eKtab
EN ع
البراعة في تأسيس المشاريع الريادية و إدارتها
Read free sample

البراعة في تأسيس المشاريع الريادية و إدارتها

by نورم برودسكي

Page 1

مقدِّمة : وكيف تحصلُ عليها

إنَّ لدى جميعنا مُعلِّمين في إدارة أعمالنا ومشاريعنا، رَغم أنَّنا في كثيرٍ من الأحيان لا ندركُ الأدوارَ التي يقوم بها هؤلاء المعلِّمون. لقد كان مُعلِّمي الأوَّلُ والأفضلُ رَجلَ أعمالٍ كان يمارس مهنتَه وحيدًا في مدينة نيويورك. لقد كان بائعًا متجوِّلًا يوفِّر لزَبائنه ما يَطلبون. كان يزورُ زبائنَه في منازلهم ويعرضُ عليهم الملابسَ والأدواتِ المنزليَّةَ ويُلبِّي رغباتِهم وكلَّ ما يحتاجون إليه. لقد كان أَشبَهَ بمخزنٍ تجاريٍّ مُتنقِّل يُدارُ من قِبَل شخصٍ واحد، وكان يقوم بجميع العمليَّات المألوفة في الأعمال التجاريَّة من المشترَيات إلى المحاسَبة إلى إدارة القروض وتحصيل المستحقَّات. وقد كنتُ أرافقُه أحيانًا في جَولات عمله، وكنتُ أُوجِّه إليه كثيرًا من الأسئلة وكان يحرِصُ على شَرح المنطق من وراء كلِّ ما كان يفعلُه. بهذه الطريقة تعلَّمتُ عددًا من أهمِّ الأفكار العمليَّة التي ما أزالُ أُطبِّقها حتَّى يومنا هذا.

غير أنِّي في ذلك الوقت لم أكُنْ أُدركُ الخبرةَ التي كنتُ أكتَسبُها منه، فقد كان عمري ثماني سنوات فقط. لم يكُنْ هذا البائعُ المتجوِّلُ سوى والدي.

يا لَلسُّخرية! إنَّه لم يَكُن يدورُ في بالي قطُّ أنْ أتَوجَّه إلى عالَم الأعمال والتجارة، فلَم تَكُن عندي أيَّة رغبةٍ في اقتفاء أَثَر والدي في حياتي المهنيَّة. فبَعد تخرُّجي في الجامعة، التَحقْتُ بكُلِّيَّة الحقوق على أمل أَنْ يكون القانونُ هو مجالَ عملي. غير أنَّ الحياةَ مضحكة. فقد وجدتُ نفسي أعودُ إلى حياةِ التجارة والأعمال، وعند ذلك فقط بدأتُ أدركُ كم تعلَّمتُ من والدي.

فمثلًا، كان والدي هو الشخصَ الذي شرَحَ لي أهمِّيَّةَ الاحتفاظِ بهوامشَ رِبْحيَّةٍ عالية. فقد كان يقول: ’’احرصْ دائمًا على إجراء عمليَّات بَيْع جيِّدةٍ بأرباحٍ جيِّدة، واحرصْ أيضًا على انتقاء زبائنِكَ ممَّن يستطيعون الدفع‘‘. ’’لا تستغِلَّ حاجةَ الناس. كنْ عادلًا‘‘. إنَّ هذه دروسٌ رائعةٌ لا تزالُ مزروعةً في ذاكرتي، وقد تعلَّمتُها جميعًا من والدي.

ثُمَّ انظر إلى العبارات التي كان يكرِّرُها لي. فقد كان يقول لي: ’’لا تقلَقْ أكثر من مرَّة‘‘. عندما كان يراني مهمومًا حول أمرٍ متوقَّعٍ كامتحانٍ نهائيٍّ في المدرسة مثلًا، كان يسأل: ’’هل قُمتَ بواجبك؟‘‘، ’’هل أنت مستعدٌّ؟‘‘. وقد كنتُ في العادة كذلك. ’’لا تقلقْ إذًا أكثرَ من مرَّة‘‘، أو بعبارةٍ أخرى لا تُضِعْ وقتَك وطاقتَك في التفكير في مشكلاتٍ قد لا تقعُ أبدًا.

وعندما كنتُ أشكو من عدم القدرة على تحديد مسار حياتي العمليَّة، كان يقول لي: ’’هناك مليون دولارٍ تحت قدمَيك، حاولْ أن تجدَها‘‘. غير أنِّي لم أُدركْ ما كان يقصدُ إلَّا بعد أن صرتُ من رجال الأعمال.

وكذلك عندما كنتُ أتحدَّثُ بأشياءَ كنتُ أودُّ أن أقومَ بها، كان يقول: ’’إذا لم تسْعَ إلى الحصولِ على شيءٍ ما، فإنَّك لن تحصُلَ عليه‘‘، وهذا هو ما كان يَحفزُني لأنْ أطلبَ مصروفًا أكبر. كان يبتسمُ ويقول: ’’محاولةٌ جيِّدة. ولكن ليس بالضَّرورة أن تحصلَ على شيءٍ ما بِمجرَّد سَعيِك إلى الحصول عليه‘‘. وبعد مُضيِّ وقتٍ طويل بدأتُ أفهمُ أنَّه قد أعطاني أوَّلَ دروسي في فنِّ البَيع.

غُرِسَت دروسٌ مثلُ هذه في ذاكرتي في وقتٍ لم أكُنْ أتطلَّع إليها. وقد صارَتْ هذه الدروسُ عاداتٍ ذهنيَّةً قادَتْني إلى القيام بأفعالٍ على نحوٍ تلقائيٍّ دون أن أُدركَ ما كنتُ أفعلُه. مثلًا، ثَمَّة واحدةٌ من أفضل هذه العاداتِ التي اكتسبتُها كانتْ قد نَمَت لديَّ من ملاحظةِ ما كان يقومُ به والدي من تحليلٍ للمشكلات والتحدِّياتِ إلى عناصرها الأساسيَّة. لقد كان يَعتقدُ أَنَّ معظمَ القضايا في الأعمال، وفي الحياة أيضًا، هي قضايا بسيطةٌ أساسًا، حتَّى لو لم تَبْدُ كذلك أوَّلَ الأمر. لقد علَّمني أنَّه من أجل التَّعامُلِ مع مثل هذه القضايا، عليَّ أن أتفحَّصَ العناصرَ الحقيقيَّة، وأن أعرفَ ما يجري فعليًّا. وفوق ذلك، لا تفترضْ أنَّ القضايا الحقيقيَّةَ هي تلك التي تَراها ظاهرةً للعِيان. إنَّ طريقةَ التفكيرِ هذه كانت، ولا تزال، واحدةً من أقوى أدواتِ إدارةِ الأعمال لديَّ عبر السنين.

إنِّي في الواقع أُومنُ بأنَّ مثلَ هذه العاداتِ الذهنيَّةِ هي التي تسمحُ للناس بأنْ يصيروا رياديِّين ناجحين. وأنا نفسي قد مضى على كَوني مُستثمرًا رياديًّا ثلاثةُ عقودٍ حتَّى الآن. وقد أسَّستُ أكثر من ثماني شركاتٍ من بينها مؤسَّسةٌ لخدمات نَقْل البريد لم تلبثْ أن دخلَتْ، وعلى مدى ثلاثِ سنواتٍ متتالية، قائمةَ ’’إنك ٥٠٠‘‘ (Inc. 500)، وهي قائمةٌ تبيِّنُ أسرعَ ٥٠٠ شركةٍ خاصَّةٍ نُموًّا. كما تضمُّ الشركاتُ الثماني التي أسَّستُها شركةً لتَخزين السجلَّات تمكَّنتُ من بَيعها بمبلغ ١١٠ ملايين دولار في عمليَّة استحواذٍ مقابلَ رهنِ أصولها. وعلى مدى خبرتي العمليَّة كنتُ محظوظًا بِلِقاء عددٍ وفير من الرجال والسيِّدات الذين أسَّسوا شركاتٍ جديدةً ولاحظتُ أنَّ الكثيرَ من هؤلاء كانوا يحملون هذه العاداتِ الذهنيَّةَ نفسَها. إنَّ هذه العاداتِ هي سرُّ نجاحنا. (حسنًا، إنَّ من الأمورِ المساعدةِ وجودُ شريكِ حياة مثل زوجتي ’’إيلين‘‘ (Elaine)، وهي في التاسعة والثلاثين من العمر، والتي من دونها ما كنتُ أستطيعُ حتَّى الاقترابَ من مستوى النجاح الذي حقَّقتُه حتَّى الآن).

إنِّي أُدركُ الآن أنَّ كثيرًا من الناس لا يتقَبَّلون هذا النمطَ من التفكيرِ في إدارة المشاريع الجديدة؛ إذ إنَّ معظمَ الأشخاصِ الذين يبدأون مشاريعَهم الجديدةَ يتوقون إلى الحصول على وصفةٍ بخطواتٍ تفصيليَّة، أو مجموعةٍ محدَّدةٍ من التعليمات التي يستطيعون اتِّباعَها لتَحقيق أهدافهم. غير أنَّ المشكلةَ تكمُنُ في عدم وجود شيءٍ من هذا القبيل أبدًا. بل، على العكس من ذلك، هناك نهجُ تفكيرٍ يُمكِّنُ الإنسانَ من التعاملِ مع أوضاع وأحوال مختلفة، ومن انتهازِ فرصٍ عديدة حال تَوافُرها. لكن، وبلا شكّ، فإنَّ مجرَّدَ امتلاك مثل هذه العقليَّة ليس ضمانًا أكيدًا على أنَّك ستَنْجَحُ في كلِّ ما تقوم به، إنَّما هو يحسِّنُ فرصَك إلى حدٍّ بعيد. إنَّك ستَكسِبُ أكثر ممَّا تخسر. وكُلَّما طال صمودُك في الميدان، تحسَّنَتْ فرصُك في الوصول إلى القمَّة.

أنا أعتقدُ أنَّ معظمَ الناس يستطيعون أن يعتادوا طرقَ التفكيرِ التي أتحدَّثُ بشأنها، ويستطيعونَ كذلك استخدامَها للحصولِ على المالِ الكافي للتمتُّع بأسلوبِ الحياةِ الذي يتطلَّعونَ إليه.

ومن الواضح أنَّه لن ينجحَ كلُّ الأشخاصِ بالدرجة نفسها أو بالطريقة ذاتها. في مجال الأعمال، كما في جميع المجالات الأخرى، يتمتَّعُ بعضُ الأفرادِ بمواهبَ حباهُمُ الله إيَّاها تُمكِّنهم من أنْ يكونوا أكثرَ حيلةً من الآخرين. لا يمكنُ أنْ نكونَ جميعًا نُسخًا عن بطل الغولف ’’تايجر وودز‘‘ (Tiger Woods)، أو الرسَّام المشهور ’’پيكاسو‘‘ (Picasso)، أو الشاعر والأديب الإنكليزيّ ’’شكسپير‘‘ (Shakespeare). غير أنَّ أيَّ واحدٍ منَّا يستطيعُ أنْ يتعلَّمَ الغولف أو الرَّسمَ أو كتابةَ الشِّعر، كما أنَّنا نستطيعُ جميعًا أن نتعلَّمَ كيفَ نكتفي ماليًّا أيضًا.

أستطيعُ أن أضيفَ أنَّ هذه وجهةُ نظرٍ خَضعتْ لاختباراتٍ متكرِّرةٍ على مدى ١٧ عامًا- منذ بدأتُ رعايةَ بوبي و هيلين ستون (Bobby & Helen Stone). وهي تجرِبةٌ أستعرضُها في الفصلِ الأوَّلِ من هذا الكتاب. إنَّ عملي مع بوبيوهيلين قد أدَّى إلى نَشرِ مقالٍ في مجلة إنك. (Inc.) للكاتب بو بيرلينغهام (Bo Berlingham)، الذي صار فيما بعد مؤلِّفًا مشاركًا لي عندما بدأنا عَمودَنا ’’ستريت سمارتس‘‘ (Street Smarts)(1)في شهر كانون الأوَّل/ديسمبر من عام ١٩٩٥م. ومن خلال هذا العمود صرتُ على تواصلٍ مع آلاف الأشخاص الذين كانوا يَوَدُّون بدءَ مشاريعَ خاصَّةٍ بهم، أو كانوا من أصحاب المشاريع القائمة بالفِعل، ولكنَّهم كانوا يخوضونَ صراعًا في مواجهة مشكلةٍ أو أكثر من مشكلة. لقد وصلَني منهم تعليقاتٌ من كلِّ أنحاء الولايات المتَّحدة الأميركيَّة وكندا والمكسيك، وكذلك من دولٍ بعيدةٍ مثلَ كوريا وليتوانيا والبرازيل وسنغافورة وجنوب أفريقيا. وكان منهم مُبرمِجون، ووُسطاءُ تأمين، ومُورِّدو قوى عاملة، وفنَّانون، وفنِّيُّو أحواضِ سباحة، ومُقاوِلو رَصْفِ طرق، ومفصِّلو أثاث، ومصمِّمو مواقعَ على شبكة الإنترنت، وبائعو عُدَدٍ صناعيَّة، وقصَّابون، وخبَّازون، وصانعو شموع. (حسنًا، ربَّما لم يكُنْ بينهم قصَّابون ولكنَّ الآخرين جميعَهم كتبوا لي). وكان من بين مشاريعهم مصانعُ بلاط، ومختبراتُ تصويرٍ تشخيصيٍّ طبِّيَّة، وشركاتُ مستحضرات تجميل، ومصانعُ أدواتِ نفْخٍ للمواقد، ومكاتبُ توظيفٍ، ومحالُّ بيعِ أدواتٍ موسيقيَّة، وشركاتُ استثمار، ومكاتبُ استشاريَّة، ومحالُّ متخصِّصةٌ في تكنولوجيا الإنترنت، وسلاسلُ دورِ سينما، وغيرُ ذلك كثيرٌ من جميع أنواع المهن السائدة.

لقد كنتُ أقرأُ جميعَ رسائلهم الإلكترونيَّة وأرُدُّ على ما أستطيعُ منها. وفي كلِّ عامٍ كنتُ أختارُ عددًا يتراوحُ ما بين ثماني وعشرِ أفرادٍ ممَّن كتبوا إليَّ لرعايتهم وتدريبهم بشكلٍ دائم. وسوف تَلتقون ببعضهم في الصفحات التالية من الكتاب. وقد كانت أهدافُ أولئك تشملُ جميعَ أقسامِ طيفِ الأعمالِ مثلَ إقامةِ أعمالٍ تجاريَّةٍ عملاقة، وافتتاحِ مراكز الرعايةِ النهاريَّة (دُور الحضانة) من أجل تحقيقِ الاستقلال المادِّيِّ وتوفيرِ مزيدٍ من الوقت لقضائه مع الأسرة. إنَّ تعريفَ النجاح يختلفُ من شخصٍ إلى آخر، وما نشتركُ فيه جميعًا هو الرغبةُ في أنْ نكونَ أكثر سعادةً وغنًى، وأنْ تكونَ حياتُنا أكثرَ امتلاءً بالمسرَّات، وأن نُوجِدَ عالمًا أفضل لأطفالنا وحَفَدَتنا. وقد كنتُ أسعى إلى مساعدة هؤلاء الرِّياديِّين في تطوير العادات الذهنيَّة التي تُمكِّنهم من ذلك كلِّه. وإذا ما نظَرْنا إلى ما قد حقَّقَه بعض هؤلاء الأشخاص، فإنَّنا نرى أنَّ جهودي لم تذهب سُدًى، مع التأكيد على عدم التقليل من شأن ما بذلَه هؤلاء الأشخاص من تلقاء أنفسهم. إنَّ بناءَ أعمالهم قد تَمَّ على أيديهم هم، لا على يدي أنا.

غير أنَّ الواجب يقتضي التأكيدَ على أنَّه ليس بالضَّرورة أنْ تحتاجَ إلى مُعلِّمٍ واعٍ مثلي، أو والدٍ مثل والدي لتُشكِّل تلك العادات الذهنيَّةِ اللازمة للتَّعامُل مع الأحوال المستجدَّة. لقد شكَّلتُ كثيرًا من العادات التي اكتسبتُها بالطريقة التقليديَّة من خلال التجرِبة والخطأ، حيث كنتُ أسقطُ أرضًا على وجهي، من ثَمَّ أنهضُ وأستنتجُ العِبَرَ حتَّى لا أُكرِّرَ الخطأ نفسه مرَّةً أخرى. أنْعِمِ النظر في القول الشائع: ’’إنَّ الإنسانَ الذكيَّ يتعلَّم من أخطاء نفسه، أمَّا الحكيمُ فإنَّه يتعلَّم من أخطاء الآخرين‘‘. هذا ما جعَلَني ذكيًّا، وآملُ من خلال هذا الكِتاب أنْ أساعدَكَ على أن تكونَ حكيمًا.

Page 2

الفصل الأوَّل
كيف تَنْجحُ في إدارةِ مشاريعك
بدأتُ حياتي العمليَّةَ كمدرِّبٍ في مجال الأعمال وكمُعلِّمٍ في تأسيس المشروعات الجديدة، ذاتَ أمسيَّةٍ باردةٍ من ليالي شهر كانون الثاني (يناير) من عام ١٩٩٢م. كنتُ في تلك الأمسيَّة أنا وزوجتي إيلين نَتَناوَلُ طعامَ العشاء مع أصدقائنا بوبي وهيلين ستون. كان هذان الصديقان قدِ اقترحا مَطعمًا أقلَّ كُلفةً من المطاعم التي كُنَّا نرتادها في العادة. وعندما وصَلْنا إلى ذلك المطعم، أدركْنا السببَ في تلك الرغبة. أخبَرَنا بوبي بأنَّه كان قد سُرِّحَ من وظيفته كبائعٍ لأجهزة الحاسوب، وهي وظيفةٌ كان قد أمضى أربعة عشر عامًا في العمل فيها. وقد كان بسبب ذلك شديدَ الاضطراب وناقمًا، وأقسَم إنَّه لن يعملَ لحساب غيره بعد ذلك. قال إنَّه سيُشاركُ زوجتَه هيلين في عملها الذي تقوم به من المنزل- وهو بَيع تجهيزات الحاسوب من قبو منزلهم في نورث بيلمور، نيويورك.
كانت ردَّةُ فعلي أنْ قلتُ له: ’’هذا رائعٌ يا بوبي. ألدَيك خُطَّةُ عمل؟‘‘ أجاب متسائلًا: ’’ماذا تقصد بخُطَّةِ العمل؟‘‘ رَددْتُ قائلًا: ’’إنَّ خُطَّة العمل تُحدِّدُ ما تتوقَّع أن تفعلَه، وأنت تحتاجُ إليها لتستطيعَ تحديدَ ما إذا كان عملُك يتمتَّع بِمقوِّمات النموِّ والحياة أم لا‘‘.
’’إنَّ العملَ قابلٌ للنموِّ والديمومة بالتَّأكيد. وقد مضى على قيام هيلين به سبعُ سنوات، وهو بِمجمَله يقوم على أكتاف هيلين ومُساعِدتِها پاولا (Paula). وهما تعملان بِدوام جزئيٍّ من منزلنا ودون الاستعانة ببائعين. وفوق ذلك، إنِّي أحسب نفسي رجلَ مبيعاتٍ ناجحًا. مع تَوافُر كلِّ هذه الأوضاع، كيف سيَكون هذا العمل غير مضمونِ النجاح؟‘‘ لَم تَعُد هيلين قادرةً على الصبر، فقالت: ’’إنَّ زوجي هذا رجلٌ مخبول. ليست لدينا أيَّةُ أموال. حتَّى إنَّنا لسْنا قادرين على تسديد فواتيرنا. إنَّنا نبحثُ عن قرضٍ بِرَهْنٍ عقاريٍّ حتَّى نستطيعَ دَفْعَ ديوننا لأكبر مورِّدينا‘‘. ردَّ بوبي قائلًا: ’’إنَّ هيلين سلبيَّةٌ على نحوٍ مُبالَغٍ فيه‘‘، وردَّت هيلين ’’إنَّ بوبي لا يعرفُ ما يتحدَّثُ بشأنه‘‘. فقلتُ: ’’انظرا، أرجو أن تُسْدِيا إلَيَّ معروفًا، لا تندفعا في العمل. أَحضِرا جميع أوراقكما وتعالا إلى بَيتنا. وهناك سنَرى ما إذا كان عملكما يتمتَّعُ بِسِمات النجاح أم لا‘‘. كنتُ أتصوَّر أنِّي أسدَيتُ إليهما نصيحةً وأنَّهما سيَأخذان بها، غير أنَّه تَبيَّن فيما بعد أنَّهما بحاجة إلى عمليَّة تعليمٍ شاملة.
فيما بعد، ظَهرَ أنَّ هذا هو الجزءُ الأكثر إثارةً في هذه القصَّة. أقصدُ أنَّه لم يكُنْ من الواضح لي في ذلك الوقت كم كان بإمكانك أنْ تُعلِّمَ الآخرين في مجال العمل والتجارة. أَكانَ بإمكانك أنْ تتبنَّى رَجُلًا وزوجتَه وهم في منتصف العمر، ولَمْ يكن لديهما أدنى فكرةٍ عن تأسيسِ أعمالٍ ناجحة، وأنْ ترشدَهم إلى كيفيَّة تحقيق ذلك؟ أم كان على الناس أنْ يتعلَّموا من خلال تجاربهم؟ لم أكُن متأكِّدًا بشأن ذلك. لقد أمضيْتُ طوالَ عمري لأتعلَّمَ ما أعرفُ عن الأعمال. ولقد تعلَّمتُ كثيرًا من الدروس بعد أنْ تلقَّيتُ صَفَعاتٍ كثيرة. رغم أنَّ لديَّ شهاداتٍ جامعيَّةً في الحقوق والمحاسبة، فإنِّي لَم أتعلَّم كيف أُديرُ أعمالي في مدرسة ولا في جامعة. في الحقيقة، لقد كان عليَّ أن أنسى كثيرًا ممَّا تعلَّمتُه على مقاعد الدراسة. وكم من أساليبِ إدارة العمل يعتمدُ على السَّليقة؟ كم تتعلَّم وأنت طفلٌ قبل أنْ يتسنَّى لك أن تدركَ أنَّ ما تتعلَّمُه هو في الواقع دروسٌ في العمل والتجارة؟ لم يكُن لديَّ عِلْمٌ بذلك، غير أنِّي كنت تَوَّاقًا إلى المعرفة.
 

Page 3

الأهمُّ ثُمَّ المهمّ

بعد عدَّة أيَّام، جاءَ بوبي وهيلين إلى منزلنا وأحضرا معهما جميعَ المعلومات التي كنتُ سأطلبُها منهما حول مبيعاتهما وكُلفتِها، والتكاليف التي كانا يتحمَّلانها على مدى سنةٍ سابقة تقريبًا. وبعبارةٍ أخرى، وَفَّرا جميع المعلومات حول المبالغ التي قَبَضَتها هيلين والديونِ التي كانت لها على الآخرين، والمبالغِ التي دَفعَتْها والدُّيونِ المترتِّبة عليها. أخبرتُهما بأنَّنا سنُراجعُ الأرقامَ بعد تناوُلِ طعام العشاء. لقد أردْتُ أن نبدأ في مناقشة أهدافهما وهو ما أُركِّزُ عليه دائمًا.

إنَّ الهدفَ الأوَّل لكلِّ مشروعٍ جديد هو الاستمرارُ لمدَّةٍ تكفي لمعرفة ما إذا كانت تَتوافَرُ له مقوَّماتُ النموِّ والحياة أم لا. لا أنظرُ إلى مجال العمل الذي تتحدَّث بشأنه، ولا إلى حَجم رأس المال المتوافر لديك. مع الأخذ في الحسبان أنَّه ليس أمرًا ممكنًا معرفةُ ما إذا كان مشروعُك سيَنجح أم لا، إلَّا إذا نفَّذتَه على أرض الواقع. إنَّ نجاحَ المشروع ما هو سوى خطوةٍ في الطريق إلى هدفٍ آخر، وأنا أودُّ معرفةَ أين يكمُنُ هذا الهدف الآخر. أحبُّ سماعَ ما يرغبُ الناسُ في قَوله. إنَّ ما كان يُقالُ على مسمَعي هو أهدافٌ إمَّا لا يُمكن تحقيقُها من خلال مثل هذه الأعمال التجاريَّة، وإمَّا أهدافٌ ستُعرقِل العمل، أو أهدافٌ غير واقعيَّة بالنظر إلى طبيعة العمل الذي تتطلَّع إليه. إنِّي أسمع أحاديثَ عن أشياءَ تُحفِّز الناس، وهي غالبًا أشياءُ عاطفيَّةٌ وجدانيَّة.

قال بوبي وهيلين إنَّهما يهدفان إلى كَسْب قُوتِ عيْشهما من أعمالهما. هذا جميل، غير أنَّ بوبي كان يُريد أكثر من ذلك. لقد كان ما يهدفُ إليه في تلك اللحظة هو الثأرَ من صاحب عمله السابق. هذا أمرٌ عاديّ، غير أنَّه لم يَكُن ليوصِلَه إلى أيَّة نتيجةٍ غير حَرْق الجسور مع تلك الشركة. لم يكُنْ للثَّأر أيُّ نوع من العلاقة بالهدف البعيد المدى لبوبي وهيلين، والذي كان يتمثَّلُ في الاستقلال المالي وعدم العودة إلى الحالة التي كانا عليها مرَّة أخرى. لهذا فإنَّنا، بعد أنْ حَدَّدْنا الهدفَ، أَفلحْنا في إزالة تلك العواطف من طريقنا.

وإذا ما حدَّدتَ هدفك، فإنَّك تعودُ إلى موضوع قابليَّة المشروع للحياة والنموّ. قلتُ لبوبي وهيلين: ’’اُنظرا. إنِّي لا أعرف ما إذا كان عملُكما عملًا حقيقيًّا من الناحية التجاريَّة أم لا، كما أنِّي لا أَعرفُ ما إذا كان بإمكانكما أن تُديرا عملَكما كعملٍ حقيقيٍّ أيضًا. ولكنَّ علَينا أنْ نرى أوَّلًا ما إذا كان هذا العملُ جديرًا بالمحاولة. علينا أن نكونَ واثقين، على الورق أوَّلًا، بأنَّه تتوافَر لديكما الرغبة في دخول التجرِبة ومحاولة إنجاح المشروع‘‘.

بدأ بوبي مباشرةً في الحديث عن خُطَّته التسويقيَّة وتَصوُّراته للاحتمالات المستقبليَّة. قاطَعْتُه وسألتُ هيلين عمَّا لديها من أفكار. فَتَحَتْ أوراقَها وبَدأتْ تَشرح. فقلتُ لها: ’’لا حاجة للشَّرح فأنا أستطيع القراءة‘‘. قرأتُ الأوراقَ بِإمعانٍ وأجريتُ بعضَ العمليَّات الحسابيَّة، ثُمَّ قلتُ لهيلين: ’’اسمعي، سأثبتُ لكِ أَنَّ مُساعِدتَكِ پاولا قد أَنتَجَتْ من الدَّخْل المادِّيِّ في العام الماضي أكثر ممَّا أَنتَجْتِ أَنتِ‘‘، وأَشَرتُ إلى بعض الأرقام قائلًا: ’’هذه هي مبيعاتُكِ في العام الماضي، وهذه جميع التكاليف التي تَحَمَّلتِها باستثناء تكاليف پاولا. عندما نطرحُ هذا من ذاك يبقى دَخلُكما الصافي. أيُمكنُ أن تقرأَ لنا هذا يا بوبي؟‘‘.

قرأ بوبي: ’’عشرة آلاف دولار‘‘.

قلتُ: ’’نعَم هذا صحيح. حسنًا، انظُر إلى هذا. إنَّه المبلغُ الإجماليُّ الذي دَفعتماه إلى پاولا. كم يبلغ هذا الرقم؟‘‘.

قرأ بوبي: ’’خمسة عشر ألف دولار‘‘.

قلتُ: ’’هل تُدركان ما يعنيه هذا؟‘‘.

ردَّ بوبي: ’’أرى أنَّه يعني أنَّ المشروعَ قد خَسرَ ولَم يربحْ‘‘. قلتُ: ’’ممتاز‘‘، ثُمَّ استدرْتُ إلى هيلين: ’’لقد خَسرْتِ أموالًا، والآن هناك بعضُ القرارات التي يتحتَّم عليكِ اتِّخاذُها. مع أنَّه يبدو على الورق أنَّ العملَ قابلٌ للنموِّ والاستمرار، فإنَّه يجب أنْ تُخَفِّضا من التكاليف، كما أنَّكما ستُضْطرَّان إلى ضَخِّ المزيد من المال في المشروع. لا أدري كَم ستَحتاجان، غير أنَّ ذلك سيَكونُ جزءًا كبيرًا من مدَّخراتِكما. هل أنتما مُستعدَّان لذلك؟‘‘ كنتُ أُدرِكُ أنَّ ما سيَحتاجان إليه لا بدَّ أنْ يأتيَ من حساب التوفير الذي تحتفظُ به هيلين. قالت إنَّها ستُفكِّر في ذلك.

في اليوم التالي سرَّحا پاولا مُعلِّلَين ذلك بتَفرُّغ بوبي للعمل، وأنَّ المشروعَ لا يتحمَّلُهما معًا. أَخبرَتْني هيلين بأنَّهما بكَيَا وذَرَفا الدموع. قالت لي: ’’لقد بكيْتُ بحرارة. إنَّنا نفعلُ الآن ما فَعلَ الآخرون ببوبي‘‘. غير أنَّ ذلك كان خطوةً لا بدَّ منها حقًّا إنْ أرادا لمشروعهما أن يَمضيَ قُدُمًا. وكما قالت هيلين: ’’كان ذلك حقيقةً مُرَّةً صَفَعَتْنا على وجوهنا‘‘. كانا هناك في قبوِ منزلهِما وحيدَين. إنَّ تسريحَ پاولا كان يعني أنَّهما تَحمَّلا المسؤوليَّة وحدَهما وعلى المدى الطويل.

Page 4

إعدادُ خُطَّة عمل

إنَّ معظمَ الناس يتخوَّفونَ من بدء مشروعهمُ الأوَّل، وهذا سببٌ كافٍ لضرورة وَضْع خُطَّة عَمل. إنَّ خُطَّةَ العمل هذه تُساعِدُ على تسهيل فَهْم العمل بأكمله. إنَّها تنْزعُ بعضَ العواطف عن الوَضْع الراهن، غير أنَّك لا تستطيعُ وَضْعَ خُطَّةِ عملٍ ما لم تكُنْ تدركُ تمامًا ماهيَّة التدفُّقات النقديَّة، وهذا أمرٌ نادرًا ما يُدركه الأشخاصُ الذين يؤسِّسون مشاريعهم الأولى. إنَّهم يَخلطون ما بين التدفُّقاتِ النقديَّةِ والمبيعات أو امتلاك رصيدٍ في المصرِف. إنَّهم يعتقدون أنَّ كلَّ ما يحتاجون إليه لكي ينجحوا في أعمالهم هو أنْ يكونَ لديهم مبيعاتٌ جيِّدة. إنَّ ما تحتاج أنت إليه في الواقع هو النوع الصحيح من المبيعات؛ إذ إنَّ النوعَ الخطأَ للمبيعات سيَقودُك إلى الإفلاس حتمًا.

وحتَّى تتجنَّبَ ذلك، عليكَ أوَّلًا أنْ تُدركَ أنَّ رأس مالِك محدود. وهذا صحيحٌ في جميع الحالات، حيث إنَّه لا يوجَد مَن يؤسِّسُ مشروعًا برأس مالٍ غيرِ محدود. إنَّ الفكرةَ الأساسيَّةَ هي أنْ تتأكَّدَ من نقطتَين: الأولى أنَّ لديك رأسَ المال الكافي لبدء المشروع، والثانية أنَّ المشروعَ سيَستمرُّ لمدَّةٍ طويلة بحيث يتبيَّنُ ما إذا كان المشروع قابلًا للنموِّ والاستمرار أم لا. وعندما أتحدَّثُ بشأن القابليَّةِ للنموِّ والاستمرار، فإنِّي أقصدُ النقطةَ التي يُولِّد فيها المشروعُ من موارده الذاتيَّة المبالغَ الماليَّةَ التي يحتاجُ إليها لتَسديد التزاماته. وبهذا يكونُ في مقدوره الاستمرارُ دون الاعتماد على مصادرَ خارجيَّة. إنَّ خُطَّةَ العمل هي في الأساس أفضلُ طريقة لتَخمينِ كيفيَّة الوصول إلى مَوقع النجاح ذاك.

وعندما أتحدَّثُ بشأن خُطَّة عملٍ ما، فإنِّي لا أقصدُ شيئًا مُستفيضًا، إنِّي أضَعُ في ذهني كشْفَ حسابٍ بسيطٍ وكشفَ تدفُّقاتٍ نقديَّة. وما أرمي إليه هو تقديرٌ معقولٌ للمبيعات المتوقَّعة شهريًّا على مدى عامٍ كامل. هذا هو ما طلبتُ من بوبي أنْ يُقدِّمَه إليَّ. غير أنَّ ما أحضَرَه كان مُضحكًا بالفعل. لقد كان مُفْرِطًا في تفاؤله، وهذا أمرٌ شائعٌ لدى الناس. فهم يميلون إلى المبالغة في توقُّعاتهم في بداية أنشطتهم التجاريَّة- وفي الوقت نفسه فإنَّهم يكونون قَلِقين جدًّا. إنَّ هذا أمرٌ غريبٌ وخطير؛ لأنَّه يقودُ إلى اتِّخاذِ قراراتٍ خاطئةٍ حَول الإنفاق من رأس المال المحدود.

اضطُررتُ إلى البَدءِ من جديدٍ مع بوبي. لقد كان قد بنى تقديراتِه على تصوُّراته لما سيَكفيهم مؤونةَ معيشتهم، لا على ما يستطيعون بَيعه. وكان يُبـرِّر تفكيرَه هذا باستعادة سِجلِّ مبيعاته في وظيفته السابقة، عندما كان يبيعُ أجهزةً خاصَّةً لتنظيفِ الحواسيب بواقع ٠٠٠, ٢ ١-٠٠٠ ,٠ ٢ دولار للوِحدة الواحدة. لَمْ يَضعْ في حسبانه قطُّ أنَّه سيَبيعُ لوازمَ حواسيب بِما يقاربُ الأربعين دولارًا للطَّلبية الواحدة. لذلك وجَّهتُه نحو التَّركيز على الإطار الضيِّق- على الموادِّ التي يبيعونَها. كان ذلك في شهر كانون الثاني (يناير) مِن عام ١٩٩٢، وقلتُ له: ’’لنفكِّرْ في شهر تمُّوز (يوليو). ما الذي تستطيعُ إنجازه في تمُّوز (يوليو)؟‘‘.

أجاب: ’’٠٠٠ ,٠ ٢ دولار‘‘.

قلتُ: ’’هناك عشرون يوم عمَلٍ في الشهر، ومعنى هذا أنَّكَ تفترض أنْ تبيع بمقدار ألف دولار يوميًّا. إنَّ مُعدَّلَ قيمة كل طلبيَّة هو أربعون دولارًا. لذلك فأنتَ تتحدَّث بشأن ٢٥ طلبيَّةٍ يوميًّا. وعندما يتكوَّنُ يومُ العمل من ثماني ساعات، فإنَّ هذا يعني ثلاثَ طلبيَّاتٍ في الساعة الواحدة غير ما يَمضي من الوقت في إجراء المكالمات الهاتفيَّة التي لا بدَّ منها. أي أنَّه يجب الحصولُ على طلبيَّةٍ واحدةٍ كلَّ عشرين دقيقة وعلى مدى الشهر كلِّه. أَتَستطيعُ أنْ تحقِّقَ ذلك؟ كان غَرَضي أنْ أتأكَّدَ بأنَّه بدأ يفكِّر تفكيرًا واقعيًّا‘‘. كما أردْتُ منه أنْ يَصلَ إلى تقديراتٍ معقولةٍ مبنيَّةٍ على أساسٍ علميٍّ سليم. أدركَ بوبي أنَّ التقديراتِ التي أعطاها لمبيعاتِه في شهر تمُّوز (يوليو) كانت وهميَّةً بكلِّ ما تحملُ هذه الكلمة من معنى. بعد ذلك قَدَّمَ تقديراتٍ جديدةً ثُمَّ دَرَسناها معًا حيثُ أضَفْنا بنودًا وحذَفْنا أخرى. وفي النهاية أَعْدَدنا خُطَطًا للشهور الواحد تِلوَ الآخر إلى أنْ توصَّلْنا إلى خُطَّةِ عملٍ تُبيِّنُ المبيعاتِ التقديريَّةَ لمدَّة سَنَةٍ كاملة.

ثُمَّ جاءت الخطوةُ الأهمّ: تحديدُ الربح الإجمالَيّ. إذا ما كان لديك تَصوُّرٌ واضحٌ للمبيعات المتوقَّعة، فإنَّك تستطيعُ أنْ تُحلِّلَها حسبَ أصناف المنتجات وتَحسِبَ كُلْفةَ البضائع المباعة أو كُلْفة المبيعات إنْ كانَ المشروعُ خِدْميًّا (مُرتَبطًا بالخِدْمات)، ثُمَّ تطرَحُ كُلْفةَ البضائع من قيمة المبيعات فيَبقى رِبحُك الإجماليّ. إنَّ الربحَ الإجماليَّ هو أهمُّ رقْمٍ بالنسبة إلى أيِّ مشروعٍ جديد، فهو يُحدِّدُ جميع الأمور الأخرى المتعلِّقة بالعمل، مثْلَ حجمِ رأس المال الذي تحتاجُ إليه، وحجمِ المبيعات والتكاليف الإداريَّة التي تستطيع تَحَمُّلَها، والوقتِ اللازم لمعرفة قابليَّة المشروع للاستمرار والنموِّ، بل أيضًا تحديد هذه القابليَّة نفسها.

لذلك إذا كنتَ تبيعُ قطعةً ما بدولارٍ واحد؛ وكانت هذه القطعةُ تُكَلِّفُك تسعينَ سنتًا لتُنتِجَها أو تشتريَها، فإنَّ ربحَك الإجمالِيَّ يكونُ عشرةَ سنتاتٍ أو ما نسبته ١٠% من المبيعات. افترِضْ أنَّكَ تحتاجُ إلى خمسةِ آلاف دولارٍ شهريًّا كتَكاليفَ إداريَّة. إنَّك تحتاجُ لأنْ تَصِلَ مبيعاتُك الشهريَّةُ إلى ٠٠٠ ,٠ ٥ دولار لتَغطية هذه التكاليف. فلْنَقُلْ إنَّ استردادَ قيمة المبيعات سيَستغرقُ مدَّة ثلاثة شهور، فسيَتبيَّنُ بهذا أنَّكَ يجبُ أنْ تستثمرَ مئةَ ألف دولارٍ نقدًا حتَّى تُؤمِّنَ مبلغَ خمسةَ آلاف دولارٍ شهريًّا لِتُغطِّيَ نفقاتك فقط. إنَّ مثلَ هذا العمل يكون غيرَ مُجْدٍ.

إنَّ الربحَ الإجماليَّ هو محوَرُ العمليَّة التجاريَّة، فأنتَ لا تستطيعُ دَفْعَ نفقاتِكَ إلَّا من هذا الرِّبْح. إنَّ التكاليفَ التي تتحمَّلُها مثل الأجْرِ الذي تستحقُّه كراتبٍ شهريٍّ لكَ، وأجرةِ المكان وفواتيرِ الهاتف والكهرباء والغاز والخدمات المكتبيَّة- هذه التكاليف جميعها تَدفعُها ممَّا تُحقِّقُه من ربحٍ إجماليّ. إذا كان هامشُ ربحِك الإجماليِّ يساوي ما نسبته ١٠%، فإنَّكَ تحتاجُ لأنْ تبيعَ بقيمة عشرة دولارات لِتَغطية كلِّ دولارٍ من النفقات. وهذا يعني تغطيةَ النفقات فقط وليس تحقيقَ أيَّة أرباح. أمَّا إذا كان هامشُ ربحك الإجماليِّ ٤٠%، فإنَّك تحتاج إلى مبيعاتٍ بقيمة دولارَين ونصف لِتَغطية كلِّ دولارٍ من النفقات. إنَّ هذا الفرقَ فرقٌ حاسمٌ عندما يكون رأسُ المال الذي تَعمل به رأس مالٍ بسيطًا. كُلَّما ارتفَعتْ نسبةُ أرباحك الإجماليَّة، احتجْتَ إلى مبيعاتٍ بقيمةٍ أدنى لتَغطيةِ النفقات، وحافظتَ في الوقت ذاته على رأس مالِك لمدَّةٍ أطول.

كان هذا أهمَّ درْسٍ يَتعلَّمُه بوبي وهيلين. وقد طلبتُ منهما أنْ يُجريا بأنفسهما جميع العمليَّات الحسابيَّة. كما استَعرضتُ معهما الخُطَّة خطوةً بخطوة، وبيَّنتُ لهما كيفيَّةَ تحليلِ المبيعاتِ حسب الأصناف، وكيفيَّةَ احتسابِ تكاليفِ البضاعة المُباعة وهامشَ ربحهما الإجماليّ. وفي النهايةِ تَوَصَّلْنا إلى قائمةٍ ببنودِ النفقاتِ وحَدَّدْنا النفقاتِ الإداريَّةَ الثابتة. وقد تَمَكَّنَّا- دُونَ مساعدة منِّي، وبعد معرفةِ حَجم المبيعات وكُلفتها والنفقات الإداريَّة- من التوصُّل إلى كَشْفِ حسابٍ بالدَّخْل المتوقَّع كلَّ شهر. ثُمَّ استَعرضتُ مَعَهما عمليَّةَ إعداد التوقُّعات الشهريَّة للتدفُّقات النقديَّة. ومنها تَمَكَّنَّا من إعداد بيانٍ بالتدفُّقات النقديَّة لِسَنةٍ كاملة. عملتُ مَعَهما بخصوص التدفُّقات النقديَّة إلى أنِ اطمأنَّتْ نفسي إلى أنَّهما تَمكَّنا من امتلاك أدقِّ أسرارها. أمَّا ما بَقيَ من أعمالٍ فقد قاما به في المنزل وباستعمال الورقة والقلم حيث لم يُسْمَح لهما باستعمال الحاسوب.

كان ذلكَ كلُّه جزءًا من عمليَّة التعليم. عندما تَكتبُ توقُّعاتِك بخطِّ يدك؛ وتُجري العمليَّات الحسابيَّة بنفسك، وتتعامل مع الأرقام لِسنةٍ كاملة، فإنَّ هناك أمرَين يَحدُثان: أوَّلُهُما أنَّكَ تبدأُ في الإحساس بأنَّ العملَ قد صار جزءًا منك، وثانيهما أنَّكَ تبدأ في فَهْم الحقائق واستيعابها. ستَرى أنْ ليس بالضَّرورة أنْ تُحقِّقَ المبيعاتُ أرباحًا، كما ستَرى أنَّ إنجازَ صفقاتِ بيعٍ أو جمعَ الأرباح ليس هو المقصودَ بمصطلَح ’’توليد النقود‘‘. عند هذه النقطة تصلُ إلى مرحلة استيعاب هذه العلاقات.

السببُ الآخرُ لإعداد خُطَّة عَمَل هو تحديدُ حجم رأسِ المال اللازم لِبَدْء المشروع. ونستطيعُ التوصُّل إلى معرفة رأسِ المال اللازم من بيانٍ التدفُّقات النقديَّة. في معظم الحالات، نرى أنَّ التدفقَ النقديَّ التراكميَّ يصيرُ أسوأَ وأسوأَ شهرًا بعد شهر إلى أنْ تَحدُثَ انعطافةٌ في سَيْر العمل، ويعودَ التدفُّقُ النقديُّ إلى التحسُّن. هذا مع افتراضِ أنَّ العملَ مُجْدٍ على الورق. أمَّا إذا لم يتحسَّنِ التدفُّقُ النقديّ، فإنَّ العملَ يكونُ غيرَ مُجْدٍ، ويكونُ رأسُ المال اللازم لِبَدْء المشروع نظريًّا مُساوٍ لأكبر عَجْزٍ نقديٍّ في كَشْف الحساب. إنْ ضمنْتَ استثمارَ ذلك المبلغ في المشروع، فيجبُ أنْ تكونَ قادرًا على تَجَنُّبِ استنفاد النقد نظريًّا. أمَّا من الناحية العمليَّة، فإنِّي أزيدُ الرَّقْم بما نسبته ٥٠%. في حالة بوبي وهيلين ظَهَر أنَّ رصيدَهما النقديَّ سيُعاني عجْزًا بنحو ٠٠٠ , ٥ ١ دولارٍ في أسوإِ الشهور. ولذلك فقد أَخبرتُهما بأنَّ المشروعَ رُبَّما سيَحتاج إلى ٢٥,٠٠٠ دولار، غير أنَّهما تَمَكَّنا من تدبير مبلغ ١٥,٠٠٠ دولارٍ فقط.

هناك سببان لبناءِ احتياطيٍّ نقديّ. أوَّلهما أنَّ الأمورَ تُكلِّفُ فعليًّا أكثرَ ممَّا يُتَوقَّع، كما أنَّ الأرباحَ تكونُ دائمًا أقلّ. ولذلك فإنَّكَ في الواقع ستحتاج إلى رأسِ مالٍ أكبرَ ممَّا يَظهرُ في بيان التدفُّقات النقديَّة المتوقَّعة. هذا إضافةً إلى وجود جانبٍ نفسيٍّ وعاطفيّ. إنْ عرفْتَ من البداية أنَّكَ قد تُضطَّرُ إلى ضخِّ مزيدٍ من المال في المشروع، فإنَّكَ بالتَّأكيد ستتحَوَّطُ لذلك. إنَّ شعورَكَ سيَكون مختلفًا عندما تجدُ نفسَك وقدِ استعمَلْتَ أكبرَ رأسِ مالٍ متوافرٍ لديك.

إنَّ تحضيرَ خُطَّة عَملٍ يقودُ إلى المرحلة التالية تمامًا لأنَّك تَمرُّ بمرحلةَ تعلُّمِ ما الذي ينبغي عملُه حتَّى يَنجحُ المشروع. وفي حالةِ بوبي وهيلين كنتُ أُحلِّلُ نجاحَ المشروع إلى مكوِّناته الأساسيَّة، وإلى أرقامٍ يستطيعون إدراكَها ومراقبتَها. وقد صارا يُدركان الفرقَ بين بَيْع مَعدَّاتِ تنظيفٍ بهامش ربحٍ مقدارُه ٥٠% وبَيع وسائطَ مغناطيسيَّةٍ (Magnetic media) بهامش ربحٍ مقدارُه ١٠%. لقد بَدَأا يُدركان كيف أنَّ الهامشَ الإجماليَّ والدُّيونَ والتحصيلَ وغيرها من أجزاء العمل ستؤثِّرُ في التدفُّق النقديِّ لهما، وكيف أنَّ التدفُّقَ النقديَّ سيُحدِّد ما إذا كان المشروعُ سيَستمرُّ وينمو على أرضِ الواقع كما هو حاصلٌ على الورق. إضافةً إلى هذا، فإنَّهما كانا يبحثان عمَّا ينبغي لهما أنْ يُرَكِّزا اهتمامَهما عليه سعيًا وراء النجاح.

عليَّ أنْ أقولَ إنَّ هيلين هي التي كانَت تبحثُ في هذا، فقد كان تَعَلُّمُها سريعًا جدًّا. أمَّا بوبي فقد كان أبطأَ منها، ولكنَّه واجَهَ عوائقَ أكبرَ وكان عليه أنْ يتخطَّاها، لا سيَّما عقليَّةَ المبيعات.

أنت تسأل ونورم يُجيب

عزيزي نورم،

أُمارسُ أعمالَ التَّصميم من منزلي، وأبيعُ الأثاثَ الخاصَّ بالمخازن واللَّوازم المتعلِّقة به إلى تُجَّار التَّجزِئة الذين أتعاملُ معهم. أحاولُ أن أعملَ بهامش ربحٍ إجمالِيٍّ يتراوُحُ ما بين ١٥ و٣٠%، غير أنِّي لا أعرفُ ما إذا كان هذا مناسبًا أم لا. إنِّي أتساءَلُ دومًا كَم من الممكن أنْ تزيدَ أرباحُنا لو كُنَّا نبيعُ بأسعارٍ أقلّ.

نوربرت (Norbert)

عزيزي نوربرت،

إنَّكَ تتساءلُ عن الأمر الخطأ. إنَّ من الأوْلى أنْ تسألَ نفسَكَ كم ستقلُّ أرباحُكم لو بِعتُم بأسعارٍ أعلى. إنَّ مستوياتِ الأرباح الإجماليَّةِ والصافية أهمُّ بكثيرٍ من أرقام المبيعات. أَلَيس أنْ أُحصِّلَ أرباحًا إجماليَّة مقدارها عشرون ألف دولارٍ من مبيعاتٍ بمبلغ خمسين ألف دولار، هو أفضل من أنْ أُحصِّلَ المبلغَ نفسَه من الأرباح الإجماليَّة من مبيعاتٍ بمئة ألف دولار؟ لماذا؟ لأنِّي سأكونُ قد تعرَّضتُ لهمومٍ أقلّ، وقمتُ بعملياتِ شحنٍ أقلّ، وتعاملتُ مع أشخاصٍ أقلّ، وهلمَّ جرًّا. لو كنتُ مكانَكَ لَبَحثْتُ عن أساليبَ لأزيد هامشَ الربح لا لأخفِّضَها. حتَّى إنَّ من الممكن أنْ تَعقِدَ صفقاتٍ أحسنَ لمبيعاتك. فقد تستطيعُ تخفيضَ أُجور الشحن التي تَدفعُها. أجل، ممَّا لا شكَّ فيه أنَّه في كثيرٍ من الحالات تقتضي الحكمةُ أنْ تخفِّضَ الأسعار، غيرَ أنَّه يجب ألَّا تقومَ بذلك إلَّا إذا كنتَ واثقًا بأنَّك ستُحقِّقُ مبيعاتٍ إضافيَّة، وأنَّ هذه المبيعات الإضافيَّة تُعوِّضُ الفرقَ في الأرباح.

نورم

Page 5

التخلُّص من عقليَّة المبيعات

إنَّ جميعَ الأشخاصِ الذين يبدأون مشاريعَهم الخاصَّة يُديرون أعمالهَم في بداية تأسيسها بعقليَّة المبيعات. إنَّهم يريدونَ أنْ يَرَوا مبيعاتِهم تزدادُ كلََّ شهرٍ وكلَّ يومٍ وكلَّ ساعة. إنِّي أنا نفسي لَم أُبالِ بأيِّ شيءٍ سوى أرقامِ مبيعاتنا الأسبوعيَّة. كما كان المستثمرون الذين أتعاملُ معهم يفكِّرون بالطريقةِ ذاتها، وكان العديدُ منهم محاسِبين. إنَّهم لم يَسألوا البتَّة عن الأرباح، وإنَّما كان جلُّ اهتمامهم مُنْصبًّا على المبيعات. هذه هي عقليَّة المبيعات. إنَّ هذه العقليَّةَ تقومُ على مبدإٍ يقول إنَّك يجب أنْ تُركِّزَ اهتمامك على تحقيق المبيعات، غير أنَّ هذه العقليَّةَ عقليَّةٌ خطيرة، لا سيَّما عندما تكون مُديرًا لأعمالكَ من قبوِ منزلِك، وأنت تُعاني من قلَّة الموارد.

لماذا؟ لأنَّ المبيعاتِ لا تَعني بالضَّرورة توافُرَ النقود. والنقودُ هي ما أنتَ بحاجةٍ إليه لتَستمرَّ في مشروعك. فإذا ما وَجدْتَ نفسَكَ بلا نقود، فإنَّك ستضطَرُّ إلى تَرْك العمل، وستكونُ هذه هي نهايةَ القصَّة. وهذا كُلُّه يعودُ إلى الحقيقة الأساسيَّة القائلة إنَّك تعملُ برأسِ مالٍ محدود. إذا كانت أرباحُك الإجماليَّةُ لا تكفي لتَغطية النفقات، فإنَّكَ ستُضْطرُّ إلى سَدِّ الفجوة من رأسِ مال المشروع. إنَّ الإنفاقَ من رأسِ المال سيؤدِّي حتمًا إلى سرعة نفادِه. ومن واقع هذه الحقيقة نستخلصُ أهمَّ مَبدأَين لرجال الأعمال المُسْتجدِّين: الأوَّل هو حمايةُ رأسِ المال، إذ لا بدَّ من عدم إنفاقه إلَّا بالأوجُه التي تكونُ أنتَ واثقًا بأنَّها ستُوَلِّد تدفُّقاتٍ نقديَّةً إيجابيَّةً على المدى القصير. أمَّا المبدأ الثاني، فهو المحافظةُ على أعلى هامشٍ من الأرباح الإجماليَّة الشهريَّة يُمكنُ أن تُحقِّقَه. إيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أن يكونَ هدفُكَ البَيعَ بهامشِ ربحٍ أقلّ.

ربَّما تعتقدُ أنَّ هذَين المبدأَين يبدوان بسيطَين، غير أنَّ اتِّباعَهما يقتضي توافُرَ نظامٍ مُحكَم. إنَّ من السَّهلِ جدًّا أنْ ينحرفَ تفكيرُ الإنسانِ عن الهدفِ الأساسيِّ، ولا سيَّما بسبب عقليَّة المبيعات. كان بوبي ستون نموذجًا تقليديًّا لذلك، فقد أمضى أربعةَ عشر عامًا ونصف العام وهو يُطلَبُ منه التفكير فقط في المبيعات. حتَّى إنَّه لَم يَسمَعِ البتَّةَ بمفهوم الأرباح الإجماليَّة. لقد كانتْ وظيفتُه الوحيدةُ هي أنْ يبيعَ أكبرَ مقدارٍ ممكنٍ بالأسعار التي تُحدَّدَ له من دون الالْتِفاتِ قطعيًّا إلى حجمِ الأرباحِ الإجماليَّةِ التي تحقِّقُها مبيعاتُه.

الآن ماذا يستطيعُ بوبي أنْ يفعلَ إذا وَجد أنَّه لم يحقِّقِ الهدفَ المحدَّد لمبيعاته الشهريَّة؟ لِنَفترضْ أنَّه كان قد بنى خُطَّتَه على تَوَقُّع مبيعاتٍ شهريَّة بمقدار عشرين ألف دولار (وهذا هو الحدُّ الذي يُمَكِّنُه من تغطية تكاليفه من غير ربحٍ ولا خسارة). الآن وَجَد نفسَه في الأسبوع الأخير من الشهر وهو لم يحقِّقْ بعدُ إلَّا مبيعاتٍ بعشرة آلاف دولار. ماذا في وُسعه أن يعمل؟ إنَّه حتمًا سيَبدو مُحبَطًا وسيَشْرَع في الاتِّصال بِمندوبي المبيعات عَلَّهُ يَجدُ مَن يشتري بمبلغ عشرة آلاف دولارٍ إذا ما قدَّم إليهم عروضًا بأسعار أقلّ. يبدأ بوبي في التَّفاوُضِ مع مشترينَ مُحتمَلين ثُمَّ ينتهي الأمرُ بأن يُعطيَ بوبي عَرضًا جيِّدًا للمشتري. الآن صار بوبي سعيدًا، فقد حقَّقَ هدفَه وها هو سيَتخلَّصُ مِن طُنٍّ كاملٍ من البضاعة. إنَّه سرعانَ ما سيَذهبُ إلى هيلين مُبشِّرًا: ’’لقد أنجَزْنا هدفَنا ونجحنا في تحقيقه‘‘.

لكنْ، ما حقيقةُ ما فَعَله؟ أوَّلًا، إنَّه لم يَخرُج من هذه الصفقة بلا ربحٍ ولا خسارة. إنَّ العرضَ الذي قدَّمَه أبقى له هامشَ ربحٍ إجماليٍّ نسبتُه ١٠% فقط من المبيعات. إنَّ حدَّ البيع بلا ربحٍ ولا خسارةٍ كان عشرون ألفَ دولارٍ بهامشِ ربحٍ مقدارُه ٤٠%، بينما باعَ هو الآلاف العشرة الأخرى بهامش ربحٍ ١٠% فقط، أيْ بأرباحٍ إجماليَّةٍ مقدارها خمسةُ آلاف دولارٍ فقط. إذًا، صار الهامشُ فعليًّا ٢٥% وليس ٤٠%، وهذا لم يَكُن كافيًا لتَغطية التكاليف. لقدِ احتاجَ إلى ثلاثة آلاف دولارٍ لتَغطية التكاليف وقد اضطُرَّ إلى دَفْعها من رأسِ المال بلا شكّ. لو استمرَّتْ مثل هذه الحصيلةِ السلبيَّة لمدَّةِ خمسةِ أشهرٍ أخرى، فإنَّ ذلك سيؤدِّي إلى استنْزاف مبلغ ١٥,٠٠٠ دولارٍ التي استثمرَتْها هيلين في العمل.

ثانيًا، لقد أضاع بوبي وقتَه. كان عليه أنْ يسعى إلى اجتذابِ زبائنَ يتحمَّلونَ هوامشَ أرباحٍ عالية، وهو ما يَعني عددًا أقلَّ منهم. وهذا مبدأٌ آخر: ’’اصرفْ وقتَك وأنتَ تبني علاقاتٍ بزَبائنَ تُحقِّق منهم أعلى نسبةٍ ممكنةٍ من الأرباح‘‘. دَعِ الزَّبائنَ الأقلَّ قُدرةً يأتون إليكَ بِمَحض إرادتهم وفاوِضْهم على أعلى أسعارٍ ممكنة. خلافًا لذلك، فقد رَبط بوبي عشرة آلاف دولارٍ بزبونٍ واحد. ماذا كان يُمكنُ أنْ يحصُلَ لو عَجِزَ هذا الزَّبونُ عن الدَّفع، أو أنَّه دَفَعَ بعد مماطلاتٍ طويلة وبعد جملةِ اتِّصالاتٍ تنطوي على التهديد بِرَفْع قضيَّةٍ بحقَّه؟ ماذا سيكونُ تأثيرُ ذلك في رأسِ مال بوبي وهيلين الضئيل؟ لقد كان في ذلك مجازفةٌ خطيرة. والمجازفةُ كانتْ أكبرَ لأنَّها تتعلَّقُ بزَبونٍ واحد. لقد دَخَل بوبي في مُقامرةٍ من دون أنْ يُدركَ ذلك. وجاء هذا التصرُّفُ من عقليَّة المبيعات. إنَّ رجالَ المبيعات المحترفين لا يقلَقون أبدًا كيف تُؤمِّنُ المؤسَّساتُ التي يعملون فيها رواتبَهم؛ إذ إنَّ كلَّ ما يُهمُّهم هو زيادة أرقام مبيعاتهم.

أرجو ألَّا يُسَاء فَهْمي. أنا لا أزعُم أنَّ عقليَّةَ المبيعات سيِّئةٌ في مجملها. إنَّها جيِّدةٌ ما دامتْ مُتوازنة. إنَّ مُجَرَّد التَّحَلِّي بهذه العقليَّة لا يَعني بالضرورة أنَّكَ لا تستطيعُ استيعابَ عناصرَ أخرى في إدارة مشروعك. يجب أنْ تَستوعبَ هذه العناصر، وإلَّا فإنَّكَ لن تستطيعَ الصمود. إنَّكَ ستَقترفُ كثيرًا من الأخطاء المُكْلِفة، وذلك لمجرَّد أنْ تتفادى شهرًا سيِّئًا في العمل. ولكنَّ الأفضل هو أن تتحمَّلَ شهرًا سيِّئًا أو حتَّى سلسلةً من الشهور السيِّئة من أن تسمحَ بانزلاق هوامش الأرباح الإجماليَّة. إنِّي أُدركُ كَم من الصَّعب على رَجُل مبيعاتٍ- ومعظمُ أصحاب المشاريع الفرديَّة هُم أساسًا رجال مبيعات- أنْ يتقبَّلَ ذلك، ولكنَّ هذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا. لماذا؟ إنَّه مهمٌّ بالنَّظر إلى هدفك- هدفكَ البعيدِ المدى الذي حَدَّدتَه لنفسكَ قَبْل أنْ تُعِدَّ خُطَّة العمل. كان بوبي وهيلين يسعيان إلى الاستقلال المادِّيّ. وكان السؤالُ هو: هل سيؤدِّي بهما هذا العمل إلى ذلك؟ كان عليهما أنْ يستَطلِعا الأمر. إنَّ عقليَّةَ المبيعات تَفرضُ نفسها عبر استبدال الهدف قصير المدى (تحقيقُ الحدِّ المستهدفِ من المبيعات) بالهدف بعيد المدى وهو تحقيقُ ديمومةِ العمل ونموِّه. لذلك، ماذا يعني لهما مرورُ سلسلةٍ من الشهور السيِّئة؟ إنَّ حصيلةَ هذه الشهور تعني أنَّ العملَ غيرُ قابلٍ للصمود والنموّ، أو أنَّكَ غيرُ قادرٍ على البيع بهوامشِ أرباحٍ عاليةٍ لتَحقيق هدفك. إذا كان الأمرُ كذلك، فعليك بالانتباه والحذر.

التصرُّف البديلُ عادةً هو أنْ تتدبَّرَ أمورَكَ لتؤمِّنَ عددًا من صفقاتِ المبيعات بأحجامٍ كبيرةٍ وبهوامشِ أرباحٍ ضئيلة. وهذا أمرٌ سهل؛ إذ إنَّه ليس عليك إلَّا أنْ تُخفِّضَ أسعارَك إلى ما من دون أسعارِ منافسيك فتُحقِّقَ المبيعاتِ التي تريد. إنَّك ستَتصوَّرُ أنَّ ما تقومُ به هو عملٌ سليمٌ وأنَّ الأمور على خَير ما يُرام. كما أنَّكَ تتصوَّرُ أنَّ النقودَ لن تَنْفد منكَ ما دامت مبيعاتُكَ في صعودٍ وأنَّكَ تستطيعُ تحصيلَ ديونِكَ قبل استحقاق دَفْع التزاماتك. لكنَّ المشكلةَ هي أنَّه ستَتَرتَّبُ عليكَ التزاماتٌ أكثر ممَّا تستطيعُ الوفاء به. إنَّكَ ستَصلُ إلى مرحلة الإفلاس من دون أنْ تلاحظَ ذلك. وفجأةً يَمرُّ بكَ شهران سيِّئان وإذا بالنقود تختفي وتخسرُ حينها كلَّ شيء. إنَّ هذا كثيرًا ما يَحدُث. إنَّ الطريقَ إلى تَجنُّبِ الوصول إلى هذا الوضع هو التقيُّدُ بالمبادئ ومراقبةُ الأرقام. إنْ كانت مراقبتُكَ فعَّالةً بما فيه الكفاية، فإنَّ الصورةَ تبدأُ في الظهور، ويصير بإمكانكَ أنْ تَرى ما يجري، وبإمكانكَ أيضًا أنْ تتلَمَّسَ ذلك. وتصيرُ الصورةُ أوضحَ ويصيرُ الإحساسُ أقوى إلى أنْ تتأكَّدَ بأنَّك ستَجتازُ المرحلةَ بنجاح، أو إلى أن تدركَ أنَّ عليك أنْ تَنهجَ سبيلًا آخر.

على أنَّه ليس من السهل الصمودُ في السوق. وهذا بالضَّبط ما حدثَ مع بوبي وهيلين. فقد كانا في نضالٍٍ مستمرٍّ في السنة الأولى من عُمْر مشروعهما. وما تزال هيلين تقولُ لبوبي إنَّ عليه أنْ يبحثَ عن وظيفةٍ حقيقيَّة. كما أنَّ أعضاءَ أُسرَتِهما وأصدقاءَهما بحثوا هذا الأمر معهما أيضًا. في هذه الأثناء كانا لا يزالان يتلقَّيان مُستحقَّاتِ إنهاء خدمات بوبي، كما أنَّهما كانا لا يزالان ينتفعان من نظام التأمين الصحِّيِّ الجماعيِّ للموظَّفين المتقاعدين (COBRA).ولكن كان يَنتابُ هيلين شعورٌ بالقلق إزاء ما سيَحصلُ لهما عندما تَنفدُ هذه الموارد.

كان دَوري أنْ أُساعدَهما في المحافظة على جميع عناصر العمل في مواقعها الحقيقيَّة، وأنْ يَبقى تركيزُ بوبي مُنْصَبًّا على تحقيق مبيعاتٍ بهوامشِ أرباحٍ عالية. كان هو وهيلين يُكافحان من أجل هامش ربحٍ إجماليٍّ بنسبة ٤٠%، غير أنَّه كان لا يزال يتَقَّبَلُ نسبة ٩%. لذلك قرَّرتُ أنْ أجعلَ هيلين هي مَن يُحدِّدُ هامشَ الربح. فإذا ما سَنحَتِ الفرصةُ لصفقةٍ بنسبة ربحٍ تقِّلُ عن ٢٠%، فإنَّ على بوبي أنْ يسألهَا ما إذا كان ذلك مناسبًا لمصلحتهما أم لا، وفي الغالب فإنَّها تقول لا. كان بوبي شديدَ الجِدال في هذا الموضوع. أمامه فرصةٌ للحصول على ثلاثة آلاف دولارٍ من صفقةٍ بهامش ربحٍ إجماليٍّ بنسبة ١٣% وهو ما يَعني تحويل مبلغ ٣٩٠ دولارًا إلى حسابهم المصرفيّ، فتخبرُه هيلين بأنَّه يجب ألَّا يُبرمَ تلك الصفقة، فيُجادِل قائلًا: ’’كيف سيَتسنَّى لعملنا أنْ ينموَ ويزدهرَ إذا كُنَّا نرفضُ صفقات مبيعات؟‘‘ إنَّه لَم يستطعْ أنْ يستوعبَ كيف أنَّ عمليَّةَ بَيعٍ تُعرِّضُ عملَهم لخطر مُحتمَل. إنَّ في هذا تناقضًا واضحًا مع ما كان يتدرَّبُ عليه طوال أربعة عشر عامًا.

رغم كلِّ شيء، فقد ظلَّ بوبي مع البرنامج. وشيئًا فشيئًا تَحسَّنتْ هوامشُ الأرباح وتوسَّعتْ قاعدةُ الزَّبائن. وفي نهاية السنة الأولى جلسْنا واستَنتَجْنا أنَّ المشروعَ كان سيُعَدُّ مَدينًا بمبلغ خمسةِ آلاف دولارٍ لولا منافع نهاية الخدمة التي حصلَ عليها بوبي. كما أنِّي كُنتُ قد حَذَّرتُهم أنَّ السنة الثانيةَ ستكونُ أصعبَ من الأولى من دون مَعونةِ منافع نهاية الخدمة لبُوبي. وقد مَرَّا بالفعل بأزمةٍ عندما واجها صعوباتٍ في البَيع على مدى شهرَين مُتَتابعَين. أخبرتُهما بأنَّ عليهما الاختيارَ بين أمرَين: إمَّا أنْ يلجأا إلى الآلاف العشرة التي يحتفظان بها كرصيدٍ احتياطيّ، وإمَّا أنْ يبقيا من دون رواتبَ لمدَّة شهرَين. لقد فَضَّلا الخيارَ الأخير.

وبالرُّغم من تلك النقطة المضيئة، فقد صار واضحًا أنَّ بوبي وهيلين قد بدأا يتقبَّلان طريقة إدارة العمل ويعتادان وضعَهما الجديد. فقد مضى عليهما سنةٌ ونصفُ السَّنة وهما يتابعان الأرقامَ شهرًا إثْرَ آخر، ويراقبان المبيعات وهوامشَ الأرباح الإجماليَّة حسب كلِّ صنفٍ من مبيعاتهم. كما أنَّهما صارا يُتابعان ما يقرُبُ من عشرةِ بنودٍ من بنود التكاليف. وقلتُ لهم: ’’إنَّ من الطبيعيِّ أنْ تزدادَ التكاليفُ بالتَّدريج مع نموِّ الأعمال. كُلُّ ما عليكما أنْ تقوما به هو أنْ تَكونا على علمٍ بذلك، وأحيانًا، قد لا تستطيعان تَجنُّبَ ذلك‘‘. غير أنَّ بوبي كان على مستوى التحدِّي، كما أنَّ هيلين قد صارتْ أكثرَ ثقةً بالعمل بمرور الوقت.

أنت تسأل ونورم يجيب

عزيزي نورم،

عمري الآن أربعةٌ وثلاثون عامًا، وأكافحُ في سبيل النهوض بعملي وازدهاره. إنِّي أشعرُ وكأنِّي أقفُ على حافَةِ هاوية، وأنا أحاولُ الإبقاءَ على العملِ مُتَماسكًا وأنْ أبنيَه في الوقت نفسه. لقد ارتكَبْتُ أخطاءًً في الإعلانات وفي إدارة النَّقد وعلى كلِّ صعيدٍ آخرَ أيضًا. سمِّه ما شِئتْ، فقد نسفتُ كلَّ شيء. أعتقدُ أنَّ أقوى ميزةٍ لديَّ في هذا الوقت هي رغبتي في تَحَمُّل الألَم. وأرجو أنْ تُعوِّضَ تدفُّقاتي النقديَّةُ ما فوَّتَتْه حماقتي قبل فوات الأوان.

سكوت (Scott)

عزيزي سكوت،

إنَّ رسالتَك الإلكترونيَّةَ تُعيدني إلى الوراء عندما بدأتُ أوَّلَ مشروعٍ حقيقيٍّ لي وأنا في الثالثة والثلاثين من العمر، لذا فأنا أُدركُ تمامًا كيف تشعر. صَدِّق أو لا تُصدِّق، إنَّك تمرُّ الآنَ بتجرِبةٍ ستَعودُ إليها ذاكرتُكَ يومًا ما بمقدارٍ عظيمٍ من الإحساس بالحنينِ إلى الماضي. إنَّها تجرِبةٌ تعكسُ مُكََوِّناتِ شخصيَّتك الحقيقيَّة. كُلُّ أملي ألَّا تفشلَ تجرِبتُكَ. غيرَ أنَّه إذا فشلَتْ، فإنَّك ستَتعلَّمُ بعضَ الدُّروس المهمَّة، وأنا متأكِّدٌ بأنَّ مشروعَك التاليَ سيَتكلَّلُ بالنجاح. لذلك اصمدْ وثابِرْ.

نورم

Page 6

الكتلةُ الحرِجة

(2)

إنَّه لخطأٌ بالغٌ أنْ تَدَعَ نفسَكَ تسترخي في إدارة أعمالك- أي أنْ ينتابَكَ شعورٌ بأنَّك نجَوتَ بنفسكَ من الغابة وصرتَ في سلامٍ وأمان. أنا هنا لا أتحدَّثُ بشأن بدايات المشاريع فقط، وإنَّما أقصدُ الشركات بمختلف أحجامها وفي أيَّة مرحلةٍ من مراحل نموِّها. أقولُ هذا لأنَّ عالَمَ الأعمالِ يشهدُ تَغيُّراتٍ أساسيَّةً، وهذه التغيُّراتُ قد تكون إيجابيَّةً وقد تكون سلبيَّة. إنَّ الأعمالَ التجاريَّةَ بالنسبة إليَّ هي كائناتٌ حيَّة، والكائناتُ الحيَّةُ تتغيَّر. فالناسُ يَتغيَّرون والأشجارُ تتغيَّر. وهكذا تتغيَّرُ الأعمالُ أيضًا. قد تتغيَّرُ الأعمالُ لأنَّ الزبائنَ يطوِّرون احتياجاتٍ جديدة، أو لأنَّ الأعمالَ نفسَها تتوجَّهُ إلى نوعٍ آخرَ من الزبائن، أو بسبب دخول منافسٍ جديدٍ إلى السوق. فقد تكونُ هناك أسبابٌ كثيرةٌ للتغيُّر. غير أنَّ هذه التغيُّرات قد تحصلُ وقد لا تُدركُها في بداية الأمر. إنَّ هذه التغيُّراتِ غالبًا ما تكونُ خَفيَّة. إنْ كانت التغيُّراتُ سلبيَّةً ولم يتسنَّ لكَ الاطِّلاعُ عليها بسرعة، فإنَّها قد تدمِّرُك.

كان ذلك في ذاكرتي عندما جعلتُ بوبي وهيلين يبدأان في متابعة أرقام أعمالهما. لم أكُن أفكِّرُ في صمودهم الفوريِّ فقط، وإنَّما أردتُ أن أرى من البداية كيف يتغيَّرُ العملُ حتَّى يُدركا التغيُّراتِ التي لا بُدَّ أنْ تحدُثَ فيما بعد. غير أنَّه كان لي هدفٌ آخرُ أيضًا. رُغم كلِّ شيء، كنَّا ندركُ أنَّ مشروعَهما لن يبقى مشروعًا مُبتدِئًا إلى الأبد. كنَّا نريدُ أنْ نُقَدِّرَ متى ستَنتهي مرحلةُ البداية ويصلُ المشروعُ إلى المرحلة التي أُسَمِّيها الكتلةَ الحرجة.

أقصد بذلك تلك العتبةَ التي يَعبُرُها كلُّ مشروعٍ جديدٍ ناجحٍ إنْ عاجلًا أو آجلًا. وهذا يعتمدُ في العادة على وصولِ عنصرٍ أساسيٍّ في العمل إلى مستوًى معيَّن. وقد يكونُ هذا العنصرُ حجمَ قاعدةِ الزبائن، أو عددَ الزبائن المنتظمين. وهناك نحو عشرة أنواعٍ مختلفة للكتلة الحرجة. ولكن مهما كانت المتغيِّرات الموجودة، فإنَّها جميعًا تهدفُ إلى الغرض نفسه في أيِّ مشروعٍ مهما كان نَوعه، ألا وهو الوصولُ إلى مرحلةٍ يتحقَّقُ فيها تَدفُّقٌ نَقْديٌّ يتجدَّد ذاتيًّا ويغطِّي التكاليف. ولا أقصد تغطيةَ التكاليفِ على أساس الربحِ أو الخسارة، إنَّما أتحدَّثُ بشأن الوصول إلى وَضْعٍ يكونُ فيه النَّقدُ المُوَلَّدُ شهريًّا كافيًا لإدامةِ المشروعِ ومساعدته على النموِّ من دونَ الاضطرارِ إلى اللُّجوءِ إلى مصادرَ خارجيَّةٍ لضخِّ استثماراتٍ جديدة.

هذه هي نقطةُ التحوُّلِ الرئيسيَّةُ في كلِّ مشروعٍ جديد. وقبل الوصولِ إلى مرحلةِ الكتلةِ الحرجة، يكونُ المشروعُ مثلَ مغامرةٍ غَضَّةٍ يعتمدُ بقاؤُها على رأسِ مالٍ خارجيّ، وكأنَّ حَبْلَها السُّرِّيَّ لَمْ يُقطَعْ بعدُ. أمَّا بعدَ مرحلةِ الكتلةِ الحرجة، فإنَّ المشروعَ يستطيعُ الوقوفَ بالاعتمادِ على نفسِهِ ويصير مؤسَّسةً تُعيلُ نفسَها بنفسها، ولدَيها القدرة على شقِّ طريقها في عالَم التِّجارَة. وهذا هو هدفُكَ التالي بعد أنْ تُحقِّقَ الصُّمودَ والنموّ. إنَّ التحدِّيَ الأساسيَّ هو تحديدُ أين سينتهي خطُّ الأهداف.

لقد قَرَّرنا، مثلًا، أنَّ الكتلةَ الحرجةَ لمشروعِ بوبي وهيلين هي ذاتُ صلةٍ وثيقةٍ بقاعدة زبائنهما، لا سيَّما عدد زباِئنهما الدائمين. وقد رأيْنا أنَّ الزبائنَ يميلون، بمرورِ الوقت، إلى تعزيز صلتهم بهما ويجدِّدون الطَّلبياتِ منهما من دون جهودٍ منهما. ربَّما يكونُ بعضُ الزَّبائنِ بحاجةٍ إلى حَفزِهم بواسطةِ رسالةٍ بالفاكس أو بمكالمةٍ هاتفيَّة. وتبعًا لذلك، عندما تصيرُ قاعدةُ زبائنِ بوبي وهيلين عريضةً بما فيه الكفاية، فإنَّهما سيَعرفان أنَّهما سيُحقِّقان مبيعاتٍ تكفي لتغطية التكاليف التي يتحمَّلانها. إنَّ السؤالَ الآن هو: ما حجمُ قاعدةِ الزَّبائنِ التي ينبغي تحقيقُها للوصولِ إلى تلك المرحلة؟ حَسنًا، لو تَسنَّى لكَ معرفةُ أنَّ الزبائنَ المنتظمين يُعيدونَ تقديمَ طلبيَّاتٍ على فتراتٍ مُنتظمةٍ إلى حدٍّ بعيد، فإنَّك تستطيعُ ترجمةَ عَدد الزبائنِ إلى حجمٍ معروف من المبيعات. وبعبارةٍ أخرى، إنَّك تستطيعُ تقديرَ عددِ صفقاتِ المبيعاتِ التي ستَحصل عليها من قاعدة الزبائن هذه خلال فترةٍ زمنيَّةٍ محدَّدة، ولْنَقُلِ السنةَ التالية. لا أقول إنَّكَ ستُحقِّق المبيعاتِ نفسَها لهذه المجموعة شهرًا بعد شهر، غير أنَّ الشهُورَ الجيِّدةَ ستُعَوِّضُ الشهورَ السيِّئة. ونظرًا إلى أنَّنا نعرفُ هوامشَ الأرباحِ الإجماليَّةِ لبوبي وهيلين؛ ونعرف أيضًا نفقاتهما ونسبةَ الديون المعدومة، وكَم من الوقت احتاجا إلى جَمْع مستحقَّاتهما ودَفْع التزاماتهما، استطعنا أيضًا تَوَقُّعَ التدفُّقاتِ النقديَّةِ التي سَتُولِّدُها تلكَ المبيعات.

إذا كان في وُسعكَ تأسيسُ علاقةٍ بين التدفُّقِ النقديِّ والمبيعاتِ وبعضِ العناصرِ الأخرى، فإنَّكَ تستطيعُ تحديدَ الكتلةِ الحرجة بكلِّ سهولة. إنَّ كُلَّ ما هو مطلوبٌ منك أنْ تَعملَ من الخلف إلى الأمام. مع بوبي وهيلين، عَرَفنا التدفُّقَ النقديَّ الشهريَّ الذي كان عليهما أنْ يُحقِّقاه في المُعدَّل، حتَّى يستطيعَ مشروعُهما أن يَعتمدَ على نفسه، كما استطعنا ترجمةَ ذلك الرقم إلى معدَّلٍ شهريٍّ للمبيعات. وبعد ذلكَ حسَبْنا فقط حَجْم قاعدةِ الزبائنِ اللازمةِ لإنتاجِ تلكَ المبيعات. كانت تلكَ هي كتلتَهم الحرجة، وحالما وصلا إلى هذه الكتلةِ الحرجة، فإنَّهما لَم يَعودا يعتمدان على أرصدةِ هيلين المصرفيَّة لاستعمالها ككفالاتٍ لهما. ما كان عليهم سوى المحافظةِ على قاعدةِ زبائنهم، على افتراضِ أنَّه لن يَحدُثَ تغيُّرٌ أساسيٌّ في أعمالهما.

بعد المرورِ بنقطةِ الكتلةِ الحرجة، فإنَّ نَماءَ المشروع يصيرُ مسألةَ خِيار. ومن الواضح أنَّ هذا تغيُّرٌ رئيسيٌّ عمَّا سبق، وإنْ كان تغيُّرًا متَوقَّعًا وتغيُّرًا إيجابيًّا، رغم أنَّه تَغيُّرٌ له انعكاساتٌ رئيسيَّةٌ أيضًا. إنَّه يفتحُ أمامَكَ عالمًا كاملًا من الاحتمالات التي لم تَكُن تَجرؤُ حتَّى على التفكير فيها في أثناء مرحلة التأسيس. ما دام اعتمادُكَ في العملِ كان مُنصَبًّا على رأس مالٍ خارجيّ، فإنَّ همَّكَ الأساسيَّ هو بناءُ المشروع الذي بدأتَ تأسيسَه وتعزيزه. فعليكَ مثلًا أنْ تكونَ بالغَ الحذر في تجريب منتجاتٍ أو خدماتٍ جديدة وخَوض غمارها، على الأقلِّ حتَّى تكونَ قد توسَّعتَ في مشروعكَ الأساسيِّ إلى الحدِّ الذي يُمكنكَ الوصولُ إليه. إنَّكَ لا تستطيعُ تَحَمُّلَ عواقبِ المجازفةِ بالتَّجريب، فلا تتوفَّرُ لديكَ وَفرةٌ من الوقتِ ولا من المال. وهذا يُعيدُنا إلى تلكَ المبادئ التي تحدَّثتُ بشأنها، وهي جميعًا تنبعُ من الحقيقة الأساسيَّة المتمثِّلة في أنَّك تعملُ برأسِ مالٍ محدود. فعليكَ أنْ تفعلَ كُلَّ ما في وُسعك حتَّى تصلَ إلى مرحلةِ الصمودِ والنموِّ قَبْلَ أنْ ينفدَ رأسُ مالك.

خُذْ هذه الحقيقةَ في حسبانك، وستتغيَّرُ الصورةُ بِرمَّتها أمامك. فلن تعودَ تجازفُ بمُدَّخراتكَ ولا بقروضٍ مصرفيَّة، ولا برأس مالٍ يُدفَع لكَ من مستثمرين آخرين. بعد أنْ تَمُرَّ بنقطةِ الكتلةِ الحرجة، فإنَّ اعتمادك سيَكون تَمامًا على أموالٍ يُوَلِّدُها مشروعُكَ نفسُه. وستَتوفَّرُ لديكَ أرباحٌ سَتُودِعُها في أحد البنوك. ربَّما تُقَرِّرُ أنْ تستثمرَ بعضًا منها في المشروع، وأنا أعتقد أنَّ هذا لا بُدَّ منه. ومن المهمِّ أنْ تستطلعَ ميادينَ جديدةً، ولا سيَّما إذا كانت لديك قاعدةٌ عريضةٌ من الزَّبائن. كما أنَّكَ قد تلجأُ إلى الحصولِ على بعضِ القروضِ التي سيَكونُ في مقدوركَ سدادُها من أرباحك. على الرُّغم من أنَّ في هذا بعضَ المجازفة، فإنَّ مشروعَكَ صار مستقرًّا وصارت لديكَ قدرةٌ على المجازفةِ وتجريبِ ميادينَ جديدة؛ ذلكَ لأنَّكَ ستُجازفُ بأموالِكَ الخاصَّة وليس بأموالِ الغيْر أو أموالٍ مقترَضة. عندما تستثمرُ أموالَكَ بذكاء، فإنَّه ستكونُ لديكَ الفرصةُ لمساعدةِ نفسكَ وزبائنكَ ولتعزيزِ أعمالكَ وتقويَتها. ولأنَّكَ مَررتَ بنقطةِ الكتلةِ الحرجة، فإنَّ في مقدوركَ استغلالَ الأوضاع والمجازفةَ من دون تعريضِ مشروعك للخطر.

لا أقصدُ أنَّكَ تستطيعُ أنْ تتصرَّفَ بِتَهوُّر. للأسف، فإنَّ كثيرًا من أصحابِ الأعمال لا يتردَّدونَ في التصرُّفِ بتهوُّرٍ بعد أن يكونوا قدِ اجتازوا نقطةَ الكتلةِ الحرجة. إنَّهم يُساقونَ إلى ذلك بمزيجٍ من الحظِّ والحدْس، لكن من دون استيعابِ آليَّات أعمالهم ولا عقليَّات المبيعات. إنَّهم يمارسونَ التهوُّرَ مهما كانت الأوضاع، وفي حالات مثل هذه تُفلِتُ عقليَّةُ المبيعات لديهم من لجَامها. وهنا تظهُر مجموعةٌ جديدةٌ من المشاعر لتَسودَ الموقف. إذ يَضْعُف الخوفُ ويشعرُ أصحابُ الأعمالِ بالإثارةِ والابتهاج والحماس الذي يقتربُ من الإحساسِ بالنشاطِ والخِفَّة. إنَّهم يُلقُون بالحذرِ وراء ظهورهم ويتصرَّفونَ دُون أدنى اعتبارٍ لِما قد ينجُم عن تصرُّفاتِهم من أخطار. إنَّهم يَودُّون اقتناصَ أيَّة فرصةٍ تَلوحُ أمامهم، وإذا كان عملُكَ الأساسيُّ قويًّا بما فيه الكفاية، فإنَّكَ تستطيعُ أنْ تَأمَنَ العواقبَ لمدَّةٍ معيَّنة. وستَجدُ نفسكَ، عاجلًا أو آجلًا، وقد ورَّطتَ نفسَك في إشكالاتٍ ما لم تتقيَّدْ بالتَّعليمات وتبقى متابعًا للأرقام، لأنَّ الأرقامَ تُساعدُكَ على موازنة مشاعرك. إنَّها تَحُول دون أنْ يؤدِّيَ النجاحُ إلى إصابتكَ بالغُرور. كما أنَّها تُذكِّركَ بأنَّ النَّقدَ المتوافرَ لديكَ قد يكونُ ناشئًا عن نشاطاتِ مشروعك، لكنَّه ليس بلا حدود، ومن الممكنِ أنْ يَنفدَ بسهولة.

لذلكَ ينبغي أنْ تحافظَ على نفسِكَ من الانجراف، كما أنَّ عليكَ أنْ تتعلَّمَ كيفيَّة تَجنُّبِ اتِّخاذِ قراراتٍ عاطفيَّة. هذه عمليَّةٌ تستغرقُ وقتًا طويلًا، غير أنَّها مُهمَّةٌ جدًّا. في عالَم الأعمال، يجب أنْ تحاوِلَ أنْ تكونَ موضوعيًّا وواضحًا بقدرِ الإمكان حولَ ما تَنوي فِعلَه، وسبب قيامك به، والعواقب التي قد تنشأُ عن هذا العمل. كما أنَّكَ تستطيعُ استعمالَ أدواتِ العمل كي تُساعدَك في القيام بذلك، وكي تُساعدَكَ أيضًا في رؤية الأمور في مَوضعها الحقيقيّ. وفي النِّهاية ربَّما تُقرِّرُ أنْ تَنساقَ وراءَ عواطفِك، غير أنَّ هذا يكونُ على الأقلِّ مَحْضَ اختيار.

وهذا ما كان بوبي وهيلين يسعيان إليه في السنوات الثَّلاث الأولى. فقد كانت أمامَهما حُزمةٌ من الخياراتِ للانتقاءِ من بينها. ما السرعةُ التي أرادا أنْ ينموَ عملُهما وَفقًا لها؟ ما الحجمُ الذي كانا يسعيان إلى الوصول إليه؟ هل كانا يريدان استخدامَ موظَّفين معهما؟ كُلُّ هذا كان مَتروكًا لهما. عند تلكَ النقطةِ كانا يمتلكانِ جميعَ الأدواتِ التي كانا يحتاجان إليها لاتِّخاذ قراراتٍ حكيمة.

الأهمُّ من هذا كُلِّه، أنَّهما حقَّقا الهدفَ الذي رسَماهُ لأنفُسهما عندما باشرا العملَ في مشروعهما. في السَّنة الثالثة من العمل، حقَّقا مبيعاتٍ بمبلغِ ٤٨٢,٠٠٠ دولار، بعد أنْ كانت حصيلةُ البيعِ في السَّنةِ الأولى ١٦٢,٣٠٠ دولار فقط. كما أنَّ متوسِّطَ هامشِ الرِّبح الإجماليِّ كانَ ثابتًا عند ٣٩%. لقد صارا يتمتَّعان بالاستقلال المادِّيّ.

قالت هيلين وهي تتأمَّل في الأيَّام السابقة: ’’إنَّه لأمرٌ مُضحكٌ أنْ ترى كيف تغيَّرتِ الأمور. قبل بضعةِ شهورٍ سألَني بوبي عن رأيي فيما لو عُرِضَتْ عليه العودةُ إلى وظيفته السابقة، وعندها أجبتُه: إنَّ ذاك مستحيل. فأنا لا أريدُ أنْ أعودَ لأكونَ تحت رحمةِ أيِّ شخصٍ آخر مرَّةً أخرى. لماذا نعطي مواهبَنا للآخرين؟ إنَّ لدينا الذَّكاءَ الذي يُمَكِّنُنا من الاهتمام بشؤوننا. وفوق ذلك، فإنِّي أعتقدُ أنَّنا الآنَ نتمتَّعُ بالأمانِ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى‘‘.

قال بوبي: ’’إنَّك لن تشعرَ بالأمانِ ما دُمتَ تعملُ لمصلحة شخصٍ آخر. إنَّها حقيقةٌ، ولا سيَّما في ظلِّ الأوضاع التي نعيشُها حاليًّا. انظُرْ إلى جميع أصدقائِنا الذينَ سُرِّحُوا من وظائفهم. قلتُ لها: «ذلك لن يَحدُثَ معي مرَّةً أخرى». وأحسَسْتُ بأنِّي غايةٌ في الاطمئنانِ من هذه الناحية‘‘.

قالت هيلين: ’’هناك أمرٌ واحدٌ كان يقولُه بوبي باستمرار. ومع الوقت، تبيَّن أنَّه كان على صوابٍ فيه: كان يقول: »لا يوجدُ الأمانُ في الوظيفةِ نفسِها، وإنَّما في الثِّقةِ التي تَشْعرُ بها في نفسِك»‘‘.

هتفتُ قائلًا: ’’يا إلهي! لم يَعُدْ قائمًا شيءٌ اسمُهُ الأمانُ الوظيفيّ. إنَّ الأمانَ الوحيدَ الموجودَ هو إحساسُك أنتَ بقيمَتك، ومعرفتُكَ كيف تكسبُ رزقك‘‘.

قالت هيلين: ’’لقد قالها حتَّى عندما كان يعملُ لمصلحة شخصٍ آخر. أمَّا أنا فقد كنتُ دائمًا أعتقدُ أنَّ ذلكَ كانَ واحدًا من أقواله التفاؤليَّة. ولكن أَتَدري؟ لقد تَبَيَّنَ أنَّ ذلكَ كان صحيحًا‘‘.

Page 7
الخلاصة
 
النقطة الأولى: لا تَدَعْ عواطفَكَ تقودُكَ إلى اتِّخاذِ قراراتٍ متسرِّعةٍ قد تجعلُ تحقيقَ أهدافكَ أصعبَ عليك.
 
النقطة الثانية: تأكَّدْ بأنَّك تُدركُ المعنى المقصود بالتدفُّقِ النقديّ، وفكِّر جيِّدًا ومُقَدَّمًا في المصدرِ الذي يَتَأتَّى منه.
 
النقطة الثالثة: اضْبطْ عقليَّةَ المبيعات وحافِظْ على توازُنها مع العقليَّةِ التجاريَّةِ قَبلَ فوات الأوان.
 
النقطة الرابعة: تعلَّم أنْ تتوقَّعَ التغيُّراتِ التي تَحدُثُ في نشاطِكَ التجاريّ، وتعرَّفَ بها من خلالِ تنمية إدراكٍ جيِّدٍ للأرقام.
Page 8

الفصل الثاني
المعلوماتُ الصحيحة
خلال السنوات التي كنتُ فيها مُرشدًا في إدارة الأعمال لبوبي وهيلين، عَمِلتُ أيضًا مع عددٍ كبيرٍ من الأفراد الذين كانوا يحاولون بَدْءَ مشاريعَ جديدة، ومع عددٍ أكبر أيضًا من الناس الذين بدأوا مشاريعَهم بالفعل. غالبًا ما كان يسألُ هؤلاء الأفراد عمَّا يَلْزَمُهم لكي يكونوا مُستثمِرينَ ناجحين. وكُنتُ في العادة أخبرُهم بأنَّ أهمَّ صفةٍ يجبُ أَنْ يتحَلَّوا بها هي أَنْ يكونوا قادرين على الصمود والنهوض بعد السقوط. إنِّي أتحدَّثُ بشأن القُدرة على النهوض بعد الفشل والالتفاف حول الأوضاع غير المواتية والإفادة من الأخطاء.
ذلك لأَنَّ الأمرَ الطبيعيَّ أنْ يُخطئ المرء، والناس يَقَعون في كثيرٍ من الأخطاء. والأدهى من ذلك أَنَّنا نستمرُّ في الوقوع في الأخطاء ما دمنا نعمل. يَطيب لنا بالتأكيد أَنْ نصل إلى مرحلةٍ نتصوَّر فيها أَنَّنا صرنا أخيرًا نتمتَّع بالخبرة والحِنْكَة إلى درجةٍ تجعلنا نتفادى الوقوعَ في أخطاء. اصرفِ النظرَ عن تَصَوُّر كهذا، فإنَّك لن تَصلَ أبدًا إلى مرحلةٍ تضمنُ فيها عدم الوقوع في الأخطاء. نستطيع أَنْ نأملَ أنْ تكونَ أخطاؤنا الجديدة ليست تكرارًا لأخطائنا السابقة، رُغم أَنَّها ستكون مؤلمةً بالدرجة نفسها، كما أنَّها ستُثيرنا أيضًا بالقَدر ذاته. تصيبُك هذه الأخطاء بالقلق والاضطراب، إلَّا أَنَّ من المهمِّ أنْ تضعَ نُصبَ عينَيك أَنَّ الفشل هو أفضلُ مُعلِّمٍ مُلازمٍ لك. سيَكون تقدُّمُك جيِّدًا ما دمتَ منفتحًا على تَقَبُّل الدروس التي تستخلصُها من الفشل.
سأوُرِدُ مثلًا نموذجيًّا من تجرِبتي في شركة تخزين السجلَّات التي أَسَّستُها يومًا ما- شركة سيتي ستوريج (City Storage). لا زلتُ أذكرُ جيِّدًا تلك اللحظة قبل عدَّة سنوات والتي اكتشفتُ فيها أَنَّنا فَقَدْنا فيها واحدًا من أكبر زبائننا. كان ذلك في الساعة الخامسة من بعد ظُهْر أحد أيَّام الجُمَع. (لسبب ما كثيرًا ما يحدثُ مثلُ ذلك في الساعة الخامسة من بعد ظُهْر يوم جمعة، أي في نهاية أسبوع العمل). اتَّصلَ بي أحدُ رجال مبيعاتنا وأنا في السيَّارة ليخبرَني بأنَّه كان قد تلقَّى رسالةً بالفاكس من الزبون، وهو مكتبٌ قانونيٌّ رئيسيّ، يخبرنا فيها برغبته في التوقُّف عن استخدام مستَودعاتنا للتخزينَ عند انقضاء مدَّة العقد الحاليّ، أي بعد ثلاثة أشهر.
هنا عليك أَنْ تدركَ أَنَّ نَقْل صناديقك قضيَّةٌ كبيرةٌ في مثل مجال العمل هذا. وليس ذلك مجرَّد إرباكٍ كبيرٍ للزبائن، وإنَّما هناك رسومُ إزالةٍ مختلفة يتحتَّمَ عليهم دفعُها. لذلك فإنَّها رسالةٌ تُطلَق بصوتٍ عالٍ عندما يُقرِّر أحد الزبائن تركَنا. وجاءَتِ الرسالةُ هذه المرَّة على نحوٍ مُباغتٍ تمامًا، وأصابتني بالذهول. قلتُ للموظَّف: ’’نعم! ماذا تقول؟ أيُّها الرَّجُل، كيف يُمكن لنا أَنْ نخسرَ هذا الحساب؟ أخبرني، ماذا حدث؟‘‘
لَمْ يُجبْ رَجُل المبيعات بشيء. كما أَنَّنا لَمْ نُفلح في الحصول على إجابةٍ من الزبون نفسه أيضًا. وقد رفضَ المسؤولون في المكتب القانونيِّ استقبالَنا أو حتَّى التحدُّث إلينا هاتفيًّا. وجاءت الإجابة على رسائلنا العاجلة لهم بطريقةٍ فظَّةٍ ورسميَّة: ’’لقد اتُّخِذَ القرار، وهو قرارٌ نهائيٌّ‘‘.
لَمْ يكن أمامَنا سوى أَنْ نُغمضَ أعيُننا قليلًا ونستجمعَ قوانا. لقد كان الشخص الذي أغلقَ الحساب لدينا قد تركَ العملَ في شركتنا قبل خمس سنوات، ونحن بِدَورنا لم نَبقَ على تواصلٍ مع الزبون كما ينبغي. بعد نحو أسبوعٍ من تَسَلُّم الرسالة بالفاكس قَدَّمتُ اقتراحًا أدَّى في النهاية إلى عَقْد لقاءٍ مع الشريك المدير للشركة، ولكن من دون جدوى. لقد كان الأمر مُنتَهيًا. وتمكَّنَّا من تقديم شروطٍ ماليَّةٍ جيِّدة، إلَّا أَنَّنا لم نتمكَّن من حَلِّ المشكلات التي كانت مختمرةً منذ سنوات. وتَمَكَّن أَحدُ منافسينا من تقديم شروطٍ ماليَّةٍ مماثلةٍ وحصل على العقد مع تلك الشركة.
على هذه الخلفيَّة، دَعَوتُ مديري الشركة ورجال المبيعات إلى اجتماعٍ وخاطَبتُهُم مُستَفسرًا: ’’ما الذي تَعلَّمناه من هذه التجرِبة؟ ما الذي ينبغي لنا فعلُه بطريقةٍ مغايرةٍ في المستقبل؟‘‘ عَلِمتُ أنَّ الدرسَ الحقيقيَّ لم يَكُنْ أَنَّنا قدِ ارتكبْنا أخطاء. فأنت دائمُ الوقوع في الخطأ. لقد فشلنا لأنَّنا انتظرنا طويلًا حتَّى اكتشفنا تلك الأخطاء. لقد قرَّرنا بعد تلك التجرِبة زيارةَ كُلِّ زَبونٍ قبل انتهاء عَقْدِنا معه بثمانية عشرَ شهرًا وتقديم عرضٍ للتَّفاوض على تَوقيع عَقْدٍ جديد. إنْ لاحظنا أنَّ الزبون مُتردِّد، سنَعلَمُ فورًا أنَّ هناك مشكلة، بينما لا يزال هناك مُتسَّعٌ من الوقت لحلِّ تلك المشكلة.
وحالما بدأنا تطبيقَ هذه السياسة الجديدة، اكتَشفْنا أمرًا بالغَ الأهمِّيَّة. لقد كان لدينا زبائنُ غيرَ راضين لكنَّنا لم نكتشفهم من قبلُ. مثلًا، كان أحدُ الزبائن مُحبَطًا بسبب النظام الخاصِّ الذي كُنَّا نتَّبعه في تَوفير المعلومات على شبكة الإنْترنت، فعالجنا الوضع. زبونٌ آخر شَعَر بأنَّه يستحقُّ تَعرِفةَ أجورٍ أقلَّ بسبب الازدياد الكبير الذي طرأ على حَجْم أعماله معنا. وَجَدْنا هذا الزبون على حقّ، عملنا على إرضائه. وزبونٌ ثالث لم تَرُقه جوانبُ مُعيَّنة من نظام الجرْد الذي كُنَّا نتَّبعه، فأجرَينا التغيير اللازم. واستاءَ زبونٌ رابعٌ لأنَّنا لم نكُنْ نرسلُ تقاريرَ شهريَّة، فبدأنا بإرسالها.
وهكذا فَقَدْ أَنْجزنا أربعةَ تحسيناتٍ خلال أربعة أشهرٍ من اتِّباع السياسة الجديدة، حيثُ أرضَينا أربعةَ زبائن وحافظنا على حساباتهم لدينا. لقد أنْجزنا هذه المنافع جميعها من حالة فشَلٍ واحدة. وعلى الأمد البعيد، تَبَيَّن أَنَّ ذلك الفشل كان واحدًا من أفضل الأمور التي جرت في الشركة.
 

Page 9

يوم المرموط

(Groundhog day)

(3)
من الواضح أنْ ليس من المفيد أَنْ تكون قادرًا على الصمود والنهوض إنْ لم تتعلَّم من أخطائك. وهذا يُعدُّ تحدِّيًا كبيرًا عند بعض الناس. إنَّ هؤلاء الناس يُعانون ممَّا أدعوه ’’مُتلازمة يوم المرموط‘‘. لهذه المتلازمة علاقةٌ بالسقوط في أنْماطٍ سلوكيَّة مدمِّرةٍ للنَّفس رُغم أنَّك تنتهي في كل حالةٍ من الحالات المتكرِّرة إلى تلقِّي ضَرباتٍ على رأسك- مِثْل الشخصيَّة التي أدَّاها بيل مُراي (Bill Murray) في فلم ’’يوم المرموط‘‘.

مثلًا، أعرفُ شخصًا أسَّس عملًا لبيع الملابس، فراح يسحبُ مبالغَ ضخمةً من المال لبِناء قصرٍ له ولزَوجته. وعندما بدأ يواجِهُ مشكلاتٍ في أعماله اكتشف أنَّه لم يَعُدْ يملك المواردَ الماليَّة اللازمة لتَحَمُّل هذه المشكلات. وفي النهاية خسرَ قَصرَه وأعماله. ماذا فعلَ بعد ذلك؟ ذهبَ وأسَّس عملًا آخرَ لبيع الملابس، وسار بها نحو النجاح. غير أَنَّه سرعانَ ما عادَ يسحبُ الأموالَ مرَّةً أخرى، فبنى قصرًا آخرَ ثُمَّ واجهَ مشكلاتٍ وخسر القصر والعمل ثانيةً. تجرِبتان مُتتابِعَتان.

إنَّ حالاتٍ مثلَ هذه ليست خارجةً عن المألوف كما قد تعتقد. إنِّي أعرفُ شخصًا آخر دَأبَ في شراء شركاتٍ والحصول على مبالغ ضخمةٍ من مستثمرين لتَشغيلها، ثُمَّ يبدأ يُعطي نفسَه رواتبَ خياليَّة وامتيازاتٍ إضافيَّةً ضخمة تُفقِدُ الشركةَ أيَّة فرصةٍ للنجاح. لقد كان يؤمِنُ بأنَّه يستحقُّ كلَّ دولارٍ يقبضه، إلَّا أنَّه كان دائمًا ينتهي من حيث بدأ: الانكسار. لقد فعلَ هذا خمسَ مرَّاتٍ.

انظر إلى صديقي رالف (Ralph)، وهذا ليس اسمه الحقيقيّ. إنَّ انهيارَه المتكرِّر كان دائمًا يعودُ إلى شَغَفه بالاستحواذ على شركات. إنَّه بارعٌ جدًّا في تأسيس الشركات وفي الوصول بها إلى بَرِّ الأمان، لكنَّه بعدَ ذلك يبدأ في الاستحواذ عليها كالمجنون بحثًا عن مزيدٍ من الفُرص التجاريَّة. وهو مُستعدٌّ لفِعْل أيِّ شيء في سبيل الحصول على القروض التي يحتاجُ إليها- حتَّى لو اضطرَّ إلى التَّلاعب بِبَياناته الماليَّة. لا أقولُ إنَّه يرغبُ في خِداع أيِّ طَرَف، وإنَّما ذلك لأنَّه يُكَرِّسُ نَفسَه للنموِّ في أعماله إلى درجةٍ تُعميه عن حقيقة احتمال أن تسيرَ الأمورُ في الاتِّجاه الخطأ. وممَّا لا شكَّ فيه أنَّه عندما تبالغُ في الضغط في إنجاز العمل، فإنَّ أخطاءً كثيرةً تقع. وسرعان ما كان رالف يجد نفسَه غارقًا في بَحرٍ من المشكلات.

قد تكون هذه الحالات حالاتٍ متطرفةً نوعًا ما. غير أنَّ مُتلازمة يوم المرموط ليست حالةً مَرضيَّةً نادرةً. إلى حدٍّ ما، يوجد لدينا جميعًا عاداتٌ ذهنيَّةٌ معيَّنةٌ وطرقُ تفكيرٍ تقودنا باستمرار إلى المشكلات. ومن الصعب جدًّا تغييرُ العادات وطرق التفكير تلك. ولعلَّ أوَّل أسباب صعوبة التغيير هذه أنَّنا لا نحبُّ أَنْ نعترفَ بأنَّنا أنفسَنا سَبَبُ مشكلاتنا. لا شكَّ أنَّ هناك أشخاصًا أوغادًا آخرين من حولنا- أشخاصًا لم يؤدُّوا ما أردْنا منهم أن يفعلوه. وربَّما هناك عواملُ خارجةٌ عن إرادتِنا. إنَّ من الأسهل إلقاءَ اللَّوم عليهم من أن نتحمَّل مسؤوليَّة الفشل، وبهذا نكون قد أفلَتْنا من حَبْل المشنقة. إلَّا أنَّنا بهذا نكونُ قد تسبَّبنا لأنْفسنا بالأذى. إنَّ أهمَّ الدروس التي نتعلَّمُها في أعمالنا التجاريَّة تأتي من مواجهةِ نقاطِ ضعفِنا والصمودِ في مواجتها.

إنِّي هنا أتحدَّثُ من واقع خِبرتي الشخصيَّة، ولا سيَّما من تجرِبتي في أكبر فشلٍ تجاريٍّ وقعتُ فيه، ألا وهو إفلاسُ شركة البريد في عام ١٩٨٨م. لقد كنتُ بدأتُ من الصفر وأسَّستُ شركة پيرفكت كوريير (Perfect Courier) ونَمَتْ مبيعاتها حتَّى وَصَلت إلى ثلاثين مليون دولار، الأمر الذي أهَّلها لتَبَوُّء موقعها ضمن قائمة ’’إِنْك ٥٠٠‘‘ للشركات الخمس مئة الأسرع نُموًّا لثلاث سنواتٍ متتالية. ومن ثَمَّ دخلتُ في اندماجٍ مع شركة سيتي پوستال (City Postal) ودخلتُ قائمة إِنْك للشركات المئة الأسرع نموًّا في عام ١٩٨٧م. غيرَ أنِّي لم أصِلْ إلى حدِّ القناعة والاكتفاء، فقد كان طموحي الوصول بالشركة إلى رأس مالٍ مقداره مئة مليون دولار. لذلك عندما لاحتْ فرصةٌ سريعةٌ اقتنصتُها ودمجتُ الشركة في عام ١٩٨٧م مع شركةٍ أخرى تُدعى سكاي كوريير (Sky Courier) وكان رأسُ مالِها سبعين مليون دولار.

تَبَيَّن فيما بعد أنَّ شركة سكاي غارقةٌ في المشكلات- مشكلاتٍ كبيرة. فبادِئِ ذي بَدْء، سرعان ما احتاجت الشركة إلى ضَخِّ مبلغ خمسة ملايين دولارٍ نقدًا. قرَّرتُ وقتَها سَحْب المبلغ من شركة پيرفكت كوريير، وهي خطوةٌ لم تكن خطأً بالضرورة. حتَّى لو أفلسَتْ شركة سكاي وتحققَّتْ خسارةُ المبلغ، فإنَّ شركةَ پيرفكت كوريير ستَكون قادرةً على البقاء ومُواصلة النموِّ بمقدار المعدَّل السابق.

غير أنِّي أدركتُ بعدَ ذلك بوقتٍ قصيرٍ أنَّ مبلغَ خمسة ملايين لم يَكُن كافيًا. فقد احتاجَتْ شركةُ سكاي مليونَين آخرَين نقدًا، وقرَّرتُ أيضًا أنْ أسحَبَهما من پيرفكت كوريير. وعلاوةً على ذلك، وافقتُ على رَهن عِدَّة ملايين أرصدة پيرفكت كوريير لمصلحة شركة سكاي وإبقائِها صامدة.

لقد كان هذان القراران خطأَين خطيرَين. فقد عَرَّضا عملي الأساسيَّ للخطر. وأدركتُ وقتَها أنِّي لو خسرتُ الدَّفعة الثانية من الدعم، فإنَّ شركةَ پيرفكت كوريير ستصيرُ شركةً عَرجاء. ولو دَخَلنا في مشاكلَ بخصوص ضمانات القروض، فإنَّ شركةَ پيرفكت كوريير قد لا تعود قادرةً على الصمود.

ولكن رُغم جميع المخاطر، لَمْ أفكِّر في عكس اتِّجاهي قطعيًّا. فلَمْ يَخْطُر في بالي قطُّ أنَّه كان عليَّ أَنْ أفعلَ ذلك. كنتُ واثقًا بأنَّه سيكون في وسعي التَّعامل مع ما يستجدُّ من أحوال. فقد سبقَ ومررْتُ بأحوال عصيبةٍ من قبل وكنتُ أعتقد أنِّي شخصٌ قويٌّ لا يُقهَر. ما لم آخذْه في الحسبان هو حتميَّة وقوع أحداثٍ غير مُتَوقَّعة. فقد جاءَ أوَّلًا انهيارُ الأسواق الماليَّة في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر من عام ١٩٨٧م. وكان من أكثر الأعمال التجاريَّة تأثُّرًا بذلك الانهيار، المطابعُ الماليَّة التي كانت لِشَركة سكاي تَعامُلاتٌ تجاريَّةٌ ضخمةٌ معها. فبَيْن عَشيَّةٍ وضُحاها فقدَتِ الشركة ٥٠% من مبيعاتها. وفي الوقت ذاته، وصلتْ أجهزةُ الفاكس- التي كان مضى على شيوع استعمالها عشرون عامًا تقريبًا- إلى نقطةٍ مهمَّة كان لها تأثيرٌ مدمِّر في أعمال شركات البريد. فبَدلًا من إرسال الوثائق بوساطة البريد المحمول، غَدَتْ أعدادٌ متزايدةٌ من الناس يستعملون أجهزة الفاكس لنَقْل مراسلاتهم. وفي بضعة أشهرٍ هوى حجم أعمال پيرفكت كوريير بنحو ٤٠%.

إنَّ تَضافُرَ عددٍ من العوامل كان شاملًا. وفي شهر أيلول/سپتمبر من عام ١٩٨٨م، طلبتْ شركاتي الحماية من الدائنين بموجب الفصل ١١ من قانون الإفلاس. في الوقت الذي خرجنا فيه من تحت مظلَّة حماية الفصل ١١، كان عدد العاملين لدينا قد تقلَّص من ثلاثة آلاف شخص إلى نحو خمسينَ فقط. كما تقلَّصَتْ مبيعاتُنا من ١٠٠ مليون دولار إلى رقمٍ هزيلٍ هو ٢.٥ مليونًا فقط.

صدِّقوني إنَّها صَدمةٌ ثقافيَّة. وقد مضتْ بضعُ سنين قبلَ أنْ أفيقَ وأستطيع استيعابَ ما حصلَ معي ولماذا جرت الأمور على ذلك النحو. وقد استغرقَتْ هذه العمليَّة وقتًا؛ لأنَّه كان لديَّ بعض الأعذار الجيِّدة. على أيَّة حال؛ ورُغم كلِّ شيء، مَن كان يسعُه أنْ يتوقَّع انهيار سُوق الأسهم بهذه الشدَّة؟ ومَن ظنَّ أنَّ شيوعَ استعمال أجهزة الفاكس سيُوجِّه إلينا مِثْل هذه الضربة وفي الوقت نَفْسه؟ السؤالُ الحقيقيُّ هو كيف صارتِ الشركةُ ضعيفةً أمام هذه التطوُّرات وسريعةَ التأثُّر بها؟

لقد كان أمرًا بالغَ الصعوبة بالنسبة إليَّ أنْ أحوزَ جوابًا شافيًا لذلك السؤال. وكان ذلك يعني الاعترافَ أنَّ الإفلاسَ كان مُرتبطًا بشخصيَّتي وبعمليَّة اتِّخاذ القرار. وأخيرًا ورُغم كلِّ شيء، أجبَرْتُ نفسي على الاعتراف بما كنتُ أعرفُ أَنَّه صحيح. لقد بدأتُ مشروعًا ممتعًا ومأمونًا ومربحًا، ولكنِّي حطَّمتُه بتعريضه لمستوًى من المخاطرة كان يجبُ عدم تعريضه له قطعيًّا. وفوق ذلك، فإنِّي فعلتُها بسبب أمرٍ ما يتعلَّقُ بطبيعتي. فأنا أستمتعُ بالمخاطر وأستمتعُ أيضًا بالذَّهاب إلى حافَة جُرفٍ والنظر إلى الأسفل. تلك هي سِمَتي الشخصيَّة التي كانت وراءَ مُتلازمة يوم المرموط الخاصَّة بي. لقد دفعَتني الأحوالُ هذه المرَّة إلى حافَة الجُرف. ولكن في الواقع كان يجبُ ألَّا أكون قريبًا من الجُرف البتَّة. لقد غامرتُ بطريقةٍ حمقاءَ وعرَّضتُ كُلَّ ما أملُك للخطر. ونتيجةً لذلك، فقدَ المئاتُ من الناس وظائفَهم، وكثيرون غيرهم، وأنا منهم، مرُّوا بكابوسٍ مخيف.

كان من الصعب الاعتراف بذلك كلِّه، غير أنَّه تَبيَّن فيما بعد أنَّ عمليَّة الصمود كانت واحدةً من أكثر التجارِب المريحة نفسيًّا التي مررتُ بها خلال حياتي العمليَّة. لا أقصدُ أنِّي قرَّرتُ تغييرَ شخصيَّتي، فقد كنتُ أدركُ أنِّي لا أستطيعُ ذلك. كما أنِّي لم أكُنْ أرغبُ في ذلك على أيَّة حال. بدلًا من ذلك، بدأتُ أُركِّز على ما أستطيع فعله حتَّى أتفادى التعرُّضَ لتَجرِبة يوم المرموط مرَّةً أخرى. فقد أدركتُ مثلًا، أنِّي نادرًا ما تقبَّلتُ النصائحَ التي كان يُسديها الناس إليَّ. إذ كنتُ غالبًا ما ينتهي بي الأمر بِتَجاهُل تلك النصائح. لذلك فقد بدأتُ أدرِّبُ نفسي على الاستماع إلى الآخرين بشكلٍ أفضل وصرتُ أُقنع نفسي بضرورة تَفَهُّم هذه النصائح على الأقلّ، سواءٌ أَأَخذتُ بها أم لم آخذ. كما أنِّي بدأتُ أسعى إلى الحصول على وجهات نظَرِ أشخاصٍ أحْتَرِمُ حُكمَهم على الأمور ولكنْ ممَّن تختلفُ طبيعتهم عن طبيعتي. وتوصَّلتُ إلى مبادئَ معيَّنةٍ تُملِي عليَّ التفَكُّرَ جيِّدًا في عواقب الأمور قَبْل اتِّخاذ أيِّ قرار.

على أنَّ ما قمتُ به بشكلٍ رئيسيٍّ هو أنِّي عدَّلتُ طريقةَ تفكيري بشأن المخاطر. أرجو ألَّا يُساء فَهمي. فقد بَقيتُ مُحِبًّا لرُكوب الأخطار كما كنتُ دائمًا، غيرَ أنَّ الأخطار التي أُقدِم عليها هذه الأيَّام هي أخطارٌ محسوبةٌ جيِّدًا. وعلى وجه الخصوص، فإنِّي أَحسِبُ جيِّدًا خطرَ أن يفقدَ أحدُ الناس وظيفتَه نتيجةً لقرارٍ أتَّخذُه. وكان هذا من دون أدنى شكٍّ أهمَّ درسٍ تعلَّمتُه في هذا الفصل من حياتي. ومن خلال الإحساس بعذابات الأشخاص الذين يُسَرَّحون من وظائفهم، تمكَّنتُ من تطوير إدراكٍ للمسؤوليَّة المخيفة التي يمارسُها المديرون التنفيذيُّون والتي يتحكَّمون بها في حياة موظَّفيهم.

وانطلاقًا من هذا الفهم جاءَ القانونُ الأساسيُّ الذي أتقيَّدُ به عند دراسة أيِّ قرارٍ مهمٍّ أنْوي اتِّخاذَه. والقانون هو: كنْ أنت دائمًا القائمَ على مصدر رِزْقك بنفسك. فإذا ما كان لديك مشروعٌ تجاريٌّ قائمٌ وتتوافَر له أسبابُ النموِّ والازدهار، عليك أن تضعَ مَصلحةَ هذا العمل أوَّلًا وأن تُحْجِمَ عن اقتراف أيِّ فعلٍٍ قد يعرِّضُه للخطر. لا بأس في الاستثمار بمشروعٍ ينطوي على مجازفة، شريطةَ أنْ يبقى لُبُّ نشاطك التجاريِّ آمنًا حتَّى لو خسرتَ استثمارك بأكملِه ووَقَعتْ بعض الكوارث غير المتوقَّعة. وقد اتَّبعتُ هذا القانون بحرصٍ شديد بعد كلِّ تلك التجارب التي مررتُ بها. ونتيجةً لذلك، فقد صارَتْ تجارتي أكثرَ صحَّة وصرتُ أنا أكثرَ سعادة. وفوق ذلك كلِّه، صرتُ أصحو من نومي كلَّ صباحٍ وأنا واثق بأنَّ اليومَ ليس يوم المرموط، إلَّا إذا كان ذلك اليوم هو يوم ٢ شباط/فبراير.

Page 10

ركِّـز، وركِّـز، ثُمَّ ركِّـز

إلى جانب القابليَّة للنهوض بعد السقوط، والقُدرة على التعلُّم من الأخطاء، فإنَّ أكثرَ ما يحتاجُ إليه صاحبُ المشروع الجديد هو والتركيزُ الالتزام نحو نظام صارم. إنَّ الأشخاص الذين لم يسبقْ لهم أنْ أسَّسوا أعمالًا تجاريَّةً لا يُدركون ذلك. إنَّهم يعتقدون أنَّ سِرَّ النجاح يَكمُن في اكتشاف الفرص الكبيرة. أتذكَّرُ أحدَ أصدقائي القدامى الذي زارني يومًا ما في شركةِ تخزين السجلَّات. لَمْ يكُن قد زارني في الشركة منذ سنوات. عندما جالَ ببصرهِ حوْلَ آلاف الصناديق المحفوظة في المستودع، لَمْ يُصدِّق ما رأى.

هتفَ قائلًا: ’’هذا لا يصدَّق! رأيتَ فرصةً وبين عشيَّةٍ وضُحاها حوَّلتَها إلى عملٍ ناجحٍ. إنَّه مدهش‘‘.

قلتُ لنفسي: ’’إنَّه لا يعرف‘‘. الحقيقة هي أنِّي عند تلك اللحظة كنتُ قد قضيتُ أكثر من عَقْدٍ كاملٍ وأنا أبني ذلك العمل التجاريّ. إلَّا أنَّ كثيرًا من الناس يتَجاهَلون ذلك. إنَّهم يعتقدون أنَّ المستثمرين الناجحين لديهم لمسةٌ سحريَّة، وأَنَّ كلَّ ما يحتاجون إليه هو الفرصةُ المناسبة ووعاء طبخٍ يعمل بضغط البخار، وحينها ستَتحوَّلُ الفرصةُ إلى مشروعٍ ناجحٍ!

تلكَ واحدةٌ من أكبر الأساطير في إدارة الأعمال التجاريَّة، وهي تُودي بكثير من أصحابِ المشاريع التجاريَّة المبتدئين إلى المشاكل. إنَّهم يهدرون الوقتَ والمالَ وهُم يبحثون عن الفرص التجاريَّة على أمَل أنْ يعثروا على فرصةٍ تضمنُ لهم النجاح. إنَّ العالمَ ملآنٌ بالفرص التجاريَّة العظيمة، إلَّا أنَّ أيًّا منها لا يضمنُ النجاح. إنَّ اكتشافَ الفرصِ هو الجزءُ السهلُ من العمل، والجزء الصعب والأساسيّ، هو تطويرُ نظامِ العمل، وتطوير القدرة على الاحتمال للاستمرار في التركيز على فرصةٍ واحدةٍ إلى أنْ تحوِّلَها إلى مشروعٍ مستقرٍّ يستطيعُ الوقوفَ على رجلَين ثابتَين.

هناك مرحلتان لعمليَّة تأسيس المشاريع التجاريَّة يكونُ فيهما التركيزُ أمرًا أساسيًّا. إنَّ الأعدادَ المُبالَغ فيها من الفرص قد تؤدِّي إلى تَشتيت الانتباه، وربَّما إلى حدٍّ قاتل. تبدأ المرحلة الأولى في اللحظة التي تبدأ أنت فيها الاستعدادَ لاتِّخاذ قرارٍ حاسم. إنَّ كثيرًا من الناس يكتشفون أنَّهم غير قادرين على فعل ذلك. إنَّهم يكونون محكومين بالفرص التي يَرَونها أمامهم. أعرفُ عن أناسٍ كثيرين لديهم عَشرُ أفكارٍ تجاريَّة مختلفة وهُم يدرسونهَا معًا في الوقت نفسه. وهم يكتبون لي يريدون منِّي أنْ أخبرَهُم أيُّ واحدةٍ من تلك الأفكار هي الأفضل بالنسبة إلى مستقبل أعمالهم. ودائمًا أجيبُهم:’’إنَّكم تُوجِّهون إليَّ السؤالَ الخطأ، يجب أن تسألوا: ما نوع العمل الذي أريد أن أنْغمسَ فيه؟ ما الأعمال التي أحبُّها أكثَر من غيرها؟ أيُّ الأعمال الأكثرُ ملاءمةً لِما أريد أن أمضيَ بقيَّةَ حياتي وأنا أعملُ فيها؟‘‘.

إنْ كنتَ جادًّا في أن يكون لكَ عملٌ خاصٌّ بك، فإنَّ عليك أن تختارَ فرصةً واحدةً من بين جميع تلك الفرص المتاحة- فرصةً واحدةً تروقُك أكثر من جميع الفرص الأخرى. ثُمَّ عليك أنْ تَدرُسَها بكلِّ عناية. إن كنتَ تستطيعُ تَدبُّرَ أمورك بحيث تُمضي وقتًا وأنت تعملُ في هذا المجال، فإنَّ ذلك سيكونُ من دواعي النجاح. لكنْ، ورُغم كلِّ شيء، يجب أن تبحثَ وتعرفَ أقصى ما تستطيع عن جميع اللاعبين الآخرين في الميدان وحَول الأسرار الحقيقيَّة لمجالات العمل هذه. ويشمُل ذلك الحصولَ على معلوماتٍ من الاتِّحادات المهنيَّة، والتحدُّث إلى أُناسٍ في مجالاتٍ ذات صلةٍ، ولقاء زبائن وغير ذلك.

يجبُ أن تأخذَ في اعتبارك أنَّك تُعِدُّ لمشروعٍ طويلِ الأمد. إنِّي أخبرُ الناس في العادة بأنَّهم يجب أن يخطِّطوا لإعطاء مشروعهم اهتمامًا كاملًا لمدَّة خمس سنواتٍ على الأقلّ. لا أقصدُ أنَّه سيَكون بإمكانكَ أن تهملَ العمل بعد ذلك، ولكن في ممارسة الأعمال التجاريَّة يجب أن تُكَرِّسَ نفسَكَ كلِّيًّا للنَّهْجِ الذي تختارُه إلى أن تصيرَ شركتُك راسخةً وثابتةً، وهو ما يأخذُ في العادة وقتًا طويلًا.

لذلك، فإنَّه من الأهمِّيَّة بمكان ألَّا تُقرِّرَ فقط ما إذا كنتَ ستَستَمتعُ بعملكَ أم لا، وإنَّما ما إذا كان ذاك العمل مُجْدِيًا لكَ أيضًا. هل تتوافَرُ لديكَ المصادرُ والمهارات التي تحتاج إليها لتنجحَ في ذلك العمل بالذَّات؟ أأَنتَ واثقٌ بأنَّ المشروعَ الذي ستقومُ به سيوصلُك إلى الهدف الذي تسعى إليه؟ ستجدُ أنَّ من الصعب الإجابةَ عن هذه الأسئلة ما لم تكُنْ مركِّزًا على فرصةٍ واحدةٍ محدَّدة ومستبعِدًا الفرصَ الأخرى من اهتمامك.

على أنَّ التحدِّيَ الأكبر سيَظهرُ أمامك في المرحلة اللَّاحقة بعد أن تكونَ قد اتَّخذتَ قرارَك وبدأتَ مشروعك الجديد. عندها ستكتشفُ سريعًا أنَّ هناك مزيدًا من الفرص حولك وأمامك، أكثر ممَّا كان يخطرُ في بالك. وستجدُ كثيرًا من هذه الفرص مُشجِّعةً ومُغرية. وإن لم تكنْ حريصًا بما فيه الكفاية، فإنَّك ستفقدُ تركيزَك على الفرصة الأساسيَّة، وستفقدُ بذلك طَلْقَة النجاح المتاحة لك.

يجب أنْ ينحصرَ تفكيرُك في أثناء مرحلة التأسيس في فرصةٍ واحدةٍ فقط. وهنا أتحدَّثُ بشأن فرصةِ إقامةِ قاعدةِ زبائنَ تساعدُ في جَعْل العمل مُجدِيًا، أي قابلًا للوُقوف على قدمَيه اعتمادًا على التدفُّقات النقديَّة التي يُوَلِّدُها بنفسه. عليك أوَّلًا أن تحدِّدَ نوعيَّة الزبائن التي ستُوفِّرُ لك مثل هذه القاعدة وكيف تستطيع أن تستقطبهم. وبعد ذلك، عليك أن تركِّزَ بلا كَلَلٍ ولا مللٍ على بناء هذه القاعدة.

وهذا ليس بالأمر الهيِّن، ويحتاجُ إلى قَدرٍ كبير من التقيُّد بالقوانين، وهو ما لا يتمتَّعُ به معظمُ الناس غريزيًّا. أعِدْ الاطِّلاع على تجرِبة بوبي ستون التي استعرضتُها في الفصل الأوَّل، وهو يُمثِّلُ عيِّنةً نموذجيَّةً للناس. إنَّ معظمَ المستجِدِّين في تأسيس المشاريع التجاريَّة يواجهون صعوباتٍ في قدرتهم على التركيز. إنَّهم لا يُدركون أنَّ عنصرَي الوقت والمال غالبًا ما يكونان عنصران محدودان في مرحلة التأسيس. ولا يحتمل المشروع، أيُّ مشروع، التَّفريط بأيٍّ منهما. أرجو الانتباه: لا أقصدُ أن أقولَ إنَّك يجبُ أنْ تَتَجاهَل الحقائق. ورغم أنَّه لا بُدَّ من المحافظة على التركيز على أهدافك، فإنَّك يجبُ أن تتمتَّع بالمرونة كما يجبُ أن تحافظَ على هامشٍ لحرِّيَّة الحركة. فرُغم كلِّ شيء، قد لا يكونُ أسلوبُك أسلوبًا ناجحًا.

إنَّ الأسلوبَ الذي اتَّبعتُه بادئَ ذي بدء في شركة تخزين السجلَّات لم يؤدِّ بي إلى النجاح. فعندما شرَعنا في العمل، لم نتمكَّن من تجميع كثيرٍ من المعلومات من العاملين في المجال نفسه. وكانَتِ النتيجةُ أنَّ كثيرًا من المعلومات الأساسيَّة اللَّازمة للتَّأسيس كانت تَنقصُنا. فقد كُنَّا بحاجةٍ، مثلًا، إلى معرفة الكيفيَّة التي نسعى بها وراء الزبائن، واحتجنا أن نعرف مستوى الأجور التي يجب أن نتقاضاها. وفي شركة توزيع البريد، كان العملُ ناجحًا جدًّا لأنَّنا تمكَنَّا من تقديم أسعارٍ منافسة وخدمةٍ راقية، واستعملنا أحدثَ ما توصلَّتْ إليه التكنولوجيا، ولذلك قررتُ اتِّباع الأسلوب نفسه في هذا العمل.

كانت الفئةُ المستهدَفة من الزبائن بالنسبة إلينا هي شركاتِ الخدمات القانونيَّة وشركاتِ المحاسبة. نَصَبْنا أكشاكَ عَرْضٍ في المعارض التجاريَّة التي كان يَحضُرُها مديرو مكاتبهم. وكان هذا أولى خطوات النجاح التي حقَّقناها. فقد وعدناهم بخدماتٍ لم يحلُموا بها من قَبْل، وبالأسعار ذاتها التي كان يتقاضاها منهم مُنافِسونا في الميدان. كانت تلك الأسعار في الواقع أقلَّ بكثيرٍ من الأسعار التي كنَّا نطمحُ إليها، غير أنَّها كانت مرتفعةً لتُحقِّقَ لنا ربحًا معقولًا. تخيَّلوا ماذا حصل. لم نحصل على أيَّة لقمة، ولا حتَّى على زبونٍ واحد. كان علينا أَنْ نُغيِّرَ أسلوبَنا في البيع والتَّسعير قبل أن نتوصَّل إلى مُعادَلةٍ معقولة.

القضيَّة هي أنَّك لا بدَّ أن تُحافظَ على التركيز على هدفك ولكنْ لا بدَّ أيضًا من أن تتحلَّى بالمرونة. لن يكونَ في مصلحتِك أن تسمحَ لتَعدُّدِ الفرص أن يشتِّتَ انتباهك، ولكنَّك لا تستطيعُ أيضًا أن تبقى منغلقًا وتتجاهلَ علامات الاضطراب. ولا بدَّ أن تظهرَ مثل هذه العلامات. إنَّ من النادر جدًّا أنْ تسيرَ الأمور في أيِّ مشروعٍ تجاريٍّ على النحو الذي كنتَ تتصوَّره عندما بدأتَ مشروعَك. عليك أَنْ تَحسبَ الأمور جيِّدًا لتعرفَ كيف يمكن أنْ يسيرَ المشروع إلى الأمام. عليك أنْ تراقبَ، وتستمعَ للآخرين، وتستفسرَ وتجرِّبَ وتُغيِّرَ وتشذِّبَ أفكارك وتُطوِّرَ قاعدةَ زبائنك باستمرار. هذا هو محور عمليَّة بناء الأعمال التجاريَّة. وبإمكان معظم الناس النجاح في هذا شريطةَ عدم فقدانِ التركيز وهُم سائرون على الدرب. وسيَكون هناك مردودٌ عالٍ في النهاية، وسيصير مشروعك من ثَمَّ قويًّا حتَّى إنَّه لن يعودَ بحاجةٍ إليك. وعند ذلك سيكونُ في وسعك أنْ تسعى وراء فرصٍ تجاريَّةٍ أخرى قد ترغب فيها أكثر.

أنت تسأل ونورم يجيب

عزيزي نورم،

عندما كنتُ في المرحلة الثانويَّة، كنتُ أنا وأبي نصنعُ قِطَعَ أثاثٍ ونبيعُها في المعارض الحِرْفيَّة. كان من الممكن أنْ ينموَ عملُنا ويكبر بسهولة، إلَّا أنَّ والدي لم تكُن لديه رغبةٌ في ذلك. والآن نتدارسُ أنا وأخي غير الشقيق مَوضوعَ تأسيس عمل تجاريٍّ لتَصنيع الأثاث نستطيع في المستقبل أَنْ نُطوِّرَه ونصلَ به إلى أن يكونَ شركةً كبرى. غير أنَّ مشكلتَنا هي أنَّه يساورنا الشكُّ حول مدى قدرتنا على تنفيذ ذلك. كيف لشَخصين من بيئةٍ متواضعة أن يتغلَّبا على صعوبة تَصَوُّر نفسَيهما في وَضْعٍ مختلفٍ كلِّيًّا عمَّا عرفاه طوالَ حياتهما؟

جايس (Jace)

عزيزي جايس،

يبدو أنَّك تتصوَّر في مخيِّلتك الشركةَ التي تسعى إلى تأسيسها. أعتقدُ أنَّك في الواقع إنَّما تواجه مشكلتَين أُخرَيين. إنَّك، أوَّلًا، لا تُقَدِّرُ نفْسَك حقَّ قَدْرِها، فأَنْتَ تعرفُ في التجارة والأعمال أكثرَ ممَّا تتصوَّر. كما أنَّك، ثانيًا، تنظرُ إلى أبعدَ ممَّا يجب في هذه المرحلة. قَبْل أن يصيرَ لديك مصنع، يجب أَنْ يكونَ لديك عملٌ تجاريّ. وكلُّ عملٍ تجاريٍّ يبدأُ صغيرًا. نصيحتي هي أن تضعَ أنتَ وأخوك خُطَّةً تُحدِّدان فيها الوضعَ الذي توَدَّان أن تَصِلا إليه خلال خمس سنوات. ثُمَّ حَدِّدَا هدفًا جيِّدًا لتَحقيقه على المدى القصير. ربَّما تتَّبعان خطوات والدك وتبيعان إنْتاجَكُما في المعارض الحِرْفيَّة. ومن خلال عمليَّات البيع ستُكَوِّنُ كثيرًا من العلاقات. أخبِرِ الناس الذين تتعامل معهم بأنَّك تَنوي تَوسيعَ عملك وتحويله إلى شركةٍ صناعيَّة. قد يُظهِرُ بعضُهم اهتمامًا بمساعدتك. ابحثْ أيضًا عن أشخاصٍ كانوا قد أسَّسوا مشاريعَ تجاريَّة من قبل فقد يكونون مثل مُعَلِّمِينَ لك. إنَّ نشأتَكَ كطفلٍ في بيئةٍ فقيرةٍ لا تُشَكِّلُ عائقًا في الأعمال التجاريَّة.

نورم