eKtab
EN ع
البيئة
Read free sample

البيئة

by مجموعة مؤلفين

Page 1
مقدمة
 
كنت دائماً أجد راحة في المحيط. فهو يجسد الثبات والاستقرار في عالم متغير ومجهول. ولكنني مثل جميع الذين يجذبهم المحيط، توصلت إلى إدراك أن ما كنت أظنه غير قابل للتغيير، ليس كذلك بل هو هش وعرضة لأن يتغير. وقد لاحظنا وجود أنظمة بيئية تتعرض للاعتداء بسبب الإفراط في تطوير المناطق الساحلية أو بسبب الصيد الجائر أو السياحة المفرطة في الحماسة أو بسبب سذاجة اعتقادنا بأن المحيط يمكن أن يستوعب أي شيء نلقيه به.
 
قبل عشرين سنة مضت وفي مؤتمر باركس للعالم الثالث الذي عُقد في بالي بإندونيسيا، جمع رودني سالم وآخرون مجموعة أساسية من خبراء إدارة المناطق الساحلية للمحيطات من أجل مناقشة ما كان يعد نسبياً في ذلك الوقت فكرة جديدة: المناطق البحرية المحمية. وقد جاءت الطبعة الأولى من كتاب المناطق الساحلية والبحرية المحمية: دليل المخططين والإداريين كنتيجة لذلك الاجتماع. وقد قدّم هذا الكتاب باقة أفكار تتعلق بالمحافظة على البيئة البحرية، ولعله يتوجب علينا إهداء التقدير لغلاف الكتاب الذي من خلاله أصبح الكتاب يُعرف باسم الكتاب البرتقالي. ومن المدهش أن الكتاب بقي عبر السنين التي تخللت إصدار الطبعات، حياً ومعاصراً ومطلوباً حتى بعد مرور فترة طويلة من نفاد مطبوعته.
 
في أواسط الثمانينات، كنت أقوم بعمل تطوعي في فيلق السلام في غرب إفريقيا وقد قدمت النصح لحكومة سيراليون حول تطوير المناطق المحمية. وكان الكتاب البرتقالي رفيقي ودليلي، حتى في سياق المحميات البرية، لأنه كان ينطوي على محتوى اجتماعي لتخطيط وإدارة المناطق المحمية أفضل من أي شيء متوفر بين يدي. الزمن وحده سوف يخبر إذا كانت المشاركة مع المجتمعات والتي بنيت جزئياً على الدروس المستقاة من هذا الكتاب، سوف تعطي فائدتها في مجال المحافظة على تلك المحميات، ولكن هؤلاء منا الذين وقفوا على الخطوط الأمامية في أعمال المحافظة على البيئة يعلمون أنه لا يمكن أن يكون هناك أمل أفضل.
 
وبسبب الرغبة في الاستحواذ على بعض الخبرات التي طرأت منذ صدور الطبعة الأخيرة من ناحية، ومحاولة لرفع الضغط عن ماكنات النسخ والتصوير في منظمة الاتحاد العالمي لحماية الطبيعة والموارد الطبيعية IUCN من ناحية أخرى، تلطف رود سالم وجون كلارك ووافقا على القيام بمراجعة رئيسية للكتاب البرتقالي بمساعدة العديد من الأصدقاء. من المؤكد أن هذا الإصدار ليس كتاباً جديداً ولا هو يسعى إلى تقديم نظرة عامة وشاملة حول آخر النظريات المتعلقة بتطبيق فكرة المحميات للمحافظة على التنوع البيولوجي. ولكن تركيزه أو قيمته الحقيقية تكمن في استحواذه على النواحي العملية المتعلقة بإدارة وتأسيس المحميات البحرية بما فيها نجاحاتها وإخفاقاتها.
 
واضعاً في ذهني الاحتياجات الخاصة للإداريين في الدول الاستوائية النامية، كان تركيزي على أنظمة البيئة البحرية الاستوائية مثل الحيوانات المرجانية وأشجار المنغروف كما كانت الحالات الدراسية المستخدمة في الكتاب من تلك البيئات الاستوائية نفسها. ومن أجل هذه البيئات والناس الذين يعيشون فيها ويعتمدون عليها في حياتهم، نكرس جهودنا المتجددة لحماية قدرة البيئة البحرية على التكيف من خلال حماية مناطقها الهشة والعالية الإنتاج، واضعين في أذهاننا أننا في النهاية لا ندير البيئة فقط ولكن ندير أنفسنا، وبهذا أودع هذا الكتاب بين أيديكم علّه يكون لكم خير معين ويعزز قدرتكم وعزيمتكم على حماية المحيطات والحياة فيها.
Page 2
تمهيد
 
تطورت المقاربات المتعلقة بتخطيط وإدارة المناطق البحرية المحمية (MPAs) بشكل ملحوظ منذ صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب عام 1984. وقد انبثقت النسخة الأولى من ورشة عمل عقدت حول إدارة المناطق البحرية والساحلية المحمية في أكتوبر/تشرين الأول عام 1982 خلال المؤتمر العالمي حول المتنزهات الوطنية الذي انعقد في بالي بإندونيسيا. أما الطبعة الثانية فقد أُنجزت عام 1989 واحتوت على مراجعات ثانوية. ورغم فقدانها من الأسواق منذ سنوات عدة إلا أن الطلب على الكتاب بقي عالياً. ولكن التغييرات العديدة التي حصلت في السنوات الخمس عشرة السابقة والدروس الجديدة والكثيرة التي تعلمناها أوجدت حاجة واضحة لإجراء تحديث رئيسي في الكتاب وقد جاءت هذه الطبعة الثالثة استجابةً لذلك الطلب.
 
حتى اليوم، وبعد خمس عشرة سنة كانت التغذية الراجعة التي تلقيناها تجمع على أن الكتاب يعتبر أداة عملية ووجهة نظر تطبيقية مباشرة. لقد كانت هذه هي الفكرة الأصلية من وراء الكتاب وستبقى هدفاً رئيسياً لهذه المراجعة، يقصد منها أن تجعل من الكتاب دليلاً للناس الذين يجدون أنفسهم مكلّفين بالتخطيط لإقامة أنظمة فردية أو وطنية للمناطق البحرية أو البرية المحمية أو لكلتيهما، أو بحاجة أيضاً إلى سياق فلسفي لهذه المناطق مصحوباً ببعض المبادئ والمقاربات الأساسية المطلوبة لإنشائها.
 
وحيثما كان ممكناً، تم استخدام الحالات الدراسية في هذا الكتاب لتوضيح النقاط أو العمليات عبر تقديم أمثلة حقيقية من الواقع. ونحن نرغب بأن نفكر بأن من يمارسون في هذا الحقل، سيجدون في هذه النسخة المنفعة نفسها التي وجدها زملاؤنا وأقراننا في النسخة الأصلية «الكتاب البرتقالي» خلال السنين العديدة السابقة.
 
يأخذ الكتاب معلوماته من عدة مصادر، بما فيها أوراق ورشة العمل التي عُقدت في بالي عام 1982 والتقارير الملخصة المرفوعة إلى رؤساء الجلسات. إلا أن المشاركين في ورشات العمل يبقون هم المساهمون في هذه الطبعة من الكتاب. ولعل مما يسر القلب أن نجد مدى ملاءمة تلك المخرجات الأصلية بالنسبة لليوم. إلا أن مجال علم الحماية والنظريات التي تقف وراءه، تطور بشكل هائل عبر العقدين الزمنيين الماضيين اللذين شكلا فترة استطاعت فيها المناطق البحرية المحمية أن تلحق بركب المحميات البرية. وقد وصلنا إلى المرحلة التي يمكن فيها لكتاب واحد أن يقدم كمّاً هائلاً من الأفكار والإصدارات حول نظرية وعلم وسياسة المناطق البحرية المحمية إضافة إلى عدد واسع من الخبرات العملية الجديدة المتضمنة بشكل واسع في الأدبيات الرمادية. وعبر مراجعتنا لهذا الكتاب استطعنا تقييم بعض التقنيات والممارسات الأكثر صعوبة والتي بقي معظمها بدون نشر.
Page 3
هناك اتجاه جديد على قدر من الأهمية وهو يشمل آليات التركيز على مشاركة المجتمع. كذلك شهد العقدان الماضيان تقدماً وإنجازات كبيرة حول تحدي استدامة المناطق البحرية المحمية عبر آليات تمويلية مبتكرة، وشراكات مع القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، وتنسيق إداري بين الحكومات والمجتمعات الساحلية. وقد جلبت هذه الإنجازات معها مقاربات جديدة لإنشاء وإدارة مناطق بحرية محمية أكثر تشاركية بحيث شملت في نشاطاتها المجتمعات عبر التفاعل والتنسيق بدلاً من تقديم الوصفات والتلقين.
 
ورغم أن الكتابة عن الإدارة التشاركية والتنسيقية أصبحت شائعة اليوم، إلا أننا ما نزال نختبر مختلف المقاربات ونجري فيها تعديلات طفيفة. وقد يحتاج بنا الأمر إلى أكثر من عشر سنوات في معظم الحالات قبل أن نستطيع التمييز بين الحقيقة وبين التفاؤل السهل وقبل أن نستطيع الجزم بأن إحدى هذه المقاربات أو غيرها هي نجاح حقيقي. وينطبق هذا الأمر خاصة على حقل التنسيق الإداري الناشئ أو العلاقة بين الحكومة وبين المجتمعات والمنظمات غير الحكومية و/أو القطاع الخاص، خاصة تلك المؤسسات المرتبطة بالسياحة.
 
وعبر بحثنا عن مواد النشر التي استُخدمت في الطبعة الأولى من هذا الكتاب، سرعان ما أصبح واضحاً لدينا ندرة النشرات والإصدارات حول تخطيط وإدارة المناطق الساحلية المحمية. إلا أنها أصبحت كثيرة اليوم. ففي بواكير عقد الثمانينات من القرن العشرين، كان حقل إنشاء المحميات البحرية وإدارتها جديداً لا يملك إلا القليل من الأدوات العملية المجربة والإصدارات. نتيجة لذلك، اعتمد الكتاب بشدة على الخبرة الشخصية وأبدى تحيزاً قوياً نحو أساليب المقاربات الشخصية. إلا أننا في هذه الأيام ننعم بتشكيلة واسعة من الأدوات والمواد المنشورة والإصدارات رغم وجود نقص في النتائج العملية المجربة والمثبتة، خاصة في حقل التنسيق الإداري. لذلك نقول مرة أخرى إن الخبرات الشخصية للمؤلفين تطغى في تأثيرها على هذا الكتاب.
 
وهذا الكتاب أيضاً مقدم للممارسين العاملين في البلدان الاستوائية، والمقصود منه تكملة النصوص والكتب الحديثة التي تغطي سياسات اختيار المناطق البحرية المحمية وتصميماتها عبر تقديمه لمقاربات وأدوات تستخدم في التطبيقات اليومية الميدانية. وإلى أن تتم تجربة واختبار وتعديل وإثبات النظريات الحديثة ومن ثم استيعابها في الممارسة اليومية، فستبقى هناك دائماً حاجة إلى المقاربات التي تعطي نتائج على الأرض. وأمام اضطرارنا إلى التحرك الآن وحماية ما لدينا اليوم قبل أن نخسره، نجد أنفسنا بحاجة إلى البحث عن كل ما نستطيع أن نجده في علم الحماية وأن نكافح على المدى الأطول من أجل تحقيق الكمال. ويبدي العاملون الممارسون في هذا الحقل وهم ينظرون إلى حيدانهم البحرية تتقطع أجزاءً وإلى أشجار المنغروف وهي تُقطّع وإلى شواطئهم وكثبانهم وهي تتعرض للتعرية وإلى سواحلهم الرطبة تغلقها الرمال أو إلى محمياتهم وهي تتعرض للاعتداء أو يتم تجاهلها، الملاحظة نفسها حين يقولون: علينا أن نفعل شيئاً الآن من أجل الحفاظ على ما لدينا، وبناءً على أفضل المعلومات المتوفرة. إن ما تعنيه كلمة «شيئاً» هو أننا بحاجة إلى إشراك الأطراف المعنية مثل المجتمعات والقطاع الخاص وصناعة السياحة والحكومة، للعمل معهم على الالتزام ببرامجنا وأهدافها، إلا أننا بحاجة لأن نفعل هذا بسرعة.
 
إننا، في هذا الكتاب نتوجه إلى هؤلاء الممارسين العاملين في هذا الحقل في الدول الاستوائية من أجل تقديم بعض المقاربات والأدوات الأساسية لهم ولكي يتمكنوا من أن يخطوا فوراً الخطوات الأولى على هذا الطريق.
 
رودني. في. سالم وجون. ر. كلارك
Page 4
شكر وعرفان
 
يبقى هذا الكتاب، على وجه العموم إلهاماً قادماً من ورش العمل التي عقدت في أكتوبر/تشرين الأول عام 1982 حول إدارة المناطق الساحلية والبحرية الحمية، ضمن أعمال المؤتمر الدولي حول المتنزهات الوطنية في بالي بإندونيسيا، حيث قدّم المشاركون المواد التي شكلت مادة الطبعة الأصلية لهذا الكتاب. لقد قمنا بمراجعة حثيثة لهذا الكتاب من أجل إضافة مواد تكميلية وأفكار وحالات دراسية ومقاربات حديثة. إلا أن الإسهامات الأصلية تبقى دائماً الإطار الذي تم في داخله بناء هذا الكتاب ولا يسعنا إلا أن نقدم الشكر لهؤلاء المساهمين.
 
يسعدنا أن نذكر المساعدة التي قدمها آيفور جاكسون الذي شارك بتوثيق ورشة العمل كما نذكر كذلك إسهامات معظم رؤساء ومقرري حلقات الورشة.
 
وقد شكلت بعض أوراق ورش العمل في الطبعة الأصلية للكتاب المصدر الوحيد في حقيقة الأمر لكامل أجزائه وفصوله. نذكر منها الأوراق المقدمة من قِبَل دي كليم ونافيد حول القوانين، ومن قِبَل غاردنر حول الترتيبات المؤسسية ومن أودم حول مصبّات الأنهار ومن ويس حول الجزر. كذلك نذكر التقارير الملخصة حول المجموعات التي تشكلت في الورشة ومنها بشكل خاص تقارير قيمة تشمل ما قدمه كار وجين-يونغ حول مصبّات الأنهار، وفوستر وكنشنغتون حول التخطيط وكيليهر ولاوش حول المسائل القانونية وكيليهر وفانت هوف حول الإدارة وكنشنغتون وألكالا حول الحياد الحبرية وأوغيلفي وويس حول الجزر.
 
كما أسهمت شارلوت دو فونتوبرت بالجزء المتعلق بالدعم التشريعي والمؤسسي وأسهمت لوسي إيمرتون في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة والموارد الطبيعية في نيروبي في الجزء المتعلق بالإبداعات والابتكارات الاقتصادية.
 
وكذلك قامت سو ولز وريتشارد كينشنغتون ولي كيمبول بأعمال مراجعة مكثفة لبعض الأجزاء.
 
وقامت إيركي سيريلا بتنظيم وتوفير العديد من الصور الفوتوغرافية للنسخة التي تمت مراجعتها.
 
كذلك نقدم الشكر الجزيل للجهود التي بذلها العديد من كُتّاب الحالات التاريخية في الجزء الثالث: كل منهم في الحالة التاريخية الخاصة به.
Page 5
دليل القراء
 
هذا الكتاب موجه بشكل أساسي لحماية الموارد الطبيعية للسواحل والبحار الاستوائية. ومن أجل تسهيل استخدامه ككتاب مصدر، تم تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء:
 
الجزء الأول يطرح إقامة المناطق البحرية المحمية كمقاربة هامة في إدارة الموارد الساحلية والبحرية، ويناقش الموضوع في ستة فصول هي: دور المناطق البحرية المحمية، تخطيط الموقع، إشراك المجتمعات، الاختيار المنهجي للمناطق البحرية المحمية، استراتيجيات وأدوات لتخطيط وإدارة المناطق البحرية المحمية والأسس القانونية للمناطق البحرية المحمية.
 
الجزء الثاني يأخذ في اعتباره مبادئ وآليات تخطيط وإدارة المناطق البحرية المحمية في أربع بيئات هي: الحياد المرجانية، مصبات الأنهار والبحيرات، الجزر الصغيرة والشواطئ. ويركز هذا الجزء على المعلومات التقنية المتعلقة ببيئات معينة وكيف تُستخدم هذه المعلومات لتحقيق الأهداف الإدارية. وهنا نقول بأننا ندرك أن العديد من المناطق البحرية المحمية مشكلة من بيئتين اثنتين أو أكثر ولكن التوجيهات المتعلقة بكل من هذه البيئات يمكن تجميعها في خطة من أجل إقامة المناطق البحرية المحمية.
 
ويقدم الجزء الثالث حالات تاريخية تغطي تشكيلة واسعة من التجارب المتعلقة بالمناطق البحرية المحمية حول العالم من أجل مساعدة مخططي وإداريي المناطق المحمية على تنفيذ هذه المهمات. ويقع التركيز في كل من الحالات التاريخية على الدروس المستقاة والتي تحمل تطبيقات واسعة. يحتوي الكتاب على العناوين البريدية الإلكترونية E-mails للمؤلفين من أجل مساعدة القارئ على تتبع تفاصيل الحالات. كما يقدم الكتاب «دليل للحالات» من أجل تعزيز قدرة القارئ على البحث عن مواد ملائمة.
 
وفي اختيارنا لمواد هذا الكتاب، قمنا بإعطاء الأولوية لأنواع المشاكل التي يواجهها المخططون والإداريون في مجال حماية الموارد في البلدان الاستوائية وشبه الاستوائية حيث الحاجة إلى المساعدة تبدو في أمسِّها.
 
أما المواد الواردة في الجزأين الأول والثاني فهي مبنية على مصادر مكتوبة، سجلت مراجعها الخاصة بشكل أبجدي مع تاريخ الإصدار في الجزء الخامس «المراجع» كما أن مراجع الحالات التاريخية وردت بشكل فردي في الكتاب.
Page 6
مقدمة
 
يتطلب الاستخدام المستدام للموارد الساحلية بأن يتم الحفاظ على بعض المناطق الساحلية في وضع طبيعي أو أقرب ما يكون إلى الوضع الطبيعي. كما أن حماية بيئات صيد السمك التي تعاني من وضع حرج، والمحافظة على الموارد الجينية وحماية المناطق الساحلية والمناطق ذات المناظر الجميلة، إضافة إلى التمتع بذلك الميراث الطبيعي تتطلب إدارة تعمل على حماية المناطق الطبيعية.
 
ومع إعطاء الأولوية في أذهاننا للاستخدام المستدام، ينبغي على جميع الأمم أن تضع في سياستها توفير الأسس القانونية الضرورية لإدارة البيئات الهامة وحماية الأجناس النافعة. هذا الكتاب يقدم معلومات يمكنها أن تساعد الدول ذات السواحل الاستوائية على تنظيم عمل الأنظمة الوطنية للمناطق البحرية والساحلية المحمية وتخطيط وإدارة مواقع بحرية مختارة لحمايتها.
Page 7
وجهة نظر
 
نحن ندرك تماماً أن جميع المناطق البحرية المحمية لم توجد كذلك للسبب نفسه، فكل منها تم حمايته ضمن رؤية مختلفة. ولكن هناك صنفين رئيسيين في الحماية يدخلان في المعادلة الإدارية. الأول صنف مادي يضمن استدامة الموارد الاقتصادية ويقع ضمن مصطلح الحماية، والثاني روحي ويشمل النواحي الاقتصادية الأقل تحسساً مثل قيمة حماية الأجناس والمحافظة على التنوع البيولوجي والمناظر الجميلة، التي يمكن أن تقع ضمن مصطلح حماية البيئة (كلارك 1998).
 
وعادةً ما تتجه حماية المناطق الساحلية والبحرية نحو أهداف عملية. وباستثناء الموارد الروحية، تملك البيئات والأنظمة البيئية والأجناس والمجتمعات التي نحاول حمايتها استخدامات تجارية أو إمكانيات لاستخدامات مثل هذه، وهي في العادة تكون قد استغلت أو تكون مستغلة حالياً، أو مستغلة بشكل مفرط. ويمكن أن تظهر قيمة الحماية البحرية عادةً على الفور عبر تناول الأسماك كأطعمة أو عبر مردودها النقدي، كما يمكن للناس الناشطين في عملية الحماية تجنب نشوب النزاعات بين التصنيع والحماية، ودمج كلا الأمرين معاً.
 
وتظل مسألة إقامة شراكة فعالة بين السلطات الإدارية والمجتمعات تشكل تحدياً رئيسياً. فمن الأهمية بمكان أن يتم تشجيع المجتمعات على المشاركة النشطة في جميع مراحل تخطيط المناطق البحرية المحمية وتشغيلها وقد ازدادت كثيراً أعداد المجتمعات المشاركة بفعالية في مسائل الحماية البحرية خلال العقدين الماضيين عبر المقاربات الإدارية المشتركة، ولكن إشراك المجتمعات وبناء المستوى المطلوب من الثقة بينها وبين السلطات يتطلب وقتاً. إلا أن هذا الوقت يعتبر استثماراً جيداً ولا يجب الاستعجال عند القيام بهذه الخطوة.
 
وندرك في هذا الكتاب أن حماية المناطق هي فقط أحد أساليب المحافظة على الحياة البحرية التي تشمل في العادة عدة آليات وأنظمة منها المعاهدات الدولية، والسلطات الإدارية وحماية أعداد الأجناس، وإدارة مواقع صيد الأسماك، وإدارة المناطق الساحلية وتخطيط استخدامات الأراضي. وليس من السهل دائماً التمييز بين المناطق المحمية وغيرها من أنظمة إدارة الموارد. فالمناطق الاقتصادية الاستثنائية على سبيل المثال والتي تعلن الدول عادةً عن امتلاك حقوق استثنائية لإدارة واستثمار الموارد المجاورة لسواحلها يمكن أن تعتبر نوعاً من المناطق المحمية. ومع ذلك فإن هذه البرامج التي لا تميز المناطق بسبب قيمة مواردها لا تدخل ضمن نقاشاتنا رغم إدراكنا لقيمتها وأهميتها من ناحية تأسيس خلفية للحماية الواسعة التي نحتاجها من أجل المحافظة على تلك المناطق.
 
نحن نؤمن أن الهدف الأساسي لإقامة المناطق البحرية المحمية هو حماية الموارد بحيث تعطي المنفعة القصوى للأجيال الحاضرة دون أن تفقد إمكانية تلبيتها لاحتياجات وطموحات الأجيال المستقبلية. إن هذه الفكرة المرتبطة بالمحافظة على المناطق البحرية والتي تشمل حمايتها واستخدامها وإدارتها هي التفسير الذي نعطيه لمعنى الاستدامة، والذي نقوم بتطبيقه عبر هذا الكتاب.
Page 8
التوازن
 
الاستدامة لا تعني أن جميع المناطق البحرية المحمية يجب أن تكون محرّمة على كل شيء، فحيثما أمكن يمكننا أن نسمح ببعض الاستخدامات التجارية القائمة على أسس منظمة ومستدامة. مثل الصيد، القطع الدوري لأشجار المنغروف واستخدام الأوراق كعلف، إضافة إلى السياحة. ولكن الحماية الصارمة للمناطق البحرية المحمية بهدف حماية مناطق بيض الأسماك أو تحريم الصيد في مواسم توالدها بهدف الحفاظ على استمراريتها، تبقى أمراً مبرراً.
 
وبينما تستطيع التصميمات الموضوعة بعناية والإدارة التنفيذية السليمة أن تضمن استمرارية الحصول على المنفعة من المناطق الطبيعية، نجد أن بعض أنواع الاستخدامات تواجه حتمية الصدام. على سبيل المثال، من المستحيل أن تقطع أخشاب المنغروف وتدرس العمليات الطبيعية المرتبطة بها في الوقت نفسه. ولكن يجب أن تبقى دائماً هناك إمكانية على الأقل للحفاظ على نظام بيئي ممثل من أجل إجراء البحوث المناسبة والمراقبة، في نفس الوقت الذي نقوم فيه بالمحافظة على التنوع البيولوجي وعلى إعادة تعبئة مناطق الصيد، والسياحة. ويمكن تصميم المناطق البحرية المحمية وإدارتها لاستخدامها في نواحٍ متعددة مثلاً: التعامل مع النشاطات بحيث لا يؤدي السعي إلى منفعة معينة إلى كبح السعي لمنافع أخرى.
 
سوف يستمر الناس بصيد الأسماك من الحياد البحرية وجلب الأخشاب والأعلاف من أشجار المنغروف والنزول إلى الشواطئ والبحار للاستجمام واستخدام الأراضي الساحلية لبناء المنازل، وإلقاء النفايات في مياه البحار. وهنا تعمل الحماية بهدف تلبية هذه الاحتياجات الفورية بطريقة تضمن المحافظة على الموارد على المدى الطويل. فالمحميات البحرية توجه التطوير بطريقة تتجنب فيها التضحية بمورد ما مقابل حصاد مورد آخر أو عبر تغيير البيئات أو تلويث البحار. وباعتبارنا حماة مؤقتين لموارد العالم فإننا نحظى أيضاً بنعمة استخدامها. ولكن هذا لا يبرر أن نستخدمها بطيش وإهمال – نحن مضطرون على المحافظة على تلك الموارد وتمريرها غير مستنفدة إلى الأجيال اللاحقة.
Page 9
المقدمات
 
من بين المقدمات البيئية الرئيسية التي تقع في أسس هذا الكتاب، يبرز أهمها وهو إدراك الرابطة الفعلية بين العوالم البحرية والساحلية والبرية التي تحول دون الإدارة
 
الفعالة لمنطقة بحرية بمعزل عن إدارة البيئات البرية المجاورة. إن من الأساسي أن نعتبر أن الأنظمة البيئية الساحلية تشمل كلاً من العناصر البحرية والبرية وأن هذين العنصرين يجب أن تتم إدارتهما معاً. وفي الحقيقة أن العديد من المناقشات المشمولة هنا تتعلق بحماية الأشكال البرية المحاذية للبحر مثل الشواطئ والكثبان والجزر الحاجزة والجزر المرجانية الصغيرة. كذلك تركز المناقشات على الحالات التي تعاني منها المناطق الساحلية أو البحرية المحمية من خطر التدمير دون الانتباه إلى المناطق الداخلية البرية مثل مساقط المياه والأنهار الساحلية التي يجب إدارتها جيداً للحفاظ على توازنات المياه في مناطق المصبات المحمية (صورة 1). باختصار، إن الرابطة البيئية الموجودة بين البر والبحر تعتبر أمراً جوهرياً في صياغة الاستراتيجيات المتعلقة بالمناطق البحرية المحمية. ولعل مضمون هذه الرابطة من ناحية الإدارة أو الاتصال هو أن الحفاظ على الموارد البحرية والساحلية يتطلب توسيع الإدارة باتجاه الشواطئ وحتى المناطق الداخلية.
 
المقدمة الأخرى الهامة في هذا السياق هي أن تيارات المحيطات واتجاهات الرياح وهجرات الحيوانات تربط المناطق البعيدة في المحيطات. على سبيل المثال، تنقل الرياح معها الملوثات الصناعية التي يمكن أن تشاهد في مناطق أخرى على شكل أمطار حامضية، كما تنقل التيارات وهجرات الحيوانات والرياح العناصر الغذائية والأطعمة والبذور واليرقات والكائنات والملوثات عبر المحيطات، قاطعة الأقاليم البيولوجية والجغرافية والحدود السياسية. وهكذا فإن إدارة هذه المناطق الشاسعة عبر الاتفاقيات بين الدول وإقامة المحميات عبر الحدود لحماية الموارد المشتركة، إضافة إلى التحالفات والمعاهدات للحفاظ عليها هي أمور ضرورية جداً. إلا أن هذا لا يقوِّض من قيمة حماية مناطق صغيرة محددة لأن هذا الأمر يبقى أساسياً لحماية البيئات الحيوية مثل مَواطن طيور البحر، ولكن إدارة هذه المناطق يجب أن تكون مندمجة ومتكاملة لتشمل مناطق ذات استخدامات متعددة ومبادرات إقليمية حيثما أمكن.
 
في معظم البلدان يعتبر البحر المحاذي للساحل مفتوحاً لكل من يهتم باستخدامه تماماً كما هو الأمر في أعالي البحار البعيدة عن سلطات الدول (أنظر نافذة رقم 1). يتبع ذلك أن هناك أشخاصاً لا يحرصون على نتائج أعمالهم، مما يؤدي إلى ظهور مصاعب في المحافظة على قاع البحر أو على موارد المياه المكشوفة. وقد أدّت القاعدة العامة المتبعة والقائلة بأن استغلال الموارد متاح للجميع إلى إفناء اقتصادي لعدة مناطق لصيد السمك. يُستثنى من ذلك بعض مناطق دول جزر الباسيفيك التي طوّر سكانها على سبيل المثال أساليب تقليدية للمشاركة في الموارد والحفاظ عليها. والحل المتاح على المستوى القومي هو تنظيم نشاطات صيد الأسماك، وقيام الحكومة بتخصيص موارد للصيد وفرض الحماية على بيئات ومواطن الأسماك من خلال إنشاء سلطة إدارية ذات صلاحية واسعة بما يكفي لإدارة النشاطات عبر المنطقة الساحلية (بما فيها المناطق البرية والبحرية). وخارج نطاق المستوى القومي، توجد حاجة لوضع برامج رعاية دولية فعالة للمناطق البحرية ومواردها.
 
نافذة 1. مبادئ مناطق المشاع
 
في جميع الدول، تعتبر المياه الساحلية ومواردها مناطق مشاع أي أنها غير مملوكة من قِبَل أي شخص أو هيئة ولكنها ملكية عامة متوفرة لجميع المواطنين مع وجود الحكومة في مقام الوصي عليها. تعتبر هذه المبادئ حقوقاً عامة منذ القدم تعود في تاريخها إلى قوانين جستنيان وفيها: بموجب قانون الطبيعة فإن هذه الأشياء تعتبر مشاعاً للبشرية – الهواء – المياه الجارية، البحر وبالتالي شواطئ البحر.
 
كذلك تنص هذه الوثيقة المؤثرة على ما يلي: لهذا السبب لا يمنع أحد من الاقتراب من شواطئ البحر شريطة أن يحترم المَواطن والنصب والبنايات التي لا تعتبر مثل البحر عرضة فقط لقانون الأمم. والآن يجب إضافة البيئة بعد كلمة «يحترم» . إن الهدف الأساسي للمحافظة على السواحل هو توفير استخدامات مستدامة للموارد التي تعتبر مشاعاً. وهي مسؤولية يجب أن يشارك فيها جميع الناس وجميع المستويات الحكومية. وكوصي على ذلك، يجب تعزيز قدرة الحكومة لوضع القوانين لمناطق المشاع، ويجب على الجميع إطاعة هذه القوانين من أجل المصلحة العامة.
Page 10
الميزات والفوارق
 
هناك عبء خاص ملقىً على كاهل الجماعات التي تعمل على المحافظة على المناطق البحرية، وهذا العبء هو أن الناس لا يمكنهم بسهولة رؤية ما يحدث تحت البحر. فالبحر يبقى غامضاً خفياً بالنسبة للناس. فنحن نرى على البر تأثيرات نشاطاتنا التي تذكرنا دائماً بالحاجة إلى التحرك ولكننا لا نرى من البحر إلا سطحه. ونحن لسنا على اطلاع بالتأثيرات التي نتركها في قاع البحر فقط ولكننا نجد صعوبة أيضاً في التحقق مما يجري. فالأبحاث تحت المائية والمراقبة تحت الماء صعبة جداً كما أنها مكلفة جداً بالنسبة لعمليات البحث في البر.
 
هناك ميزة أخرى للبحر هي محدودية نهاياته: فالأجناس البحرية الكبرى والصغرى نادراً ما تكون محدودة بمناطق معينة صغيرة. ويوجد هناك خلط كبير بين الأجناس في المحيط ولا توجد إلا القليل من المناطق المحددة بيولوجيا وجغرافيا والتي تتواجد فيها تركيبات من الأجناس الفريدة.
 
بما أن القليل من الأجناس محصور بمواطن ضيقة ومحدودة، فإن فرصة فناء أحد الأجناس نتيجة نشاطات بشرية تبقى ضئيلة. لهذا فإن إنقاذ الأجناس من الفناء لا يعتبر دافعاً عالمياً لحماية المناطق البحرية بقدر ما هو دافع للمحافظة على الموارد التجارية (صورة رقم 2).
 
ويمكن للأنظمة البيئية البحر أن تصل إلى تعقيدات كبيرة، كما هو الأمر في الحياد المرجانية أو في مناطق الإنتاج العالية كما هو الحال في المناطق التي ترتفع فيها مياه المحيط إلى السطح. وهذه الأنظمة تختلف عن الأنظمة البرية من نواحٍ عدة. فظاهرة الأبعاد الثلاثة مميزة ومهمة أكثر في المحيط حيث ترتبط الكائنات بالقاع الصلب للمحيط أكثر مما ترتبط الكائنات البرية بالأرض. ونتيجة للطبيعة السائلة للبحار تعيش المخلوقات والكيانات البحرية عائمة وموزعة أفقياً وعمودياً عبر المساحات الشاسعة في المحيط. وتنقل التيارات البحرية العناصر العضوية إلى مسافات ومواقع بعيدة حاملة معها بيوض الكائنات البحرية ويرقاتها إلى مواطن نائية. إضافة لذلك تهاجر الأجناس البحرية لمسافات طويلة. وحيث أن هذه الكائنات هي على اتصال كيميائي قريب مع الوسط المحيط بها فإنها تصبح عرضة للملوثات الكيميائية.