Page 1
الفصل الأول
تاريخ مفاهيم الدافعية
لا توجد طريقة للمعرفة، ولكن يبدو احتمالاً بأن الأسئلة حول الدافع قد تم طرحها قبل أن يظهر الجنس البشري على سطح الأرض، وبالتأكيد كانت هناك فرص عندما نظر إنسان أو ذلك الإنسان البدائي إلى جاره وتساءل ... لماذا قد يفعل مثل ذلك الشيء الأحمق؟وما نفعله متأثراً بعواقب ذلك الفعل، أو بعواقبها المرتقبة، فأفعالنا نبدأوها ونختارها ونحافظ عليها بما نتوقعه بما ستكون عليه محصلاتها ونتائجها.
لذلك إذا ما رغب شخص ما، بأداء فعل ما، فلا بد أن نرتب له نتائج إيجابية إذا قام بفعله، ونتائج سلبية إذا لم يفعل، وبالتالي فإن مبادئنا ذات تطبيق فوري في السياسة، والتعليم، والقانون المدني، والجنائي، وأستطيع أن أقول إن الكون قام أساساً على فكرة الثواب والعقاب.
بدايات علم النفس: الأخلاق والفعل
في بداية التاريخ، بدأ الناس يتساؤلون كما لا يزالون اليوم: هل الفكرة العامة للسيطرة بواسطة العواقب كافية لنظرية الدافع بحد ذاتها؟ إذا افترضنا أن العواقب الإيجابية مبهجة وأن العواقب السلبية غير مبهجة تصبح المبادئ كالتالي: يتحفز البشر والحيوانات بالبحث عن البهجة وتجنبون البؤس. وهذا يمثل وجهة النظر المعروفة بمذهب اللذة.إذا كان ذلك صحيحاً فنحن نعرف أين نبحث عن تفسير إذا سألنا «لماذا فعل هو أو هي ذلك؟» يجب أن نعرف النتائج الإيجابية للفعل، والنتائج السلبية للأفعال الأخرى بالنسبة للشخص الفاعل.
الفعل المنعكس اللاإرادي
إن أهم القياديين في الثورة العلمية، رجل فذ وفيلسوف ورياضي وخبير محترف اسمه Rene Descartes (1596-1650).فإلى جانب الاختراع في ميدان الهندسة التحليلية، وإيضاح المشاكل التي تعاني منها الفلسفة الحديثة وتأليف الكتب حول الوسائل العلمية، وإجراء التجارب الأساسية في فيزيولوجية العين، فقد ضمّن فكرة أخرى لا تزال مهمة لطلبة السلوك وهي مفهوم الفعل المنعكس اللاإرادي.
تعرّف Descartes على عمل الفلكيين والذين توصلوا إلى أن الكون واحد وتأثر بأفكار Galoeo والذي كان متقدماً بشكل قوي في مفاهيم وقوانين الطبيعة وقوانين الآلات، والذي أشار إلى أن أي حركة تنتج لقوى داخلية.
وأشار إلى أن هناك مدخل من الطبيعة أو ما نسميه الحافز (المثير) قد يسبب الحركة مباشرة مثلاً: إذا اقتربت قدم طفل من النار فإن قدم الطفل ستنعكس لا إرادياً لذلك فإن القدم ستنسحب بعيداً عن المثير المؤلم.
كذلك لو ضُرب على الوتر الرضفي، ستنعكس الركبة. أو قم بتسليط ضوء على أعين شخص ما سينقبض البؤبؤ. وهذا يدل على أن الأفعال المنعكسة اللاإرادية هذه مثل الآلة في عملها، ويكون سببها قوى نابعة من خارج الجسم، ولكن كيف تسببت؟
لاحظ Descartes أن المدخلات من خارج الجسم يتم نقلها إلى الدماغ، والحبل الشوكي بواسطة الأعصاب،وأن تلك الأوامر من الدماغ والحبل الشوكي يتم نقلها إلى العضلات بواسطة الأعصاب أيضاً. واعتقد بأن الأعصاب عبارة عن أنابيب صغيرة جداً مملوءة بسائل - وهي في الواقع كذلك - ولكن ليس بالطريقة التي افترضها، وأنها جزء من نظام هيدروليكي على طول الفجوات المملوءة بالسائل من الدماغ والحبل الشوكي. فعندما أثيرت قدم الطفل بالحرارة الزائدة امتلأت الفجوات بالسائل، ومن ثم فإن ضغط السائل انعكس لا إرادياً للخارج من خلال الأعصاب الذي وصل إلى العضلات مسبباً انتفاخها، مما أدى إلى انقباض العضلات، وهذا ما يحرك القدم كما أشار Descartes.
كانت ميكانيكيات النظرية خاطئة ولكن الفكرة كانت عبقرية، واستفاد العلماء الشيء الكثير من خطأ النظرية، كما أنها وفرت نظرية محددة حول عمل بعض السلوكيات التي سيطرت على تفكيرنا الصحيح إلى وقتنا الحاضر. والأهم من ذلك أنها أضافت قوة، لفكرة أن سلوك الحيوانات يمكن تحليلها، وإخضاعها لقوانين الطبيعة (Govern, 2000).
وظهر لدينا هنا بدايات تحليل سببية السلوك. وكان Descartes يحاول حساب أسباب بعض السلوكيات - لدى بعض الحيوانات - وكان أمله أن يربطها بمبادئ الميكانيكا التي تنطبق على الآلة في العالم ككل.
كان يفترض Descartes أن سلوك الحيوان وبعض سلوك البشر يمكن تفسيره كمجموعة من الأفعال المنعكسة اللاإرادية وليس أكثر من ذلك، ومع ذلك فقد اعتقد بأن معظم سلوك البشر ليست منعكسة لا إرادياً بل إنها مقصودة من قِبَل العقل. علاوة على ذلك فقد قال بأن العقل البشري ليس جزء من آلة العالم المتسعة ولا تدور بمجال قوته. وبما أنه ليس كذلك فهو ليس مقيد بقوانين الميكانيكا فهو يقع خارج سلسلة السببية الميكانيكية، وهذا هو السبب في امتلاك الإنسان إرادة حرة، وهذا يشكل الفرق الأساسي بين الحيوان والإنسان.
وهكذا أوضح Descartes الفرق الأساسي بين نوعين من الأفعال السلوكية المنعكسة من جهة والسلوك المقصود أو الإرادي من جهة أخرى.
فالأول سببه الأحداث الفيزيائية وهذا ينطبق على مجمل السلوكات الحيوانية.
أما الثاني سببه الأحداث العقلية وهذه ليس لها أي سبب بالمفهوم الفيزيائي ولكن فقط يتم الاختيار بواسطة الإرادة، وهذا ما ينطبق على السلوك الإرادي للبشر.
Page 2
التجريبية ومذهب اللذة
لم يتوافق Thomas Hobbes (1588-1679) مع معاصره وزميله Descartes واعتبر أن الأجسام هي مادة ويشمل ذلك الأجسام البشرية. وتتحرك المادة أو يتم تحريكها بالتناغم مع مبادئ الميكانيكا: فإذا حرّك الدماغ الجسم، بالتالي لا بد أن يكون الدماغ جزء من نظام ميكانيكي. فما نسميه أحداث عقلية يجب أن تنتهي إلى حركة مادية. وبالتالي فكل شيء اعتبر مادة حتى الفعل السلوكي وهذا ما بلور فكرة المذهب المادي.لذا قال Hobbes: هذا ليس على درجة كبيرة من الصعوبة تقبله. لذا اعتبرت الأحاسيس أحداثاً عقلية ولكنها منتجَة مادياً فنحن نرى لأن الضوء يضرب العين، ونشعر لأن الأجسام تلامس جلدنا، وقد تتكون الأحاسيس ببساطة عن حركات السوائل، أو يعمل الدماغ نتيجة استجابته للطاقة المؤثرة من الخارج. لكن النتائج أو الآثار اللاحقة للمدخل الحسي تدوم مثل التموجات في البحيرة، بعد أن يُضرب الماء بحجر.
لذا تبلورت وجهة النظر المعروفة بـ «التجريبية» والتي تؤكد على أن الشخص تبدأ معرفته من خلال التجربة الحسية، وأن الأحداث العقلية هي في الواقع مجرد جزء من النظام الفيزيائي المادي وهذا مؤداه إلى أن العقل معمول من التعابير الحسية التي تسببها الحوافز المادية.
كيف يمكن تفسير كل ذلك على الدافعية؟ بشكل مباشر جداً، فالعالم الخارجي - وبتأثيراته - تغذي العقل بأفكاره وذكرياته. والمحفز يسبب التفكير. وفي المقابل فإن العقل يسبب السلوك، والحركة المحمولة بواسطة المحفز يتم نقلها للعضلات. فإذا كانت الحركة على درجة كافية من القوة فإن الجسم بذاته يكون قد تحرك نحو أو بعيداً عن الحوافز. فإذا كان باتجاه الحوافز فإننا نتكلم عن الرغبة، وإذا كان بعيداً عنها فنحن نتكلم عن النفور أو التجنب.
لذا - يقول Hobbes - إن الحركات في الأعضاء - كما في أي شيء آخر - تسببها الحركة. والسلوك سببه الحافز، والمرغوب منها يحركنا نحوها، والمكروه منها يحركنا بعيداً عنها والإرادة الحرة وهم. فإذا بدا لنا بأننا نفكر وبعدها قمنا بالاختيار فإن ذلك يعني حقيقةً بأننا نختبر خليطاً من الرغبة والنفور. والاختيار ببساطة هو الرغبة أو النفور الذي يأتي أولاً بدرجة قوية كافية للانطلاق كحركة.
قال Hobbes إن الأفكار - بالنسبة له - هي حركة الجسميات الدقيقة في الدماغ، فعندما تتحرك هذه فإنها تؤثر على بعضها البعض، بشكل خاص - وعندما يدخل مدخلين حسيين إلى الدماغ معاً فسيكّون هناك رابطة أو توافق بين صورها أو ذاكرتها المرسلة. وبعد ذلك إذا حدثت فكرة واحدة منها فمن المحتمل أن تحدث الأخرى مثلها.
وعندما نفكر في شخص ما فصورتنا المتخيلة لنا من المحتمل أن تشمل صور أشياء أخرى ترافقها - صوتها مثلاً، وباختصار، تميل الأفكار لأن يتم تعلميها معاً إذا حدثت الرسائل الحسية خاصتها معاً. وهذا هو مبدأ الاقتران أو الارتباط.
وافترض أن فعلاً ما قد يجلب اللذة ولكن قد عوقبنا عليه، ثم إذا فكرنا في الفعل فقد نكون تحركنا لأدائه ولكن بواسطة مبدأ الارتباط سوف نفكر أيضاً بالعقوبة التي تحرك الفعل سابقاً، وهذا يعطي مجالاً لظهور التغير الذي يبعدنا عن الفعل.
هذه هي كيفية إقرار العقوبة المستحقة للسلوك المعاقب. فنحن نصبح مقبولين اجتماعياً ابتداءً لأن المجتمع يقر بأن السلوك المقبول ستتم مكافأته وأن السلوك غير المقبول ستتم المعاقبة عليه، وعندما نفكر بأداء فعل ما فإننا نفكر أيضاً بعواقبه وبالتالي تكون أفعالنا مشجعة أو مكبوتة بواسطة عواقب المجتمع التي وضعها (Govern, 2000).
Page 3
دارون (والنشوء)
إن تطور مفهوم الحيوان والتعاظم في الآلات كشف عن مشكلة لبيولوجي القرن التاسع عشر فالآلات نجحت! وظهرت جملة من الدراسات الدقيقة والمذهلة في عالم الحيوان، وتم التوصل إلى أن السلوكات الحيوانية بمثابة حزم من الأفعال المنعكسة كما افترض Descartes، فكيف أنها ذات أفعال منعكسة ضرورية لأداء أعمالها اليومية من إيجاد الطعام وتجنب الأخطار من أعدائها، والبحث عن الصوف أو الحصير والاعتناء بصغارها؟لذا فاجأ العالِم شارلس داروين في عام 1859 بنشر كتابه الأول (أعضاء الأجناس).
وتبين فكرة Darwin ببساطة أن على الحيوانات أن تكون لديها خصائص بنيوية وسلوكية مطلوبة لتعيش ولتتوالد ضمن موطنها. وتلك التي لم تتوفر لها هذه المتطلبات لم تترك خلفاً لها، والحيوانات الحية اليوم هي خلف تلك التي حازت على تلك المتطلبات، فالحيوانات التي عملت على توفير تلك المتطلبات ما زالت هنا، والأجناس التي لم تعمل على توفير المتطلبات للبقاء لا نراها الآن.
فسرت هذه النظرية ليس فقط لماذا تعمل الحيوانات الحديثة فحسب، بل أيضاً من أين جاءت الأجناس الحديثة وكيف أن الأجناس المختلفة تطورت من سلف شائع ومتفرد. وذلك من خلال ثلاثة أفكار رئيسية هنا: أولاً: التغيرية، الحيوانات تختلف عن بعضها البعض، وكشأن الفروق الفردية بين الناس توجد فروق بين الجنس الحيواني الواحد. ثانياً: التوارث: فالحيوانات تمرر خصائصها الوراثية لذريتها، ثالثاً: الاختيار، فالتغير يعني أن بعض الأعضاء من الجنس تتأقلم بشكل أفضل من الآخرين مع البيئة التي يعيشون فيها. وتلك التي تتأقلم بشكل جيد أكثر احتمالاً ليكون لها ذرية بحيث أنها ستمرر خصائصها. وتلك التي لا تتأقلم ستكون ذات صفات غير قابلة للتوارث، وهكذا ستضعف خصائصها عبر الأجيال القادمة، وهذا ما يعرف بضغط الاختيار بواسطة البيئة التي تعيش فيها الأجناس.
ومثال آخر: أن بعض أعضاء الأجناس يكون لها رقاب أطول من الآخرين.
والآن افترض أن تغيرات الطقس أو الهجرة بواسطة الحيوانات تضعها في بيئة حيث يكون الطعام نادر على الأرض ووفير في الأشجار العالية، وهنا ستكون الحيوانات ذات الرقاب الطويلة أكثر احتمالاً للذهاب للطعام ولديها فترة التكاثر أطول للتوالد. وإذا استمر ذلك لفترة كافية وكان طول الرقبة صفة وراثية فإن مثل الأجناس طويلي الرقاب يميلون لإنتاج نسل ذو رقاب طويلة وسيزيد معدل طول الرقبة في الأجناس تدرجياً.
وهنا أصبح لدى نظرية Darwin في النشوء غالباً ما تم عرضها كصراع من أجل البقاء بين الحيوانات في العالم ولكن في الحقيقة هذا ليس ما قاله Darwin أنها ليست صراع شديد من أجل البقاء بل سباق لإنتاج أكثر عدد من الأخلاف، فالحيوانات التي أصبحت متأقلمة جيداً مع بيئتها تركت أخلاف أكثر من تلك التي لم تتأقلم... ولهذا تعتبر الحيوانات الحديثة جيدة التأقلم مع بيئاتها لأنها عبارة عن تلك الأخلاف.
ويمكن أن تتلخص نظرية داروين في المضامين التالية:
أولاً: فهي تتضمن - كما أوضح Darwin - أن الآليات المسيطرة على السلوك في الأجناس يجب أن تتأقلم مع البنية التشريحية للأجناس. فالدجاج ينقر في الطين بمناقيره، وتصطاد النمور الطعام في مخالبها وتعض بأسنانها، لكن البنية التشريحية - الأسنان، والمخالب والمنقار - قد تكون بدون فائدة إذا لم تقم أجهزة السيطرة في الدماغ ببرمجة الحركات الملائمة وتربطها بالحافز المناسب. لذا تخيل نمراً يحاول النقر في الطين.
ثانياً: تتضمن النظرية استمرارية بين النوع البشري والحيوانات الأخرى. تراجع Darwin عن هذه النتيجة في كتابه «أعضاء الأجناس» ولكنها كانت واضحة وفي كتابه «سلالة الإنسان» والتي أطلقها بصراحة حول أن القرد هو أصل الإنسان.
وحتى الآن يمكن للمرء أن يجادل - كما فعل Descartes - بأن قدرة النوع البشري على التبرير جعلت جنسه مختلف جوهرياً عن الأجناس الأخرى. فالحيوانات ذات أفعال منعكسة وفطرية مدمجتان معاً - وأن العقل ذات انعكاس بيئي رحب.
ولكن إذا كان الجنس البشري عبارة عن منتج للنشوء مثل أي نوع فلا يمكن لهذه التفرقة أن تبقى لمدة أطول. فإذا كان البشر والحيوانات الأخرى لديهم أسلاف مشتركة فبالتالي يجب أن تكون عقولنا - مثل أجسامنا - متعلقة بتلك الحيوانات. فقد تكون عقولنا أفضل من الغرير (حيوان ثديي) كما أن براثن (أقدام) الغرير أفضل للحفر من أقدامنا ولأنها ملزمة بأن تختلف فقط في الدرجة وليس في النوع.
إذا قمنا باستبعاد التسميات - فالحيوانات لديها فطرة (غرائز) والإنسان لديه عقل - فإن هناك طريقتين لتجسير الفجوة بين الإنسان والحيوان وهي واضحة.
فقد نسأل أولاً: هل للبشر فطرة (غرائز)؟
ثانياً: هل لدى الحيوانات عقول؟ دعونا نتناول الثاني أولاً.
هل لدى الحيوانات عقول؟
إذا كان للبشر عقول وإذا كان هناك استمرارية بين البشر والحيوانات فإذن يجب أن يكون لدى الحيوانات عقول. وإذا كان باستطاعتنا اكتشاف كيف عملت عقول الحيوانات فإذن يجب أن نفهم العقل البشري بشكل أفضل أيضاً.
وهذا ما تبين من خلال إخضاع الحيوان من خلال التجارب للمتاهات لتقوم بحلها وبدأت دراسة تعلم الحيوانات. وكان البارز في الأبحاث المبكرة التي قام بها Edward Thorndike (1874-1949) في أمريكا.
بينت تجارب Thorndike أنه في الحيوانات - كما في البشر - يتأثر السلوك بعواقبه فسلوك الحيوانات ليس غريزياً بحتاً، ولكن يمكن أن يُعدل سلوكها بالثواب والعقاب، وبهذا المفهوم فهي ذات عقول من نوع ما، فهي تستطيع فعل الأشياء التي يمكن أن نسميها فكرية (عقلية) إذا قام بها البشر، وهكذا عنون Thorndike دراسته «ذكاء الحيوان».
Page 4
قانون الأثر
لخص Thorndike استنتاجاته بما سماه قانون الأثر، فقد تحدث عن التأثير لأن الأثر يحدد ما الذي سيتعلم الحيوان فعله. فإذا كانت الاستجابة مدعومة بمكافأة أو ما أسماه Thorndike إشباع الحالة فإذن تلك الاستجابة سيتم تقويتها بالتالي سيزداد احتمالية تكرارها.وإذا اتبعت بعقوبة (حالة إزعاج) ستضعف الاستجابة وتكون أقل احتمالاً للتكرار وهذا ما نص عليه قانون الأثر.
وتعتبر قوة العلاقة أو ضعفها عملية تعلمية، وبالتالي تحدد قوة العلاقة أو ضعفها قوة الدافعية أو ضعفها.
كان لقانون الأثر مضمون أخر مهم، وهو أن عقل الحيوان ليس على هذه الدرجة من التعقيد. لاحظ Thorndike تأثيرات المكافآت والعقوبات على الاستجابات، فاستجرتها استجراراً أوتوماتيكياً، وبالتالي فإن ضعف العلاقة يؤدي إلى إنهاء ظهور السلوك وقوة العلاقة يؤدي إلى تكرار وإدامة السلوك، وهذا أدى إلى الوصول إلى عتبة السلوكيون.
يشكل قانون Thorndike ذو معنى كبير لغاية هذا اليوم، ونحن نسميه في مبدأ التقوية (التعزيز). فإذا ضغط فأر على الرافعة وحصل على قطعة من الطعام فيستمر الفأر في الضغط، ونحن نتكلم عن تقديم التعزيز (الطعام) بعد الضغط على الرافعة. ويعتبر التعزيز بالنسبة للسلوكيين المعاصرين مهم جداً بحيث أنهم يقولون «بأن سلوك البشر يخضع لقانون الأثر وليس لأي شيء آخر».
هل لدى الإنسان فطرة (غرائز)؟
بينما كان بعض الكُتّاب يكتشفون مسألة ذكاء الحيوان حينها كان آخرون يجسرون الفجوة بين الإنسان والحيوان من جانب آخر. كان هناك في الوقت نفسه آخرون يبحثون في مجالات أخرى أمثال عالِم النفس الأمريكي William James (1842-1912).
فعندما نشر James في عام 1890 كتابه «مبادئ علم النفس» كان يقول الكثيرون - كما يقول العديدون الآن - بأن البشر مجردون من الغرائز (الفطرة)، وكان هنالك قول بأننا لسنا بحاجة لها، فالذكاء البشري وقدرته على التعلم تجعله يخرج من منظومة سيطرة الفطرة عليه، بينما كانت أفكار James تؤكد على أن البشر يمتلكون غرائز (فطرية) أكثر من أي جنس آخر. وبالتالي إننا نتصرف غالباً بدون اعتبارات عقلانية.
علاوة على ذلك أكد James بأن الغرائز ليست مقتصرة على الحيوانات فحسب، بل البشر يمتلكون غرائز قوية، خذ على سبيل المثال التعاطف بين الأم وطفلها حيث أشار إلى أنه تعاطف بدائي وليس طقوس ذكية ومأوى ودعم ورعاية تم حصادها في العهد القديم.
فالخطر الذي يحيق بالطفل وبشكل فوري يحفز دماغ الأم، وبالتالي يحفز دماغها وتباشر في الحذر والدفاع عن مولودها.
ناقش James عدد من الغرائز البشرية الأخرى متسلسلاً من البكاء والرضاعة عند حديثي الولادة مروراً بأشياء أخرى مثل العدوانية وغريزة الصيد وحتى أشياء مثل السرية (التكتم) والنظافة والحياء. واستنتج أن «هذه هي الأكثر بروزاً من الميول والتي يشتهر بها البشر تسمى بالفطرية في الجنس البشري، ومن الملاحظ أنه لا يوجد أي ثدييات أخرى ولا حتى القرود تُظهر مثل هذا النظام الواسع في الغرائز».
وهكذا وبينما كان Thorndike وآخرون يطرحون أنه بالإمكان تعديل سلوك الحيوان بالتعلم كان James يؤكد بأن الكثير من سلوك الإنسان لا يتطلب تعليماً.
يبدو أن أفكار James للفطرة معقول للغاية. وبالممارسة العملية أثبتت أنها صعبة التطبيق. وبالتالي ظهر التساؤل هل باستطاعتنا حقيقةً وضع قواعد على الدور المحتمل للتعلم في تطوير العواطف؟ هل العدائية والحياء وما شابه تعتبر فطرية حقاً، أو هل بإمكاننا بيان أنه يتم الحصول عليها في النهاية؟ تلك المشكلة تجعل من الصعوبة بمكان معرفة كم عدد الغرائز الموجودة؟ وضع الباحثون الآخرون قائمة أخرى من غرائز الإنسان أوسع بكثير من تلك التي وضعها James ولم تكن هنالك طريقة جيدة لمعرفة أي من القوائم أفضل من الأخرى؟
والأسوأ من كل هذا هو غموض واعتباطية عنوان الفطرة الذي كان دعوة للدوران حول السببية. قَبلَ بعض الباحثين اللاحقين الدعوة مع النتيجة بأن الفطرة كانت مستخدمة لتفسر كل السلوكيات التي بدت أنها محيرة. وبهذه الطريقة التي علم فيها العلم تم تلخيصها بشكل مرتب كما يلي "إذا بحث الإنسان عن رفيقه بسبب الفطرة الاجتماعية، إذا سار لوحده في فطرة الوحدة، وإذا عبث بإبهامه فهي فطرة العبث بالإبهام. وبالتالي تمس تفسير كل شيء بسهولة الكلمة السحرية (السحر).
ولهذه الأسباب أصبحت كلمة فطرة كلمة غير شائعة لبعض الوقت، ولكنها عادة بقوة في السنوات الحالية. وسيكون لها شأن كبير في مجال الأبحاث النفسية في المستقبل.
تلقت هذه الأفكار مزيداً من الدعم من بعد مضي خمس سنوات من موت James فقام طبيب نفسي وبمساعدة زميله بنشر كتاب حول الهستيريا وكان اسمه سيجموند فرويد (Govern, 2000).
Page 5
(فرويد) وعلم النفس التحليلي
فرويد الرجل الذي ربما كان صاحب التأثير الأكبر على التابعين أكثر من أي شخص آخر. فقد كانت أفكار سيجموند فرويد مؤثرة جداً حيث أثرت على مجمل علماء النفس في ذلك الوقت.تلقى سيجموند فرويد (1856-1939) تدريباً كطبيب في وقت كانت الأبحاث على آليات الدماغ والأفعال المنعكسة في علم النفس لا تزال جارية. أصبح السلوك فكرياً، ولكنه كطبيب أعصاب وجد فرويد نفسه في مواجهة المرضى الذين لم تتناسب مشاكلهم مع ما كان معروفاً أو معتقداً به حول وظائف الدماغ. والأبرز بينها كانت الاضطرابات الهستيرية فهذه أعراض جسدية مثل العمى أو الشلل بحيث لم يكن بالمستطاع إسنادها إلى أي سبب عضوي وكان يؤدي إلى اضطراب هستيري لدى المريض.
بدت بعض الأعراض أنها غير عقلانية وغير منطقية وبالتأكيد لم تكن مفهومة للمرضى أنفسهم وبهذا كان فرويد معتقداً بأنها حدثت لسب ما وأنها ذات أسباب ذهنية بالضرورة إذا كانت الاضطرابات الهستيرية ليست بالفعل اضطرابات في الجسم فهي تعتبر اضطراباً في العقل؟ بدأ بعض الباحثين في الهستيريا بمعالجة هذه الاضطرابات بتنويم المريض مغناطيسياً والتحكم بالأعراض لكي تزول، لقد نجح ذلك بعض الأحيان، تبين هذا لفرويد بأن الاعتلال الجسدي المزمن قد يكون علاجه عقلياً ناتجاً عن اعتلال عقلي منذ البداية. وبالنسبة له لم يكن هذا كافياً في إزالة الأعراض فهذا كان يعالج الأعراض ولكنه لم يصل إلى معالجة الأسباب في المقام الأول. كانت حالة Annao نقطة تحول بيّنت أن الأعراض كانت مرتبطة في الواقع - أو مترافقة مع - بأحداث الحياة العاطفية التي زالت بزوال هذه الأحداث ومع أن المريض لم يكن باستطاعته تذكر الأحداث.
علاوة على ذلك فقد تم التحرر من الأعراض عندما تم تذكر الأحداث وتم التعبير عن العواطف توصل بعد ذلك فرويد إلى أن الأمراض كانت بسبب طاقات العواطف اللاواعية المكبوتة وأنها قد تزول عندما تم إطلاق العواطف - أصبحت واعية - وتم التعبير عنها. فظهر هنا أحد أهم المبادئ في علم التحليل النفسي الدافعية اللاواعية. فنحن نتأثر بقوة الأفكار والأمنيات والذكريات التي لا يكون لدينا وعي بها.
الغرائز من الماضي:
أخيراً مُنع فرويد من استخدام التنويم المغناطيسي في المعالجة لأنها كانت طريقة غير موثوقة وأيضاً لأنها كانت غير ضرورية. فقام فرويد بتطوير وسيلته إلى الاقتران الحر. في هذا الإجراء ظل يستخدم التحليل النفسي ويُطلب من المريض التكلم بحرية بدون مراقبة أو محاولة لتوجيه الأفكار المتدفقة فهو ببساطة يطلق الفكرة عبر الفكرة واصفاً أفكاره على مهل كما تخرج بدون قيود أو توجيه.
لاحظ فرويد العقل تماماً كما لاحظه Hobbes أي أنه عبارة عن شبكة من الأفكار والذكريات الموصولة معاً بالاقتران. بإطلاق الأفكار الواحدة تلو الأخرى بحرية كان باستطاعة المريض اطلاع المعالج على ما هي الروابط المقترنة والموجودة في عقل المريض، وقد يبدأ المريض الجلسة التحليلية بالتحدث حول حلم راوده في ليلة ماضية، وعندما يستمر بالحديث فهو يكشف عن ماهية الأفكار المرتبطة بمحتوى الحلم وعن ماهية الأفكار المرتبطة بتلك التي تبدو غير عقلانية بحيث يصبح الحلم ذو معنى ويمكن أن ينطبق ذات الشيء على الهواجس والمخاوف غير العقلانية. بالتالي وجد فرويد سلسلة من الأفكار المربوطة مع بعضها البعض والتي قد تكون طويلة وغير مباشرة بالأمنيات اللاواعية والغرائز التي قد لا يتم التعبير عنها مباشرة وهكذا جاءت فكرته الأساسية الأخرى في سلسلة أعمال فرويد حيث قال «إن الأعراض العصبية والأحلام وزلات اللسان وما شابه هي عبارة عن تعبيرات عرضية أو مخفية للأمنيات».
والسؤال الذي طُرح: لماذا تم إخفاء الأمنيات؟ لأنها كانت ذات تهديد عالٍ للمريض - تهديد عالٍ جداً بحيث لم يكن من المسموح بوجودها في الوعي. وكما تم وصف عملية الاقتران الحر مسألة سهلة - فالمريض يتكلم بحرية - بعيداً كل البُعد عن السهولة حيث وصفه فرويد: يحاول المريض الفرار ... بكل وسيلة ممكنة. أولاً فهو يقول لا شيء يأتي في رأسه وفي النهاية يعترف أنه حقاً لا يستطيع قول أي شيء فهو خجلان ... أو أي شيء آخر في فكره هو في الحقيقة غير مهم جداً فقد كان شيء غبي وتافه ... وهكذا تستمر الجلسة، وبمتغيرات غير معلنة بحيث يستمر الشخص بالإجابة بالتحدث عن كل شيء.
إنه كما لو كانت الأمنيات اللاواعية مدفوعة ليتم التعبير عنها ولكن في الوقت ذاته كان جزء من دماغ المريض يقاوم بشدة أي تعابير مشابهة فقد كان المريض واع بنفسه. وهنا ظهر لدينا حجر الزاوية الأخرى في نظرية التحليل النفسي وهي - الصراع اللاواعي.
وقد يُصر فرويد حتى يتم التعبير والتصريح عن الأفكار المخجلة السخيفة والطفلية وقد تكون طفولية طبيعية بكل معنى الكلمة. لكن لا بد أن نجد سلسلة الأفكار طريقها إلى الطفولة المبكرة إلى أشياء حدثت أو أن المريض تمنى حدوثها بشكل غير واعي عندما كان طفلاً وهكذا لا بد من وجود سبب لأهمية هذه الذكريات والآلام المبكرة ولا بد أن يتم التعبير عن - كما استنتج فرويد - رغبات الطفولة.
واعتبر هذا حجر زاوية آخر في نظرية فرويد: استمرار ظهور الغرائز الطفلية في سلوك وأفكار البالغين. وأكد فرويد على ما أشار إليه Hobbes إذا كانت الغرائز مكبوتة فإنها لا تزول بهذه البساطة. إذا تم رفض التعبير عنها مباشرة فهي ستسعى للتعبير عنها بطريقة أخرى. كما البخار تحت الضغط، فإن الغرائز ستتدفق على طول الأنبوب المزودة بواسطة الاقتران حتى يتم إيجاد ممر يسمح للضغط أن يتحرر إذن فإن التعبير عن الغرائز يتجلى في نموذج رمزي في الأحلام لكنها في الأعراض العصبية قد تكون رمزية معقدة ومتطورة.
وهنا صور عقل الإنسان والذي نحن فخورون بقدرتنا على التعلم والتسبيب. ولكن عميقاً في عقولنا هناك جزء مهم من أنفسنا وهو Id (الهو) كما سماه فرويد الذي لا يعطي سبب ولم يتعلم شيء فهو لا يفكر ولكنه فقط يريد. فهو مجموعة من الغرائز. وهذه الغرائز تبحث عن الإشباع بواسطة الأكل والصراع وعدم العقلانية وجدية الطفل الصغير فإذا كانت أحلامنا وأعراضنا العصبية بدون معنى وطفولية فإن ذلك لأن أفعال الطفل غير المبررة هي جزء منا.
وهكذا قابل العديد من الأطباء والمرضى في عصر فرويد أفكاره بسخرية أو باشمئزاز أو كليهما. ربما كان هذا لأن فرويد قال إن العديد من غرائزنا المكبوتة هي جنسية حتى الأطفال ووجد العديدين أن هذه الفكرة صعبة القبول وقد يكون ذلك أيضاً أنه من الصعب تقييم أفكار فرويد بدليل قطعي وخصوصاً لأن النظرية كانت معقدة جداً وغنية في احتمالاتها، وشعر العديدين بأن ذلك قد يفسر أي فعل محتمل ولكن لا يمكن اختباره. مما أظهر العديدين اعتراضات ولا يزال البعض يثيرها إلى اليوم.
وهكذا وجد العديد من القراء أن أفكار فرويد أصابت الحقيقة وأصبحت مفاهيم فرويد، Id (الهو)، Ego (الأنا)، Super ego (الأنا الأعلى) drepression (الكبت) جزء من المفردات اليومية للإنسان المثقف وربما فوق ذلك كله أننا نحترم شجاعة فرويد الفكرية. فقد واجه فرويد حقيقة ذاته فقد أصر فرويد بأن الجانب اللاعقلاني لعقل الإنسان هو جزء من الطبيعة ويجب احترامه ولكن يجب ألا يظل غامضاً. ووعد ألا يظل اللاعقلانية غير مفهومة. ويمكن أن نتفق أو نختلف مع فرويد ولكننا لا نستطيع تجاهله.
Page 6
ظهور المذهب السلوكي The Emergence of Behaviorosm
مع بداية العقود الأولى من القرن العشرين أصبح العلم المسمى بعلم النفس له شأن مهم. وكان كإدارة أكاديمية منفصلة عن الفلسفة وانتشرت المختبرات النفسية في أوروبا وأمريكا، واتفق بشكل عام على أن موضوع علم النفس هو موضوع العقل.وانتهى إجماع علماء النفس وعلى نحو مفاجئ عام 1913 وذلك بنشر ورقة بعنوان «علم النفس من وجهة النظر السلوكي» للمؤلف John Watson (1878-1959).
تحدي (واطسون) Watson's Challenge :
بدأ Watson حياته المهنية في علم النفس كباحث لسلوك الحيوان وكانت أبحاثه مملوءة بالمحاولة التقليدية للاستدلال حول ما الذي فعلته الحيوانات وكيف قامت بحل المشكلات. كان Thorndkie سبّاقاً في مجاله حيث كان عنوان دراسته «ذكاء الحيوان» والمشكلة كانت بأن الاستنتاجات حول عقل الحيوان لم تكن بالضرورة استدلالية فلا يمكن لأي شخص مراقبته وبشكل مباشر ما الذي يدور في عقل الحيوان. وكنتيجة لذلك كانت الاختلافات صعبة في إيجاد الحلول. وكانت الاستنتاجات الثابتة حول عقل الحيوان قليلة جداً. وبدون صبر حول هذا الموضوع قال Watson: لماذا نقوم بالاستدلال؟ لا يستطيع أي شخص رؤية ما الذي يفكر به أو يعرفه أو يفهمه، ولكن كل شخص يستطيع رؤية ما يفعله الحيوان. ولماذا لا نتحدث عن ذلك (Watson, 1985).
ولهذا قال Watson دعونا نبدأ مرة أخرى ولم تكن بداياته سوى إعادة تعريف لعلم النفس، وقال إن علم النفس هو دراسة السلوك وليس أي شيء آخر. فهو سيربط ما ستقوم به بشروط التعلم. وسيتم تحديد ذلك بالتجربة المباشرة وسترتبط قوانين الحوافز بالاستجابة مباشرة، علاوة على ذلك قال إن علم النفس لا يقتصر على الإنسان، بل يجمع الإنسان والحيوان معاً.
كان هدف Watson التخلص من مفهوم الوعي برمته كشيء غير معروف ولا يمكن معرفته ويشمل هذا كل الأحداث العقلية مثل الغرائز والأمنيات واللذات والقوى الدافعية الأخرى. وقد تكون ردة فعلنا الأولى بأن هذه راديكالية (تطرف) فنحن نعرف شيء ما عن وعي الآخرين وأمنياتهم ومشاعرهم ولكن هل نعرف بالفعل؟
بالتالي أكد على أن الوعي لا يمكن مشاهدته، ومن ثم فكر في هذه لدقيقة، هل اللون الأحمر خاصتك هو نفس اللون الأحمر خاصتي؟
إذا رأينا مجموعة من الألوان المعينة فإننا سنسميها أحمر لأننا تعلمنا أن نسمي ذلك. ولكن كيف لك أن تعلم بأن اللون الذي أراه أنا هو ليس اللون الذي قد تسميه أخضر والعكس بالعكس؟
إذا كنت قلقاً جداً حول الاحتمالية لوحدها فأعتقد أنك ستستنتج الإجابة للسؤال. وحتى لو قمت بوضع عينيك في دماغي فسيظل في دماغي تجربة اللون في المجموعة. وقد تعرف فقط ماذا أسميه أنا وليس كيف أراه.
من جهة أخرى ربما أنك لن تقلق حول المسألة لمدة طويلة وذلك ليس لأن السؤال لا توجد إجابة له بل لأن الإجابة غير مهمة. فأنت وأنا نسمي المجموعة أحمر، فنحن نقوم كلينا بالفعل نفسه عندما يظهر هذا اللون في الإشارة المرورية. ونحن نتفق بأنه ليس من المقبول لرجل أن يلبس ربطة عنق (بنفسجية) على قميص أخضر غامق وهكذا.
ولم يقم Watson باختراع تلك الظروف ولكنه أشار إليها فحسب، أظهر هذا الاكتشاف الأمل بأن الظاهرة النفسية للتعلم قد تدخل في المفاصل مع الأفعال المتعلقة في علم النفس ويبدو أنها كانت تجسيد لما قاله Hobbes عن الاقتران.
بالنسبة لـ Hobbes فإن الحواس (وحدات العقل) مقترنة مع بعضها البعض لأنها تحدث مع بعضها البعض وعند Pavlov فإن الانعكاسات (وحدات السلوك) مقترنة بالحافز لأنها تحدث معاً وبالتالي تجربة Pavlov أدى الجرس بالكلب إلى إسالة لعابه لأن الجرس يثير اللعاب (الطعام) حدث معاً والمهم جداً بأن هذا الدليل التجريبي أصبح يسمى التهيئة التقليدية أو تهيئة Pavlov.
ومثل الاقتران عند Hobbs يبدو أن آلية التهيئة التقليدية وفرت تعقيد وغنى غير محدودين. وكذلك الأمر بالنسبة لـ Pavlov فقد يتحكم أحد ما باستخدام اللعاب للجرس أو لإطفاء وتشغيل الضوء واتضح أن الاستجابة مرتبطة بأي حافز كان، ونستطيع أن نتحكم بأي عدد من الاستجابات للجرس ويمكن أن نتحكم باللعاب إذا قرنا الجرس بالطعام أو تغيير معدل القلب فإذا قمنا بإقران الجرس بصدمة تعتمد أي استجابة نقوم بها لأي حافز تم اقترانه مع ذلك، لذا أصبح من الواضح كيف دخلت أفكار Pavlov إلى وجهة النظر السلوكية مثل المفتاح في القفل.
أين يمكن القول؟ كم مقدار السببية لفعل الإنسان الذي تم فهمه في ظروف مهيأة؟ هذا الجسم الذي تتمسك به فقد يعطي استجابات مختلفة لنفس الحافز تعتمد على تاريخ تعلم الشخص.
وقد تم إشراط الاستجابة نفسها مع عدد مختلف لدى أشخاص آخرين فأحد الأشخاص لديه خوف من الأماكن المرتفعة وآخر من الامتحانات أو من أعضاء الجنس الآخر أو من الفشل فإذا فكرنا في الخوف كاستجابة فبالتالي فنحن نقول: الحوافز المختلفة تثير الاستجابة نفسها حول التواريخ المهيأة في أساسها؟
لا عجب في أن العديد من السلوكيين اعتقدوا بأن المفتاح إلى السببية لسلوك الإنسان المعقد جاء من بحث Pavlov إذا كانت سلوكياتنا المتغيرة معقدة ومختلفة ربما لأن تاريخ تعليمنا معقد ومتنوع ومع ذلك يشدد السلوكي على البيئة - الماضي والحاضر - كسبب للأفعال فحالة الحوافز - البيئة - ذات شأن فيما تفعل. وإذا تصرف أشخاص مختلفون بشكل مختلف في البيئة نفسها - كما يقول Watson - فذلك بسبب الاختلافات في البيئة السابقة. وفي مسألة الطبيعة - انحاز السلوكيون إلى جانب الطبيعة واعتبروها انعكاسات بسيطة فطرية ولكن كل التعقيد في السلوك هو ناتج عن عملية الاكتساب؟ من خلال التهيئة.
وبنظرة واحدة فنحن كلنا سلوكيون لأننا نقبل المقترحات التي تكوّن استنتاجاتنا المبينة على الدليل وأن الدليل لا بد أن يكون مشاهد وأن أي مشاهد يمكن رؤيته والتحقق منه بنفسه وهذا ما يعنيه الدليل الموضوعي.
كما أنه يجب القول أيضاً أن المذهب السلوكي أصبح قوة مسيطرة في علم النفس الأكاديمي فقد فرض المذهب السلوكي قيوداً شديدة على موضوعية دراسة الإدراك والتخيل والأمنيات والأداء والرغبة وعدم الرغبة والأهداف والتعميم في السلوك، هذا وتم إخراجها من الدائرة العلمية بسبب السلوكيين لأنهم سموا (العقل) بالظاهرة.
التحديات للسلوكية Challenges to behaviorism :
بمرور عشرين أو ثلاثين سنة بعد Watson هيمنت النظرة السلوكية في دراسة الدافعية والتعلم. وكانت فرضياتها واضحة.
1. معظم السلوك مكتسب. فبعيداً عن بعض الانعكاسات البسيطة، تبدأ الأعضاء كلوح فارغ وأن البيئة تكتب على هذا اللوح سلوكات بسيطة أو معقدة تبعاً لتعقد البيئة التي يعيش بها الإنسان.
2. يخضع التعلم لنفس المبادئ والقوانين التي تحكم السلوك.
3. الحالات الداخلية والعمليات الوسيطية مثل الأفكار والرغبات والغرائز يمكن أن يتم تجاهلها إذا كانت موجودة أصلاً.
Page 7
أبراهام ماسلو وتحقيق الذات
طور ماسلو أيضاً نظريته في الدافعية والتي ركزت على الصراع من أجل الوصول إلى الإمكانيات الكاملة باعتباره جزء أساسي من دافعية الإنسان ولكنه يتضمن أيضاً دوافع إضافية مع تحقيق الذات، وبيّن ماسلو، 1973، 1971، 1965 أن أي نظرية شاملة للدافعية الإنسانية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الفرد ككل ولا نستطيع فهم تعقيدات السلوك البشري عن طريق تقليل أهمية السلوك ليصبح مجرد استجابات معينة لأوضاع معينة. ويمكن أن تخدم كلية السلوك عدة أوضاع سلوكية مرة واحدة. وهكذا، وعلى سبيل المثال، قد يخدم السلوك الجنسي الحاجات الجسدية وكذلك النفسية من انتماء وتقدير (Maslow, 1973).وأوضح ماسلو أن علينا أن نفهم الغايات النهائية للسلوك وليس الأهداف السطحية أو الظاهرية لأن الهدف الظاهري لأي سلوك قد يكون مختلفاً تماماً عن الهدف النهائي. وهذا ما يتفق ما طرحه فرويد في نظريته والتي أشارت إلى أن الدوافع، أن الدوافع للعديد من سلوكياتنا قد تحدث على مستوى اللاوعي. ومع ذلك، خالف ماسلو فرويد من حيث أنه رأى اللاوعي بطريقة أكثر إيجابية. واتفق مع روجرز من حيث أنه اعتبر الصراع نحو الكمال، أو تحقيق الذات هو الغاية النهائية للسلوك.
أكد ماسلو أن الدافعية البشرية يمكن دراستها عن طريق مراقبة السلوك البشري وليس عن طريق مراقبة السلوك الحيواني. ولقد قادته مشاهداته إلى استنتاج أن الحاجات البشرية يمكن فهمها حسب هرم الحاجات. فالحاجات في قاعدة الهرم هي الحاجات الأقوى ويجب تلبيتها قبل الحاجات الأعلى في الهرم. ومع ذلك، لم يأخذ ماسلو بعين الاعتبار الهرم على أنه صارم بشكل كلي، فنحن نستطيع تلبية الحاجات المتدنية بشكل جزئي وبذلك نتيح المجال لتفعيل الحاجات.
الأعلى بشكل جزئي. واعتبر ماسلو تلبية جميع الحاجات على الهرم بطريقة احتمالية. فإذا ما تم تلبية حاجات أولية بمعدل 85% من تحقيقها فسوف يكون لهذه الحاجات تأثير قليل على السلوك. بينما عدم تلبية الحاجات الأعلى الأخرى نهائياً فسوف يكون لها تأثير أكبر على السلوك.
الحاجات الجسدية:
يتألف المستوى الأول من الهرم من الحاجات الجسدية. وإذا لم تتم تلبية الحاجات من مثل الجوع والعطش بشكل كافٍ، يتم نقل الحاجات التي تأتي بعدها إلى الخلف حسب التحكم بالسلوك، ويكون الفرد في حالة طارئة وتسيطر عليه هذه الحاجة. مثلاً، شخص في حالة الجوع الشديد لا يفكر إلا بالطعام ويتحدث ويحلم باستمرار بالطعام.
شعر ماسلو أن الحاجات الجسدية يتم تلبيتها بشكل كافٍ لمعظم الناس في مجتمعنا. وعندما تتم تلبية هذه الحاجات تنبثق الحاجة التالية في الهرم بشكل مسيطر للتحكم بالسلوك وتوجهيه.
حاجات الأمان:
يمثل هذا المستوى الحاجة إلى الأمن والطمأنينة في بيئتنا. ومثل الحاجات الجسدية تشحن الحاجة على الأمان بشكل أساسي في الأوضاع الطارئة، وتصبح الحاجات الأعلى غير هامة عندما تهدد حياة الفرد بالخطر. ويعكس السلوك محاولات الشعور بأن يصبح الفرد آمناً. ومثال ذلك عندما يحدث إعصار ما فيضانات واسعة في الجوار. وحينها قد خسر بعض الجيران آلاف الدولارات بسبب الضرر الذي لحق ببيوتهم. مع ذلك، كانت خسائرهم المادية ليست بذات الأهمية لأن تجنب الفيضان وسلامة أرواحهم كان هو الأهم فقط.
وشعر ماسلو أننا نرى حاجات الأمن أيضاً في تفضيل الناس للمحيط المألوف لديهم وفي الأمن الوظيفي وحسابات التوفير والتأمين. وهذه الحاجة ملحوظة أكثر عند الأطفال الذين يبدؤون بالصراخ إذا ما ألقيت أحدهم فجأة أو شعر بالذعر أو إذا دخل غريب إلى الغرفة.
واعتقد ماسلو أن حاجات الأمن لمعظم البالغين في المجتمع الغربي تتم تلبيتها بشكل كافٍ. وهي عادة لا تسيطر على السلوك. وبعض أنماط الشغب يمكن فهمها على أنه عدم تلبية لهذه الحاجات. وفي هذه الحالة غير المشبعة يكون رد الفعل كما لو أنه في وضع مهدد بالخطر باستمرار. واقترح ماسلو أن الشغب الاستحواذي الإلزامي يمثل السلوك الناشئ عن عدم تلبية حاجات الأمن.
حاجات الحب والانتماء:
عندما تتم تلبية حاجات الأمن، تصبح هذه الحاجات غير هامة في توجيه السلوك وتظهر حاجات المحبة والانتماء. وتتضمن هذه الحاجات الرجوع إلى العلاقات العاطفية مع الآخرين وحاجة الشعور بأنك جزء من المجموعة أو الشعور بأننا "ننتمي" للمجموعة ولا تعني حاجات الحب حاجات الجنس (الجسدية) مع أن الحميمية الجنسية يمكن أن تخدم في تلبية حاجاتنا للانتماء. ويتطلب الحب تلقي الحب وإعطاء الحب. أي أن نتلقى الحب وأن نعطي الحب للآخرين.
وقد نحصل على الشعور بالانتماء بعدد من الطرق مثل الزواج، العمل، الانتماء لمجموعة معينة مثل الانضمام لنادي نسائي أو نادي الأخوة أو مجموعة مدنية مثل الأحزاب وهذا يشعرنا بتحقيق هذه الحاجة. وبالنسبة لماسلو فإن دحض حاجة الحب تؤدي إلى سوء تكيف وأمراض. واعتبرها الأساس الأكثر شيوعاً للمشاكل السلوكية في مجتمعنا.
حاجات التقدير:
وإذا تم إشباع حاجات الحب بشكل كافٍ تنزلق هذه الحاجات إلى الخلف فيما يتعلق بالسلوك الموجه وتصبح حاجات التقدير مسيطرة. وهذه الحاجة هي حاجة التقويم الإيجابي والعالي للذات. ويمكن تقسيم هذا التقويم إلى قسمين: الحاجة إلى التقدير الذاتي والحاجة إلى التقدير من الآخرين.
وتدفع الحاجة على تقدير الفرد نحو الصراع من أجل الإنجاز والقوة والثقة والاستقلال والحرية. ويبدو أن الحاجة إلى التقدير الذاتي بجوهرها هي الرغبة بالشعور بالقيمة. ويبدو على أنها مشابهة بشكل كبير لمفهوم روجرز للاعتبار الذاتي. والحاجة إلى التقدير من الآخرين المتعلقة بها تتضمن الرغبة في السمعة والمكانة والتميز والتقدير من قِبَل الآخرين لقدراتنا وشعورنا بالأهمية.
وعندما تتم تلبية حاجة التقدير، يتولد لدينا مشاعر الثقة بالنفس ونرى بأن لدينا غاية في هذا العالم. وعندما يتم إحباط هذه الحاجات يحدث سوء التكيف الذي يتميز بمشاعر الدونية والضعف والإرادة المسلوبة. ويقود نقص التقدير الفرد إلى الشعور بعدم الأهمية ويكوِّن لديه قيمة ذاتية متدنية. واعتبر ماسلو أن الاكتئاب ناتجاً عن الإشباع غير الكافي لحاجة التقدير.
Page 8
دافعية الحرمان:
تتألف أول أربع درجات في هرم ماسلو من الحاجات التي يجب تلبيتها قبل الوصول إلى المرحلة النهائية، واعتبرها ضمن الحاجات الحرمانية. ويعتبر ماسلو أن هذه الحاجات تنتج عن العجز في حياة الفرد. وهذا يعني أن السلوكيات المرتبطة بأول أربع فئات يكون دافعها الحرمان من هذه الأشياء الضرورية للتطور الكامل. والسلوكيات الناجمة عن محاولات لإشباع هذه الحاجات، لذلك، يقال إنها تفعّل عن طريق دافعية الحرمان (d-motivation).
وأشار ماسلو أنه على الرغم من أن ترتيب هذه الدرجات الأربعة صحيحاً بالنسبة لمعظم الناس، إلا أن هناك بعض الاستثناءات. وأكثر استثناء شيوعاً هو بالنسبة لبعض الناس يجب أن تسبق حاجة التقدير حاجات الحب. وبالنسبة لهم، من الضروري الشعور بالقيمة قبل تلبية حاجات الحب.
واعتقد ماسلو أيضاً أنه بالنسبة لبعض الأفراد الذين يعانون من الحرمان الشديد على المستوى الجسدي، قد لا تظهر الحاجات الأعلى أبداً. وبالنسبة لهؤلاء الناس يكون كافياً أن يحصلوا فقط على شيء قليل يأكلونه. ومن ناحية أخرى، اعتقد ماسلو أيضاً أن الأفراد الذين يتم إشباع حاجاتهم الأساسية باستمرار سوف يكونوا أقل تأثراً بهذه الحاجات إلا إذا توقف إشباع هذه الحاجات فجأة. وقد يفسر هذا سلوك المضحين الذين يعانون من الحرمان بسبب أفكار مثالية. واقترح ماسلو أن المضحين قد يكونوا قادرين على تحمل الحرمان بشكل أفضل لأن حاجاتهم قد تم إشباعها في أوقات مبكرة من حياتهم وبذلك تعصمهم من التفكير بهذه الحاجات فيما بعد. ومن هذا المنطلق، أكد ماسلو أن أول أربع سنوات من الحياة هامة بشكل خاص في بناء المقاومة للحرمان التالي.
وكما ذكرنا سابقاً، ليس من الضروري إشباع كل مستوى من مستويات الهرم بشكل كامل. وعند إشباع الحاجات الأدنى بشكل جزئي، تظهر الحاجات الأعلى بشكل جزئي. وعندما يتم إشباع الحاجات الأدنى أكثر وأكثر تصبح الحاجات الأعلى بارزة أكثر وأكثر من حيث التحكم في السلوك. وفي النهاية، اقترح ماسلو أن بعض الناس ليس لديهم وعي بهرم الحاجات بشكل كبير.
تحقيق الذات:
عندما نقوم بإشباع أول أربعة مستويات من الحاجات، يمكن الوصول للمستوى النهائي من التطور - الذي أطلق عليه ماسلو تحقيق الذات. وعند مستوى تحقيق الذات يكون سلوك الشخص مدفوعاً بظروف مختلفة أكثر من المستوى الأدنى.
لقد أشبع الفرد الذي حقق ذاته جميع حاجات الحرمان لأول أربعة مستويات من الهرم. ويكون سلوك الفرد الذي حقق ذاته، نتيجة لذلك، مدفوعاً بمجموعة جديدة من الحاجات التي أطلق عليها ماسلو حاجات الكينونة (b-motivation) أو الحاجات النمائية (Develomental needs) وهذه الدوافع هي قيم مثل الحقيقة والشرف والجمال والخير وهي توفر معنى لحياة الفرد الذي حقق ذاته.
والصورة التي يعطينا إياها ماسلو عن الشخص الذي حقق ذاته هي صورة إيجابية جداً. فهؤلاء الأفراد لم يعودوا مدفوعين بشيء ينقصهم، ولكنهم مدفوعين لأن ينموا وأن يصبحوا كل ما يستطيعوا أن يصبحوا عليه. وتحقيق الذات يحفز الناس باستمرار لفحص قدراتهم وتوسيع آفاقهم.
واقترح ماسلو أن عملية النمو التي تقود إلى تحقيق الذات تأخذ وقتاً لا بأس به، وأن معظم الأشخاص الذين تحققوا ذاتهم يبلغون من العمر 60 سنة وأكثر. واعتقد ماسلو أن قلة من الناس في مجتمعنا يصلون إلى تحقيق الذات. وقدر أن أقل من 1% من السكان يمكن اعتبارهم محققين لذاتهم.
إذن فالشخص الذي حقق ذاته هو شخص مستقل، لقد سيطر على النقص في حاجاته ويكون مدفوعاً بما أطلق عليه ماسلو «دافع النمو». وهؤلاء الأشخاص يحاولون حل المشكلات خارج أنفسهم، وأن يصلوا إلى الحقيقة والجمال والعدل وغيرها من القيم العالية. ولا يجب على الفرد، مع ذلك، أن ينظر إلى تحقيق الذات على أنه شيء مثالي. لقد أشار ماسلو أن الأفراد الذين حققوا ذاتهم لديهم العدد الكبير من أنماط الفشل الشائع لدينا. فهم يمكن أن يكونوا سخيفين ومبذرين ومزعجين غافلين ومملين وعنيدين. كما أنهم يظهرون غروراً سطحياً يتعلق بما ينتجونه ويمكنهم أن يظهروا القسوة في بعض الأحيان. وبسبب قدراتهم المتطرفة على التركيز، يظهر أحياناً أنهم شاردي الذهن. ويمكنهم أن يكونوا غير مؤدبين عندما يفكرون بمشكلة ما. كما أنهم يشعرون بالذنب والقلق والحزن والصراع، ولكن هذا يكون ناتجاً عن إدراكهم بأنهم لا يستطيعوا أن يكونوا ما يريدوا أن يكونوا عليه، وليس من كونهم عصابيين.
وفي آخر كتاباته توصل ماسلو (1971) إلى الاستنتاج أن هناك في الحقيقة نمطين من الأفراد الذين يحققون ذاتهم وهم يختلفون من حيث الخبرات بالغة الذروة. فبعض الأفراد الذين يحققون ذاتهم نادراً ما يكون لديهم خبرات ذروة بينما هناك من لديهم خبرات للذروة بشكل متكرر أكثر. ويطلق على هؤلاء الأشخاص الذين يمرون بخبرات بالغة الذروة «المتفوقون» والذين لا يمتلكون خبرات الذروة أطلق عليهم «غير المتفوقين». وكلاًّ منهما يشترك في جميع مزايا تحقيق الذات باستثناء تكرار خبرات الذروة.
ووصف ماسلو النمطية إلى أن تحقيق الذات بحد ذاته قد يحتوي على مستويين. ويبدو أن محققي الذات المتفوقين محققين لذاتهم «إذا كان ذلك ممكناً» أكثر من غير المتفوقين. فعلى سبيل المثال، تصبح خبرات الذروة للمتفوقين مفهوماً أكثر أهمية لحياتهم، ويكونوا مدفوعين بشكل واعي بـ b-Motivation ويعتقدون، ويتحدثون بلغة تتعلق بالشرف والحقيقة والجمال والكمال. وكذلك يرى المتفوقون قدسية الأشياء بشكل كامل، ويكون لديهم احتمال أكبر لأن يكونوا متدينين بشكل عميق. ويكون منهجهم كلي أكثر في التعامل مع العالم. ويعجب بهم الناس أكثر، والممتع أن ماسلو اعتقد أن المتفوقين قد يكونوا أقل سعادة من غير المتفوقين. واقترح أن هذا يكون بسبب قدرتهم على رؤية عناء الناس بشكل واضح أكثر، وأن يعانوا من نوع من الحزن العالمي لفشل الآخرين (Maslow, 1973).
تتألف أول أربع درجات في هرم ماسلو من الحاجات التي يجب تلبيتها قبل الوصول إلى المرحلة النهائية، واعتبرها ضمن الحاجات الحرمانية. ويعتبر ماسلو أن هذه الحاجات تنتج عن العجز في حياة الفرد. وهذا يعني أن السلوكيات المرتبطة بأول أربع فئات يكون دافعها الحرمان من هذه الأشياء الضرورية للتطور الكامل. والسلوكيات الناجمة عن محاولات لإشباع هذه الحاجات، لذلك، يقال إنها تفعّل عن طريق دافعية الحرمان (d-motivation).
وأشار ماسلو أنه على الرغم من أن ترتيب هذه الدرجات الأربعة صحيحاً بالنسبة لمعظم الناس، إلا أن هناك بعض الاستثناءات. وأكثر استثناء شيوعاً هو بالنسبة لبعض الناس يجب أن تسبق حاجة التقدير حاجات الحب. وبالنسبة لهم، من الضروري الشعور بالقيمة قبل تلبية حاجات الحب.
واعتقد ماسلو أيضاً أنه بالنسبة لبعض الأفراد الذين يعانون من الحرمان الشديد على المستوى الجسدي، قد لا تظهر الحاجات الأعلى أبداً. وبالنسبة لهؤلاء الناس يكون كافياً أن يحصلوا فقط على شيء قليل يأكلونه. ومن ناحية أخرى، اعتقد ماسلو أيضاً أن الأفراد الذين يتم إشباع حاجاتهم الأساسية باستمرار سوف يكونوا أقل تأثراً بهذه الحاجات إلا إذا توقف إشباع هذه الحاجات فجأة. وقد يفسر هذا سلوك المضحين الذين يعانون من الحرمان بسبب أفكار مثالية. واقترح ماسلو أن المضحين قد يكونوا قادرين على تحمل الحرمان بشكل أفضل لأن حاجاتهم قد تم إشباعها في أوقات مبكرة من حياتهم وبذلك تعصمهم من التفكير بهذه الحاجات فيما بعد. ومن هذا المنطلق، أكد ماسلو أن أول أربع سنوات من الحياة هامة بشكل خاص في بناء المقاومة للحرمان التالي.
وكما ذكرنا سابقاً، ليس من الضروري إشباع كل مستوى من مستويات الهرم بشكل كامل. وعند إشباع الحاجات الأدنى بشكل جزئي، تظهر الحاجات الأعلى بشكل جزئي. وعندما يتم إشباع الحاجات الأدنى أكثر وأكثر تصبح الحاجات الأعلى بارزة أكثر وأكثر من حيث التحكم في السلوك. وفي النهاية، اقترح ماسلو أن بعض الناس ليس لديهم وعي بهرم الحاجات بشكل كبير.
تحقيق الذات:
عندما نقوم بإشباع أول أربعة مستويات من الحاجات، يمكن الوصول للمستوى النهائي من التطور - الذي أطلق عليه ماسلو تحقيق الذات. وعند مستوى تحقيق الذات يكون سلوك الشخص مدفوعاً بظروف مختلفة أكثر من المستوى الأدنى.
لقد أشبع الفرد الذي حقق ذاته جميع حاجات الحرمان لأول أربعة مستويات من الهرم. ويكون سلوك الفرد الذي حقق ذاته، نتيجة لذلك، مدفوعاً بمجموعة جديدة من الحاجات التي أطلق عليها ماسلو حاجات الكينونة (b-motivation) أو الحاجات النمائية (Develomental needs) وهذه الدوافع هي قيم مثل الحقيقة والشرف والجمال والخير وهي توفر معنى لحياة الفرد الذي حقق ذاته.
والصورة التي يعطينا إياها ماسلو عن الشخص الذي حقق ذاته هي صورة إيجابية جداً. فهؤلاء الأفراد لم يعودوا مدفوعين بشيء ينقصهم، ولكنهم مدفوعين لأن ينموا وأن يصبحوا كل ما يستطيعوا أن يصبحوا عليه. وتحقيق الذات يحفز الناس باستمرار لفحص قدراتهم وتوسيع آفاقهم.
واقترح ماسلو أن عملية النمو التي تقود إلى تحقيق الذات تأخذ وقتاً لا بأس به، وأن معظم الأشخاص الذين تحققوا ذاتهم يبلغون من العمر 60 سنة وأكثر. واعتقد ماسلو أن قلة من الناس في مجتمعنا يصلون إلى تحقيق الذات. وقدر أن أقل من 1% من السكان يمكن اعتبارهم محققين لذاتهم.
إذن فالشخص الذي حقق ذاته هو شخص مستقل، لقد سيطر على النقص في حاجاته ويكون مدفوعاً بما أطلق عليه ماسلو «دافع النمو». وهؤلاء الأشخاص يحاولون حل المشكلات خارج أنفسهم، وأن يصلوا إلى الحقيقة والجمال والعدل وغيرها من القيم العالية. ولا يجب على الفرد، مع ذلك، أن ينظر إلى تحقيق الذات على أنه شيء مثالي. لقد أشار ماسلو أن الأفراد الذين حققوا ذاتهم لديهم العدد الكبير من أنماط الفشل الشائع لدينا. فهم يمكن أن يكونوا سخيفين ومبذرين ومزعجين غافلين ومملين وعنيدين. كما أنهم يظهرون غروراً سطحياً يتعلق بما ينتجونه ويمكنهم أن يظهروا القسوة في بعض الأحيان. وبسبب قدراتهم المتطرفة على التركيز، يظهر أحياناً أنهم شاردي الذهن. ويمكنهم أن يكونوا غير مؤدبين عندما يفكرون بمشكلة ما. كما أنهم يشعرون بالذنب والقلق والحزن والصراع، ولكن هذا يكون ناتجاً عن إدراكهم بأنهم لا يستطيعوا أن يكونوا ما يريدوا أن يكونوا عليه، وليس من كونهم عصابيين.
وفي آخر كتاباته توصل ماسلو (1971) إلى الاستنتاج أن هناك في الحقيقة نمطين من الأفراد الذين يحققون ذاتهم وهم يختلفون من حيث الخبرات بالغة الذروة. فبعض الأفراد الذين يحققون ذاتهم نادراً ما يكون لديهم خبرات ذروة بينما هناك من لديهم خبرات للذروة بشكل متكرر أكثر. ويطلق على هؤلاء الأشخاص الذين يمرون بخبرات بالغة الذروة «المتفوقون» والذين لا يمتلكون خبرات الذروة أطلق عليهم «غير المتفوقين». وكلاًّ منهما يشترك في جميع مزايا تحقيق الذات باستثناء تكرار خبرات الذروة.
ووصف ماسلو النمطية إلى أن تحقيق الذات بحد ذاته قد يحتوي على مستويين. ويبدو أن محققي الذات المتفوقين محققين لذاتهم «إذا كان ذلك ممكناً» أكثر من غير المتفوقين. فعلى سبيل المثال، تصبح خبرات الذروة للمتفوقين مفهوماً أكثر أهمية لحياتهم، ويكونوا مدفوعين بشكل واعي بـ b-Motivation ويعتقدون، ويتحدثون بلغة تتعلق بالشرف والحقيقة والجمال والكمال. وكذلك يرى المتفوقون قدسية الأشياء بشكل كامل، ويكون لديهم احتمال أكبر لأن يكونوا متدينين بشكل عميق. ويكون منهجهم كلي أكثر في التعامل مع العالم. ويعجب بهم الناس أكثر، والممتع أن ماسلو اعتقد أن المتفوقين قد يكونوا أقل سعادة من غير المتفوقين. واقترح أن هذا يكون بسبب قدرتهم على رؤية عناء الناس بشكل واضح أكثر، وأن يعانوا من نوع من الحزن العالمي لفشل الآخرين (Maslow, 1973).
Page 9
الفشل في تحقيق الذات:
إذا كان تحقيق الذات هو المستوى النهائي الذي يكافح الجميع من أجله، إذن، لماذا يعجز معظم الناس عن تحقيق هذا الهدف. يعتقد ماسلو أن الميل نحو النمو أضعف من دوافع النقص، ويمكن إيقافها بسهولة عن طريق البيئة الفقيرة أو التعليم الرديء. واعتقد ماسلو أن الثقافة الغربية، مع تركيزها على الطبيعة السلبية للدافعية البشرية، قد عملت ضد ثقتنا بطبيعتنا الداخلية. ولقد ركزت الثقافة الغربية على الطبيعة (الغريزة) الداخلية السيئة (نظرية فرويد مثلاً) واهتمت بآليات التحكم. ولقد قاد هذا العديد من الناس إلى رفض خبراتهم الداخلية.
كما لاحظ ماسلو أن النمو يتطلب خوض المغامرات والابتعاد عن الوضع الآمن والمريح. وليس من السهل أن نتخذ هذه الخطوة التي يجب علينا أن نقوم بها مرة بعد مرة لكي ننمو. ويفضل العديد من الناس الأمن على النمو. واعتقد ماسلو أيضاً أن الناس خائفين من قدراتهم. فإن يصبح الفرد كما يستطيع أن يصبح عليه يعتبر مخيفاً للعديد من الناس. ولذلك، يرفض الناس فرصة النمو خوفاً من النجاح المتكامل والتحدي المستمر.
اعتقد ماسلو أننا حتى نفهم إمكانيات السلوك البشري علينا أن ندرس تحقيق الأفراد والاستثنائية وليس الأفراد المتوسطين. وأن الشخص الذي حقق ذاته فقط، هو الذي يستطيع أن يرى المدى الكامل من الدافعية البشرية.
انتقاد نظرية تحقيق الذات:
لقد خلت نظرية ماسلو من الانتقاد (جيلر 1982، شولتنز 1977). ويمكن أن يكون أكثر نقد شائع ومدمر يتعلق بالأفراد الذين بدأ ماسلو بدراستهم والذين حققوا ذاتهم. وبدأ ماسلو دراسته لتحقيق الذات في محاولته لفهم صديقين كان شديد الإعجاب بهما. وعند التحدث معهما اكتشف أنهما يشتركان بالعديد من المزايا المشتركة. ولقد قاده هذا إلى دراسة تحقيق الذات بشكل أكبر عن طريق فحص الأصدقاء والمعارف. والشخصيات التاريخية والعامة. ولقد فضل العديد من الأفراد الذين كانوا على قيد الحياة أن يبقوا مجهولين حتى لا يستطيع علماء نفس آخرين أن يتحققوا من دقة إدراك ماسلو لهؤلاء الناس. كذلك، كانت الشخصيات التاريخية متوفاة، مما يتطلب الاعتماد على مصادر مكتوبة تكون أكثر دقة. وكانت المشكلة الرئيسية أننا كان علينا أن نصدق ما قاله ماسلو من أن الناس الذين درسهم كانت لديهم الخصائص التي وصفها.
ثانياً، أما الانتقاد الثاني التي تعرضت لها نظرية ماسلو هو اعتبارها نظرية انتخابية. فالأشخاص الذين يتلقون تعليماً رديئاً ووظائف ليس لها مستقبل أو توقعات اجتماعية متدنية ليس من المحتمل أن يحققوا ذاتهم. ويبدو أن النخبة يمتلكون تميز في الحصول على تحقيق الذات ونتيجة لذلك، قد لا تصف النظرية الناس بشكل عام.
وحقيقة أن العديد من الناس يفشلون في أن يصبحوا محققين لذاتهم هذا مما أوحى لبعض الباحثين أن الدافع نحو النمو قد لا يكون متفقاً مع ما اقترحه ماسلو. ومن المحتمل أن الحاجة التي تدفع الفرد لأن يصبح إنساناً متميزاً واستثنائياً قد تكون لدى بعض الأشخاص، وقد لا تكون هذه الحاجة لدى بعض الأشخاص الآخرين (Geller, 1982)..
وفي النهاية، انتقدت نظرية ماسلو بسبب غموضها في اللغة والمفاهيم ونقصها للأدلة العامة.
وقد عملت العديد من الأبحاث التي اهتمت بموضوع تحقيق الذات فكان منها الأبحاث التي طورها إيفيرت شوستورم (1964، 1966) وصمم اختباراً للتمييز بين الأفراد الذين حققوا ذاتهم والأفراد الذين لم يحققوا ذاتهم. وتألف الاختبار من 150 حكم على القيم والسلوك حسب اختيار من متعدد. وتم وضع علامات للأسئلة حسب مقياسين رئيسيين بالإضافة إلى عشرة مقاييس فرعية. ولقد أظهر شوستورم (1964) أن اختباره يميز بين الناس الذين يحكم عليهم بأنهم حققوا ذاتهم وأنهم طبيعيين أو أنهم لم يحققوا ذاتهم. وتشير نتائجه أن الأفراد الذين حققوا ذاتهم ظهروا أقل التزاماً بالضغوط الاجتماعية أو الامتثال. ويظهر الشخص الذي حقق ذاته على أنه يعيش في الحاضر ولكنه يستطيع أن يربط أحداث الماضي والمستقبل بالحاضر بشكل ذي معنى. وأحد جوانب هذه «الكفاءة الزمنية» كما أطلق عليها شوستورم ويبدو كون طموحات الفرد الذي حقق ذاته مرتبطة بالأهداف التي يكافح من أجل الوصول إليها في الحاضر (Govern, 2000).
ولقد فحصت عدة دراسات خصائص تجربة الذروة (ماثزن، زيفون، روتر وجورجر 1982، بريفيت 1983). ولقد قارن بريفت على سبيل المثال تراكيب تجربة الذروة مع تراكيب الأداء البالغ الذروة والتدفق. ولقد تم تعريف الأداء البالغ الذروة على أنه أداء متفوق بينما تم تعريف التدفق على أنه خبرة داخلية ممتعة والخبرات البالغة الذروة تكون سلبية بشكل واسع أي أن الفرد لا يخلق خبرة بالغة الذروة ولكنه يشعر بها عندما تحدث. ونتيجة لذلك قد تظهر هذه الخبرة على أنها إدراكية بشكل واسع ولا تتطلب سلوكاً من الفرد وتقود عادة إلى إعادة ترتيب أفكارنا. ومع ذلك، فالأداء البالغ الذروة يكون فعالاً ويتضمن التفاعل مع الشخص الآخر أو البيئة. والتدفق مثل الأداء البالغ الذروة فعالاً ولكنه مثل الخبرة البالغة الذروة ممتعاً داخلياً ويقود إلى اتحاد مع الخبرة مما ينتج عنه فقدان للذات.
وعند مسح الدراسات حول هذه المفاهيم الثلاثة، وجد بريفت (1983) العديد من أوجه التشابه والاختلاف بينها. وهناك صفة عامة في المفاهيم الثلاثة وهي «الاستغراق» ففي الخبرة بالغة الذروة والأداء بالغ الذروة والتدفق يركز الفرد انتباهه بشكل شديد على استثناء الأحداث الإدراكية الأخرى. والأكثر من ذلك، ففي الأوضاع الثلاثة يواجه الفرد الأحداث بشكل عفوي وبدون جهد عندما تحدث دون محاولة التأثير عليها بأي وسيلة.
وعلى أي حال، لاحظ بريفت أن كل مفهوم منها يصف أواضعاً لها خصائص فريدة. فعلى سبيل المثال، تمتلك التجربة بالغة الذروة مفهوماً صوفياً أو فوق شخصي لا يحدث عادة في الأداء بالغ الذروة أو في التدفق. وبالفعل في الأداء بالغ الذروة هناك وعي قوي بالذات وليس شعوراً بالخسارة. «التدفق هو المتعة» (بريفت 1983)، ويرتبط الناس بأنشطة تخلق شعوراً بالتدفق لأنها ممتعة. بالإضافة لذلك، يقوم الناس ببعض المحاولات للارتباط بأنشطة تخلق التدفق، بينما يكون الأداء بالغ الذروة والتجربة بالغة الذروة غير المخطط لهما. وهذا يساعدنا في تصنيف كلاً من أوجه الشبه والاختلاف بين هذه التراكيب الثلاثة.
ولقد قام كلاً من ديفز ولوكوود ورايت (1991) بفحص السبب الذي يجعل الناس غير راغبين في التبليغ عن التجارب البالغة الذروة، ووجد هؤلاء الباحثون أن 70% من الـ 246 شخص الذين أجروا الدراسة عليهم قد بلّغوا بأنهم كانت لديه تجارب بالغة الذروة. ومع ذلك، كان هناك عدم رغبة لإخبار الآخرين عن هذه التجارب. فلقد قال أكثر من 50% من العينة أنهم لم يخبروا أكثر من شخصين اثنين عن هذه التجربة، وحوالي 20% منهم قالوا بأنهم لم يخبروا أحداً عن هذه التجربة. وقالوا أنهم غير راغبين بالتحدث عن تلك التجربة لأن التجارب كانت خاصة وحميمة وشخصية. كما ذكروا أيضاً أنهم قلقون من أن إخبار الآخرين قد يؤدي إلى تقليل قيمة التجربة. وفي النهاية لاحظوا أن التجارب لم يكن من السهل وصفها لشخص آخر بكلمات. لذا اقترح ديفز وزملاؤه أن معظم الناس لديهم هذه الخبرات ولكنهم لا يحبون أن يشاركهم الناس فيها للأسباب التي ذكرت سابقاً. وسوف تكون الدراسات الإضافية حول هذا الموضوع مفيدة في تطوير أكبر للأفكار التي اقترحها ماسلو مبدئياً.
وعلى مستوى أساسي أكثر حاول الباحثون أن يقرروا فيما إذا كان تحقق الذات هو الحاجة الأساسية لدى الإنسان كما يقول ماسلو. فعلى سبيل المثال طلب شيلدون وإيليوت وكيم وكاسر (2001) من المشتركين أن يتذكروا «الحدث الوحيد الأكثر إرضاءً للشخص». وبعد ذلك، رتب المشاركون مستوى موافقتهم مع سلسلة من العبارات المصممة لقياس تحقيق الذات والتدبير الذاتي وتراكيب أخرى متعددة. ومن الممتع أن تحقيق الذات لم يكن من بين المفاهيم التي ارتبطت بالأحداث الأكثر إرضاءً لدى الفرد. وكانت هذه النتيجة ثابتة عبر فترات زمنية مختلفة (مثل أكثر حدث مرضي خلال الشهر الماضين خلال الفصل ككل): ما أنه وجد بين المشاركين في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. والغريب نوعاً ما، أن التقدير الذاتي كان مرتبطاً بشكل هام مع الأحداث "المرضية أكثر مثل الاستقلال والاتصال والكفاءة.
وهناك العديد من الأبحاث والانتقادات الموجهة نحو نظرية ماسلو. وعلى الرغم من أن الأدلة التي قدمها ماسلو للتراكيب مختلطة، إلا أن أفكاره أثبتت بقاءها واستمرارها (Govern, 2000).
إذا كان تحقيق الذات هو المستوى النهائي الذي يكافح الجميع من أجله، إذن، لماذا يعجز معظم الناس عن تحقيق هذا الهدف. يعتقد ماسلو أن الميل نحو النمو أضعف من دوافع النقص، ويمكن إيقافها بسهولة عن طريق البيئة الفقيرة أو التعليم الرديء. واعتقد ماسلو أن الثقافة الغربية، مع تركيزها على الطبيعة السلبية للدافعية البشرية، قد عملت ضد ثقتنا بطبيعتنا الداخلية. ولقد ركزت الثقافة الغربية على الطبيعة (الغريزة) الداخلية السيئة (نظرية فرويد مثلاً) واهتمت بآليات التحكم. ولقد قاد هذا العديد من الناس إلى رفض خبراتهم الداخلية.
كما لاحظ ماسلو أن النمو يتطلب خوض المغامرات والابتعاد عن الوضع الآمن والمريح. وليس من السهل أن نتخذ هذه الخطوة التي يجب علينا أن نقوم بها مرة بعد مرة لكي ننمو. ويفضل العديد من الناس الأمن على النمو. واعتقد ماسلو أيضاً أن الناس خائفين من قدراتهم. فإن يصبح الفرد كما يستطيع أن يصبح عليه يعتبر مخيفاً للعديد من الناس. ولذلك، يرفض الناس فرصة النمو خوفاً من النجاح المتكامل والتحدي المستمر.
اعتقد ماسلو أننا حتى نفهم إمكانيات السلوك البشري علينا أن ندرس تحقيق الأفراد والاستثنائية وليس الأفراد المتوسطين. وأن الشخص الذي حقق ذاته فقط، هو الذي يستطيع أن يرى المدى الكامل من الدافعية البشرية.
انتقاد نظرية تحقيق الذات:
لقد خلت نظرية ماسلو من الانتقاد (جيلر 1982، شولتنز 1977). ويمكن أن يكون أكثر نقد شائع ومدمر يتعلق بالأفراد الذين بدأ ماسلو بدراستهم والذين حققوا ذاتهم. وبدأ ماسلو دراسته لتحقيق الذات في محاولته لفهم صديقين كان شديد الإعجاب بهما. وعند التحدث معهما اكتشف أنهما يشتركان بالعديد من المزايا المشتركة. ولقد قاده هذا إلى دراسة تحقيق الذات بشكل أكبر عن طريق فحص الأصدقاء والمعارف. والشخصيات التاريخية والعامة. ولقد فضل العديد من الأفراد الذين كانوا على قيد الحياة أن يبقوا مجهولين حتى لا يستطيع علماء نفس آخرين أن يتحققوا من دقة إدراك ماسلو لهؤلاء الناس. كذلك، كانت الشخصيات التاريخية متوفاة، مما يتطلب الاعتماد على مصادر مكتوبة تكون أكثر دقة. وكانت المشكلة الرئيسية أننا كان علينا أن نصدق ما قاله ماسلو من أن الناس الذين درسهم كانت لديهم الخصائص التي وصفها.
ثانياً، أما الانتقاد الثاني التي تعرضت لها نظرية ماسلو هو اعتبارها نظرية انتخابية. فالأشخاص الذين يتلقون تعليماً رديئاً ووظائف ليس لها مستقبل أو توقعات اجتماعية متدنية ليس من المحتمل أن يحققوا ذاتهم. ويبدو أن النخبة يمتلكون تميز في الحصول على تحقيق الذات ونتيجة لذلك، قد لا تصف النظرية الناس بشكل عام.
وحقيقة أن العديد من الناس يفشلون في أن يصبحوا محققين لذاتهم هذا مما أوحى لبعض الباحثين أن الدافع نحو النمو قد لا يكون متفقاً مع ما اقترحه ماسلو. ومن المحتمل أن الحاجة التي تدفع الفرد لأن يصبح إنساناً متميزاً واستثنائياً قد تكون لدى بعض الأشخاص، وقد لا تكون هذه الحاجة لدى بعض الأشخاص الآخرين (Geller, 1982)..
وفي النهاية، انتقدت نظرية ماسلو بسبب غموضها في اللغة والمفاهيم ونقصها للأدلة العامة.
وقد عملت العديد من الأبحاث التي اهتمت بموضوع تحقيق الذات فكان منها الأبحاث التي طورها إيفيرت شوستورم (1964، 1966) وصمم اختباراً للتمييز بين الأفراد الذين حققوا ذاتهم والأفراد الذين لم يحققوا ذاتهم. وتألف الاختبار من 150 حكم على القيم والسلوك حسب اختيار من متعدد. وتم وضع علامات للأسئلة حسب مقياسين رئيسيين بالإضافة إلى عشرة مقاييس فرعية. ولقد أظهر شوستورم (1964) أن اختباره يميز بين الناس الذين يحكم عليهم بأنهم حققوا ذاتهم وأنهم طبيعيين أو أنهم لم يحققوا ذاتهم. وتشير نتائجه أن الأفراد الذين حققوا ذاتهم ظهروا أقل التزاماً بالضغوط الاجتماعية أو الامتثال. ويظهر الشخص الذي حقق ذاته على أنه يعيش في الحاضر ولكنه يستطيع أن يربط أحداث الماضي والمستقبل بالحاضر بشكل ذي معنى. وأحد جوانب هذه «الكفاءة الزمنية» كما أطلق عليها شوستورم ويبدو كون طموحات الفرد الذي حقق ذاته مرتبطة بالأهداف التي يكافح من أجل الوصول إليها في الحاضر (Govern, 2000).
ولقد فحصت عدة دراسات خصائص تجربة الذروة (ماثزن، زيفون، روتر وجورجر 1982، بريفيت 1983). ولقد قارن بريفت على سبيل المثال تراكيب تجربة الذروة مع تراكيب الأداء البالغ الذروة والتدفق. ولقد تم تعريف الأداء البالغ الذروة على أنه أداء متفوق بينما تم تعريف التدفق على أنه خبرة داخلية ممتعة والخبرات البالغة الذروة تكون سلبية بشكل واسع أي أن الفرد لا يخلق خبرة بالغة الذروة ولكنه يشعر بها عندما تحدث. ونتيجة لذلك قد تظهر هذه الخبرة على أنها إدراكية بشكل واسع ولا تتطلب سلوكاً من الفرد وتقود عادة إلى إعادة ترتيب أفكارنا. ومع ذلك، فالأداء البالغ الذروة يكون فعالاً ويتضمن التفاعل مع الشخص الآخر أو البيئة. والتدفق مثل الأداء البالغ الذروة فعالاً ولكنه مثل الخبرة البالغة الذروة ممتعاً داخلياً ويقود إلى اتحاد مع الخبرة مما ينتج عنه فقدان للذات.
وعند مسح الدراسات حول هذه المفاهيم الثلاثة، وجد بريفت (1983) العديد من أوجه التشابه والاختلاف بينها. وهناك صفة عامة في المفاهيم الثلاثة وهي «الاستغراق» ففي الخبرة بالغة الذروة والأداء بالغ الذروة والتدفق يركز الفرد انتباهه بشكل شديد على استثناء الأحداث الإدراكية الأخرى. والأكثر من ذلك، ففي الأوضاع الثلاثة يواجه الفرد الأحداث بشكل عفوي وبدون جهد عندما تحدث دون محاولة التأثير عليها بأي وسيلة.
وعلى أي حال، لاحظ بريفت أن كل مفهوم منها يصف أواضعاً لها خصائص فريدة. فعلى سبيل المثال، تمتلك التجربة بالغة الذروة مفهوماً صوفياً أو فوق شخصي لا يحدث عادة في الأداء بالغ الذروة أو في التدفق. وبالفعل في الأداء بالغ الذروة هناك وعي قوي بالذات وليس شعوراً بالخسارة. «التدفق هو المتعة» (بريفت 1983)، ويرتبط الناس بأنشطة تخلق شعوراً بالتدفق لأنها ممتعة. بالإضافة لذلك، يقوم الناس ببعض المحاولات للارتباط بأنشطة تخلق التدفق، بينما يكون الأداء بالغ الذروة والتجربة بالغة الذروة غير المخطط لهما. وهذا يساعدنا في تصنيف كلاً من أوجه الشبه والاختلاف بين هذه التراكيب الثلاثة.
ولقد قام كلاً من ديفز ولوكوود ورايت (1991) بفحص السبب الذي يجعل الناس غير راغبين في التبليغ عن التجارب البالغة الذروة، ووجد هؤلاء الباحثون أن 70% من الـ 246 شخص الذين أجروا الدراسة عليهم قد بلّغوا بأنهم كانت لديه تجارب بالغة الذروة. ومع ذلك، كان هناك عدم رغبة لإخبار الآخرين عن هذه التجارب. فلقد قال أكثر من 50% من العينة أنهم لم يخبروا أكثر من شخصين اثنين عن هذه التجربة، وحوالي 20% منهم قالوا بأنهم لم يخبروا أحداً عن هذه التجربة. وقالوا أنهم غير راغبين بالتحدث عن تلك التجربة لأن التجارب كانت خاصة وحميمة وشخصية. كما ذكروا أيضاً أنهم قلقون من أن إخبار الآخرين قد يؤدي إلى تقليل قيمة التجربة. وفي النهاية لاحظوا أن التجارب لم يكن من السهل وصفها لشخص آخر بكلمات. لذا اقترح ديفز وزملاؤه أن معظم الناس لديهم هذه الخبرات ولكنهم لا يحبون أن يشاركهم الناس فيها للأسباب التي ذكرت سابقاً. وسوف تكون الدراسات الإضافية حول هذا الموضوع مفيدة في تطوير أكبر للأفكار التي اقترحها ماسلو مبدئياً.
وعلى مستوى أساسي أكثر حاول الباحثون أن يقرروا فيما إذا كان تحقق الذات هو الحاجة الأساسية لدى الإنسان كما يقول ماسلو. فعلى سبيل المثال طلب شيلدون وإيليوت وكيم وكاسر (2001) من المشتركين أن يتذكروا «الحدث الوحيد الأكثر إرضاءً للشخص». وبعد ذلك، رتب المشاركون مستوى موافقتهم مع سلسلة من العبارات المصممة لقياس تحقيق الذات والتدبير الذاتي وتراكيب أخرى متعددة. ومن الممتع أن تحقيق الذات لم يكن من بين المفاهيم التي ارتبطت بالأحداث الأكثر إرضاءً لدى الفرد. وكانت هذه النتيجة ثابتة عبر فترات زمنية مختلفة (مثل أكثر حدث مرضي خلال الشهر الماضين خلال الفصل ككل): ما أنه وجد بين المشاركين في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. والغريب نوعاً ما، أن التقدير الذاتي كان مرتبطاً بشكل هام مع الأحداث "المرضية أكثر مثل الاستقلال والاتصال والكفاءة.
وهناك العديد من الأبحاث والانتقادات الموجهة نحو نظرية ماسلو. وعلى الرغم من أن الأدلة التي قدمها ماسلو للتراكيب مختلطة، إلا أن أفكاره أثبتت بقاءها واستمرارها (Govern, 2000).
Page 10
الفصل الثاني
نظرية العزو
اتجاه العزو
لنفترض أنك تمتلك مصبغة وتميز خدمات المصبغة بتوصيل الملابس إلى المنازل وأن موظف إيصال الملابس ترك العمل، وأنت تحاول إحضار شخصاً ليحل محله، لديك مرشحين للوظيفة يبدوان بصورة جيدة، باستثناء أن كل واحد منهما قد تسبب بحادث سير ثانوي في السنة الماضية.ماذا ستفعل؟ سيكون اندفاعك نحو محاولة تحديد أسباب كلا الحادثين، إلى ماذا يمكن إعزاء هذين الحادثين؟ افرض أنك وجدت أن أحد الحادثين كان بسبب أحد طالبي الوظيفة (اجتاز الإشارة الحمراء وصدم حافلة) بينما سبب الحادث الآخر هو الحظ السيئ (أن فرداً آخر اجتاز الإشارة الضوئية وصدم طالب الوظيفة)، فعندما تقوم بشكل واضح بعمل تلك الإعزاءات، أو بتقييد هذه الأسباب، سوف تعرض الوظيفة للشخص الثاني.
نشاهد في هذا المثال أننا مدفوعون لإيجاد أسباب للأحداث التي تدور حولنا، وتستطيع تلك الاستدلالات «inferences» المتعلقة بالأسباب التأثير في سلوكنا المستقبلي، ويستند سلوكنا على عمليات الاستدلال (الاستنتاج) كما تتواجد هذه العمليات التي يتم فيها استنتاج الأسباب في صميم نظرية العزو.
ولا تعد تلك عملية نادرة أو غير عادية، فبناءً على نظرية العزو، نحن نقوم بذلك طوال الوقت، نحن لا نقوم فقط بعمل استدلالات متعلقة بالأفراد الآخرين مستندة على سلوكهم، ولكننا نقوم كذلك بالاستدلالات عن أنفسنا.
على سبيل المثال، لنفترض أنك قمت بالإساءة لشخص ما وجرحت شعوره، ثم تساءلت لاحقاً لماذا فعلت ذلك؟ هل كان ذلك كونك شخص بذيء؟ أم كان ذلك ناتجاً فقط عن «يوم سيئ» ومن المرجح أن لا يحدث ذلك مرة أخرى؟ أم كان بسببك (أنت شخص هادئ جداً وطبيعي) حيث دفعك لذلك شخص بغيض آخر؟ يمكن وبشكل قوي أن يتأثر سلوكك المستقبلي بشكل واضح بتلك التفسيرات المتعلقة بالبدائل التي قمت باختيارها، واعتماداً على استنتاجاتك، يمكنك أن تنهي الموضوع باعتذار أو أن تقوم بتوبيخ الشخص الآخر.
عندما نقوم بعمل استدلالات عن أفكار الآخرين واحتياجاتهم وأمنياتهم ورغباتهم، فإننا نقوم بعمل ذلك استناداً على معلومات محددة وبعض الأحيان غامضة، فكل ما لدينا هو سلوك ظاهر، نحن لا نستطيع اختراق داخل رؤوسهم ومشاهدة ماذا يحدث هناك بشكل دقيق، وكنتيجة لذلك نقوم بارتكاب الأخطاء في عملية العزو هذه، وما يجب أن نعرفه، أن بعض هذه الأخطاء مصنفة ومتوقعة.
تفترض نظرية العزو ما يلي:
أولاً: أننا مدفوعين لتحديد الأسباب.
ثانياً: أننا نعزو سلوكنا وفقاً لتلك الاستدلالات.
ثالثاً: توجد مبادئ عامة وقوانين ترشدنا خلال تلك الإعزاءات.
لا تعتبر هذه العمليات عشوائية وفوضوية وغير قابلة للتنبؤ، بل هي قانونية ومنظمة وضمن قدرات فهمنا. وبالرغم من المضي كثيراً في الوقت والجهد في محاولة تحديد أسباب الأحداث في العالم، إلا أنا لا نعمل ذلك دائماً، فنحن لا نساءل بشكل مستمر، لماذا يستمر شعري بالنمو؟ أو لماذا يحب الأفراد مشاهدة مباريات كرة القدم؟ يبدو علينا بعض الأحيان أننا مندفعين لتحديد الأسباب، ويبدو علينا في أحيان أخرى عدم المبالاة، ولم يتم التوصل لهذه الأسباب بصورة كبيرة من قِبَل الأبحاث، ولكن تم التوصل إلى بعض الأفكار الأولية بخصوص هذا الأمر، فعلى سبيل المثال، إذا حدث أمر ما غير عادي وغير محتمل إحصائياً، فعندئذ يصبح اندفاعنا لتحديد الأسباب مستثاراً، وإذا عبر شخص عادي الشارع فنحن لا نتساءل لماذا؟ ولكن إذا عبر نفس الشخص الشارع عارياً تماماً، فإننا نبدأ على الفور بمحاولة تحديد أسباب السلوك غير المتوقع «هل هو شخص مريض عقلياً؟» هل هذه مزحة؟
تبدو هذه الأحداث السلبية والغير مرغوبة مثيرة لاحتياجاتنا للبحث عن الأسباب، فقد يمضي الفرد المصاب بالسرطان ساعات طويلة في المكتبة ليتعلم عن هذا المرض، قد يبحث زوجان يعانيان من مشاكل زوجية عن مساعدة متخصصة لاستخلاص جذور المشاكل وتحديد لب مصادرها، والطفل الذي لا يتمكن من الانضمام لحلف صغير قد يحاول معرفة سبب ذلك.
وقد يدفع التشكك بخصوص المستقبل الأبحاث لمعرفة الأسباب، وقد يبحث التلميذ الذي قبل في كلية ما من فهم الخصائص المميزة للمدرسة وكيفية تأثيرها عليه مستقبلاً، بعبارة أخرى، عندما يكون للأحداث تأثير سيئ أو يمكن أن يكون لها تأثير شخصي على حالة سعادتنا، فعندها يبدو علينا الاندفاع لفهم الأسباب وراء الأحداث.