eKtab
EN ع
البيرق
Read free sample

البيرق

by بسام المسلم

Page 1

ليلة مع عروس البحر

طلَع وجهها من البحر. يتبعه جسدها يتلألأ بالنّدى. في قبضتيه الحبل يتَحرّك.. يتلبّط مثل سَمكةٍ تُنازع. رويداً يهدأ اضطرابه.. يتراخى.. بين يديْه يسكن الحبل تماماً.
***
من البدر ينحدر بحرٌ فضّي. يملأ الليل. يفيض منه على «الفِرجان»[2] يعبِّئُها. يتدفّق عبر الكوّة منتشراً في الحجرة ، ليغمر وجهها الغافي. نائمةً بقربي، أدنو منها. فينشقّ الفراش عن ذراعين مبلّلتين ترتفعان في الظلام. تحولان بيني وبينها. كفّان يمتدّان إلى عنقي. يخنقاني. بالكاد أتخلّص منهما. وأنأى عنها بجانبي.
ظلُّ الجدار يصطدم بناظري. يفتح أجفانه السّود. تنبثق منه مئة عينٍ حمراء تحاصرني. ترميني بشررها. تحت الدثار أتكوّم هرباً.
القمر يرتفع من زاوية الكوّة. تهبّ نسمةٌ رطبة. تثور رائحة ماء الورد ممتزجاً بعرقها. أقترب مرّةً أخرى لينتصب لي وجهه الأزرق دونها. وعيناه جمرتان. أصدّ عنهما إلى السّقف المظلم فيخرّ عليّ أذرعاً أخطبوطيّة. تكبّلني.. تقتلعني من فراشي. أقوم ذليلاً ألبس ثيابي وأخرج.. إلى الأزقّة المعتمة أتسلّل. ومنها أسري إلى من يعرف سرّي. إلى البحر.
على الأرض الباردة أقعد. الزّبد الفضيّ يصفع قدمي ويذوب غائراً في الرمال. الماء فاتر كعادته ليلاً مثل جسد ميّت. وأنا ألوذ بالبحر في الليل حينما يسكن كل شيء. أصغي إليه.. يحمل إليّ صوت «جاسم».
***
ثلاثةً كنّا. أقدم ما نذكر رائحة البحر وهدير الموج وهو يتهشّم على الساحل. بمحاذاته نقتفي أثر أمهاتنا الثلاث. بأقدامهنّ يطبَعن رسْماً طريّاً على امتداد الشاطئ المتعرّج. نسير على آثارهنّ متلذّذين بوخز القواقع والصّدفات من تَحتنا. وعلى رأس كلّ واحدةٍ منهنّ صرّة معقودة، تتمايل أمامنا بعيداً تحت شمس الضُّحَى كسراب الهوادج على ظهر الذّلول. يتّخذن من الحجارة مقاعد. يحللن عقد صررهن. ويغسلن بالبحر حملهنّ.
أمّا أنا وجاسم فنلقي بثوبيْنا على الرمال الرطبة. و«لولْوَة» مثلنا تتجرّد إلّا من قطعةٍ تسترها. معاً نغمس أجسادنا البضّة في البحر. نرشّ بعضنا بِمائه. نتذوّق ملحه العالق بالشّفاه. ومن بين الرّذاذ المتراشق نلمح وجوه أمهاتنا منهمكاتٍ بعملهنّ. أعينهنّ تراقبنا بنظراتٍ متردّدة. يبتسمن لنجوى بينهنّ. ومن نظراتِهنّ نعرف أنّ الحديث يدور حولنا لمّا يطْلِقن قهقهاتٍ خجولة، تصافح أصداؤها ضحكة نورسٍ أبيض، أشرع جناحيه فوق أمواجٍ تتهادى من بعيد.
لم أزل أذكر ذاك النهار الذي أتتْ فيه زوجة خالي إلى السِّيف من غير لولْوَة. حينما سأل جاسم عنها أجابته أمها بابتسامة غابتْ معها عيناها في ثنايا وجهها السمين:
ـ «البنيّه خلاص كبرت.. صارت مَــرَه!».
لم نفقه كلامها، فقط سبحنا من دونِها. في ذلك اليوم لم نسمع نورساً يضحك. الْتفَتُّ بصمتٍ مع جاسم نحو البعيد فشعرتُ معه أن لامتدادِ البحر وحشة. وللمرّةِ الأولى أحسستُ أنّ لِملوحته مرارة. أدركتُ أن بغياب لولْوَة لم يعد للبحر معنَى.
***
جاسم يعرف أين يجدني. مسنداً ظهري إلى جذع سدرةٍ عجوز تسلّقناها صغاراً، لمحته يركض نحوي وبيده غترته. أنفاسه المتلاحقة زاحَمَتْ كلماته:
«النّوخذة[3] «بوسليمان» بالمَرسى.. عزم على الدشَّة![4]».
قمتُ معه لَمّا أخذ بيدي. في انطلاقنا إلى المرفأ رأيتُ النوخذة يقْبلُني غِيصاً[5]. من الأعماق أعود إلى الشاطئ بيدي عقْدٌ مبلّل من اللؤلؤ أمْهر به جيدها. لكنه حلمٌ سرعان ما تلاشى حينما تفحّصني بوسليمان بنظراته الثّاقبة. وأشاح عني بوجهه:
«أخاف على بدنك الهزيل طولَ الغطس! تدخل السنة معنا سيباً»[6].
برقٌ خاطف التمع بداخلي مسّ أشرعة آمالي. رجوْته. نَهرَني بصرامة النوخذة. فأطرقْت. أغمضتُ عينيّ على لولْوَة.. وتقبّلت الأمر على مضض.
Page 2
النّهّام[7] على السفينة. تجويف صوته أغنية البحر الحزينة. نحو الهيرات[8] أبحرنا حتى هبط الليل فأضاءت في السماء لآلئ. تساقط بضعٌ منها شهباً غابت في طيّات الظلام. هدأ الدّبيب على ظهر المركب. وهجعت الأجساد المُنهكة إلّا من بضعة بَحّارة تحلّقوا حول سفرة حصيرٍ دائرية تناثر التمر عليها.
على طرف المركب وقفتُ عند صفحة الماء.. وجه البدر ينتشر عليها طيفاً فضيّاً. شعرتُ بجاسم منتصباً إلى جانبي. صوته اختلط بوَشْوَشة أمواج تلكز ألواح السفينة الخشبيّة:
«جفاك النوم؟».
صمتُّ برهة.. بشيء من الأسى أجبته:
«الموسم القادم سأكون مع النوخذة «بو غانم»».
كتفه لامس كتفي محاولاً التخفيف عنّي:
«على رسلك.. لا تستبق الأمور!».
التفتُّ إليه.. تابع بنبرةٍ مغايرة:
«خَلّك من بوسليمان وبوغانم..».
رغم ضوءٍ ماجَ على وجهه منعكساً من البحر، كان الغسق قناعاً.. من خلفه أطلقها كالرصاصة:
«أُبوي كلّم خالك أمس.. عزمت على الزواج! سأعرس بلولْوَة يا ابن عمي».
في لحظة رأيت القمر يسقط في عرض البحر. تهاوت النجوم تباعاً. ظلامٌ حالك ابتلعني. لم أعد أميّز معه شيئاً من ملامحه. تَمتمْت:
«بـ .. الـمـ..با..رك!» .
صوت بوسليمان يحثّ البحارة على الرقود. انسحَبَ جاسم ووقفتُ أنا في الظلام وحدي. والبحر صدى يردّد:
« سأعرس بلولْوَة يا ابن عمي!».
عمي «بوجاسم».. ما فتئ يتقرّب من خالي مذ مات أبي. يَحوم حولي وأمي مثل عُقابٍ يتربّص لحظة الانقضاض. الآن أسترجع تلك الرغبة التي تفوح من نظراته. وتتضح لي معالم الشبكة التي تحيكها عناكب خطته. في تلك الليلة أويت إلى فراشي، لكن عينيّ تعلّقتا بالنجوم.. ولم أنم.
***
جاسم يضع الفطام[9] على أنفه. بصَمتٍ أحكمتُ معه ربط الحبل بالمقطف[10] المعلّق برقبته. نظر في عينيّ قبل أن يثب إلى البحر. ولسببٍ لا أدركه كنت أنظر إليه وهو يغطس في الماء نظرة مودّع.
كلمة الرجال في الديرة نافذة لا محالة. جاسم في القاع. الحبل بين يدي. ولولْوَة بين أضلعي. رأيتها عروساً تطلع من البحر ساطعةً كمحارة تحت الشمس. تناديني.. تبْسط إليّ ذراعيها والماء يتقاطر منها حبيباتٍ ماسيّة. بأطيافها سرحْت. أبداً لم أشعر بجاسم ينبر الحبل، أو هكذا ظننت. عاد الغاصة إلى سطح السفينة إلا ابن عمي.. وحين استبطأته سحبتُ الحبل بمساعدة البحارة. كان جاسم.. جثةً هامدة.
Page 3

الشفق الأحمر

ها قد نلتَ مرادكَ من الزَّعامة وتصدَّرتَ المجلس. تقلِّب وجهكَ في الحاضرين. وهم يقلِّبون أنظارهم فيكَ وفي أخويْك المنتصبيْن إلى يمينكَ، تقطُرُ يداهما من دم البارحة. تقرأ في عيونهم الذّليلة السّؤال وأنت تلفُّ شاربيك الطويلين. فتعلنها على الملأ بصوتكَ الجَهوريّ:
«أعمامي ماتوا .. وأنا الوريث!».
تختلط كلماتكَ بهمساتٍ تحتضر. تنتهي بالسُّكون، بالسَّمع والطّاعة. تأخذكَ العزَّة فتنتشي. لكن يأتيكَ خيالٌ يلوح من أحداث البارحة. تُعكِّرُ صفوَ نشوتكَ عينا عمّك المصوَّبتان تجاهكَ في ذهولٍ يرعبكَ بعد أن أفرغتَ بندقيَّتكَ غيلةً في صدره. تساءلتَ في قرارةِ نفسِكَ إن كان شبحُ عيْنيه الفَزِعتيْن سيراودكَ فيقضُّ منامكَ لبقيَّة لياليك. هل سيظلُّ نداء الفجر يحمل لك صوت صيحاته الأخيرة وهو يستغيث بك: «عمّك!.. أنا عمّك!» قبل أن تشقَّ رصاصتكَ الظلام لتستقرّ في صدره فتسكته إلى الأبد؟
تحت جُنح الليل الأخير ومع نداء المؤذّن، كنتَ مع أخويك.. ورابعكم، صديق عمرك ومحل ثقتك «بن مراد»، الذي أشار لكَ بالفكرةِ والتّدبير. تترقَّبون من خلف جذع السّدرة العتيقة الجاثمة على طرف براحة[11] المنزل. تشعُّ عيونُكم تحت شجرها كعيون البومِ في ليلةٍ موحشة. وفي يديّ كلٍّ منكم سلاحٌ يلمع من سنا قمرٍ يودِّع . تتبادل مع أخويكَ نظراتٍ متردِّدة من تحت اللِّثام. تلتقي عيناكَ بعينيّ «بن مراد» فتطمئنّ. وتعزم على الأمر.
«بن مراد».. عرفتَه مذ كنتَ طفلاً. يلازمُكَ كظلِّك مع أنّك لا تعرف من أين أتى ولا تذكر أوّل يومٍ قابلتَه فيه. كبرتما معاً. واليوم يشارككَ في تقرير مصيركَ أنتَ وأخويك.
ها هو ابن عمّكَ يخرج للمسجد ملتحفاً عباءته. اضطربَت البندقيّة في يديْك المتعرّقتين وأنت تراه يغيب في الظُّلمة. انطلقتم تباعاً إلى المنزل. وحين تجمَّعتم عند بابه، همَسَ «بن مراد» في أُذنكَ بصوتٍ كالفحيح:
«قل لأخيكَ الأصغر أن يبقى هنا حارساً.. وليصعد الآخر إلى عمِّه!».
وبحذر تسلّلتَ أنتَ إلى السّطح مع «بن مراد» تريدُ عمّكَ الآخَر. وعندما وجدتَ بابه فتحتَه. رأيته على سريره يريد النّهوض للصّلاة بينما زوجته بقُربه واقفة. وضعَتْ راحةَ يدِها على فمها حين صوَّبتَ بندقيّتكَ على عمّكَ كفوهةِ إبريقٍ يغلي فوق جمرٍ ملتهب. وصاح هو بكَ مستجيراً:
«أنا عمّك!».
خانكَ ارتجاف يديْك. أحجمْت. فغشَتكَ همسات «بن مراد» من خلفكَ:
«بينكَ وبين السِّيادة ضغطة زناد.. سيخطُّ التاريخ اسمك بحروفٍ من لؤلؤ!».
أزاح عنكَ غشاوتَكَ صوتُ طلقةٍ تخرج من بين ذراعيْكَ المرتجفتيْن. يتبعها صوتُ طلقةٍ أخرى في الجانب الآخر من السَّطح، ليخيِّم السُّكون وهلة. ثمَّ يشقُّ ذلك السُّكون نشيجُ امرأةٍ تنوح تحت قبَّةٍ سوداء مُرصَّعةٍ بنجومٍ حزينة..
وها أنتَ تستوي بعدها على عرشكَ مع الشّروق لتعلنها مجلجلةً على الملأ:
«أعمامي ماتوا.. وأنا الوريث!».
رمقتَ أخويْكَ المنتصبيْن كصقريْن إلى يمينك. شعرتَ بالفخر. التفتَّ إلى «بن مراد» فلم تجده إلى يسارك. وحين أمعنتَ وجدته خلف الحضور يطفو عارياً تماماً مثل دخانٍ يغشى المجلس. وللمرَّة الأولى في حياتكَ تراه على حقيقته. رأيتَ جلده أحمر كاللهب. وجهه وجهُ ماعزٍ أسود. له عينا ثعبان وقرنان معقوفان.. وتلاشى أمامك كالسَّراب.
Page 4

على عتبات الديوان

«الواقع دائماً أقوى من الخيال»[13].
هي من تلك الصّداقات التي تنبت على ضفاف الزمن رغم الفرق الشّاسع في السن، صداقة صبيّ لم يتجاوز العاشرة برجل تجاوز الخمسين. تجذّرت بسبعة شهور عجاف من سنة 1990 وتسلّقتْ أغصانها بضعة أشهر من العام التالي، حينما جاء الرجل الخمسينيّ مع والدته المسنّة، وأخيه وأخته للسّكن في ديواننا الواقع داخل سور بيتنا وبيوت أعمامي، بعد أن تعرّض منزلهم لوابلٍ من رصاصاتٍ طائشة.
في سنّ العاشرة، وفي كلّ أصيل أرى رجلاً أشيب طويلاً نحيلاً، يجلس على عتبات ديواننا المطلّة على الحُوش، معتمراً الـشريِمبه[14] بملامح قديمة ووجه حليق الشارب كعادة بعض الشّيبان[15]. الآن أسترجع تجاعيد وجهه وشعيراته الرمادية المتسلّلة على جانبي غترته فيهيأ لي أنه تجاوز الستّين حينها.
كنتُ أراه أغلب الأحيان حاضناً عوداً يدندن به. إلى دندنته انْجذبْت. وعلى رقرقة العود وعند عتبات ديواننا الرّخامية البيضاء نبتتْ صداقة في غفلةٍ من الزّمن.
دخلتُ الديوان الذي تَحوّل إلى عشٍّ دافئ للعائلة الصغيرة. تعرّفتُ إليهم. استذكر وجوههم، فأعجبُ كيف كان يبدو الأربعة: الرجل، أخوه وأخته وأمّهم كأنّهم في سنّ واحدة. الأخَوان بوجهيْهما الحليقين، كلّ منهما بدشداشته[16] الفضفاضة غير المكوية، كأنّهما خرجا من زاوية حيٍّ مغمور في لوحةٍ لأيوب حسين[17]. أختهما ترفع بوشِيّتها[18] السوداء وترى ملامحها فتحسبها أختاً لأمّها العجوز.
كان يصنع من ورق الجَنْجِفَه[19] ريشةً للعود، ورسّاماً مولعاً بالسيارات. حكى لي أن له فيها تجارة أقرب ما تكون للهواية .كان شغوفاً بمشاهدة جولات المصارعة الأميركية والحياة البريّة. خلال الأشهر السبعة، أعارني عدة أشرطة فيديو لبطولات «المصارعة الحرّة» وحياة الضّواري في البراري الإفريقية. وعن السيارات والعود والمصارعة التمعتْ ضحكات تحت شموس العصر وعلى عتبات الديوان. لا أزال أذكر تلك السيارة التي رسَمها لي يوماً على العتبة الرّخامية بِحبره الأزرق.
كبحّار أسطوريّ كان في مشيته عرج خفيف. أخبرني أنه من جرّاء حادثٍ قديم. وأنّ عظام ساقه استُبدلتْ بسيخٍ[20] من الحديد.
***
انقضتِ الأشهر السبعة. مثل طيورٍ انتهى موسم هجرتها، عادت العائلة المكوّنة من رجلين وامرأتين إلى بيتهم العتيق في «السالمية». حملوا متاعهم.. رائحتهم وملامحهم القديمة وغادروا الديوان، تاركين وراءهم ذكرى نحتتْ حنيناً في قلب صبيّ العاشرة.
***
تلاشتِ السيارة المرسومة على الرّخام. شيءٌ من الغبار اعتلى العتبة البيضاء.
***
الزمن. سريعاً يمضي. العاشرة تتجاوز الثلاثين. امرأة. ذراري. لايزال الحنين تحت غبار الذاكرة. غداً اتصل. أو يتصل. غداً أعود أو ربّما يعود هو معهم فأجده منتظراً على عتبة الديوان. لكن الغد يحمل رسالةً رمادية تصل إلى الهاتف:
إبراهيم فهد إبراهيم المسلّم
العمر «73 عاما»،
«التاسعة صباح اليوم»،
تقبل التعازي
للرجال: ديوان القناعات، الشويخ
***
لاأزالُ أرشّ الليمون على التونة كما تحبّ أن تأكلها. ولاأزالُ أحتفظ بصورتك واقفاً في «حولّي» قرب الكورفت[21] السوداء معتمراً الـشريِمبه.
عشتَ أعزب، وتوفيتَ أعزب.
أتذَكّر «أو ولدٌ صالح يدعو له»[22]، فأعاهدك بأن أدعو لك.
لعلّك تنظر إليّ الآن، بعينيك الجميلتين الرّماديتين. ولعلّك تبتسم. بين ذراعيك قيثارةٌ ذهبية، جالساً على رخامٍ أبيض كالسّحاب، بلحنٍ سرمديّ. إلى يسارك مكانٌ شاغر. تنتظرني. هناك.. على عتبات الجنان.
10 نوفمبر 2010
Page 5

سـاعةُ الصِّفْـر

قفلنا إلى أهلينا من الساحة حين ارتدى الليل عباءته البنفسجية. خمدتْ بعد العشاء مواقدنا. أغلقنا نوافذنا. تباعاً نامت مصابيح بلدتنا. ومع آخر مصباحٍ خفتَ نورُه التمعتْ بساحتنا عينا ظلٍّ طويل. ترقبان أشباحاً تَنصِبُ خيمةً لها راية. في الظلام ارتفع ظلّها. خفقتْ رايتها.. وحجبتْ قرص القمر.
***
لبلدتنا طقوسٌ يعرفها الشروق. تطلع عين الشمس من الأفق. تلوّن السماء بشفقها القاني. رائحة الخبز تفوح من التنّور تغمر الأحياء. بائعة «الباجِلّا» تغرف لامرأةٍ من قدرها. ثغاءُ شاةٍ يسوقها الراعي إلى الساحة. وبساحتنا دكاكينٌ لنا، هي حياتنا. فيها نبيع التمر والقماش. ومنها نشتري السّمن والصّوف والعرفج. نهاراً تصبح قبلتنا. نسير باتجاهها. تعجّ السكك بنا. تتعرّج من نواحي البلدة. وتصبّ كلها في ساحتنا العتيدة.
حين أدركنا ساحتنا ذات نهارٍ اتسعتْ أحداقنا. وجدنا خيمةً عالية انتصبتْ بقلبها. عند مدخلها رجلٌ فارع الطول بزيٍّ أصفر، له كُمّان طويلان بخطوطٍ عرضيّةٍ حمراء وبيضاء. إلى أسماعنا تناهى عزفٌ من داخل الخيمة. لَمّا رآنا الرجل في حيرةٍ أشار لنا فاقتربنا. تفرّسنا في تنكّره. وجهه العريض تغطّيه طبقةٌ من طحينٍ أبيض. أنفه ثمرةٌ حمراء. حول شفتيه ابتسامةٌ جامدة رُسمت بصبغٍ صارخ. شعره الكثّ فاقعٌ بلون أنفه. وقبل أن نكلّمه أفسح عن المدخل وأومأ بقفازيه الأصفرين لنا مع انحناءة يسيرة بظهره.
دخلنا الخيمة فاجتاحنا صخبُ أبواقٍ وتطبيل. رأينا حبالاً معلّقة بسقفها العالي يتأرجح عليها بهلوانية بهيئة الرجل الذي رأيناه آنفاً.في في الأسفل حلبة مستديرة فيها مروّضون على شاكلته. يسومون أُسُداً وفيلة بالسياط. يفغر الأسدُ فاهُ لأحدهم فيُدخل رأسه بين أنيابه ثم يخرجه من غير سوء. ويضرب آخر بسوطه الأرض فتنتصب الأفيال لتطوف على رِجْلين بالحلبة.
مكثنا نشاهد عجائب الخيمة طوال يومنا. لم نفتح دكاكيننا حتى أزف الغروب. ما قطع حبال دهشتنا إلّا صوت الرجل عند المدخل حين صاح بنا. ولَمّا قمنا وهممنا بالانصراف لمحنا كلمة «مـهرّج» وسط دائرةٍ منقوشةٍ على صدره. خَفتَ طنينُ المعازف عن سمعنا حين خرجنا وتنسّمنا هواءً أنقى. لم يزل في السماء بقيّة من آثار الشمس. رفعنا رؤوسنا ناظرين إلى أعلى الخيمة. فرأينا رايةً عليها خفّاقةً حمراء. كُتب عليها بالأصفر ذات الكلمة التي قرأناها على صدره .
***
ذاع صيتُ الخيمة العجيبة فتوافد أهل البلدة لزيارتها. وأُعجب صبياننا بالمهرّج. كان من ثرائه يسيّر شحنات الغداء إلى مدرستهم حتّى تصدّر خبره جريدتنا الصّفراء. لَمّا سمعتِ الدّيار المجاورة به بدأوا يحجّون إلى ساحتنا حتّى لم تعد تتّسع خيمته للزائرين. رأى المهرّج أن لا مناص من نصبِ المزيد من الخيام في الساحة. وحين فعَل، تطلّبتْ خيامُه المزيد من المهرّجين. فما كان منه إلّا أن غرّر بفتياننا المفتونين به. فاستدرجهم. صبغوا بالحناء شعورهم. بالطّحين الأبيض مرّغوا وجوههم. وحوْل شفاههم رسموا ابتسامته الصارخة. هجروا أهليهم إلى خيامه. يعملون النهار بها ويبيتون فيها ليلهم.
امتلأتْ بالخيام ساحتنا. أينما ننظر تطالعنا الراية الحمراء بنقشها الأصفر فوق الخِيَم. ومن الساحة انتشر المهرّجون كالطاعون في البلدة. ضجّت بهم الطرقات. ليلاً يتسكّعون كالسّكارى. هيئتهم المفزعة واحدة. يجوبون الأحياء بحثاً عن المزيد من الفتيان. يحرّضونهم على الانضمام إلى ركبهم. يغوونهم بالقول إن خيمات المهرّج عوالم مُصغّرة من مملكةٍ عجيبة، يبنيها لهم في مكانٍ ما. الكثير من أبنائنا استجابوا له. وحين ضاقت ساحتنا بالخيام اعتزلنا دكاكيننا. فكسَر المهرّجون أبوابها الموصدة. صارت مرتعاً لهم. يقيلون بها. ويعيثون فيها كما يشاؤون.
نفد صبرنا. فتنادى الرجال منّا بالمسجد بعد الصلاة ذات ليلة. حوْل ضوء مصباح الزيت تحلّقنا. تشاورنا. أجمعنا على طلب الرّحيل من المهرّجين. وضربنا بعد الفجر موعداً. حتى إذا حانتْ ساعة الصّفر ولاح شعاع الشروق خرجنا قاصدين مضارب المهرّج.
حين وصلنا إلى ساحتنا انتصبنا عندها في ذهول. لم نجد فيها إلّا رؤوس أوتادٍ مشنوقة بحبالٍ مبتورة، بين روث البهائم وقدورٍ نخرة. دخان يتلاشى فوق مواقدَ ليلٍ خامدة. صمتٌ لا يبعثره سوى صفير الريح وهي تدحرج خرقاً بالية. تنتهي إلى أبواب دكاكيننا المشرعة وتهزّها. رحل المهرج ليلاً كما أتى..
ولم نعرف إلى أين سار المهرّج بفتياننا. ربّما رحل لينصب خيمته العجيبة في بلدةٍ أخرى. ربّما عرج بأتباعه إلى غمام مملكتهم الموعودة.. لا ندري. لكنّنا نعرف الآن أن لا أثر له في ساحتنا سوى أطلال فوضى خلّفها وراءه كالغبار.. شاهدةً على أن المهرّج قد عبرَ يوماً من هنا.