Page 1
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرحمة المهداة للعالمين النبي الأمين سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وصحبه الطاهرين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد .. فقد قدر لي مولاي سبحانه وتعالى أن أخوض غمار هذا البحث الشائك وأن أبحث في أمر الروح والنفس والجسد والعقل والقلب ، أو بالأحرى مقومات وجود الإنسان ، وربما كان السبب الذي دعاني لذلك هو حب الاطلاع والمعرفة لهذه الأمور وبيانها وتفصيلها بعد أن لم أجد ما يشبع نهمي بهذا الموضوع ، لذلك قمت بجمع بعض الكتب لعلمائنا الأفاضل الذين سبقوني بطرق هذا الباب لتساعدني في ذلك ، وحاولت جاهداً أن أبحث وأتقصى من خلال القرآن الكريم وآيات الذكر الحكيم وما ورد في هذا الأمر من أحاديث رسولنا الكريم محمد ﷺ إلى أن وصلت إلى قناعة تامة بأنه لا بد لي من خوض غمار هذا الموضوع الشائك الدقيق علني أقدم فيه شيئاً جديداً .
لذلك قررت بعد التوكل على الله تعالى أن أكتب فيه راجياً من المولى سبحانه وتعالى أن يلهمني الصواب وأن يجنبني الخطأ وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله في ميزان حسناتي فإن لم يكن فيه جديداً ومفيداً فعسى أن يكون فيه بصيصٌ من نور قد يأخذ به غيري فينميه ويزكيه للأجيال القادمة مشعلاً يستضاء به ، أما فيما يتعلق بهذا الكتاب فقد قمت بالبدء بتأليفه في بداية العام 2004 ميلادي وتم الانتهاء من تأليفه بحمد لله تعالى في بداية الشهر التاسع من نفس العام وقد قمت بإجازته من دائرة المطبوعات والنشر الأردنية بتاريخ 21/6/2005 م ، إلا أنني عدلت عن نشره لأسباب كثيرة منها حساسية المواضيع التي تطرقت إليها خوفاً من الوقوع في المحذور ولأنني أنشغلت بتأليف كتاب آخر ولأسباب أخرى ، إلا أنني وبعد هذا الوقت الطويل عدت لمراجعة الكتاب وإعادة النظر في مضمون ما جاء في بعض الأبواب وتمحيص وتعديل ما احتاج منها إلى ذلك إلى أن استقر رأيي على وجوب نشره على هذا الشكل الذي هو عليه الأن بعد أن أصبح عندي قناعة تامة بأن الكتاب لا يخرج عن نطاق الدعوة والتذكير ، والتفكير المنطقي والبحث عن الحقيقة ضمن الأسلوب الذي لا يتنافى مع الشرع الحنيف ، فما كان من صواب وحق فهو بتوفيق من المولى سبحانه وتعالى قد هداني إليه ، وما كان من خطأ وغلو فهو من نفسي واستغفر الله تعالى عليه ، راجياً منه تعالى التوفيق والقبول وأن يجعله سبحانه وتعالى في ميزان حسناتي يوم القيامة ، والحمد لله رب العالمين .
Page 2
الروح
ما هي الروح ؟ للروح أكثر من معنى كما جاء في معاجم اللغة العربية ومنها ، الروح: ما به حياة الّنَفْس (يذكر ويؤنث) .
وقالوا : الروح هي الّنَفَس وجمعها أرواح وتطلق على القرآن وعلى الوحي ، الروح الأمين وروح القدس : جبريل عليه السلام ،. أما الروح في الفلسفة : فهي ما يقابل المادة . وفي الكيمياء هي الجزء الطيار للمادة بعد تقطيرها كروح الزهر وروح النعناع (1) .
أما الروح التي أريد الحديث عنها فهي أحد عناصر تكوين الإنسان وهي ذلك السر الإلهي العجيب الذي أودعه الله سبحانه وتعالى في جميع مخلوقاته ، فالروح عالم قائم بحد ذاته وهو سر الله سبحانه وتعالى في خلقه ، ونحن لا نعلم عنها إلا القليل مصداقاً لقوله تعالى في محكم التنزيل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء: ٨٥ .
يستطيع الإنسان أن ينحت إنساناً أو حيواناً أو طائراً وبشكلٍ متقن ولكن هل يستطيع البشر أن يجعلوا من ذلك النحت ذا حياه ؟ والجواب على ذلك بالطبع لا ، ولن يستطيع البشر ولو اجتمعوا أن يخلقوا عصفوراً ولا حتى ذبابه مصدقاً لقوله تعالى :{يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٣ – ٧٤ . وقال تعالى : هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ لقمان: ١١ .
قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ الزخرف: ٨٧ ، وقال تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الرعد: ١٦ ، وقال تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الأحقاف: ٤ ، وقال تعالى : أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ النحل: ١٧ ، وقال تعالى :وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ النحل: ٢٠ ، وقال تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ٣٥ .
قبل أن نبحث في ماهية الروح لا بد لنا أن نتحدث أولاً عن آدم عليه السلام وكيف تم خلقه وكيف تم استخلافه على الأرض قال تعالى:إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿٧١﴾فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٧٢﴾ .
Page 3
لقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يضيف إلى المخلوقات التي كانت قائمة وهي الملائكة ، والجن المتمثلين بإبليس صنفاً آخر من المخلوقات وهو الإنسان فسواه سبحانه وتعالى بيده من طين ، وهذا الطين هو المادة التكوينية أو المادة الخام التي تمثل الجسد ، ثم نفخ فيه سبحانه وتعالى من روحه فإذا هو خلق تام .
من هنا نستطيع أن نتعرف على الروح ألا وهي تلك النفخة الربانية التي تجعل الحياة تدب في المخلوقات ، وعليه فلا يمكن أن تكون هناك حياة دون وجود تلك النفخة المباركة ، وهي فقط من اختصاص الله سبحانه وتعالى ومن أمره .
فبعد أن نفخ الله تعالى الروح في آدم عليه السلام تم إيجاد خلق آخر من مخلوقات الله سبحانه وتعالى ألا وهم البشر . ثم أوجد سبحانه وتعالى من هذا الإنسان زوجه وهي حواء التي خلقها الله تعالى من ضلع آدم مصداقاً لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا النساء: ١ ، ولحديث رسول الله : " استوصوا بالنساء خيراً فان المرأة خلقت من ضلع وان اعوج ما في الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لميزل اعوج فاستوصوا بالنساء " (2) .
ثم مر على ذلك الخلق أحداث كثيرة ، فاسكن الله سبحانه وتعالى هذين المخلوقين آدم وحواء الجنّة ، ثم أكلا من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها بسبب وسوسة الشيطان لعنه الله ، ثم اخرجا من الجنة ونزلاء إلى الأرض وتم التزاوج بين الاثنين ومن ثم الإنجاب ، فكانت حواء تحمل في كل بطن ذكر وأنثى فيتم تزويج ذكر البطن الأول من أنثى البطن الثاني إلى أن تكاثرت الذرية وأصبحت على ما هي عليه الأن من تعدد الأعراق والأنساب كما جاء ذلك مبسوطاً في كتب التفسير .
فما هي المراحل التي يمر فيها هذا الخلق من البداية إلى النهاية ؟ معلوم أن كل خلق قد جعل الله سبحانه وتعالى منه زوجين ذكر وأنثى على جميع المستويات ، حتى على مستوى الذرة وهي اصغر ما في الكون والتي برهن العلم الحديث أنها تتكون من زوجين ، الإلكترون والنيترون ، السالب والموجب ، الليل والنهار ، السماء والأرض ، المشرق والمغرب .. إلخ ، مصداقاً لقوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَالذاريات: ٤٩ .
وعليه فان لكل خلق طرفين من الذرة وهي اصغر ما في الكون إلى السماء والأرض، فهي جميعها يجمعها شيء واحد مشترك وهو الزوجية ، والشيء الوحيد الذي لا يندرج تحت هذا الأمر هو وحدانية الله سبحانه وتعالى ، لأن الله سبحانه وتعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد ، ولذلك جاء في الحديث الشريف عن رسول الله والذي رواه الإمام مسلم " إن الله وترٌ يحب الوتر " وكذلك هي أسماء الله الحسنى سبحانه وتعالى فردية لما ورد في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن رسول الله " إن لله تسعاًوتسعين اسماً مائه إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة " وزاد همام عن أبي هريرة عن النبي " انه وترٌ يحب الوتر " (3) .
Page 4
إذاً فكل شيء نشأ من زوجية أو من زوجين أو من طرفين باستثناء الواحد الأحد سبحانه وتعالى وما اختصه لنفسه .
وهنا لابد من البحث في كيفية وجود الإنسان بواسطة التزاوج بعد أن بينّا كيف تم خلق آدم عليه السلام .
أولاً الزواج :
قال تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الروم: ٢١ . لقد جعل الله سبحانه وتعالى من هذه النفس زوجها ، وليس ذلك فحسب بل جعل بين هذين الزوجين المودة والرحمة وسبحان الله العظيم القدير ، فهناك الكثير من الأزواج لا توجد بينهما أي نوع من روابط أو صلة القربى وقد يكون أحدهما من المشرق والآخر من المغرب ، وقد يكون بين قبيلتيهما عداوة إلا أن المودة والرحمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى بين هذين الزوجين تجعل بينهما رابطة قوية تكون في كثير من الأحيان أقوى من رابطة الدم فسبحان الله العظيم .
بعد الزواج يتم الاتصال الجنسي بين الزوجين والذي يكون سبباً للإنجاب فما هي المراحل التي يمر بها الطفل منذ الاتصال الزوجي بين الزوجين إلى أن يتم الإنجاب ؟
هناك طرفين في المعادلة التكوينية والتي يتم بواسطتها تكوين إنسان جديد ، الطرف الأول هو الزوج وهو الذكر الذي يقوم بإنتاج الحيوانات المنوية والطرف الثاني هو الأنثى والتي تقوم بإنتاج البويضة ، والحقيقة التي يجب أن لا نغفل عنها هي أن هذا الإنتاج نطلق عليه مجازاً بأنه إنتاج لأن الحقيقة التي يجب أن لا نغفل عنها هي أن هذا الإنتاج مشروط ومقيد ، أي انه ليس إرادياً يتعلق بإرادة المنتج ذكراً كان أو أنثى لأن الحقيقة إن هناك خالق قادرٌ عظيم يشاء لما كان أن يكون مصداقاً لقوله تعالى : أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ 58 أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ59 الواقعة ٥٨ – ٥٩ . بل أنت يا بديع السماوات والأرض ! ....
فإنتاج المني من الرجل والبويضة من الأنثى لا احد يستطيع إنتاجه بقدرته ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يشاء ويخلق فليس كل مني يصلح للإخصاب وليس كل بويضة تصلح للتلقيح .
الله سبحانه وتعالى هو الذي يشاء ويخلق قال تعالى :{لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاء يَهَبُ لِمَنْ يَشاء إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاء الذُّكُورَ 49 أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ 50}الشورى: ٤٩ – ٥٠ .
فالحيوانات المنوية التي تنطلق من الرجل بعد عملية الاتصال الجنسي تدخل إلى الرحم وتنتقل عبر قناة فالوب إلى البويضة ، هذه الحيوانات المنوية الموجودة في السائل المنوي للرجل تعد بالملايين يقوم حيوان منوي واحد فقط بالوصول إلى البويضة وتلقيحها .
Page 5
بعد مرحلة التلقيح تبدأ مرحلة الاتحاد ما بين الحيوان المنوي والبويضة لتكوين الجنين ، هذه هي المرحلة الأولى لتكوين الجنين وهي ما يسمى بالتلقيح فيصبح في رحم الأنثى بويضة ملقحه يطلق عليها في علم الأجنة ( النطفة ) تلك النطفة تمر بعدة مراحل ، هذه المراحل هي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم بقوله تعالى :يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍالحج: ٥ .
وفي آية أخرى يقول رب العزة سبحانه وتعالى :{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ 12 ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ 13 ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ 14 ثُمَّإِنَّكُمْبَعْدَذلِكَلَمَيِّتُونَ 15 ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ 16} المؤمنون: ١٢ – ١٦ .
هذه الآيات الكريمة من القرآن العظيم تصور تصويراً رائعاً مراحل خلق الإنسان . ففي الآية الكريمة من سورة الحج بين رب العزة سبحانه وتعالى مراحل تطور الإنسان داخل الرحم ثم جاء في نهاية الآية تشبيه حال الأرض قبل وبعد هطول المطر ، فإذا نظرت إلى الأرض قبل نزول المطر عليها تراها هامدة لا نبات فيها ولا خضره كأنما هي ميتة فإذا نزل عليها الماء بأمر رب العزة سبحانه وتعالى تراها كأنما هي تهتز وترتفع وتزكو ، وهذا الوصف هو وصف حقيقي لحال الأرض لأن المطر إذا ما نزل على الأرض اخرج النبات ، وإذا ما خرج النبات من باطن الأرض شق التربة للخروج والنمو فإذا ما نمى حرك جزيئات التربة حوله ، فإذا ما كان النبات كثيراً ازدادت بخروجه حركة جزيئات التربة ، فكأنما الأرض جميعها قد اهتزت لأن النبات بعد المطر يملأ أرجاء الأرض فتزكو الأرض بأنواع النباتات المختلفة . وكذلك هي المرأه فهي أشبه ما تكون بالأرض فإذا ما استقبلت ماء الإخصاب تبدلت وتغيرت فأنبتت من ذلك الماء وأنتجت منه بأمر الله مخلوقاً جديداً ، وكما أن الأرض تنبت من كل زوج بهيج ، كذلك هي المرأة فمنهن من تنجب الأبيض ومنهن من تنجب الأسود ومنهن الأحمر والأشقر ، ومن هؤلاء يأتي العالم والمهندس والطبيب والمفكر والعابد والقائد .
وقد رسمت الآية الكريمة لنا كيفية إخراج الحياة من الموت لأن الأرض الهامدة تمثل صورة الموت ، بينما تمثل الأرض الخضراء صورة الحياة ويقابل هذه الصورةالمستلهمة من الآية الكريمة التي تحدثت عن الأرض وموتها وحياتها صورة أخرى للموت والحياة والتي تمثل إيجاد الحياة من الموت بالنسبة للإنسان أيضاً وتفسر كذلك آية أخرى من القرآن الكريم ألا وهي قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ البقرة: ٢٨ . فقد فسر علماء الأمة من السلف الصالح الموتة الأولى التي وردت في الآية الكريمة بأنها مرحلة الإنسان قبل تكوينه وخلقه ، وهذا تؤكده الآية الكريمة من سورة الحج والتي مثلت الأرض قبل استقبالها للمطر بالهامدة ، والأرض الهامدة هي الأرض الميتة التي لا اثر فيها للحياة ، ورغم أن هذا الموت ليس كلياً إلا انه صورة من صور الموت إذا ما قارنا بين الأرض الهامدة التي لا زرع فيها ولا نبات بالأرض الخضراء المزهرة اليانعة ، وكذلك الإنسان قبل إيجاده كان ميتاً إذا ما قورن به وقد أصبح إنسانا مكتملاً ، وذلك لأننا لو عدنا إلى اصل الإنسان قبل وجوده فهو نطفه ، هذه النطفة قبل تكونها هي عبارة عن لاشيء ( تتشكل تلك النطف في الخصية من خلايا تقع أسفل الكليتين في الظهر ، وهذه النطف عبارة عن حيوانات منوية ) (4) . هذه المرحلة بالنسبة للإنسان تمثل مرحلة الموت أو مرحلة اللاشيء ، ثم أصبح حياً بخلقه جنيناً ثم طفلاً ثم إنسانا مكتملاً ثم يموت موتةً أخرى ويعود إلى التراب إلى أن يبعث حياً عند البعث والنشور .
Page 6
أما في الآيات الكريمة من سورة المؤمنون فقد تطرقت الآيات أيضاً إلى مراحل خلق الإنسان ووصفتها وصفاً بديعاً ، فقد وصفت الآيات الكريمة مراحل خلق الإنسان والموت والبعث والنشور وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل :لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ الأنبياء: ١٠ .
أما ما ورد في السنة النبوية الشريفة عن خلق الإنسان ، فقد قال رسول الله ﷺ: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفه ثم يكون علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغه مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه ، واجله ، وعمله ، وشقيٌ أو سعيد فوالذي لا اله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل ألجنه حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ألجنه فيدخلها " (5) . هذا الحديث الشريف هو مدرسة بحد ذاته لخص مراحل تكوين الإنسان منذ النطفة إلى أن يتم له القدر كاملاً بنفخ الروح وإلى آخر حياة الإنسان ، فمنذ لحظة التلقيح تبدأ مرحلة ألنطفه وهذه المرحلة تمتد لمدة أربعين يوماً وقد ذكر القرطبي في تذكرته أن النطفة تطوف في جسد ألام طيلة الأربعين يوماً .
بعد أن تنتهي المرحلة الأولى تبدأ المرحلة الثانية وهي مرحلة العلقة .
بعد انتهاء طور النطفة وابتداء طور العلقة يستمر هذا الطور أيضاً لمدة أربعين يوماً أخرى ويكون عمر الجنين الذي لم يكتمل بعد هو ثمانين يوماً وبانتهاء مرحلة العلقة والتي سميت بذلك لأنها تعلق بالرحم يبدأ الطور الثالث ألا وهو طور المضغة وسميت مضغة لأنها تكون بحجم اللقمة التي تمضغ من الطعام وهذه المرحلة تستمر أيضاً لمدة أربعين يومـاً ليكمـل الجنين مرحلته الأولى وهي مرحلة الحياة المرتبطة بروح وجسم ألام ، فخلال هذه المدة وهي مدة مائه وعشرون يوماً وهي أربعة اشهر تامة يكون داخل رحم ألام كتلة صغيره تستمد الحياة من ألام وهذه الكتلة تكون تابعة للام الحامل وهذه هي مرحلة الطين التي لا روح فيها وهي تستمد كل مقوماتها من ألام تكويناً وارتباطاً ، وفي اليوم الأخير من الشهر الرابع تبدأ مرحلة جديدة من حياة ذلك الجنين فيرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح.
هذه الرؤية وهذا التفسير مأخوذ من خلال المعنى الذي يفهم من هذا الحديث الشريف بهذا اللفظ ، وهذا ما كنت اعتقده بادئ الأمر وهو ما كان يعتقد سابقاً وهو أيضاً ما بنى عليه علمائنا الأفاضل من السلف الصالح الفتوى بجواز إجهاض الجنين قبل إتمام الأشهر الأربعة الأولى من عمره ، إلأ أنني بعد البحث والتدقيق في هذا الأمر رأيت تعارضاً واضحاً ما بين هذا المفهوم وما أقره علم الأجنة لحديث فيما يتعلق بهذا الأمر ، حيث إن الجنين بعد مرور أربعة أشهر على تكوينه تكون قد ظهرت أغلب أعضائه وأنه لا يمكن أن يوصف بعد هذه الفترة بالمضغة مما يعني أن هناك تعارضاً ما بين هذا المفهوم الذي يفهم من الحديث الشريف بهذا اللفظ وبين ما هو مثبت علمياً وبالمشاهدة ، حيث أن الجنين بعد هذه الفترة يكون قد تشكل واكتملت أعضائه وأصبح جنيناً وليس مضغة .
Page 7
ولأنني أؤمن إيماناً قاطعاً ان الحديث النبوي الشريف لا يمكن أن يخطئ أبداً بحالٍ من الأحوال او يتعارض مع ما أثبته العلم إثباتاً قاطعاً لا يقبل الشك لأنه وحي من عند الله تعالى عدت إلى الحديث الشريف واتضح لي أن لهذا الحديث الشريف أكثر من رواية ومنها قوله ﷺ :( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن امه أربعين يوماً نطفة ثم يكون ( في ذلك ) علقة مثل ذلك ثم يكون ( في ذلك ) مضغة مثل ذلك إلى آخر الحديث الشريف . وعلى ما يبدو أن بعض الرواة قد أسقط جملة ( في ذلك ) المكونة من حرف الجر وإسم الإشارة سهواً مما أدى إلى هذا الفهم الخاطئ للحديث الشريف وهذا بدوره يدل على ما أعطاه الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم من جوامع الكلم ويدل أيضاً على أهمية ودقة كل كلمة ترد في الأحاديث النبوية الشريفة .
حيث أدى سقوط هذه الجملة سهواً إلى تغيير كامل لمعنى الحديث فيما يتعلق بالوقت بالذات ، لأن ( في ذلك ) على الأغلب أو بالتأكيد تعود على الزمن وهو الأيام الأربعين بحيث يصبح مدلول الحديث بهذا اللفظ متماشياً تماماً مع ما أثبته علم الأجنة الحديث ، وكذلك فإن هذه الرواية للحديث الشريف تعطينا المعنى بشكل دقيق ومختلف تماماً عما هو مفهوم بالرواية الأخرى حيث إن ورود جملة ( في ذلك ) في الحديث الشريف تفيد المعنى التالي ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون ( في ذلك ) أي في نفس الزمن أو الفترة أو الأيام المذكورة علقة ( مثل ذلك ) ثم يكون في ذلك مضغة ( مثل ذلك ) . وعليه فإن رسول الله ﷺ قد بين لنا في هذا الحديث الشريف إن هذه الأطوار الثلاثة تكون في الأيام الأربعين الأولى من مرحلة تكون الإنسان بحيث تقسم الأيام الأربعين الأولى بالتساوي على هذه المراحل الثلاث وهذا ما نستدل عليه من خلال قوله ﷺ ( مثل ذلك ) بحيث يكون قوله ( في ذلك ) عائد على الأيام الأربعين وقوله ( مثل ذلك ) عائد على الفترة التي أمضتها النطفة في طورها الأول وهي أكثر من أربعة عشر يوماً وأقل من خمسة عشر يوماً .
وبذلك يرتفع التعارض الذي أشكل ما بين معنى الحديث في الروايتين ويظهر المعنى الدقيق والصحيح والذي يتماشى مع ما أثبته العلم (وقد تكون الروايتان دقيقتان ولكل واحدة منهما استدلالاتها الخاصة، بحيث نفخ الروح في الجنين بعد الشهر الرابع والتي تبدأ الحامل فيه بالشعور في حركة الجنين الفعلية بينما تكون الحركة قبل تلك الفترة هي حركة لا إرادية) والله تعالى أعلم. وسبحان الله العظيم القائل في محكم التنزيل: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًاالإسراء: ٧٧ .
لم تتغير سنة الله تعالى في خلقه منذ خلق آدم ولن تتغير إلى قيام الساعة وهذه رسالة إلى علماء الاستنساخ الذين يدعون أنهم قادرون على استنساخ إنسان من خلية بدلاً من النطفة ليتنبه أولئك الذين يحاولون مضاهاة خلق الله تعالى بالاستنساخ . وهنا لا بد لنا من أن نربط ما بين آدم عليه السلام وما بين بقية البشر وإلى قيام الساعة لنلاحظ أن هناك رابطاً مشترك ، فآدم عليه السلام خلق من الطين وهذه هي المرحلة الأولى في إيجاده وهي الطين ، وبالمقابل فالجنين أيضاً في مراحله الثلاث الأولى وهي النطفة والعلقة والمضغة هي التي تكوِّن المرحلة الأولى بالنسبة لآدم ألا وهي مرحلة الطين ، فالطين هو الأصل في تكوين آدم وما دام أن آدم من الطين فذلك يعني أن كل ما تناسل عنه يعود إلى أصله وهو الطين مصداقاً لقوله تعالى : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ طه: ٥٥ .
Page 8
وهذا هو الرابط الأول ما بين آدم من الناحية الأولى وهي ناحية أو مرحلة المادة ، فالمادة الطينية التي وجد منها آدم يقابلها المضغة التي يتكون منها الجنين من منطلق وزاوية معينة وهي عدم وجود الروح في كلا الطرفين خلال هذه المرحلة ، ثم بعد أن خلق الله تعالى آدم من طين نفح فيه من روحه هذا هو المقوم الثاني من المقومات وهما الوجود أولاً والحياة ثانيا ، وحتى يصبح هناك إنسان فلابد من وجود لهذا الإنسان وهذا الوجود هو وجود مادي وهو الطين بالنسبة لآدم كما أسلفت والمضغة بالنسبة لذريته من بعده وهذا ما يسمى بالوجود، من هنا نستطيع أن ندرك أو نستنبط لماذا حـرم التصوير وبالذات النحت ، لأنك عندما تفعل ذلك تكون قد أوجدت شيئاً لم يكن موجوداً ، هذا الشيء الذي أوجدته لو استطعت أن تركب أو تنفخ فيه روحاً ولن يكون ذلك لأصبح مخلوقاً حياً لذلك حرم التصوير . فقد ورد عن بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال : (( إن اللذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : احيوا ما خلقتم )) (6) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله يقول : (( من صور صوره في الدنيا ، كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ )) (7) . وأنا أرى هنا أن التصوير المنهي عنه الذي عنته الأحاديث الشريفه ليس التصوير الفوتوغرافي أو التلفزيوني وما شابهه ، وذلك لأن هذا النوع من التصوير لا ينتج شيئا جديدا لم يكن موجودا إنما هو تصوير لشيء موجود أصلا أي انه تصوير لمخلوق من مخلوقات الله تعالى ، لذلك فإنني أظن والله تعالى اعلم أن التصوير المنهي عنه هو النحت والرسم ، وهذه ليست فتوى إنما هي دعوة لعلمائنا الأجلاء الكرام للنظر بها ، وما ذكرته إنما هو رأي شخصي اعتقده وأضنه ولا اجزم به وكما قال تعالى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا النجم: ٢٨ أما السبب الذي دعاني لرؤية هذا الرأي هو انك في الأولى وهي التصوير قد قمت بتصوير شيء موجود أصلا وهو في الأصل مخلوق من مخلوقات الله تعالى وبالتالي فانك لم تأتي بجديد ، أما النحت أو الرسم فهو مختلف تماما لأنك بذلك تنتج شيئا غير موجود أصلا ، أي انك أبدعته من خيالك وأوجدته من صنع يدك لذلك يطلب منك أحيائه ولن تستطيع إلى ذلك سبيلا. ثم يأتي الأمر الثاني وهو من اختصاص الله تعالى ومن أمره ألا وهو الروح وسبحانه الله القدير الذي جعل ذلك من قدرته وحده ، فتخيل لو أن الله سبحانه وتعالى أعطانا قدرة الأحياء أو نفخ الروح كما أعطانا القدرة على الرسم والنحت لوجدت هناك مخلوقات غريبة عجيبة لا تعد ولا تحصى ، وتخيل ، لو أن كل من رسم رسماً أو نحت نحتاً أحياه فكيف سيكون الأمر ؟!!!!!!!!!!!! .
Page 9
الله سبحانه وتعالى هو وحده القادر على الإحياء ، وهو سبحانه وتعالى وحده القادر على نفخ الروح ، حتى الأنبياء الكرام الذين أعطاهم رب العزة سبحانه وتعالى معجزة الإحياء لم يمنحهم ادعائها لأنفسهم ، هو تعالى منحهم المعجزة بحد ذاتها ولكنه لم يمنحهم دعوتها لأنفسهم مصداقاً لقوله تعالى على لسان عيسى وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ آل عمران: ٤٩ وقوله تعالى إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌالمائدة: ١١٠ فعيسى عليه السلام أعطي معجزة إحياء الموتى ، وخلق طير من الطين والنفخ فيه ليكون طيراً بإذن الله تعالى ، فمعجزة الأحياء هي من اختصاص الله تعالى لا قدرة لأحد عليها ، وعيسى عليه السلام هو الوحيد من الأنبياء الذي أعطي هذه المعجزة ، وهي معجزة الأحياء كما يروي لنا القرآن الكريم .( ويقال إن الطير الوحيد الذي خلقه عيسى عليه السلام بيده ونفخ فيه من روحه هو الوطواط أو الخفاش )(8).
لاحظ غرابة ذلك الطائر ، فهو أعمى ، وينام معلقا في رجليه ، وأنثاه تحيض وتنجب ، وله أسنان ، وله أظافر ، وجناحه ليس من الريش بل هو من الجلد فسبحان الله العظيم .
أما بالنسبة لإبراهيم عليه السلام فلم يعطى معجزة الأحياء عندما طلب من الله تعالى أن يريه كيفية الإحياء مصداقاً لقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة: ٢٦٠. فلم ينفخ ولم يؤمر بنفخ الروح إنما أُمر فقط بدعوة تلك الطيور بعد قتلها وتقطيعها .
أما عيسى عليه السلام فقد ميز بخلقه عن البشر وميز أيضاً بمعجزته في إحياء الموتى ونفخ الروح ، فهو الوحيد من الأنبياء بل ومن البشر الذي أوجده الله سبحانه وتعالى من غير أب وكان من أنثى فقط ، ولكنه لم يتميز عن البشر من ناحيتي الوجود والحياة ولكن عيسى عليه السلام كان استثناءً ليس وحيدا ولكنه مكمل لاستثناءات أرادها الله سبحانه وتعالى ، هذه الاستثناءات هي أكمال لمعجزات تدل على قدرة الله سبحانه وتعالى ، وهي ثلاث ، الأولى كانت خلق آدم عليه السلام ، فآدم ، أوجده الله سبحانه وتعالى بلا أب وبلا أم ، سواه تعالى بيده ونفخ فيه من روحه فإذا هو خلق تام ، وهذا استثناءٌ واضح وذلك إن آدم عليه السلام هو اصل خلق الإنسان ولم يكن قبله بشر لذلك كان لابد أن يكون وجوده استثناءً ، فوجد آدم عليه السلام من غير أب ولا أم ومن غير ذكر أو أنثى وهذه هي المعجزة الأولى وهي بالنسبة لنا نحن معجزة ، أما بالنسبة لمن بيده مقاليد السماوات والأرض القادر على كل شيء فهي قدرة ربانية . ثم أتت المعجزة أو الاستثناء الثاني وهو إنسان أو أنثى من غير أم وهي أمنا حواء التي خلقها رب العزة سبحانه وتعالى من ضلع آدم فاتت حواء من ذكر بلا أنثى ، وهنا لا بد من وقفه .
ترى لماذا أوجد الله تعالى حواء من آدم ؟ الم يكن سبحانه قادرا على أن يوجدها بنفس الطريقة التي خلق فيها آدم عليه السلام بان يصنعها بيده من طين وينفخ فيها الروح ؟ أو أن يأمرها بالكينونة فتكون ؟ اجل فان الله سبحانه وتعالى قادر على ذلك ، ولكنه مع ذلك لم يخلقها بهذا الشكل بل أوجدها من ضلع آدم ، ولا بد لذلك من سبب وحكمة ، وأرى منها ما يلي ، أولاً : ليجعلها حجة فيما بعد على من ادعوا ألوهية المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ، وليكمل فيها المستحيلات البشرية الثلاث أو الاستثناءات الثلاث التي لا رابع لها ، وكذلك لتتوافر المودة والرحمة والتقارب ما بين الذكر والأنثى وقد يكون هناك أسباب أخرى غير ما ذكرت . وجاءت الآية الثالثة أو الاستثناء الثالث أو المعجزة الثالثة سمها ما شئت وهي إيجاد عيسى عليه السلام من أم بلا أب أو من أنثى بلا ذكر وبذلك كان عيسى عليه السلام هو الآية الثالثة التي تعتبر بالنسبة لنا بني البشر معجزات لا يمكن حصولها وجاءت كالتالي :
أولاً : ذكر من غير ذكر أو أنثى وهو آدم عليه السلام .
ثانياً : أنثى من ذكر بلا أنثى وهي حواء .
ثالثاُ :ذكر من أنثى بلا ذكر وهو عيسى عليه السلام .
فسبحان الله القادر العظيم. فيا من تدعون ألوهية المسيح أو بنوته لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا الإسراء: ٤٣ .
فيا من أبهرتكم المعجـزة الثالثة وجعلتكم تحيدون عن الحق لادعائكم بأنها لا يمكن أن تحدث فقد حدثت بإعجاز اكبر ، وان كنتم ادعيتم ألوهية المسيح أو بنوته لله سبحانه تعالى لما رأيتم من إعجاز في إيجاده فقد حدث قبله معجزتان هما أكثر إبهاراً وإعجازاً . وقد حاج الله سبحانه وتعالى من افتروا عليه بادعائهم في عيسى في قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ آل عمران: ٥٩ .
من هنا نستطيع القول إن هذه الاستثناءات أو المعجزات الثلاث هي إثبات لقاعدة معلومة وهي أن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء ، فما استحال بالنسبة لنا نحن بني البشر ، وبالنسبة لقواعد القياس التي نقيس عليها ونعرفها هو بالنسبة لله سبحانه وتعالى غير مستحيل وغير مستبعد مصداقاً لقوله تعالى :وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَالقصص: ٦٨ .
هل تستطيع الصخرة الجامدة الصماء أن تنجب ؟ الأمر بالنسبة لنا مستحيل ولا ينطبق على قواعد القياس لدينا ، أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى فالأمر وارد وبسيط ، فعندما طلب قوم ثمود من نبيهم صالح عليه السلام آية على صدقه اخرج الله تعالى لهم آية ناقة حية من قلب الصخرة الجامدة الميتة ، وهكذا أوجد الله سبحانه وتعالى حيٌ من ميت وليس ذلك فحسب بل حيُ من جماد ناقة من صخره ، لذا فان هناك حقيقة راسخة يجب أن نعلمها علم اليقين ألا وهي إن الأمر المتعلق بإرادة الله سبحانه وتعالى غير مرتبط بقاعدة أو قانون ، ويجب علينا أن لا ننكر معجزة من معجزات الله تعالى أو أن ندع تلك المعجزة تكون سبباً لإشراكنا بالله تعالى ، أو أن ننسب له ما لا يليق بجلاله سبحانه وتعالى ، ويا أهل الكتاب إن كنتم قد استعظمتم أمر خلق عيسى عليه السلام بلا أب وبوجود احد طرفي أو احد سببي إيجاد الخلق وهو الأنثى فقط فان الأعظم من ذلك هو انعدام طرفي أو سببي إيجاد الخلق وهما الذكر والأنثى معاً ، ويرد رب العزة سبحانه وتعالى على من أصروا على شركهم وظلالهـم وعلى ادعائهـم الباطـل المنحرف آمرا نبيه والمؤمنون من بعده ، ومستخفاً بالمصرين على الشرك والظلال والانحراف والطغيان بقوله تعالى قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَالزخرف: ٨١ .
أي قل لهم يا محمد : حتى وان بقيتم على ما انتم عليه من الإصرار والطغيان والشرك والادعاء بان عيسى هو ابن الله فانا أول العابدين لله لأنني اعلم منكم بالحقيقة ، ولأنكم تقولون هذا الكلام لأحد سببين وهما ، إما أن تكونوا قد قلتموه عن جهل وقلة علم وعدم تقدير لله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء ، أو أنكم تقولونه كذباً وافتراءاً على الله سبحانه وتعالى ، وآيا كان السبب الذي يدعوكم لقول ما تقولون فانا أول العابدين لله لأنني من العارفين لله ، والموقنين به والمقدرين له حق قدره رغم أنوفكم وادعائكم وشرككم وضلالكم.
Page 10
المراحل
لكي نتحدث عن الإنسان فلا بد لنا من أن نقوم بتقسيم الإنسان إلى قسمين وهما مراحل، وعناصر. أما المراحل فهي تلك التي يمر بها الإنسان منذ أن يشاء الله سبحانه وتعالى له أن يكون إلى أن يموت ، وهذه المراحل تنقسم إلى قسمين ، اما القسم الأول فهو مرحلة الحمل أو ما قبل الولادة وهي نطفة ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم جنين إلى أن يولد ذلك الجنين طفلاً ، ثم تأتي بعد ذلك مراحل الإنسان ما بعد الولادة والتي يكون أولها رضيعاً إلى أن تنتهي بالكهولة .
أما العناصر فهي أربعة عناصر وهي : الروح ، النفس ، الجسد ، الحياة ، وسوف أتحدث هنا عن المراحل وأوجل الحديث عن العناصر فيما بعد ، وابدأ أولاً بمرحلة النطفة ، فلا بد لكل مولود عدا الاستثناءات التي تحدثت عنها لأنها من صنع الله تعالى فلا تنطبق عليها القاعدة ، وإذ أتحدث هنا فإنني أتحدث عن الأمور الطبيعية التي تتم عبر التزاوج والتناسل المعهود . النطفة في اللغة : هي القليل من الماء وتطلق على ماء الرجل وعليه فإن النطفة هي النقطة المقذوفة واصلها من الرجل وهي نطفة المني المتدفقة من العضو الذكري للرجل (9) وهي عبارة عن سائل ابيض كثيف يحتوي على الحيوانات المنوية وهي ما اصطلح على تسميتها (الحويمنات) وهي أعداد هائلة تتراوح ما بين (400 – 700) مليون حويمن يقوم أقواها بتلقيح البويضة في الأنثى وكما يقول المختصون : ( تحتوي النطفة على 23 كروموسوم صبغي ، منها كروموسوم واحد لتحديد الجنس وهو الكرموسوم ( Y ) أو ( X ) أما البويضة فإن كرموسوم الجنس فيها هو دائماً ( X ) فإذا التحمت النطفة ( Y ) مع البويضة ( X ) فإن البويضة الملقحة ( zygote ) ستكون ذكراً (Y X ) أما إذا التحمت النطفة ( X ) مع البويضة ( X ) فإنالجنين القادم سيكون أنثى ( X X ) (10) .
ولكن علينا أن لا نغفل أبداً أن ذلك يكون بأمر الله تعالى وعليه فإن الذي يحدد جنس المولود هو النطفة وليس البويضة ومعلوم أن البويضة لا تلقح إلا من حويمن واحد فإذا كان هذا الحيوان المنوي مذكراً كان جنس المولود ذكراً بإذن الله ، أما إذا كان الحيوان المنوي مؤنثاً كان المولود أنثى بإذن الله ، وعليه فانه لا علاقة للأنثى أي ألام من قريب أو بعيد في جنس المولود ، والمسئول عن ذلك هو الرجل وهنا لا بد من تساؤل وهو : ما دام أن الرجل هو الذي يحمل الكرموسوم المسؤول عن تحديد جنس الجنين فما هو دور المرأة ؟ ولماذا تكون ملامح الطفل أحياناً تشبه وأحياناً أخرى تشبه الأم ؟ ومتى يكون المولود يشبه أمه ومتى يشبه أباه ؟ .