Page 1
(1)
استفزتني بشكل غـريب... استفزتني كي أقف وأتجه إليها مباشرة... هي قبالتي تتربع وسط الطاولة في صالة الطعام، إنهـا كالثقب الأسود..! بدأت تمتصني كي أقف وأتجه إليها هناك، أشعر وأنا فـي مكاني بغرفة الضيوف أنها امتصـت الألوان المحيطة بها أيضا، هذا غـريب شعـرت بـأنني طفل صغيـر لا يـرى إلا لوناً واحـداً.. الأسود ؟
شعرت بالحرج فـي البداية، ولكن غياب المضيفة إلـى المطبخ جعـل أرجلي تتحرك فعـلاً وتتجه إلى هنـاك.. بيضـة سوداء مـوضوعة بين عشرات البيـوض الأخرى الملونة بآلاف الألوان، بيضـة خـالصة السواد نقيـة.. ليس بهـا شائبة ولا عيبا، كتلـة من السـواد الحـالك.
كـم حلمـت بهذه البيضة منـذ سنـوات طـوال ! حلمـت بأن أجـدها فـي مكـان ما من هـذا العـالم. لا أثر للسـواد على إصبعي، إنـها ليست ملـونة... معقـول ؟
وزنهـا تقـريباً منـاسب، يخيـل إليّ أنهـا أثقـل قليـلاً.....!!؟
سـوف أقارنها مع شقيقـاتها، أشعر بالفعـل أنـها بنفس الوزن.. أو أثقل قليـلاً... !!
لا لا يمكـن ذلك.. لا يمكن أن أقوم بذلك بعـد أن وجدتهـا... هـا ها أنت تمـزح لن أحطمها كي أتـأكد أنها حقيقيـة أم لا.
يـاه ما أجملها.. بيضتـي السوداء.. امتصـت كـل الألوان المحيطة بهـا ومـن حولـي أيضاً، بـدأت رؤيتي تتحـد معهـا فـي عنـاق ضـوئي مبهـم.
مـن حسن حظـي أنّني كنـت مـن أوائل الحضـور إلى الدعوى في احتفـال عيـد البيض كما كنـا نكنيه فـي بلدي بعيـد الفصـح المجيـد...!!! احتفـالات البيـض الموقرة...!؟
لمـاذا تذكـرني الآن هـذه البيضة بآلاف المـواضيع والقضـايا الأخرى الـتي قـد عشتهـا في السـابق... ؟ أو أو حتـى قـد فكـرت بهـا ؟ أشعـر الآن كأنها مخـزن أفكاري وذكـرياتي...! أو أنها حقـاً وفـي دقـائق معدودة سحبت أفكاري وذكـرياتي مـن داخلـي، كـأنها حقيقة ثقـب أسود فـي السمـاء يسحـب كـل مـا حوله مـن كويكبات وذرات صغيره إليـه ؟
واضح أنني أتخيل ذلـك وحـدي... لا أدري لماذا جـاءتني هـذه الفكـرة الآن، بـأنني حين مددت يدي إلـى قنّ الدجـاج لسـرقة البيـض كـانت هنـاك بيضـة سـوداء تتـربع بيـن البيضات الأخرى.. !!
وأنّ البيضة التـي أنطقـت محمـوداً فـي السجـن هـي أيضاً بيضـة سـوداء، حـين فقست بيـن يديـه، حتـى إنّ البيضـة التـي أتت بالفكـرة لعباس كـانت بيضة سـوداء أيضـاَ..!!
لا أعـرف أنّهـا مجـرد هـواجس داخلـة، ولكـن فـي الحقيقـة أننـي كنت دائمـا حـين أذهب لشـراء البيـض من البقالات أبحـث في صفـائح البيـض السفلـى عن بيضـة سـوداء ولـو كـان ذلـك بالصـدفة، ولكـن حتـى الآن لم اشتـرِ طـوال عمـري الـذي أتـذكره صـفيحة البيض العلوية.
مـارجا قادمة مـن المطبخ مـع أكـواب القهـوة، وبـدأت تتحـدث معـي، قبـل أن أراها كانت تتحـدث عـن عـدد القـادمين إلى حفلتهـا، كـدت أن أخفـي البيضة السـوداء فـي ملابسـي ولكـني آثرت أنْ تـراني أحـمل البيضـة بين يـدي، بدأت تضحك حـين رأتني، وقـد علقـت قائلة.. أليست جميلة.. سـاحرة. بالرغـم من أنّ اللـون الأسود يـوحي لبعض الناس بالتشـاؤم.
تجنبـت أن أدخـل فـي نقـاش معهـا، وقد خفت أن أشـرح لهـا فكـرتي، لذا آثرت الصمـت، وبشكـل مفاجئ حـتى لـي أنا نفسـي، طلبت منـها الاحتفـاظ بالبيضة، وانتظـرت الجواب بخوف مـن أن ترفض، ولكنهـا ببساطة قـالت لي يمكنك الاحتفاظ بهـا كمـا تشـاء، قمـت مـن وقتي واتجهت مباشرة إلى مكـان تعليـق المعـاطف في مدخل البيت وهي تلاحقني باسمة بنظـراتها، وقد شعـرت بالارتيـاح عـل محيـاها حيـن أخـذت البيـضة....؟
Page 2
وضعتهـا فـي الجيب الداخلي لمعطفي وعـدت أدراجي مرة أخرى إلى مكـان جلوسي، حـين جلسـت في مكـاني شعـرت براحة هـائلة، وهـدأت نفسـي، قـررت في لحظتها أن أعيش أجواء حفلـة صديقتي ذات البيض...!
أين أضعها الآن، علي أن أجـد مكـاناً فـي غـرفتي لا تصـل إليـه أيّ يـد غيـري، أحتاجها الآن أكثر مـن أي وقـت مضـى، حقيقة أحتـاجها..! لا أعـرف السـبب الحقيقي لتلـك الحاجة، كـم بك من الذكـريات والهمـوم، أين أخفيها..؟ هنـاك صنـدوق مخصص للأوراق والوثائق الهامة أسفل السـرير، سـوف أضعها به فهو من المحذورات في غرفتي، ولا يلمسـه أحـد سواي، بالـرغم أنّنـي أعيـش وحيداً، ولكـني ألجـأ في بعض الأحيان إلى تأجير الغرفة واستضـافة أحدهم بغـرض التغلب على مصاعبي الماليـة، لذلك لا يخلو الأمـر من وجود بعض المتطفلين فـي محيطي الذين قد يعبثـون بقصـد أو بغير قصـد في محتويات غـرفتي، والتي من ضمنهـا الآن البيضـة السوداء.
تـابعت حيـاتي المغـرقة بالغـربة والاغتـراب فـي بلـد، قـد اختـرت أخيرا دفـن نفسـي به، بعيـدًا عـن كـل الأحداث وتطـوراتها فـي بلـدي، ولكـن ما حـدث كـان عكـس ذلك.. !
فقـد لاحقتنـي الأحداث والذكـريات كظلـي، كنت أحسّها كحمل ثقيـل على كتفـي، شيء مبهم يـرهقني بشكـل غـريب، لـذا كنـت أعود إلى غـرفتي، وأبـدأ باجتـرار الأحداث واحـدًا تلـو الآخـر، كـانت الصـور التـي أستعـيدها ضبـابية وغيـر واضحة، مـرهقـة مـن جـراء دورانـها فـي فلك ذكـرياتي.. !
حتـى حصلـت علـى البيضة السـوداء، فهـي ما ركـز الصـور وأزال الضبابية عنهـا، وباتت واضحـة وضـوح الشمـس، تنطق أمام ناظري، حين كنـت أريد استـرجاع ذكـرى حـدث مـا، فقـط أخـرج البيضـة السـوداء مـن الصندوق، فيكون فعلهـا غـريباً.. ! فعـل السحـر.
لا أدري الآن هـل كنت أبحث فـي حيـاتي عـن رمـز مفقـود، حـتى أتعمـشق بـه هكـذا..؟ وذلـك بـعد أن فقـدت الثقـة بكـل ما حـولي !! هـل بمحض الصـدفة قد اختـرت هـذه البيضة السـوداء لتكـون محـج أفكـار الهائمة، لـم ألجأ إلى وجـود رمز فـي حياتي منذ أيام الطفـولة والشباب أيضاً.
بـاتت هـذه الكتلـة السـوداء المسمطـة مفتـاح الأحـداث حـولي، فـي الماضـي والحـاضر.. !! غـريب فقـد حـدث أن لجـأت إلـيها حـين كنـت أحتـار فـي مسـألة تـواجهني فـي الحـاضر، كنـت أخـرجها وأنظـر إليهـا لعـدة دقـائق فتسعفنـي بالحلـول المنـاسبة، لكـي أتخـذ قـراراتي.
أصبحت بالنسبـة لـي كالهـوس أتوجّه إليهـا فـي كـل شـيْء، وقـد حصـل وأن بـدأت بعـد ذلـك فـي بنـاء معبـدٍ صغيـرٍ لهـا، وقـد وجدت بيت العصافير فـي أحـد أسواق البضائع المستعملة في المدينة التي أعيش بها، كـان مصنـوعاً مـن الخشـب، بحيـث أستطيع أنْ أضعهـا بـه فـي أمان وأن أعلقهـا علـى جـدار غرفتي، تقبـع بـه البيضـة السوداء فـي كبـرياء.
ولـكن مـا حـدث بعـد ذلـك أرعبنـي حـد المـوت، ففـي إحدى الليـالي بعـد عـدة أشهر مـن حصـولي عـلى البيضـة السـوداء، أفقـت علـى كـابوس رهيب، نفضنـي مـن فـراشي وكـانت ضـربات قلبـي مـن القـوة بحـيث إنّنـي أحسست أنّ الغـرفة وجـدرانها كذلك تضـج بنبض قلبـي، كـان حلقـي كذلك به مـرارة هـائلة غـريبة ويكـاد سقف حلقـي يلتصـق بلساني، هرولت لحظتهـا مـسرعاً إلى المطبخ وبـدأت بالتهـام الماء...!
Page 3
لـم يرونـي الكوب الأوّل والثاني فالثالث... أخيرا أشعرني بالارتواء، وقـد بدأت تعـود إليّ طبيعـتي.
حـين هـدأت.. أحسست كـم كـان جسـدي متعبـاً، بدأت بعـد ذلك باستعـادة أحـداث الحـلم الـذي أرعبنـي.. ؟ فقـد كـان هنـاك مجمـوعة مـن الكلاب الشـرسة وكبيـرة الحجـم أيضاً تلاحقنـي عـلى قارعة طـريق، لـم أكن قـد رأيته مـن قبل، وكـنت أركـض بأقصـى سرعتـي لأتجنبهـا، حتى وجـدت باب أحـد البيـوت مفتـوحاً، فدخلت به مسـرعاً، وحـاولت بعـد ذلـك إغلاق الباب خلفي فـي وجه الكـلاب، ولكـن الباب كـان لا يغلق فـركضت فـي أرجاء البيت أبحث عـن مكـان يغلق خلفي، ولكـن الغـريب في الحلـم أنني وجـدت غرفتـي فـي ذلك البيت لا أدري كـيف أتت إلى هناك... ؟
أغلقت باب غـرفتـي علـي مـن الداخـل، وقـد شعـرت بمخـالب الكلاب تحفـر الباب لتدخـل، فتراجعت قليلاً إلى الخلف فـي انتظـار رهيـب لما سيحدث بعـد ذلك، وبـدأت أجيل النظر في غـرفتي، هنـاك شيء غـريب فـي الغرفـة، فقـد كـان فـي وسطهـا طاولة صـديقتي مـارجا صاحبة حفلـة البيض، ولا زال صحـن البيوض الملونة في وسـط الطاولة، امتـلاء أكثر بالبيض وكـانت مـا زالت تقبـع هنـاك البيضـة السـوداء بيـن البيـوض الأخـرى، وفـي لحظـة تـركزي عليهـا بدأت تتحـرك بشكل غـريب، ولاحظت أنَّ بهـا شـقّاً عميـقاً بـدأ يكبـر مـع كل حـركة للبيضـة، وبشكل سـريع خرج مخلـوق مرعب من البيضة، وبـدأ فـي الوقت نفسـه يكبر بشكـل غـريب وعينـاه النـاريتان الحـادتان تحـدقان بي بشكـل مـرعب رهـيب، بنفـس الوقت بـدأ يلتهـم البيـوض التي حولـه، وفـي كل لحظة يلتهـم بها بيضة يكبـر حجمـه إلى الضعف..؟
من الخوف اتجهت إلى باب الغـرفة ولكـن أصـوات الكـلاب لا زالت خلفـي تنتظـرني، اتجهت إلى النافـذة لأفتحهـا وأقفـز إلى الخارج، ولكـن كـانت مغلقـة بحيث إننـي لم أستطـع فتحهـا، كـأنهـا التحمت بالحـائط، مـا العمـل بدأت التسـاؤل...؟
كنـت ما أزال أنظـر إلـى هـذا المخلـوق الذي أصبح حجمـه كبيـراً بشـكل مـرعب، اتجهـت مـرة أخرى إلـى الباب، ولكـن مـا سمعته هـذه المـرة هـو عـويص الخـوف فـي أصوات الكـلاب كـأنها شعـرت بمـا يحـدث فـي الغـرفة، وشعـرت أنهـا غـادرت المكـان مسرعة، لـذا حـاولت أنـا بدوري فتـح الباب والهـروب من غـرفتي ولكـن ما حدث أنّ باب غـرفتي لم يعـد يفتح.. ؟
وكـأنه أغلق مـن الخارج بأقفـال فـولاذية كبـيرة. مـا العمـل كنـت أتسـاءل لم أعـد فـي لحظتهـا أجـرؤ على النظر إلى الخلف ومشاهدة هـذا المخلـوق البشع. حـاولت فتح الباب بأظافري وأسنـاني بعـد أن بـدأت أسمـع لهـاثه وأنفـاسه خلفـي، وفـي لحظتهـا أفـقت مـن الحلـم.. وبالفعـل كـانت أصـابعي وفمـي وأسنـاني تؤلمنـي بشكـل كبيـر.
جعلنـي هـذا الحلـم مـرةً أخـرى أنظـر إلـى عـش البيضة المعلق علـى الجـدار بخـوف ورعب حقيقـي، خـوفي الآن مـن البيضـة السـوداء كـان كبيـراً..!! كـان هـذا الحلـم هـو نقطـة التحـول التـي شهـدتها بخصـوص هـذة البيضة.
Page 4
(2)
أغـرقهم صمتـي المفـاجئ فـي مستنقع عمـيق حـالك، اجتاحـهم ذلـك الصـوت المخبـأ وراء شفاه تُفتـح وتُغلق بـدون كلمـات، مجـرد بحـة.. فحـيح.. هـذيان، أحياناً.. عويـل..!
انتـابتهم ردات فعـل مجنـونة لفتـح فمـي وإخراج لساني، لإجبـاري علـى التكلم.. كـل هذه المحـاولات باءت بالفشـل، والتـي كـان يـرفقها فـي أكثـر الأحيـان الضرب الهستيـري حـد الإغماء، وبعـد عدة أيام من ذلك الصراع العجيب، لم تسجل أية استجابة لنداءاتهم المتكرره لإخراجي من صمتي المفـاجئ، لذلك بـدأت تظهر علـى المحقق علامات الذهول، كـأنها المرة الأولـى التي يـدخل فيهـا بمثل هـذه التجـربةِ.
لـم أكن مكتـرثا بما يحصل حـولي، أو لردات الفعل العنيفـة التي كانت تصيب المحقـق بعد كـل محاولة لإنطاقي، كـانت بالنسبة لي مجرد فشل لكلينـا.. وفشـل دفعـة واحـدة.
فـي البـدءِ أغبطـتني لعبتـي الصبيانية في إغـاظتهم، أحسستها كانتصـار مـؤقت، هـذه الحالة أعـادت لـي فتـرات الصبـا، حلمت ولهـوت بهـا قـليلا، بـدأت بعد ذلـك تتجسـد لـي كشبح حقيقـة دون مقدمات، أنـا لم أعد قـادراً..؟
لم أعـد أستطيع أن أجـد الكلمات بكـل صـدق ؟ لقد تقمصـت الدور ودخلـت بـه، فجـأه وبدون سـابق إنذار لـم أعد أستطيـع أن أجـد الكلمات المناسبة من حيث المداخل والمخارج للمواضيع والأشيـاء، حـدث كـل ذلـك فجـاءة، كأن الجـو المحيط بي أصبـح ملفـعاً بالضباب، وكأنني شخص آخر، شخص داخل غواصة فـي أعماق محيـط قطعت بـه السبـل، لم يسـتطع السيطـرة عـلى غواصته..كل ما كـان قـادراً علـى فعلـه هـو النظـر من خلال نوافذها الصغيره، ومشاهدة ما حوله من أسماك وأحـياء بحرية أغلبها هلامية بكـل الألوان، وبعيون لامعة، وانتظار ما هو مجهـول، غبار هائل من الكلمات، والحروف تتنـاثر في كل الاتجاهات، وفـي سديم أبدي غيـر منته، لـم أعد قادرا..الحروف والكلمات كغابات السمـك الملـونة، أخافتني الألوان حـد المـوت فـي تلـك الأثنـاء.
استعمـال هذه الميـزه الإنسانية مـن الاتصـال أضحى بالنسبة لي حلمـاً بعيد المنال، فـي هـذا الجـو اللاإنساني.. و(لا حـتى الحيـواني)، الـعويل هو الصـوت الوحيد الصادر من تجويـف حلقي، بات كبـاقي الأشيـاء التـي حـولي.. كالصحراء، وهـذا المكان المغرق في الصمت والضجيج معـاً الاتحـاد بيننا أنا والصمت جاء مـتزامناً مقدرا له، هـو أشبـه بسائل لـزج، أو زيت مندلق..اتحد مع التراب، فلا رجعة عن ما حصل، يتشعب بشـكل انفجـاري دائـم التشتت فـي محيطـه الترابي، وفـي كـل الاتجـاهات.
آه ما عدت أستطـيع جمع الكلمات.. أخاف من نطقها، كـلما حاولت إخـراجها، تتجمع أمـامي آلاف الحروف والكلمات.. تسـيطرعـلي تحـاصرني.. تسـرق جمـلي وأفكاري، وتشـتت كلماتي، تـأخذها مني وتطيـر.. ذهول وسـرحان.. غابة من الأشجار الطائـرة والمتناثرة.. سجن آخـر داخـل سجنـي، جـدران ممتده إلـى عنان السمـاء..في كـل الاتجاهات..أمـامي وخلفي ومن الجانبين.. تغلق الأفـق.
فـي أوقات نادرة كانت تمـرُّ من أمـامي سنوات عمري القصيره، ضاجة بالصور الحية، الهزيمة.. دائماً الهـزيمة نجترها كانتصارٍ ذاتي، والمحصلة هـزيمةٌ.. وهزائم فـي كـل الاتجاهات، كـارثية.. لـيس هنـاك تفـسير أو معنى لما يحـدث، جمل هـائلة التحليل والتـرتيب لأحـداث تكـاد تركع إجـلالاً لها حيـن تسمعها، منمقـة بشكـل مذهل.. أخـال المحلل لهـا دائم النظر في المرآة وهو يقذف الكلمات في وجـوه المستمعين إليه، لـذا لا معنى للكـلمات كلها، هي غبـار متناثر حولنا، استجابة لنـداءات.. باتت أقرب إلـى الموت منها إلى الحيـاة، الصمت أجدى من الكـلام..، الكـلام دعوة وقحة.. نـزقة للهـزيمة والمـوت.
خـلال هذه الفتـرات المسمطة، اندلقت أمامي ثغـرات ذكـرى هنـاك، مشحـونة.. مليئة بالثنايا والتفاصيل، كـأنها خلية نحـل..ازيـزيه، يشعـرك الاقتـراب منهـا بـالرهبة والمجهـول ؟
Page 5
إنهـا ذكـريات احتجـاج مليء بأصـوات حناجرنا المكتنـزة بالغضب المكـتوم بدواخلـنا، ولكن الغريب في الأمـر أنهـا المـرة الأولى فـي ذلك الوقـت التـي لم أستطع سمـاع صراخي، كأنهـا احتفالات الصـخب الصامت، مـع فتيـان في مثـل أعمـارنا، نكـاد نحـلّق من أجـل مـشاركتنا بالأحداث اللاحقـة.
كـانت تلـك المظـاهرة الأولى التي أشارك بهـا أنـا ورفـاقي، والتـي غيرت مجـرى حياتي.. الحـدث كان أكبـر من أجسادنا المتنامية، كـانت في نهاية مـراحل طفولتنا وبداية المـراهقة، في ذلـك اليـوم شعـرنا أننـا قفـزنا دفعـة واحـدة وغيـرنا نوعيـة وطـريقة ألعـابنا الصبيـانية، بـدأنا لعبةً طفولية جـديدة وخطرة فـي ذلك الحيـن، لم أدرك مـدى الخطر المحـدق بي وبنـا !
حتى بدأ شحـن الجو المحيط بنا بأصوات الرصاص والقنابل المسيلة للدموع والمتطايـرة من حولنا وباتجاهنا، أصـابتني الرجفة الأولى وأنا أرى الـدم الأحمر القـاني يـراق، كـدت أن أسلـم ساقي للـريح، ولـكن شـيئاً مـا أوقفنـي.
بـدأت ضربات قلبي بالضجيج، شعرت بها بقوه.. نبضهـا فـي صدري وصـدغي يتسارع، وذلك حين تعالت حركة وصـوت الشاحنات المصفحـة القـادمة باتجاهنا، وهـنت قليلا وارتخت مفاصلي كـل شـيء كـان مفاجئـا، بـدأت أبحـث عـن مغيـث مجهـول فـي تلـك اللحظـة، يـا إلهي كـم شعـرت أنـني وحـيد.. وممـزق..!
ولـكن ما حـدث بعـد ذلـك، وفـي تلـك اللحظة أوقفنـي.. شـدّني مـن جـديد ضمني إلـى صدره، ونـزع الخوف مني، خلـعه عنـي.. كـان اندفاع المتظاهرين إلـى الأمـام هـو مـا فعـل ذلـك، حين بـدأوا يعبرونني متسـارعين باتجـاه المصفحـات، أعطـاني ذلـك زخماً آخر مـادة أخرى غير موجودة لـدي، صـلبة هذه المرة كالحجارة التي قذفناها باتجاههم، لقد كنت ضمن غيوم الناس التـي تمطر الحجارة بـاتجاه قوسي و إلـى الأمام، لأول مـرة في حيـاتي أرى كمية من الحجارة المتطايرة مـن محيطي إلى الأمام، فخـلال ثوان معدودة كـان الشارع الضيـق قبالتنا قـد أضحى مرجما من مـراجم إبليس، ولا زلـت أذكر كيف أنه خلال تلك الثواني من لحظـة انطلاق أول حجر باتجاه جيـش الاحـتلال، بـدأت تتكـون كثبان صغيره مـن الحجارة المتساقطة، وحـال ذلك دون امكانية تقدم (عزيزة)(*) وتراجعها إلـى الخلف، رافقـها تقدمنا باتجاهها إلـى الأمـام كـأسراب الطيور المقاتلة.
كنـت في تلـك اللحظه فـي موقع الهجـوم، لـن أقول بسبـب شجاعتي إنّمـا كـانت نوعا من الفضول، وهو دائماً ما كـان يدفعني إلى الصفـوف الأمـامية لاكتشاف الحيـاة، والآن للمظاهره والأحـداث.
انجـرفنا خـلف التـراجع المـذهل للشـاحنة، وحـين وصلنـا إلـى الكثبـان الصخـرية بـدأنا نـلتقطها مـن جديـد ونقـذفهـا بـاتجاه الجنـود.
زادت ضـربات قـلبي شـدة هـذه المـرة ليس خـوفاً، إنّمـا غـضباً.. عـارماً متـرافقاً مـع الجموع المتقدمة، لقد احتللنا موقعاً تراجع عنه الجنود دوار الساعة أضحى محرراً.. (ونابلس الجبار.. نبعتها نبع بيـارا.. والإمدادت متصلـة من حارة إلـى حارة..) كلمات رددها أحد المتظاهرين، وكـان محمولاً عـلى الأكتاف ليصـل صوته واضحـا جليـاً إلينـا، وكان مـن الوضـوح بحيث لـن ولن أنسـى هذه الكلمات ما حـييت بالرغم من أنهـا كانت هي المرة الأولى والأخيـرة التي أسمع بها هـذه النشيد، ولا زلت أبتسـم حين أرى منشـد الشعارات بعـد ذلـك، كـان اسمه نصوحاً، كـأن كلماته قـد نقشت علـى صخـر ذاكـرتي... إلـى الأبـد.
حـدث لـن أنسـاه أيضـاً، كـان المنظر لطفل في مثـل عمرنا أو أصغر قليلا، اخترقت الرصاصة صدره، إذ كان واضحاً أنّه لم يكن ضمن المظاهره إنما حـب الاستطلاع مـن وضعه في مكان الطلقة التي اخترقت صدره، فقد كان يحـمل بين يديه (صفيحة للبيض)، وقد اختلط دمه الأحمر القاني بقشور البيض المتكسرة علـى قارعة الطريق، اختلط اللون الأحمـر مع الأبيض والأصفر الهلامي والأسود.. وكذلك عيون بائـع الفستق الحلبي "أبو فيصل" الواسعة والتي تكاد تخـرج من محاجرها بعد اصـابته برصاصة أيضـاً اخـترقت ظهـره، ويـديه المضـرجتين بالدمـاء. كـان ينظـر في كـل الاتجهـات، وفي عينيه بـريق غـريب به نـوع من الاستجـداء الصـامت، ولا زلـت حتى هذه اللحظـة حين أعبر الشارع فـي تلك المنطقة أرى الألوان حية كـما كانت في لحظة الحادث، فقد كان انتصارنا الأول بالرغم من ذلك المنظـر الرهيب..انتصار لعبتنا الصغيرة، والتي سـوف تكون الذكرى الأولى الحيـة في عقولنا نحـن الصبيـة، ومنـذ ذلـك الوقت الـعتيق، وبالنسبـة لـنا و إلـى الأبـد.. بـدأت رجـولتنا، والتي قد قفزناها مـرة واحـدة في يـوم واحد.. وكـانت أكبـر مـن ذلـك بكثيـر... لـقد شـاركنا بالأحـداث بنفـس الهمة التي كنـا نراها من حولنا لأشخاص أكبـر منا عمـراً.. واضحة معـالم الرجولة.. والشبـاب بهم.
لقـد أذهـلتنا مشـاركتنا لهـم في تلك المظاهـرة.. رجـالا لا تفرقنا عنهم سـوى ضآلة أجـسادنا، كانت جـراحنا في ذلك اليـوم واحدة.. ومشتركة، لقد أصيـب منا كمـا أصيب منهم.. شراكة العمل الـوطني لا يفـرقها عمـر أو حجم.. ولكـن عاطفتنا كـان بها نوع من الخصوصية نحـن الصغار.. عاطفة مـن نوع آخـر.. بدأنا شـيئاً لم نعهـده مـن قبـل، سوف يـنعكس على كـل مراحل حيـاتنا المستقبـلية.
Page 6
هـذه الصـورة رافقنـي ضجيجهـا فـرحها وفـرحي الخاص، انتصـاري الخـاص فـي جلسات التحقيق، صمتي هـو انتصـاري، كـان انتصاراً لعقلـي البـاطن، كـأنه كـان يخـاف أن أفقـد هذا الانتصار، فقـد لجأ عقـلي تلقائيا إلى خط دفـاعي الأول.. صمتي، أبقـاني في دائـرةِ ضوئي الخاص، حاول عقلـي البـاطن المستحيل أن يحمي ذلك الانتصار، ولكن ومع الزمـن بات شكـلاً خاصاً من الحيـاة والأفكار، فرضها عـلي حـتى ألفت هـذه اللعبة الجـديدة، قدمت لي بارقة أمـل صغيـرة أن أعيـش مرة أخرى انتصاراً صغيراً متـواضعاً، وسـط هذا الكم الهـائل مـن الهـزائم المتراكمة عبـر هـذه السـنوات الـتي عشنـاها...
لـم يستطع حـتى أصـدقائي ورفـاقي إعـادتي إلـى سـابق عهـدهم بـي، تحـول كل شيء من حـولي إلى خلية نحـل، ضاجاً بالحياه بشكـل..(متـذبذب).. لـم يبقَ لـي سوى أن أنسحـب إلـى الداخل.. إلـى داخل جـلدي.. فـي صومعتي.. تجويفي.. جُحر أحزانـي، أتحـدث معه فقـط، خلق لغـه خاصة بيننـا وحدنا، وبصمت تخاطبنا، لقـد كان مبنياً علـى التفاهم المبهـم، أما ردات الفعل تجـاه الآخـرين فهي قليلة، استجابة فقط بالحـركة بدون صوت، كأن هـذه الفتحة التـي بالوجه قـد أغلقـت إلى غير رجعـة، لـم يعد لهـا فـائدة تـذكر.. سـوى إدخـال الطعام والهـواء.
المهـم أنّنـي فـي هـذه المـرحلة كنـت أشـارك الكثيـرين مـن حـولي آلامهـم وأحـزانهم، والعيـش كذلك بالطـريقة التـي فـرضت علينـا، لا يميـزني عنهـم سـوى صمتـي الدائـم، كل واحد منهـم وفي أكثـر الأحيان يقبـع فـي زاويته.. بصمت.. ؟
أو أنه يهـرب منه ليشـارك الآخرين أحاديثهم وهمـومهم.
بـات الصمت والضجيج طرفي نقـيض لمـا يحيـط بنـا، كـل يختـار مـا يـراه منـاسباً، في هـذه اللحظـات التـي يعيشهـا هنـا.
بعيـداً عن كـل ذلك، كـان يقبع أبـو فراس هـناك فـي إحـدى زوايـا الزنزانـة، مشغولاً بمـا بين يـديه... !
أطبقـت عليها يداه، وبدأت أصابعه تتحسسهـا تضغـط عليهـا بقسـوه تـارة، وبنعومة تارة أخـرى، كأنه كـان يحاول فـكّ رمـوزها، هذا الشيء العجيب الـذي يملأ كفيه.. ؟ (تمتم) ما هـي إلا كتلـة مسمطـة ناعمـة الملمـس تمـلأ كفيـه.
إحساس قـوي بالحرارة يولِّد الدفء بين يـديه، ما عهد هذه الحرارة من قبـل، دائـما حرارة نسبية تأتيه وتداهمه من أماكن ومشاعر مختلطة كثيرة أخـرى، غير واضحة المعالم، ولتـكون مصـدر الدفء الخاص به، لـم يفكر بهـا بهذا الوضوح والإصرار من قبـل، وفي هذه الأماكن، وبالطريقة التي شعر بهـا الآن، اجتـاحته حمى خفيفـة ابتدأت من وجهه ثـم انتقلت إلـى خلف أذنيه، وأخيـراً وصلت إلـى أعـلى رأسي، ثـم بدأت تنسـاب ذكـراه كصـنبور للميـاه بـدون تـوقف.
تكـون أحيـاناً ذكرى الأشيـاء أكثـر حدة وقسـوة مـن الحدث نفسـه، تتـدفق إلـى مخيلتي، أراهـا بتفـاصيلها حتـى المسـام.. آه الـذكرى أكثـر وضـوحا مـع امتـداد المدة الفاصلة بين الـذكرى ولحظة حدوثها، تكون أكـبر ساحرة كذلك، وبالأخص في أماكن معزولة خارج حـدود العالـم بالتحديـد، هـذا الجحيم، وهـذه النــار المستعـرة حـولنا.
كـانت في ذكـراي تتصاعد موجات الحرارة من السرير، الـدفء له تـأثير النـار بالذات فـي السرير، الـدفء يمـلأني حين تـلتصق الأجسـاد فـي ليـالي الشتـاء... عشقته أكثر في تـلك الليالـي، لـه طعـم مختلـف.. خاصة مـع برودة الغرفة (العظمة كلهـا داهمته مرة واحدة).. آه..؟؟
أنا أجلس هنـا داخـل جدران وحـدتي، وحـدي..أحتـرق شـوقـا، للحظة هـي الأقرب إلـى الذكـرى منهـا إلـى الواقـع.
Page 7
نظـر إلـى الفـراغ فـي وجـوه الآخـرين، ابتسـم فـالحراره بـدأت تنتقـل إلـى أسفل إلى مـا بيـن فخـديـه علـى حين غفـلة، مختـلطة باضطـراب وحـركة شهية بالرغـم من برودة الجـو المحيـط (بـرد يقص العظـم) لعنـة اللـه عـلى الصحـراء وأيـامها، ليـس لـدينا سـوى الأمـل بأن تخرج من بين هـذه القشـور ولادة جـديدة..حيـاة جديدة، تمتم كلمات هـو وحـده يسمعـها (واللـه أضحينا مثل الـدجاج العتقي يتسـاقط شعرنا، والنـار تصعد مـن أقفيتنـا، لعنـة اللـه عليـك يا عبـاس، وعـلى هـذه الفكـرة المجنـونة، كـم هي سخيفـة.. بسيطة، ولكن أشغلت بهـا الكل، وأضحت مهـمة السـاعة.. أولـوية وطنية، زرعتها فـي عقولنا وبين أيدينـا أيضا، وبـدأت العدوى تنتقــل إلـى أسفـل.
استـرق النظـر هـذه المـرة إلـى الآخـرين، فبـدأ الفـراغ من أمامـه، يخرج من عيـون رفـاقه علـى اتساعها، ليصـل إلـى كبـد السمـاء الحـالك، وليرتد بعـد ذلك مـن هناك إلينـا مرة أخــرى، ولنبـدأ باجتـراره.
القحـط.. فـي كل شيء.. كـل شيء حتى الهواء قاحـل جـاف يصـل تأثيره إلـى عظامنا فينخـرها.. يفتتهـا.
)بـرزت فكـرة خـاطفة فـي رأسـه) ! لمـاذا لا أضعهـا بيـن فخـدي ؟.. فالحـراره هنـاك أكبـر.. لاهبـة.. (بـس بلا فضائح لا تجعـل أحداً يـرى أفكـارك).. ليبدأ بعـد ذلـك الغـمز واللمز، وأنـت لا ينقصـك، دع مـا تحـت تحـت، وما فـوق فـوق.. كـل العتب علـى يديـك (جـاءت الفكـرة أقـوى هذه المـرة) مـاذا دهاك هـل أصبحت لا تعرف رفاقـك، وكـل واحد (مـنا) ليس لـديه مـا يشغله سـوى أن يـراقب الآخـرين وكل مـا يحيط بـه.. طبعـاً (للضرورات الأمنيـة).. ؟
وعلى رأي المثـل (الفاضي بعمل قـاضي ) لـذا إيـاك أن تقـع في المحظـور وتصبح لقمـة سائغـة في أفـواه الـرفاق، أنت رجـل متـزوج.. ولـديك أطفـال.
اللـه يـا فـراس حيـن ولدت كـم كـانت الدنيا جميـلة وميسرة وكـانت قدمك قـدم سعـد، كان الموسم تلك السنـة غـلاله فيـاضة فـي كـل شـيء بـه بـركة، كـم كنت أيضاً أحـب أن أضمك واضعـك بين يـدي، وجسدك العاري (يتلعبـط).. مثـل خداج دافئ، مـثل الذي بين يـدي الآن، أموت شوقـا حين أتذكـر رائحتـك، فـلا زالـت تعبـق في أنفـي رائحة الطفـولة المعجونة بحـليب أمك (البكـر) كانت أمّـك مدرارة الحليـب تلك السنـة وحلت عليها البـركه ايضاً، حتى إنني كنت أشـاهد الحليب الـذي فـي ثدييها يتـرك بقعتين علـى ردائها طـوال الـوقت. في أول الأمر أعتقد أنهـا ابتلـت من المـاء أو أنّـه العـرق، ولكن بعـد عـدة أيـام بـدأت أدرك أنّـه يتدفـق مـن صـدرها، لـذا اختلطت علـيَّ الأمـور.. !؟
عنـدما أقتـرب منـك كـانت تفـوح رائـحة الحليـب البكـر، تدخـل أنفـي تدغـدغه أبـدأ بتخيـلك، وتسـري الـرائحه وتمتد عميقا حتـى تصل إلـى قـلبي، ومـن هناك تنتقل وتتحرك في كـل مـسامات وثنايا جسـدي، تحـرك الأمعـاء الغـليظة.. والـدقيقة، كـان لعـابي يسيل حين ألتهم وجـهك فـي قبلة ضخمة، كنـت تتفاجئين بهـا وتحـرك كـل أعضاء جسـدك الصغير بنفس الوقـت.. وبـرعشة طفـولية ملؤها الـرضى.
تنتابنـي الآن (لخبطـة).. لا أعـرف كيـف أصـفها، أبتسـم.. كـأني أنـا الـذي أخـرجك من أحشـائه، تـزداد التصـاقا بشغـاف القـلب.. كـم أحبـك.. الآن أكثـر.
أصبـح عمـرك الآن ست سنـوات تقـريباً، واشـتد عـودك قليـلا، لا بـد أنّ معـالمك استطالت مثلهـا، فـهو أكثر قـربا إلـى أمـه مني، مـلامحه ناعمة ومستدقـة (يـاه) والله مثل الحـلم الطويل، مضت هذه الـسنوات الـخمس ولا زالـت رائحتك تحـرك داخلي وأحشـائي كالنسـاء حين تشتـم رائحة ابنهـا يتحرك الحليب فـي ثـدييها..حيـن أتـذكر رائـحتك العابقة في أنفي..أسترق النظـر إلـى الآخرين مـرة أخـرى حتى لا يلاحظوا التغيـرات البادية علـي وجهـه.
Page 8
(بـدأ يجيــل بصـره فـي مـا حـوله ببلاهـه)
لـكن رائِحتَكٍِ أنتِ لهـا طعم آخـر، مثل النـدى... نكهـة ورائحـة وطعم آخـر.. مثل رائحة التراب حين يبدأ موسـم تسـاقط المطـر في نهايات الصيف والممـتزج بالرطوبة والدفء..ورائحة الصابون النـابلسي، لا زلت أذكـر حين خـروجك وانبثاقك من باب الحمـام..(...........) الأصوات المـرافقة للحمام.. قرع البـوابير.. واندلاق المياه والأبخره المتصاعدة.. رائحة حرق (الكاز).. وأطـراف الروائح مـا زالت عالقـة فـي أنفـي حتـى الآن.. يتردد صـداها أمـامي.
كلهـا تمتـد لتغطي عـلى كل شـيء من حـولي، حتـى إنني وفـي تلـك اللحظات أكـون غير قادر على أن أشاهـد سوى شـعرك الـرطب النضـر الملفوف بالمنشفـة، وجـزأه السفـلي الطويل الظاهـر من أسفـل المنشفـة.. كـان دعـوةً إلـى المجـون اللـذيذ.
بـدأت الحرارة بالازديـاد.. حرارة ودفء حـرارة تطغـى علـى جسـدي حتـى قبل أن ألامسها، ينتابني شبـق عبق.. بـه كل روائح العطـور المصنوعة فـي هـذا العالم.. ولتـأتي قربي مـرة واحـدة..ودفعـة واحـدة..نقــاء.. غنـج..إغراء، إغراء طبيعي غيـر مزيف، نقاء مجبول بالشهوه والشبق..كبرياء، أغرق فـي صدرها..والنار تصعـد من كـل مكان فـي جسدي..من الداخل.. اللـه.( ابتسـم )..فلقد شعـر حقيقة بالحـالة، بأن دفقة حرارية زائدة تتدفـق فـي يـديه.. الحـلم يولد الحرارة، وبـصورة مفـاجئة بـدأت حبـات عـرق صغيـرة تتحـرك عـلى جبينه وبيـن يديـه.
استــرق النظـر مـرة أخـرى إلـى ما حـوله.. حتـى لا يلفت انتباههم إلـى التغيـرات التي حصـلت لـه، ولـكن هـذه المـرة اصطـدم بالفـراغ المحيـط بـه، وبالآخـرين..الوجـوم البادي عـلى الـوجـوه.
آه..أمـا كـان من الأجـدى بي أن أهـب حياتي إلى زوجتـي وأطفالي بـدلاً من أن أغـوص فـي أوحال السيـاسة..؟
لقـد سحقتني بنـارها.. وكـذلك الأحداث، أي نعـم.. الظـلم لـه طعـم مـر أكثـر مرارة من الصبار والعلقم، وهو ما أجبرني علـى السير في هـذا الـدرب، عنفـواني وكبريـائي هما مـن وضعاني هنا، لـم أتنازل ولم أفكـر للحظة واحدة بالتنازل عنهمـا، وبسببهما لم أتنازل عن المبادئ.. التنازل جـريمة بحـق الشعب والقـرار.. قـرار (الانتصار قادم.. الثورة الحمراء على الأبواب.. الطبقة العاملة.. البروليتاريا.. النقابات.. العمـل.. العمال.. قـادم لا محـالة.. الشعوب.. الفـلاحين.. القضيـة) تتدافـع الكلمات وتتـزاحم.. مـرة واحـدة.. أواه.
لـم أعـد قـادرا علـى ربط الكلمات بعضها ببعـض، تتطاير امـامي كتبن البيدر فـي هواء الصيف الحـارق، كـل الكلمات.. فارغـة.. الآن واجمـة، ليـس بهـا روح ميتـة... غادرتها الروح منـذ أمد بعيـد، منـذ أمـد بعيد كـان لها روح، حيـن سمعتها أول مرة، سحرتني معانيها، بعثرتني معهـا، والآن أراها جثث متناثرة أمامي.. مقـابر تفتح أفـواهها، وأضرحة ممزقة الأبواب، لتقذف مـا تبقى بها من عظام بـالية.. نخرة، صحـراء..لـيس بهـا نبتة واحـدة.. وردة واحـده.. شجرة واحـدة واقفة، أواه، خـرائب تناقلناها علـى مدى السنـوات كالببغاوات السلطانية ؟ التـي ترمى في (المزبلة) حين تفقد سحرها، أو حتـى حين لا تستطيع بعد ذلك، تسلية أصحابها، او النـطق بكلمات داعرة.. فجة.
إنّ هذه الكلمات بالنسبة لـي جيف..تلمع الديدان الفسفورية بها..آه مثل..جثـث..ملقاة أسفل ضـوء ربـاني (أسطوري) قـادم مـن سمـاء..بعيـدة مظلمة فحسـب.
ولكـن بـارقة أمـل صغيرة تأتينـي من الاتجـاه المقابـل، شمعة تضـاء ليـس أمامي إنمـا خـلفي، فـلا أراهـا ولـكن أشعـر بضوئهـا، يملأني يمحوني بداخـله يحتضنني كطفـل صغير، يريحني كنسمة صيـف منعشـة.. يلفحنـي فـي أواخـر الليـل...
إنهـا أنت..أنـت الآن الحقيقة الأبـدية..الحياة..آه الحياة حقيقية معك قيـاساً بما مر وسيمـر بـي مـن أحـداث زائفـة... وخامـدة.
Page 9
أمـا أنت فلا، أنا وأنت جـزء لا يتجزأ من هـذه الطبيعة الخلابة الأبدية التي حولنـا (أرض لا أجمل ولا أحـلى) نبـاتات برية جرثوميـة تخبـو معظـم العـام، ولكـن لا تموت، إنهـا تستتر لوقـت لتزيدنا شوقاً إليها، ولتظهر بعـد ذلك بقوه أنـضر من المـرة الأولـى التـي ظهرت بهـا.. كالعكـوب(*).
أواه.. كـم اشتقـت إليـك..حلمـت بك أنـت والصبي..شممت رائحتكـم فـي كـل شيء، حتى بطعام هـذا السجن القـذر، اشتممتكـم (تنغصـت) لرائحتكم، أواه لـم أعـد أستطيع حتـى.. حتى الحلم، لـم يعـد يكفينـي، هـدني الابتعـاد عنكم وهذا الفـراغ، مـاذا تفعلين الآن، أبيـح لنفسي أن أسألك.. وبخجـل هـل تفكرين بـي، تتخيليني كمـا أتخيلـك..كيـف تعيشيـن الان.. مـع بعـدي كـل هـذه المـدة... كيـف هـي أمورك..أمـورك..أتخيـل نفسـي أننـي قد خنتـك مـع امرأة أخـرى..حيـزبونة بشعـة..آه أريد أن أراك عن حقيقـة..أتلمـسك (أتغـضض بغضاضتك).. مـرة واحـدة.
خمـس سنوات فصـلتني عنك..خمـس سنـوات عجـاف، كالتـي مـرت عـلى قـوم يوسف.. قحـط مـع فـارق بسـيط..أن مخازني ملأى بالذكـريات... والتـي لا تنضب.. خمس سنوات فصلتني عنـك قصراً.. مثقلـة تنضح بعـرق الأيام، المعجونة بالقهر اليومي لغربتنا..
فصلتني عنـك وعـن كـل شيء... كـل شيء.. الحيـاة.. الشجر..الربيـع.. الزهر.. الـورود البرية.. الميرمية... الشاي.. الـزعتر.
تـوقف هنـا الـزمـن..هنـا بالتحـديـد.. مـن أمـامي هنـا، وعنــد مـدخـل هـذا المكـان الحقيـر..كـان ذلـك عـند قـدومنا إلـى هنـا، لقـد تـوقف أمـامنا لحـظة الاستقبـال الكئيـب..الـرهيب..المتخـم بالحقـد والضغينـة..فـي نـظرات السجـانين.. لقـد توقـف امـامنا للحظـة.. وبشـكـل غيـر متـوقع وبـدون سابق إنـذار، بـدأت أراه..يغـادر.. غـادر..؟
أدار لنا ظهـره..بـكل سخـرية وشماتة.. كـلمـا تحـرك خطـوة إلـى البعيـد.. ازداد حـجما وكبـر.. كعفـريت المصبـاح فـي ألـف ليلة وليلـة.. ولكن قبـل أن يغادر انحنى قليـلا... ليتناول حقيقــة مهتـرئة.. مليئــة بـأسمال هـذا المكـان الأغبـر..... كـان ينتظـرنا.. هنـا بالتحـديد.. فـي هذا المكـان، ليغـادر هــو.. هـو وحـده.. لقـد وجـد من يحـل مكـانه هنـا.. وفـي معمعـان الحركـة والاستقبـال... !
التفـت إلينا والابتسامة الصفـراء..المحشوة بالشفـقة والسخـرية والشماتة معـا..كالتـي يحمـلها السجـانون والجنـود.. ملأى بالحقـد.. أخالها كلمـاته تتـردد صـداها رنـانة فـي آذاننا.. لم ينطـقه ولكـن صداهـا..ما تـردد عـلى مسامعنا أو علـى الأقـل مـا تخيـلت أننـي سمعته الآن.. احتفلـوا هنـا بفرصـة مغـادرتي لكـم... وبسرعة.. كحـد السيـف.. استمتعـوا بهـذا الفـراغ.. حتـى القطـرة الأخيـرة..حتـى أقصـاه.. حتـى تحيـن السـاعة...!
خمس سنوات، واللـهِ.. لا زلت أتذكـر وبقوه، تلك الابتسامة البلهاء عـلى وجوه زمـلائي كـلهم، وعـلى جـانبي فمـي.. أتذكرها لأنهـا آلمتني.. بعـد ذلـك، ولكونهـا بقيـت لمـدة طويـلة متحجرة علـى وجهـي..رغـماً عني.
بـدأنا بترتيـب الأماكـن التي سننـام بهـا..الكـل يحـاول أن يتمسـك برباطـة الجـأش.. إنّها السلاح السحري لغربتنـا.. يجب أن نكـون رجالا..أتذكـر الآن الأغنـية العـذراء..والعـزاء الوحيدة.. أقصـد الاحتفـال الـوحيد.. التي تتـردد صداها فـي أرجاء الغـرفة (القاووش) والتي بدأها مازن.. بصوت أشبـه بالندب.. صوته المفعم بالأسى والحـزن الداخلي الذي كـان يمزقنا.. راجعين يا هوا راجعين.. يـا زهرة البسـاتين.. آه أنني أتذكـر وبوضـوح.. اليـوم الثـاني لقدومنـا..عـانينا جميعا من صداع حاد جماعي كأنها عدوى طاعونية.. فيروسية.. فيروزية.. لقد أفقـت فـي اليوم التالي وكلمات الأغنيـة مـا زال يتـردد صـداها فـي رأسـي.
إننـي الآن أشـكّ بمـا كانت فيروز تفـكر به حـين رددت كـلمات هـذه الأغنية وبصوت أيضاً ذي بحة ملائكيـه..هل كانت تقصدنا نحن.. تعزينـا نحن.. فقـط تطايـرت الكلمات في السماء كموجات الـراديو.. ليلتقطها المتلهـف لسماعهـا.. الأقدر عـلى ترجمتهـا لمشـاعر جياشه...تـأتي بعد ذلـك كحجارة ضخمـة، ثـابتـة فـي مكانها.. فـي معبـدها الأزلي.. متحجـرة فـي أعماقنا.. كحجـارة هـذه الصحراء المحيطة بنـا... سـوداء... كحقـل البراغيـث هـذا.. الممتـد إلـى خـط الأفق.. تغطـي رمـاد هـذه الصحـراء السـرمدي.. ونحن مـن هنـا..مـن مركبنا هـذا تائهين فـي سـديم صمتهـا الأبـدي.
Page 10
(3)
استرخى وهـدأت أوصاله قليـلاً..التصق بجسـده العصفوري الضئيـل...عنـد نهـاية الجـدار الحجـري (السـلسلة الحجـرية) بشكـل مؤقـت....؟ كان ذلك بفترة ما قبل الظهيرة بقليـل.. هو الآن عند نهاية هذه السلسلة المؤدية إلى بنت الحـاجة أم راضي ويـبعد مـسافة مناسبة، أولاً ليكـون على اطلاع بحركات الحاجة، وثانياً أن الموقع الذي يتواجد به ليـس من السهـل كشفه..كان أمامه الدرب الضيق الصغيـر..الممتـد إلى (الحاكورة).
ويتربـع هنـاك على يمين الـدرب، طـابون خـالته أم صـلاح، صاعـداً قـليلاً ويبعـد عـدة أمتـار إلـى أعلى بجـانب مكان قرفصته.. وهذه المسـافة القليلة، مليئة بأكوام رماد الطابون (السكن)، وكذلك أكوام وقـود الطابون (الزبـل).. مصدر الوقـود للطابون.
(والـزبل هذا) مكـون من خـليط لروث البقـر والغنم.. والمعـجون (بالتبـن).. قـش القـمح أو عقـد القـش التـي تـدعى (قصـل).. وأيضـاً الخليط المجفف عـلى نفـس السـلسلة الحجرية التي الـتصق بجانبها..وهنـاك بجانـب وجهـي بالتحديد إحـدى تلك (الكعكات) المـلصقة بالسلسلة، وكانـت مـا زالت حديـثة.. لـذا كانت رائحتها قوية.. رائحـة الروث قـوية تدخل أنفـي مع كل استنشاقه للهـواء.
احتـراق الـروث.. ورائحتـه ودخـانه المتصاعـد مـن الطابـون... هـو مـادة ثقيـلة.. تخرج على شكل مـوجات ضبابـه كثيفـة.. لونها ضـارب إلـى الرمـادي المصفر، كثيفـة هائلة الـرائحة.. قوية.. قـوة النار الـتي يخلفها الـروث المحترق فـي الطـابون.
تخرج الأدخنـة من بـاب الطابون.. أو.. الفم الغـائر إلـى الـداخل.. لذلك المخـلوق العـجائزي الشكـل، أشبه بـالرأس..(منكوش) الشعر.. وأيضا العـوارض الخشبية تبـرز مـن أعـلى السقف.. وتخـرج معهـا كذلـك الصفائـح المعدنيـة الصدئة (التنـك).. كـل هذه المـواد تـرزح تحت ثقل (اللِبِـن).. الطـين المعجـون بطبيعـة الحـال مـع التبـن.. وكذلـك الجـدران، تـم بنـاؤها أيضا مـن نفـس الخـليط.. هنـاك فتحـات صـغيرة عنـد نهـاية الجـدران، والمتصـلة بالسقـف المحـدودب قـليلا.. ومـن كل هـذه الفتحـات يخـرج الدخـان كـأنه شـعر مجنـون... عشوائي.. رمـادي كستنـائي اللـون كشعـر العجائـز.
تتـوزع أشجار الزيتون والتيـن.. واللـوز عـلى يسـار الدرب، وبشكـل كثيـف وغريب.. ومن أشجار التيـن التـي هناك.. كان هناك عدة أنواع، منهـا (العجلوني الخرطماني، البيـاضي، والموازي).. وكان المفـضل لـدي هو العجـلوني، فقـد كنـت دائم الإغـارة عليـه.
كـانت هنـاك أيضا شتلات الزيتـون وهـي ليـس بـالكبيرة.. كل هـذه الأشجـار موجودة فـي الحاكـورة(*) تتـوزع بنسق غـريب، مسـاحات فارغة ليس لهـا معنى في بعـض الأحيان.. مع وجود كثـافة واكتظـاظ بين الشجيرات.. غيـر مفهـوم أيضاً بالنـسبة لـي.
لا أزال موجـودا على يـسار الـدرب المقابل للشجيرات.. وخـلفي طابون خـالتي.. الـذي تفصله عـن حاكـورة الحـاجة أيـضاً سلسـلة حجـرية أخـرى.
هـذه السـلاسل والجـدران الحجـرية كـانت تقـيم العلاقة بيـن الأرض والقاطنين في القـرى، فممتلكات الحاجة تحـيط بهـا جـدرانها بتعـرجات غريبـة تفصلهـا عن جيـرانها، ويتـم ترميمها بيـن الحيـن والآخر حين تنهار بعـض أجزائها بفعـل القفز عليهـا ومـن أجل اختصار الطـريق.. بـاجتيازها.
وقد بنتها الحاجة أم راضي ووضعت حجارتها حجراً بعد حجـر، أيام عـزها وصباها.. وربيـع.. وخريف عمـرها.. ومن العصور البائدة.. إذ إنّني لا أذكر الحاجة إلا كما هي..حاجة شاخصة صارمة.. كأنها قد قدت من الصخـر المحيط بهـا... لقـد ترك الـزمان في التفاصيل والمعالم أخـاديد عميقة.. قوية فـي هـذا الـوجـه الخرافـي.. الجـامد.