين، والاطمئنان حجة كافية ومعتبرة شرعاً أياً يكن سبب حدوثه. وأما إذا لم يحدث للفرد الاطمئنان إلى أصول الدين فهو مما لا سبيل إلى الاعتراف بإسلامه.

فإن قيل: كيف يحدث الاطمئنان للفرد مع عدم وجود المقدمات النظرية الكافية المسببة له، أو قل كيف يحدث ذلك مع عدم الاجتهاد والبحث النظري عن صحة تلك المفاهيم.

قلنا: إن كان الاجتهاد والبحث النظري ممكناً، فهو المطلوب. ولا يكون الاطمئنان مقبولاً ولا مجزياً بدونه. إلا أننا نتكلم الآن في فرض العجز عن الاجتهاد. والتكليف مع العجز متعذر. إذن، فالعامي لا يطلب من الاجتهاد ولا يجزئ منه التقليد، وإنما يجزئ منه الاطمئنان.

وهذا يمكن أن يحدث للعامي بأسلوبين:

الأسلوب الأول: ما يكون من العقائد مقدماته واضحة ووجدانية إلى حد تكون حسية أو قريبة من الحس. فيمكن القول إنه لا يعذر فيها أحد. ولذا يذم في القرآن الكريم من يكذب بالآيات في عدد معتد به من الآيات القرآنية. والمقصود بالآيات هنا الدلائل الواضحة على أصول الدين كوجود الله وتوحيده، وعدله وكرمه.

وبالرغم من أنه يمكن القول إن المقدمات المهمة أو الرئيسة لكل أصول الدين واضحة ووجدانية وليست معقدة. فلا أقل من أن نقول: إن المقدمات المهمة لثلاثة منها كذلك جزماً وهي أصول الإسلام: التوحيد والنبوة والمعاد.

فوجود الله معلوم بخلقه. وتوحيده معلوم من شهادته به. والنبوة معلومة من إعجاز القرآن وتواتره. والمعاد معلوم بنص القرآن والتواتر أيضاً. وهذه العبارات وإن كانت نظرية لا يفهمها الأكثر، إلا أن مضمونها العرفي واضح وقريب للأذهان.

الأسلوب الثاني: وهو خاص بمن كان في المستوى المتدني بحيث لا يمكنه حقيقة حتى إدراك المستوى الأول الواضح.

عندئذ يمكن الاكتفاء منه بمجرد حدوث الاطمئنان. ويمكن أن يحدث الاطمئنان لأي فرد بمجرد الالتفات إلى التسالم على صحة أصول الدين:

أولاً: إنها مما آمن به الملايين من الناس جيلاً بعد جيل.

ثانياً: إنها مما آمن به الباحثون والمفكرون والعلماء.

ثالثاً: إنها مما آمن به الصالحون من الناس والأتقياء الذين لا نعرف منهم ولم يصدر عنهم إلا الخير والصلاح. كالمعصومين «ع» وجميع الصالحين من الناس.

رابعاً: إن الفرد يلتفت إلى أنّ مفاهيم أصول الدين مبحوثة مفصلاً بكثرة في كل الأجيال في كثير من الكتب. ونتائج بحثها صحيحة لدى الجميع. إذن، فهو يعلم ولو بالإجمال بصحتها وهو كاف له.

الأمر الثاني: مما ينبغي التعرض إليه حول أصول الدين:

إنه قد يخطر في أذهان بعض المفسدين أن يقولوا: إن الإيمان بأصول الدين مناف مع عالمية الدعوة النبوية الإسلامية.

فإننا عرفنا بضرورة الدين عموم الدعوة إلى جميع البشر وفي كل الأجيال منذ الجيل المعاصر للإسلام وإلى يوم القيامة وفناء البشرية. وهذا معناه أن الإيمان بأصول الدين عام بهذا الشكل الواسع، لأن الإسلام ليس إلا أصول الدين.وهذا يتوقف على أن تكون أصول الدين سهلة وواضحة وليست معقدة ومطولة. فإذا علمنا أنها معقدة علمنا تعذر انتشار هذه الأصول الخمسة بين البشر، ولاسيما المتدنون في الثقافة منهم، وهم غالبية البشر، وغير العرب منهم وهم الأكثر منهم، وخصوصاً تلك اللغات التي لم تترجم إليها الكتب العربية، ولم تصلها الأفكار العربية. ولا ينبغي أن ننسى هنا أن الكتاب والسنة عربيان.

وجواب ذلك يكون على عدة مستويات منها:

المستوى الأول: ما قلناه من وضوح الفهم وتيسيره بالنسبة إلى عامة الناس في أصول الدين. ولذا وجدنا الملايين في غير العرب يفهمونها ويؤمنون بها ويدخلون في دين الله أفواجاً. لا تمنعهم عن ذلك لغتهم ولا تقاليدهم ولا بعدهم عن مركز الرسالة الإسلامية.

المستوى الثاني: إن الإسلام ليس واضحاً من ناحية أصوله فقط، بل من ناحية فروع الدين أيضاً. فإنها تعبير آخر عن العدل الإسلامي الكامل والنظام الفاضل الذي يكفل سعادة البشرية كلها. وللإسلام وقادته ومفكريه من المزايا ما فاق حد الإحصاء.

المستوى الثالث: إن التبليغ الإسلامي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهداية الناس كلها عناوين واجبة إجمالاً. إن توقفت على الترجمة إلى لغات أخرى وتفهيم غير العرب بها، أو أي شعب من الشعوب أو أي فرد من الأفراد. كانت تلك المقدمات واجبة شرعاً لا محالة. وهذا مما أدركه وقام به كثير من أهل الاهتمام بالدين والهمة إلى هداية الآخرين، خلال الأجيال بمن فيها جيلنا الحاضر.
Page 9
المستوى الرابع: إنه من المحرز بوعد الله سبحانه وتعالى حصول ذلك فإن كان البشر عاجزين عنه، فالله سبحانه هو القادر عليه.(فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)وقال تعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاۚ)، وذلك بعد أن نعلم أن ـ الله لا يخلف الميعاد ـ وقال:(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِۗ).

ولكن يبقى وقت التنفيذ في علم الله وقدرته، ونحن أقل وأجهل من أن نعلمه ونقدر عليه. وقد قربت هذه الآية نفسها إلى الأذهان عدم استبعاد الأمر حيث قال جل جلاله:(لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). فإذا كان هذا حاصلاً فيما سبق فما البعد في أن يحصل فيما يأتي من الزمان؟ ونحن نعلم أن (لله جند السماوات والأرض) وأن (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)وأن(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)وأنَّ (للبيت رب يحميه).

المستوى الخامس: إن أي فرد أو جماعة انسدت أمامها الأبواب التي عرفناها في المستويات السابقة، وتعذر لها فهم أصول الدين وحقيقة الإسلام تعذراً كاملاً، لأي مانع من الموانع، كالمانع العقلي أو البعد المكاني أو التدني الثقافي أو الانشغال الدنيوي أو الغفلة أو النسيان أو غير ذلك، فإنه يكون معذوراً عما عجز عنه، والله تعالى أولى بالعذر لا محالة. ولا يحتمل أن يعاقب عليه يوم القيامة.

الأمر الثالث: مما ينبغي التعرض له حول أصول الدين. إن هناك علوماً ثلاثة مكرسة في الإسلام للبحث حول أصول الدين وحقيقة الدين هي: علم الكلام والفلسفة والعرفان، وليس علم الكلام فقط بحسب المعروف والمشهور.

وقد فرقوا بين علم الكلام والفلسفة، بالرغم من كونهما معاً منحى عقلياً بن المتكلم (في علم الكلام) يأخذ العقائد الإسلامية ويحاول البرهنة عليها في حين أن الفيلسوف (في الفلسفة) لا يأخذ هذا مسلماً بل يسير إلى حيث يقوده البرهان أياً تكن نتيجته. وإن كنا نعتقد كمسلمين أن كل من بحث في صحة العقائد الإسلامية فإنه سيتوصل إلى صحتها؛ وأن كل من توصل إلى غير ذلك فهو متوهم ومبطل.

كما فرقوا بين علم الكلام والفلسفة، بأن علم الكلام خاص بالحديث عن العقائد الإسلامية، في حين أن الفلسفة أوسع من ذلك، من حيث أن الفيلسوف ينظر إلى الوجود ككل.

أما الفرق بين هذين العلمين من ناحية والعرفان من ناحية ثانية، فهو أن هذين العلمين يشتركان في المنحى العقلي أو الذهني. ولا يمكن أن يتعدياه في حين أن العرفان تعبير آخر عن معرفة حقائق الأشياء بالحس والوجدان وهو ما يعبر عنه في المنطق بالعلم الحضوري. لا يختلف في ذلك عالم الخلق عن عالم الأمر عن عالم اللاهوت عن عالم الأسماء والصفات. إلى غير ذلك.

وقد أشار إليه القرآن الكريم في عدد من آياته. منها قوله سبحانه:(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)، يعني بدون حاجة إلى دلالة ومعجزة. وقال سبحانه:(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ). وقال جل جلاله:(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). يعني أن الخشية الحقيقية لا تحصل ولا يمكن أن تحصل إلا بعد المعرفة الحقيقية.

ومن هنا يمكن القول بأن لأصول الدين ثلاثة مستويات من الإدراك باعتبار هذه العلوم الثلاثة. فإذا أضفنا إليه المستوى العام المتدني للفهم لها، باتت أربعة كما يلي:

المستوى الأول: هو المستوى العام المتدني في الفهم، حيث تكون الفكرة غائمة والبراهين إجمالية كما سبق. في حين أن المستويات التالية كلها واضحة ومعمقة.

المستوى الثاني: هو المستوى الكلامي، حيث يراد فهم أصول الدين والاستدلال عليها بالعقل من زاوية إدراكه لهذه الأمور.

المستوى الثالث: هو المستوى الفلسفي، حيث يراد فهم أصول الدين والاستدلال عليها بالعقل من زاوية إدراكه المطلق لكل شيء، وعامة عالم الوجود.

المستوى الرابع: هو المستوى العرفاني، حيث يراد فهم أصول الدين والاستدلال عليها بالحس والوجدان المباشر الناشئ من الاطلاع على حقائق الأشياء وعلى واقعها الأصلي، كما أشرنا.

وهنا ناحيتان يحسن الالتفات إليهما:

الناحية الأولى: إنه قد يخطر في الذهن أن المعرفة الحقيقية هي المعرفة الواصلة إلينا عن طريق الكتاب والسنة، وليست هي أحد هذه المستويات الأربعة إطلاقاً.

وجواب ذلك: إننا إن تحدثنا عن مستويات القادة المعصومين سلام الله عليهم، فمعرفتهم هي أعلى المعارف وأدقها وأوسعها بلا شك. إلا أن تلك من أهم الأسرار الإلهية التي لا يعطونها إلا لأقل القليل، لا إنهم يبينونها من خلال السنة الشريفة.

وإن تحدثنا على مستوى ظاهر الكتاب والسنة، فهو ظاهرة متنوعة الفهم ومتعددة الاحتمالات في الجملة. ومقصودي أنه يناسب كل المستويات الأربعة على الإطلاق، بحيث يأخذ كل واحد منه ما يلائمه ويتفق مع فهمه ومستواه. ولا يقتصر على واحد منها أو غيرها، كما زعم السائل.

ولذا يستدل بها أهل كل من هذه المستويات على فهم وصحة اعتقادهم المناسب ـ في الحقيقة ـ لمستواه الذهني بما فيه المستوى الرابع العرفاني المعمق. إلا أن هذا الفهم من الكتاب والسنة لا يدركه إلا ذووه. وهم المؤملون لذلك أساساً.

ومن هنا نجد أن كلمات الكتاب والسنة المقدسين، مناسبة لجميع العقول والمستويات وقد أعطت لكل واحد ولكل جماعة ومجتمع ما ينفعه ويهديه. وهي لم تبخل بأعمق الأفكار، غير أنها خاطبت كل واحد بمقدار عقله وتحمله. فمن لم يكن أهلاً للتحمل يكفي أن يبقى غافلاً عن الفكرة وغير فاهم لها من ظواهر الكتاب والسنة.
Page 10
الناحية الثانية: إن أعمق وأوسع الاستدلال على أصول الدين ومطلق العقائد، في القواعد الظاهرية الموروثة، إنما هو في الفلسفة الإسلامية التقليدية التي هي أعمق من علم الكلام وألطف بما لا يقاس من الدرجات. ولئن ورد النهي في بعض الروايات عن الإفاضة في علم الكلام، فإنه لم يرد نهي عن الإفاضة في الفلسفة.

غير أنني أعتقد أن المستويين الثالث والرابع ينبغي أن يتعاضدا ويتعاهدا على الوصول إلى النتائج الواقعية. وقد سبق أن كررت هذا المعنى كثيراً في خلال عمري، أن الفلسفة بلا عرفان قشر بلا لب. وأن العرفان بلا فلسفة لب بلا قشر.

وهذا معناه أن الفاكهة المفضلة، كما خلقها الله سبحانه هي لب وقشر معاً ولا يصلح أحدهما من دون الآخر.

أما استفادة الفلسفة من العرفان، فإنه يفتح لها حسن الاستدلال وحسن النتائج معاً. ولا يكون سير الفيلسوف سيراً في ظلام، بل تكاملاً في نور. ولا يحس بذلك إلا من جربه.

ولهذا مزج عدد من الفلاسفة فلسفتهم بالعرفان، فأصبحت من هذه الناحية من أفضل الفلسفات وأجل المؤلفات، منهم: صدر المتألهين الشيرازي صاحب كتاب: الأسفار الأربعة. والشيخ ملا هادي السيزواري صاحب المنظومة في الفلسفة وله حاشية جليلة على الأسفار الأربعة نحا فيها المنحى المشار إليه. وهما معاً موفقان في هذا الصدد.

وأما استفادة العرفان من الفلسفة فمن جهات أهمها:

أولاً: أنها تصلح أن تكون تعقلاً وترتيباً برهانياً للفهم العرفاني الوجداني الساذج.

ثانياً: أنها تصلح أن تكون حجاباً وستراً للأسرار الإلهية العرفانية. فإنها عندئذ يمكن التعرف بها بالثوب الفلسفي المناسب.

وعلى أي حال، فالفلسفة إنما تمنع العرفان من زاوية إثباتية يعني لتعريف الآخرين أو قل: بعض الآخرين بعض صيغ الحقيقة المجردة، وإلا فإن كان الفرد موفقاً لكي يكون بعيداً عن الآخرين ولا يشعر بتكليفه الشرعي أو الإنساني لتعليمهم أو هدايتهم، فلا حاجة إلى الفلسفة عنده. بل يكون اطلاعه العرفاني أوسع وأعلى وأصفى لا محالة.

ومن هنا قد نجد أناساً ممن لا أخلاق لهم في الظاهر، ممن لا يعرف القراءة والكتابة ولا يدري الآخرون عنه كلاماً ولا يحترمون له مقاماً. نجده من ألطف العارفين وأعلى الأولياء والمتقين. ولا ضرورة لأمثال هؤلاء إلى أي سطر من الفلسفة.

وإذا رجعنا إلى الكلمة التي قلناها من: أن العرفان بلا فلسفة لب بلا قشر، نجد أن كل اللب وحده هو الألذ. بل لا بد منه لأكل كل فاكهة وأكل الفاكهة بقشرها غير مستساغ. وإنما الفلسفة إذا أرادت لنفسها النتيجة الصالحة، لو صح التعبير، فإنها يجب أن توصل صاحبها إلى العرفان. وأما بدون ذلك، فهي الضلال البعيد، وقديماً قالوا: من تمنطق تزندق. أي بدون الاعتماد على علوم أهل البيت «ع» ومعارفهم الحقيقية.

أصول الدين مرتبطة بالحياة كسلوك له ثمراته الاجتماعية الإقليمية ومساعيه لتكوين خطاب حضاري عالمي، هذا مطلب يشدد عليه محمد الصدر بقوة، ولعل السطور أعلاه تمثل مختصر الأسس البنيوية لموسوعته الضخمة موسوعة الإمام المهدي، حيث تكون العقائد عمقاً حضارياً مستمراً في رحلة محنة التاريخ وتكوين فكرة العدالة كمطلب اجتماعي وسياسي؛ فأصول الدين ليست درساً وعظياً ولا فكراً تجريدياً.

فإذا أضفنا إلى ذلك دفاع مدرسة الصدر عن حرية الإنسان بوجه الاستبداد الديني ونقد المؤسسة الدينية، ورفض الحتمية التاريخية والجبرية الاجتماعية، والطاغوتية السياسية، فعندئذ تتحقق لدينا أسفار أربعة في تكوين العقيدة الإيمانية، على أنها قضية تكون فيها العقيدة أيديولوجيا الوعي، والأخلاق أيديولوجيا الحرية.

وإذا كان محمد الصدر في فقه الأخلاق، قد حدّد الفقه الأخلاقي بكونه نظام السلوك، فإن كلاً من قراءة الوجود التي تتفرع منها مسائل الفقه «ثبوت الإله وثبوت صفاته التي منها الحكمة واللطف اللذان هما أساس بعث الشريعة»، وقراءة الإنسان «ثبوت الأخلاق التي منها فطرية شكر المنعِّم، وحق الطاعة» يلتقيان في مصبّ واحد هو الفقه الأخلاقي، فيتم الانتقال من العقيدة اللاهوتية إلى العقد الاجتماعي، انتقالاً من النظر إلى العمل وهذا ما خطط له الصدر الثاني في كتابيه «تاريخ ما بعد الظهور» و«أشعة من عقائد الإسلام» حيث يتم تطوير العقيدة من مسائل ذهنية إلى قضايا اجتماعية. وهكذا تتصالح بحوث العقل مع النقل، وبحث العقليات الأصلية التي هي كليات وجودية وأحكام العقل والوجود العامة، مع قضايا الاعتبارات والخُلقيات. ويمتزج بحث الحقيقة والشريعة والطريقة، في كأس واحدة هي فراتٌ سائغ للشاربين.