eKtab
EN ع
البرزخ، نجمة في سفر
Read free sample

البرزخ، نجمة في سفر

by فريد رمضان

Page 1
أقف قرب جسدي،
 
يبدو ناصعاً وجميلاً، ممدداً في وحدته· لا بد وأن أكون قد مت، ذلك أن تراباً كثيراً كان قد ترك قربي، تراباً ناعماً أحمر، لم أكن في كفنٍ، كنت أرتدي فستاناً جديداً أعددته لعيد الأضحى الذي كنا ننتظره أنا وأختي مريم قبل أن تحل علينا الكثير من المصائب، كنت أقول لها ونحن عند الخيّاطة: لا تُقَلدي ثيابي، فهي للحظة لا يمكن لك أن تعرفيها، لقد فصلّتها لتلائم هذا الوقت الذي أتمدد فيه ألآن· أتمدد، وأبصر كل شيء من حولي· أحسُ بالمكان الذي كان معتماً من قبل وهو يتسع أمام حواسيّ المتفتحة· ترابٌ ناعم ورّطب· أوراق شجر اللوز الصفراء التي تسوقها ريح خفيفة، قرب جسدي الممدد· الشجرة الضاربة بجذورها في هذه الأرض، جذعٌ ميتٌ، أغصان عارية تتحرك برفق كلما داعبتها الريح·
 
في الأفق تبدو مقبرة المحرق ناهضة بعظام موتاها، وأنين قبورها عن سطح الأرض المنبسطة· خلفها تبدو أسوار قاعدة الانجليز العسكرية وهي تحرسُ مطار المحرق الصغير·
 
من هنا، حيث دعابة المكان المتسع لبضعة بيوت متناثرة حتى شاطئ البحر، والبساتين المتباعدة، تتشكل قرية البسيتين، وهي تحتضن أصحابها المتفاقمين في الكسل·
 
في هذا المكان المتسع يمكن لي أن أطلق أسر طفولتي التي مضت دون أن أترادف معها بصدق، وأهبط عن جسدي الممدد لأصل ما منع عني منذ ذلك الدم المراوغ·
 
أيُّ حجر سيغطي جسدي؟
 
والمكان بفطرة ترابه الأحمر الناعم يخلو من أرض صلبة أو أحجار بحرية خشنة الأطراف·
 
أصوات أصوات··
 
ومسافاتٌ تغري بحركة حيوان، تدفعه شهوةٌ عميقة تجاه جسدي الممدد، المبسوط على الأرض، قرب حفرته التي لم يلتحم بها بعد· يقترب في حذرٍ، يتشمم رائحة يعرف مصدرها جيداً· أشعر بخوف منه فأحاول طرده بأن أقذف عليه نعالي المتروكة قربي، ولكن مشهد اقترابه من جسدي أثار فضولي، ذلك أن حيواناً مثل هذا يقترب بثقة من جسدٍ آدمي، فهذا يعني أنني ميتة· تشمم رائحتي ثم أخذ يلعق وجهي، فصحتُ به حانقة:
Page 2
- ماذا تريد مني أيها الثعلب؟
 
- يجب أن تعودي·
 
- لتنحدر الأرض قليلاً فأراه·
 
- ترين موتك؟
 
- لا، بل أراه هو·
 
- ياللحماقة، ستضيعين وقتك هكذا·
 
- ليس هناك وقت، فأنا ميتة·
 
- لا، لقد سهرت كثيراً على روحك، حتى عافتني أنثاي، تركت أرضي البعيدة وجئت إليك مرسلاً، أبذل لك كل ما تستحقينه من حب·
 
- ومن ألم أيضاً·
 
- سوف تعود روحك· ثمة أمور عديدة ينبغي انجازها قبل أن تقرري رحيلك المفاجئ، وفي مثل هذا السن المبكر·
 
- لقد كبرت، ألا يثيرك جسدي؟
 
- لا، إنه لم يختبر الأنوثة بعد· مازلت صبية يا سارة، انظري هنا، لقد دعوت هذا الطائر ليحكي لك ما ينبغي القيام به لمواجهة أصعب الأمور التي يمر بها المرء أحياناً، حتى تلك التي عجزتِ عن فهمها·
 
التفتُ نحو الطائر، كان يشبه البوم، ولكنه كان أكثر بهاءً ورقة، تقدم نحو جسدي الممدد، ثم وثب على صدري، نقره بخفة فتمزق الفستان تحت منقاره الصغير، نقر مرة أخرى فبدأت أشعر بألم خفيف يدب في جسدي وبرعشة تسري في أوصالي، فتحت عيني فقال لي الثعلب:
Page 3
- انهضي فهناك العديد من الأمور التي لم تنجز حتى الآن·
 
ولكني بعناد مقصود أغمضت عيني رافضة، فقال بإصرار:
 
- حتى جسدك لم يكتمل نموه، انهضي علكِ تزدهرين مع الأيام·
 
لن أسأل هذين المراوغين عما أود أن أعرف، يكفيني أن أتركهما في عبثهما لأرى جسدي وهو يرتفع قليلاً·· قليلاً، وأنا ممددة هناك مع أوهام ثعلب عافته أنثاه، وهو يحاول أن يفسر لي أسباب اختفاء كائن يدحرج أرواحنا في أقفاص مظلمة دون سبب واضح· جسدٌ ثابتٌ لا يتمايل ولا يسقط، يرتفع فأرى بيوت قريتنا، أرى البحر ينسحب عن شاطئها، وحقولاً جافّة أشجارها ونخيلها· أرى سماء تقترب من ظلمة في داخلي، تشعلها بنار حارقة، أقول لجسدي المرتفع إنني هنا، مازلت أعّدُ أبواب بيوت قريتنا، وكل مرة أستدرك أخطائي الحسابية أبدأ بالعدّ من جديد، أغمض عينيَّ على أفقٍ كل ما فيه رخيمٌ وغامض يرتفع الجسد ببطء، فتتضح لي بصعوبة بالغة أرض يابسة وسط مياه غامرة، لا أستطيع أن أتبين فيها موقع بيتنا أو قريتنا أو أي مكان أعرفه· أقول في سري: إنها البحرين، تبدو مثل خيمة كبيرة تلملم تحت ظلها العديد من البشر· أنسى نفسي قليلاً، فأعرف بأنني مازلت ميتة، فاقول: لأنتظر حتى ينجز هذا الطائر مهمته التي أرسل من اجلها· ولكي يقوم بذلك ينبغي علي أن أنتظر حتى تدبّ الحركة في أطرافي ·
 
ظللت هكذا
 
في سكون موحش لزمن طويل ولم تتحرك أطرافي
 
فايقنت بانني قد مت·
 
وأنني هناك،
 
مع أبي·
Page 4
النجمــة
 
- كان الأجدى بك أن تكوني صبياً ؟·
 
رمى قربي المعْوَل والمِحْفَار ومشى· كنتُ أعرف هذا مسبقاً، كثيراً ما كان يقف أمام أمي ويردد ذلك دون أي اعتبار لي، أنا الصبية التي لا تكف عن رؤية أمنية أبيها المؤجلة·
 
في الساحة الواسعة ، كان يبدو كمن يقود قطعاناً من الشواهد التي تحابيه، تلتصق بخطواته وهو يمر حولها، شواهد مزينة بزجاجات ماء الورد الفارغة· لم يلتفت إليّ ، كان يعرف بانني قادمة خلفه، تشغلني أمُّ سُليمان*، وهي تندس في أحد الشقوق المنتشرة بين القبور، وحشائش الصبار·
 
أمشي خلفه مثل ريح تحمل رائحة الفقد، مثل ندوب تنتشر في وجهه· يبدو عليه تعب السنوات، هذا أبي، رجل في الخامسة والاربعين من عمره، جئنا إليه، وهو منشغل في حفر القبور وغسل الموتى· لم تكن نجمته ساطعةً، ولم تظهر في سماء صافية، نجمته مطفأة وبعيدة في قرار السماء، لذلك لم ترأف به الأيام ولم تعذره· جاء إلى البحرين مثلما يأتي النزع الأخير، طافحاً، مُخيفاً، يترك حيرته أمام كل الجالسين·
 
في ليال الصيف الطوال، وقبل أن نفرش مراقدنا فوق السطح؛ لنتخفف بالرطوبة والطّل، يظل يطالع السماء ويناجي نجمته: أيتها البعيدة هناك دليني على الطريق· هكذا تحكي أمي التي تزوجته، وهو في الثانية والثلاثين· رجل قذفت به الحكاية ليغسل الموتى ويحفر القبور في مقبرة المحرق· جاء به أبوه من عُمان، تركه عند ساحل قرية البسيتين، في رعاية رجل يلقب بالخال، كان أسوداً، يغسل الموتى على انغام محمد عبدالوهاب وهو يغني أغنية "الدنيا سيجارة وكأس ، للي هجروه الناس"، يضع جهاز الراديو ويستمع إلى إذاعة صوت العرب، ولايدخل المغسل إلا بعد انتهاء الأغنية، وكثيراً ما كان ينسى نفسه، فيدخل وهو يدندن بالأغنية أمام استغراب الآخرين من أهالي الميت ومساعديه، يدخن دون اهتمام لهيبة الجسد الممدد، ولا للتعاويذ أو البكاء المنتشر في الخارج· ينهمك في عمله مدندناً، يغني ويبكي على ذاكرة مجروحة دفعت به، وهو في الغفلة، نحو عذاب الحب·
Page 5
هكذا وجد أبي نفسه،
 
رجلاً فقد ولادته، فوقف على مشارف نهايات الآخرين من أهالي المحرق، يعريهم وينظفهم، يُطهرهم ثم يلفهم في أكفانهم ويودعهم القبور، مثلما يودع ابتساماته كل صباح، التي أوشكنا أن لا نراها· رجل واهنٌ هلعٌ، طفرت به حكاية غريبة، لم يكف الخال أبداً عن تكرارها عليه، منذ أن كان فتىً أخبره أن نجمته منذورة بغسل الموتى، كان يقول له: ريحك مسحورة منذ جبال عُمان التي نادت على أمك وأبيك، جاء بك إلى البحرين وذهب قبل أن يفوته الموت· كانت أمك تنتظر عودته على شواطئ مطرح** ، قالوا لها سوف تموتين قبل مجيء بَعْلِكِ الذي غاب طويلاً· ولكنه عاد، لملمها وكانت ضعيفة، مهشمة، أخذها للبيت، ثم ذهب يسأل عن رجل وامرأة يغسلان الموتى حتى أصاب بيتهما، دعاهما على وجه السرعة، أدخلهما بيته، أخبر المرأة بأن زوجته سوف تموت بعد قليل، ثم سحب الرجل من يده وقال له: عجل بغسلي، فاستغرب الرجل، ولكنه أدرك بأن هذا الرجل ممسوس بساحرات متحفزات لوحشة قصية، لن يقدر البيت على احتمالها، فرفع أزاره وشده على بطنه، وبدأ بغسل الرجل الذي كان قد فارق الحياة·
 
هذا أبوك يا عيسى،
 
تحمل اسمه المكتوب في اللوح المجيد،
 
له ما ذهب من الوقت، وما يأتي من الغيب·
 
هكذا ذهب بعيداً عنه، وهو في عامه العاشر، غادرا متخففين من أثقال الوحشة قرب سواحل تحاصرها جبال قصية، تقذف كل مساء بكائناتها في وجه الخلائق المسحورة بما وراء الأمواج، فيصعدان السفن محملين بعزلة تسبق الوحي والموت وتتماثل للجبال العمانية، وهي تبعث باطيافها الشاهقة لتنثال في مياه الخليج·
 
وقف بثقة العارف، تناول المعْوَل وبدأ يحفر· التفت إليّ يستعجلني فتركت أمَّ سُليمان تنجو بنفسها، وركضت إليه، يثقلني المِحْفَار فأجّره بين القبور غير مكترثة بهيبة المكان· طالعني ولم يتكلم، كنت أعرف ما لنظراته من معنى يجترح الكلام· النظرات التي دائماً ما تطمئنني بمكوثي اليومي معه وسط المقبرة، ونادراً ما كنت أرد عليه بابتسامة القبول التي يفرح حين يراها واضحة في تقاسيم وجهي· كان يريدني دائماً أن ابدو له ذلك الصَبِيِّ الذي يتمنى· صَبِيٌ دون شكل واضح، يرتدي ثوبه المتسخ ويحمل في جيبه فَخَّاً خشبياً لصيد الطيور· صَبِيٌ لا يخاف وحشة المكان، ولا ترهبه العظام التي تظهر أحياناً وهو يحفر القبور·
Page 6
أبٌ وابنته، معْوَلٌ ومحْفَار، فخاخٌ وطيور، قبورٌ ولهاث، ريحٌ ناعسةٌ وسماء رخامية لا تنسى غيومها، صِنوُ الموت والضوء·
 
هو الأب، دليل الموتى،
 
وأنا ابنته وارثة الدرب·
 
أحفر وأزيح الحجر،
 
العب بما يصادفني من العظام،
 
اصطاد الطيور بالفَخَّ الذي صنعه لي·
 
كثيراً ما أشعر بتلك الحسرة التي تعصر شوائكه، وتكون حيرتي كبيرة في أن أكون سبب صمته الدائم· ماذا يمكن أن يتبقى لنا غير وجهه الذي يشبه أبوقردان، عينان دائريتان صغيرتان وفكٌ بارزٌ يزداد مع امتداد الأنف الطويل· هذا الوجه الذي كنت أعتقد دائماً بأنه يخفى خلفه وجهاً آخر لطالما تمنيت أن أراه، الوجه الذي يقدر أن يرفعنا إلى أماكن أعلى تبعدنا عن هذا العمل اليومي الذي اخاف كثيراً أن يلازمني مثلما لازم أبي ويلازم أمي منذ أن تزوجا·
 
لم أسأله لمن سيكون هذا القبر، إذ هو نفسه لا يعرف أحياناً هويَّة الجسد الذي سيوارى هنا، ولم تكن أسئلة مثل هذه تثيرني كثيراً· تناولتُ المِحْفَار، وبدأت بإزاحة التراب فغمرتني فجأة رغبة ملحة بمعرفة هويَّة الميت الجديد فرفعت رأسي وسألته:
 
- هل هو صغير يا أبي؟
 
- إنه صغير الجثة فقط· أنت لاتعرفينه، لقد صادف وأن قابلته عدة مرات في المسلخ، يسمونه سلمان الوحش، مع أنه ليس وحشاً، كنت أراه وهو يمسك خرُوفاً بيدٍ وينحره باليد الأخرى· كان كثير المراهنات وكثير الربح، الله يرحمه، راهن ذات مرة التاجر منصور بذبح وسلخ خرُوف ضخم جيء به من خارج البلاد· في المرفأ استطاع الخرُوف الهرب فتبعه سلمان في كل أزقة المحرق حتى قبض عليه ونحره أمام عيون المارة·
Page 7
- وكيف مات ؟
 
- المرض ياسارة هو القادر على ذبح أقوى الرجال، يضرب القلب، فيعجز الجسد عن مقاومته·
 
- وماذا أصابه؟
 
- احفري ·· لقد جُذِم الرجل ياسارة ، بدأ بكتفه فتجاهله، انتشر في أطرافه ثم أكل جسمه كله· جاءت له سيارة المستشفى الامريكي ، أخذوه عندهم وحجروا عليه كي لا يُعدي الآخرين· زوجته التي تذهب إليه قالت بإنها كانت تسمع صوته وهي خارج أسوار المستشفى، لم يدعونها إلى زيارته، كان يواصل صراخه الذي يشبه العويل، يحاول استدراج الحياة· لكنها خانته فمات، يتقاسمه الألم والذعر· سوف تأتي به سيارة المستشفى وتلقيه في الحفرة خوفاً من العدوى·
 
الشمس تنهب من التراب رائحة العرق الغزير الذي يتساقط من جبهة أبي، ونحن جالسَين ننظر بدهشه إلى عمال المستشفى الأمريكي وهم يدفنون الرجل الذي انتهينا من إعداد قبره· حين أنهوا مهمتهم السريعة القوا التحية على أبي وأسرعوا إلى سيارتهم وغادروا الموقع فحملنا معاولنا وأغراضنا وسرنا عائدين إلى البيت·
 
في طريق عودتنا لم نتبادل الحديث، كنت أشعر برأسي خفيفاً يتحرك في كل الاتجاهات، يتحرك مع أنفاسي المتعبة التي لا استطيع أن أمسك بها إلا حين أتكئ بثقلي على المْعَول وأزفر بعضاً من تعبي· يطالعني أبي دون أن يقول شيئاً سوى أن يدندن بأغنية على غير عادته، لم يكن مهموماً أومخنوقاً من رائحة المقبرة، كان منتشياً على غير عادته· أمشي خلفه وأعد خطواته السريعة، أعد وأحصي كم من الوقت يجب أن يقضيه هذا الرجل في دفن هذا العدد الهائل من البشر القاطنين في المحرق، أهي خطيئته أم خطيئة جدي الخال الذي ألقى بنا بين تراب أصفر وغبرة الموت التي تحاصرنا كل نهار، كل نهار·
 
دخلنا البيت، كانت أمي تهم بالخروج من الحمام مبللة، تحمل أختي مريم التي بلغت الرابعة من عمرها· ألقيت بالمعول عند مدخل البيت، حيث وضع أبي بقية العّدة· اتجهت نحو غرفتي، وأنا أحمل شعوراً بالنجاسة بسبب التراب العالق بجسدي، من غرفة أبي كان الراديو يذيع أغنية تقول كلماتها:
 
شربت الكأس من مبسم حبيبي
 
ولا ظنيت أنا بالكأس باسكر
 
يلوموني ولايدرون مابي
 
والله أنا ما سويت منكر***
 
_______________________
 
*** اغنية شعبية للفنان البحريني يوسف فوني
 
** مطرح: مدينة ساحلية في عُمان
 
* أمُّ سليمان: نوع من أنواع السحالي·
Page 8
حين نزعت ثوبي،
 
كان جسدي الصغير مطرزاً بحبات التراب الصفراء التي وجدت لها مكاناً رخواً لتسكن فيه· فللتُ شعري، تركته ينزل فوق كتفي ويغطي شيئاً من ظهري، كنت خفيفة مثل رائحة لا يحدها شكل أو مصدر، أجتهد في تعليق ثيابي النظيفة فوق المسمار الذي وضعه لنا أبي كمشجب داخل الحمام· فتحت الحَنَفِيَّة، كان الماء دافئاً، أسكنت جسدي تحت هديره، ينزل عليّ خفيفاً وهانئاً، يحقق لي دعابة مثيرة، فأشعر أنني وريثة هذا الماء الرحيم الذي يعزلني عن المهام التي أؤديها يومياً مع أبي·
 
أُمرر يدي على جسدي لأساعد هذا الرخو على إبعاد ما تبقى من تراب عالق به، أُلامس نهديّ، أرى الحلمتين النافرتين بلونهما الوردي الداكن، فأستثير مواقع أخرى منه، أتمادى في ملامسة فخذيّ وتحسس ذلك الزغب المثير، الذي نبت مؤخراً· لم يكن جسدي هكذا حتى عهد قريب، في الشهر القادم سأبلغ الثالثة عشرة· فجأة أحسست بهذه التغيرات، وهي تجتاح جسدي، وكأنني كنت في نوم ثم يقظة، ثم اكتشاف لجسد غير متسامح مع نفسه، جسد مسحوب من طفولة ناعمة إلى مواقع عميقة تقترب في فضح أبعادها الخاصة، بعد هذا النوم الذي يغير الأجساد أمرتني أمي بعدم اللعب مع أبناء قريتنا لأنني كما تقول قد دخلت أبواباً لا أعرف أصحابها، وينبغي عليّ أن أكون أكثر اتزاناً في مشيتي، وأقدر على معرفة الآخرين الذين أجهلهم، والذين يهبطون علينا مثل ليل طويل، مخيفون، ويحملون بين جوانبهم حكايات غريبة تملأنا بالتوتّر الذي لا ينتهي حتى يبتعدوا·
 
في الشهر القادم سأبلغ الثالثة عشرة، ويداي مازالتا في التراب، أحفر لبشرٍ لا أعرفهم ولايعرفونني، أختبر أجسادهم من حديث أبي ومن وصف أمي وهي تحكي عن الموتى من النساء اللاتي تقوم بغسلهن مع صديقتها شريفة· لم أعرف لحياتي وظيفة أخرى غير أن أشارك أبي في ذهابه اليومي إلى مقبرة المحرق، يشاركنا أحياناً جاسم، ابن شريفة· نراقب الطيور، نتحين صيدها بفخاخنا الخشبية· أو في عزلتي وحيدة بين قبور ساكنة دون حراك· حنيني إلى حاجة أجهلها تزداد ضراوة وأنا أراقب نموّي، نظرات أبي، همسات أمي، عيون أبناء قريتنا، وخاصة جاسم· هل أبدو مخيفة إلى هذا الحد، أم أن ثمة أشياء أخرى لا أراها·
 
الماء ينزل على جسدي·
Page 9
الماء فقط،
 
الماء الذي يلامسني بحنانٍ
 
ساخن
 
وطريّ·
 
هل للماء علاقة برعشة الموت، قلت لنفسي، الماء الذي يرافقني كلما مسني تراب المقبرة الشديد الصفرة، أو لرائحة الكافور التي تعبق بالمكان وكأنها عالقة بأنفي، يرافقني الماء وأنا أتابع نهديّ في نموّهما· تحرص أمي على سؤالي عن المواعيد المتأخرة، فلا أرد عليها، أو أتجاهل أسئلتها التي لم أكن أفهم معظمها، وأخجل من الأخرى· أسمع أبي ينهرها، ويؤكد لها بأن جسدي مازال فتياً على ذلك ، وأن بنيتي النحيلة ستؤجل كل المواعيد التي يمكن لها أن تلتقي مع جسدي في طفرته السخية· أخبر أمي عن الألم الذي في صدري فتطمئنني وتحدثني باقتضاب، وهي تهمس في أذني خوف أن يسمعنا أبي أو مريم عما سوف يحدث لامرأةٍ صغيرة في مثل سني، سأعرف وسوف أصبح مثلها كما تقول: امرأة ناضجة، لها جدائل الفصول، ورياح البحر، تغزل كلما هدّها التعب من أحلام صدرها أطفال بلون العنب·
 
على مَهَل، ارتديت ثيابي بعد أن نَشَّفْتُ جسدي عن الماء· دخلت غرفتي، أحكمت إغلاق الباب· غرفتي خالية إلا من حصير من الخوص، وسرير معدني أخبرني أبي بأنه اشتراه من الانجليز الذين يسكنون في القاعدة العسكرية القريبة من قريتنا· قرب النافذة الخشبية ثمة مرآة مطرزة جوانبها برسم طولي لطاووس، في قمة المرآة يبدو اسم الجلالة على شكل دائري، لونه أزرق باهت· تطرق مريم باب الغرفة فافتح لها· تقف عند الباب، تطيل النظر إليّ وكأنها تراني للمرة الأولى· تقول لي بأنني جميلة وإنه علينا أن نذهب لأم حمد الخياطة بعد صلاة العصر لكي نفصّل ثياباً جديدةً لعيد الأضحى· فرحت كثيراً، وصرت أمعن النظر في المرآة إلى صدري فأرى نهدين صغيرين، نافرين، وفستاناً جديداً كما فساتين أمي·
 
في هذه اللحظة كان هناك من يطرق باب البيت، بعدها سمعت أبي وهو يخبر أمي عن موت شريفة، لحظتها صعقت، كيف يموت من يغسل الموتى، وفكرت في أمي، وهي تستقبل شريفة، جارتنا التي تأتي كل صباح؛ لتفطر مع أمي وتقضي معظم النهار معنا، وهما تنتظران خبر وفاة أية امرأة من نساء المحرق، فيأخذان معهما عدتهما، ويقوم أبي أو سنان، ابن شريفة، بتوصيلهما في عربة يجرها الحمار، إلى منزل أهالي المتوفاة· نظل أنا ومريم وابنها جاسم، وهو ذو شعر أجعد أصفر، بانتظار حكاياتهما التي ستأتيان بها بعد الانتهاء من المهمة التي اعتادتا القيام بها·
Page 10
من سيساعد أمي في غسل صاحبتها· خرجتُ من الغرفة على صوت بكائها، دنوت منها، كان أبي يقول لها:
 
-ماتت لترتاح من آلامها·
 
-لكنه الموت ·
 
-الموت الذي نعرفه يا حصة·
 
دنا مني، طلبني فنهضت، سرنا باتجاه الليوان*، همس في اذني:
 
-منذ أن مرضت شريفة وأمك تغســل الموتي بمساعدة بعض الأهالي، قد نحتاجك هذه المرة، إنها صديقتها وقد تتعب من ذلك ؛ هل تستطيعين مساعدتها؟
 
لم أقل كلمة، جلست في الليوان، أسمع نَشْنَشَةُ فستاني الجديد وهو يُلملم جسدي، فأُخمن إنه قلبي يتدحرج مذعوراً في متاهات غير آمنة، أحصن نفسي في الثوب كي يهدأ قلبي ولكنه يبدو مذعوراً ولست أملك القدرة على إسكاته· أنظر ناحية أمي وهي تبكي وسط الحوش· مريم في صمتها تجلس قريبة منها، وتنظر صوبي، كل شيءٍ كان مُموَّهاً بالحزن فكنا ننتظر الوقت يمرُ بائساً فيستكين قلبي وتهدأ أمي وتكف عن البكاء· ظلت صامتة ثم طَلَبتْ فنجان قهوة فأسرعت به إليها، شَرَبَته، طَلَبَتْ آخراً، ثم التفتت ناحية أبي وسألته من من بنات شريفة سيساعدها على غسل أمهم فاخبرها عني، نظرت بحدة نحوه، ثم سرعان ما التفتت صوبي مستفسرة عن ذلك، فلم ينطق أي منا·
 
- سيأتون بها إلى هنا· قال أبي، ثم أردف:
 
لقد أخبرني ابنها سنان بأن رضيعاته لن يستطعن القيام بذلك·
 
تركتهم في الليوان وعدت إلى غرفتي، وقفت أمام المرآة، لم أجد اسم الجلالة مخطوطاً عليها، استغربت· فكرت قليلاً، هل كان موجوداً من قبل· تناولت المشط وبدأت بتصفيف شعري، لقد كان اسم الله موجوداً، نعم لقد كان باهت اللون أيضاً· ما الذي يحدث، منذ الصباح والأمور لاتسير بشكل طبيعي، شعرت بألم في أسفل البطن، ضغطت بيدي، قد يبدو ريحاً، تساءلت ومكثت أنظر إلى المرآة· عليّ الآن أن أقابل شريفة، المرأة التي عرفتها كأمي واحببتها كأمي، عليّ الآن أن أغسلها، وأعطرها ثم اكفنّها بحنان·
 
حين دخلت عليّ مريم كنت لا أزال واقفة أمام المرآة ووجهي ملتصقٌ بها·
 
- ماذا تفعلين؟ سألتني·
 
- لاشيء·
 
وانتبهت إلى وضعي الغريب، فأبعدت وجهي عن المرآة، كان اسم الله بارزاً في مقدمتها، لم أستغرب·
 
_______________________________
 
* الليوان: وهو فراغ مسقوف من الحوش في الدور الأرضي منتشر في طراز بناء المساكن في دول الخليج ، وعادة ما يستخدم للجلوس خاصة للنساء من أهل البيت·