eKtab
EN ع
البنية السردية في شعر امرئ القيس
Read free sample

البنية السردية في شعر امرئ القيس

by د. جميل علوان مقراض

Page 1

الإهداء

إلى الذين بقربهم أتضاءل وفاءً ومحبةً:

أمي وأبي، وزوجتي الحبيبة،

وأبنائي الأعزاء، وأشقائي:محمد ونبيل وعبد العزيز،

وأخي:فؤاد المخلافي

جميل

Page 2

المقدّمــة

يُمَثِّل الشعر الجاهلي إغراءً لكثير من الدارسين الذي ينتهجون الطرائقَ الحديثة في قراءة الأدب، وذلك لموقعه المركزيّ في الثقافة العربية، ولغزارة مادته، ولقلة الدراسات الحديثة التي عُنيت به.

على أن دراسة هذا الشعر بآلية حديثة فيه مغامرة؛ فهي خوضٌ في لجةٍ عميقةٍ، تقتضي المواءمة بين آليات الدراسة ومادتها، بما لا يخل بكليهما، ما لم فستبدو الدراسة تعسفاً للشعر، أو انتهاكاً للمنهاج.

Page 3

(1)

يرمي هذا الكتاب إلى الوقوف على بناء السرد في شعر امرئ القيس، محاولاً الإجابة من خلال ذلك عن عددٍ من التساؤلات، أهمها:

- هل يمكن أن ينبني السرد في الشعر مع اختلاف أجناسهما؟

- هل يكفي وجود نمطٍ قصصيٍّ في الشعر للقول بوجود بناءٍ سرديٍّ فيه بما تحمله كلمتا بناء وسرد من مدلولٍ منهجيٍّ ونقديّ؟

- إذا كان السرد قد انبنى في النماذج الشعرية المحددة للدراسة فكيف تم هذا البناء؟

- هل أوجد الشعرُ شيئاً من الانحراف أو التعطيل لمفهومات السرد؟

- هل وُجِدَت تكوينات شعرية تستعصي على السرد أو تتمرد عليه؟

- هل أحدث السردُ تغييراً في الطبيعة الشعرية للنصوص؟

- كيف يمكن أن تتشكل هوية النص في ظل هذا التداخل؟

ولا يتغيَّا هذا الكتاب تقديم إجابات نظرية حاسمة لهذه التساؤلات، ولكنه يحاول تقديم تصورٍ تطبيقيٍّ للتحليل السردي في الشعر، فهو بهذا التصور يجيب على كثيرٍ من هذه التساؤلات، وإنْ بصورةٍ مضمونيةٍ منبثَّةٍ في أثناء البحث.

Page 4

(2)

من المهم الإشارة إلى أن موضوع: (السرد في الشعر الجاهلي) قد دُرِسَ من قبل في كتابين، هما في الأساس رسالتان أكاديميتان: الأول: يحمل عنوان: (المبنى الحكائي في القصيدة الجاهلية) لعبد الهادي أحمد الفرطوسي، والثاني: (السرد في الشعر الجاهلي، دراسة في دواوين شعراء المعلقات) للدكتورة بدر محمد إبراهيم.

وقد أفرد الفرطوسي الفصل الأول لدراسة الوظائف والشخصيات (المتن الحكائي) بحسب منهج بروب، فشَغَل أكثر من نصف الدراسة، على الرغم من أن العنوان المسجَّل للدراسة هو المبنى وليس المتن. كما أدخل مكوناً ثالثاً إلى جوار المتن الحكائي والمبنى الحكائي وهو الخطاب، ولم يورد مسوّغاً منهجياً لذلك سوى خصوصية النصوص المدروسة، يقول: " لكنَّ خصوصية النصوص المدروسة تدفعنا إلى اعتماد تقسيمٍ ثلاثيٍّ خاص. مثلما فعل سعيد يقطين في كتابه انفتاح النص الروائي، إذ أدخل على ثنائية تدوروف (القصة/الخطاب) عنصراً ثالثاً وهو النص ".([1]) ولعل الفرطوسي لم يكن موفقاً في هذا الاستشهاد! والسبب أن سعيد يقطين حين أدخل مكوناً ثالثاً لثنائية القصة والخطاب وهو النص؛ يؤسس توسيعاً أفقياً لحدود السرديات البنيوية على أساس أن الحكي تتناوله ثلاث مقولاتٍ، هي: القصة، وتهتم بالمستوى الصرفي. والخطاب، ويهتم بالمستوى النحوي. والنص، ويهتم بالمستوى الدلالي.([2]) فهو تقسيمٌ ينسجم مع ذاته في إطار تصورٍ شاملٍ يصلح أن يكون أساساً لنظرية عربية لتحليل الخطاب. في حين يبدو تقسيم الفرطوسي غير منسجمٍ مع ذاته، فهو تكرارٌ للخطاب بمسمى آخر غير المبنى الحكائي، ولو أنه أفاد من تقسيم يقطين، وأدخل مكوِّن النص الذي يدرس المستوى الدلالي لكان أَولى.

أمَّا الدراسة الثانية: (السرد في الشعر الجاهلي، دراسة في دواوين شعراء المعلقات) للدكتورة بدر محمد إبراهيم؛ فقد ذكرت أنها أفادت من المناهج الحديثة في إطار علم السرديات، ولكنها لم تسعَ إلى تطبيق منهجٍ بعينه، لأن هذه المناهج – كما ترى - صيغت لدراسة السرد الغربي، وهو سردٌ روائيٌّ في الأساس.([3]) ولا تخضع فصول الدراسة لمنهاج معيَّن، فضلاً على أنها تضمنت مصطلحات غير قارَّة: كالسرد الاستشرافي، وسرد المقاومة. واعتمدت الباحثة تقسيماتٍ جديدةً للراوي، رأت أنها تتناسب مع المادة المدروسة، لأنها نابعة منها.([4])

ويبدو أنَّ أهم ما تفتقر إليه هاتان الدراستان هو تحديد المنهاج الذي يتم بوساطته دراسة السرد، وتحديد نماذج تتيح تركيزاً وتعمُّقاً للدراسة. ولعل هذا هو ما حاول هذا البحث أن يتأسس عليه، فقد تم اختيار تسعة نماذج من شعر امرئ القيس، بوصفها عيِّنة يمكن تعميمها على الشعر السردي للشاعر، وبهذا يجمع البحث بين محورين: الأول أفقي، يسنده تعدد موضوعات النصوص لتشمل أهم المكونات الموضوعية فيها: (المرأة، والفرس، والناقة). والآخر رأسي، يحاول التعمُّق في المستويات المختلفة التي يفرزها التحليل البنيوي، لاستجلاء بناء السرد في النصوص.

Page 5

(3)

ينتهج هذا الاتجاه البنيوي الذي عطَّل السياقات الخارجية التي كانت متحكّمة في دراسة الأدب: كالتاريخ، وعلم النفس، وكذا المجتمع، والمؤلف. ويتخذ أنموذج رولان بارت في دراسته: (التحليل البنيوي للسرد) مرجعاً أساسياً، ولا سيَّما في الفصلين الأول والثاني من البحث. ويفيد - في الفصل الثالث - من منهاج جيرار جنيت في دراسة مستوى السرد في كتابه خطاب الحكاية. وبناءً على تقسيم بارت؛ تم تقسيم البحث على ثلاثة فصول، هي:

الفصل الأول: مستوى الوظائف: وفيه تم تطبيق منهج بارت لخطوات التحليل الوظيفي، بدءاً بتحديد الوحدات السردية في المبحث الأول، ثم دراسة الوظائف التوزيعية (الأنوية) التي تأخذ اتجاهاً أفقياً في المبحث الثاني , ثم الوظائف الإدماجيـة (القرائن) التي تأخذ اتجاهاً رأسياً في المبحث الثالث، ثم التركيب الوظيفي الذي يتشكل من خلال المتواليات (الوظائف الكبرى) في المبحث الرابع.

الفصل الثاني: مستوى الأفعال: و فيه دراسة للشخصية بحسب التصور البنيوي الذي لا يُجَسِّدها في ذات ولكنْ في عامل. وتم تطبيق نموذج جريماس للعوامل، إذ يراه بارت قابلاً لأن يصمد لاختبار عددٍ كبيرٍ من السرود. ([5]) وبهذا تم تقسيم المباحث بحسب العوامل في نصوص الدراسة. فالمرأة هي أبرز هذه العوامل وقد خُصِّص لها المبحث الأول، يليها عامل الفرس في المبحث الثاني، ثم عامل الناقة في المبحث الثالث.

الفصل الثالث: مستوى السرد (الخطاب): وقد تمت دراسته بالإفادة من منهاج جيرار جنيت في كتابه خطاب الحكاية، في ثلاثة مباحث، هي: الزمن، والصيغة، والرؤية السردية. ويُخَالِفُ تقسيمَ جنيت في إفراد مبحث للرؤية السردية، وفي إهمال عنصر الصوت. فالرؤية عدَّها جنيت في ضمن الصيغة، وسمَّاها التبئير. وقد تعرض للنقد في ذلك، أمَّا الصوت فقد لاقى انتقادات أكثر لتداخله مع الصيغة. ويبدو أنَّ الصوت الذي يهتم بهوية السارد (مَنْ يتكلم)؛ لا يشكل حضوراً في نصوص الدراسة التي يغلب عليها الرؤية الداخلية من خلال البطل، ولعل حضوره في السرد النثري أكثر منه في السرد الشعري.

وقد تم اختيار نصوص الدراسة من نسخة ديوان الشاعر، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، وقد رُوعِي في اختيار هذه النصوص تعدُّد الموضوعات التي تناولها شعر امرئ القيس، فكانت النتيجة اختيار تسعة نصوص، بحسب الموضوعات الآتية:

1. موضوع المرأة: وهو الأكثر حضوراً في شعر امرئ القيس، وقد شغل النصوص: الأول، والرابع، والثامن.

2. موضوع الفرس: وقد شغل النصَّيْن: الثاني، والسادس.

3. موضع الناقة: في النصَّيْن: الخامس، والسابع.

4. موضوعات أخرى: (البرق والسيل، الذئب) في النصَّيْن: الثالث: والتاسع.

وتجدر الإشارة إلى أن النصوص من الأول حتى الخامس هي من رواية الأصمعي من نسخة الأعلم الشنتمرِّي، وهي عند أغلب الباحثين أصح الروايات وأوثقها نسبة إلى امرئ القيس، وأن النصَّيْن: السادس والسابع من رواية المفضل الضبِّي من نسخة الطوسيّ، وهي نسخةٌ موثوقةٌ أيضاً، أمَّا النصَّان: الثامن والتاسع فهما من رواية الزيادات. فالثامن من زيادات نسخة الطوسي، والتاسع من زيادات نسخة أبي سهيل.

Page 6

(4)

ومن الوفاء أنْ أتقدم بالشكر الجزيل لله عز وجل أولاً، ثم لأستاذي الدكتور عبد القادر علي باعيسى الذي غمرني بجميل أخلاقه، ولطف ملحوظاته وإرشاداته، وكرمه في تزويدي بمراجع قيمة متعلقة بالبحث. وأشكر جميع أساتذتي في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة حضرموت الذين أفدت منهم كثيراً من الإرشادات والتوجيهات، وبخاصة الدكتور سعيد الجريري، والدكتور سعيد البطاطي. وكذا عمادة كليتَي الآداب بالمكلا والتربية بسقطرى. وأشكر نيابة رئاسة الجامعة للشئون الأكاديمية، وعمادة الدراسات العليا، وموظفيها فقد يسروا لي الإجراءات الإدارية المتعلقة بمعاملة إنجاز هذا البحث. ولا أنسى في الأخير أن أشكر إخواني وزملائي الذين كانوا لي سنداً وعوناً.

والله من وراء القصد.

Page 7

التمهيد

(1)

أتاحت المبادئ اللسانية التي أسس لها اللغوي السويسري دي سوسير تحولاً خطيراً لا على مستوى علم اللغة حسب ولكن على مستوى العلوم الإنسانية. ويمكن أن تُعَدَّ هذه المبادئ ثورةً معرفيةً، إذْ حولت المعرفة من البحث عن ماهية الشيء إلى البحث عن كيفية ترابط أجزائه وعملها مجتمعة ([6]) في ظل رؤية مزدوجة من الثنائيات التي تُشَكِّلُ مفاتيح لمعرفة طبيعة العلاقات المكوِّنة.

وقد أفادت الدراسات الأدبية من مبادئ سوسير، فتأسست عليها أغلب المناهج النقدية الحديثة ومنها البنيوية التي اتخذت من مبادئ سوسير خلفيةً منهجيةً لها.

ولعل أهم عمل قامت به البنيوية - من المنظور العام - هو أنها نظرت إلى العمل الأدبي بوصفه نظاماً متكاملاً غنياً عن أي سياقات خارجية.

ويختلف مفهوم البناء Construction عن مفهوم البنية Structure ([7]). فالبناء شاع في حِقبة الشكلانيين الروس، وهو يحـيل على مفـهوم الشكل. يقول تينيانوف: " إنَّ شكل الأثر الأدبي يجب أن يتم الإحساس به كشكلٍ ديناميكيٍّ. وتظهر هذه الديناميكية في مفهوم مبدأ البناء. فليس يوجد تعادل فيما بين مختلف مكوِّنات الكلمة، كما أن الشكل الديناميكي لا يتجلى نتيجة اجتماع تلك المكوِّنات أو اندماجها... ولكنْ نتيجة تفاعلها ".([8])

ويرى الشكلانيون الروس أنَّ التفاعل بين مكوِّنات العمل الأدبي يؤدي إلى ارتقاء مجموعةٍ من العوامل على حساب عوامل أخرى، مما يؤدي إلى بروز العامل المُرتقِي

أو المُهيمِن الذي يُحدِثُ تغييراً في بقية العوامل فتغدو تابعةً له.([9])

ويحمل مصطلح البناء في هذا البحث دلالة المستويات أو البِنَى التي يمكن للتحليل البنيوي أن يتعامل معها، فالبنيوية تنظر إلى العمل الأدبي بوصفه بنيةً كليةً هي محصلةٌ لمجموعةٍ من البِنَى، كالبنية: الإيقاعية، والصوتية، والتركيبية. والبحث يدرس النصوص في ثلاثة مستويات تتشكل فيها ثلاث بِنَى، هي: بنية الوظائف، وبينة الأفعال، وبنية السرد (الخطاب).

أمَّا مصطلح البِنْيَة فقد دلَّ في اللغات الأوروبية القديمـة على الشكل الذي يُشـيَّد به مبنى ما، ثم لم يلبثْ أن اتسع ليشـمل الطريقة التي تتكيف بها الأجزاء لتكوِّن كلاً ما ([10])

ولأن البنيوية تحرص على دراسة الظاهرة بمَـيْزِها من غيرها؛ فهي لا تهتم بالتعريفات الحدِّية، لذا فلم تقدم تعريفاً حدِّياً للبِنْيَة، مثلما لم يقدم سوسير تعريفاً حدِّياً للغة، واكتفى بتعريفه المفهوميّ الذي انبثق من موازنتها مع اللسان والكلام والكتابة.

وعلى الرغم من زئبقية مفهوم البِنْية وتأبِّيه على التحديد؛ برزت محاولات لتوصيـفه منطلقةً من مفهومات البنيوية وعلم النفس، فشتراوس يعرِّف البِنية بأنها " نموذج يقوم الباحث بتكوينه كفرضٍ للعمل انطلاقاً من الوقائع نفسها " ([11]) وجان بياجيه يرى أن البِنية تنشأ من ثلاثة أسسٍ هي: الشمول، والتحول، والتحكم الذاتي. فالسمات الثلاث تجعل الوحدة متميزةً مثل الإشارة مختلفة عما سواها، وهذا الاختلاف هو الذي يميزها.([12]) وهناك من عرَّفها على أنها تصورٌ تجريدي من خلق الذهن، وليست خاصيةً للشيء؛ فهي نموذج يقيمه المُحلِّل عقلياً ليفهم على ضوئه الشيء المدروس بطريقة أفضل وأوضح([13]).

ويحمل لفظ بناء أو بِنْية في المعاجم الُّلغوية العربية معنى المبنيّ، والجمع أبْنِـيَة. والبِناءُ: لزوم آخر الكلمة ضرباً واحداً من السكون أَو الحركة... وسموه بناءً لأَنه لمَّا لزم ضرباً واحداً فلم يتغير تغير الإعراب؛ سُمِّيَ بناءً من حيث كان البناء لازماً موضعاً لا يزول من مكان إلى غيره. ويقال بِنْيَة وهي مثل رِشْوة وكأن البِنْيَةَ الهيئةُ التي بُني عليها مثل المِشْية. وفلان صحيح البِنية أي الفطرة.([14])

ويتراءى مصطلح البنية في الأدب العربي القديم بمفهومه الذي لا يتعدى الشكل الخارجي للعمل، يقول ابن رشيق في باب حدِّ الشعر وبنيته: " البيت من الشعر كالبيت من الأبنية: قرارُه الطبع، وسُمكه الرواية، ودعائمُه العلم، وبابُه الدربة، وساكنُه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون، وصارت الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية، أو كالأواخي والأوتاد للأخبية ". ([15])

ولعل أقرب هذه المحاولات انسجاماً مع تعدد المجالات التي يدخل فيها هذا المفهوم؛ هو الذي ينظر إلى البنية على أنها " ترجمـةٌ لمجموعةٍ من العلاقات بين عناصـر مختلفة، أو عمليات أولية، على شرط أن يصل الباحث إلى تحديد خصائص المجموعة والعلاقات القائمة، من وجهة نظر معيَّنة ". ([16])

ويَكْمُن تميُّز هذا التعريف في أمرين: الأول: إنه وإن أعطى توصيفاً للبِنية؛ لا يتنافى مع تجريدها، فهي تظل رغم التعريف تصوراً من خلق الذهن، لأنه هو الذي يترجم العلاقات. والآخر: إنه جعل معرفة البِنية مرهوناً بمعرفة خصائص المجموعة وعلاقاتها.

Page 8

(2)

ومصطلح السرد – أيضاً- من المصطلحات المُشْكِلة، بسبب الاختلافات الكثيرة التي تنازعته. فالشكلانيون الروس وإن لم يُعْنَوا بتعريف السرد؛ فقد قدَّموا تصوراً مفهومياً عنه، تجلَّى في الدراسات التي قاموا بها في أوائل القرن. فقد فرَّق إيخنباوم 1918م في مقالٍ له بعنوان (كيف صيغ معطف غوغول) بين السرد الحكائي والسرد التمثيليّ، وهو ما اصطُلِح عليه فيما بعد بالسرد والعرض.([17]) في حين فرَّق توماشفسكي 1925م بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، فالأول يتعلق بالمادة الخام للعمل، والآخر بالصياغة الفنية لِتَشَكُّلِ هذه المادة. كما فرَّق بين السرد الموضوعي والسرد الذاتي، ففي الأول يكون الكاتب مطَّلِعاً على كل شيء، وفي الثاني يبدو السرد من منظور الراوي.([18])

ويرى جنيت أننا إذا قبلنا تحديد السرد بوصفه عرْضاً لحدثٍ أو لمتواليةٍ من الأحداث حقيقيةً أو خياليةً بوساطة اللغة، وبصفة خاصة بوساطة لغةٍ مكتوبةٍ؛ فإنَّ الضَّرر الأساس لهذا التحديد الواضح والبسيط هو في انغلاقه وتقييده لنا داخل إطاره الواضح.([19])

وبهذا فهو لا يرى تحديدًا للسرد، لأن تحديده – كما يرى - يُلغي حدود اشتغال السرد وشروط كينونته، فأََنْ نُحَدِّد السرد بطريقةٍ وضعيةٍ؛ فإن هذا يعني التأكيد على فكرة أن السرد ينساب من تلقاء نفسه، وهو أمر يرى أنه خطير.

وتتوافق رؤية رولان بارت مع رؤية جنيت من حيث إنَّها لا تُعيِّن حدوداً لهذا المفهوم، فهو في نظره يتَّسع ليشمل الخطابات كافة، سواء أكانت أدبية أم غير أدبية. فالسرد تحتمله اللغة المنطوقة، شفوية أم مكتوبة. كما تحتمله الصورة، ثابتة أم متحركة. وكذا الحكاية، والأسطورة، والخرافة، والأقصوصة، والملحمـة، والتاريخ، واللوحة المرسومة، وفي النقش على الزجاج، وفي السينما، والخبر الصحفي. وهو حاضر في كل الأزمنة، وفي كل الأمكنة، وفي كل المجتمعات. فهو يبدأ من تاريخ البشرية، وهو موجود في كل مكان، تماماً كالحياة.([20])

وفي العربية تدور كلمة سرد حول معانٍ عدة منها: الاتساق، والتتابع، والموالاة، والنَّسْج، والسَّبْك. يقال فلان يَسْرُدُ الحديث سرداً إذا تابعه وتابع بين كلماته دون وقوف. والسرد اسم جامع للدروع وسائر الحِلَق. والسَّرْد: الثَّقْب. والمسرودة: الدرع المثقوبة. وقوله عز وجل: ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﭼ ([21])؛ قيل: هو أَن لا يجعل المسمار غليظاً والثقْب دقيقاً فيَفْصِم الحِلَق، ولا يجعل المسمار دقيقاً والثقبَ واسعاً فيتقلقل أَو ينخلع أَو يتقصَّف، اجْعَلْه على القصد وقَدْرِ الحاجة ([22]). أما الاستخدام التراثي لهذا المصطلح فإنه يعني الإخبار عن الوقائع التاريخية، ويُحدَّد مجاله في المهارة البشرية في تزويق الكلام.([23])

ويبدو أن المنظور الشموليّ للسرد ليضمَّ الخطابات كافة - بحسب رؤية بارت - يصلح أن يكون إطاراً عاماً لهذا المفهوم في تجليه الحياتي، ولكنْ حين يتعلق الأمر بالخطاب اللغوي ملفوظاً أو مكتوباً؛ فإن تضييق مفهوم الخطاب سيقتضي تضييقاً لمفهوم السرد.

ولعل رؤية الدكتور سعيد يقطين تتواءم مع هذا المنحى، فهو يرى التمييز بين مصطلحين هما: الحكي والسرد. فالحكي هو تجلٍ خطابي، سواء وظَّف اللغة أم غيرها، ويتشكل هذا التجلي الخطابي من توالي الأحداث. ويرى أن الحكي متعدد الوسائط، وهو حين يحمـل مدلول الخطاب الحكائي؛ فإنه يقـدَّم لنا من خـلال السرد (Narration) أي إنَّ هناك راوياً يتكلف عبر السرد بإرسال الحكي، أو من خلال العرض (Representation) الذي يتولى تشخيص وتجسيد الحكي ([24]).

وتأسيساً على هذا التصور؛ يمكن التعامل مع السرد بوصفه تجلٍّ خطابي للحكي، وهو خاص بالملفوظ الذي يحتوي على راوٍ، ويتضمن أحداثاً. ويختلف السرد عن السردية التي تعني: " المبحث النقدي الذي يُعْنَى بمظاهر الخطاب السردي، أسلوباً وبناء ودلالة ". ([25])

Page 9

(3)

وقد تبدو دراسة السرد في الشعر على أنها تجاوزٌ للأنواع الأدبية، فالسرد نثرٌ، وهو خلاف الشعر الذي ينماز بالوزن والإيقاع واللغة المكثَّـفة.

ولعل هذا القول لا ينهض، لأن تعدُّدَ الأنواع الأدبية لا يعني بالضرورة وجود حدودٍ صارمةٍ تفضي إلى عدم التداخل بين الأعمال المنجزة، فالقصة قد تكتب بلغةٍ شعرية، كما أن الشعر قد يتضمن السرد. يقول ابن طباطبا العلوي: " وليست تخلو الأشعار مِنْ أنْ يُقتص فيها أشياء، هي قائمة في النفوس والعقول، فيُحسِن الشاعر العبارة عنها، وإظهار ما يكْمُن في الضَّمائر منها، فيبتهج السامع لما يرد عليه مما قد عرفه طبعُه، وقَبِلَه فهمُه، فيُثَارُ بذلك ما كان دفينا، ويبرز على ما كان مكنونا ".([26]) ويقول لدى ذكره لقصيدة الأعشى (كن كالسمَوْأل): " فانظر إلى استواء هذا الكلام، وسهولة مخرجه، وتمام معانيه، وصدق الحكاية فيه، ووقوع كل كلمة موقعها الذي أُريدَت له ".([27])

ومن المنظور العام هناك مَنْ يضع مسألة تصنيف اللغة موضع شك! فباختين يرى أن اللغة واقعة بين ضغطين يدفعانها في اتجاهَيْن متقابلَيْن: اتجاه نابذ للمركز ومبتعد عنه، وآخر دافع نحو المركز. فبحكم عمل الأول تنزع اللغة إلى التبعثر والتشتت والتناثر، فيما تتجه بموجب عمل الثاني إلى الاجتماع والتضامِّ والاستقرار، فتنشأ لغة الحياة، ولغة المؤسسات، كالمؤسسة الدينية والعلمية وغيرها. فاللغات لا تنتهي مطلقاً إلى الاستقرار والثبات المرجُوَّيْن، والمُهيِّـئَيْن لإجراء التصنيف وفق أسس موضوعية، بل تظل أبداً متعددة، عصيَّةَ الانضباط، متأبَّية على كل محاولة لمحاصرتها، أو تعيين حدودها. وإذا كان السعي إلى تصنيف النصوص في الساحة اللغوية العامة على هذا الحظ من الالتباس؛ فالأمر سيزداد صعوبةً وتعقيداً عندما نحاول تصنيف الأدب! لكثافة نسيجه، وتراكب مستوياته.([28])

وحين نُسْقِط مقولة باختين على قضية النوع الأدبي؛ نجد أن التداخل الحاصل بين الأنواع الأدبية على مستوى الأعمال المنجزة يمكن رده إلى طبيعة نظام اللغة , ففي حين يتجسد النوع الأدبي بفعل نزوع اللغة إلى التضامّ والاستقرار؛ فإن هذا التجسُّد سرعان ما يتعرض للانتهاك، فتنزع اللغة إلى التشتت والتبعثر وتتداخل الأنواع. وهكذا تفرض اللغة واقع الهدم والبناء للنوع الأدبي في الوقت نفسه.

وعند التأمل التفصيلي يتضح أن مقولة باختين تضئ كثيراً من القضايا التي قد تُثير بعض اللبس؛ فالخلط بين مفهومَي النثر والسرد الذي يشكِّل مدعاة للقول بالفصل ما بين السرد والشعر؛ يتم حين تُسقَط معايير النثر على السرد الذي هو فن، فالسرد ينتمي إلى النثر من حيث خلوه من الوزن، في حين ينماز الشعر بالوزن والإيقاع. لكنَّ الفرق بين السرد والنثر هو أن الأول لا يتأسس إلا بوصفه فناً، في حين يمكن للآخر أن يتشكل في خطابات غير أدبية. فلغة الخطاب اليومي لغة منثورة، فهي جزء من النثر. وبهذا فإن تسريد النثر أو تسريد الشعر، أو شعرية السرد ما هو إلا استجابة لطبيعة اللغة التي تنزع نحو التداخلات وتستجيب للعبور في مستويات مختلفة.

ولعل الوظيفة الأدبية للغة في خطاطة جاكبسون الشهيرة التي تنشأ من ارتداد الرسالة إلى نفسها وليس إلى المرسَل إليه؛ تبدو إثباتاً لهذه الرؤية، لأن اتجاه الرسالة إلى الرسالة نفسها هو في حقيقة الأمر اتجاه إلى اللغة، وبذلك تُكسِبُ اللغـةُ الرسـالةَ - التي هي قول ملفوظ أو مكتوب - نزوعاً نحو التشظي والتبعثر الذي هو من طبيعة اللغة، فتتشكل الرسالة في تجليها الأدبي وقد اكتسبت من اللغة القدرة على الخوض في عددٍ من المستويات في اتجاهات رأسية في ضمن محور الاختيار على أساس الاختلاف أو التشابه – بحسب سوسير – أو أفقية في ضمن محور التأليف على أساس التجاور والتماس. ويبقى تأطير الرسالة في نوع أدبيٍّ بعد أن اكتسبت صفة الأدبية أمراً يخضع للرسالة نفسها، فقد أصبحت قابلةً للتجلي في أي نوعٍ من أنواع الأدب.

وإذا كان الخطاب الشعري يعتمد - كما يرى جاكبسون - مبدأ المشابهة، والنثري يعتمد مبدأ المجاورة ([29]) في إطار علاقة متعارضة قائمة على محورين الأول عمودي والثاني أفقي؛ فإن هذا التعارض يتضاءل بل يتحول إلى تنوع وتناغم حين تكتسب الرسالةُ صفةَ الأدبية. فالرسالة التي كانت قولاً - ملفوظاً أو مكتوباً - وأصبحت لغةً؛ قد اكتسبت القدرة على التجلي في أنواعٍ عدَّة، فيتجسد السرديُّ في الشعريّ، بل ويكتسب السرديُّ خصائص – يمتحها من اللغـة في الأسـاس - تتكيف مع طبيعة الشعريّ، فيبدو الزمن السردي في الشعر – على سبيل المثال - في إطار كتلٍ مجزأةٍ، تفصل بينها فجوات وصفية أو زمنية محذوفة، فتتشكل الوظيفة الشعرية في النص دون أن تُلغي الوظيفة السردية، لكنها قد تهيمن عليها. وتبدو الأحداث بصورة موجزة، فتطغى سمات: " السرعة الخاطفة، واللحظة المكثفة، والتقطع في السرد، والانتقال المفاجئ ".([30]) وعلى هذا النحو تؤدي الرموز الشعرية في القصيدة وظيفتين: إحداهما سرديَّة، تسهم في بناء القص، وتأسيس العالم الحكائي. وأخرى شعرية، بصفتها دالاً مقصوداً بذاته.([31])

أمَّا ما يتعلق بهوية النص الأدبي في ظل هذا التداخل؛ فإن الشكلانيين الروس قد قدموا تصوراً واضحاً عنه من خلال مفهوم الهيمنة. فالعامل المُهيمِن في الأثر الأدبي - بحسب تينيانوف - يُحدث تغييراً في العوامل الأخرى التي تغدو تابعة له ([32]). ولعل الأمر ليس بالصرامة التي تحدث عنها تينيانوف، وبخاصة في مفهوم التبعيَّة الذي يتنافى مع الاندماج والتناغم الذي يمكن الإحساس به في النصوص التي يتمازج فيها أكثر من نوع. فتأثير العامل الغالب على النص؛ يَحدث من خلال استجابة بقية العوامل المشكِّلة له، فتتجسد الهوية الغالبة على النص، وهي بالتأكيد لن تتجاوز هوية العامل المُهيمِن، فيكون هذا العامل شعرياً حين تطغى الكثافة الدلالية، والصور المجازية على النص، ويكون سردياً حين يغلب النمط الحكائي. وهذا ما سيتم تبيينه من خلال إحصاء صِيَغ الحكائي والتقريري في نصوص الدراسة.

Page 10

(4)

ولم يقتصر التأثير اللسانيّ في جانب المصطلح فقط، بل تعداه إلى منهجية البحث؛ فقد أفاد البنيويون من المنهجية اللسانية في التحليل البنيوي للسرد، ومن أهم الأمثلة على ذلك أنموذج رولان بارت، فهو يرى: أنه في ظل لانهائية السرود وتعدد وجهات النظر التي يمكن أن تتناولها بالدراسة، سواء أكانت تاريخية، أم سيكولوجية، أم جمالية؛ فإنه ينبغي الإفادة من اللسانيات، في اتخاذها منهجاً استنباطياً، من خلال تصور نموذج افتراضيٍّ، ثم الانطلاق من هذا النموذج للوقوف على تعددية السرود، ولا نهائيتها([33]). وإذا كانت اللسانيات تقف في التحليل عند الجملة، بوصفها آخر وحدة يحق لها الاهتمام بها؛ فإنه يمكن البناء على هذا التصور في إطار الخطاب، بوصفه جملةً كبيرةً، أو مجموعة من الجمل ([34]).

ويرى بارت: إنه تأسيساً على وجود علاقة تماثلية بين الجملة والخطاب؛ فإنه يمكن دراسة السرد بوصفه (جملة كبيرة)، نعثر فيها على المقولات الأساسية للفعل: كالأزمنة، والمظاهر، والصيغة، والضمائر. وهذه المقولات توجد مكبَّرة ومحوَّلة بما يلائم السرد.

والجملة تُوصَف لسانياً على عدة مستويات: (صوتية، ونحوية، سياقية)، وهذه المستويات توجد في علاقة تراتب؛ لأن أي واحد منها لا يمكنه بمفرده أن ينتج المعنى، ولذلك فإن كل وحدة تنتمي إلى مستوى من المستويات لا تأخذ معنى إلا إذا كان بإمكانها الاندماج في مستوى أعلى، فالوحدة الصوتية على الرغم من قابليتها في ذاتها للوصف؛ فإنها لا تعني شيئاً إلا عند اندماجها في الكلمة، وكذا الكلمة عليها أن تندمج في الجملة([35]). وبهذا يمكن الانطلاق من النموذج اللسانيّ في دراسته الجملة في مستويات: (صوتية، ونحوية، وسياقية) لتطبيقها على النموذج السردي.

ويرى بارت الإفادة من نظرية المستويات التي طرحها (بنفنيست)، إذ تزودنا بنوعين من العلاقات: توزيعية إذا كانت العلاقات على نفس المستوى (أفقية)، وإدماجية إذا أمكن الإمساك بها والانتقال من مستوى إلى آخر (عمودية).

وفي ظل هذين النوعين من العلاقات الأفقية والعمودية؛ يمكن فهم السرد، إذ لا يكفي لفهم السرد الانتقال من كلمة إلى أخرى أفقياً؛ بل يجب كذلك المرور من مستوى إلى آخر عمودياً، فالمعنى لا يوجد في نهاية القصة، بل يخترقها.([36]) ويرى بارت

التمييز في تحليل السرد بين ثلاثة مستويات هي: مسـتوى الوظائف، ومستوى الأفعال، ومستوى السرد. وهذا ما تم انتهاجه في هذا البحث.